Полный текст (457 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
١١/ ٨٠ - Jesus Cabrea "Un Descendiente de Boabdil Recorre Andalucia Bus - cando su Identidad" Nuevo Diario, ٢٠ / ١٢ / ١٩٨٨.
١١ / ٨١ - Juan Enrique Gomez "Ridwan Rachico, Descendiente de Boabdil, Tremolo la Bandera de Al - Andalus desde la Torre de la Alhambra" Ideal (Granada) , ٣ / ١ / ١٩٨٩.
١١ / ٨٢ - "Se Celebrara el I Congreso Mundial Andalusi que Tendra Como Sede Castellar" ARES, ٢٥ / ١ / ١٩٨٩.
١١ / ٨٣ - "Presentado en Algesiras el I Congreso Mundial Andalusi" Sur, ١٣ / ٣ / ١٩٨٩.
١١ / ٨٤ - "La Diaspora Andalouse s'Organise" Le Matin du Sahara, ١٤ / ٣ / ١٩٨٩.
١١ / ٨٥ - "El Partido Liberacion Andaluza Anuncia su Dislucion por Proble - mas Economicos y de Falta de Apoyo" Diario de Cadiz, ١٩ / ٧ / ١٩٨٩.
١١ / ٨٦ - "La Comision de Libertad Religiosa Reconoce Oficialmente la Con - fesion Musulmana" El - Pais, ١٥ / ٧ / ١٩٨٩.
١١ / ٨٧ - "Una Delegacion de Arabia Saudi Visito el Castello de Guzman el Bueno" Europa sur, ٢ / ٨ / ١٩٨٩.
١١ / ٨٨ - Ana Rosa Jaragua "Numerosas Personalidades de la Cultura Isla - mica se Dieron Cita en la Jarandilla" Europa Sur, ٢ / ٩ / ١٩٨٩.
١١ / ٨٩ - "Ana Rosa Jaragua "El Congreso Mundial Andalusi Rindio Home - naje a Blas Infante" Europa Sur, ٣ / ٩ / ١٩٨٩.
١١ / ٩٠ - "Ana Rosa Jaragua "Musulmanes y Andalusies Podran Integrarse en un Consejo Internacional" Europa Sur, ٤ / ٩ / ١٩٨٩.
١١ / ٩١ - Javier Martinez "La Fundacion Islam y Al - Aldalus de Algesiras Quiere Crear una Universidad" Sur, ١٨ / ١١ / ١٩٨٩.
١١ / ٩٢ - Aziz Yacoubi "Un Succes au - dela des Previsions" Le Matin su Sa - hara, ١٤ / ٩ / ١٩٨٩.
١١ / ٩٣ - J. Herrero "Reunion del Alcalde de Velez con la Fundacion Islam y Al - Aldalus" La Gacetta, ١١ / ٢ / ١٩٩٠.
١١ / ٩٤ - "Ali Kettani: La Perestroika Favorece la Libertad de culto de los Musulmanes" Cordoba, ١٤ / ٢ / ١٩٩٠.
١١ / ٩٥ - C. Aumente "Representantes de Diez Religiones Hablan de la Mis - tica en Cordoba" Cordoba, ٤ / ٥ / ١٩٩٠.
стр. 387
الفصل الثاني عشر
الشتات الأندلسي اليوم
١٢/ ١ - الأندلسيون في المغرب:
كانت علاقة المغرب بالأندلس وثيقة، لدرجة كان البلدان يسميان بالعدوتين: عدوة الأندلس وعدوة المغرب، كما كوّن البلدان دولة واحدة أيام الدولتين المرابطية والموحدية. وكانت الطبقة المثقفة في البلدين تكاد تكون واحدة، إذ كان ينتقل كثير من الأفراد والعائلات المغربية إلى الأندلس، وينتقل أفراد وعائلات أندلسية إلى المغرب. بينما هاجر الأندلسيون في كل الحقب إلى مدن المغرب المختلفة، ظلت ثلاثة مدن، فاس والرباط وتطوان، تحتفظ اليوم بالتراث الأندلسي في أبنائها وثقافتها أكثر من غيرها من المدن والبوادي.
أما فاس فقد أسسها مولاي إدريس الأول من بلدتين، إحداهما لإيواء المهاجرين القرطبيين، من حي الربض الذي ثار على الخليفة الأموي، والثانية لإيواء مهاجري القيروان. وكانت المدينة الأولى تسمى بـ "الأندلس" والثانية بـ "القرويين"، وهما يحملان هذا الاسم إلى اليوم، وفي كل حي من الحيين مسجده الأعظم المسمى به.
وظلت فاس تستقطب نخبة المهاجرين الأندلسيين، قبل سقوط غرناطة وبعدها، مباشرة أو عن طريق مدن أخرى. وأصبحت للعائلات الأندلسية الفاسية الدور الهام والرائد في المجالات العلمية والمالية والسياسية والثقافية والحرفية. وتوجد اليوم بفاس مئات العائلات الأندلسية، منها من حافظ على اسمه العجمي، ومنها من تغير اسمه، ومنها من نسب إلى مدن الأندلس وقراه. ويبين الجدول التالي بعض أشهر هذه العائلات وتاريخ انتقالها إلى فاس، وموطنها بالأندلس، ونسبتها المعروفة بها هناك:
стр. 388
بعض العائلات الفاسية الأندلسية
الاسم الحالي: الدباغ
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٦٩٠
موطنها بالأندلس: غرناطة
النسبة بالأندلس: الإدريسي
الاسم الحالي: ابن عاشر
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٧٥٠
موطنها بالأندلس: شمينة
النسبة بالأندلس: -
الاسم الحالي: السراج
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٧٥٠
موطنها بالأندلس: رندة
النسبة بالأندلس: -
الاسم الحالي: ابن سودة
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٧٥٤
موطنها بالأندلس: غرناطة
النسبة بالأندلس: المري
الاسم الحالي: الفاسي
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٨٨٠
موطنها بالأندلس: مالقة
النسبة بالأندلس: ابن الجد الفهري
الاسم الحالي: القادري
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٨٩٠
موطنها بالأندلس: وادي آش
النسبة بالأندلس: الشريف الحسني
الاسم الحالي: صفيرة
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ٩٩٣
موطنها بالأندلس: غرناطة
النسبة بالأندلس: صفري
الاسم الحالي: ابن الحاج
تاريخ الهجرة إلى فاس (بالهجري): ١٠٢٠
موطنها بالأندلس: بلفيق
النسبة بالأندلس: السلمي
وكان لعائلات أندلسية كثيرة دور هام في التاريخ المغربي، منها من انقرض، ومنها من لا زال قائمًا. منها من ينتسب إلى قرى ومدن ومناطق أندلسية: الإبريني (أبرينة) والأرجبي (أرجبة) والأندرشي (أندرش) والأندلسي (الأندلس) واللإشبيلي (إشبيلية) وابن سليمان الغرناطي (غرناطة) والباجي (باجة) والبرجي (برجة) والبلجي (بلج) والقرموني (قرمونة) والأطريري (أطريرة) والقمارشي (قمارش) والبلنسي (بلنسية) والبيجري (البيجر) والبيري (البيرة) والجرندي (جرندة) والرندي (رندة) والنريدة (ناردة) والطرياني (طريانة) والطليطلي (طليطلة) والمارسي (لمارس) واللوشي (لوشة) والليريني (ليرينة) والماروري (مورور) والمالقي (مالقة) والمرسي (مرسية) والشقوري (شقورة) والقرطبي (قرطبة) والشاطبي (شاطبة) والشرفي (الشرف) وصالاج (صالاص)، وبرادة، الخ ... وتحمل عدة عائلات أسماء عجمية أندلسية: باسو، بردلة، البسة، التماو، تيميرو، الطرون، اللب، اللرول، المنطرش، فنجيرو، الغندوش، قزمان، قلمون، سنكليو، الخ ... وحافظت بعض العائلات على الأسماء التي كانت تعرف بها في الأندلس: الأحمر والأبار والأزرق والأموي وابن الأمين والبلاج والبزار والبواب والبيار والبيطار والجنان والدراج وابن عزمون وابن شقرون
стр. 389
وابن حيون وابن جلون وابن المليح والكوي والمدجن والكاتب والغرسيس وابن فرحون وابن وعدون، الخ ...
وغالبًا لا يزيد عدد أجداد الأندلسيين الموجودين بفاس إلى الجد المهاجر على العشرة. فوالدتي السيدة أم هاني الفاسي الفهري هي بنت الوزير عبد السلام بن الوزير عبد الله بن الخطيب عبد السلام بن الخطيب علال بن العالم عبد الله بن الكاتب عبد الرحمن المجذوب بن العالم عبد الحفيظ بن الكاتب العالم أحمد ابن الشيخ أبي مدين ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد بن الولي المشهور الشيخ عبد القادر ابن الشيخ علي بن أبي المحاسن الشيخ يوسف بن محمد بن أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن الداخل إلى فاس من مالقة سنة ٨٨٠ هـ بسبب الفتنة الناشئة عن ثورة القائد محمد القرسوطي قبيل إجهاز النصارى عليها. وعبد الرحمن هذا من آل ابن الجد المشاهير المناضلين من لبلة غرب الأندلس.
ومن بين الشخصيات الأندلسية في المجتمع المغربي المعاصر الأستاذ علال الفاسي الفهري ﵀ فهو علال بن عبد الواحد بن عبد السلام جد سيدنا الجد الشيخ عبد السلام بن عبد الله الفاسي. وللأستاذ علال الفاسي دور معروف ومشكور في الحركة الوطنية المغربية. ومنهم الأستاذ أحمد بن سودة مستشار الديوان الملكي الذي له دور هام في الحركة الوطنية والإدارة المغربية بعد الاستقلال. وغيرهما كثير كما تظهر من الأسماء العائلية المذكورة أعلاه.
وعمل يعقوب المنصور منذ تأسيسه للرباط على تسهيل استيطان الأندلسيين بها. غير أن معظم أندلسيي الرباط اليوم ينحدرون من هجرة سنة ١٦٠٩ م. وقد تفوقت من بين أندلسيي الرباط شخصيات علمية وإدارية ومالية وعسكرية. وتنتسب كثير من العائلات الرباطية إلى مدن أندلسية: باينة (بيانة) ودينية (دانية) والرندة (رندة) واللوشي (لوشة) وفنجيرو (فوانخرولا: سهيل) والدغمي (بني دغم) والقرطبي (قرطبة) والقسطالي (قسطلة) والقصري (القصر) وقوريا (قورية) والمغراوي (الماغرو) والبريجي (البريجة) والبليدي (البليدة) وبيسير (بشر) وطريدانو (طليطلة) والساهلي (السهلة) والمدور (المدور) وسنتياك (شنت ياقو) والبابوري (يابورة)، وغيرها من البيوتات.
ولا زالت تحتفظ كثير من البيوتات الرباطية باسمها العجمي: بلانكو ( Blanco) وبرادو ( Prado) وبركاش ( Vargas) وبربيش ( Barbes) وبلافريج ( Palafren) وبلامينو
стр. 390
( Palomino) وباليسيو ( Palacio) وبريس ( Perez) وبيرو ( Pilo) وبونو ( Bono) وتكيتو ( Chiquito) وتمورو ( Chamorro) وجوريو ( O sorio) وكديرة ( Goderia) ودياس ( Diaz) ورودياس ( Rodriguez) وكسوس ( Jesus) والدك ( Duque) والرينكة ( Rienga) وروان ( Roan) وكراكشو ( Carrasco) وكريسبو ( Crespo) وكليطو ( Querido) والكمرا ( Carmarra) ولوباريس ( Olivares) ولزارو ( Lazaro) ولاميرو ( Romero) ومرسيل ( Marcelo) وملين ( Molina) ومورينو ( Mareno) ومولاطو ( Morato) ومراس ( Miras) وصندال ( Sandalio) وفرشادو ( Farchado) وفلوريش ( Flores) وقريون ( Carrion) وقمرادة ( Camarada) وسباطة ( Zapata) وساكالانطو ( Escalant) وغيرها من الأسماء.
ولبعض بيوتات الرباط الأندلسية أسماء عربية احتفظت بها من الأندلس، أو حدثت بعد انتقالها، منها: الأبيض وبنطاهر وبندهاق وبنطوجة وبندورو وبلفقيه وبنقدور وبنعمرو وبلكاهية والتونسي والحداد والزبدي والزهراء وزطوط وطيفور ومتجنوس ومدون وضاكة وعاشور والعماني وغنام وفرج (بفتح الراء) وغيرها.
ومن بين العائلات الرباطية التي لها دور مهم في تاريخ الرباط عائلة مرينو، فمنهم الفقيه الأديب أحمد حجي بن محمد مرينو، عامل الرباط، ومنهم القاضي الأديب العالم الحاج محمد بن محمد مرينو، ترك أشعارًا لو جمعت لكوّنت ديوانًا كاملاً، ومنهم الفقيه القاضي محمد المهدي ابن القاضي محمد مرينو، من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، ومنهم الفقيه الحيسوبي الموقت الحاج محمد المسناوي بن محمد مرينو المتوفَّى في ذي الحجة عام ١٢٠٧ هـ، ومنهم القاضي العلامة عبد القادر بن المهدي مرينو المتوفَّى حوالي سنة ١٢٤٠ هـ. ومنهم الفقيه العدل المعطي بن المهدي مرينو، وغيرهم.
ومنها عائلة بركاش، فمنهم القائد الحاج عبد الله ابن الحاج علي بركاش، كان قائ@د الرباط في أواخر القرن الثاني عشر. ومنهم الفقيه القاضي حجي بن الغازي بركاش، المتوفَّى في ٢١ رجب عام ١٢٩٤ هـ ومنهم النائب السلطاني محمد ابن الرئيس المجاهد الحاج عبد الرحمن بركاش، المتوفَّى في ١٧ محرم عام ١٣٣٦ هـ.
ومنهم أبناؤه الحاج العباس والحاج محمد والحاج عبد المجيد والصديق الذين كان
لهم جميعًا دور مهم في الإدارة المغربية، وغيرهم.
ومن الشخصيات الأندلسية الرباطية التي لها دور هام في أحداث المغرب المعاصرة الحاج أحمد بلافريج، أمين عام حزب الاستقلال والمناضل المغربي
стр. 391
المعروف، ﵀. ومنهم الأستاذ أحمد رضا قديرة مستشار في الديوان الملكي. ومنهم الحاج علال كراكشو المقاول الرباطي. وغيرهم كثيرون في مجالات السياسة والقضاء والعلوم والصحافة والمال والجيش، حيث برعوا وناضلوا من أجل تقدم المغرب.
