Полный текст (457 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وكانت كثافة السكان في الأندلس سنة ١٩٨١ م حوالي ٧٤ شخص للكيلومتر المربع، وهي في ارتفاع مستمر، يقطن منهم حوالي ٣٧ في المائة في المناطق القروية، و ٦٣ في المائة في المناطق الحضرية، وهذه النسبة الأخيرة في ارتفاع مستمر. وأهم مدن الأندلس هي عواصم المقاطعات الثمانية، أكبرها العاصمة إشبيلية تليها مالقة ثم قرطبة فغرناطة. ويبين الجدول التالي تزايد عدد سكان العواصم الثمانية منذ سنة ١٨٦٠ م:
إشبيلية
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ١١٨.٢٩٨
١٩٠٠ م: ١٤٨.٣١٥
١٩٣٠ م: ٢٢٨.٧٢٩
١٩٨٠ م: ٦٢٨.٣٣١
مالقة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٩٤.٧٣٢
١٩٠٠ م: ١٣٠.١٠٩
١٩٣٠ م: ١٨٨.٠١٠
١٩٨٠ م: ٤٤٥.٣٤٥
قرطبة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٤٥.٩٦٣
١٩٠٠ م: ٥٨.٢٧٥
١٩٣٠ م: ١٠٣.١٠٦
١٩٨٠ م: ٢٧٣.٢٥٣
غرناطة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٦٧.٣٢٦
١٩٠٠ م: ٧٥.٩٠٠
١٩٣٠ م: ١١٨.١٧٩
١٩٨٠ م: ٢٣٦.٨٤١
قادس
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٧١.٥٢١
١٩٠٠ م: ٦٩.٣٨٢
١٩٣٠ م: ٧٥.٧٦٩
١٩٨٠ م: ١٤٧.٧٧٨
المرية
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٢٩.٤٢٦
١٩٠٠ م: ٤٧.٣٢٦
١٩٣٠ م: ٥٣.٩٧٧
١٩٨٠ م: ١٢٧.٢٥٩
ولبة
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٩.٨٠٥
١٩٠٠ م: ٢١.٣٥٩
١٩٣٠ م: ٤٤.٨٧٢
١٩٨٠ م: ١٢٥.٦٨١
جيان
سكانها سنة ١٨٦٠ م: ٢٢.٩٣٨
١٩٠٠ م: ٢٦.٤٣٤
١٩٣٠ م: ٣٩.٧٨٧
١٩٨٠ م: ٨٩.٤٨٩
ومن خصوصيات سكان الأندلس سنة ١٩٧٥ م أن ٣٠.٥ في المائة منهم أقل من ١٥ سنة (٣٣.١ في المائة سنة ١٩٠٠ م)، و ٦٠.١ في المائة تتراوح أعمارهم بين ١٥ و ٦٤ سنة (٦٢.١ في المائة سنة ١٩٠٠ م)، و ٩.٤ في المائة تزيد أعمارهم عن ٦٥ سنة (٤.٨ في المائة سنة ١٩٠٠ م). وكانت نسبة المواليد في الحقبة بين ١٩٦١ م و ١٩٧٠ م بمعدل ٢٠.٧٩ مولود لكل ألف ساكن في السنة (٣٨.٢٥ في الحقبة ١٩٠١ - ١٩١٠ م) ونسبة الوفيات ٨.٥٨ متوفَّى لكل ألف ساكن في السنة (٢٨.٨٧ في الحقبة ١٩٠١ - ١٩١٠ م)، وبذلك تكون الزيادة الطبيعية ١٢.٢١ شخصًا لكل ألف ساكن في السنة في الحقبة المذكورة (٩.٣٨ في الحقبة ١٩٠١ - ١٩١٠ م)، وهي نسبة مرتفعة بالنسبة لباقي أوروبا، وإن كانت تتجه إلى الانخفاض. لذلك فالأمة الأندلسية المعاصرة هي أمة شابة يكثر فيها الشباب ويقل العجزة.
стр. 317
ولا زالت الأمية مرتفعة بين الأندلسيين، إذ كانت نسبة الأميين من مجموع السكان ١٠ في المائة سنة ١٩٧٥ م (٦٨ في المائة سنة ١٩٠٠ م) ويتوقع أن تصل إلى الصفر في المستقبل القريب. وفي سنة ١٩٧٩ م كان يعمل ٣٠.٣ في المائة من السكان العاملين في الزراعة (٥٧ في المائة سنة ١٩٥٠ م) و ١٦.١ في المائة في الصناعة (١١.١ في المائة سنة ١٩٥٠ م) و ١٠.٣ في المائة في التجارة (٥.٤ في المائة سنة ١٩٥٠ م). غير أن نسبة البطالة ظلت مرتفعة مما أدى إلى هجرة متواصلة للأندلسيين لباقي إسبانيا وخارجها. وتدل الأرقام أعلاه على أن الأندلس بلاد زراعية أكثر من باقي إسبانيا. كما أن دخل الفرد في الأندلس بقي أقل منه في باقي إسبانيا، إذ وصل سنة ١٩٧٧ م إلى حوالي ١٥٠.٠٠٠ بسيطة فقط للفرد الواحد، وهو في ارتفاع سريع ومستمر.
والأندلس أرض زراعية تستثمر ٩١.٤ في المائة من مساحتها، وهي نسبة أعلى بقليل منها في باقي إسبانيا. وأهم المنتوجات الزراعية سنة ١٩٨٢ م هي الحبوب (معظمها القمح والذرى والأرز)، خصصت لها ١.١٧٤.٧٤٠ هكتار (٢٧ في المائة من الأراضي المستثمرة) وهي في زيادة، والزيتون، خصصت له ١.٢٨٢.١٩٨ هكتار (٢٩ في المائة من الأراضي المستثمرة) وهي في انخفاض، بينما خصصت باقي الأراضي (٤٤ في المائة) لزراعة العنب والقطن والشمندر والفواكه والقطنيات والزهور، الخ ... أما المواشي فكان عددها في الأندلس سنة ١٩٧٢ م ١.٤٠٠.٠٠٠ من الغنم و ٧١٠.٠٠٠ من الماعز و ٤٨٠.٠٠٠ من البقر و ٤٦٠.٠٠٠ من الخنازير. وتقدمت الزراعة في السنين الأخيرة بشكل ملحوظ، إذ تضاعف فيها استعمال الآليات الزراعية عدة مرات، وانتشرت الزراعة المغطاة خاصة بعد انضمام إسبانيا للسوق الأوروبية المشتركة.
أما الصناعة فقد بقيت محدودة، عدا في منطقة ولبة حيث انتشرت الصناعات الكيماوية، وأثرت تأثيرًا سيئًا على البيئة.
ويذهب إلى المدارس في الأندلس حوالي ٧٥٠.٠٠٠ طالب (سنة ١٩٧٩ م) يعلمهم حوالي ٢٥.٠٠٠ معلم مسجل، يدرس حوالي ٤٠ في المائة منهم في المدارس الخاصة و ٦٠ في المائة في المدارس الحكومية. وتوجد في الأندلس عدة جامعات (في غرناطة وإشبيلية ومالقة وقرطبة) تدرس فيها شتى العلوم، كما بها عدة مؤسسات للتعليم العالي علمية وفنية في مدن متعددة.
стр. 318
والأندلس اليوم منطقة سياحية كذلك. وقد جلبت السياحة دخلاً كبيرًا من العملة الصعبة، لكن كثيرًا من المفكرين الأندلسيين انتقدوها لتأثيرها السيىء على الثقافة والقيم والبيئة الأندلسية، ولكون معظم المستفيدين منها من غير الأندلسيين أو طبقات خاصة منهم مما أدى إلى تحويل المجتمع الأندلسي إلى خدمة المقاهي والملاهي؛ وقد انتشرت التسهيلات الفندقية في كل الأندلس، خاصة الشواطىء، إذ اقترب عدد الغرف الفندقية سنة ١٩٧٧ م إلى المائة ألف غرفة وتعدتها بكثير اليوم (سنة ١٩٩٠ م)، بينما وصل عدد السياح سنة ١٩٧٤ م وحدها إلى ٣.٥ مليون سائح (وتضاعف هذا العدد سنة ١٩٩٠ م).
أما النقل، فقد كان في الأندلس سنة ١٩٧٥ م ١٣٢.٥٥٠ شاحنة و ٥.١٨٩ حافلة و ٥٢٥.٩٢٧ سيارة خاصة (٨٦ سيارة لكل ألف مواطن، و ٤١ سنة ١٩٧٠ م)، وهي في ارتفاع كبير، و ٢٠٣.٦٢٤ دراجة نارية (٣٣ دراجة لكل ألف مواطن) وهي في انخفاض، و ١٥٤.٢٦٠ دراجة عادية (٢٥ دراجة لكل ألف مواطن، و ٣٣ سنة ١٩٧٠ م) وهي في انخفاض. وسجلت سنة ١٩٧٨ م وحدها ٧٠.٥٢٩ سيارة خاصة جديدة و ٤.٥٨٠ دراجة نارية. كما توجد في الأندلس شبكة طرق مهمة، وقد ابتدىء في بناء شبكة للطرق السريعة تربط العواصم الأندلسية المختلفة. كما توجد بالأندلس عدة موانىء كبيرة، أهمها مالقة وإشبيلية والمرية والجزيرة الخضراء وولبة، وعدة مطارات، منها الدولية في مالقة وإشبيلية، والوطنية في غرناطة وشريش (مقاطعة قادس) والمرية.
стр. 319
مراجع
الفصل التاسع
٩/ ١ - Blas Infante "Fundamentos de Andalucia" Fondation Blas Infante, Sevilla, ١٩٨٤.
٩/٢ - Enrique Soria Medina "Los Cuarenta Anos" Andalucia dijo Si, Au - gusto Llorca, Sevilla, ١٩٨٠.
٩/٣ - Augusto Llorca "Andalucia dijo Si" Sevilla, ١٩٨٠, p. ١٧-١٨.
٩/٤ - Ref. (٩.٣) , p. ١٥.
٩/٥ - Ref. (٩.٣) , p. ١٩
٩/٦ - Ref. (٩.٣) , p. ٢٨.
٩/٧ - Fernando Repiso "Simbolos y Derechos Andaluces" Sevilla, ١٩٨٠.
٩/٨ - Ref. (٩.٧) , p. ١٩-٣٠.
٩/٩ - Ref. (٩.٧) , p. ٣١-٤٨.
٩/١٠ - Ref. (٩.٧) , p. ٤٩-٥٣.
٩/١١ - Ref. (٩.٧) , p. ٦١-٧٠.
٩/١٢ - Enrique Soria Medina "Andalucia: Datos para su Historia: ١٩٠٠-
١٩٧٩" Sevilla, ١٩٨٠.
стр. 320
الفصل العاشر
الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ١٩٧٠ م)
١٠/ ١ - الجمعيات الإسلامية للوافدين:
غاب الإسلام، ظاهرًا عن أرض الأندلس منذ سنة ١٦٠٩ م، واحتفظ به في القلوب من تبقى من المسلمين الأندلسيين. وكان التنصير شرطًا للإقامة لمن وفد من المسلمين إلى إسبانيا. وخف هذا الوضع بعد الحرب العالمية الثانية وهجرة عدد من أهل منطقة الحماية الإسبانية بشمال المغرب إلى إسبانيا، كجنود مع جيش فرانكو. وكان فرانكو قد وعدهم بتسليمهم مسجد قرطبة الجامع إن هو انتصر. فلم يف بالوعد، وعوضًا عن المسجد الجامع، بنى لهم في ساحة عامة بوسط قرطبة مسجدًا صغيرًا مقابل مستشفى للصلاة على موتاهم. وقد أقفل المسجد الصغير (المسمى عند أهل قرطبة بالمرابطو) بعد الحرب الأهلية بقليل، وأصبح مخزنًا لآليات الحديقة العامة، ولم يفتح من جديد للصلاة إلا مؤخرًا.
وتكاثرت أعداد المسلمين الوافدين إلى إسبانيا بعد سنة ١٩٦٠ م. إلى أن وصلت سنة ١٩٩٠ م إلى حوالي مائتي ألف مسلم، معظمهم من العمال المغاربة، والطلبة المشارقة الذين مكثوا بعد تخرجهم وحصلوا على الجنسية الإسبانية. ولم يتمكن هؤلاء من تنظيم أنفسهم إلا مؤخرًا.
ففي ٢٤/ ١٢ / ١٩٦٤ م، صدر قانون الجمعيات الذي سمح للجمعيات الدينية غير الكاثوليكية بشيء من التنظيم لأول مرة. وفي ٢٨/ ٦ / ١٩٦٧ م، أصدرت الحكومة الإسبانية قانونًا جديدًا تسمح فيه بحرية الأديان، أصبح معه من الممكن تأسيس جمعيات إسلامية لأول مرة منذ سقوط غرناطة، رغم نقصه، إذ لا يسمح بممارسة الشعائر غير الكاثوليكية إلا جزئيًّا، ولا يسمح للمجموعة الإسلامية بإجراء
стр. 321
مفاوضات مع الدولة للمطالبة بالحقوق الدينية أو المدنية. فجعل هذا القانون ممكنًا تنظيم جمعية إسلامية من طرف غير الإسبان، ولكنه لم يسهل أي وجود إسلامي منظم بين المواطنين الأندلسيين.
فاستفاد من هذا القانون الطلبة العرب المشارقة ذوو الاتجاه الإسلامي إذ أسسوا جمعية طلابية إسلامية في غرناطة سنة ١٩٦٦ م، بعد أن اقترح ذلك عليهم الأستاذ أبو الحسن الندوي عند زيارته سنة ١٩٦٥ م، وسجلوها رسميًّا سنة ١٩٧١ م بوزارة العدل الإسبانية، تحت اسم (الجمعية الإسلامية في إسبانيا). وفي ٢٢/ ٤/ ١٩٧٤ م، عدل نظام الجمعية لتمكينها من بناء المساجد والمراكز الإسلامية عبر إسبانيا. ثم فتحت الجمعية فروعًا متعددة في مدن إسبانيا المختلفة: مجريط، وأبيط (آشتورياش)، وسرقسطة (أراغون)، وبلنسية (بلنسية)، وشنت آندر (كانتابريا)، وشنت ياقو (جليقية)، ومالقة وغرناطة بالأندلس.
ابتدأت الجمعية نشاطها في شقة متواضعة في غرناطة، وكان من أبرز أعضائها رمزي الأتاسي ورياج الططري. ثم انتقل مقر الجمعية الأساسي إلى مجريط في شقة متواضعة، ثم انتقلت إلى شقة في شارع فرانكوس رودريكز تحتوي على مصلى يتسع لحوالي ٢٠٠ شخص ومكتبة صغيرة وغرفة للنشاط الإداري وصفوف للتدريس. ثم بنت الجمعية مركزًا إسلاميًّا متكاملاً اسمه "مسجد أبو بكر" في شارع أنستيزيو هريرو من حي تطوان، وهو أول مسجد يُبنى حديثًا في مجريط. أما مراكز المدن الأخرى فكلها شقق متواضعة مؤجرة أو مشتراة من طرف الجمعية.
