كالإنذار بسقر وما فيها، والإنذار بأصحابها فإن الله تعالى جعل فى هذا الإنذار آية اختبار فيما يتعلق بعدة أصحاب النار من الملائكة، فإن المنتسبين إلى التوراة والإنجيل سيجدون أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم، ويكون ذلك مدخلا لليقين إن كانوا أهلا لتقبل الحق والتسليم له، وأما المؤمنون المصدقون فيزدادون بهذا إيمانا، لأنهم يؤمنون بالغيب، وكل اخبار جديد فى آية منزلة تزيدهم إيمانا وتزيدهم معرفة يقينية بعالم الغيب، وأما الذين فى قلوبهم مرض من شك وارتياب، وهذا كان الحال فى الفترة المكية وفى بدايات التنزيل وذلك ما جعل الحسن بن الفضل يقول: السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق، فالمرض فى هذه الآية الخلاف «١»، ولكن أكثر المفسرين يذهبون إلى القول: بأن الذين في قلوبهم مرض هم الذين فى صدورهم شك ونفاق من منافقى أهل المدينة الذين ينجمون فى مستقبل الزمان بعد الهجرة- سيقول هذا الفريق المريض: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أى ماذا أراد بهذا العدد الذى ذكر عن خزنة جهنم، وهذا موقف المرضى أمام التنزيل، فهم لا يريدون العمل به فيكثرون من التساؤلات والتشكيك ويضيعون الوقت فى ذلك بدلا من التلبية والإذعان والعمل، ولقد جمع الله- بين الذين فى قلوبهم مرض، وطائفة الكافرين فى هذا التساؤل لا تحادهم فى الهدف واتحادهم من حيث نفوسهم مع خطورة إخفاء المنافقين لحالهم وإظهارهم الإسلام.
وعلى ذلك تكون هذه السورة الكريمة قد نبهت إلى طوائف التحدى لهذا الدين من وقت مبكر ليكون الرسول الكريم والذين معه على بينة من أمرهم فيتعرفون على أساليب الطوائف التى ظهرت، والطوائف التى ستظهر بعد ذلك. ولا يعلمها إلا الله:
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) وبهذا يعطى القرآن الكريم عظته مع بيان حال الناس منها وقت التنزيل، وتبقى الآيات وما ذكر منها من المعانى ذكرى للبشر، ليحسنوا التعامل معها إيمانا وتصديقا وامتثالا وعملا بمقتضى هذه العظة، ولا يكونوا كالذين حرموا من الانتفاع بهذه الآيات. فالقرآن الكريم للأجيال كلها إلى يوم القيامة، وما يذكره من وجوه الإنذار يخاطب به الناس إلى يوم القيامة. فبعد هذا الذكر لهذا الإخبار عن أمر غيب، تأتى الآيات الكريمة لتؤكد الإنذار بما شاهده الناس من آيات كونية يقسم الله بها إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) أى أن هذه النار لإحدى الكبر الدواهى وتكذيبهم لرسول الله ﷺ وما جاء به من الوحى لكبيرة من الكبائر الخطيرة التى تهلك الإنسان فى حياته الدنيا والآخرة.
стр. 107
وهذه النار التى وضعت فى هذه السورة نذيرا للبشر. حتى قال الحسن: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها.
ومن وجوه الإنذار التى أمر النبى ﷺ بتوجيهها إلى الناس، الإنذار بوعيد الله بنماذج من البشر كفرت بأنعم الله، وأنذر بسقر وما يتعلق بها من أخبار غيبية: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) وأكد هذا الإنذار بآيات كونية يلفت القرآن الكريم النظر إليها:
كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧). فالقسم بآيات كونية هنا ينبه إلى أمور يحتاجها الإنسان فى إنذاره وبنائه على العقيدة الصحيحة التى بعث بها النبى ﷺ ، منها: التأمل والنظر فى مظاهر قدرة الله سبحانه فى آياته الكونية فالقمر الذى جعله نورا، والليل الذى ولى بظلامه، والصبح الذى أضاء، آيات كونية تنبه الإنسان إلى عظيم خلق الله وقدرته، وتنبهه إلى منة الله عليه ونعمته، وكيف سخر له هذه الآيات لينتفع بها، وإذا كانت هذه الآيات الكونية المذكورة تنكشف بها الأشياء انكشافا لا خفاء فيه فالقمر بنوره الهادئ والصبح كذلك، وذهاب ظلمات الليل تجعل الإنسان يبصر الأشياء ويدرك وجودها فالذى جلى الأشياء للإنسان بهذه الآيات الكونية وكشفها هو الذى يخبر عن سقر ويقسم: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧).
ومن هنا ندرك من بدايات التنزيل كيف يوجه القرآن الكريم الإنسان إلى النظر والتفكير فى آيات الله المبثوثة فى هذا الكون، وفى النفس الإنسانية نظرة تأمل
واعتبار، ونظرة إدراك تسخير الله سبحانه لهذه الآيات الكونية لانتفاع الإنسان بها، ونظرة التوافق التى تجعل الإنسان لا يشعر برهبة أمام هذه الآيات الكونية، لأنها مخلوقة ومسخرة، ولا حول لها ولا قوة إلا بخالقها ومسيرها .
ومع وجوه الإنذار فى هذه السورة الكريمة يأتى تقرير المسئولية الفردية والتى تقوم على ما منح الله الإنسان من القدرة على الفعل والترك والتقدم والتأخر والاختيار لما يعمل من خير أو شر، فالنذارة كذلك لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة، أو يتأخر إلى الشر والمعصية نظيره: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ [الحجر: ٢٤]، أى فى الخير وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) [الحجر] أى عنه. ويذكر الحسن أن قوله تعالى:
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر كقوله
стр. 108
تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]، ويجمع ابن عباس بين المعنيين فيقول: هذا تهديد وإعلام أن من تقدّم إلى الطاعة والإيمان جوزى بثواب لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدا ﷺ عوقب عقابا لا ينقطع، وأما السدى فيقول: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ- إلى النار (المتقدم ذكرها) - أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) - عنها إلى الجنة.
وعلى كل حال فتقرير المسئولية عما يكتسب الإنسان تنبيه «مبكر» يجعل الإنسان يسأل نفسه عن الإقدام والإحجام، ويربى فى النفس هذه الملكة التى تسأل وتراجع وتراقب قبل العمل، وبعده لنجد النفس المحامية المراقبة اللوامة قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) أى مرتهنة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلصها وإما أوبقها.
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) وهذا الاستثناء الحكيم ليس فيه ما قد يفهمه البعض من الخروج عن قاعدة المسئولية الفردية، بل هو تدعيم لها فإن أصحاب اليمين لا يرتهنون بذنوبهم؛ لأنهم إما أن يكونوا غير مكتسبين للذنوب، أو أدوا ما كان عليهم. ولذلك اختلف فى تعيينهم، فابن عباس فى الدين يقول: إنهم الملائكة وهؤلاء لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وعلىّ بن أبى طالب ﵁ يقول: إنهم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم، وقال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين لأنهم أدوا ما كان عليهم، وقيل: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
فالمسئولية- إذن- مقررة كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨).
ويأخذ الإنذار وجها آخر فى هذه السورة الكريمة المنذرة، وهو عرض للمقارنة بين تبصير المؤمنين والكافرين، وذكر ما يتصل بالفريقين من أعمال، ومعنى ذلك أن من فضل الله على خلقه أن تتعدد الأساليب تشجيعا لأهل الإيمان، وحفزا لهممهم للقيام بتبعات الدعوة ومسئولياتها، وتحذيرا لأهل الشرك حتى يعودوا إلى الحق والرشاد ويتخذوا سبيل المؤمنين وإلا فالمصير أليم، فالمؤمنون الصالحون أصحاب اليمين فى الجنات وما أعد الله لهم فيها، والمشركون يوصفون بالإجرام؛ لأنهم أجرموا فى حق أنفسهم، وفى حق غيرهم ممن وقفوا منهم موقف الإيذاء والتعذيب والسخرية والاستهزاء، وحال الفريقين مكشوف وظاهر، أما أهل الإيمان فهم فى أمن وسلام ونعيم يسمح لهم بهذا التساؤل عن غيرهم، والتساؤل- هنا- عن المجرمين، وعن الأعمال التى أدخلتهم سقر وكانوا بها مجرمين، وتعرض السورة الكريمة المنذرة أقوال أهل سقر والتى تتضمن
стр. 109
قواعد الفساد فى علاقة الإنسان بربه سبحانه، وفى علاقته بصفات قومه، وفى مساندته ووقوفه مع أهل الباطل، وفى فساد معرفته وتصوراته، وفى استمرار هذا الفساد طيلة حياتهم الدنيا ... قال تعالى: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨).