أما المدينة الثالثة تطوان، فلقد أسسها، كما رأينا، المهاجرون الغرناطيون إبان سقوط غرناطة فنقلوا لها الحضارة الغرناطية برمتها قبل إضعافها من طرف الاستعمار القشتالي ومحاكم التفتيش. ولذا كانت تطوان شبيهة بفاس في كثير من مظاهرها.
وكما قال الفقيه داود: "كانت تطوان نسخة من أخريات المدن الإسلامية العربية في بلاد الأندلس". ولحقت الهجرة الأولى سلسلة من الهجرات عبر القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد ذكر الفقيه الرهوني ٤٧٥ اسم لعائلات تطوانية عريقة منها ٣٥٥ عائلة لا زالت قائمة وقد ذكر أصول ٢٥١ من هذه العائلات منها ٧٥ عائلة أندلسية.
ومن بين أندلسيي تطوان عائلات تحمل أسماء عجمية: البانزي ( Ponce) وبايص ( Paez) والرويز ( Ruiz) وغارسيا ( Garcia) ومارتيل ( Martine) ولوقاش ( Lucas) ، الخ ... ومنها ما هو نسبة إلى بلدة أو منطقة: الأندلسي واللبادي (أبدة) والمنظري وراغون (أراغون) والركاينة والرندي، والغرناطي (غرناطة) والقرطبي (قرطبة) وقشتيليو وقبريرة ومدينة ومندوصة ومراريش وصالاس وبورطو والطريس ومولينا والرينة، الخ ... ومنها ما هو نعوت: اللب ومولاطو ومرينو والسوردو والسكيرج ( Esquiles) والراندو والدليرو، الخ ... ومنها ما هو عربي: ابن الأحمر والتبين والرزيني وزكري والخضري والخطيب وداود والرفاعي وغيلان والفخار والموفق ونصر والعطار والقطان والقيسي والوزير والسراج وقريش، الخ ... ومنها ما هو أمازيغي: أجزول وأشعاش وأفوقاي، الخ ... وقد مرت علينا في أحداث القرنين الخامس عشر والسادس عشر كثير من الأسماء التي لا زالت الآن موجودة بتطوان (وفاس والرباط)، كأجزول والخطيب والوزير وداود والأزرق وابن المليح (زعماء ثورة البشرات) وقشتيليو (أحد مترجمي الحاكم ديزا أيام محاكم التفتيش). كما تذكرنا بعائلات غرناطية شهيرة أسماء الأحمر وزكري والعطار والسراج وفرج والأبار، الخ ... وقد نبغ عدد كبير من أندلسيي تطوان المعاصرين، منهم الأستاذ عبد الخالق الطريس، الرجل الوطني المعروف، والفقيه محمد داوود صاحب التاريخ وغيرهما.
стр. 392
أما في القرون الماضية فنذكر الفقيه أبا عبد الله محمد الرزيني المتوفَّى سنة ٩٣٤ هـ، قاضي تطوان، والأديب محمد بن عبد الرحمن الكراسي المتوفَّى سنة ٩٦٤ هـ، والفقيه القاضي أحمد بن محمد طانية المتوفَّى سنة ١٠٦٣ هـ، والأديب علي مندوصة من رجال القرن الحادي عشر، وغيرهم.
وانتشر الوجود الأندلسي إلى جل مدن المغرب وبواديه. فمن أهم البيوتات الأندلسية بمدينة سلا: زنيبر، أهل علم ووجاهة، قدموا إليها من غرناطة بعد سقوطها؛ وفنيش، ذوو دور قيادي في تاريخ المدينة؛ وحصار، قدموا من غرناطة؛ وابن عطية، قدموا في القرن التاسع الهجري من إشبيلية إلى الرباط ثم إلى سلا ففاس؛ وخالص، قدموا من رندة وانتقل معظمهم إلى الرباط؛ والأبيض أو بلانكو، هم بالرباط كذلك؛ وحمدون، كان منهم عدد من رؤساء البحر؛ والعطار؛ وغيرهم.
وبمكناس عائلات أندلسية، منها: الوقاد، قدمت إلى فاس من إشبيلية في منتصف القرن السابع الهجري ثم انتقلت إلى مكناس؛ والبجيري، اشتهر من بين أفرادها عدة علماء؛ وغريط، استوزر الملوك العلويون عدة أفراد منها وأنتجت عدة شعراء مجيدين؛ وعائلات أخرى ذكرت في ديوان خاص بأمر من السلطان مولاي إسماعيل: ابن إبراهيم وابن حليمة وابن الحاج وابن عبد الكريم (من مالقة) وأبو الرخا (من غرناطة) وأزويزر وأنفاع والأزرق (من إشبيلية) وأمسامح وأصقال والأشقر والبجيري وبوراس والباروا والبتولي والبياني وبرقوق والبياض (من بلش مالقة) وجابر والحزماري والدقيوق والزناتي وطوجة وكديش واللمتوني والمسطاسي والصفار وصفندلة والغرناطي والغماري والفخار وفيدقة والقراص والقلفط والقبري والقباب والقصري وشبليون وهارون وهلال والوقاد وغيرهم.
واستقر بمراكش عدد من العائلات الأندلسية، اندمج معظمهم في المجتمع المغربي ونسي أصله. وأسس شفشاون الشرفاء العلميون بالتعاون مع الأندلسيين، وقد بقي فيها اليوم بعض العائلات الأندلسية، كالمفرج والبيطار والعاقل وغيرها. واستقرت أسر أندلسية بآسفى، منها اليوم باجدوب والركوش (نسبة إلى أركش) ومرحبو وميته والغمار القلعي والشقوري وغيرهم.
كما استقرت عائلات أندلسية في البوادي المغربية، منها رابون في بني مدان، وآرياش في مرتيل، وأوجدة في ابن قريش، وأروين في بني صالح، وكرابيلا في
стр. 393
المزمة (الحسيمة)، ومارسو في واد لاو، ومراليش في باب تازة، وغارسيا في جبل حبيب، وبايزا في بو أحمد، وأراغون في الجبهة، ومرسية في تارغيست، وابن الصديق في غمارة وهم علماء طنجة المعروفون اليوم، وآيت الناظر وبركاش في وادي سوس، والوقاد في بني ملال، الخ ... ويمكن تقدير عدد المغاربة من أصل أندلسي بحوالي عشر سكان المغرب أو ٢.٥ مليون نسمة على الأقل، معظمهم نسي أصله الأندلسي، ولم يزل يتذكرها منهم سوى عشرهم، أو حوالي ٢٥٠.٠٠٠ نسمة على أقل تقدير.
١٢/ ٢ - الأندلسيون في تونس:
اتجه الأندلسيون إلى تونس من شرق الأندلس بنفس الكثافة التي اتجهوا بها إلى المغرب من غربه، واستقر عدد منهم في العاصمة ومنطقتها. وظل الأندلسيون التونسيون يحتفظون بشخصية مميزة أيام الحكم العثماني الذي أعطاهم الحكم الذاتي تحت زعيم ينتخبونه يسمى شيخ الأندلس. ولم تُضع الجاليات الأندلسية، التي حافظت على لغاتها العجمية (القطلانية والقشتالية) إلى القرن التاسع عشر، هويتها إلا منذ بداية الاستعمار الفرنسي. ويمكن تقدير عدد التونسيين المنحدرين من أصل أندلسي الآن بحوالي مليون نسمة من مجموع سبعة ملايين، لم يعد يتذكر أصله الأندلسي منهم سوى نسبة ضئيلة، أو حوالي خمسون ألف شخص.
عمل جو العاصمة على صهر السكان أكثر من باقي المناطق التونسية، ولم تحتفظ فيها بذكراها الأندلسية اليوم سوى بعض العائلات العلمية الكبيرة، من أهمها عائلة ابن عاشور التي أعطت لتونس عددًا من العلماء والكتاب وفقهاء المذهب المالكي. فالشيخ محمد الفاضل بن عاشور (١٩٠٩ - ١٩٧٠ م)، الذي عمل قاضيًا للعاصمة ومفتيًا للجمهورية وعميدًا لكلية الشريعة بجامعة الزيتونة، هو ابن الشيخ محمد الطاهر (١٨٧٩ - ١٩٧٣ م) الذي كان كذلك قاضيًا وأستاذًا بالزيتونة، ومن أهم إنتاجه العلمي "تفسير التقرير والتنوير" للقرآن الكريم، وكان أول فقيه مالكي اعتلى منصب شيخ الإسلام سنة ١٩٣٢ م الذي كان مقتصرًا على فقهاء المذهب الحنفي، ابن محمد (١٨٦٠ - ١٩٢٠ م)، رئيس إدارة الأحباس، ابن الشيخ محمد الطاهر (١٨١٥ - ١٨٦٨ م)، أستاذ الفقه والآداب بجامعة الزيتونة، وفي سنة ١٨٥١ م عينه أحمد باي قاضيًا مالكيًّا للعاصمة، ثم مفتيًا بعد سنة ١٨٦١ م، ابن العدل محمد بن الشاذلي ابن الشيخ عبد القادر، شيخ طريق له زاوية في العاصمة، ابن الشيخ محمد بن
стр. 394
عاشور (١٦٢٠ - ١٦٩٨ م) أول قادم من سلا بالمغرب إلى تونس، ومؤسس عائلة ابن عاشور بها.
ولد الشيخ محمد بن عاشور سنة ١٠٣٠ هـ (١٦٢٠ م) لوالدين هاجرا إلى سلاك (لا شك سلا الجديدة أي الرباط) من فرنجوش (مقاطعة استرمادورا)، وقد ظل أقرباء له بالعاصمة المغربية حيث توجد عائلة عاشور إلى اليوم. وذهب محمد بن عاشور إلى الحج، ثم رجع إلى تونس حيث استقر وتزوج وعمل لكسب عيشه في صناعة الشواشي وانضم إلى الطريقة الشاذلية حيث كان يقصد زاويتها المسماة بزاوية الزواوي خارج باب المنارة، وأصبح مريدًا للشيخ محمد القجيري. واشتهر الشيخ محمد بن عاشور بدينه وعفته وحسن أخلاقه، فأصبح شيخًا للزاوية بعد وفاة الشيخ الزواوي دون عقب.
اشتهرت في العاصمة التونسية في القرن الثامن عشر شخصيات أندلسية منها محمود خزندار، المتوفَّى سنة ١٧٢٦ م، رئيس وزراء الباي حسين بن علي، وقد ذكر مناقبة الرحالة الإسباني فرنسيسكو خمينيس، كما ذكر أخاه محمد السريري. ولا يعرف اليوم اسم العائلة المنحدرة منهما، غير أن أصلهما من سرقسطة (أراغون القديمة). ومنهم الشريف سليمان القسطلي، أصله من قلعة النهر (مقاطعة مجريط اليوم) حيث كانت تسمى عائلته كنطريراش، وقد التقى به خمينيس. كان من كبار مجاهدي البحر، له مستشفيات في العاصمة ونفوذ كبير. ومنهم علي بن عياد وعلي قطلينا اللذان كانا من أكبر أغنياء العاصمة. واجتمع الرحالة خمينيس بالشيخ عبد القادر بن عاشور وذكره في رحلته كشيخ طريقة صوفية. وذكر خمينيس شخصيات أندلسية أخرى لا زال حفدتها موجودين، منها الحاج مصطفى الباي وعلي برغيت ومحمد الوزير (مات سنة ١٨١٩ م) ومحمد المشاط (مات سنة ١٨٣٤ م) وعلي الشريف (مات سنة ١٨٤٩ م) شيخ الطريقة العيساوية، وغيرهم كبني الحداد وقسطلي وقريذو والتومي والعروصي وسيدا. وتدل هذه الأسماء أن كثيرًا من العائلات الأندلسية اتخذت أسماء عربية أو تركية بعد إقامتها في تونس، من بينها اليوم عائلة كشك التي ينتمي إليها عدة تجار ورجال أعمال.
ترجم المؤرخ ابن ضياف لـ ٢١ أندلسي من بين الـ ٤٠٧ شخصية تونسية في القرن التاسع عشر، منهم ١٩ شخصية توفيت بين ١٨١٥ و ١٨٧٢ م، منهم اثنان من بيت الحداد: أحمد (المتوفى سنة ١٨١٧ م) وعلي (١٨٥٦ م) وستة من بيت الوزير: محمد (١٨١٨ م) وأحمد (١٨٢٧ م) وحسن (١٨٢٧ م) وحسونة (١٨٣٢ م) ومحمد
стр. 395
(١٨٥٦ م) وأحمد (١٨٦٨ م)، ومحمد قريذو (١٨١٩ م) ومحمد المشاط (١٨٣٤ م) ومحمد العروصي (١٨٣٧ م) ومحمد التومي (١٨٤٠ م) ومحمد قسطلي (١٨٤٩ م) ومحمد شلبي (١٨٤٢ م) وحمدان سيدا (١٨٤٦ م) ومصطفى ماظور (١٨٤٨ م) وعلي الشريف (١٨٤٩ م) واثنين من بيت العصفوري: محمد (١٨٥٦ م) ومحمد الشاذلي (١٨٦٨ م). وهكذا نرى أن من بين العائلات الـ ١٢ المذكورة، ٤ فقط لها أسماء أندلسية عجمية واضحة (قريذو وقسطلي وماظور وسيدا).
وتنحدر عائلة لاخوا ( La Joa) التونسية من بني السراج الغرناطيين. كان جدهم، موسى لاخوا، ضحية محاكم التفتيش بغرناطة حوالي سنة ١٧٢٧ م، التي حكمت عليه بالسجن أربع سنوات، فهرب مع أخوته إلى أزمير (بتركيا اليوم)، وكتب إلى الشريف القسطلي يطلب المساعدة للانتقال إلى تونس، فساعدهم الشريف على ذلك. وأثمرت عائلة لاخوا اليوم جماعة من المثقفين والأطباء والمهندسين ورجال الأعمال.
ومن أهم مواطن التواجد الأندلسي الوطن القبلي، حيث مدينة سليمان التي تأسست سنة ١٦١٠ م على أنقاض كسولة القديمة، وفي سنة ١٧٣١ م، كان سكانها حسب خمينيس حوالي ٤.٥٠٠ نسمة، ثلثهم، أو حوالي ١.٥٠٠ نسمة، أندلسيين. وفي سنة ١٨٦٢ م، كانت أحوال البلدة قد ساءت بسبب هجوم الأعراب المتكرر، حتى أصبح عدد سكانها ٧٠٠ شخص، أكثرهم غير أندلسيين. واليوم، انقرضت جل عائلات سليمان الأندلسية، إما بسبب الهجرة أو بنسيان تاريخها أو بعدم الولادة. ومن هذه العائلات المنقرضة، اللونقو، والمسنيكو، وبلانكو، وتنداليكو، وباتستا، وروجو، وبونيو، والركلي، وقشتليانو، وقرال، وغيرها. ولم يبق اليوم من مجموع ٢٠.٠٠٠ نسمة سوى حوالي ٧٠٠ أندلسي موزعين على ١١ عائلة هي: الريشيكو ( Rey Chico) وماظور ( Almador) وابن إسماعيل وبشكوال والري والأسبرسو والبنديكو وجحا وكريمو وسكالين وابن الحاج.