ومعظم أعضاء هذه الجمعية طلبة من سوريا وفلسطين، تخرجوا بعد ذلك وتزوج كثير منهم بإسبانيات وحصلوا على الجنسية الإسبانية وانخرطوا في الحياة العامة. ويعود الفضل إلى كثير من هؤلاء الذين ضحوا بنشاطهم المهني للدعوة إلى الله بين المهاجرين المسلمين، خاصة الطلبة العرب، فأنقذوا منهم أجيالاً لم يتعلموا أمور دينهم إلا في المهجر. وقاموا بمجهود ضخم في تعليم الشباب المسلم أمور الدين، وطبع نشرات بالعربية والإسبانية، وإعطاء دروس إسلامية، وإحياء الشعائر الدينية، وتعليم الأطفال مبادىء الإسلام.
وإلى سنة ١٩٧٨ م، ظلت الجمعية داخل الجامعات كجمعية طلابية فقط. وبعد ذلك التاريخ، أخذ معظم الطلاب يتخرجون ويتزوجون، فأخذت الجمعية تكتسب طابعًا لجمعية جالية إسلامية. وتركز نشاطها الإعلامي في إصدار دوريتين بالإسبانية كل
стр. 322
شهرين: العروة الوثقى (حوالي ألف نسخة) والإسلام (حوالي ٧٥٠ نسخة). وتقوم الجمعية بتنظيم جداول مواقيت الصلاة وتوزيعها، كما أن لها نشاطًا في وسائل الإعلام الإسبانية ومشاركة في ندوات دينية. ويشتمل برنامج الجمعية الثقافي على حلقات دروس أسبوعية في الفقه واللغة العربية، وندوات شهرية. كما طبعت الجمعية باللغة الاسبانية عددًا من الكتب المؤلفة أو المترجمة، منها: "عيسى ﵇ في القرآن" لسليمان مفسر، و"الأسرة الإسلامية" لخورشيد أحمد، و"روح الإسلام" لمحمد أسد، و"ما قدم الإسلام للحضارة الغريبة" لأبي الأعلى المودودي، وغيرها من الكتب. ومن أبرز أنشطة الجمعية الاجتماعية تنظيم عقود الزواج الإسلامي ووثائق إشهار الإسلام، كما تفعل ذلك الجمعيات الإسلامية الأخرى.
وفي سنة ١٩٧٨ م، انفصلت عن "الجمعية الإسلامية في إسبانيا" جمعية سمت نفسها "المركز الإسلامي في إسبانيا" بسبب خلافات. وتتكون الجمعية المنفصلة كذلك من قدماء الطلاب العرب المشارقة، من أهمهم بهيج ملاحويش ومحمد سلامة. ويقع المركز الأساسي "للمركز الإسلامي في إسبانيا" في مجريط في شقة بشارع ألونسو كانو بها مسجد ومكتبة ومكاتب. وللمركز فروع في برشلونة (قطلونية) بشارع مريديان، ولاس بالماس (الجزر الخالدات). وغرناطة (شقة مشتراة)، وإشبيلية (شقة مؤجرة)، ومالقة (بيت مشترى)، وقرطبة (حصلت الجمعية على المسجد الذي بناه فرانكو للجنود المغاربة والمسمى مرابطو) بالأندلس. وفي سنة ١٩٩٠ م، كلفت رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة "المركز" بإدارة مسجد الملك عبد العزيز الذي بني سنة ١٩٨١ م بمربلة (مقاطعة مالقة) بالأندلس، يقوم به بجدارة مقام الإمام والرئيس المغربي علال بشر.
ومن أهم أنشطة "المركز الإسلامي في إسبانيا" المحاضرات واللقاءات العامة، وتوزيع الكتب الإسلامية باللغة الإسبانية، وإعطاء دروس أسبوعية في مراكزه المختلفة، وأخرى للطلاب العرب لتقوية لغتهم الإسبانية، وتنظيم رحلات جماعية،
وإحياء الشعائر الدينية. كما يقوم "المركز" بتنظيم مخيمات سنوية يشارك فيها أكثر من مائة شاب مسلم من إسبانيا وباقي أوروبا. كما يقوم "المركز" بترجمة عدد من الكتب الإسلامية إلى اللغة الإسبانية ونشرها، منها:، الأربعون النووية". وكتب نزار الصباغ كـ "الصلاة" و"تعدد الزوجات في الإسلام" و"التوحيد" و"الزواج والطلاق في الشريعة الإسلامية" و "القاديانية"، وأبي الحسن الندوي كـ "بين الشرق والغرب"، وسيد قطب
стр. 323
كـ "معالم في الطريق" و"هذا الدين"، ومحمد قطب كـ "المرأة في الإسلام" (من كتاب شبهات حول الإسلام)، وأبي الأعلى المودودي كـ "الأمم المريضة والعصر الحديث" و"النظرية السياسية في الإسلام" و"مبادىء الإسلام" و"كتاب السنة" و"مبادىء أساسية لفهم القرآن"، وكتاب "حياة محمد ﷺ " لمحمد حسين هيكل، و"الإسلام تحت الضوء" لحمودة عبد العاطي، وغيرها من الكتب.
وأنشأ "المركز" مدرسة إسلامية في غرناطة وأخرى في برشلونة لتدريس الدين الإسلامي واللغة العربية لأبناء الجالية الإسلامية الوافدة. لكن فشل المشروعان بعد جهد كبير. كما اشترى "المركز" قطعة أرض على بعد ١٢ كيلومتر من مطار مجريط مساحتها ٦.٢٥ هكتار لإقامة مخيم دائم للطلبة المسلمين.
وفي ٢٨/ ٦ / ١٩٧٣ م، قدم عمدة مجريط للهيئات السياسية الإسلامية قطعة أرض مساحتها ١٥٠٠ متر مربع في شارع كوستاريكا بإحدى أحياء مجريط الجديدة القريبة من وسط المدينة، لإقامة مسجد جامع عليها. وانتهت المدة المحددة ولم يُبن على الأرض شيء، فاستعادت البلدية الأرض. ثم بعد تعهد السفراء المسلمين في مجريط ببناء المسجد، قدمت البلدية أرضًا أخرى بضواحي مجريط الشرقية مساحتها ١٠.٤٦٥ متر مربع بشارع السلام. وفعلاً تبنت المملكة العربية السعودية مشروع المسجد الذي انتهى ببنائه سنة ١٩٩٠ م تحت إشراف سفارتها. وقد أصبح هذا المسجد أكبر مركز إسلامي في إسبانيا. وقد كلف بناؤه على مساحة ٢٠.٠٠٠ متر مربع حوالي ١.٥٠٠ مليون بسيطة. ويتكون المركز من ستة طوابق، ثلاثة منها تحت الأرض، ومئذنة علوها ٣٦ مترًا، ومسجد مساحته ٦٥٠ مترًا مربعًا يسع لـ ٨٣٠ مصل، ومكاتب وقاعة محاضرات ومركز ثقافي ومكتبة، الخ ... وكُلفت جمعية "المركز الإسلامي في إسبانيا" بإدارة هذا المركز.
وتأخر المسلمون المغاربة في تنظيم أنفسهم رغم أعدادهم الكبيرة نسبيًّا، إذ يكونون حوالي ثمانين في المائة من مسلمي إسبانيا، معظمهم عمال في المناطق الصناعية خاصة مجريط وبرشلونة، وكثير منهم يقيمون في البلاد بطريقة غير قانونية.
ولا زال التنظيم الإسلامي المغربي ضعيفًا، وهو يرتكز حول محورين: الأول التعاضديات، ولها مراكز في طورى مولينوس (مقاطعة مالقة) بالأندلس وفي برشلونة ومجريط. ولم تتحول مراكز التعاضديات إلى مراكز إسلامية متواضعة إلا مؤخرًا، وهي تتكون عادة من قاعة للصلاة ومقهى ومدرسة للأطفال. والثاني لجماعة التبليغ،
стр. 324
ظهر في السنين الأخيرة على شكل مساجد متواضعة، أهمها في منطقة الأندلس بالجزيرة الخضراء، كما يوجد مسجد في سكن العمال بمستعمرة جبل طارق. أما في منطقة قطلونية فأهم المساجد التي أسستها جماعة التبليغ هي: مسجد سان بيزانتي دي كالديرس (مقاطعة طركونة)، ومسجد طارق بن زياد ببرات (مقاطعة برشلونة)، رمسجد رمضان ببيش (مقاطعة برشلونة)، ومسجد أبو بكر ببيغيراس (مقاطعة جرندة)، ومسجد حمزة بروزاس (مقاطعة جرندة). كما أسس المغاربة جمعية "الجماعة الإسلامية المغربية في مجريط" و"الجماعة الإسلامية" في لاس بالماس بالجزر الخالدات.
ويكون الباكستانيون المجموعة الإسلامية الوافدة الثالثة، ومعظمهم عمال مناجم.
أما في الأندلس فيتمركزون في ثلاثة مدن: وهي قزلون (لينارس) بمقاطعة جيان ولاكاولينا المجاورة لها، وفي بنياروجا بمقاطعة قرطبة. وفي سنة ١٩٨٢ م، أسس الباكستانيون بمساعدة كاتب هذه السطور جمعية إسلامية في قزلون سجلت رسميًا تحت اسم "جمعية جيان الإسلامية"، كان رئيسها الأول رجا محمد إقبال.
وللباكستانيين في الأندلس دور في مساندة الجماعات الإسلامية الأندلسية في قرطبة وغرناطة في بداية نشأتها. رتوجد كذلك تجمعات إسلامية باكستانية في بمليبري بمقاطعة ليون (قشتالة ليون) وفي مونتالبان بمقاطعة طرويل (أراغون). وأسس الباكستانيون كذلك مركزًا إسلاميًّا في برشلونة بشارع ريفومير.
ويكون السنغاليون المجموعة الوافدة الرابعة، وهم يعملون في الزراعة خاصة في قطلونية، منهم في بلدتي لامارزوم وماتارون بمقاطعة برشلونة، وفي بلدة آمبوردان بمقاطعة جرندة. لكن لا تنظيم إسلامي لهم يذكر.
وبصفة عامة، لم يؤثر التنظيم الإسلامي للوافدين على الانبعاث الإسلامي لأهل الأندلس إلا هامشيًّا، وذلك لأسباب متعددة أهمها أن الوافدين يأتون بعاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم مما يجعل الأندلسي المسلم يشعر بالتبعية عند الانضمام لهم، فيؤدي ذلك إلى نفوره. ومنها أن معظم الوافدين، حتى لو استقروا في إسبانيا وأخذوا جنسيتها، لا يندمجون في واقع المجتمع الإسباني وليست لهم الجرأة على المطالبة بجميع حقوقهم فتبقى الجمعيات الإسلامية للوافدين إما مشرقية أو مغربية أو سنغالية أو باكستانية، ولا تستطيع أية واحدة منها جلب الأهالي الإسبان إليها. وقد أدى هذا الوضع مع الأيام إلى النفور بين المسلمين الأندلسيين والإسبان الآخرين من جهة
стр. 325
والمسلمين الوافدين من جهة أخرى، يعمل العاقلون من الطرفين على الحد منه.
وبصفة عامة، لا يُتوقع أن يكون للجماعات الإسلامية الوافدة تأثير كبير على مسار الانبعاث الإسلامي الأندلسي، وسيقتصر تأثيرها على جماعات الوافدين فقط. ولا تختلف هذه الجمعيات الإسلامية عن مثيلاتها بين التجمعات الإسلامية الوافدة في غرب أوروبا.
وجاء الانبعاث الإسلامي في الأندلس عن غير طريق الوافدين. وسنرى في الفصول التالية الخطوات الأولى للانبعاث الإسلامي في الأندلس وفي باقي المناطق الإسبانية، ونتابع نشأتها. كما سندرس التيارات العاملة في هذا الانبعاث الإسلامي، وتحديد التيارات ذات الجذور العريقة في الأندلس.
١٠/ ٢ - الطريقة الدرقاوية في غرناطة:
احتفظ عدد كبير من أهل الأندلس بدينهم الإسلامي سرًّا وبعد سنة ١٩٦٠ م، تجرأ بعضهم على إعلان إسلامه عند هجرته إلى المغرب، أو حتى في الأرض الإسبانية نفسها، كالمحامي خليل بن أمية الذي كان يعيش في مجريط، وغيره كثير ممن ليست له شهرته. ومنهم من هاجر إلى خارج الأندلس كالمسلم الغرناطي الذي التقيت به في كوبنهاكن (الدانمارك) في ٥/ ١١ / ١٩٧٣ م. وقد ولد ونشأ في برشلونة وأسلم سنة ١٩٦٩ م في باكستان، وتزوج بمسلمة سويدية، ثم هاجر إلى الدانمارك حيث ساهم في تأسيس جمعية إسلامية، ثم إلى لوس أنجليس (كالفورنيا) بالولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم اليوم (١٩٩٠ م). ولما سألته حينذاك عن سبب إسلامه، أجاب: "كنت طفلاً صغيرًا عند احتضار جدتي فجذبتني إليها وهمست في أذني قائلة: "إن الدين النصراني ليس ديننا وليس هو الدين الحق، عندما تكبر حاول أن تعرف دينك". فلما كبرت درست تاريخ إسبانيا وفهمت قصد جدتي، فتعلمت الدين الإسلامي واقتنعت به، وأعلنت إسلامي في باكستان حيث أمضيت سنتين لأتقن تعليمي". وهكذا أسلم عدد كبير من الأندلسيين، منهم من مكث بإسبانيا ومنهم من هاجر منها، كل واحد منهم أسلم لنفسه دون أن يفكر في تنظيم جماعة إسلامية في الأندلس.
وكانت مدينة مكناس بالمغرب منبع التنظيم الأندلسي الأول بطريقة غير مباشرة.
فقد فتح هناك قبل ربع قرن الشيخ ابن الحبيب، شيخ الطريقة الدرقاوية بمكناس، زاويته لعدد من الأوروبيين الذين انجذبوا للإسلام، منهم رجل اسكوتلاندي اسمه "يان
стр. 326
دالاس"، كان يعمل مع فرقة "البتلز" (الخنافس) الإنكليزية. فترك مجرى حياته السابق، واعتنق الإسلام، وأقام بالزاوية الدرقاوية بمكناس حيث أصبح مريدًا للشيخ ابن الحبيب الذي سماه عبد القادر، فأصبح يعرف بعبد القادر الصوفي. ثم أمره شيخه بالتوجه إلى بلده ونشر الإسلام به فرجع عبد القادر الصوفي إلى بريطانيا وأسس في نورويش (بالقرب من لندن) جالية إسلامية بريطانية.