إن أساس الإجرام والفساد عدم الإيمان الذى يجعل المجرم يقطع صلته بربه بترك الصلاة، ويتبع هذا الفساد قسوة القلب على الضعفاء فلا يطعمون المسكين ولا يتصدقون، ويغذى هذا الفساد مخالطة أهل الباطل فى باطلهم، والخوض فى أمر رسول الله ﷺ من مثل قولهم- لعنهم الله: «كاهن أو مجنون»، أو «شاعر أو ساحر»، ومما يزيد من حجم هذا الإجرام التكذيب بيوم الجزاء والحكم. ومما يدل على تعمق الإجرام وتحكمه فى هؤلاء الاستمرار على هذا الحال إلى الموت. فهؤلاء بهذا الإجرام محرومون من الشفاعة التى جعلها الله للمذنبين من أهل التوحيد الذين يعذبون بذنوبهم ثم شفع فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة فأخرجوا من النار وليس للكفار شفيع يشفع فيهم «١».
ونتابع القول فى وجوه الإنذار التى جاءت فى سورة المدثر، والتى فصلت فيها من بدايتها إلى آخر السورة الكريمة حيث يقول الله تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦).
فالإنذار- هنا- له وجهان عظيمان، الوجه الأول: التذكرة بالقرآن الكريم، والوجه الثانى: الإنذار بالآخرة والتخويف بما يكون فيها.
فأما الوجه الأول: فيكون فى هذا التساؤل عن إعراض أهل مكة، وتوليهم عما جاء به رسول الله ﷺ ، وهو إعراض عجيب بنى على تصور فاسد، إنه إعراض عن التذكرة بالقرآن الكريم يتمثل فى الجحود والإنكار، ويتمثل تبعا لذلك فى ترك العمل بما
стр. 110
فيه، وأما فساد التصور الذى قام عليه هذا الإعراض فيتمثل فى فهمهم الفاسد للنبوة ووظيفتها ومهمة الرسل فى تبليغ ما أمروا به، وأن الله مصطف من عباده من يشاء لهذه المهمة، ولا يخاطب كل فرد من خلقه خطابا منفردا كما أراد أبو جهل، وجماعة من قريش حين قالوا: يا محمد: ائتنا بكتب من رب العالمين مكتوب فيها: إنى قد أرسلت إليكم محمدا ﷺ «١»، وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. قال مطر الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال المشركون لرسول الله ﷺ : بلغنا أن الرجل من بنى إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك، قال مجاهد: أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله : إلى فلانا بن فلان. إنه فساد فى تصور النبوة من جانب وحقد على رسول الله ﷺ من جانب آخر لفساد نفوس المشركين، وفساد مقاييسهم للبشر، فهم لا يريدون هذا الأمر لمحمد ﷺ ؛ لأن مقياس العظمة عندهم لم يكن فيما يرزق الإنسان من كمال الأخلاق ومكارمها، بل من كثر ماله وكثر رجاله يعد عظيما فيهم، وحصروا بهذا المقياس الأمر فى رجلين ذكر القرآن الكريم قولهم فيهما:
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) [الزخرف] ورد عليهم أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الزخرف: ٣٢].
وأما العجب فى هذا الإعراض فإنه يكمن فى مظهر هذا الإعراض، إن الإعراض يكون طبيعيا عند ما يكون من شىء يضر الإنسان، أما الإعراض عما ينفع فهذا يدعو إلى العجب، ويدل على أسباب فاسدة وراء هذا الإعراض، وقد ذكرنا بعضها من فساد التصورات والحقد والحسد، والذى يجعل هذا العجب شديدا أن ترى هذا الإعراض مصحوبا بحركات هستيرية، كأن الداعى لهم يريد الفتك بهم، فتراهم يفرون منه يمينا وشمالا وهم فى ذعر وخوف عجيب، وهذا دليل على أن الجوانب الإنسانية التى تقدر ما يفيدها قد امتهنت فيهم، وصاروا كما وصفهم القرآن الكريم فى هذا الإعراض كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) فوصفهم بالحمر يدل على أن الإنسان الذى جعله الله فى محل التكريم قد يتدنى وينزل من دائرة التكريم إلى دائرة الحيوانية المهينة بإعراضه عن وحى ربه، إن الوحى يحمله ويرقيه ويجعله إنسانا كريما،
стр. 111
وإعراضه بشقه يجعله كالأنعام التى لا تدرى قيمة ما تدعى إليه، ولا تفرق بين دعوة إلى مرعى، أو دعوة متربح.
إن صورة فرار الحمر من الرماة- على ما يذكر بعض أهل اللغة من تفسير القسورة بالرامى والصياد، أو من الأسد على ما ذكر أبو هريرة وابن عباس ﵄ أو من طلبه أول الليل على ما يذكر ابن الأعرابى «١». صورة ذعر وخوف لا تنسجم أبدا مع الداعى إلى الحق، والداعى إلى الخير والذى يهدى للتى هى أقوم. ولكن ليس هذا بالمستغرب لمن تساوى بإعراضه مع الحمر وكان هذا شأن المعرضين فى كل عصر كلما دعوا إلى الحق جعلوا أصابعهم فى آذانهم، واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا.
وأما ما يتعلق بالوجه الثانى، وهو مرتبط بالوجه السابق هو التخويف بالآخرة وما يكون فيها من صنوف العذاب التى لا يقوى عليها الإنسان الضعيف. فهؤلاء لو كانوا يقدرون هذا المصير ما سلكوا سبيل الإعراض، بل الإعراض بهذه الصورة العجيبة.
إن الفطنة بالقرآن الكريم وما يتضمنه من صور وجوه الإنذار فيه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤). وتختم السورة التى فصلت وجوه الإنذار بتنبيه الإنسان بما منحه الله من القدرة على العقل والترك، وبما منحه من المشيئة والاختيار تقريرا لهذه المسئولية التى سبق ذكرها فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) ولكن هذه المشيئة التى منحت من الله للإنسان لا غنى لها عن المشيئة العليا لمن خلق وسير، ومن بيده ملكوت كل شىء فعليه نتوكل وهو رب العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
فذكر المشيئة فى السورة الكريمة فى قوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) وفى قوله جل شأنه: فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) تقرير لهذه المشيئة من الله للإنسان فى اختيار العمل الذى سيحاسب عليه الإنسان ولا يتعارض ذلك مع الحقيقة الكبرى فى مشيئة الله المهيمن القدير الذى أحاط كل شىء علما، وأحصى كل شىء عددا، والذى خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، ويمنحه بما يعلمه من شأنه وحاله ونيته.
وعلى ذلك فالمؤمن يشغل بمشيئة الخير وفعله والإقدام عليه وترك المنكر والإحجام عنه، ولا يقع فيما يقع فيه من قصر نظره، وترك العمل؛ لأن العبد مأمور ولا يعلم ماذا يشاء الله به. ولكن عليه من حسن ظنه بربه أن يطمئن إلى فضله ورحمته وكرمه ومغفرته
стр. 112
فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
هذه مجموعة المعانى على ترتيبها فى نزولها على البشير النذير ﷺ فى سورة المدثر والتى تتضمن وجوه الإنذار التى أمر بها رسول الله ﷺ فى قوله تعالى فى بداية السورة يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢).
стр. 113
سورة «الفاتحة»
ومع روضة قرآنية كريمة نمتع بها قلوبنا فى كل صلاة، إنها سورة الفاتحة، فاتحة الكتاب. وهى السبع المثانى، وأم القرآن، وأم الكتاب، وقد جاءت السنة الصحيحة بهذه الأسماء، فأما تسميتها بفاتحة الكتاب فقد جاء فى ذلك قول النبى ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وروى الترمذى عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحمد لله ... أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثانى» قال: هذا حديث حسن صحيح، وفى البخارى قال: وسميت أم الكتاب لأنه يبتدأ بكتابتها فى المصاحف ونبدأ بقراءتها فى الصلاة. وقال يحيى بن يعمر: أم القرى: مكة، وأم خراسان: مرد، وأم القرآن: سورة الحمد، وعلى ذلك يكون الفهم الصحيح لمعنى تسميتها بفاتحة الكتاب، وليس المراد إذن بصفة الفتح للكتاب أنها أول الكتاب الكريم نزولا، فهذا رأى ضعيف يعتمد على حديث منقطع لا يقوى فى الاحتجاج به، وقد ذكر هذا الحديث البيهقى فى دلائل النبوة عن أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: «إنى إذا خلوت وحدى سمعت نداء وقد- والله- خشيت أن يكون هذا أمرا»، قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدى الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر- وليس رسول الله ﷺ ثمّ (أى هناك) ذكرت خديجة حديثا له، قالت: يا عتق، اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة، فقال:
«ومن أخبرك»، قال: خديجة، فانطلقنا إليه فقصا عليه، فقال: «إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفى يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربا فى الأرض»، فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتنى فأخبرنى، فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة] قل: لا إله إلا الله.