وتنتسب عائلة الرشيكو إلى أبي عبد الله آخر ملوك غرناطة. ومن أبرز أعضائها أخونا المهندس في المياه رضوان الرشيكو (ولد سنة ١٩٦٠ م). وهو ابن معلم الأجيال الشيخ محمد المتوفَّى يوم ١٠ رجب عام ١٤١٠ هـ (٦/ ٢ / ١٩٩٠ م) ﵀، ابن محمود بن مصطفى بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، المهاجر من فارس إلى سليمان، بن محمد بن أحمد بن يوسف بن أبي عبد الله
стр. 396
الرشيكو الذي هاجر إلى فارس من غرناطة. وعدد أفراد هذه العائلة في سليمان اليوم حوالي ٣٠ شخصًا، ولهم بها مقبرة خاصة. وأنجبت عائلة ماظور علماء أجلاء وأئمة، منهم القاضي الشيخ مصطفى ماظور المتوفَّى سنة ١٨٤٨ م، ابن القاضي أحمد ماظور المتوفَّى سنة ١٨١٢ م. وتنتمي هذه العائلة إلى القاضي محمد بن منظور التيمي. وقد حافظت عائلات سليمان الأندلسية الباقية على عاداتها في اللهجة والمأكل والملبس وفي الاعتزاز بالانتماء إلى الأندلس.
ويكاد الوجود الأندلسي ينقرض في مدن الوطن القبلي الأخرى، كتركة ونيانو وبلي وقرمبلية، رغم أن معظمها كان من تأسيس الأندلسيين الذين بقيت نسبهم فيها مرتفعة إلى القرن الثامن عشر حسب خمينيس، حيث قال إن قرمبلية من إنشاء مصطفى قردناش وإن بها حوالي ١٥٠ نسمة، معظمهم أندلسيون، منهم عائلة ورفالة الموجودين في مناطق أخرى كذلك. وقال عن بلي بأن بها حوالى ١٥٠٠ نسمة، كثير منهم أندلسيون. وقد استقطبت مدن الوطن القبلي الكبيرة، كنابل ومنزل بوزلفي، عدة عائلات أندلسية، كعائلة مورو، ومنها الشيخ عبد الفتاح مورو، أحد زعماء الاتجاه الإسلامي بتونس.
وأسّس زغوان، وهي امتداد للوطن القبلي، الأندلسيون الحاج علي كتالينا وعلي بن عياد وشيخ الأندلس الشريف القسطلي. وفي سنة ١٢٧٦ هـ (١٨٥٩ م)، كانت تدفع فيها الضرائب حوالي ١٧٨ عائلة (٧٩٠ نسمة)، منها ٢٥ عائلة (١٢٥ نسمة) أندلسية، (١٤ في المائة من السكان)، منها عائلة محفوظ التي كان لأفرادها مسؤولية توزيع مياه البلدة على الأهالي.
وفي القرن السابع عشر أسس الأندلسيون تستور، أهم مدينة أندلسية في وادي المجردة، وعمروها. وفي سنة ١٦٣١ م، قدر عددهم طوماس داركوس بحوالي ٧.٥٠٠ نسمة. وفي سنة ١٧٣١ م، أصبح عددهم، حسب خمينيس، حوالي ٤.٠٠٠ نسمة، معظمهم أندلسيين، بما فيهم عاملها الحاج أحمد أريسا. وكانوا لا زالوا يتكلمون اللغة العجمية (قطلانية غالبًا وقشتالية كذلك). وفي سنة ١٢٧٦ هـ (١٨٥٩ م)، كانت تدفع ضرائب تستور ١٧٧ عائلة فقط، ثلثهم أندلسيون. واليوم، فعدد سكان تستور حوالي ١٠.٠٠٠ نسمة، وهي تضيع بسرعة خواصها الأندلسية. وتوجد بها حوالي ١٠٠ عائلة ذات أصول أندلسية محققة، أي حوالي عدة آلاف من الأشخاص، منها: برفينو وبرتيلة وبلنسين ( Valenciano) وبلانكو ( Blanco) وبكيل
стр. 397
وبومست وزبيس والحورشي ورمتانة وكامش وكاشيمي ولكانتي ( Alicante) ومركيكو ومورشكو ( Morisco) ومدينة وساكنة وهنديلي وهشيش وماركو ( Marco) وباتيس والكوندي ( Conde) وسريسو وفليبو ( Philipo) ، الخ ... وتمتاز الأُسر الأندلسية في تستور، كما في باقي المدن والقرى التونسية، بمستوى حضاري رفيع وباحتفاظها على العادات الأندلسية في المأكل والمشرب. وقد هاجر منهم عدد كبير إلى العاصمة حيث انصهر مع باقي السكان وضاعت هويته الأندلسية. ومن أبناء أندلسيي تستور المعاصرين السيد سليمان مصطفى زبيس، الكاتب التونسي المختص في الدراسات الأندلسية والعضو المراسل للمجمع الملكي للتاريخ بمجريط.
ومن أهم مدن وادي المجردة طبربة، التي حافظت بعض الشيء على تراثها الأندلسي في المسكن والمأكل والعادات. وبها كثير من العائلات الأندلسية منها من انقرض: بشكوال وكندوير ولوصانو وجبليشكة ومانس وابن النجار؛ أو انتقل إلى العاصمة أو غيرها: برزون والجورشي والطبائري والحداد (أو الزنايدي)؛ أو تغير اسمه فضاعت هويته الأندلسية. ومن العائلات الأندلسية الباقية في طبربة: تينسة ومانية والبطيري ومندرانو وبيشالبي وفتوح وابن عاشور وابن رمضان وابن براهم وكبير والزين وابن الحاج سالم وابن عيسى ووحمة الأندلسي.
كان القرن التاسع عشر شاقًّا على المدن الأندلسية التونسية بسبب هجمات الأعراب التي قضت على الأمن وبالتالي على اقتصاد المدن والقرى. فانتشرت الأوبئة، وفر عدد كبير من الأهالي الأندلسيين إلى المدن الكبرى خاصة العاصمة، حيث تشتتوا وضاعت هويتهم. فلم يبق من مؤسسي سليمان الـ ١٠.٠٠٠ سوى ٧٠٠، وهجر الجديدة وتبرنق سكانها، وانهار المستوى الديموغرافي في كل قرى وادي المجردة والوطن القبلي الأندلسية لدرجة مأساوية. وتابع الاستعمار الفرنسي سياسة تشتيت الأندلسيين وإدماجهم. وفي سنة ١٢٧١ هـ (١٨٥٥ م)، قطع باي تونس الامتياز الذي كانت تعطيه الدولة للأندلسيين بإلغاء منصب "شيخ الأندلس" في وقت تزامن مع هجمات الأعراب. فكان بذلك نهاية معاملتهم كمجموعة حضارية قائمة بنفسها.
وتوجد اليوم أعداد مهمة من العائلات الأندلسية في كل مدن تونس الكبرى، كبنزرت وسوسة ومنستير (حيث بيت قديرة الأندلسي) وصفاقس، خارج مناطق
стр. 398
هجرتهم الأولى، وبقيت الأندلس ذكرى فقط وعادات يتوارثها الأبناء عن الآباء.
ومن العائلات الأندلسية التي يمكن التعرف عليها في المدن التونسية المختلفة: كونكة ( Cuenca) ومانوشو والصوردو ( Sordo) ومرياح وصنديد وكراندي ( Grande) وحجاج وعمروسي والوافي وكعاك والسراج وكبادو وكبادي وكراباكا ( Caravaca) وبسطي (نسبة إلى بسطة) والريكلي ودرمول ونوباينة ( Novaina) وداوود ورحال والسباعي وابن زكري وشبيل وحرميلو والحشايشي والشريف والكاهية، الخ ...
١٢/ ٣ - الأندلسيون في باقي القارة الإفريقية:
وصلت إلى الجزائر أعداد كبيرة من الأندلسيين عبر العصور، لا تقل عن الأعداد التي نزحت إلى المغرب وتونس. انتقل منهم أيام صولة الإسلام بالأندلس، قبل سقوط غرناطة، عدد كبير من العلماء، منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي النجيبي، من أهل إشبيلية، تجول بلاد الأندلس ثم حج ثم استقر بتلمسان حيث توفي بها في جمادى الأولى سنة ٦١١ هـ، وله تآليف كثيرة. ومنهم أبو بكر محمد الزهري، المعروف بابن محرز، ولد ببلنسية سنة ٥٣٩ هـ، ثم هاجر إلى مصر، وبرع في الفقه والأدب والشعر ثم قدم بجاية حيث استقر بها، وغيرهما كثير، ووصلت إلى الجزائر أعداد كبيرة من الأندلسيين بعد سقوط غرناطة، وبعد طرد سنة ١٦٠٩ م، منهم غارسيا دياس (من طليطلة) وربدان رودريكز (كان راهبًا بأركش بإسبانيا وتابعته محاكم التفتيش) ولويس الأستجي (من أستجة)، وغيرهم كثير.
ويمكن تقدير عدد الجزائريين من أصل أندلسي بعشر السكان على الأقل، أو مليونان ونصف جزائري، لا زال الكثير منهم يتذكر أصوله الأندلسية، خاصة في العاصمة وتلمسان ووهران وبجاية وبليدة وعنابة وغيرها من المدن. وكان للحقبة الاستعمارية الفرنسية التي عملت على القضاء على التراث الجزائري، أثر سيىء على التراث الأندلسي الجزائري. وتنتمي اليوم شخصيات جزائرية مؤثرة إلى أصول أندلسية، منها الشيخ أحمد المدني مثلاً الذي أجاب الأمير شكيب أرسلان سنة ١٩٣٠ م عن سؤال مماثل لهذا بقوله إن بعض العائلات الجزائرية لا زالت تحافظ على أصولها الأندلسية، ذكر من بينها عائلة الشيخ أحمد بن أبي الركايب المنبثقة عن عائلة ابن عمر التي هي في الحقيقة عائلة المدني نفسه باسمها القديم. ومن بين هذه العائلات كذلك ابن سوسان والمسرار والسيستي وغيرها.
стр. 399
ويحتاج الوجود الأندلسي المعاصر في الجزائر إلى دراسة معمقة. ونرى تأثيره في انتشار فرق الموسيقى الأندلسية في المدن ذات الهجرة التاريخية القديمة، كما أن هناك كثيرًا من العائلات التي تنتمي إلى عائلات أندلسية شهيرة، بما فيها بنو الأحمر، ملوك غرناطة. كما أن الهجرة الأندلسية إلى الجزائر تركت آثارًا واضحة في اللباس والطبخ واللهجة، خاصة في تلمسان والمدن المجاورة لها.
توجه بعض الأندلسيين إلى منطقة طرابلس الغرب، وبها اليوم بعض العائلات الأندلسية، لكن التأثير الأندلسي في المجتمع الليبي المعاصر، هو الآخر يستحق دراسة معمقة. وهاجر إلى برقة وطرابلس عدد من علماء الأندلس أيام عزة الإسلام بها، منهم أبو بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم الصدني الإشبيلي، كان أديبًا بارعًا له نظم جيد وموشحات رائعة، رحل إلى مصر ثم أقام ببرقة وتوفي بها.
وانتقل إلى مصر جم غفير من الأندلسيين، عبر العصور، ترجم المقري في "نفح الطيب" لحوالي ٣٧ عالمًا وفقيهًا وأديبًا من أشهرهم. منهم في القرنين الرابع والخامس الهجري، الوليد بن هشام، المعروف بأبي ركوة، الذي هاجر إلى برقة (بليبيا اليوم) فثار على الحاكم العبيدي وجمع الناس حوله، فغلبته عساكر الحاكم وأتت به إلى القاهرة حيث أعدم في ١٣ رجب عام ٣٩٩ هـ، وقد خلَّف أبو ركوة أشعارًا كثيرة. ومنهم عبد الله بن رشيق (من قرطبة)، كان أديبًا شاعرًا عفيفًا خيِّرًا، رحل أولاً إلى القيروان ثم حج ورجع إلى القاهرة حيث توفي سنة ٤١٩ هـ. ومنهم
أبو محمد عبد العزيز بن أحمد ابن السيد ابن المغلس القيسي (من بلنسية)، كان عالمًا باللغة العربية، انتقل في البلاد ثم استوطن مصر حيث توفي سنة ٤٢٧ هـ.
ومن أندلسيي القرن السادس الذين استوطنوا مصر أبو بكر محمد بن الوليد الفهري المعروف بابن أبي رندقة (من طرطوشة)، صاحب "سراج الملوك"، انتقل إلى الإسكندرية وبها توفي سنة ٥٢٠ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الأموي المعروف بالنقاش (من طليطلة)، نزل مصر وقعد للإقراء في مسجد عمرو بن العاص إلى أن توفي بها سنة ٥٢٩ هـ. ومنهم أبو زهر ثابت بن الفرج الخثعمي (من بلنسية)، كان شاعرًا أديبًا، استقر بمصر وبها توفي في رجب سنة ٥٤٥ هـ ومنهم أبو بكر محمد بن عبد الملك بن السراج (من شنتمرية الغرب)، كان من أئمة اللغة العربية المبرزين ومن أشهر النحويين، قدم القاهرة سنة ٥١٥ هـ وجلس لتعليم النحو في جامعها الأزهر، وبها توفي في رمضان سنة ٥٤٩ هـ. ومنهم أبو العباس أحمد بن
стр. 400
معد بن وكيل (من أقليش)، رحل من مولده دانية إلى بلنسية حيث أخذ العربية والآداب والحديث، ثم إلى المشرق سنة ٥٤٢ هـ، ثم استقر بمكة المكرمة، ثم قفل راجعًا إلى مصر حيث توفي بمدينة قوص سنة ٥٥٠ هـ. ومنهم أبو يحيى اليسع بن عيسى الغافقي (من جيان)، صاحب كتاب "المعرب في أخبار محاسن أهل المغرب" الذي جمعه للسلطان صلاح الدين الأيوبي، انتقل إلى مصر سنة ٥٦٠ هـ، وتوفي بها سنة ٥٧٥ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الخزرجي (من قرطبة)، من أشياخ ابن بشكوال، استوطن مصر وتوفي بها سنة ٥٨٨ هـ. ومنهم الإمام العلامة أبو القاسم بن خيرة الشاطبي (من شاطبة) صاحب "حرز الأماني" و"العقبة" وغيرهما، كان فقيهًا حافظًا، دخل مصر سنة ٥٧٢ هـ وتوفي بالقاهرة يوم الأحد ٢٨ جمادى الآخرة سنة ٥٩٠ هـ، ودفن بالتربة الفاضلية بسفح المقطم.