وفي سنة ١٩٧٥ م، نفس السنة التي مات فيها فرانكو، توجه إلى بريطانيا ثلاثة من الشباب الأندلسي من بلدة بورتيانو (مقاطعة قلعة رباح) بمنطقة قشتالة - مانشة، من بينهم محمد دل بوثو الأندلسي، واعتنقوا الإسلام على يد الشيخ عبد القادر الصوفي، وأصبحوا من أتباعه في الطريقة الدرقاوية ومريديه. ثم التحق بجماعة نورويش عدد من الإسبان الذين أسلموا، من بينهم عبد السلام منصور أسكوديرو من غرناطة وعمر كوكا دومينيكز من إشبيلية وأبو الحسن كستنييرا باردو وغيرهم. فأمرهم الشيخ عبد القادر الصوفي بالاتجاه إلى قرطبة بالأندلس وتأسيس جالية إسلامية بها.
وفي سنة ١٩٧٧ م، توجه أعضاء الجماعة إلى قرطبة، واستأجروا بيتًا قديمًا سكنوا فيه جميعًا مع أزواجهم وأبنائهم، وأخذوا يقومون بأعمال متواضعة كباعة متجولين لإعالة أنفسهم. وحرصوا، رجالاً ونساء، في تلك الحقبة على ارتداء الزي الإسلامي. وانضم إلى هذه الجماعة في قرطبة عدد من الأندلسيين وغيرهم من الأسبان، زاد على الأربعين. وارتكزت فلسفة الجماعة على كونهم يعيشون في مجتمع كافر يجب الخروج عنه، فكان على كل من يعتنق الإسلام أن يترك أهله وعمله لينضم إلى الجماعة. ومنذ البداية، كان تنظيم الجماعة شبه عسكري، حيثما كان شيخها الأكبر، الشيخ عبد القادر الصوفي، يأمر فيُطاع، وينظم حياة كل أفراد الجماعة، ويطرد من الجماعة كل من يبدي أي تحفظ على أمر من أوامره. وكان إمام الجماعة محمد دل بوثو الأندلسي.
وكان حينذاك يدّعي مونسينيور إنفانتي فلوريدو، مطران قرطبة، التسامح الديني، ويشجع الحوار الإسلامي المسيحي، ويستدعي علماء الإسلام للصلاة في مسجد قرطبة الأعظم بعد مؤتمرات سنوية للحوار كان ينظمها. فاستأذنت الجماعة من المطران إقامة صلاة عيد الأضحى سنة ١٣٩٨ هـ (١٩٧٨ م) بمسجد قرطبة الأعظم، فأذن لهم. وكان ذلك أول نشاط علني عرفت به الجماعة. وانضم إلى الجماعة في صلاة العيد عدد من العمال المغاربة والباكستانيين (من بنياروجا وقزلون ولاكرولينا)
стр. 327
وبعض الطلبة العرب. وكان إمام العيد نزار أحمد الصباغ، رئيس "المركز الإسلامي في إسبانيا" الذي اغتيل ﵀ سنة ١٩٨١ م في برشلونة.
وفي سنة ١٩٧٩ م، قررت الجماعة الانتقال من قرطبة إلى إشبيلية آملة أن يكون المجال أفضل للدعوة الإسلامية. وفي إشبيلية، أقامت الجماعة لأول مرة الصلاة في حديقة جامع المنصور، وصعد أحد أفراد الجماعة إلى أعلى مئذنة المسجد (لاخير الدا) وأذن منها. وحاولت الجماعة الحصول من بلدية إشبيلية على المسجد الذي بناه المغرب في إشبيلية في معرض دولي قبل الحرب العالمية الثانية، فرفض طلبهم، وفي ٤/ ٤/ ١٩٨٠ م، بمناسبة "مسيرة النصارى" في "الأسبوع المقدس"، قام أفراد الجماعة بتوزيع مناشير على المتفرجين وهم يصيحون "أوقفوا محاكم التفتيش". تقول المناشير: "هذه الأثواب هي أثواب محاكم التفتيش. إنكم تحتفلون بالإعدامات الجماعية وتقدمون الاحترام للمجرمين المقنعين. إن الأندلس الإسلامية كانت أندلسًا حرة. ثم جاء القتلة أصحاب القبعات الطويلة (قضاة التفتيش). هذه المسيرة هي ذكرى لمحاكم التفتيش وحفلاتها الإجرامية التي تمثل الإرهاب والقتل الجماعي ... ". فتدخلت الشرطة وقبضت على عبد النور كوكا دومينكر (أخي عمر الأصغر)، أحد المسلمين الأندلسيين، ثم أطلقت سراحه بعد بضعة أيام.
وبعد هذه الحادثة، وقع تحول جديد في الجماعة إذ قررت الانتقال إلى مقاطعة ولبة حيث حصلت على مزرعة بين ولبة والرصينة حاولت تأسيس مجتمع إسلامي عليها بدون نجاح.
ثم انتقلت الجماعة إلى غرناطة بعد أن أعلنت اسمها الجديد "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا"، كما أسمت نفسها في بعض مناشيرها "جماعة المسلمين الإسبان". وفي ٢٢/ ٩ / ١٩٨٠ م، سجلت الجمعية نفسها بوزارة العدل الإسبانية بمقتضى قانون سنة ١٩٦٧ م الذي يضمن حرية العقيدة، تحت اسم "الجمعية الدينية لنشر الإسلام في إسبانيا" قام بتسجيل الجمعية خوزي ميكيل (عمر) كوكا دومينغز وخيسوس (محمد) دل بوثو لوبز وآنا مارية لانشاس ريس ودولورس كونتريراس كانو وماريا خيسوس أوريبي آلاسترا. استأجرت الجماعة عمارة في شارع سرابيا بغرناطة.
وأقامت فيها مسجدها ومكاتبها ومشاريعها الاقتصادية. وقرر زعماؤها أن يرتدي رجالها الزي الأوروبي عوضًا عن الزي الإسلامي لتسهيل قبولهم من طرف المجتمع الغرناطي.
стр. 328
وقامت الجماعة بأول نشاط لها علني في غرناطة عندما أذن لها فراسسكو سانتشس رولدان، القيم على قصر الحمراء، بإقامة صلاة عيد فطر سنة ١٤٠٠ هـ (١٣/ ٨ / ١٩٨٠ م) في حدائقه. فحضر الصلاة حوالي مائتي شخص، رجالاً ونساء وأطفالاً، من بينهم بعض الطلبة العرب والعمال الباكستانيين. وكان إمام الصلاة محمد دل بوثو. وبعد صلاة العشاء جماعة، قدم العشاء للجميع في جو ديني واجتماعي جميل كان له أحسن الأثر على المجتمع الغرناطي، وساعد على التعريف بالجماعة وانضمام أعداد جديدة من العائدين إلى الإسلام إليها.
وفي عيد الأضحى الذي تلاه طلبت الجماعة من إنفانتي فلوريدو، مطران قرطبة، الإذن لها بإقامة صلاة العيد في المسجد الأعظم. فرفض المطران هذه المرة الطلب خطيًّا، مدعيًا أن ذلك يؤدي "إلى تخوفات وانشقاقات وحتى إلى الفضيحة"، وصحبت ذلك الرفض حملة ضد المسلمين الإسبان في الصحافة الإسبانية. ورد محمد علي، أحد ممثلي الجماعة، على هذه الحملة قائلاً: "ليس الإسلام ملكًا للعرب، فاعتناق الإسلام لا يعني أن الإنسان أصبح عربيًّا. نحن مثلاً مسلمون إسبان كما أن هناك مسلمون روسيون وفليبينيون، الخ ... ومن أجل ذلك ليست لنا علاقة مع البلاد الغنية بالبترول إلا علاقة المسلم مع أخيه المسلم، ليس أكثر". وكان مطران قرطبة قد أذن سنة ١٩٧٩ م للمشاركين الأجانب في مؤتمر حول الحضارة الإسلامية بالصلاة في المسجد.
وبعد رفض مطران قرطبة، توجهت الجماعة بطلب المساعدة من مجلس قرطبة البلدي. فسلم خوليو أنغيتا، عمدة قرطبة (رئيس الحزب اليسار المتحد حاليًّا)، للجماعة المسبح البلدي لإقامة صلاة العيد.
وهكذا أقيمت حفلة إسلامية كبيرة في المسبح البلدي حضرها أعضاء مجلس قرطبة البلدي بما فيهم أنطونيو ثوريتا، نيلاب العمدة، نكاية في المطران والكنيسة الكاثوليكية المتعصبة، وتعاطفًا مع المسلمين. وكان خطيب العيد الطبيب النفسي الدكتور منصور عبد السلام اسوديرو، أمير الجماعة حينذاك، فألقى خطبة عصماء قال في آخرها: "أصبح مجتمع الكفر في حالة إفلاس: ثقافة منحلة، وفشل ذريع في الميدان السياسي، وأزمة اقتصادية متواصلة ... أقول لجميع الذين يبحثون بصدق عن سبيل يفضي بهم إلى معرفة ذواتهم ويتيح لهم التعاون مع الآخرين بثقة ... الإسلام هو الأمل المضيء، أدعوكم لاكتشافه، أدعوكم لإثبات الحقيقة الإلهية الواحدة ...
стр. 329
أبشركم: بإذن الله ستعود الأندلس إلى الإسلام". ووقعت العبارة الأخيرة موقع الصاعقة على أوساط اليمين المتعصبة، بما فيهم كثير من المستشرقين الإسبان. فقاموا بحملة صحافية ضد الجماعة دامت شهورًا.
وفي غرناطة، صلت الجماعة صلاة العيد، بإذن من مسجل غرناطة البلدي، في مسجد المدرسة الشرعية القديمة، المسجد الوحيد المتبقى في المدينة، وقد حول إلى متحف بلدي.
وفور هذه الأحداث، أخذت أعداد أفراد الجماعة تتضاعف، فابتدأت الجمعية ترسل الوفود إلى البلاد العربية. منها إلى دول الخليج في غشت عام ١٩٨٠ م، والمغرب في ديسمبر عام ١٩٨٠ م، وشرعت الجمعية في إقامة المشاريع الإسلامية: من أهمها مسجد في حي البيازين، حصلت الجمعية على مساندة المجلس البلدي لبنائه، إذ كتب لها أنطونيو خارا أندرو، عمدة غرناطة، رسالة بتاريخ ٧/ ١١ / ١٩٨٠ م قال فيها: "أيها الأصدقاء. في هذا التاريخ استقبلت في المجلس البلدي السيد عمر عبد الحق كوكا دومينكز والسيد عبد الكريم كراسكو اللذين فسرا لي باختصار فكرة
جاليتهما في بناء مسجد في حي البيازين من هذه العاصمة، وأريد أن أوضح في هذه الرسالة مساندة المجلس البلدي، الذي أتشرف برئاسته، لهذا المشروع، ومساندتي الشخصية بالطبع، آملين أن نفرح بإنجاز هذا المشروع".
وسرعان ما اشترت الجمعية أرضًا بحي البيازين مساحتها ٢.١٤٠ متر مربع لبناء المسجد. لكن المشروع لم ينجز. كما اشترت الجمعية بيتًا كبيرًا في حي البيازين بشارع سان غريغوريو، وحولته إلى زاوية ومدرسة ومركز إسلامي. وحصلت الجمعية على أرض حولتها إلى مقبرة للمسلمين في غرناطة.
وابتدأت الجمعية بإنجاز مشاريعها الاقتصادية، معظمها في المركز المؤجر في شارع سرابيا بغرناطة، منها مشروع "نور الأندلس" لنشر الكتب وتوزيعها ولطبع الأفلام والأشرطة عن الإسلام مع التركيز على القرآن الكريم، ومشروع تأسيس مدرسة إسلامية للكبار والصغار، ومستوصف للطب الطبيعي والصحة العقلية، و"دكان الحكيم" لتهيىء الأغذية الطبيعية والأعشاب، كما فتحت الجمعية مخبزة إسلامية وملحمة. وباختصار، حاولت الجمعية إنشاء المؤسسات الثقافية والاقتصادية التي يحتاجها مجتمع متكامل مستقل بنفسه.
стр. 330
وتكاثر أعضاء الجمعية حتى أصبحوا عدة مئات، وأخذ الطابع الإسلامي يظهر بوضوح في غرناطة، خاصة في حي البيازين التاريخي منها. ونظمت الجمعية مؤتمرين مهمين في الفقه المالكي، حضرهما نخبة من علماء المسلمين. عقد المؤتمر الأول سنة ١٩٨٢ م في زاوية الجماعة بالبيازين، والثاني في ٧ - ١١/ ١١/ ١٩٨٣ م في قاعة "مانويل دي فالا"، التي سهلتها بلدية غرناطة لمنظمي المؤتمر. وقد مولت هذا المؤتمر الإمارات العربية المتحدة. وفي يونيو سنة ١٩٨٤ م، أرسلت رئاسة محاكم أبو ظبي الشرعية على حسابها معلمين موريتانيين لتعليم الجماعة المبادىء الإسلامية.
ونشطت الجماعة في مجال النشر، فنشرت كتبًا باللغة الإسبانية، منها كتب الشيخ عبد القادر الصوفي: "كتاب الإسلام والإيمان والإحسان" و"اتجاه العلامات" و"محمد رسول الله" و"كتاب الكفر"، كما أصدرت الجماعة مجلة شهرية اسمها "البلاد الإسلامية".
يعود سبب انتشار هذه الجماعة، في أول أمرها، إلى تضامن أعضائها حول مذهب واحد واضح عبر الطريقة الدرقاوية، وكذلك لاستعمالها الشعارات الأندلسية مما جعل أعدادًا كبيرة من أهل الأندلس ينضمون إليها. لكن ما كادت تشتهر هذه الجماعة حتى أخذت تتقهقر لأسباب متعددة. منها طريقة تنظيمها المبنية أساسًا على المركزية المطلقة حول الشيخ الأكبر (الشيخ عبد القادر الصوفي) وأمير الجماعة (الدكتور منصور عبد السلام اسكوديرو ثم محمد دل بوثو الأندلسي). ومنها الطريقة الخشنة والعنيفة في تعامل الجماعة مع الغير.
ومنها مطالبة الجماعة المنضمين إليها بالانسحاب من المجتمع الأندلسي الذي تعده كافرًا. ومنها اتهام الجماعة لكل من سواهم من المسلمين بالضلال وحتى الكفر.
ومنها شدة الشيخ عبد القادر المتناهية في تعامله مع أتباعه، إذ كان لا يتورع في طرد كل من يتردد في طاعة أوامره مما جعله يطرد بانتظام أعضاء الجمعية، بما فيهم كثير من مؤسسيها كالدكتور منصور عبد السلام نفسه، وكان يأمر الباقين من أتباعه بعدم التعامل مع المطرودين أو التحدث إليهم، فأضعفت هذه العقوبة القاسية الجماعة.