فأتى ورقة فذكر ذلك له، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذى بشر به عيسى ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبى مرسل، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، وإن يدركنى ذلك لأجاهدنّ معك، فلما توفى ورقة قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيت القس فى الجنة عليه ثياب الحرير لأنه أحسن بى
стр. 114
وصدقنى- يعنى ورقة» قال البيهقى ﵀: هذا منقطع يعنى: هذا الحديث، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزل عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «١». ولا يفهم من قول الإمام البيهقى ﵀ أنها السورة الثالثة، ولكن يعنى أن بداية التنزيل كان فى الآيات الأولى من سورة اقرأ باسم ربك، وأن سورة الفاتحة لم تكن الأولى فى ترتيب النزول، وإنما كانت بعد يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وهذا هو الترتيب الراجح وإلا فقد حكى الخلاف فى تحديد زمن نزولها على ما يلى:
الجمهور على أنها نزلت بمكة لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) [الحجر]، والحجر مكية بإجماع، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه كان فى الإسلام صلاة بغير الفاتحة.
وذكر هذا الرأى ابن عباس وقتادة وأبو العالية الرياض- واسمه رفيع- وغيرهم.
وأما أبو هريرة ﵁ ومجاهد وعطاء بن يسار والزهرى وغيرهم فيرون أنها مدنية.
وجمع بعض العلماء بين القولين بأنها تكرر نزولها فنزلت بمكة ونزلت بالمدينة حين حولت القبلة وحكى أبو الليث السمرقندى أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة، ويعلق ابن كثير على هذا بقوله: وهو غير مجاهد نقله القرطبى عنه، وعلى ذلك نصل إلى تقرير أن سورة الفاتحة فى ترتيب نزولها بعد سورة المدثر، وأنها نزلت كاملة غير منجمة، وأن المسلمين قرءوا بها فى الصلاة عند فرضها، وأنها فاتحة الكتاب المنزل المتضمنة لمقاصد الكتاب العزيز إجمالا، فالقرآن الكريم فيه البيان لحقوق الخالق على خلقه، وحاجة الخلق إلى خالقهم، وتنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق، فهذا من جملة المقاصد التى جاء بها القرآن الكريم، وقد أشارت إليها الفاتحة- على ما سنفصل إن شاء الله تعالى- فآياتها الأولى بيان لحقوق الله على خلقه، وإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) مع طلب الهداية منه تعالى إلى الصراط المستقيم بيان لحاجة الخلق إلى خالقهم، والصراط المستقيم هو نظام هذه الصلة بين المخلوق والخالق سبحانه، كما تضمنت الفاتحة كذلك الإشارة إلى الرد على كل طوائف المبطلين الخارجين عن الصراط المستقيم، وبيان أسباب هذا الخروج، وهى لا تتعدى الغضب عليهم أو الضلال منهم، وبهذا استحقت الفاتحة أن يطلق عليها أم القرآن «٢».
стр. 115
ونتابع الحديث فى سورة الفاتحة، وقد تناولنا فى الجزء السابق تسمية الفاتحة بأم القرآن وخاتمة الكتاب، وسميت السورة الكريمة بالسبع المثانى، ففي صحيح البخارى عن أبى سعيد بن المعلى ﵁، قال: كنت أصلى فدعا فى رسول الله ﷺ فلم أجبه، حتى صليت، قال فأتيته. فقال: «ما منعك أن تأتينى؟»، قال: قلت: يا رسول الله إنى كنت أصلى قال: «ألم يقل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» [الأنفال: ٢٤] ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة فى
القرآن قبل أن تخرج من المسجد»، قال: فأخذ بيدى، فلما أراد أن يخرج من المسجد، قلت: يا رسول الله إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة فى القرآن، قال: «نعم «الحمد لله رب العالمين»، هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أتيته» «١»، ووجه تسميتها بالسبع المثانى أنها سبع آيات باتفاق القراء والمفسرين، ولم يشذ عن ذلك إلا الحسن البصرى فقال: هى ثمان آيات، وإلا الحسن الجعفى فقال: هى ست آيات، ولا يعنى هذا أنهم يزيدون أو ينقصون شيئا من الفاتحة وإنما يرجع ذلك إلى عد البسملة من الفاتحة، أو يرجع إلى إدماج آيتين فى آية واحدة أو الفصل. فعلى السبع وهو ما عليه الاتفاق تجد حديث الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«قال الله : قسمت الصلاة نصفين بينى وبين عبدى فنصفها إلىّ، ونصفها لعبدى، ولعبدى ما سأل، يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)، فأقول:
حمدنى عبدى ... وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)، قال الله: هذا بينى وبين عبدى، وإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)، قال الله: هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل».
فهنّ ثلاث ثم واحدة ثم ثلاث، فعند أهل المدينة لا تعد البسملة آية وتعد أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية، وعند أهل مكة وأهل الكوفة تعد البسملة آية، وتعد أنعمت عليهم جزء آية، والحسن البصرى عد البسملة آية، وعد أنعمت عليهم آية «٢».
وأما وصفها بالمثانى فلأنها تثنى فى الصلاة أى تكرر فتكون التثنية بمعنى التكرير، وهذا ما عرف من الأسلوب العربى من استعمال المثنى فى مطلق المكرر نحو ثُمَّ ارْجِعِ
стр. 116
الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك: ٤] وقولهم: لبيك وسعديك، وعلى ذلك يكون المراد بالمثانى فى وصف الفاتحة مثل المراد بالمثانى فى قوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: ٢٣] أى مكرر القصص والأغراض «١».
ومن أسمائها كذلك «٢» ما ذكره القرطبى فى تفسيره زيادة على ما ذكر: إنها سميت بالصلاة، وهذا الاسم مأخوذ من الحديث القدسى الذى يقول الله فيه:
«قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين» وهذه القسمة تتناول آيات الفاتحة التى يقرأها المصلى فى كل ركعة.
وسميت كذلك سورة الحمد، لأن فيها ذكر الحمد كما يقال: سورة الأعراف، والأنفال والتوبة ونحوها.
وسميت كذلك بالشفاء لما جاء فى مسند الدارمى عن عبد الله بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ : «فى فاتحة الكتاب شفاء من كل داء». وفى رواية عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : «فاتحة الكتاب شفاء من كل سم».
وسميت كذلك بالرقية لما أخرجه أبو عبيدة وأحمد والبخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة والحاكم والبيهقى عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال:
بعثنا رسول الله ﷺ فى سريّة: ثلاثين راكبا فنزلنا بقوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا فلدغ سيدهم فأتونا فقالوا: فيكم أحد يرقى من العقرب، فقلت: نعم أنا، ولكن لا أفعل حتى تعطونا شيئا، قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة، فقال: فقرأنا عليه «الحمد» سبع مرات، فبرأ فلما قبضنا الغنم عرض فى أنفسنا منها فكففنا حتى أتينا النبى ﷺ فذكرنا ذلك له فقال:
«أما علمت أنها رقية، اقتسموها واضربوا لى معكم بسهم» «٣».
فجاء فى هذه الرواية تسمية السورة باسم الحمد على لسان أبى سعيد الخدرى ﵁، وجاء تسميتها بالرقية على لسان رسول الله ﷺ ، وزادهم اطمئنانا على سلامة ما صنعوا وعدم تحرجهم مما أخذوا بأن قال لهم: «واضربوا لى معكم سهم».
стр. 117
وسميت كذلك بالوافية ذكر ذلك سفيان بن عيينة، لأنها لا تقبل التنصيف وقال الثعلبى: ألا ترى أن كل سورة من القرآن لو قرئ نصفها فى ركعة والنصف الآخر فى ركعة أخرى لجاز، وهذا التنصيف غير جائز فى هذه السورة.