ومن أندلسيي القرن السابع الذين استوطنوا مصر أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي (من إشبيلية)، حفيد القاضي الحافظ أبي بكر بن العربي، حج ورحل إلى الشام والعراق، ثم رجع إلى إشبيلية للتدريس، وفي سنة ٦١٢ هـ تصوّف وتعبد وانتقل إلى الإسكندرية حيث توفي سنة ٦١٧ هـ. ومنهم الحافظ أبو الخطاب بن دحية (من دانية)، كان من أعلام اللغة العربية والحديث، صنف كتبًا كثيرة منها "التنوير في مولد السراج المنير"، رحل إلى تونس سنة ٥٩٥ هـ وعمره ٥٥ سنة، ثم حج وعاد إلى مصر فاستأدبه الملك العادل لولده وأسكنه القاهرة، وبها توفي سنة ٦٣٣ هـ.
ومنهم أخوه الأكبر أبو عمرو عثمان بن الحسين (من دانية)، كان حافظ للغة العربية، انتقل إلى القاهرة ورتبه الملك الكامل مكان أخيه أبي الخطاب في دار الحديث الكاملية، وبقي بها إلى أن توفي سنة ٦٣٤ هـ. ومنهم أبو الربيع سليمان بن إبراهيم بن صافي (من قيسانة من عمل غرناطة)، فقيه مالكي قدم القاهرة وناب في الحسبة، توفي بها سنة ٦٣٤ هـ عن سبعين سنة. ومنهم أبو مروان محمد بن أحمد اللخمي (من إشبيلية)، ولي القضاء بإشبيلية، ثم رحل إلى المشرق فحج وزار الشام، ثم استقر بالقاهرة حيث توفي سنة ٦٣٥ هـ عن ٧١ سنة. ومنهم أبو القاسم بن حاضر (من جزيرة شقر)، كان عالمًا بصناعة التوريق، قدم قوص واستوطنها وتوفي بها سنة ٦٣٩ هـ. ومنهم موسى بن سعيد العنسي (من قلعة يحصب)، والد أبي الحسن علي متمم كتابه "المغرب في أخبار المغرب"، كان أديبًا مفكرًا راجح العقل، انتقل بولده إلى مصر وتوفي بالإسكندرية سنة ٦٤٠ هـ بعد أن أوصاه بالرجوع إلى الأندلس.
ومنهم الشاعر أبو محمد القرطبي (من قرطبة)، انتقل إلى القاهرة وبها توفي سنة
стр. 401
٦٤٣ هـ. ومنهم الطبيب أبو محمد عبد الله بن البيطار (من مالقة)، ترك كتبًا هامة في الأدوية المفردة، جال في الأرض يبحث عن الأعشاب ثم استقر في مصر وجعله الملك الكامل رئيسًا على جميع العشابين وأصحاب البسطات، ثم خدم ولده الملك الصالح إلى أن توفي في شعبان سنة ٦٤٦ هـ.
ومن أندلسيي القرن السابع الذين استوطنوا مصر أبو بكر محمد بن أحمد الخزرجي (من مالقة)، من الزهاد الورعين المتقين، انتقل إلى القاهرة وبها توفي سنة ٦٥١ هـ ودفن بقرافتها. ومنهم أبو بكر حميد بن أبي محمد الأنصاري (من قرطبة)، نزل مالقة ثم انتقل إلى القاهرة، كان من الزهاد الصالحين، توفي سنة ٦٥٢ هـ عن ٤٦ سنة ودفن بسفح المقطم. ومنهم أبو عبد الله التجيبي الدهان (من غرناطة)، كان تاجرًا عدلاً فاضلاً، ومات بقوص سنة ٦٥٣ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله السلمي (من مرسية)، مفسر فقيه جال بلاد الإسلام من المغرب إلى خراسان واستقر بمصر، مات قرب العريش سنة ٦٥٥ هـ عن ٨٥ سنة. ومنهم أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (من قرطبة) صاحب "المفهم في شرح مسلم"، فقيه محدث مدرس، ولد بقرطبة سنة ٥٧٨ هـ وسمع بها، ثم انتقل إلى المشرق وقدم مصر واختصر بها الصحيحين، توفي بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ. ومنهم الطبيب أبو عبد الله محمد اللوشي (من لوشة)، استقر بمصر وبها توفي سنة ٦٦٠ هـ. ومنهم المحدث أبو عبد الله محمد بن سراقة (من شاطبة)، انتقل في طلب العلم إلى الشام والعراق، واستقر بمصر حيث تولى مشيخة دار الحديث الكاملية سنة ٦٤٣ هـ إلى أن توفي في شعبان سنة ٦٦٢ هـ. ومنهم أبو جعفر محمد بن بندار القيسي (من مالقة)، كان دينًا خيرًا فاضلاً له مشاركة في عدة علوم، توفي بالقاهرة سنة ٦٦٢ هـ عن ٣٧ سنة.
ومنهم الصوفي الشهير أبو الحسن علي الششتري (من ششتر من عمل وادي آش)، كان مجودًا للقرآن قائمًا عليه عارفًا بمعانيه، جال الآفاق وآثر التجرد للعبادات وصنف الكتب الكثيرة في التصوف، وله ديوان شعر، توفي في دمياط في ١٧ صفر عام ٦٦٨ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن فرح (من قرطبة)، كان من الصالحين والعلماء العارفين الورعين، له تآليف عدة في التفسير والتصوف، توفي بمنية ابن خصيب سنة ٦٧١ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن سليمان المعافري المعروف بابن الربيع (من شاطبة)، من أهل التصوف الأولياء الصالحين، استقر بالإسكندرية وبها توفي سنة ٦٧٢ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن يوسف الأنصاري (من شاطبة)، له تصانيف جيدة وشعرًا، توفي بالقاهرة سنة ٦٨٤ هـ. ومنهم الولي الشهير سيدي
стр. 402
أبو العباس المرسي (من مرسية)، انتقل إلى الإسكندرية وتوفي بها سنة ٦٨٦ هـ، لأهل مصر فيه اعتقاد كبير حتى أصبح اسم "المرسي" شائعًا إلى يومنا هذا بين أهل مصر. ومنهم الشاعر الأديب أبو القاسم التجيبي (من بلش)، استوطن القاهرة وتوفي بها سنة ٦٩٥ هـ عن ٧٢ سنة. ومنهم أبو سلمة البياسي (من بياسة) كان عارفًا بعلم الحديث ظاهري المذهب، استوطن القاهرة وبها توفي سنة ٧٠٣ هـ.
ومن أهل القرن الثامن الذين استقروا بمصر أبو عبد الله الراعي (من غرناطة)، كان فقيهًا أصوليًّا، هاجر إلى مصر وبها توفي سنة ٧٥٣ هـ عن ٧١ سنة.
وهاجر بعد ذلك إلى مصر عدد من الأندلسيين، خاصة بعد سقوط غرناطة وبعد سنة ١٦٠٩ م، استقر كثيرون منهم في الإسكندرية التي أصبحت مركزًا مهمًا لهم، أتوا إليها في غالب الأحيان عن طريق تونس، وتوجد أسماء أندلسية كثيرة في وثائق المحكمة الشرعية بالإسكندرية في العقود التجارية والبيع والشراء والزواج والميراث.
وكان الأندلسيون يكتبون دائمًا أسماءهم متبوعة بلقب الأندلسي أو النسبة إلى البلدة التي أتوا منها في الأندلس. كما استقر عدد من الأندلسيين في مدن مصر الأخرى كالقاهرة ودمياط ورشيد والسويس والمنصورة وأسيوط. وانتقل إليها عدد من البيوتات الأندلسية المغربية في القرنين الأخيرين كبيت برادة وغيره. ويقتضي استقصاء الوجود الأندلسي المعاصر في مصر بحثًا في الوثائق الشرعية وبين العائلات المغربية، ومنها الأندلسية.
كانت علاقات ملوك "كاو" بالأندلس وثيقة منذ أيام الدولة الأموية. وقد انتقل
إلى مدنها، خاصة تنبكتو، عدد من علماء الأندلس أيام الدولة النصرية، منهم أبو
إسحق الساحلي، المعروف بالطويجن، كان عالماً مشهورًا وشاعرًا وصالحًا. وهو من
بيت صلاح وثروة وعلم بغرناطة، كان والده أمين العطارين بها. وقد ارتحل أبو
إسحق من بلده إلى الحج، ثم انتقل إلى مملكة السونغاي بالسودان الغربي،
فاستوطنها وأصبح له الجاه المكين عند سلطانها، وبنى المساجد الكثيرة بها، منها
مسجد جنكورايبر بتنبكتو بين سنتي ١٣٢٥ و ١٣٣٠ م. وتوفي بتنبكتو في يوم الاثنين
٢٧ جمادى الثانية عام ٧٤٧ هـ.
لكن الوجود الأندلسي المعاصر على ضفاف نهر النيجر من تنبكتو إلى كاو
يعود إلى الحملة التي أرسلها المنصور الذهبي عبر الصحراء الكبرى في أكتوبر سنة
١٥٩٠ م برئاسة جودر، وهو أندلسي من وادي المنصورة بمقاطعة المرية. عبر
стр. 403
جودر الصحراء على رأس ٥.٦٠٠ رجل، أندلسيين ومغاربة، يصحبهم ٨.٠٠٠ جمل وألف فرس لاحتلال مملكة السونغاي، مات منهم في الطريق كثيرون ولم يصل إلى مملكة السونغاي سنة ١٥٩١ م سوى حوالي ٣.٠٠٠ رجل. فتحصن ضدهم الأسكية (السلطان) إسحق الثاني في عاصمته كاو، على نهر النيجر، بينما كانت تنبكتو مركز المملكة الثقافي والتجاري مرسى قوافل الصحراء من سجلماسة. وفي ١٤/ ٣ / ١٥٩١ م وقعت معركة حاسمة في تونديبي بين جنود الأسكية المسلحة بالرماح والأسلحة البيضاء وعددها ٤٠.٠٠٠ رجل والجيش المغربي المكون من ٣.٠٠٠ رجل المسلح بالأسلحة النارية التي لم يكن يعرفها أهل السونغاي، انهزم أثرها الأسكية واستقر جيش جودر في البلاد التي ضمها إلى المغرب.
استقر الأندلسيون والمغاربة على ضفاف نهر النيجر وتزوجوا من نساء البلاد وكونوا الطبقة الحاكمة إلى سنة ١٦٦٠ م، وجعلوا من تنبكتو عاصمة حكمهم. وكون الأندلسيون طبقة ثقافية متميزة، وأصبحوا يتزاوجون مع بعضهم، وانتشرت لغة السونغاي بينهم، واحتفظوا بثقافتهم الأندلسية. وبعد أن هجمت قبائل الطوارق على تنبكتو في القرن التاسع عشر الميلادي، طردوا منها معظم الأندلسيين فكونوا في منطقتها قبيلة اسمها "الآرما" (أو الجيش باللغة العجمية الأندلسية أو الإسبانية). ومع السنين ضاع نفوذ قبيلة الأرما في المنطقة، لكنها حافظت على كثير من عاداتها الأندلسية في المأكل والمشرب والمسكن ودخلت لغتهم السونغية كثير من الكلمات الإسبانية عدت بحوالي أربعين.
وعند دخول الاستعمار الفرنسي إلى المنطقة ركزت قبيلة الأرما على الزراعة على ضفاف نهر النيجر وعلى تربية المواشي. ورجع كثير منهم إلى تنبكتو حيث تعلموا في المدارس العصرية وتخرجوا في كثير من الفنون. وبعد استقلال مالي سنة ١٩٦٠ م، تنوسيت منطقة تنبكتو مرة ثانية، وهاجر كثير من مثقفي الأرما إلى العاصمة باماكو. ثم جاء الجفاف والمجاعة فأضر ضررًا كبيرًا بالآرما. يقدر اليوم عدد الآرما المنحدرين من أصول أندلسية ومغربية بحوالي ٨٠.٠٠٠ شخص منهم حوالي الثلثان من أصول أندلسية وهم يعيشون في المدن والقرى المنتشرة بين تنبكتو وكاو.
ويوجد اليوم من الآرما في مدينة تنبكتو حوالي ألفان من مجموع ٢٠.٠٠٠ نسمة، أي حوالي عشر سكان المدينة. استقروا، منذ القرن الثامن عشر، في حي
стр. 404
خاص بهم، توزعوا فيه حسب فيالقهم العسكرية التي أتوا معها. فالزايويون، وهم فرقة مراكش، يسكنون في حي جنكرايبر حيث يوجد المسجد العتيق الذي بناه الساحلي، المهندس الغرناطي، وجماعة مبارك الدرعيين، وهم فرقة وادي درعة، يسكنون حي سراكينا؛ والتورقينيون، وهم فرقة فاس، الذين اضطروا إلى مغادرة تنبكتو سنة ١٨٠٠ م، يسكنون حي الفاسيين كوندا حول مسجد سيدي يحيى، حيث توجد مقابر باشاوات تنبكتو الذين خلفوا الرئيس جودر. ومن الشخصيات "الآرما" المعروفة اليوم بابا أحمد حساية، رئيس مكتب التراث الثقافي بتنبكتو، وكذلك إسماعيل دياديا، الباحث في مركز أحمد بابا للدراسات الإسلامية بتنبكتو، والباحث الآن في مركز الدراسات الأندلسية التابع "للجماعة الإسلامية بالأندلس" في قرطبة، والذي له الدور الهام في التعريف بالسلالة الأندلسية في مالي.
وقد أخذت الأوساط الأندلسية في الأندلس اليوم تهتم بأندلسيي مالي. فقد أرسلت "الجمعية الثقافية الحرة لسنة ٢٠٢٠"، وهي جمعية إسبانية غير حكومية، بعثة إلى مالي سنة ١٩٨٦ م، واقترحت على مسؤوليها برنامج تعاون للحفاظ على التراث الأندلسي في مالي. ويحتوي هذا البرنامج على ترميم مسجد جنكورايبر الذي بناه الساحلي، وقد أبدت وزارة الثقافة الإسبانية واليونسكو اهتمامًا بهذا المشروع، وعلى إرسال أدوية لأطفال تنبكتو ومنطقتها بالتعاون مع الصليب الأحمر الإسباني.