ثم أدت العلاقات مع دول الخليج إلى تغير كبير في الجمعية. أولاً، عد
الاهتمام بالأندلس قومية يجب الابتعاد عنها، فغيرت الجمعية اسمها من "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا" سنة ١٩٨١ م إلى "الطريقة الدرقاوية" ثم إلى "الجماعة الإسلامية في إسبانيا" سنة ١٩٨٢ م. ثانيًا، عُد التصوف خروجًا عن الإسلام، فأعلن الشيخ
стр. 331
عبد القادر تركه للتصوف وخروجه عن الطريقة الدرقاوية، واعتناقه للفكر السلفي، وأخضع أتباعه لذلك، مما أدى إلى بلبلة كبيرة في صفوفهم، وطرد عدد جديد منهم، وغير اسمه من عبد القادر الصوفي إلى عبد القادر المرابط. فخرج عن الجماعة معظم أعضائها، منهم من تركوا إسبانيا ومنهم من كونوا جمعيات إسلامية أخرى، ومنهم من بقي مسلمًا لنفسه، ومنهم عدد صغير ارتد عن الإسلام.
وفي سنة ١٩٨٧ م، حرض المدرسان الموريتانيان أتباع الشيخ عبد القادر على طرده من مركز الجماعة في البيازين. فتبع ذلك نزاعات في المحاكم مكلفة أدت إلى انتصار الشيخ عبد القادر ومن بقي مخلصًا له، وطرد المنشقين الذين كونوا جمعية أخرى مع الموريتانيين متمركزة في بناء مؤجر تحت اسم "مسجد التقوى" في أحد أحياء غرناطة القديمة القريبة من نهر هدره.
ودخلت الجمعية في طور جديد بعد أن لم يبق فيها في غرناطة سوى حوالي خمسين عضوًا، يتسم بالنفور المطلق من الدول العربية والجمعيات الإسلامية الأخرى. وغيرت الجمعية مرة أخرى اسمها وأصبحت تسمى "المرابطون"، كما غيرت اسم مجلتها من "البلاد الإسلامية" إلى "المرابطون". وارتبطت الجماعة بشكل أوثق بالمراكز التابعة للشيخ عبد القادر المرابط في بريطانيا والدانمارك والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلاد. أما في إسبانيا فأصبحت زاوية البيازين بغرناطة مركزًا للجماعات التابعة للمرابطين في أنحاء إسبانيا: إشبيلية (الأندلس)، وبالمة ميورقة (الجزر الشرقية)، وبلباو (أوسكادي). كما أخذت الجماعة تعود إلى تنظيمها الصوفي بإحياء حفلات الذكر عامة كما فعلت في إشبيلية في شهر يوليوز سنة ١٩٩٠ م.
وأنشأت الجماعة مؤسسات اقتصادية مثل شركة "السابقة" بغرناطة.
وهكذا فشلت هذه المحاولة الجريئة في نشر الإسلام في الأندلس رغم البداية المشجعة. ويعود هذا الفشل إلى أسباب عدة، منها: أخطاء أساسية في تنظيم الجماعة المعتمد على المركزية والتأطير والطاعة المطلقة عوضًا عن الشورى؛ وضعف في التواضع الإسلامي بين زعمائها؛ وانفصام الحركة عن المجال الأندلسي الموجودة فيه بعدم تبنيها للتاريخ الأندلسي واستجابتها لشعور الأمة الأندلسية المعاصرة؛ والتذبذب بين المشارب الإسلامية نتيجة الضغوط الخارجية؛ وعدم نشر حساباتها مما أضاع ثقة من كانوا يساندونها. لكن ستبقى هذه الجماعة، بدون شك، عنصرًا مهمًّا في التركيبة الإسلامية الأندلسية، غير أن مركز ثقلها سينتقل إلى خارج منطقة الأندلس.
стр. 332
وجدير بالذكر أن موقف "الجمعية الإسلامية في إسبانيا" و"المركز الإسلامي في إسبانيا"، من هذه الحركة كان سلبيًّا منذ البداية، لأنهما لم تكونا تريان بعين الرضى قيام حركة إسلامية في الأندلس خارجة عن نفوذهما. وظل موقف الجمعيتين هذا سائدًا بالنسبة لكل الحركات الإسلامية المحلية، وهو سبب النفور القائم بين المسلمين المحليين والوافدين الشرقيين في إسبانيا.
١٠/ ٣ - جمعية قرطبة الإسلامية:
نشأت فكرة تأسيس جمعية إسلامية في قرطبة عند زيارتي لمجريط في ١٩ - ٢١/ ١١ / ١٩٧٣ م في إطار رحلتي لتقصي شؤون الأقليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا، حيث اطلعت على موضوع مسجد قرطبة الجامع. ففي مارس سنة ١٩٧٢ م، طلب عمدة قرطبة حينذاك، كوزمن رانية، باسم المجلس البلدي القرطبي من منظمة اليونسكو أن تعتبر مسجد قرطبة الجامع أثرًا إنسانيًّا وترجعه إلى أصله كمسجد، مما أثار نقاشًا حادًّا في الصحافة الإسبانية. ففي مقال بجريدة "الآ بي سي" بتاريخ ١٠/ ١٢/ ١٩٧٢ م طلب رفائيل كاستيغون دي الرسالة، مدير المجمع الملكي الإسباني للعلوم والفنون الجميلة، إعادة المسجد إلى أصله الإسلامي بنقل الكتدرائية المقامة فيه إلى مكان مناسب وإعادة المسجد لقيمته الدولية، وقدر مصاريف هذا النقل بحوالي عشرة ملايين دولار أمريكي. فاهتم الملك فيصل، ملك المملكة العربية السعودية بالموضوع، وأرسل مع الشيخ محمد أحمد النعمان رسالة شفوية للجنرال فرانكو في شهر يوليو سنة ١٩٧٣ م مبديًا استعداده لتحمل مصاريف النقل.
وكان تقديري للموضوع أن ذلك غير ممكن أصلاً بسبب ملكية المسجد للكنيسة الكاثوليكية التي لن تتخلى عنه بأي حال. لكن موقف مجلس قرطبة البلدي أثار انتباهي، وجعلني أعتقد أن أهل قرطبة يعطفون على الإسلام، وأن من بينهم من هم مسلمون سرًّا.
وصدر سنة ١٩٧٩ م الدستور الإسباني الجديد محتويًا على مادة تتعلق بتنظيم الأديان، وُضعت تفاصيلها بعد ذلك. وفي ٥/ ٧ / ١٩٨٠ م، وافق الكورتس على أول قانون لحرية الأديان، ولم يعد هناك سبب للتقية بين مسلمي الأندلس. وفي يوم الأربعاء ٢٦ شعبان عام ١٤٠٠ هـ (٩/ ٧ / ١٩٨٠ م) زرت قرطبة واجتمعت بعدد من مسلميها، منهم الإسبان ومنهم المغاربة المقيمون، فطرحت عليهم فكرة تأسيس "جمعية قرطبة الإسلامية" حسب القوانين الإسبانية الجديدة، وساعدتهم على كتابة
стр. 333
قوانين الجمعية. فتزعم العمل على إنشاء الجمعية "خايمي سيان"، الموظف في بلدية قرطبة. وهو مسلم مغربي متجنس إسبانيًّا من مواليد تطوان (١٥/ ١١ / ١٩٢٢ م)، كان يعرف بها باسم عبد الحميد بن عبد السلام البلغيثي، وانتقل سنة ١٩٧١ م إلى سكنى قرطبة، وتسمى بها باسم "خايمي سيان". وهو يتقن الإسبانية إتقان أهلها، ومندمج في المجتمع القرطبي الاندماج الكامل، يحفظ القرآن الكريم وله معرفة جيدة بالمبادىء الإسلامية. وجدير بالذكر أن بإسبانيا الآلاف من الإسبان من أصول مغربية حديثة، غيروا أسماءهم واعتنقوا المسيحية، على الأقل ظاهرًا، للحصول على حق البقاء في البلاد، فاندمج أبناؤهم في المجتمع الإسباني وأصبحوا إسبانًا لغة ونصارى دينًا.
وفعلاً، تابعت النواة التي اجتمعت بها في قرطبة عملها. ففي ٣٠/ ٩ / ١٩٨٠ م، سُجلت "الجمعية الإسلامية العربية" باسم خايمي سيان التلمساني، وخوزي خوان دلكادو فرناندس دي سانتائيلا، وأنطونيو سالسيدو بخرانو، وزهرة الفاسي الرياحي (زوجة الأول)، وكلهم إسبانيو الجنسية. وفي ٦/ ١١ / ١٩٨٠ م، غير الاسم إلى "جمعية قرطبة الإسلامية ومقاطعتها". وفي ٥/ ١١ / ١٩٨١ م، تسجلت الجمعية رسميًّا في وزارة العدل.
ثم ابتدأت بيني وبين خوليو أنغيتا كونزالز، عمدة قرطبة، سلسلة من الرسائل.
ففي ٢٤/ ٨ / ١٩٨٠ م، كتبت له من الظهران (السعودية) أحثه على مساندة تجمع المسلمين بقرطبة فأجابني بتاريخ ١٨/ ٩ / ١٩٨٠ م، قائلاً: "منذ مدة أني أرى باهتمام مصالح الجالية الإسلامية، ونحن باتصال مع ممثل لها بمجريط ولقد أنهينا تسليم مسجد لها في قرطبة ليتمكنوا من مزاولة شعائرهم. فعلاقتنا التاريخية مع العالم الإسلامي هو السبب في رغبتنا لربط معكم صلات الأخوة والصداقة والمحبة". فأجبته بتاريخ ١١/ ١٠/ ١٩٨٠ م شاكرًا. وفي ٦/ ١٠/ ١٩٨٠ م كتب لي العمدة أنغيتا يخبرني بتأسيس "جمعية قرطبة الإسلامية" ويستدعيني لزيارته في قرطبة للتدارس معه في إمكانية تسلم مسجد القاضي أبو عثمان (كنيسة سنتا كلارا) التاريخي ليكون مركزها
الإسلامي، وأكد دعوته برسالة أخرى بتاريخ ١١/ ١١ / ١٩٨٠ م. فأجبته بتاريخ ١٠/ ١١ / ١٩٨٠ م شاكرًا على الدعوة، وزرته لأول مرة في قرطبة يوم الاشين ٢٤/ ١١ / ١٩٨٠ م. وكان اجتماعًا وديًّا رائعًا، بيّن فيه العمدة أنه معتز بارتباط مدينته بالإسلام وأنه حريص على تنظيم الجالية الإسلامية بالمدينة، وأخبرني أن مجلس قرطبة البلدي
стр. 334
وافق على إعطاء مسجد القاضي أبو عثمان لجمعية قرطبة الإسلامية على شرط أن يُرمَّم ويصبح مركز إشعاع إسلامي. واتفقنا على الاجتماع يوم ٢٦/ ١٢ / ١٩٨٠ م مع سيدي الوالد الشيخ محمد المنتصر الكتاني لاستلام المسجد رسميًّا وتدشينه بالصلاة فيه.
بُني مسجد القاضي أبو عثمان أيام الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر في الحي العتيق من مدينة قرطبة، على بعد حوالي مائة متر من المسجد الأعظم. مساحته حوالي ألف متر مربع، في شارع يسمى اليوم "ري هيريديا". وعندما احتل النصارى مدينة قرطبة حولوه إلى كنيسة سموها "سنتا كلارا". ثم باعت الكنيسة البناء العتيق إلى بلدية قرطبة، التي تمكنت بذلك من التصرف فيه. وهو مسجد كبير يحتاج إلى ترميم كبير، معالمه الإسلامية لا زالت قائمة، فيه طابقان ومئذنة، ويصلح أن يكون مركزًا إسلاميًّا متكاملاً.
وفي صباح يوم الجمعة ٢٦/ ١٢ / ١٩٨٠ م استلم السيد الوالد مفتاح المسجد في حفل بمجلس قرطبة البلدي، وسلمه بدوره لرئيس "جمعية قرطبة الإسلامية" ثم توجه الجميع إلى المسجد حيث صلينا صلاة الجمعة وأُذن من أعلى مئذنة المسجد. ومكثنا في ضيافة بلدية قرطبة إلى ٢/ ١/ ١٩٨١ م. ورحب المجلس البلدي بالسيد الوالد بحضور كل أعضائه الـ ٢٤. فخطب فيهم السيد الوالد حاثًّا لهم على العودة إلى الإسلام دين أجدادهم، فكان التأثير باديًا على وجوه جميعهم، وأُقيمت لنا حفلات من طرف عدد من زعماء قرطبة.
لم يعجب ما حدث السلطات الكنيسة، ففي ٦/ ١ / ١٩٨١ م كتب إنفانتس فلوريدو، مطران قرطبة، رسالة مفتوحة إلى خوليو أنغيتا كونسالز، عمدة قرطبة، قائلاً: "إن تسليم المساجد والبناءات التاريخية من طرف البلدية لجماعة إسلامية عمل خطير ... يجعلنا نشعر بتيار إسلامي على مدينتنا القرطبية". تضايق المطران من جواب السيد الوالد لصحافي عند سؤاله عن مدى اهتمام المسلمين بمسجد قرطبة الأعظم في الوقت الذي حصلوا فيه على المسجد الصغير قائلاً: "إن المسجدين ملك لأهل الأندلس، وعندما تصبح أعداد أهل الأندلس العائدين إلى الإسلام مئات الآلاف يصبح بإمكانهم استعادة مساجدهم كلها". واتهم المطران الإسلام بأنه يعتقد أن "الجنة تحت ظلال السيوف"، وقال بأن تشجيع الإسلام في قرطبة من طرف السلطات المحلية هو غلط تاريخي وكذلك النزول بالقرطبيين من "مستوى نصراني رفيع" إلى
стр. 335
"مستوى إسلامي متأخر". واتهم المطران عمدة قرطبة والمجلس البلدي بالاستهتار بمشاعر القرطبيين المسيحية.
فرد العمدة على المطران في اليوم التالي برسالة قوية قاسية نشرتها الصحف (١٨ و ١٩)، قال فيها إن الدستور الإسباني يحترم معتقدات جميع المواطنين ويضمن حرية العقيدة، وأن لا فرق بين الدين الكاثوليكي والديانات الأخرى أمام الدستور الإسباني، وقال بأنه كعمدة منتخب من واجبه تطبيق الدستور في مدينة قرطبة، وأنه سبقت لبلدية قرطبة أن ساعدت الكنيسة الكاثوليكية وأصبح من واجبها أن تساعد المسلمين. وقال العمدة للمطران إنه انقضى عهد تحكم الكنيسة في الأهالي والدولة بدون رجعة، وأن الكنيسة الكاثوليكية ليست في مستوى أخلاقي يسمح لها بانتقاد الإسلام في إسبانيا.
أما عن شعور أهل قرطبة فقال العمدة "هم قد انتخبوني عمدة ولم ينتخبك أحد من أهل قرطبة، يا السيد المطران مطرانًا عليها"، وقال العمدة إن موقفه وموقف المجلس البلدي هو العدل لمصلحة المدينة، وأنه شخصيًّا لا انحياز له لأي دين، إذ ليس نصرانيًّا ولا مسلمًا. وأنهى العمدة رسالته المفتوحة بقوله: "أنا عمدتك وأنت لست مطراني".