وسميت كذلك بالكافية، جاء ذلك عن عبد الله بن يحيى بن أبى كثير أنه سأله سائل عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، فقال: عن الكافية تسأل؟ قال السائل: وما الكافية؟ قال:
الفاتحة، أما علمت أنها تكفى عن سواها ولا يكفى سواها عنها «١».
بهذه الأسماء والصفات والألقاب سميت الفاتحة، وسميت ووصفت بغيرها أيضا، فقد ذكر الإمام السيوطى فى الأنقاض منها أكثر من ذلك بين ألقاب وصفات جرت على ألسنة القراء والعلماء، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.
ونتابع القول فى سورة الفاتحة بعد أن تناولنا نزولها وأسماءها، بقى أمامنا أمران:
الأول: ما قيل فى البسملة وعدّها من آيات، سورة الفاتحة، والثانى: يحمل المعانى على ترتيبها من التنزيل الكريم.
فأما الأمر الأول: فإن ذكر البسملة بصيغتها الكاملة «بسم الله الرحمن الرحيم» مع سورة الفاتحة وإن كان معناها تقدم فى أولى آيات الكتاب الكريم من سورة العلق فى قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) [العلق] وفى هذا توجيه من بداية التنزيل إلى أن يعود الأمر كله لله سبحانه، فهو رب العالمين، وهو الله الرحمن الرحيم، فبسم الله أى: بالله، ومعنى بالله أى: بخلقه وتقديره، وكذلك من معانيها باسم الله يعنى: بعون الله وتوفيقه وبركته فيذكر اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها؛ حتى يكون الافتتاح ببركة الله- وعلى هذا جاءت التوجيهات القرآنية لتؤكد هذا المعنى وكذلك وردت أحاديث للنبى ﷺ لتأكيده فى أول كل فعل كالأكل والشرب والنحر والجماع والطهارة وركوب البحر إلى غير ذلك من الأفعال قال الله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١١٨]، وقال تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: ٤١]، وقال رسول الله ﷺ : «أغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وقمر إناءك واذكر اسم الله، وأوكئ سقاءك واذكر اسم الله»، وقال ﷺ : «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتى
стр. 118
أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدّر بينهما ولد فى ذلك لم يضره شيطان أبدا». وقال- ﵊ لعمر بن أبى سلمة: «يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك» وقال ﷺ : «إن الشيطان لا يستحل الطعام الذى يذكر اسم الله عليه». وقال: «من لم يتربح فليتربح باسم الله»، وشكا إليه عثمان بن أبى العاص وجعا يجده فى جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : «ضع يدك على الذى تألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»، فهذه التوجيهات كلها ثابتة فى الصحيح كما روى ابن ماجة والترمذى عن النبى ﷺ : «ستر ما بين الجن وعورات بنى آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله»، وروى الدارقطنى عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مس طهوره سمى الله تعالى ثم يفرغ الماء على يديه.
فهذا ما وجه الشرع الحنيف إليه نحو البسملة وذكرها في بداية الأقوال والأفعال وما جعل الله فى ذكر هامش الخير والبركة، وأما اعتبارها من آيات سورة الفاتحة وغيرها فإن للعلماء أقوالا فى ذلك منها:
أولا: إنها آية من القرآن الكريم فى سورة النمل باتفاق الجميع وهى قوله تعالى:
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) [النمل].
ثانيا: إنها آية من كل سورة، وهو قول عبد الله بن المبارك.
ثالثا: إنها آية فى الفاتحة، قال بذلك الشافعى، أما فى سائر السور فتردد قوله، فمرة قال: هى آية من كل سورة، ومرة قال: ليست آية إلا فى الفاتحة وحدها.
رابعا: إنها ليست آية من الفاتحة ولا غيرها، وهو قول مالك وقدم أصحاب هذه الأقوال حججهم فى ذلك، فأما حجة ابن المبارك وكذلك الحجة لأحد قولى الشافعى ما رواه مسلم عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟
قال: «نزلت على آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)» [الكوثر]، ومعنى ذلك أن البسملة ذكرت فيما أنزل من السور الأخرى كسورة الكوثر «١».
стр. 119
وأما حجة الشافعى فى أنها آية من سورة الفاتحة ففيما رواه الدارقطنى من حديث أبى بكر الحنفى عن عبد الحميد بن صفر عن نوح بن أبى بلال عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: «إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين» فاقرءوا:
«بسم الله الرحمن الرحيم» إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثانى وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها».
رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر، وعبد الحميد هذا وثّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين وأبو حاتم يقول فيه: محله الصدق، وكان سفيان الثورى مضيفه ويحمل عليه ونوح بن أبى بلال ثقة مشهور.
لقد ذكرنا فى الجزء السابق بعضا من أقوال العلماء فى اعتبار البسملة من آيات سورة الفاتحة، ونكمل القول فى ذلك مع ذكر الأدلة. فأما قول مالك: بأنها ليست من الفاتحة
ولا غيرها، فإن القرطبى يصحح هذا القول، ويذكر أن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعى الذى لا يختلف فيه.
والأخبار الصحاح التى لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا فى النمل وحدها، ويعنى بذلك قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) [النمل] ويورد القرطبى على ذلك الأدلة الآتية:
ما رواه مسلم عن أبى هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله : قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ولعبدى ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)، قال الله تعالى: حمدنى عبدي، وإذا قال العبد: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) قال الله تعالى أثنى علىّ عبدى، وإذا قال العبد:
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قال: مجدنى عبدى- وقال مرة: فوض إلىّ عبدى- فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) قال: هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) قال: هذا لعبدى ولعبدى ما سأل». فقوله سبحانه: «قسمت الصلاة» يريد الفاتحة، وسماها الصلاة لأن الصلاة؛ لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأولى لنفسه، واختص بها تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها.
ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده؛ لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة
стр. 120
منه، وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات. ومما يدل على أنها ثلاث قوله: هؤلاء لعبدى أخرجه مالك ولم يقل: هاتان، فهذا يدل على أن أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية، قال ابن بكير قال مالك: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية ثم الآية السابعة إلى آخرها، فثبت بهذه القسمة التى قسمها الله تعالى، وبقوله- ﵊ لأبيّ: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟» قال: فقرأت الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) حتى أتيت على آخرها- إن البسملة ليست آية منها، وكذا عد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة وأكثر القراء عدوا أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية وكذا روى قتادة عن أبى نضرة عن أبى هريرة قال: الآية السادسة: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها «بسم الله الرحمن الرحيم» ولم يعدوا أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
وبعد أن يصحح القرطبى قول مالك السابق يورد بعض الاعتراضات، ويجيب عنها فيقول «١»: إن قيل: فإنها ثابتة فى المصحف ومكتوبة بخطه ونقلب نقله كما نقلت فى النمل، وذلك متواتر عنهم. قلنا: ما ذكرتموه صحيح، ولكن لكونها قرآنا، أو لكونها فاصلة بين السور، كما روى عن الصحابة- رضوان الله عليهم: كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل: «بسم الله الرحمن الرحيم» أخرجه أبو داود، أو تبركا بها، كما قد اتفقت الأمة على كتابتها فى أوائل الكتب والرسائل، كل ذلك محتمل. وقد قال الجريرى: سئل الحسن عن «بسم الله الرحمن الرحيم» قال: فى صدور الرسائل، وقال الحسن أيضا: لم تنزل «بسم الله الرحمن الرحيم» فى شيء من القرآن إلا فى «طس» (آية) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) [النمل] والفيصل وأن القرآن لا يثبت بالنظر والاستدلال، وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعى الاضطرارى، ثم قد اضطرب قول الشافعى فيها فى أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة، والحمد لله.
فإن قيل: فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولى الدارقطنى جمع ذلك فى جزء صححه، قلنا: لسنا نفكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليه، ولنا أخبار ثابتة فى مقابلتها رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات، فقد روت عائشة أم المؤمنين ﵂ فى صحيح مسلم قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين. الحديث.
стр. 121
وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبى ﷺ وأبى بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم» لا فى أول قراءة ولا فى آخرها.
يقول القرطبى: ثم إن مذهبنا يترجح فى ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول وذلك أن مسجد النبى ﷺ بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة والدهور، من لدن رسول الله ﷺ إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط: «بسم الله الرحمن الرحيم» اتباعا للسنة، وهذا يرد أحاديثكم.
بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها فى النفل، وعليه تحمل الآثار الواردة فى قراءتها، أو على السنة فى ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ بها فى النافلة، ومن يعرض القرآن الكريم عرضا.
هذه مجموعة الأقوال فى البسملة ومنها يتضح لنا أنه لا خلاف بين العلماء فى أن «بسم الله الرحمن الرحيم» من القرآن الكريم كما جاء فى قوله تعالى من سورة النمل:
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) [النمل] فهى جزء من آية.
وإنما الخلاف فى هل هى آية من سورة الفاتحة، ومن أوائل السور غير براءة أى أن الاختلاف ليس فى كونها قرآنا، ولكنه فى تكرر قرآنيتها، والله الهادى إلى سواء السبيل.
لقد تناولنا فى الأجزاء السابقة. ما يتصل بنزول الفاتحة وما يتعلق بآياتها، ونتناول الآن ترتيب ما تضمنته من المعانى حسب النزول، لقد جاءت معانى سورة الفاتحة جامعة حتى عدت السورة ولقبت بأم الكتاب، وكان نزولها بعد السور السابقة، وما تضمنته من توجيه الخلق إلى الله والقراءة باسمه والعمل له وتدبر آياته، وأن المصير
إليه، وما تضمنت من تدعيم للمؤمنين، والشد من أزرهم بدءا برسول الله ﷺ ، وبيان حال الطوائف المعادية من المشركين وغيرهم، والتفصيل فى وجوه الإنذار، وكل هذه المعانى جعلت حركة الدعوة تزداد قوة ونشاطا وظهورا كما ازداد عدد المؤمنين، وأصبح لهم كيان بشرى ملموس أى صاروا جماعة تتكون من الرسول ﷺ والذين معه من المؤمنين والمؤمنات، وكان نزول الفاتحة لتعليم المؤمنين وتوجيههم إلى أصول عامة وقواعد كلية فى علاقتهم بربهم، وفى علاقتهم فيما بينهم، وفى سلوكهم، وفى الحذر مما يضرهم،
стр. 122
فهى إذن رعاية من الله ﵎ لهؤلاء المؤمنين فى مسيرتهم، وهذه الأصول الجامعة فيما يلى:
أولا: توجيه المؤمنين إلى الحمد أى إلى الثناء الكامل على الله وحده، فله الثناء الحسن الجميل، وهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه، إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ومع بذل غاية الجهد البشرى فى الثناء على الله لا يصلون إلى ما يستحق الخالق البارئ المصور المنعم- ﷻ ولذلك جاء فى دعوات النبى ﷺ : «لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» فلله الحمد وله الشكر كذلك على ما أولى من الإحسان؛ ولذلك روى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وإن آدم ﵇ قال حين عطس: الحمد لله، وقال الله لنوح ﵇: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) [المؤمنون]، وقال إبراهيم ﵇: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: ٣٩]، وقال فى قصة داود وسليمان وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) [النمل] وقال لنبيه ﷺ :
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: ١١١] وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤]، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس:
١٠] فهى كلمة كل شاكر.
فتوجيه المؤمنين إلى الحمد توجيه إلى ما يرضى الرب سبحانه، ويربى فى المؤمنين الحسن المرهف الذى يقدر النعمة ويقدم الشكر لمسديها، وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام والإيمان والهداية، فعن أبى هريرة ﵁ وكذلك عن أبى سعيد الخدرى ﵁ عن النبى ﷺ قال: «إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: صدق عبدى، الحمد لى» وروى مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها».
فالحمد لله.
ثانيا: التوجيه الثانى يتضمن الإقرار بالربوبية، فالله سبحانه الذى يستحق الحمد وحده هو رب العالمين مالكهم ومربيهم. والعالمون جمع عالم وهو كما يقول قتادة:
كل موجود سوى الله تعالى «١» فيشمل كل مخلوق وموجود، وهذا ما ذكر من قوله
стр. 123
تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [الشعراء].
ثالثا: التوجيه إلى التعيين فى ربكم «رحمن رحيم»، وعلى ذلك يكون المؤمن دائما بين الخشية والرغبة فما يستشعره من الربوبية مع الرحمة تجعله خائفا من غضب الله وعذابه راجيا فى رحمته وثوابه ورضاه.
رابعا: إن الذى بيده الملك فى الدنيا هو مالك يوم الدين فدنياكم بيده وأخراكم بيده فلا تجعلوا له أندادا.
خامسا: التوجيه إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة المؤمنين، والتكلم بلسان هذه الجماعة فى بيان منهج حياتها، وفى بيان صلتها بربها، وفى طلب الخير والنجاة لها فى سلامتها من انحراف الخارجين. ويبدأ هذا التوجيه والإرشاد فى قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) فالحديث هنا بلسان الجماعة التى عرفت ربها، وأيقنت بهيمنته وأنه رحمن رحيم يستحق العبادة وحده ومنه العون والتوفيق.
стр. 124
سورة «المسد»
فمع روضة جديدة من رياض القرآن الكريم مع سورة «المسد» وقد نزلت بعد سورة الفاتحة التى جمعت الأصول العامة، ووجهت إلى الثناء الحسن الجميل على الخالق العظيم رب العالمين الرحمن الرحيم من له الآخرة الأولى، وإياه نعبد، وبه وحده نستعين، ومنه تطلب الهداية إلى ما عرفنا من طريق مستقيم، طريق من أنعم الله عليهم وأن يجنبنا طريق من ضل وطريق من غضب الله عليهم، وعلى ذلك فإن معالم الدعوة صارت واضحة، وإن أصناف الناس صارت معلومة فمنهم المهتدون، ومنهم المشركون، ومنهم الضالون، ومنهم من غضب الله عليهم، وعلى ذلك يستطيع المسلمون أن يعرفوا من أين يأتيهم الخطر، وكيف تكون التحديات.
وتنزل سورة «المسد» وعيدا وتهديدا لمن يقف فى طريق الدعوة وتقريرا لوقوع الهلاك الحتمى بمن توعد رسول الله ﷺ ظلما وعدوانا، كما تبين أن هذا التحدى قد يكون من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ وهذا من دلائل عالمية الدعوة، وإدراك الناس لهذه الحقيقة، فلو كانت دعوة قبلية، أو محدودة ما توقع أحد أن يقف عم للنبى ﷺ فى وجهه وأن يقول له تبا لك، وأن يجند ماله وأهله فى محاربة رسول الله ﷺ .
روى البخارى عن ابن عباس ﵄ أن النبى ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش فقال: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوننى؟» قالوا: نعم، قال: «فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد»، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا، تبا لك، فأنزل الله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)، وفى رواية فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) الأولى دعاء عليه والثانية خبر عنه. ومن دلائل الإعجاز فى هذه السورة الكريمة وجود هذا الإخبار عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، والاستمرار على ذلك فلم يؤمنا ولم يؤمن واحد منهما لا باطنا ولا ظاهرا، لا مسرا ولا معلنا فكان هذا كما يقول ابن كثير ﵀: من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة.
وأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب،
стр. 125
وقيل فى تسميته بأبى لهب: لإشراق وجهه، ولكن لم يكن إشراقه بإيمان بل كان إشراق إحراق فوجه هذا كان يخفى غيظا وحقدا وبغضا وازدراء وتنقصا لرسول الله ﷺ ، وكان من مظاهر هذا البغض أن يسير خلف الرسول ﷺ وهو يدعو الناس ليصرف الناس عنه ويحذرهم منه. فهذا ربيعة بن عباد الديلى يقول: إنى لمع أبى؛ رجل شاب أنظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل ووراءه رجل أحول وضىء الوجه ذو جمة يقف رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: «يا بنى فلان، إنى رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا، وأن تصدقونى وتمنعونى حتى أنفذ عن الله ما بعثنى به»، وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بنى فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيس إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تسمعوا له ولا تتبعوه، فقلت لأبى: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب.
رواه أحمد والطبرانى بهذا اللفظ.
وكان من مظاهر هذا الحقد كذلك أن يستعمل ماله فى هذه الحرب. فيقول السهيلى: كانت الصحابة إذا قدمت عير إلى مكة يأتى أحدهم السوق ليشترى شيئا من الطعام قوتا لعياله فيقوم أبو لهب فيقول: يا معشر التجار: غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئا، وقد علمتم مالى ووفاء ذمتى، فأنا هنا من لا كساد عليكم فيزيدون عليهم فى السلعة قيمتها أضعافا، حتى يرجع أحدهم إلى أطفاله يتضاغون من الجوع، وليس فى يده شىء يطعمهم به، ويعدو التجار على أبى لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعا وعريا. فكان عداؤه وحقده فى جهده وسعيه وماله.