وعبر السنين، انتقل كثير من الأندلسيين التنبكتيين إلى البلدان المجاورة، خاصة النيجر والسنغال وموريطانيا، حيث توجد بعض العائلات الأندلسية، منها التي لم تضع ذكراها بعد، كما هاجر عدد من الأندلسيين من مصر ومن المغرب إلى السودان. وتستحق كل هذه الهجرات دراسة مستفيضة للتعرف على آثارها السكانية المعاصرة.
١٢/ ٤ - الأندلسيون في القارة الآسيوية:
كان لبلاد الشام موقع خاص في نفوس المغاربة والأندلسيين لما ورد في فضلها
من أحاديث صحيحة، هاجر إليها عبر القرون عدد كبير من خاصتهم وعامتهم، قبل
سقوط غرناطة وبعدها. وممن ذكر المقري في "نفح الطيب" أبو إسحق إبراهيم بن
عبد الله بن حصن، هاجر إلى بلاد الشام وولي الحسبة بها أيام الحاكم العبيدي سنة
٣٩٥ هـ، وتوفي بدمشق سنة ٤٠٤ هـ. ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن عبد الله
السعدي (من شاطبة)، قدم دمشق وصنف غريب الحديث على حروف المعجم، توفي
стр. 405
بحوران سنة ٤٦٥ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن عيسى بن بقاء الأنصاري (من بلغي بالثغر الأعلى)، أخذ القراءات ورحل حاجًّا فقدم دمشق وأقرأ بها القرآن بالسبع، وتوفي بها سنة ٥١٢ هـ.
ومن أندلسيي القرن السادس الذين قدموا إلى بلاد الشام أبو حامد محمد بن عبد الرحيم المازني (من غرناطة)، رحل إلى مصر وخراسان، ثم رجع إلى الشام واستقر في حلب، وكان حافظًا عالمًا أديبًا، توفي بدمشق سنة ٥٦٥ هـ عن ٩٢ سنة.
منهم أبو الحكم عبيد الله بن المظفر المغربي (من المرية)، جمع بين الأدب والطب، وله ديوان شعره، توفي بدمشق سنة ٤٥٩ هـ عن ٦٣ سنة. منهم أبو الأصبح عبد العزيز بن علي بن الطحان (من إشبيلية)، رحل إلى مصر ثم بلاد الشام حيث استقر بحلب، واختص في القراءات والتجويد وله شعر جيد، توفي بحلب عن ٦١ سنة عام ٥٥٩ هـ. ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي بن ياسر الأنصاري (من جيان)، زميل المؤرخ ابن عساكر، اختص في القراءات، استقر بحلب وتوفي بها سنة ٥٦٣ هـ. ومنهم الشيخ الإمام الولي العارف أبو عبد الله محمد بن أحمد القرشي الهاشمي (من الجزيرة الخضراء)، انتقل إلى مصر ثم سافر إلى الشام فاستقر ببيت المقدس إلى أن مات سنة ٥٩٩ هـ وهو ابن ٥٥ سنة. ومنهم الطبيب الصوفي أبو الفضل محمد عبد المنعم الغساني (من جليانة من أعمال غرناطة)، قدم إلى القاهرة وسار إلى دمشق، كان يقال له حكيم الزمان، توفي بدمشق سنة ٦٠٢ هـ. ومنهم النحوي أبو الحسن علي بن محمد بن خروف القيسي (من قرطبة)، له شرح كتاب سيبويه وكتب في الفرائض، وله شعر، استقر في حلب وتوفي بها سنة ٦٠٢ هـ.
ومن أندلسيي القرن السابع المهاجرين إلى بلاد الشام الصوفي الشهير أبو بكر عتيق بن أحمد بن عبد الباقي الأندلسي المتوفَّى سنة ٦١٦ هـ عن سن عالية. ومنهم الأديب الفقيه أبو العباس أحمد بن تميم البهراني (من لبلة)، جال في بلاد الإسلام من العراق إلى خراسان واستقر بدمشق حيث توفي سنة ٦٢٥ هـ. ومنهم الصوفي الشهير أبو الحسن بن أحمد الحرالي (من حرالة من أعمال مرسية)، ولد بمراكش ورجع إلى الأندلس، ثم انتقل إلى المشرق واستقر ببلاد الشام حيث توفي بحماة سنة ٦٣٧ هـ. ومنهم الصوفي الظاهري المشهور الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي (من مرسية)، ولد بمرسية في ١٠ رمضان سنة ٥٦٠ هـ، وانتقل إلى إشبيلية سنة ٥٦٨ هـ حيث قرأ، وارتحل إلى المشرق سنة ٥٩٨ هـ فدخل مصر والحجاز
стр. 406
والعراق وبلاد الروم، ثم استقر في دمشق حيث توفي في ٢٨ ربيع الثاني سنة ٦٢٨ هـ، وقبره بها يزار إلى يومنا هذا. ومنهم العالم الأديب الشيخ نور الدين أبو الحسن المايورقي (من مايرقة)، له نظم حسن، رحل إلى المشرق واستقر بدمشق حيث توفي سنة ٦٥٥ هـ. ومنهم النحوي الشهير محمد بن عبد الله بن مالك (من جيان)، صاحب التسهيل والألفية، ولد سنة ٦٠٠ هـ واستقر بدمشق حيث درس إلى أن توفي حوالي سنة ٦٨٠ هـ. ومنهم الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد أبو بكر محمد بن أحمد البكري (من شريش) صاحب المصنفات المفيدة، هاجر إلى بلاد الشام وتولى مشيخة الصخرة بالحرم القدسي ومشيخة المالكية بدمشق، وعرض عليه القضاء فرفض، توفي بدمشق سنة ٦٨٥ هـ عن ٨٤ سنة. ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد الوائلي (من شريش)، رحل إلى الإسكندرية وبغداد، ثم انتقل إلى الشام حيث ولي مشيخة المدرسة بالقدس ومشيخة الرباط الناصري بالجبل، وأقام في دمشق يفتي ويدرس، كان أحد أئمة العربية والفقه والتفسير والأصول، توفي بدمشق سنة ٦٨٥ هـ، ومنهم الإمام المحدث الزاهد زكي الدين أبو إسحق إبراهيم بن عبد العزيز (من لورة من أعمال إشبيلية)، سمع بمصر ودمشق وحلب وأفتى ودرس، وهو أول من باشر بظاهرية دمشق مشيخة الحديث، توفي بدمشق سنة ٦٨٧ هـ عن نيف وسبعين سنة.
ومنهم الشاعر النحوي أبو الوليد محمد بن الجنان (من شاطبة)، قصد مصر ودمشق وحلب، توفي بدمشق حوالي سنة ٦٩٠ هـ ودفن بسفح جبل قاسيون. ومنهم أبو عبد الله محمد بن نوح (من إشبيلية)، حصّل الكثير في علم القرآن والأدب وله نظم ونثر، جال الأقطار المغربية والمشرقية واستقر بدمشق حيث توفي سنة ٦٩٩ هـ عن ٦٨ سنة.
ومن أندلسيي القرن الثامن الذين هاجروا إلى بلاد الشام الإمام المقرىء الزاهد أبو عبد الله محمد بن غصن (من الجزيرة الخضراء)، كان عارفًا بمتون الحديث وأحكامه، أقرأ القرآن بمكة والمدينة والقدس، وله مصنفات في القراءات، توفي ببيت المقدس سنة ٧٢٣ هـ عن سن عالية. ومنهم أبو عبد الله بن جابر الضرير (من المرية)، صاحب بديعية العميان، له أمداح نبوية كثيرة وتآليف منها "شرح ألفية ابن مالك" وديوان شعر، دخل مصر والشام واستوطن حلب وبها توفي في أواخر القرن الثامن. ومنهم رفيقه أبو جعفر الألبيري (من البيرة)، له كذلك نظم بديع وتآليف جمة منها "شرح لبديعية ابن جابر"، توفي بحلب أواخر القرن الثامن.
стр. 407
وانتقل إلى بلاد الشام، خاصة الساحل اللبناني ودمشق وبيت المقدس، جم غفير من الأندلسيين بعد سقوط غرناطة أيام الدولة المملوكية، وبعد طرد سنة ١٦٠٩ م أيام الدولة العثمانية، كما انتقلت إليها عائلات أندلسية من المغرب والجزائر وتونس. غير أن ذكرى الأندلس لم تبق إلا في بعض هذه العائلات، منها بدمشق عائلة الألشي، نسبة إلى الش بمقاطعة لقنت، والمالقي، نسبة إلى مالقة، وبحلب عائلة بلانكو ( Blanco) ومنها مفتي الجمهورية السورية السابق، وغيرها من العائلات. وتستحق العائلات الأندلسية ببلاد الشام دراسة خاصة عبر الوثائق العثمانية.
وتوجهت الهجرة الأندلسية إلى أرض الحجاز منذ القدم، إذ كان معظم المثقفين الأندلسيين يتوجهون للحج، ومنهم من يستقر للتدريس. ومنهم مفرج بن حماد المعافري (من قرطبة)، جد ابن مفرج صاحب كتاب "الاحتفال بعلم الرجال" كان من الصالحين، صحب ابن وضاح في رحلته الثانية واستقر بمكة المكرمة إلى أن توفي بها. ومنهم الفقيه الزاهد محمد بن يحيى الليثي، خرج حاجًّا ولقي سحنون ورجالاً من أصحاب الإمام مالك، فسمع منهم، وجاور بمكة إلى أن توفي بها. ومنهم الأستاذ الورع أبو القاسم ابن الإمام القاضي أبي الوليد الباجي (من باجة)، خلف والده بعد موته في حلقته، وترك تآليف منها "العقيدة في المذاهب السديدة"، توفي في جدة بعد حجة سنة ٤٩٣ هـ ومنهم أبو بكر عبد الله بن طلحة اليابري (من يابرة)، ذو معرفة بالنحو والأصول والفقه وحفظ التفسير والقيام عليه، كان أحد الأئمة بجامع العديس بإشبيلية، ورحل إلى الشرق واستوطن مصر مدة، ثم رحل إلى مكة وبها توفي حوالي سنة ٥٣٠ هـ. ومنهم أبو محمد طارق بن موسى بن يعيش المخزومي (من المنصف من أعمال بلنسية)، أدى الفريضة واستقر بمكة، كان شيخًا صالحًا ثقة عالي الرواية، توفي بمكة عن سن عالية سنة ٥٤٩ هـ.
ومن أندلسيي القرنين السابع والثامن الذين استقروا بالحجاز الحافظ أبو المكارم جمال الدين بن مسدي (من الجزيرة الخضراء)، شيخ السنة وحامل رايتها وإمام اللغة العربية، كان خطيب الحرم الشريف بمكة، ومات مقتولاً بها سنة ٦٦٣ هـ عن ٦٥ سنة. ومنهم الفقيه الجليل أبو محمد عبد الحق بن سبعين (من مرسية)، درس العربية والأدب في الأندلس، وكتب كتبًا عدة، وانتقل إلى سبتة وانتحل التصوف وعكف عليه مدة، ثم رحل إلى المشرق وشاع صيته وكثر أشياعه واستقر بمكة وتتلمذ له أميرها، وتوفي بها سنة ٦٦٩ هـ عن ٥٥ سنة. ومنهم الكاتب أبو القاسم خلف بن عبد العزيز
стр. 408
الغافقي (من إشبيلية)، كان له باع مديد في التوسل مع التقوى، انتقل إلى الحجاز واستقر بالمدينة المنورة حيث توفي سنة ٧٠٤ هـ عن ٤٩ سنة. ومنهم الفاضل الأديب الشاعر المجيد أبو عبد الله بن علي بن يحيى (من غرناطة)، هاجر إلى المدينة المنورة وبها توفي سنة ٧١٥ هـ ودفن بالبقيع. ومنهم الأديب الشاعر أبو عبد الله محمد بن قاسم بن رمان الفهري (من غرناطة)، هاجر إلى القاهرة ثم استقر بالمدينة المنورة، وبها توفي سنة ٧٢٩ هـ.
وبعد سقوط غرناطة، هاجر بعض الأندلسيين إلى الحجاز، معظمهم من المغرب وبلاد الشام، وتوجد اليوم بالحجاز خاصة، والمملكة العربية السعودية عامة، عائلات من أصول أندلسية منها الألشى والدبا، (أشراف أدارسة) وبرادة وغيرهم. ويستحق الوجود الأندلسي المعاصر في المملكة العربية السعودية أن يدرس.
ومن الأندلسيين الذين انتقلوا إلى العراق منذ القدم أبو عثمان سعيد بن نصر بن خلفون (من أستجة)، سمع بقرطبة وبمكة، ثم رحل إلى بغداد وبها مات. ومنهم النحوي الشاعر أبو محمد عبد الله بن حمود الزبيدي (من إشبيلية)، ابن عمر الزبيدي اللغوي، جمع شرحًا لكتاب سيبويه، انتقل إلى فارس والعراق واستقر ببغداد إلى أن توفي بها سنة ٣٧٢ هـ. ومنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح الحميدي (من قرطبة)، برع في الحديث والأدب وسائر الفنون، وصنف مصنفات كثيرة منها "جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس"، كان إمامًا في الحفظ والمعرفة والديانة والنزاهة، رحل إلى مصر ودمشق ومكة وواسط، ثم استقر ببغداد وبها توفي سنة ٤٩١ هـ. ومنهم الحافظ المحدث النسابة أبو عامر محمد بن سعدون العبدري (من مايورقة)، ولد بقرطبة وهاجر إلى المشرق حيث استقر ببغداد إلى أن توفي بها سنة ٥٢٤ هـ. ومنهم المحدث أبو الحسن سعد الخير بن محمد الأنصاري (من بلنسية)، رحل إلى أن وصل الصين ثم استقر بأصبهان وتزوج بها وولدت له ابنته فاطمة ابنة سعد الخير، وكانت امرأة فاضلة وعالمة، ثم استقر ببغداد وبها توفي سنة ٥٤١ هـ ودفن إلى جانب عبد الله ابن الإمام بن حنبل. ومنهم أبو بكر يحيى بن سعدون الأزدي (من قرطبة)، كان ديّنًا عالمًا بالقراءات وبالنحو، رحل في عنفوان شبابه إلى مصر ثم دخل بغداد ورحل منها إلى أصبهان ثم استقر بالموصل إلى أن مات بها سنة ٥٦٧ هـ عن ٨١ سنة.