وقامت بعد ذلك حملة صحافية حول الموضوع بين معارض للعمدة ومساند له دامت شهورًا، وعمت جميع صحف إسبانيا. وكان لهذه الحملة، في أول الأمر، تأثير طيب على الجمعية الجديدة، إذ اشتهر وجودها، فتكاثرت أعدادها من بضعة أفراد إلى حوالي الخمسين شخصًا في بضعة شهور، وأصبحت الصحافة تتكلم عن الجالية الإسلامية في قرطبة كواقع بديهي بعد أن كانت منعدمة. وحاربت الجمعية الجديدة بدون هوادة عدة أوساط: أولاً اليمين الإسباني والكنيسة بالطبع؛ ثانيًا، وهذا مما يدعو للأسف، "الجمعية الإسلامية في إسبانيا" و"المركز الإسلامي في إسبانيا" وذلك بكتابة التقارير السلبية التي تشوه بالجمعية للبلاد العربية والمؤسسات الإسلامية؛ ثالثًا الإرساليات الدبلوماسية العربية في مجريط.
وعملت "جمعية الرجوع إلى الإسلام في إسبانيا" إلى ربط الصلة مع "جمعية قرطبة الإسلامية"، فوقعت عدة اجتماعات بين رؤساء الجمعيتين كانت تحرص فيه الجمعية الأولى ضم الثانية إليها. ولم يكن ذلك ممكنًا بسبب شكل تنظيم الجمعية الغرناطية الهرمي، بينما كانت الجمعية القرطبية مبنية على الشورى. وفي ١/ ٥ / ١٩٨١ م، توصلت الجمعيتان إلى توقيع اتفاق تعاون بينهما في غرناطة هذا نصه،
стр. 336
بعد البسملة والتصلية: "نقسم بالله العلي العظيم وبهذا القرآن الكريم على العمل يدًا واحدة على نصرة الإسلام في أرض الأندلس (إسبانيا والبرتغال) وإعادة شريعة الله وسنة رسوله ﷺ فيها، وأن نكون كما أمرنا الله أخوة في الله وفي رسول الله ﷺ وألا نخذل بعضنا البعض وألا يغتاب بعضنا البعض، والله خير شاهد لنا على هذا وهو نعم الولي ونعم النصير". ووقع عن الجمعية الأولى أميرها منصور عبد السلام وعن الثانية رئيسها خايمي سيان وشاهدان هما كاتبه والمحامي محمد بن إدريس الحلو من الدار البيضاء.
وكان على "جمعية قرطبة الإسلامية" القيام بثلاثة أعمال ضرورية، هي: ١ - التوصل إلى اتفاق خطي مع بلدية قرطبة للحصول على مسجد القاضي أبي عثمان وشروطه وجمع الأموال لترميمه؛ ٢ - الحصول على مركز مؤقت للجمعية؛ ٣ - استدعاء إمام لتعليم الداخلين في الإسلام أمور دينهم. ففي ١٧/ ٧ / ١٩٨١ م، قدمت وزارة الثقافة متطلباتها لترميم مسجد القاضي أبي عثمان. وقدمت الجمعية للبلدية دراسة متكاملة لترميم المسجد كلفتها أكثر من خمسة ملايين بسيطة، ردت عيها البلدية بتاريخ ٢٩/ ٩ / ١٩٨١ م محددة رأيها في المشروع. ولم يكن هناك مشكل كبير من الناحية الفنية للوصول إلى اتفاق مع البلدية. المشكلة الكبرى كانت في شروط الحصول على المسجد. ففي ٢٠/ ٦ / ١٩٨١ م، قدمت البلدية مشروع اتفاق فيه نقاط مجحفة لا يمكن قبولها، منها: إجبار الجمعية على ترك المسجد للسياح، وفتح باب التنافس مع أية جمعية أخرى تود الحصول على المسجد، وتحديد استعمال المسجد لمدة ٤٩ سنة يعود بعدها للبلدية، وحق البلدية في استعادة المسجد إبان الحقبة المذكورة عندما تشاء، الخ ... مما جعل المفاوضات تصل إلى باب مقفول. فأخذت الجمعية تفكر في بناء مسجد يكون ملكًا لها، وترك مسجد القاضي أبي عثمان أمام هذه الشروط الناتجة عن ضغوط الأوساط المتطرفة. كما أن البلدية أرادت أن تسلم للجمعية بناء "القلعة الحرة" لاستعماله كمؤسسة دينية. ولم تتابع الجمعية الموضوع لعدم مقدرتها عليه.
وفي ١٤/ ٨ / ١٩٨١ م، ابتدأت حملة صحفية ضد خايمي سيان اشترك فيها عرب وإسبان. فنشرت الصحافة شهادة اعتناقه المسيحية بتاريخ ٦/ ١٢ / ١٩٧٩ م وإعادة زواجه في الكنيسة وفتشت عن تفاصيل حياته الخاصة والعامة، وشتمه مناوئوه بكل الشتائم. فأجاب خايمي على الاتهامات بأنه أجبر على اعتناق الكاثوليكية ظاهرًا
стр. 337
لأنهم "سحبوا من زوجتي جنسيتها الإسبانية التي كانت تتمتع بها منذ ٢٧ سنة عند زواجها بي، ورفضوا إعطاء الجوازات لأبنائي، ورفضوا تجديد الورقة الوطنية لواحد منهم، أجبروني على عمل ما عملته، ولكنني مسلم الآن كما كنت مسلمًا في الماضي، وسأبقى مسلمًا إلى أن ألقى الله".
وفي ١ - ٢/ ١ / ١٩٨٢ م، نظمت "جمعية قرطبة الإسلامية" في مركز البلدية بقصر الخليفة القديم بقرطبة "لقاء الصداقة العربي القرطبي"، أول مؤتمر لها، افتتحه العمدة أنغيتا، واشتركت فيه شخصيات عربية وإسبانية. افتتح المؤتمر بقراءة القرآن الكريم تبعته محاضرات لكاتب هذه السطور وللأساتذة عبد السلام الهراس وإسماعيل الخطيب من المغرب، وأنطونيو رباسكو وأنطونيو سالسيدو ولاورو ألموس من إسبانيا، وغيرهم. وأقام مرة أخرى المطران إنفانتس فلوريدو ضجة في الصحافة، ظلت عدة أسابيع، بسبب صلاة بعض الحاضرين تحية المسجد في المسجد الأعظم، وعدّ ذلك إهانة للكاثوليكية.
وفي ١١/ ١ / ١٩٨٢ م، زار الرئيس الجزائري السابق، الرئيس أحمد بن بلا، وزوجه، المحامية زهراء السلامي، قرطبة بدعوة من "جمعية قرطبة الإسلامية". وفي أواخر يناير عام ١٩٨٢ م، زار المغرب وفد من الجمعية اجتمع بعدة شخصيات رسمية وغير رسمية.
وفي أوائل فبراير عام ١٩٨٢ م، زار المغرب وفد قرطبي برئاسة العمدة أنغيتا وزوجه، وعضوية خايمي سيان وعدد من أعضاء المجلس البلدي القرطبي، بدعوة من بعض العائلات الأندلسية لشكر العمدة وأهل قرطبة على مواقفهم الشجاعة في مساندة الإسلام بها. وألقى أنغيتا محاضرة بالدار البيضاء عن "قرطبة ماضيها وحاضرها ومستقبلها"، كان لها أعمق الأثر، كما استقبلت عدة شخصيات مغربية الوفد في بيوتها، منهم الدكتور عبد الكريم الخطيب بالرباط، والأستاذ عبد الله كنون ﵀ بطنجة، والحاج إدريس الحلو بالدار البيضاء وغيرهم. وانتهت زيارة الوفد في مدينة فاس حيث احتفل به أهلها.
ثم ذهب وفد "جمعية قرطبة الإسلامية" برئاسة سيان إلى المشرق حيث زار بعض دول الخليج واجتمع بالمسؤولين فيها، من بينهم الشيخ أحمد المبارك، ﵀، رئيس القضاء الشرعي بأبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة.
стр. 338
وفي يونيو سنة ١٩٨٢ م، افتتحت "جمعية قرطبة الإسلامية" مركزًا لها في شقة مؤجرة بشارع أنخيل سابدرا، وسط مدينة قرطبة، بعد أن كان أعضاؤها يجتمعون في بيت رئيسها، بعد أن يئست من استرجاع مسجد القاضي أبي عثمان بشروط معقولة.
ثم فكرت الجمعية في استقدام إمام من المغرب يعرف الإسبانية والتربية الإسلامية لتعليم أعضاء الجمعية أمور دينهم. وبعد الاستشارة، اختير الإمام الذي التحق بعمله في يوليوز عام ١٩٨٢ م.
وفي ٢/ ٩ / ١٩٨٢ م، اشترت الجمعية أرضًا في قرطبة لبناء مسجد عليها.
ولكن الإمام المغربي أساء السيرة والتصرف منذ وصوله، فأدخل للجمعية عناصر عربية مشبوه فيها وشجع رئيس الجمعية على الابتعاد عن طريق الحرص والحيطة. فقررت الجمعية اشتراء بيت في قرطبة لتحويله إلى مركز إسلامي، وسلم رئيسها، سيان، شيكًا بتاريخ مؤجل في حساب لا رصيد فيه. وفي ٢٧/ ٩ / ١٩٨٢ م، عند انتهاء الأجل وعدم دفع الثمن، قبض على خايمي سيان وأدخل السجن. واغتنم "الإمام" الفرصة فقدم باسم الجمعية شكوى بسيان أنه أساء التصرف بأموال الجمعية. وأزيح سيان من رئاسة الجمعية وانتُخب مكانه عبد العزيز (خوليان) مرالس غارسيا. وبقي سيان في السجن ٨٧ يومًا، ثم أطلق سراحه في ٢٣/ ١٢/ ١٩٨٢ م بعد تبرئته من التهم التي اتهم بها.
بعد إزاحة سيان من رئاسة "جمعية قرطبة الإسلامية"، أكملت الجمعية شراء البيت المذكور. لكن الإمام المغربي أساء السيرة وقدم شخصًا مشرقيًّا مشبوه فيه لرئاسة الجمعية. فعمل هذا الأخير على تجميدها. وفي فبراير عام ١٩٨٣ م، أُرجع الإمام إلى المغرب، وفي شهر أبريل الذي تلاه، أُقفل المركز الإسلامي. وجمدت الجمعية نهائيًّا وتشتت أفرادها إلى أن انضموا إلى "الجماعة الإسلامية في الأندلس" في شهر مايو عام ١٩٩٠ م التي حصلت على ممتلكاتها كذلك بعد جمع عام لجميع أفرادها.
يجدر بنا أن نستنتج بعد هذا العرض أسباب فشل "جمعية قرطبة الإسلامية" وإيجابيات هذه التجربة. كان تأسيس هذه الجمعية مفيدًا للغاية في إرجاع الإسلام إلى الأندلس. فقد أثبتت الوجود الإسلامي لأول مرة في قرطبة. واعتنق الإسلام عن طريقها عدد مهم من القرطبيين، ظلوا مسلمين بعد فشلها كتنظيم، مما سهل إعادة
стр. 339
تنظيم مسلمي قرطبة على أسس أفضل. كما أظهر وجود هذه الجمعية القوى القرطبية العاملة، المعارضة للإسلام منها والمساندة له.
لم تنجح "جمعية قرطبة الإسلامية" في أن تكون انطلاقة الانبعاث الإسلامي في الأندلس لأسباب متعددة، منها ما هو داخلي للجمعية، وما هو خارجي عنها. فأما الداخلي فيعود إلى ضعف الاحتياط في إدخال عناصر غير أندلسية للجمعية، كالإمام المغربي ورئيس الجمعية المشرقي الذي جمدها، وكان من الأحوط عدم قبولهما أصلاً في الجمعية، كما أن رئيسي الجمعية، الأول والثاني، قاما بأخطاء كبيرة استفاد منها أعداء الإسلام في الأندلس. ومن جهة أخرى لم تتمكن الجمعية من تبني برنامج واضح إسلامي أندلسي يستجلب للإسلام الجماهير الأندلسية. أما السبب الخارجي فيعود إلى مناهضة كثير من الأوساط المسلمة الوافدة لهذه التجربة.
١٠/ ٤ - محاولات تنظيمية أخرى في الأندلس:
قامت في الأندلس محاولات إسلامية تنظيمية أخرى، منها ما ظل محدودًا، ومنها ما كانت حياته قصيرة، ومنها ما ظل حبرًا على ورق، ومنها ما انضم إلى تنظيمات أخرى. وكل هذه التنظيمات محلية لا تخرج عن مدينة من مدن الأندلس.
وقد تفرعت كل التنظيمات الإسلامية الموجودة اليوم في مدينة غرناطة عن "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا". وقد أسسها أفراد أو جماعات طردوا من الجمعية الأم. فهذه الجمعيات المنشقة لا تختلف في تنظيمها عن الجمعية التي تفرعت عنها.
أول هذه الجمعيات هي "الجماعة الإسلامية في إسبانيا - مسجد التقوى"، وهي التي يعمل فيها المعلمان الموريتانيان. وقد انضم لها أكثر من خمسين عضوًا، فتحوا أعمالهم في منطقة غرناطة القديمة بين نهر هدره ومنحدر حي البيازين. ويقع مركز الجماعة في مكان مستأجر يستعمل مركزًا إسلاميًّا. وتقوم الجمعية بمجهود جيد في نشر المعرفة الإسلامية بين أفرادها، لكن نشاطها محدود في غرناطة.
الجمعية الثانية هي "جماعة الأندلس المسلمة"، وهي أول جمعية أسست في غرناطة بعد "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا". أسسها عدد من الذين طردوا من الجمعية السابقة في ٢٨ رمضان عام ١٤٠١ هـ (موافق ٣١/ ٧/ ١٩٨١ م). وتكوّن مجلسها التنفيذي الأول من السادة عمر عبد الحق كوكا دومنكز (الرئيس) (أصله من
стр. 340
إشبيلية)، عبد الكريم محيي الدين كراسكو ساستر (نائب الرئيس)، زهراء كونتريراس كانو (أمينة سر)، عبد النور كوكا دومنكز (أمين الصندوق) محمد خان (عضو)، عائشة دياس برمودس (عضوة)، محمد مبين مدينة رودريكز (عضو). وجاء في منشور إعلان تأسيس هذه الجمعية ما يلي: "إن تأسيس جمعية "جماعة الأندلس المسلمة" بغرناطة كمركز لها من طرف رجال ونساء اعتنقوا الإسلام في السنين الأخيرة كان لتغطية فراغ ناتج عن إلغاء "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا" وتحويلها إلى طريقة صوفية درقاوية. هذا التغير من جمعية للجميع إلى طريقة، التي هي بطبيعتها للأقلية المختارة، أدى إلى جعل المسلمين الذين ليسوا أعضاء في الطريقة والذين هم بطبيعة الحال جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، غير منظمين وبدون مركز يجتمعون فيه لتأدية شعائرهم الدينية. تود جماعة المسلمين هذه في غرناطة التعبير عن احترامها المستحق لأي طريق يختاره المسلم في إطار الشريعة الغراء لعبادة الله تعالى حسب تعاليم القرآن الكريم وسنة نبينا محمد ﷺ ، وتسعد لانتشار الدين الإسلامي الحنيف وتقوية جذوره في قلوب سكان هذا الوطن".