وكان من مظاهر هذا الحقد وهذه العداوة هذا التظاهر على الأذى من أبى لهب وزوجته أم جميل واسمها أروى بنت حرب، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، وكانت تضع الشوك فى طريق رسول الله ﷺ ، وكانت تمشى بالنميمة.
جاءت مرة وهو جالس بالمسجد وبيدها حجر تريد أن تضربه به فصرف الله بصرها عنه، فلا ترى إلا أبا بكر فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغنى أنه يهجونى والله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه، أما والله إنى لشاعرة، ثم قالت شعرا تهجو به الرسول:
مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا
стр. 126
ثم انصرفت، وقال أبو بكر يا رسول الله: أما تراها رأتك؟ فقال ﷺ : «ما رأتنى لقد أخذ الله بصرها عنى».
وتشم فى كلام امرأة أبى لهب رائحة الاستعلاء القائم على الحسد فعند ما تطرح الشوك على الطريق أمام رسول الله ﷺ حسدا وحقدا- فهذا عمل عادى، لا تلام عليه، بل لا تريد أن تسمى به أى أحزنها أن تسمى «حمالة الحطب» وناقضت شهادة أهل مكة جميعا فى رسول الله ﷺ عند ما هجت وقالت: «مذمما» وهو محمد صاحب الخلق العظيم عند من آمن به، وعند من لم يؤمن به، ولكنه رفض وكره ما جاء به دون تفكير. قاتل الله الحسد فكم أعمى قلوب البشر فحرمهم مما فيه خيرهم.
لقد تناولنا فى الجزء السابق ذكر سورة المسد ونتابع القول فيها وفيما ذكر من أسباب نزولها، ونبدأ بذكر ما ورد فى سبب نزولها مما يتعلق بآية كريمة من سورة الشعراء وهى قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) [الشعراء] وسورة الشعراء مكية فى قول الجمهور، وقال مقاتل: منها مدنى، الآية التى يذكر فيها الشعراء وقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧)، وقال ابن عباس وقتادة: مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) إلى آخرها «١».
والذى يرجح نزول الآية الكريمة: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) قبل سورة المسد مجموعة من الروايات الصحيحة منها:
الحديث الأول: قال الإمام أحمد ﵁: حدثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) أتى النبى ﷺ الصفا فصعد عليه ثم نادى «يا صباحاه» فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله فقال رسول الله ﷺ :
«يا بني عبد المطلب، يا بنى فهر، يا بنى لؤى، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتمونى؟» قالوا: نعم. قال: «فإنى نذير لكم بين يدى
عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، ورواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من طرق عن الأعمش به.
الحديث الثانى: قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بنى عبد المطلب لا أملك لكم من
стр. 127
الله شيئا سلونى من مالى ما شئتم» انفرد به مسلم.
ويذكر الإمام ابن كثير مجموعة الروايات الأخرى فى تفسيره. فهذه الآية الكريمة إذن يأتى ترتيب نزولها قبل سورة المسد، وإذا كان النبى ﷺ قد أمر قبل ذلك فى سورة المدثر بقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) [المدثر] فإن الأمر هنا موجه إلى العشيرة الأقربين، ولا يفهم من هذا ما فهمه المغرضون من أن الدعوة إذن خاصة بالأقربين وليست عامة، وهذا فهم ترده النصوص الصريحة من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله ﷺ ، ومن واقع الدعوة، فالآيات الكريمة تصرح بأن الرسول الكريم أرسل للناس كافة بشيرا ونذيرا، وأنه أرسل رحمة للعالمين وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء] فهو بتصريح الآيات الكريمة أرسل للناس أجمعين ويذكر رسول الله ﷺ هذا المعنى فى أن كل نبى كان يرسل إلى قومه خاصة وبعث إلى الناس عامة وإلى كل أحمر وأسود.
وأما واقع الدعوة فإن الرسول ﷺ خاطب الناس جميعا وأرسل رسله وكتبه إلى ملوك الأرض دون تفريق وشاء الله أن يشتهر من صحابته- رضوان الله عليهم- من ينتمون إلى غير العرب فبلال مؤذنه- رضوان الله عليه- حبشى، وصهيب الذى ربح فى بيعه روميّ، وسلمان الذى قربه رسول ﷺ فارسى، وهكذا يكون الفهم لهذه الآية الكريمة مع الآيات الكريمة الأخرى؛ أنها تبين مراحل الدعوة واتساعها الطبيعى، فيبدأ الرسول ﷺ بدعوة زوجته أم المؤمنين خديجة ﵂ ويدعو صديقه أبا بكر وأهل البيت والعشيرة الأقربين وأهل مكة أم القرى، ثم من حولها، ثم ترسل الكتب إلى الأمم جميعا، وهكذا فهم أصحاب النبى ﷺ وواصلوا مسيرة الدعوة بعد رسول الله ﷺ . وأشار الإمام ابن كثير- ﵀ إلى هذا عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فيقول: وهذه النذارة الخاصة لا تنافى العامة بل هى فرد من أجزائها كما قال تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) [يس]، وقال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الشورى: ٧]، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) [مريم] وقال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩] كما قال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود: ١٧]، وفى صحيح مسلم: «والذى نفسى بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى ثم لا يؤمن بى إلا دخل النار» «١».
стр. 128
وأنذر الرسول الكريم عشيرته الأقربين فآمن من آمن وهلك من أعرض، وتوعد وخسر فى الدنيا والآخرة فلم تنجه قرابته من رسول الله ﷺ ، وفى ذلك تنبيه من اللحظات الأولى فى الدعوة أن الأنساب لا تغنى عنهم من الله شيئا؛ ولذلك جاء هذا المعنى صريحا من النبى ﷺ فى الحديث السابق، والذى خاطب فيه فاطمة وصفية وبنى عبد المطلب كما أنه لن يغنى عن الكافرين أموالهم ولا أولادهم.
ذكر عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخى حقا فإنى أفتدى نفسى يوم القيامة من العذاب بمالى وولدى فأنزل الله تعالى: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢).
كما ينبه الناس فى هذه السورة الكريمة إلى أن الجزاء من جنس العمل فخسرت يداه وشقى لاستعمال يديه فى أذى رسول الله ﷺ ، واللقب الذى لقب به لإشراق وجهه، واستعمال هذا الوجه فى صد الناس عن رسول الله ﷺ ما يناسبه من نار ذات لهب، وامرأته التى كانت تحمل الحطب وتسعى بالنميمة سيكون فى عنقها حبل من نار جهنم.
نعوذ بالله من النار وما يقربنا إليها.
стр. 129
سورة «التكوير»
ومع روضة جديدة من روضات القرآن الكريم مع سورة التكوير، والتى نزلت بعد سورة المسد وهى مكية كلها بالإجماع. وجاء فى ذكر هذه السورة وما تستعمل عليه ما رواه أبو عبد الله الحاكم فى صحيحه من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ قول الله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ»، وأخرجه أحمد فى مسنده وإسناده صحيح ووافق الذهبى تصحيح الحاكم وأورده السيوطى فى الدر المنثور «١».
وتأتى هذه السورة لتضع أمام الناس مشاهد كونية تجمع بين العظمة والنعمة، والناس يشاهدونها وينعمون بها ليلا ونهارا، ولكن استمرارها واستغراق الناس فيها
يجعل بعضهم فى غفلة منها تنسيه خالقها ومسيرها، والمتفضل بتسخيرها ؛ ولذلك نجد السورة الكريمة تطرق آذان الناس وأبصارهم وحواسهم، وتوقفهم على آيات العظمة والنعمة، وحتى تتبدل وتتغير وتتحول ويحدث فيها تغير هائل، وفى وسط هذه الآيات الباهرة، وما تحدثه فى نفس السامع ينبه إلى خطأ اجتماعى قاتل يدل على قسوة بالغة فى القلوب يعالجه القرآن الكريم مع هذه الزلزلة القلبية والعقلية؛ لأنه خطأ ضخم ضخامة هذه الآيات وضخامة هذا التعبير الكونى.