стр. 409
ومن أندلسيي القرن السابع المهاجرين إلى العراق الأديب الشاعر الكاتب أبو عبد الله محمد بن أحمد الزهري (من إشبيلية)، صاحب كتاب "البيان والتبيين في أنساب المحدثين"، في ستة أجزاء، ولد بمالقة، ودخل مصر والشام والجزيرة وأصبهان، واستقر ببغداد، قتله التتار في ١٧ رجب سنة ٦١٧ هـ، وعمره ٥٧ سنة.
ومنهم الصوفي الدين أبو محمد عبد العزيز ابن الأمير القائد أبي علي الحسن بن عبد العزيز اللخمي، رحل إلى مكة وبغداد وواسط وأصبهان وخراسان، واستقر بالبصرة إلى أن توفي بها في ١٠ رمضان سنة ٦١٧ هـ عن ٤٠ سنة. ومنهم النحوي أبو عبد الله محمد بن ظاهر الخزرجي (من دانية)، صاحب كتاب "تحصيل عين المذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب"، خرج حاجًّا وزار دمشق ومصر، ثم أقام ببغداد إلى أن توفي بها سنة ٦١٩ هـ عن ١٠٧ سنة.
ولا يعرف الوجود الأندلسي المعاصر في العراق. وهو يستحق الدراسة باستعمال الوثائق العثمانية في أسطنبول كذلك.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى اليمن الحسين بن أحمد التجيبي (من قرطبة)، أخذ علم العدد والهندسة من ابن برغوث، وكان كلفًا بصناعة التعديل وله زيج مختصر، خرج سنة ٤٤٢ هـ إلى مصر ثم إلى اليمن حيث استقر إلى أن توفي سنة ٤٥٦ هـ. ولا يعرف الكثير عن هجرة الأندلسيين إلى اليمن بعد سقوط غرناطة.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى الأراضي التي تكوّن اليوم تركيا قبل سقوط غرناطة الأديب الشاعر أبو الروح عيسى بن عبد الله النقري (من تاكرنا، منطقة مالقة)، انتقل إلى آمد حيث استقر، وتوفي سنة ٦٢٩ هـ في أرزن من ديار بكر.
ومنهم الفقيه النحوي الأصولي محمد بن يحيى اللبسي، كان قاضيًا للقضاة، انتقل إلى الشام وعينه الملك الأشرف على قضاء المالكية بحماة، ثم رحل إلى حلب ومنها إلى بلاد الروم، واستقر ببروسة حيث توفي في أواخر شعبان سنة ٨٨٤ هـ عن ٧٨ سنة.
وبعد سقوط غرناطة وطرد سنة ١٦٠٩ م، هاجرت أعداد كبيرة من الأندلسيين إلى الدولة العثمانية، بما فيها الأراضي التي تكوّن تركيا اليوم، خاصة أسطنبول. ويستحق الوجود الأندلسي المعاصر في تركيا أن يدرس باستعمال الوثائق العثمانية.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى إيران قبل سقوط غرناطة الشاعر الأديب أبو بكر محمد بن يحيى بن مالك (من طرطوشة)، كان حافظًا للنحو واللغة
стр. 410
والشعر، رحل مع أبيه أبي زكريا صاحب الرواية إلى مصر والبصرة وبغداد، ثم استقر بأصبهان إلى أن توفي بها سنة ٣٦٠ هـ. ومنهم المقرىء المعروف أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الأعلى (من قرطبة)، هاجر إلى مصر والشام والحجاز والعراق وخراسان، واستقر بسجستان حيث توفي سنة ٣٩٣ هـ. ومنهم المحدث أبو عبد الله محمد بن عبد الله العنسي (من غرناطة)، هاجر إلى مصر والإسكندرية ودمشق وبغداد، ثم استقر في أصبهان حيث فُقد حين استولى عليها التتار قبل ٦٣٠ هـ. ولا يعرف مدى الهجرة الأندلسية لإيران بعض سقوط غرناطة وظهور الدولة الصفوية.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى أفغانستان أبو محمد عبد الله بن عيسى بن أبي حبيب (من شلب)، من بيت علم ووزارة، كان غزير العلم في الفقه والحديث والأدب، وولي القضاء بالأندلس مدة، ثم دخل الإسكندرية ومصر وجاور بمكة المكرمة، ثم قدم بغداد، ثم انتقل إلى خراسان حيث أقام بنيسابور وبلخ واستقر بهراة حيث توفي سنة ٥٤٨ هـ. ولم تدرس هجرة الأندلسيين إلى أفغانستان بعد سقوط غرناطة.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى آسيا الوسطى المحدث أبو الأصبغ عبد العزيز بن عبد الملك الأموي (من قرطبة)، سمع عن جماعة في مكة ومصر ودمشق وغيرها، ثم استقر في بخارى وبها توفي سنة ٣٦٥ هـ. ومنهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن صالح المعافري، رحل إلى المشرق فزار بغداد وهمدان وأصبهان ونيسابور ومرو، ثم استقر ببخارى وبها توفي سنة ٣٨٣ هـ. ومنهم الأديب عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن سعيد، عم علي بن سعيد، هاجر إلى أقصى المشرق واستقر ببخارى حيث قتل عند دخول التتار لها في القرن السابع. ولم تدرس هجرة الأندلسيين إلى مناطق آسيا الوسطى بعد سقوط غرناطة.
ومن مشاهير الأندلسيين الذين هاجروا إلى الهند الفقيه المالكي الحافظ أبو الوليد محمد بن عبد الله بن فيرة (من قرطبة)، من تلامذة القاضي ابن رشد، خرج إلى الإسكندرية والقاهرة وقوص بالصعيد ومكة وزبيد باليمن، ثم الهند حيث استقر وتوفي. وبعد سقوط غرناطة، التقى الإسبان بأندلسيين في الهند منهم علي التورتو، ترجمان البرقوقي، حاكم الهند البرتغالي، وعلي الغرناطي، ترجمان التاجر مالك كوبي، وغيرها، وتستحق هذه الهجرة أن تدرس.
стр. 411
ولا شك أن عددًا من الأندلسيين انتقلوا مع الجيوش الإسبانية إلى الفلبين وانضموا إلى المسلمين الذين يفتخرون إلى اليوم بتسمية "المورو"، ويسمون نفسهم "شعب المورو"، كما انتقل الأندلسيون مع البرتغاليين إلى سيلان (حيث يسمى المسلمون القدماء مورو إلى اليوم). وماليزيا وجزر أندونيسيا. وكل هذه الهجرات تستحق الدراسة.
أما الصين فقد انتقل إليها الأندلسيون قبل سقوط غرناطة وبعدها ولم تجر بعد على هذا الموضوع دراسة تذكر.
١٢/ ٥ - الأندلسيون في باقي أوروبا وأمريكا:
يعود الوجود الإسلامي الأندلسي في فرنسا، أقرب دول أوروبا لشبه الجزيرة الأندلسية، إلى الفتح الإسلامي. وكان الأندلسيون يسمون الأراضي الأوروبية وراء جبال البرت ( Pyrennees) بـ "الأرض الكبيرة". وقد أرسل المسلمون عدة حملات استكشافية إلى "الأرض الكبيرة"، الأولى سنة ٧١٤ م بقيادة طارق بن زياد، خرجت من طرطوشة فبرشلونة فأربونة ( Narbonne) إلى أبنيون ( Avignon) على نهر الرودانة ( Rhones) ، وتابعت مجرى النهر إلى حصن لذن ( Lyon) ثم رجعت إلى الأندلس.
والثانية سنة ٧١٥ م. فتحت أربونة وقرقشونة ( Carcasonne) ، وألحقت منطقتيهما بالأراضي الأندلسية. والثالثة سنة ٧١٩، بقيادة السمح بن مالك الخولاني، خرجت من برشلونة وركزت فتح أريونة وقرقشونة، واتجهت نحو طلوشة ( Toulouse) ، فاستشهد السمح على أباب المدينة سنة ٧٢١، ورجع الجيش إلى برشلونة. والرابعة سنة ٧٢٥ م، بقيادة عنبسة بن سحيم الكلبي، اتجهت من أربونة إلى نيمش ( Nimes) ، ففتحتها وضمتها للأراضي الإسلامية، ثم اتجهت على ضفاف وادي الرودانة إلى حصن لذن، ثم تابعت مجرى نهر الصون إلى مدينة أوتان ( Autin) ثم إلى بلدة سانس ( Sens) على بعد مائة كيلومتر شرق باريز، ثم اتجهت الحملة إلى شالون ( Chalon) وديجون ( Dijon) ولانغرس ( Langres) قبل أن ترجع إلى الأندلس عن طريق وادي الصون والرودانة. والحملة الخامسة سنة ٧٣٢ هـ، بقيادة عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي اتجهت من بنبلونة عبر مضيق روسنفو بجبال البرت إلى برديل ( Bordeaux) ثم إلى بواتيه حيث استشهد عبد الرحمن الغافقي في معركة بلاط الشهداء في شهر رمضان سنة ١١٤ هـ (أكتوبر سنة ٧٣٢ م)، عشرون كيلومترًا شمال المدينة، فرجع الجيش إلى أربونة. والحملة السادسة سنة ٧٣٤ م، بقيادة يوسف بن عبد الرحمن،
стр. 412
والي أربونة، اتجهت من أربونة ففتحت مدينة آرلس ( Arles) ثم سان رمي ثم أبنيون وضمتها لأراضي الأندلس، ثم تابعت الحملة مجرى نهر الدورانس شرقًا نحو جبال الألب، ورجعت الحملة بعد أربع سنوات إلى أربونة.
ثم استرجع الإفرنج الأراضي التي فتحها المسلمون في الأرض الكبيرة ابتداء من أبنيون، ثم أربونة سنة ٧٥١ م بعد ٣٦ سنة من الوجود الإسلامي، ثم قرقشونة سنة ٧٥٩ م بعد ٤٤ سنة من الوجود الإسلامي. وبهذا انقضى الوجود الإسلامي الأندلسي المباشر الأول في فرنسا.
وفي سنة ٢٣٦ هـ (٨٥٠ م) أرسل عبد الرحمن الأوسط جيشًا بقيادة عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني في حملة تأديبية ضد الإفرنج وصلت إلى مدينة أربونة. ثم تتابعت حملات البحارة الأندلسيين على الشواطىء الفرنسية، ضد آرلس سنة ٨٤٣ م و ٨٥٠ م و ٨٦٩ م، وضد نيس سنة ٨٥٩ م و ٨٨٠ م، ثم استوطنوا حول بلدة فراكسنتوم، قرب سان تروبيز بين نيس وتولون، بين سنتي ٨٩١ و ٨٩٤ م، وتوسع الجيش الأندلسي إلى أن كوّن دويلة أندلسية بحرية امتدت على جبال الألب سنة ٩٣٣ م، وتوسعت إلى أن ضمت أراضي فرنسية وإيطالية وسويسرية، ولم تقض عليها الحملات الصليبية المتواصلة إلا سنة ٩٧٣ م بعد ٨٢ سنة من تأسيسها.
ويعود التأثير الأندلسي في فرنسا إلى حقبة ما بعد سقوط غرناطة وطرد سنة ١٦٠٩ م. وفي سنة ١٠١٩ هـ (١٦١١ م) زار الشهاب الحجري فرنسا على رأس سفارة لسلطان المغرب، من ميناء آسفى، وتحدث عن وجود قاض للأندلسيين في المجلس الملكي الفرنسي، مركزه في سان جان دولوس (ببلاد الباسك الفرنسية)، يختاره الملك من بين النصارى ليقضي بين الأندلسيين في نزاعاتهم ولأخذ خمس أملاك أغنياءهم لصرفها على فقرائهم. وتبين الوثائق الفرنسية تفاصيل عن المورسكيين في فرنسا في القرن السابع عشر، منها رسائل حول موضوع إنجاز قرار برلمان إكس البروفانس بطرد اللاجئين المورسكيين تظهر أنه سمح لعدد كبير منهم بالإقامة حول تولون، جنوب فرنسا، وإعفائهم من الطرد بحجة أنهم نصارى مخلصين.
وتبرهن أحداث القرن السابع عشر أن معظم مروسكيي فرنسا بقوا مسلمين سرًّا. فمثلاً، كانت توجد ثلاث فئات بين الأوروبيين المسلمين ذو النفوذ في طرابلس الغرب في أواخر القرن: إيطالية، ويونانية، وفرنسية من منطقتي تولون ومرسيلية حيث استقر
стр. 413
المورسكيون، مما يوحي أن فرنسيي طرابلس هم أحفاد المورسكيين الذين رجعوا إلى الإسلام. كما انتقل عدد من فرنسيي منطقتي اللانكدوق والروسيون (منطقتي هجرة المورسكيين كذلك) إلى تونس وأعلنوا إسلامهم، منهم الرئيس شعبان دي مارتيغة ( Martigues) الذي ولد في سرينيان ( Serignan) سنة ١٥٨٩ م، وانتقل إلى تونس سنة ١٦٠٤ م حيث أعلن إسلامه، وقبض عليه النصارى في صقلية سنة ١٦١٩ م وحاكموه في محاكم التفتيش.
وفي غشت سنة ١٦٦٨ م، قدم ثلاثة تجار من أصل أندلسي من بوردو إلى مرسيلية للإبحار إلى الجزائر، فقبضت السلطات على واحد منهم مع ١٨ من ذويه.
فأقر أن مورسكيي فرنسا (أكثرهم باللانكدوق غوايان والنورماندي) يخفون الإسلام ويتظاهرون بالنصرانية، وأن مئات منهم يهاجرون سنويًّا إلى شمال إفريقيا بأبنائهم ونسائهم. وقد اشتكى قناصلة فرنسا، خاصة في الجزائر وتونس وطرابلس، من هذه الهجرة الفرنسية والهروب من النصرانية. واكتشفت السلطات أن المورسكيين يتكلمون الفرنسية بطلاقة تامة ويكوّنون في فرنسا "نوعًا من الجمهورية" ويتزوجون بالفرنسيات ويدخلنهن الإسلام. فحاولت السلطات الفرنسية إرغامهم على التنصير، كما قبضت في شهر نوفمبر عام ١٦٦٨ م على مورسكي آخر و ٢٠ من ذويه، بما فيهم النساء والأطفال، حاولوا التوجه من فرنسا إلى بلاد الإسلام، فمنعتهم وشتتتهم في فرنسا.