ثم فتحت الجمعية مركزًا لها في شقة بشارع كاستنيدا، ثم انتقلت إلى شقة أكبر بشارع شنيل بوسط غرناطة، بها مكاتب وبيت لسكن الإمام ومصلى. وانضم إليها عدة عشرات من مسلمي غرناطة. وحاولت الجمعية أن تنوع نشاطها خارج غرناطة. وكانت للجمعية مشاريع حول تأسيس مزرعة للمسلمين في جبال رندة، لكن لم تتمكن من إنجازها بسبب ضعف إمكانياتها المالية.
وفي مايو عام ١٩٨٣ م، انضمت هذه الجمعية إلى "الجماعة الإسلامية في الأندلس" التي مركزها إشبيلية. ثم انفصلت في أواخر سنة ١٩٨٤ م عنها، كما سنرى، وأصبح هارون كراكويل روميرو أحد رؤسائها. وهي الآن جمعية صغيرة من بين جمعيات غرناطة الإسلامية ذات نشاط محدود.
والجمعية الثالثة هي "جماعة غرناطة الإسلامية" المسجلة رسميًّا بوزارة العدل جمعية دينية. أسست هذه الجمعية سنة ١٩٨٤ م من طرف بعض المسلمين الذين كانوا أعضاء في "جماعة الأندلس المسلمة"، ممن انضموا إلى المذهب الاثني عشري، فانفصلوا عن الجمعية المذكورة عند انضمامها إلى "الجماعة الإسلامية في الأندلس"، وكونوا جمعية ذات اتجاه شيعي، على عكس الجمعيات الأخرى التي تتبع
стр. 341
جميعها المذهب السني. وكان محمد مبين مدينة رودريكز أول رئيس للجمعية.
ويوجد مقرها في شارع نوبيا دي لابرخن بغرناطة، ولا يزيد عدد أعضائها على العشرة بكثير، ونشاطها محدود.
والجمعية الرابعة هي "مسجد البيضاء" التي أسست في ساحة البيضاء من غرناطة، وإمامها ورئيسها هو أحمد عبد الله فوثمديانو، وهو كذلك من قدماء أعضاء "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا". وللجمعية بضعة عشرات من الأعضاء، ولا يتعدى نشاطها غرناطة.
أما الدكتور منصور عبد السلام اسكوديرو، الذي كان أميرًا لـ "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا"، فبعد طرده من الجمعية المذكورة انتقل إلى مطريل، على شاطىء البحر بمقاطعة غرناطة، مع جماعة من الأطباء المسلمين، وأسس معهم مركز الطب المتكامل. فتكونت بذلك مجموعة إسلامية في مطريل دون تنظيم أو نشاط آخر سوى في مجال الطب. ثم تعاون مؤخرًا مع قنصل المملكة العربية السعودية في مالقة في بناء مسجد في بلدة سهيل (مقاطعة مالقة).
وأول من فكر في تكوين جماعة إسلامية خارج مقاطعة غرناطة هو رجل من جيان متقدم في العمر سبق له أن عمل في الجيش الإسباني، اسمه الإسلامي مولاي محمد بن علي الأندلسي، واسمه النصراني أميليو أكوثر أنايا، يقول إنه من سلالة أمراء المسلمين، كالن يعلن في السبعينات الميلادية أنه خليفة المسلمين في الأندلس.
لم يكن له أتباع، بل كان من أوائل من تجرأ على إعلان إسلامه من بين الإسبان وحاول نشره بطريقته. لم يكن له مقر، وكان يتجول عبر إسبانيا كلها. اجتمعت به في أوائل الثمانينات في قرطبة.
وفي يناير عام ١٩٨٣ م، أُسست "جماعة المرية الإسلامية" في المرية من طرف بلال كيلس ميزا، أندلسي من أصل إشبيلي أسلم في بلجيكا سنة ١٩٧٥ م، وسجلت في وزارة العدل. لكن هذه الجمعية بقيت إلى اليوم حبرًا على ورق، إذ ليس فيها إلا بلال وحده الذي انتقل هو نفسه من المرية. وكل مسلمي المرية الأندلسيين هم اليوم أعضاء "الجماعة الإسلامية في الأندلس".
وفي منتصف سنة ١٩٨٢ م، أسس "جماعة مالقة الإسلامية" عبد السميع أريانا.
وهو مسلم مالقي كان من أعضاء "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا". وهو كاتب وباحث في الشؤون الأندلسية، أسلم في أواخر السبعينات بعد تعمق في دراسة تاريخ
стр. 342
الأندلس، وتعرف على الشيخ أحمد الحجي من علماء جامعة القرويين بفاس. ومكث في بيته زهاء العام يتعلم أمور دينه. وفي سنة ١٩٨٤ م اشترت الجمعية بناية من ثلاثة طوابق بشارع سان أغوستين، وسط مدينة مالقة، وحولتها إلى مركز إسلامي به مكتب ومسجد وبيت للإمام، وحصلت على إمام مغربي بتمويل من دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية. ولا يزيد أعضاء الجمعية الإسبان على العشرة بكثير، وقد كاثرهم الوافدون من المغرب. ويقوم المركز بنشاط يحمد عليه في تعليم مبادىء الدين الإسلامي لأعضائه. وفي سنة ١٩٨٦ م، أصبح عبد السميع أريانا موظفًا في القنصلية السعودية في مالقة وسلم المركز لجمعية "المركز الإسلامي في إسبانيا" فأصبح أحد فروعها.
وبمقاطعة مالقة تجمع إسلامي آخر في بلدة "سان بدرو دي القنطرة" غرب مدينة مربلة، تكوّن سنة ١٩٨٣ م تحت اسم "الطريقة الإسلامية" من طرف خالد عبد الكريم، وهو عمدة سابق لبلدة مودة، بمقاطعة مالقة، كان عضوًا في "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا". أعضاء الجمعية قليلون لا يزيدون على العشرة، ولهم مركز خاص بهم، ولا يتعدى نشاطهم بلدتهم.
انضم إلى "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا" عند مرورها بإشبيلية سنة ١٩٧٩ - ١٩٨٠ م عدد من الإسبان. وعندما انتقلت الجماعة إلى غرناطة سنة ١٩٨٠ م، رفض عدد منهم الانتقال من إشبيلية، فطردهم الشيخ عبد القادر الصوفي من جماعته. وعند زيارتي للجمعية المذكورة أعلاه في غرناطة في أوائل مايو عام ١٩٨١ م التقيت بوفد منهم أتى لزيارة زاوية البيازين، فطُردوا بمساعدة الشرطة. وكانوا في حالة من الأسى يرثى لها، فاقترحت عليهم تأسيس جمعية خاصة بهم، فأسسوا في ٦/ ١٢/ ١٩٨١ م "جماعة إشبيلية الإسلامية". وكانت لجنتها التنفيذية الأولى تتكون من عبد الهادي سانز كمينو (رئيس) وعبد المغني غارسيا أرتاشو (أمين سر) ومحمد أحمد علي الشرقي (أمين صندوق) وهو من سبتة، وعثمان برسابي غونزالس (عضو) وعمر ألابونت تورمس (عضو). وسجلت الجمعية رسميًّا كجمعية دينية في وزارة العدل بتاريخ ١٣/ ٥ / ١٩٨٢ م. وكان أعضاؤها حينذاك حوالي عشرون.
وكان مركز الجماعة، عند تأسيسها، في شقة بشارع كوندي دي توريخون قرب ساحة أوروبا، في حي فقير من أحياء إشبيلية، بها "مقهى أو خلا" لهم. وفي أواخر سنة ١٩٨٢ م، انتقلت الجمعية إلى مقر أفضل في حي لائق بشارع آمور دي ديوس
стр. 343
(محبة الله) وهو عبارة عن بيت قديم من طابقين به مسجد ومدرسة ومكاتب للجمعية.
ثم بعد الانشقاق الذي أدى إلى ولادة "الجماعة الإسلامية في الأندلس" (كما سنرى) انتقلت الجمعية إلى مركز أصغر بشارع ميسون دل مورو (فندق المسلم). وظل نشاط "جماعة إشبيلية الإسلامية" محدودًا في مركزها الإسلامي، ولم يتزايد عدد أعضائها منذ نشأتها.
وتوجد طريقة صوفية إنكليزية في بلدة أركش، بمقاطعة قادس، بها إسبان وإنكليز، مسلمون وغير مسلمين. ولا تعد هذه الجماعة نفسها مسلمة بكل ما في الكلمة من معنى، ولا تتعامل مع الجماعات الإسلامية الأخرى.
وفي ١٠/ ٢ / ١٩٨٢ م، زار روجي كارودي قرطبة قبل إسلامه، بصفته مدير "المركز الدولي لحوار الحضارات"، واستقبله عمدتها خوليو أنغيتا. فتحدث كارودي عن قرطبة كمركز للحوار الحضاري وعن إمكانية تأسيس جامعة إسلامية بها. ثم استدعت "الجماعة الإسلامية في الأندلس" روجي كارودي لـ "المؤتمر الإسلامي الأول للمسلمين الأوروبيين" الذي عقد بإشبيلية في ١٩ - ٢٢/ ٧ / ١٩٨٥ م، فحضره وانتُخب رئيسًا له. ثم تابع مفاوضته مع بلدية قرطبة للحصول على "القلعة الحرة" التي كانت عرضتها على "جمعية قرطبة الإسلامية"، فوافقت البلدية على تسليمها له لاستعمالها متحفًا ثقافيًّا. وقد ساعده في إنشاء المتحف عبد الرحمن مدينة موليرة، أحد زعماء "الجماعة الإسلامية في الأندلس"، وأول مدير للمتحف. وافتتح المتحف في أوائل مارس عام ١٩٨٧ م بحضور عدة شخصيات إسلامية وغير إسلامية من المشرق والمغرب في مؤتمر لحوار الديانات والحضارات. ولم يكن المتحف إسلاميًّا، وإن كانت فيه بعد الظواهر الإسلامية كمجسم لمسجد قرطبة الجامع ولقصر الحمراء، صنعهما المسلمان الأندلسيان يوسف بغراس رولدان وزوجه مريم. ومُول المشروع كله بأموال من المملكة العربية السعودية وأقطار الخليج الأخرى. والمتحف ليس مركزًا إسلاميًّا، ويديره منذ أوائل سنة ١٩٨٨ م رجل نصراني. وليس للمفكر الفرنسي المسلم روجي كارودي نشاط في الجالية الإسلامية في الأندلس.
ذكرت في هذا الباب حوالي عشر جمعيات إسلامية أسسها في أوائل الثمانينات الراجعون إلى الإسلام في مدن الأندلس المختلفة. فما هي سلبياتها وإيجابياتها؟ من السلبيات تعدد التنظيمات الذي يدل على تشتت الكلمة وعدم التنسيق، وربما التصادم، وهذا لا يليق بحركة ناهضة يعلق عليها المسلمون الآمال الكبيرة. ولكن لهذا
стр. 344
التعدد فائدة، وهي أنه بعد فشل التجارب المذكورة آنفًا (تنظيم الوافدين المسلمين، وتنظيم الشيخ عبد القادر الصوفي، وتنظيم جمعية قرطبة الإسلامية) في استقطاب جميع الراجعين إلى الإسلام، أصبح من المفيد أن يتقدم كل من له أفكار جديدة بأفكاره، وينظم الجماعة التي تتجمع حولها حتى يظهر مع الوقت الناجح من الفاشل منها. وفعلاً قامت هذه الجمعيات بمجهود مشكور، كل واحدة على طريقتها، بالدعوة إلى الإسلام بين الأندلسيين وغيرهم من الإسبان. فمعظم من اعتنق الإسلام ظل مسلمًا حتى لو غير انتماءه من جمعية إلى أخرى. أو غيرت الجمعية اسمها، أو خرج من كل الجمعيات وبقي بمفرده. لذا أصبح عدد الراجعين إلى الإسلام بالأندلس يعد حوالي ٤.٠٠٠ مسلم سنة ١٩٩٠ م.
وقد اتبعت كل جمعية من الجمعيات المذكورة أعلاه مصيرًا مختلفًا. فمنها من ولد ميتًا (جماعة المرية الإسلامية)، ومنها من انضم لغيره (جماعة مالقة الإسلامية)، ومنها ما انبثقت عنه جماعة أخرى أصبحت من أكبر جماعات الأندلس والأمل في قيادة المسيرة الإسلامية بها (جماعة إشبيلية الإسلامية)، كما سنرى فيما يلي.
١٠/ ٥ - محاولات تنظيمية خارج منطقة الأندلس:
تعد "الجماعة الإسلامية في إسبانيا" بشارع أوخنيو كاشس بمجريط، أقدم جمعية إسلامية إسبانية خارج الأندلس. وقد سجلت في وزارة العدل في ١٧/ ١٢/ ١٩٧٩ م من طرف البارو ماتشوردوم كوتر (أمين عام)، وخابير نيكولاس كوبيوس نييطو، وطوماس باريو غبريال (الرئيس)، وكلهم من سكان مجريط. ويعد أحمد عبد الله ماتشوردوم كومينز، أمينها العام، مؤسسها الأساسي، وهو كاتب وصحافي أصله من بلنسية، كتب عددًا من المقالات في الجرائد الإسبانية يدافع فيها عن الإسلام وقضاياه، كما كتب كتابًا حول سيرة سيدنا محمد ﷺ ، وله علاقة وثيقة بوزارة الخارجية الإسبانية كمستشار في الشؤون الإسلامية، كما له علاقات طيبة مع السفارات العربية بمجريط.
ويحدد نظام هذه الجمعية الأساسي أن هدفها هو "نشر الإسلام كما جاء في القرآن والسنة، بين جميع مسلمي إسبانيا، والتعريف به لدى جميع الأشخاص الذين يودون الحصول على معلومات عنه؛ وتأسيس فروع "الجماعة الإسلامية في إسبانيا" في كل مناطق المساحة الوطنية؛ وتشجيع تعليم اللغة العربية، لغة القرآن ولغة ٢١ دولة تربطنا معها علاقات قوية من الصداقة التاريخية؛ وربط العلاقات الأخوية في
стр. 345
جميع المجالات بين الشعوب الإسلامية والشعب الإسباني؛ وإعانة جميع المسلمين الإسبان على بناء شخصية إسلامية حقيقية باتباع أركان الإسلام وقراءة القرآن وفهمه والاقتناع بتعاليمه، الخ ... ".