وفي سنة ١٦٧٧ م، خرج بدرو الباسكوني، وهو مورسكي من بوردو حيث ولد، من طرابلس إلى تافلالت ومراكش، واستقر في طنجة كصوفي مسلم. وفي سنة ١٧٠٠ م، هرب بروتستنتيان من روان وليزيو إلى الجزائر واعتنقا الإسلام وتزوجا بمسلمتين، ومن المحتمل أنهما كذلك من أبناء الجالية المورسكية المستقرة في النورماندي. نرى إذن أن معظم الفرنسيين الذين هربوا إلى شمال إفريقيا في القرنين السابع والثامن عشر وأعلنوا إسلامهم، هم من أصول أندلسية أو من المناطق الفرنسية ذات السكن المورسكي. ويجوز التساؤل عن وجود ذكرى جماعية إسلامية في مناطق السكن المورسكي، خاصة أن كثير من معتنقي الإسلام المعاصرين في فرنسا، بما فيهم المفكر روجي كارودي، هم من تلك المناطق.
وبصفة عامة توجد في فرنسا اليوم عائلات كثيرة ذات أصول أندلسية واضحة ومعروفة منها: عائلة غراندي ( Grandet) وجعفري ( Jafari) وبسطي ( Basti) وكيلس
стр. 414
( Quiles) التي تعادلها اسكيرج في تطوان، وغيرها من الأسماء. ولا شك أن هذا الموضوع يستحق الدراسة.
ونتج التأثير الأندلسي في سويسرا عن دولة فرانكسنتوم التي ضمت منطقة الفالي ووصلت إلى شمال سويسرا بسان غال. كما استقر بعض المورسكيين في سويسرا بعد سنة ١٦٠٩ م، منهم الدكتور أبو زيد صديق فولتير. ولحد الساعة يفتخر أهل الفالي بأصولهم "العربية".
واستقر بإيطاليا عدد من الأندلسيين، طوعًا أو كرهًا، كالكاتب المؤرخ محمد بن الحسن الوزان الغرناطي، الذي أسره النصارى وباعوه للبابا، وظل مدة في روما تحت اسم "ليون الإفريقي"، وكتب كتبًا أهمها "وصف إفريقيا". وقد هاجر عدد من الإيطاليين إلى بلاد الاسلام وأعلنوا إسلامهم، ولا شك أن منهم ذوو الأصول المورسكية، كالرئيس علي فراري الذي استقر بتونس، وقبض عليه النصارى وسلموه إلى محاكم التفتيش في صقلية التي حاولت إجباره على التنصير. فرفض رغم السجن والتعذيب الذين داما من سنة ١٦٢٤ م إلى ما بعد سنة ١٦٤٢ م. كما يتأصل من إيطاليا عدة من حكام الجزائر كالرئيس علج علي والرئيس باربا روسا. وقد بقيت بعض الأسماء الإيطالية تدل على أصول أندلسية منها، مورو (كرئيس الوزراء السابق المقتول، آلدو مورو) وسرزان ( Sarrazin) ، وغيرهما. ويستحق بقايا الوجود الأندلسي في إيطاليا الدراسة.
ومكث عدد من المورسكيين في ألمانيا حيث بقيت عدة أسماء عائلات أندلسية إلى اليوم، منها اسم موهر ( Mohr) . ووصل الوجود الأندلسي إلى بريطانيا ومناطق أوروبا الشمالية. ورغم انعدام البراهين حول أصل شكسبير "العربي" الأندلسي، فليس من المستبعد حسب الأوضاع المعروفة آنذاك أن يكون أندلسيًّا، ويستحق الموضوع الدراسة.
وأوردت الوثائق العربية هجرة غرناطية إلى أوروبا الشرقية، كهجرة أبي حامد الغرناطي وابنه حامد إلى المجر حيث تزعما الجماعة الإسلامية بها في القرن الثاني عشر الميلادي. وقد ذكر أبو حامد الكثير عن حياة المسلمين في المجر في كتابه "تحفة الألباب ونخبة الآداب".
وبعد ثورة ربض قرطبة سنة ٢٠٢ هـ (٨١٨ م)، توجه عدد من الربضيين بعد طردهم إلى الإسكندرية واحتلوها. واضطروا إلى الخروج عنها سنة ٢١٢ هـ (٨٢٧ م)
стр. 415
لفتح جزيرة اقريطش (كريت) من يد البيزنطيين بقيادة أبي حفص عمر البلوطي، وصحبة عدد من الفقهاء والعلماء منهم الفقيه الزاهد محمد بن عيسى بن دينار الغافقي (من قرطبة)، وكان عددهم حوالي ٥.٠٠٠ أندلسي. فأسسوا إمارة أندلسية إسلامية دامت ١٣٤ سنة إلى احتلال البيزنطيين سنة ٩٦١ م، واتخذوا مدينة الخندق (كندية، هرقليون اليوم) عاصمة لها. وأسلم معظم سكان الجزيرة بعد بضع سنين، كما ذكر في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) أبو إسحق الكرخي في كتابه "المسالك والممالك"، إذ قال: "واقريطش دونها (أي صقلية) في العرصة والعمارة، وسكانها جميعًا مسلمون أهل غزو، وبين ظهورهم نبذ من النصارى كما يكون ببلدان المسلمين".
ولما احتل النصارى اقريطش أخذوا ينصّرون الأهالي قهرًا حتى قضي على الإسلام في الجزيرة، كما ذكر ابن جبير (من بلنسية) في رحلته سنة ١١٨٥ م (أي ٢٢٤ سنة بعد خروج اقريطش من يد الأندلسيين): "وأهل النظر في العواقب منهم (مسلمي صقلية) يخافون أن يتفق على جميعهم ما اتفق على أهل جزيرة اقريطش المسلمين، في المدة السالفة، فإنه لم تزل بهم الملكة الطاغية من النصارى والاستدراج الشيء بعد الشيء، حالاً بعد حال، حتى اضطروا إلى التنصر عن آخرهم، وفر منهم من قضى الله بنجاته".
ثم فتح العثمانيون اقريطش من يد البندقيين بين سنتي ١٦٤٥ م و ١٦٦٩ م (أي ٦٨٤ سنة بعد خروجها من يد الأندلسيين) فعاد كثير من أهلها إلى الإسلام بفضل ذكرى الحقبة الأندلسية الجماعية، حتى زاد عدد المسلمين على نصف السكان في منتصف القرن التاسع عشر. ثم أخذ الأوروبيون يشجعون نصارى الجزيرة على إقامة المذابح ضد مواطنيهم المسلمين، دون حماية الدولة العثمانية، فنزح المسلمون بأعداد كبيرة إلى أن نزلت نسبتهم في الجزيرة إلى ٢٦.٤ في المائة سنة ١٩٠٠ م، قبيل انضمامها إلى اليونان سنة ١٩١٣ م. وفي سنة ١٩٢٣ م، أدخل مسلمو اقريطش في تبادل السكان مع تركيا، فنقل عنها معظم ما تبقى من مسلميها. ويوجد اليوم مسلمون كريتيون في معظم المناطق الإسلامية حول البحر الأبيض المتوسط.
وبعد سقوط غرناطة، هاجرت إلى الأراضي التي تكون اليوم اليونان، خاصة سلانك وطراقية الغربية، أعداد كبيرة من الأندلسيين، وكذلك بعد طرد سنة ١٦٠٩ م،
стр. 416
واندمجوا مع الأيام في المجتمع التركي وانتقل الكثير منهم إلى تركيا بعد الحرب العالمية الأولى.
وانتقل عدد من الأندلسيين في القرن السابع عشر إلى الأراضي العثمانية التي تكوّن اليوم يوغسلافيا وألبانيا وبلغاريا. وتستحق هجرات الأندلسيين إلى أوروبا الشرقية وتأثيرهم على مجتمعاتهم الإسلامية الدراسة.
والأندلسيون هم الذين اكتشفوا القارة الأمريكية، حسب الشريف الإدريسي في قصة الشبان المغرورين الذين أبحروا من الأشبونة عبر "بحر الظلمات" إلى جزر وصفوها، أرجعهم عنها ملكها. لولا الأندلسيون لما وصل كلومب إلى القارة الجديدة. وبعد سقوط غرناطة واكتشافها، هاجر إليها الأندلسيون المسلمون مع الجيوش الغازية هروبًا من محاكم التفتيش. لكنهم وجدوا محاكم مماثلة تنتظرهم في القارة الأمريكية. وأول من وصل إلى شمال أمريكا من المورسكيين روديكو دي لوبي، زميل كلومب، الذي أعلن إسلامه بعد رجوعه إلى إسبانيا، واستبانيكو دي آزمور، الجنرال الإسباني الذي احتل أريزونا، وهو في الحقيقة مورسكي.
وظلت إلى يومنا هذا الآثار الأندلسية قائمة في كل جنوب أمريكا. فبقي التأثير الإسلامي الأندلسي في التراث الفنزويلي المكتوب يظهر من وقت لآخر، أهمه إنتاج الكاتب الفنزويلي دون رفائيل دونقالس إي مندس (ولد سنة ١٨٧٨ م) الذي اعتز بجذوره الإسلامية في مؤلفاته. ولا زال كثير من الفنزويليين يفخرون بأصولهم الأندلسية الإسلامية.
ويعتز كذلك الكولومبيون بالتأثير الأندلسي الإسلامي. ونبغ في القرن التاسع عشر أخصائيون كولومبيون في الحضارة الإسلامية، منهم الدون آزكيال أوريكواشا. وعندما ضعفت قبضة الكنيسة على البلاد بعد استقلالها، وصلت الشجاعة ببعض الكتاب الكبار إلى الافتخار بالإسلام وحضارته، منهم من تعلم اللغة العربية وآدابها، أشهرهم دون روفينو خوزي كوارفو.
ودخل التراث الإسلامي الأندلسي إلى العمارة في البيرو والأكوادور، كما أثر على كتابهما، كقصة كاتب البيرو الكبير دون ريكاردو بلما التي نشرها تحت عنوان "افعل الخير ولا تبال"، حيث اتخذ حياة الأمير إبراهيم جد الأمير الأموي مروان الثاني أساسًا. والقصة مبنية على عظمة التسامح والكرم اللذين أديا إلى أن يسامح
стр. 417
الرجل ضيفه رغم اكتشافه أنه قاتل ابنه. ويوجد بالبيرو اليوم عطف على الإسلام، وكذلك الحال في بوليفيا.
وأثرت الحضارة الأندلسية الإسلامية في أدب الشيلي، كما يظهر، مثلاً، في تراث الكاتب الشيلاني دون بدرو برادو الذي طبق القافية العربية على الشعر الإسباني، ونشر سنة ١٩٢١ م ديوانًا باسم أفغاني مستعار هو "رضائي روشان"، كما أصبحت عدة قصص عربية جزءًا من التراث الشعبي الشيلاني.
ومنع البرتغاليون هجرة الأندلسيين المسلمين إلى البرازيل عندما احتلوها في القرن السادس عشر. ورغم المنع، وصل كثير من البحارة الأندلسيين إلى البرازيل لمعرفتهم بالبحار والملاحة فيها، كما هاجر إليها سرًّا أندلسيون من منطقة الغرب (جنوب البرتغال)، فأقامت الحكومة محاكمًا للتفتيش ضدهم. وفي سنة ١٥٩٤ م، أخرجت محكمة بهية للتفتيش منشورًا توضح فيه علامات المُخفي للإسلام، منها: الغسل والنظافة خاصة أيام الجمعة، والقيام الباكر، والصيام، ونظافة الملابس. وحرقت تلك المحاكم كثير من الضحايا بتهمة الإسلام. وتوجد اليوم في البرازيل عائلات يعتز أفرادها بأصولهم الأندلسية، ويحتفظون في بيوتهم بمصاحف توارثوها عن أجدادهم جيلاً بعد جيل. ومنهم من اعتنق الإسلام، وقد كوّن هؤلاء جماعات إسلامية، خاصة في سان باولو.
وهاجر الأندلسيون إلى مناطق أرجنتين اليوم، وبسبب اضطهاد الكنيسة والدولة، لم يبق من إسلامهم إلا ذكرى يفتخرون بها. كما فعل كاتب أواخر القرن التاسع عشر دومنغو سارميانتو الذي كان يفتخر بأصله الإسلامي كسليل بني الرزين في شرق الأندلس. ويعتقد الكثيرون أن رعاة القاوشو في بوادي الأرجنتين هم من السلالات الأندلسية، وحافظوا على الكثير من القيم الإسلامية العريقة. وأثرت الحضارة الأندلسية على كثير من الأدباء الأرجنتينيين كأنريكي لاريتا الذي كتب عن حياة الأندلسيين أيام الملك فليبي الثاني في كتابه "انتصار الدون روميرو"، والكاتب قونسالس بالنسية في قصته "علامة الأسد"، وغيرهما.
وحصلت اليوم صحوة إسلامية أندلسية في الأرجنتين حيث أسس الأندلسيون الأرجنتينيون جماعة إسلامية، يتكون مكتبها الأول من: يوسف محمد علي قرطيش (الرئيس) ومحمد بارسيا (الأمين العام)، ومن أهم أعضائها أحد أعضاء عائلة "مولاي
стр. 418
سليلة بني الأحمر الذين احتفظوا بإسلامهم جيلاً بعد جيل في الأندلس، وهاجروا إلى أمريكا الجنوبية، ثم أعلنوا إسلامهم.
لذا فالشتات الأندلسي يستحق الدراسة والاهتمام. وهذا ما تنوي "الجماعة الإسلامية بالأندلس" القيام به. ندعو من الله لنا ولهم التوفيق. ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل، ولا غالب إلى الله.
стр. 419
مراجع
الفصل الثاني عشر
١٢/ ١ - عبد الكبير بن هاشم الكتاني "زهر الآس في بيوتات أهل فاس" مخطوط المكتبة الكتانية رقم ١٢٨١.
١٢/ ٢ - محمد بوجندار "الاغتباط بتراجم أعلام الرباط" الخزانة العامة بالرباط عدد ١٢٨٧ د.
١٢/ ٣ - محمد داود "تاريخ تطوان" ٨ أجزاء، تطو ان والرباط، ١٩٥٩ - ١٩٧٩، المجلد الأول، الصفحة ٤٣١.
١٢/ ٤ - أحمد الرهوني "عمدة الراوين في تاريخ تطاوين" ١٠ أجزاء.
١٢/ ٥ - بلقاسم لعشاش "بيوتات مدينة سلا" مخطوط الخزانة الصبيحية بسلا، رقم ١٣٤٤.
١٢/ ٦ - عبد الرحمن بن زيدان "المنزع اللطيف في التلميح لمناقب مولاي إسماعيل بن الشريف" مخطوط الخزانة العامة بالرباط عدد ٢٠١٩.
١٢/ ٧ - Mohamed El - Aziz Ben - Achour "l'Itineraire d'une Famille Tunisi - enne d'Origine Andalouse: Les Ibn Ashour" Les Morisques Anda - lous, Recueillis par Slimane - Mostafa Zbiss, et. al., Tunis, ١٩٨٣.
١٢ / ٨ - Francisco Ximenez "Diario de Tunez" Ms Biblioteca Real Acade - mia de la Historia, Espana.
١٢ / ٩ - ابن ضياف "إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان" ٨ مجلدات، تونس ١٩٦٢ - ١٩٦٤ م.
١٢/ ١٠ - Mikel de Epalza "Nouveaux Documents sur les Andalous en Tuni - sie au Debut du XVIIIe Siecle" Les Morisques Andalous.
стр. 420
١٢/ ١١ - Mohiddine Boughanmi "Un Peublo Andalusi en Tunez en el Siglo XIX: Soliman" Revista Miscelanea de Estudios Arabes y Hebraicos, Granada, vol. ٢٥, Fascicule ١, ١٩٧٦.
١٢ / ١٢ - Ridwan Reichico "Comunidades Andalusies en Tunez" Lamalif (Cordoba) , No. ٣, ١٩٩٠.
١٢ / ١٣ - Khelefi Chatter "Le Fait Andalou dans la Tunisie du ١٩e Siecle" Actes du II Symposium International du CIEM, Tunis ١٩٨٤.
١٢ / ١٤ - N.S. Hopkins "Notes sur l'Histoire de Testour" Revue de l'His - toire Maghrebine. Tunis. No. ٩, ١٩٧٧.
١٢ / ١٥ - محمد عبد الله عنان "تستور: بلد المورسكيين الأندلسيين" مجلة العربي، ١٩٧٠.
١٢/ ١٦ - محمد المزي "نور القبس بين طبربة والأندلس" بحوث عن الأندلسيين في تونس، جمعها سليمان مصطفى زبيس وعبد الحكيم القفصي ومحيي الدين البوغانمي وميكال دي ابلثا.
١٢/ ١٧ - Hans - Hoachim Kress "Elements Structuraux Andalous dans la Gen - ese de la Geographie Culturelle de la Tunisie" Marburger Geogra - phische Shriften, Fascicule ٧٣, Marburg / Lahn. ١٩٧٧.
١٢ / ١٨ - أحمد بن محمد المقري "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" المجلد الثاني، تحقيق إحسان عباس، ص ٣٤٩.
١٢/ ١٩ - مرجع (١٢ - ١٨)، ص ٦٦.
١٢/ ٢٠ - Bartolome Bennassar et Lucile Bennassar "Les Chretiens d'Allah" Perrin (Paris) , ١٩٨٩, p. ٣٨ - ٣٩.
١٢ / ٢١ - Mahmoud Fekih "De l'Impact Morisque en Afrique du Nord et les Consequences de leur Expulsion" Actes du II Symposium Interna - tional du CIEM, ed. par Abdeljelil Temimi, Tunis, ١٩٨٤, Vol. II.
١٢ / ٢٢ - Abdel - Rahim Abdul - Rahman Abdul - Rahim "The Documents of Mahkama Shariyya Al Misriyya as a Source of the Study of Moor - ish Emigrants" Actes du II Symposium International due CIEM, ed. by Abdeljelil Temimi, Tunis, ١٩٨٤. Vol. II.
١٢ / ٢٣ - Ismael Diadie Haidara "Las Relaciones Subsaharianas de Al - Anda - lus durante el Siglo X" Lamalif, Cordoba, No. ٣, ١٩٩٠.
١٢ / ٢٤ - مرجع (١٢ - ١٨)، ص ٦٣١.
стр. 421
١٢/ ٢٥ - Francisco Sanchez Ruano "La Huella de los Moriscos Espanoles en la Africa Negra" Cruz Roja, Julio ١٩٨٨.
١٢ / ٢٦ - Jean Aubin "Albuquerque et les Negociations de Cambaye" Mare Luso - Indicum, Vol. ١. p.١٤ et ٢٢.
١٢ / ٢٧ - علي المنتصر الكتاني "المسلمون في أوروبا وأمريكا" دار إدريس، بيروت) لبنان)، سنة ١٩٧٦ م، ص ١٩٦ - ١٩٩.
١٢/ ٢٨ - أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي "ناصر الدين على القوم الكافرين وهو السيف الأشهر على كل من كفر" مخطوط.
١٢/ ٢٩ - Guy Turbet - Delof "Documents sur la Diaspora Morisque en France au XVIIe Siecle" Actes du II Symposium International du CIEM, ed. par Abdeljelil Temimi, Tunis, ١٩٨٤, Vol. II.
١٢ / ٣٠ - Antoine Quartier "l'Esclave Religieux" Paris, D. Hortemels ١٩٦٠, p. ٢٣٥.
١٢ / ٣١ - Ref. (١٢.٢٠) , p. ٥٧ - ٧٨.
١٢ / ٣٢ - Francisque Michel "Histoire des Races Maudites" Paris, A. Franck, ١٨٤٧, Tome II, p. ٥٥ - ٩٨.
١٢ / ٣٣ - Ref. (١٢.٢٠) , p. ٧٨ - ١٠٩.
١٢ / ٣٤ - مرجع (١٢ - ١٨)، صفحة ١٤٩.
стр. 422
خاتمة
يظهر جليًّا أن تاريخ الإسلام في الأندلس منذ سقوط غرناطة إلى اليوم يتسم بظاهرتين أساسيتين: أولهما، ارتباط الشعب الأندلسي الوثيق بالعقيدة الإسلامية والتراث الإسلامي، وتشبثه بهما ما أمكن طوال خمسة قرون منذ سقوط غرناطة؛ ثانيهما، خذلان الأمة الإسلامية المتواصل لمجهودات الشعب الأندلسي في الحفاظ على هويته وشخصيته والدفاع عن إسلامه.
فبعد غدر الملكان الكاثوليكيان لكل المواثيق التي وقعوها إبان سقوط غرناطة لإضعاف المقاومة الأندلسية، تحول النضال الأندلسي طوال القرن السادس عشر، بعد الصدمة الأولى، إلى حرب عصابات دائمة ضد الوجود القشتالي، وصلت في أوجها إلى ثورة غرناطة الكبرى سنة ١٥٦٩ م التي جند لها الشعب الأندلسي كل طاقاته.
كما اتسمت هذه الفترة بخذلان جميع دول الإسلام آنذاك لصيحات الشعب الأندلسي المتواصلة في محنته، فلم تستجب لهم لا الدولة السعدية بالمغرب ولا الدولة المملوكية بمصر ولا الدولة العثمانية بعدها، وكانت القوى الإسلامية الثلاثة في البحر الأبيض المتوسط. ووصل الخذلان أوجه إبان ثورة غرناطة الكبرى، حيث اتكل الأندلسيون على وعود الدولتين السعدية والعثمانية الكاذبة، فذاقوا بسببه أمرّ الشرور وأقساها.
وتفتّق فكر الدولة الإسبانية والكنيسة الكاثوليكية سنة ١٦٠٩ م على طرد الطبقة المفكرة من الشعب الأندلسي، فطردت منهم حوالي ٢٣٠ ألف شخص، تشتتوا على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، خاصة بشمال إفريقيا. وإبان هذه المأساة ذاق
стр. 423
اللاجئون الأندلسيون مرارة التشريد وقبح الاستقبال وظلم ذوي القربى في مواطن هجرتهم.
وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، تحول نضال الشعب الأندلسي إلى مقاومة صمّاء دفينة في القلوب، وهو يحاول التشبث ببقايا هويته وشخصيته الإسلامية تشبث الغريق. وتجاهل العالم الإسلامي، في هذه الأثناء، كلية كل مظاهر الوجود الإسلامي في الأندلس رغم السيل المتواصل من العائدين إلى الإسلام الذين انضموا إلى جيوشه البرية والبحرية في المغرب والمشرق، وقد أضاعوا أسماءهم وهوياتهم ولم يرجعهم إلى الإسلام إلا ذكرى جماعية في مجتمعاتهم وبين أهاليهم، وحقد دفين على الذين اضطهدوهم جيلاً بعد جيل، وحوّلوهم من أمة سائدة إلى أمة مستعبدة.
وفي القرنين التاسع عشر والعشرين تحول النضال الأندلسي إلى شكل جديد يتماشى مع لغة ذلك العصر، عصر القوميات. فحاول مفكرو الشعب الأندلسي الدفاع عن ما تبقى من هويتهم الخاصة التي تجعلهم قومية متميزة بلغة لا دينية يقبلها الغرب الصليبي. ولا يميز القومية الأندلسية عن باقي قوميات أوروبا، رغم ضياع لغتها العربية وكثير من خاصياتها الثقافية، سوى ذكراها لأمجادها الإسلامية وجذورها العريقة.
وحتى في هذه الفترة، تجاهل العالم الإسلامي محاولات الأندلسيين ربط الصلة به، ولم ينظروا إلى قوميتهم بالنظرة البعيدة التي تستحقها.
ثم تزعّم بلاس إنفانتي هذه الحركة فوصل بها إلى منطقها الطبيعي في ربطها بجذورها الإسلامية، فاعتنق الإسلام إيمانًا به واستعادة لشخصيته الأصيلة وطالب الأندلسيين بالرجوع إليه. وأدت أفكاره المجهولة في العالم الإسلامي إلى استشهاده على يد قوى الظلم والطغيان والتعصب قبل الحرب العالمية الثانية.
فرجعت بموته القومية الأندلسية إلى السرية الكاملة، لم تخرج منها إلا بعد انتهاء العهد الدكتاتوري الفرنكوي سنة ١٩٧٥ م. فاعترفت الدولة الإسبانية لأول مرة بعد تكوينها بتعددية الحضارات والديانات الموجودة على أرضها. فساندت الأكثرية الساحقة للشعب الأندلسي أفكار بلاس إنفانتي مطالبة بالاعتراف بالشعب الأندلسي كقومية مميزة شأنها شأن القوميتين الباسكية والقطلانية. وهكذا تأسست سنة ١٩٨٠ م منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي من ثمان مقاطعات في جنوب إسبانيا هي: قادس وولبة وإشبيلية وقرطبة ومالقة وجيان والمرية وغرناطة، واختيرت إشبيلية عاصمة لها.
واستعادت هذه المنطقة بعض الشعارات الإسلامية كالعلم الأندلسي والنشيد الوطني
стр. 424
والاعتزاز بماضيها الإسلامي. وحاولت منطقة الأندلس ربط علاقات خاصة مع العالم الإسلامي، بصفة عامة، والعربي، بصفة خاصة، والمغرب العربي بصفة أخص. فلم تجد إلا سوء فهم وصد، مما جعل الكثير من زعمائها يتحولون عن العرب وينقلب حبهم لهم إلى عداء. ولا يفسر هذا الخذلان إلا جهل الدول العربية بالواقع الإسباني الجديد وبالتغيرات التي حدثت في إسبانيا بعد وفاة فرانكو.
وبفوز القومية الأندلسية ورجوع الديموقراطية والحرية الدينية إلى إسبانيا، ظهر المناخ المناسب لظهور الإسلام من جديد بين ثلة من شباب الأمة الأندلسية الذين تبنوا أفكار إنفانتي كاملة وفسروها بضرورة الرجوع إلى الإسلام لتحرير الشعب الأندلسي من الهجمة الصليبية على شخصيته ووجوده، أو دفعهم إلى الإسلام مناخهم العائلي والاجتماعي عبر الطرق الصوفية، خاصة الدرقاوية.
وكانت هذه النخبة المسلمة الأندلسية تعقد الآمال على العالم الإسلامي في مساندتها لتعليم أبنائها المبادىء الإسلامية واللغة العربية، ومساعدتها على التعريف بالأندلس، فلم تجد سوى سوء الفهم والصد المتواصل. فكل من يزورهم من العالم الإسلامي يصبح ناصحًا لاتّباع مذهب أو آخر أو مساندة دولة ضد أخرى أو إزاحة مسؤول أو آخر، مع بخل في المساندة وسوء فهم للدوافع. كما ساند العالم الإسلامي بعض المهاجرين الذين أرادوا أن يحتكروا الإسلام، والذين أساؤوا فهم حب الأندلسيين لوطنهم وأمتهم. أما السياح المسلمين إلى الأندلس وزوارها، منهم أغنياؤهم المشارقة وفقراؤهم المغاربة، فلا يعطون الصورة المشرّفة للإسلام التي يتخيلها الراجعون إليه في الأندلس، والتي يحاولون التمسك بها في شكلها الطاهر الجميل الذي أتى به سيد الخلق سيدنا محمد ﷺ . أما أخبار العالم الإسلامي من تشرذم وفقر واستهتار بالمبادىء الإسلامية وحقوق الإنسان واستبداد وتخلف وأوبئة اجتماعية، فلا تجعله في المستوى الأخلاقي المناسب للدعوة إلى الإسلام بين الأندلسيين. وأدى هذا الوضع إلى خلق فجوة بين المسلمين الأندلسيين الجدد والعالم الإسلامي، وبينهم وبين المهاجرين المقيمين في إسبانيا، جعلت الكثير منهم يحاولون فهم الإسلام دون مساندة العالم الإسلامي، بل يتخوفون من سلبياته على مسيرتهم.
ويبقى أن نترقب مستقبل هذه الصحوة الإسلامية الأندلسية. فالظاهر أن الفجوة بين الأندلسيين والمهاجرين سوف تزيد، بسبب محاولة بعض هؤلاء، بمساندة بعض الدول العربية، على التسلط على الوجود الإسلامي في إسبانيا، خاصة بعد أن اعترفت
стр. 425
الدولة الإسبانية بالإسلام، وطالبت من المسلمين أن يتنظموا في اتحاد للحصول على حقوقهم كاملة. فكوّن بعض هؤلاء المهاجرين، اتحاد يدّعي تمثيل جميع المسلمين، لكنهم طردوا منه الجماعات الأندلسية وحشوه بأفراد لا يمثلون شيئًا. ولكن عزم المسلمون الأندلسيون على التقدم إلى الأمام كمًّا وكيفًا رغم كل الصعاب، ولسان حالهم يقول قولة الرسول ﷺ قبيل غزوة بدر "لئن هزمت هذه العصابة فلن تعبد أبدًا". ندعو الله لهم التوفيق والسداد.
ولينصرن الله من ينصره. ولا غالب إلا الله.
انتهى من كتابته بالرباط في يوم الأحد ٦ محرم الحرام عام ١٤١١ هـ موافق ٢٩/ ٧ / ١٩٩٠ م.
علي المنتصر الكتاني
следующие страницы →