وفي ٢٦ - ٢٨/ ١٢ / ١٩٧٩ م، أقامت الجمعية أول مؤتمر للمسلمين الإسبان بفندق براغا بمجريط. ويحتوي مركز الجمعية بمجريط على مسجد ومكاتب، ولها به نشاط محدود.
وفي سنة ١٩٨٠ م، توصلت الجمعية إلى اتفاق مع بلدية قرطبة حول مسجد "المرابطو" الذي بناه فرانكو في ساحة حديقة "المرسد" بقرطبة للجنود المغاربة. وقد سلمت البلدية المسجد لهذه الجمعية تحت الشروط التالية: ١ - يستعمل البناء للعبادات الإسلامية فقط؛ ٢ - تكون كل أعمال الترميم أو التغيير على حساب الجمعية بموافقة البلدية المسبقة؛ ٣ - يدوم استعمال المركز لخمس سنوات؛ ٤ - على الجمعية الحفاظ على المسجد بحالة جيدة؛ ٥ - يرجع البناء وكل الإصلاحات التي أجريت عليه للبلدية بعد فترة الخمس سنوات دون تعويض للجمعية. وبعد انتهاء المدة، استرجعت البلدية البناء وسلمته في شهر مارس سنة ١٩٨٦ م إلى سفير المملكة العربية السعودية بمجريط الذي سلمه بدوره إلى جمعية "المركز الإسلامي في إسبانيا"، وبهذا أصبح المسجد الصغير فرعًا لتلك الجمعية في قرطبة.
لـ "الجماعة الإسلامية في إسبانيا" حوالي مائة عضو في إسبانيا كلها، ويقول مسؤولوها إن لهم أتباع في المرية وبلنسية وبرشلونة. وللجمعية فرع في مدينة سبتة يرأسه أحمد الزبير، رئيس الجماعة الحالي. وبصفة عامة، فتأثير هذه الجماعة محدود اليوم على مركزها في مجريط وبنشاط رئيسها بسبتة وأمينها العام بمجريط بالكتابة والنشر والدفاع عن الإسلام في الصحافة. وليس لهذه الجماعة تأثير في منطقة الأندلس، خاصة بعد إعادتها لـ "المرابطو" إلى بلدية قرطبة.
وفي ٢٣/ ٧ / ١٩٨٣ م، تأسست "جماعة بلنسية الإسلامية" من طرف عبد الرحمن عباد أبالوس (رئيس) وفرنسسكو مرين رودريكز (أمين عام) ويوسف عباد أبالوس (أمين الصندوق). وحدد نظام الجمعية أهدافها بالدعوة إلى الإسلام حسب القرآن الكريم وسنة سيدنا محمد ﷺ . وفي شهر فبراير سنة ١٩٨٤ م فتحت الجمعية مركزًا لها في شقة كبيرة، بشارع سان مارتين ببلنسية.
стр. 346
وكان عبد الرحمن عباد أبالوس، مؤسس الجمعية، صحافيًّا يعمل في برشلونة ثم سكن مالقة، مسقط رأسه. وقد عمل في الجيش الإسباني بتطوان في الحقبة ١٩٥٣ - ١٩٥٤ م، وتعرف لأول مرة هناك على المجتمع الإسلامي. وبعد عودته من تطوان أخذ يقرأ عن الإسلام، فاعتنقه سرًّا سنة ١٩٥٩ م بعد اقتناع، ولم يشهره إلا سنة ١٩٧٧ م، وأسلم بإسلامه جميع أهله. وفي سنة ١٩٧٨ م، زار القاهرة حيث التقى بعدد من المفكرين المسلمين. ثم رجع إلى مالقة حيث عمل صحفيًّا بجريدة "سور" (الجنوب). وانضم عبد الرحمن عباد إلى "جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا" ثم انفصل عنها وأسس الجمعية المذكورة.
وظلت هذه الجمعية ذات نشاط محدود لصعوبات مالية عانتها منذ البداية، فلم يزد عدد أفرادها على العشرة. وأساء السيرة الإمام المغربي الذي أتت به الجمعية لتعليم أفرادها أمور دينهم. ثم غيرت الجمعية مقرها إلى مكان آخر، ومنذ سنة ١٩٨٩ م ظلت بدون مقر.
تأسس كذلك بمجريط سنة ١٩٨٢ م "المعهد الغربي الإسلامي للثقافة" كمؤسسة ثقافية برئاسة الدكتور المغربي عبد الرحمن جاه الشريف. ينتمي لهذا المعهد عدد من المفكرين الإسبان المسلمين، وله مركز ثقافي بشارع فرانسسكو رتي. ويقوم المعهد بمجهود مشكور في التعريف بالحضارة الإسلامية خارج منطقة الأندلس بإسبانيا. ومن أهم نشاطاته تحضيره لمؤتمرين ثقافيين مهمين، أحدهما سنة ١٩٨٧ م بطليطلة (عاصمة قشتالة مانشة) تحت اسم "الأندلس الإسلامية، تاريخ ثمانية قرون" والثاني في ٢٢ - ٢٥/ ٩/ ١٩٨٨ م بطرويل بأراغون تحت اسم "أراغون تستعيد تاريخها". ركز المؤتمر الأول على دراسة الإسلام في قشتالة، والثاني على دراسته في أراغون. وينوي المعهد إنجاز دراسات وبحوث حول الثقافة الإسلامية في إسبانيا في مجالات التاريخ والفنون الإسلامية، وربطها بالواقع الإسباني المعاصر، ونشر نتائجها وتوزيعها.
ويلخص رئيس المعهد فلسفته فيما يلي: "إن العلاقة القائمة بين اهتمامنا الثقافي والواقع الإسباني تتحدد من خلال الوعي بأسس الحضارة الإسلامية في هذا البلد ونشر حقائق الإسلام في الأوساط الإسبانية، لأن الثقافة الإسلامية تمثل ثقافة الشعب الإسباني كذلك رغم أن الظروف التاريخية التي مر بها تجعله يجهل هذه الثقافة".
أما الجمعية الإسلامية الموجودة في مرسية فهي تابعة "للجماعة الإسلامية في الأندلس" التي تعد منطقة مرسية تابعة للأندلس الطبيعية، رغم أنها ليست تابعة
стр. 347
لمنطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي، بل هي تكون منطقة ذات حكم ذاتي قائمة بنفسها. وسندرس نشاط هذه الجماعة مع "الجماعة الإسلامية في الأندلس" في الفصل القادم.
ويُستحسن أن نعطي الآن موجزًا عن الوجود الإسلامي المعاصر في البرتغال، حيث إنها كانت قسمًا من بلاد الأندلس. كما أن التأثير الإسلامي لا زال واضحًا في المنطقة الواقعة جنوب الأشبونة، في مقاطعات شنتمرية الغرب (فارو اليوم) وباجة ويابورة.
يوجد بالبرتغال حوالي عشرون ألف مسلم (سنة ١٩٩٠ م)، هاجر إليها معظمهم من المستعمرات البرتغالية التي حصلت على استقلالها بعد سنة ١٩٧٤ م. ولمعظمهم الجنسية البرتغالية، ولهم بذلك كامل حقوق المواطنة. ويمكن تصنيف مسلمي البرتغال إلى خمس فئات: ١ - الأفارقة المتأصلون من موزمبيق؛ ٢ - الآسيويون المتأصلون من شبه الجزيرة الهندية والقادمون من غوا ومكاو وتيمور؛ ٣ - الأفارقة المتأصلون من غينيا بيساو؛ ٤ - العرب، خاصة المغاربة والجزائريون والمصريون؛ ٥ - والبرتغاليون الراجعون إلى الإسلام حديثًا.
تأسست سنة ١٩٦٨ م "جماعة الأشبونة الإسلامية"، أول جمعية إسلامية في البرتغال، وسجلت رسميًّا في ٢٨/ ٣/ ١٩٦٩ م. ونعتت الجمعية نفسها أنها دينية ثقافية غير سياسية. وحددت أهدافها في بناء جماعة إسلامية برتغالية متكاملة، وتأسيس أول مسجد في البلاد، والدفاع عن الإسلام ونشر تعاليمه باللغة البرتغالية، ونشر تعليم اللغة العربية والمبادىء الإسلامية في البرتغال. ومؤسس الجمعية ورئيسها إلى اليوم هو الدكتور سليمان ولي محمد، وهو من أصل موزنبيقي، ذو نشاط كبير، وهو مؤسس جمعية الصداقة العربية البرتغالية كذلك. أما أعضاء مجلس الإدارة الآخرون فهم: الدكتور إدريس محمد وكيل (أمين سر)، وعبد الستار داود جمال (أمين الصندوق)، وفاروق علي جادت، ومحمد حسين موسى.
وفي يوليوز سنة ١٩٧٨ م، نشرت الجمعية، لأول مرة، ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة البرتغالية في مجلدين، ونشرت طبعة ثانية للترجمة في سبتمبر سنة ١٩٧٩ م. ومنذ سنة ١٩٨٠ م، أخذت تنشر مجلة إسلامية باللغة البرتغالية اسمها "الإسلام". وقامحت الجمعية بنشر سلسلة من الكتب الإسلامية باللغة البرتغالية منها: "من أجل فهم الإسلام"، و"الإسلام تحت الضوء"، و"القرآن المعجزة الأخيرة" لأحمد
стр. 348
ديدات، و "مصدر القانون الإسلامي" و"محمد والإسلام" و "الإسلام والقانون"، و "الإسلام في البرتغال اليوم"، و"فلسطين مأساة العصر"، و "الفكر الإسلامي"، و "القرآن والثقافة البرتغالية"، و"الإسلام في العالم"، و"الزواج في الإسلام"، و "النهضة في العالم الإسلامي"، و"علاقات البرتغال بالعالم العربي"، الخ ... معظمها من تآليف الدكتور سليمان ولي محمد، رئيس الجمعية.
وفي ٢٢/ ٦ / ١٩٧٩ م، حصلت الجمعية من الحكومة البرتغالية على مسجد مؤقت. وهو عبارة عن قصر قديم في وسط مدينة الأشبونة. وعملت الجمعية بالتعاون مع السفارات الإسلامية في البرتغال على تأسيس مركز إسلامي في أرض بالقرب من ساحة إسبانيا، بتكاليف قدرت بحوالي أربعة ملايين دولار أمريكي، وتأسس من أجل إنجازه مجلس للسفراء المسلمين المقيمين في الأشبونة. ولم ينته بعد بناء المركز.
للجمعية هيئة إدارية، وجمعية عمومية، وهيئة المراقبة، كما تتبعها لجان مختلفة لتدبير شؤون المسجد المؤقت، والشؤون الاجتماعية، والشؤون الثقافية، والشؤون المالية، وشؤون المرأة، والشبيبة والرياضة، والمقبرة الإسلامية. وللجمعية إمامان، أحدهما مبعوث من رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، والثاني من الهند. وتقوم الجمعية على إحياء الشعائر الإسلامية من صلاة الأوقات الخمس والجمع والأعياد والاحتفال بالمناسبات الإسلامية.
وفي ٢٧/ ١ / ١٩٨٤ م، تأسست "جماعة جنوب التاجه الإسلامية"، كما تأسست جمعيات إسلامية أخرى في ضواحي الأشبونة: كأوديبلاش، وبوبوا، وشنت أندريان، وشنت أنطونيو دوش كبليروش، وكلينا دو سول، وبوتيلا دو سكييم، وفورت دي كاسا إي بيالونغا، وكذلك في الجنوب، خاصة في مدينة يابورة. كما يوجد مسجد ثاني مؤقت في بلدة المعدن المجاورة للأشبونة في منطقة لانجيرو قرب طريرو (مقاطعة ستوبال). ويوجد مسجد ثالث في كلينا دو سول، ومسجد رابع في أديبلاش في بناء قدمته عائلة مسلمة للجماعة الإسلامية.
وفي سنة ١٩٨٨ م، تكونت في بلدة لورش، شمال الأشبونة، جمعية إسلامية، قدمت لها بلدية لورش أرضًا لبناء مسجد، في منطقة شنت أنطونيو دوش كباليروش.
وتنشر الجمعية مجلة مستقلة اسمها "الفرقان" يديرها محمد يوسف آدمجي. وينتمي إلى هذه الجمعية عدد من المسلمين من أصل آسيوي وكذلك بعض الراجعين إلى
стр. 349
الإسلام من البرتغاليين، من بينهم الدكتور محمد لويس مادوريرا، وهو أستاذ رياضيات اعتنق الإسلام سنة ١٩٨٣ م.
تنتمي كل الجمعيات البرتغالية التي ذكرناها إلى المذهب السني، ومعظم مؤسسيها من الوافدين. وتوجد مجموعة من الإسماعليين من أصول هندية. ومن جهة أخرى أُسس مركز الدراسات العربية في جامعة يابورة.
يظهر أن التنظيم الإسلامي في البرتغال، رغم أنه ابتدأ قبل إسبانيا، ظل متأخرًا عليه، إذ لا زالت معظم التجمعات في يد الوافدين بينما بقي البرتغاليون الراجعون إلى الإسلام أفرادًا في الجمعيات الإسلامية القائمة. غير أن هناك إرادة، خاصة في الجنوب، لتأسيس جمعيات إسلامية بين الراجعين إلى الإسلام شبيهة بالتي أسست في الأندلس.
أما جبل طارق فحوالي عشرة في المائة من سكانه الثلاثين ألف، مغاربة مسلمون، غير أنهم ليسوا مواطنين لجبل طارق، وبالتالي ليست لهم الحقوق الكاملة في المستعمرة، وأهمها حق الإقامة. فمعظمهم رجال دون عائلاتهم، كما أنهم يمتهنون أدنى المهن. ولهم مسجد في مقر سكناهم الذي هو قشلة قديمة بوسط البلدة، وهو عبارة عن مخزن كبير رتب كمسجد تديره جماعة التبليغ.
ويظهر أن الوجود الإسلامي في جبل طارق قديم، إذ ذكر مولانا الجد سيدي
محمد الزمزمي الكتاني في مذكراته عند زيارته لجبل طارق سنة ١٩٣٤ م ما يلي: "وبهذا البلد اليوم من المسلمين جماعة قليلة، أجلهم الشرفاء مولاي أحمد ومولاي الهادي أولاد ابن عجيبة الذين يتجرون هناك في مصنوعات المغرب الوطنية، والذين كنا في ضيافتهم، ثم الشريف سيدي عبد السلام بن علال العمراني، ونحو العشرين آخرين من تطوان وطنجة وغيرهما، يبيعون البيض والخضر. وبها محل بدار القنصلية المغربية سابقًا، يدعى مسجدًا، وهو عبارة عن بيت صغير أمامه ميضة وبئر ومحل للوضوء، بقي بهذا الحال على ما كان عليه أيام المخزن والاستقلال المغربي، وأمامه أيضًا غرفة قد جلس بها اليوم فقيه يعلم ولد العمراني السابق الذكر القرآن. وهذا الشريف تعرفنا عليه واستدعانا لداره مرة، فذهبت إليه منفردًا رغمًا عما بينه وبين من نحن بضيافتهم من العداوة والمخاصمة".
ولا يظهر أن المسلمين تنظموا في جبل طارق حديثًا رغم وجود المصلى المذكور، ولا أن عددًا من مواطني جبل طارق عادوا إلى الإسلام.
стр. 350
مراجع
الفصل العاشر
١٠/ ١ - Jacinto Boch Vila "The Muslims of Portugal and Spain" Journal of the Institute of Muslim Minority Affairs, Vol. ٧, No. ١, Jan. ١٩٨٦.
١٠/٢ - هشام شيشكلي "الإسلام ينتشر من جديد في إسبانيا" المسلمون، ٨ ذي القعدة عام ١٤٠٢ هـ (٢٨/ ٢ / ١٩٨٢).
١٠/ ٣ - " El Centro Islamico de la M-٣٠ sera Abierto en Primavera" El Pais (Madrid) , ١٩/١١/١٩٨٩.
١٠/٤ - Lisbeth Rocher et Fatima Cherqaoui "D'une Foi l'Autre" Seuil, Paris, ١٩٨٦, p. ١٧٥-١٨٤.
١٠/٥ - "Spaniards Rediscover the Relevance of Islam" Arabia, October ١٩٨٣.
١٠/٦ - Juan Bustos "La Fiesta Musulmana del Final del Ramadan, Celebra- de en la Alhambra" Patria (Granada) , Agosto ٤, ١٩٨٠.
١٠/٧ - Juan Bustos "No han Negado La Mezquita de Cordoba para Cele- brar la Fiesta del Sacrificio: Mohammed Ali" patria, Oct. ١٦. ١٩٨٠.
١٠/٨ - " خطبة عيد الأضحى بقرطبة" ملحق خاص لجريدة النور (تطوان). ذي الحجة عام ١٤٠٠ هـ.
١٠/ ٩ - " Fiesta Musulmana en El Recinto de la Piscina Municipal" Cerdo- ba, ١٨/١٠/١٩٨٠.
١٠/١٠ - "En Granada Existe La Unica Comunidad Musulmana, Integrada
par Espanoles, que Existe en el Pais" Hoja de Lunes (Granada) , ٢٠/
١٠/١٩٨٠.
стр. 351
١٠/ ١١ - " Une Association de Musulmans Espagnols Repand l'Islam dans la Peninsule Iberique" Matin du Sahara (Maroc) , Dec. ١٩٨٠.
١٠/١٢ - علي المنتصر الكتاني "المسلمون في أوروبا وأمريكا" دار إدريس، ١٩٧٦ م، الجزء الأول.
١٠/ ١٣ - " Interes Arabe por la Cesion de Uso de la Antigua Mezquita de Santa Clara" Cordoba, ٢٥/١١/١٩٨٠.
١٠/١٤ - "Entregada la Liave de la Antigua Mezquita de Santa Clara al Se- nor al-Kettani" Cordoba, ٢٧/١٢/١٩٨٠.
١٠/١٥ - , ٨ / ١ / ١٩٨١."Precisiones Historicas Sobre la Iglesia de Santa Clara" Cordoba.
١٠/١٦ - "Tras Siete Siglos Vuelve la Oracion Islamica a la Antigua Mezqui- ta de Abu Otman" Cordoba, ٣/١/١٩٨١.
١٠/١٧ - "Alentar El Islamismo Seria un Grave Error Historico" Cordoba, ٦/١/١٩٨١.
١٠/١٨ - "Cordoba: El Alcalde Replica Al Obispo Sobre las Cesiones de Edi- ficos a Los Musulmanes" A.B.C., ٧/١/١٩٨١.
١٠/١٩ - "Julio Anguita Responde a Monsenor Infantes" Cordoba, ٧/١/١٩٨١.
١٠/٢٠ - "Jaime Sellan es Catolico" Cordoba, ١٤/٨/١٩٨١.
١٠/٢١ - "Conozco a Jaime Sellan desde que Llego a Cordoba" Cordoba ٢٠/ ٨/١٩٨١.
١٠/٢٢ - "Jaime Sellan Calificado de Farsante" Cordoba, ٢٣/٨/١٩٨١.
١٠/٢٣ - "Jaime Sellan se Deslara Musulman" Cordoba, ٢٠/٨/١٩٨١.
١٠/٢٤ - "Se Celebro el I Encouento de Amistad Arabe-Cordobes" Cordoba, ٣/١/١٩٨٢.
١٠/٢٥ - "Protesta del Obispado por los Resos Musulmanes en la Mezquita Catedral" Cordoba, ٣/١/١٩٨٢.
١٠/٢٦ - "El Expresidente Argelino Ben Bella Visito Ayer Nuestra Ciudad" Cordoba, ١٢/١/١٩٨٢.
١٠/٢٧ - "Mr Hachmi Filali Reçoit une Delegation de l'Association Islami- que Autonome de Cardoue" le Matin, ٢١/١/١٩٨٢.
١٠/٢٨ - "San la Tolerance entre les Communautes.." Maroc-Soir, ١٢/٢/ ١٩٨٢.
١٠/٢٩ - "Sellan Encarecelado" La Voz de Cordoba, ٢٨/٩/١٩٨٢.
стр. 352
١٠/ ٣٠ - " Sellan, Excarcelado, Centro de la Lucha por el Oro del Moro" La Voz de Cordoba, ٢٩/١٢/١٩٨٢.
١٠/٣١ - Manuel Pelaez del Rosal "La Universidad Musulmana" Cordoba ٩/٢/١٩٨٢.
١٠/٣٢ - "Roger Garaudy" El Pais (Madrid) , ٢٥/٧/١٩٨٥.
١٠/٣٣ - "Trigo va a Ceder La Mezquita del Morabito a un Grupo Saudi" Diario-١٦, ٢٠/٣/١٩٨٦.
١٠/٣٤ - "Musulmanes Valencianos Abren un Nuevo Centro Islamico" Le Vante, ٤/٥/١٩٨٤.
١٠/٣٥ - " إسبانيا حلقة وصل بين الغرب والعالم الإسلامي" الشرق الأوسط، ٨/ ٩/ ١٩٨٩ م.
١٠/ ٣٦ - محمد قشتيليو "انبعاث الإسلام في البرتغال" دعوة الحق (المغرب) نوفمبر عام ١٩٨٠ م.
стр. 353
الفصل الحادي عشر
الجماعة الإسلامية في الأندلس
١١/ ١ - الأيام الأولى في إشبيلية:
انبثقت "الجماعة الإسلامية في الأندلس" عن تجربة أندلسية بحتة، وتكونت
كنتيجة طبيعية للحركة القومية الأندلسية ذات الجذور الإسلامية. وتعد "الجماعة" نفسها حركة إسلامية أندلسية ذات أصالة في أرض الأندلس، وترى في بلاس إنفانتي مؤسسها الأول، ووالدها الروحي. وتعتقد "الجماعة" أن القوميين الأندلسيين المعاصرين المدعين اتباع إنفانتي، لم يطبقوا إلا بعض أفكاره السياسية وتجاهلوا أفكاره حول الهوية الأندلسية وضرورة استعادتها بتعريف أهل الأندلس بتاريخهم الإسلامي وبالعقيدة الإسلامية وتعليمهم اللغة العربية وفتح مجال الرجوع إلى الإسلام لمن يريد ذلك.
مرّ مؤسّسو "الجماعة" بثلاثة مراحل: ابتدؤوا حياتهم العامة في الأحزاب اليسارية، ثم تحولوا إلى الأحزاب القومية الأندلسية، ومنها إلى الإسلام. وانحدر معظمهم من عائلات مثقفة، كان لها نشاط في الحركات اليسارية والأناركية والقومية.
وولد معظمهم بعد سنة ١٩٥٠ م أو ١٩٦٠ م. وبعد سنة ١٩٦٥ م، انضم عدد منهم إلى "اتحاد الشبيبة الشيوعية" أو "لجان الشبيبة العمالية" أو "الحزب الشيوعي الإسباني".
وكانت الأحزاب اليسارية آنذاك، خاصة الحزب الشيوعي، تستقطب الشبيبة الأندلسية المتأثرة بانتفاضة مايو عام ١٩٦٨ م للحركة الطلابية الفرنسية، والتي كانت تؤمن بقدرتها على مجابهة حكم فرانكو الدكتاتوري.
وعندما تحررت الساحة السياسية الإسبانية بعد وفاة فرانكو سنة ١٩٧٥ م، أخذ
يشعر بعض الشباب الأندلسي المنخرط في الحزب الشيوعي بخيبة الأمل فيه، ويرونه
стр. 354
كالأحزاب الأخرى في تنظيمه الهرمي ودكتاتوريته الداخلية، كما اكتشفوا عدم وجود برنامج خاص بالأندلس له ولا أي شعور بالهوية الأندلسية المميزة. فانضم بعض هؤلاء الشباب إلى أحزاب أكثر يسارية كـ "شباب الحراس الحمر لإسبانيا" و"حزب العمل الإسباني"، وأسس البعض الآخر حركة ثقافية لاسترجاع الثقافة الأندلسية.
وفي سنة ١٩٧٦ م، تحولت الحركة الثقافية إلى حركة سياسية تحت اسم "حزب الأندلس الاشتراكي الموحد". ولم يعش هذا الحزب طويلاً، فانحل واجتمعت بعض عناصره بعناصر منشقة من "الحزب الأندلسي" في مالقة وغرناطة وإشبيلية، وأسسوا جميعًا، في نفس السنة، "جبهة تحرير الأندلس"، كحزب ذي اتجاه قومي صريح يطالب باستقلال الأندلس والعودة إلى أصالتها.
وفي سنة ١٩٧٧ م، توسع هذا التجمع في اجتماع عام ضم جماعات منفصلة عن "اتحاد الشبيبة الشيوعية في الأندلس" و"شباب الحراس الحمر لإسبانيا" و"الحزب العمالي للتوحيد الماركسي" و"الكنفدرالية القومية للعمل" ذات الاتجاه الأناركي، فتحولت "جبهة تحرير الأندلس" بدخول العناصر المذكورة إلى "الجبهة الأندلسية للتحرير" برئاسة أنطونيو مدينة مليرة، وأصبحت أهم منظمة شبابية أندلسية. وقد اضطهدت حكومة سوارز هذه الجبهة وتابعت أفرادها، خاصة رئيسها. وواجهت الجبهة صعوبات مادية جمة، أدت بعد مدة وجيزة إلى انقسامها إلى ثلاثة فصائل: ١ - القوميون الأندلسيون الذين يطالبون بتعريب الأندلس لغويًّا، واسترجاع الهوية الأندلسية على أساس عقيدة التوحيد.
٢ - البيئيون ذوو الصلة الوثيقة بالحركات الأوروبية البيئية (الخضر) والحركات التي تسمى بالجديدة.
٣ - مجموعة صغيرة من التابعين للحركات العمالية التقليدية في تنظيمها وبرامجها وطريقة نضالها.
وفي سنة ١٩٧٨ م، أدت هذه الانشقاقات إلى حل "الجبهة الأندلسية للتحرير"، كما انحل "حزب العمل الإسباني"، فتوحدت عناصر من الحزبين المنحلين في تنظيم جديد: "حزب التحرير الأندلسي". وكان داخل الحزب الجديد اتجاهان سياسيان، أحدهما قومي أندلسي والثاني شيوعي. وأصبح القوميون يستعملون داخل الحزب الشعارات الإسلامية ورسموها مرة على إحدى كنائس إشبيلية، فعارض ذلك شيوعيو
стр. 355
الحزب مما أدى إلى انشقاق الحزب وحله سنة ١٩٨٠ م. فكوّن القوميون "مجموعة الأزهر" بهدف العمل على إعادة بناء أندلس مستقلة عن طريق البحث عن الهوية الضائعة، دون العمل السياسي، وركزوا على دراسة كتابات "بلاس إنفانتي" و"إقناسيو
إيلاكوي" وغيرهما.
وفي شهر غشت عام ١٩٨١ م أشهر أنطونيو مدينة مليرة إسلامه في مركز "جماعة إشبيلية الإسلامية" وانضم بذلك إليها، وسمى نفسه عبد الرحمن. وصل عبد الرحمن مدينة مليرة إلى الإسلام بعد نضال طويل واقتناع كامل بمبادئه. فقد ولد في ٨/ ٥ /١٩٥٢ م بمدينة غافق (مقاطعة قرطبة)، من رفائيل مدينة مسة، أحد تجار غافق الميسورين، ومارية مليرة قومس. وتعتز عائلتا أمه ووالده بجذورهما المورسكية، كما كان لهما نشاط في الحركات الأناركية. وقد نشأ عبد الرحمن نشأة علم ودراسة، وتخرج من أفضل الجامعات في التاريخ الأندلسي ومقارنة الأديان.
وفي سنة ١٩٦٥ م، ابتدأ عبد الرحمن مدينة حياته العامة، ولا يزيد عمره عن ١٣ سنة، كعضو في "لجان الشبيبة العالية" و"اتحاد الشبيبة الشيوعي" و"الحزب الشيوعي"، وسجن وعذب أيام فرانكو. وفي سنة ١٩٧٥ م، كان مدينة رئيس الجماعة التي تركت "الحزب الشيوعي" لتكوين "حزب الأندلس الاشتراكي الموحد" ثم "جبهة تحرير الأندلس" ثم "الجبهة الأندلسية للتحرير". وفي سنة ١٩٧٨ م، ترأس "حزب التحرير الأندلسي". ثم ابتعد مدينة عن السياسة، وأسس شركة نشر سماها "مكتبة المنشورات الأندلسية" حيث نشر كتابيه "تاريخ الأندلس العام" في ست مجلدات و"المعجم الأندلسي". وبعد محاولة جديدة لإحياء "جبهة تحرير الأندلس" سنة ١٩٧٩ م، توصل مدينة إلى الاقتناع بالإسلام كدين متكامل لتحرير الإنسان من الظلم والعدوان. وفي غشت سنة ١٩٨١ م، قرر إشهار إسلامه والانضمام إلى "جماعة إشبيلية الإسلامية"، واختار اسم عبد الرحمن تيمنًا باسم عبد الرحمن الغافقي.
كان قرار عبد الرحمن مدينة باعتناق الإسلام قرارًا فرديًّا، ولم يكن يفكر أول الأمر في دعوة أصدقائه للإسلام. وبعد شهور، أخذ زملاؤه في الحركة القومية الأندلسية يسألونه عن سبب تغيره. وفي ١٧/ ١ / ١٩٨٢ م، قرر اثنان آخران من زملائه اعتناق الإسلام، هما حمد المعتمد شانشس كستيانوس (كان اسمه ألفونسو) وأبو ياسر رينا أندرادي (كان اسمه سالبطور)، وذلك بمركز "جماعة إشبيلية الإسلامية" على يد عبد الحق اسبينوزا وعبد الهادي سانز كمينو. ولد محمد المعتمد في ١٠/ ٥ / ١٩٦١ م
следующие страницы →