إنه تنبيه إلى حقيقة الآيات والتنعم بها وتنبيه إلى مسئولية الإنسان عن عمله، والتسجيل الدقيق عليه وتنبيه إلى الأخطاء التى يقعون فيها، وإلى المصير الذى سيصلون إليه.
فهذه المعانى على ترتيبها البديع فى قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤).
فإذا أظلمت الشمس بعد ضوئها وحراراتها، أو ذهبت أو اضمحلت أو غورت أو
стр. 130
فنيت ومحيت، وكل ذلك جاء فى معنى كُوِّرَتْ وتؤدى إلى معنى ذهاب هذه النعمة والوقوع فى الظلمة وعدم الانتفاع بتسخير الله للشمس وقت النهار. وإظلامها دليل قدرة ودليل ذهاب نعمة نهارية.
وإذا النجوم التى يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر تناثرت وتهافتت، وتناثرها دليل قدرة وكذلك ذهاب نعمة ليلية.
وإذا الجبال الرواسى الشامخة سيرت عن وجه الأرض فاستوت مع الأرض، وهذا دليل قدرة وقوة، وذهاب نعمة ثبات الأرض التى أرسيت بالجبال، وإذا النواق الحوامل الْعِشارُ والتى يتعلق الناس بها للخير الذى أودعه الله فيها فهى أنفس مال العرب عندهم، لم تجد اهتمام الناس بها فسيبت وأهملت لاشتغال الناس بأهوال القيامة.
وإذا الوحوش ماتت- على قول ابن عباس- أو جمعت إلى القيامة للقصاص فهى مع توحشها لا تفلت، وإذا البحار سُجِّرَتْ فاشتعلت نارا، أو يبست أو ملئت بأن صارت بحرا واحدا وكثر ماؤها. وإذا النفوس قرنت بأشكالها الصالح مع الصالح والفاجر مع الفاجر، أو ردت الأرواح إلى الأحياء فزوجت بها، أو زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين، وأنفس الكافرين بالشياطين. وإذا البنت التى دفنت وهى حية وكان هذا من فعلهم فى الجاهلية، وفى سؤالها تبكيت لقاتليها فى القيامة، لأن جوابها قتلت بغير ذنب وهذا دليل قسوة قلبية أن تقوم الأم وهى أحن الناس على ولدها بهذا الصنيع، فيقول ابن عباس ﵄: كانت المرأة فى الجاهلية إذا حملت، فكان أوان ولادها حفرت حفرة فمخضت على رأس الحفيرة، فإن ولدت جارية رمت بها فى الحفيرة، وإن ولدت غلاما حبسته «١».
وإذا الصحف نشرت أى صحائف أعمال بنى آدم تنشر للحساب، وإذا السماء نزعت فطويت أو قلعت كما يقلع السقف، وإذا الجحيم أو قدت مرة، بعد مرة وإذا الجنة قربت من المتقين، وإذا حدثت هذه الأشياء التى تتعلق بآيات كونية تتبدل إلى ما يهول ويعظم، وتتعلق بنعم لا غنى للإنسان عنها حوله وفى بيته وفى مطعمه ومشربه، ومنها ما يتصل بسلوكه وحسه وعمله، ومنها ما يتصل بمصيره، وكما ذكر ابن عباس ﵄ من أول السورة إلى هاهنا اثنتى عشرة خصلة: ستة فى الدنيا، وستة فى الآخرة، إذا حدثت هذه علمت نفس ما أحضرت، أى علمت فى ذلك الوقت كل نفس
стр. 131
ما أحضرت من عمل فأثيبت على قدر عملها.
لقد مر التذكر ببعض الآيات الكونية فى السورة السابقة ولكنها جمعت هنا وفصلت بطريقة تلفت الانتباه وتبين عظيم النعمة وخطورة المسئولية عما يقدمه الإنسان ويراه ويوم تتبدل هذه الآيات.
كما بدأت السورة بمعالجة وضع المرأة الاجتماعى فى أخطر ما كانت تتعرض له من الوأد الذى يدل على قلوب قاسية من ناحية، وعلى عدم الثقة فى رزق الله من ناحية أخرى فهو لفقر أو لخوف عار.
والأمران مرفوضان فالرزاق هو خالق هذه الآيات التى تشاهدونها، ويحكم إمساكه بها وهو القادر عليها فيغيرها عند القيامة فثقوا برزقه، ورققوا قلوبكم نحو بناتكم فهن الضعيفات ولا ذنب لهن، وأحسنوا تربيتهن على ما يأتيكم من وحى ربكم.
فإنه عقب استنفار الفكر والقلب للوقوف على آيات القدرة وآيات النعمة السابقة فى مطلع السورة الكريمة؛ لتهيئة النفوس لتكون على مستوى المسئولية نحو عملها الذى سيعرض عليها عند ما تنشر الصحف ويعلم الإنسان ما قدم، تعرض آيات كونية أخرى لقضية أخرى، لها أهميتها القصوى فى حدوث الاطمئنان القلبى إلى ما جاء به الرسول ﷺ من وحى ربه، وأنه لا يتطرق إليه أى شك فمسيرة الوحى من الله العزيز العليم إلى رسول الله محمد ﷺ حفت بالأمانة والقوة فلا يتسرب إليه أى عبث، ولا تستطيع الشياطين أن تعبث بهذا الوحى لأن حامله قوى يرهب جانبه وأمين لا يفرط فيه.
وأنه ينزل على رسول الله ﷺ وقد عرفته من المرة الأولى فرأت صورته، وعرفت صوته، وما يأتى به يأخذ مكانه إلى قلب النبى ﷺ ويخرج إلى الناس بلسان عربى مبين، وبعد هذا التطمين يصبح الإنسان على يقين من سلامة المنهج ولا يكون أمامه إلا الامتثال لما جاء به الوحى إن أراد أن يستقيم فأين يذهب؟ وما عليه كذلك إلا أن يطلب العون والهداية من رب العالمين فهو الهادى والموفق إلى الصراط المستقيم.
فهذه الحقيقة الكبرى التى تطمئن الإنسان على مسيرة الوحى، يقدم لها بقسم يلفت الانتباه إلى آيات كونية غاية فى الوضوح والجلاء، إنها آيات الظلمة والنور، آيات الوضوح والإيهام حيث يصبح التمييز بين هذه الآيات تمييزا لا يعجز عنه إنسان فكل آدمى لا يعجزه أن يفرق بين ليل مظلم وصبح مشرق فيقول الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ
стр. 132
بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩).
فالقسم الذى يؤكد به على المعنى الكبير من سلامة طريق الوحى بالنجوم التى تخنس بالنهار وإذا غربت، وتكنس فى وقت غروبها أى تتأخر عن البصر لخفائها فلا ترى، والليل إذا عسعس أى: أدبر بظلامه، أو أقبل بظلامه، ويرى المبرد أنه من الأضداد والمعنيان يرجعان إلى شىء واحد وهو ابتداء الظلام فى أوله وإدباره فى آخره. والصبح إذا تنفس أى: امتد حتى يصير نهارا واضحا. والتذكير فى هذا القسم بهذه الآيات الكونية لوضوح الفرق بينها وبين الظلمة والنور فهى آيات بينة، ولا يختلط الأمر فيها على أحد.
وكذلك الحال فى المقسم عليه فجواب القسم إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) والرسول الكريم هنا هو جبريل حامل الوحى عن الله، سبحانه فهو كريم على الله ووصف كذلك بصفتين مناسبتين للاطمئنان فهو ذو قوة ظاهرة، فروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: من قوته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه، ومعنى القوة أى: لا يستطيع شيطان أن يسلب منه شيئا من وحى الله تعالى، وهو كذلك ذو مكانة ومنزلة ومطاع فى السماوات من الملائكة، والصفة الأساسية كذلك فى الاطمئنان على طريق الوحى الأمانة وهو أمين أى مؤتمن على الوحى الذى يجيء به، وأما رسول الله محمد ﷺ فليس كما قال المشركون: بأنه مجنون حتى يتهم فى قوله.
كما أن الرسول ﷺ رأى جبريل فى صورته التى خلق عليها بالأفق المبين، فليس مجهولا عنده أو يختلط عليه الأمر فيه. فمع هذا الاطمئنان فإن رسول الله ﷺ يبلغ إليكم ما يؤمر به فليس هو على الغيب ببخيل بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه، فالقرآن وصل إذن إليكم بهذا الطريق المأمون. فليس بقول شيطان مرجوم ملعون- كما قالت قريش- فإلى أين تعدلون عن هذا القول وعن طاعته؟ إن هو- أى القرآن الكريم- إلا ذكر للعالمين فى الموعظة، وفيه الهداية للتى هى أقوم لمن أراد اتباع الحق والإقامة
стр. 133
عليه، وقال أبو هريرة وسليمان بن موسى: لما نزلت لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، وهذا هو القدر، وهو إذن رأس القدرية فنزلت: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله، ولا شرا إلا باختياره، وقال الحسن: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاء الله لها، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ [الأنعام: ١١١]، وقال تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٤٥]، وقال تعالى:
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦] «١».
فلا تعارض بين مشيئة الله تعالى، وما منح الله عبده من حرية الاختيار وأن تكون له مشيئة يحاسب عليها.
стр. 134
سورة «الأعلى»
ومع روضة جديدة من روضات القرآن الكريم مع سورة الأعلى، وقد نزلت بعد سورة التكوير فهى سورة مكية، روى البخارى حديثا جاء عن البراء بن عازب ﵁ قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبى ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرءاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب فى عشرين ثم جاء النبى ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء فما جاء حتى قرأت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فى سورة مثلها «١» وانفرد الإمام أحمد برواية عن على ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وثبت فى الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى» كما روى الإمام أحمد ﵁ أيضا- عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ فى العيدين بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا، وقد روى ذلك- أيضا- الإمام مسلم- ﵀ فى صحيحه.
وفتح هذه السورة بالأمر الكريم من الله سبحانه بالتسبيح سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)، ويأتى هذا التسبيح بعد ذكر الآيات الكونية العظيمة السابقة فى سورة التكوير ويستمر التذكير بآيات الله سبحانه فى خلقه فى سورة الأعلى، فهو الرب الأعلى، وهو الذى خلق فأحسن كل شىء خلقه، ويرى الناس هذا جليا فى الآيات المحيطة بهم، وكان هدى الرسول ﷺ أن يستجيب لهذا الأمر على الفور، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال:
«سبحان ربى الأعلى»، وهذا تنبيه صريح مباشر لما ينبغى أن يكون عليه المسلم نحو آيات الله الكونية، وأن ينظر فيها نظرة تأمل واعتبار؛ ليقف فيها على عظيم صنع ربه الأعلى، فيمتلئ القلب خشية وحبا، ويهتف اللسان بالتسبيح والتنزيه والذكر لله
стр. 135
سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. وهذا شأن أولى الألباب كما جاء ذكر هذا المعنى فى قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) [آل عمران].
فالله سبحانه خلق مخلوقاته دالة على كمال القدرة وأن أتقن كل شىء كان، وقدر للخلائق ما شاء وهدى إليه كما ثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء»، وترى آيات هداية المخلوقات لما خلقت له فى كل شىء؛ فى الطفل الذى يخرج من بطن أمه- مثلا- لا يعلم شيئا فمن الذى هداه إلى مكان غذائه؟ ومن الذى هداه إلى كيفية تقلصات عضلات وجهه ليمتص لبنه؟ إنه سبحانه الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣)، وقس على ذلك جميع المخلوقات من حيوانات وطيور، ونباتات وغيرها فتبارك الله أحسن الخالقين. وهو الذى أنزل من السماء ماء فأنبت به أزواجا من نبات شتى ليرتع فيه الناس والبهائم، ولكى يتحول هذا من الخضرة إلى السواد وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥).
إن هذا الفتح القرآنى لقلوب الناس وعقولها للتأمل فى آيات الله الكونية يحرك العقول ويصقل القلوب، ويجعلها أهلا للترقى والإقلاع من الجاهلية بعقائدها وسلوكها وأخلاقها، ومع حرص الرسول ﷺ على تلقى آيات الله الكريمة التى ينزل بها جبريل ﵇ وحفظها، وخاصة أن السور تتتابع فى نزولها المبارك، يأتى وعد الله سبحانه فى منته على رسوله وعلى العالمين فى أنه سبحانه سيحفظ رسوله ما يوجه إليه من الكتاب العزيز فلا ينسى منه شيئا سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ واقتضت حكمته ألا ينسيه إياه لحكمة أو تيسير يريده بخلقه فهو يعلم الجهر وما يخفى، كما تأتى البشائر المفصلة بهذا المعنى، والتى تعرض للناس فى بدايات الوحى خصائص ما أرسل به رسول الله ﷺ من البشر فى أمره كله فيما يوحيه الله من عقائد وعبادات ومعاملات وسلوك، فما جعل الله على خلقه من حرج وإنما يريد بهم اليسر فى الأمر كله.
وهكذا كان شأن رسول الله ﷺ ومنهجه فما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) ومع هذه الآيات الكونية ومع آيات الوحى المنزل ذكّر الناس فإن الذكرى نافعة، ولكن الناس مع التذكر ليسوا سواء فمنهم من
стр. 136
يستجيب للذكرى، ومنهم من يغلق قلبه وعقله فلا ينتفع بها فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) وتبقى رعاية الرب الأعلى الذى نسبح بحمده مستمرة بخلقه فى نهاية السورة، حيث تحفز الآيات الهمم للانتفاع بتذكر الرسول ﷺ والتحذير من سبيل الأشقياء، فالأشقى هو الذى يتجنب التذكرة فيصلى النار الكبرى، لا يقضى عليه فيموت ولا يخفف عنه من عذابها، وأما من ينتفع بالذكرى فهو من المفلحين الذين طهروا نفوسهم بها من الشرك والظلم ومساوئ الأخلاق، وذكر ربه فى كل أحواله وأقام الصلاة لذكره.
وفى ختام السورة الكريمة نجد التذكير بحقيقتين: الأولى: ما يكون عليه حال الناس من تقديم العاجل على الآجل واختيار الحياة المحدودة على الحياة الأخرى، والتى هى خير وأبقى، وفى ذكر هذه القضية لفت نظر لمن يقع فى هذا الاختيار الذى ليس فى صالح الإنسان فالمؤمن العاقل لا يختار المتاع القليل ويترك النعيم المقيم، إنه يجنى ثمرة الدارين فى استقامته على الصراط المستقيم.
الحقيقة الثانية: أن هذا الخير المذكور هو فضل الله على خلقه فى الأمم جميعا فإن وحى الله وهدايته قد وجهت إلى البشرية جميعا منذ آدم ﵇، وأن هذا المذكور فى سورة الأعلى والذى تقرأه: أنه محمد ﷺ : لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) ﵉.
стр. 137
سورة «الليل»
ومع روضة جديدة من روضات القرآن الكريم مع سورة الليل. وهى سورة مكية نزلت بعد سورة الأعلى، والذى يشد انتباهنا فى ترتيب هذا التنزيل المبارك تتابع الحديث عن آيات الله سبحانه فى هذا الكون الكبير فى السور الكريمة السابقة، وفى هذه السورة وما نزل بعدها من سورة الفجر وسورة الضحى. أنها تبعث الإنسان من نومه ليفكر فيما حوله، وليتنبه من الاستغراق فى هذه النعم ليذوق حلاوتها، وليستثمرها ويشكر المتفضل بها سبحانه، فالليل والنهار آيتان عظيمتان جعلهما الله فى
حياة الإنسان وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ [الإسراء: ١٢] إنهما يمثلان صفحة من كتاب العمر الذى يضم بين دفتيه الأيام والليالى، والإنسان فى الليل والنهار، بنوعيه الذكر والأنثى ليس على حالة واحدة إنه فى تفرقة العقدى وتفرقة الخلقى وتفرقه السلوكى يشبه الليل والنهار فى الظلمة والنور، ولكن الليل مع ظلامه مسخر لسكن هذا الإنسان ونومه، والنهار كذلك مسخر لحركة الإنسان ومعاشه ونشاطه.
وكذلك للذكورة خصائصها ووظيفتها التى تلائمها وللأنوثة- أيضا- خصائصها ووظائفها، فعلى الرغم من اختلاف هذه الآيات الكونية فى الخلق، فإن لكل آية بتسخير الله سبحانه لها وظيفة ومهنة، أما تفرق السلوك الإنسانى والسعى البشرى فهو تفرق لا يتلاءم مع نعمة الله عليه، فإن من صفت نفسه وسما قلبه ونظر فى آيات ربه سيكون سلوكه سلوك التقى المعطى والمصدق بالحسنى، فيزيده الله توفيقا وتيسيرا، وأما من لم يفتح لآيات الله قلبه وعقله فسيكون على الطرف الآخر فى سلوكه تكذيبا وبخلا واستغناء، ولا يغنى عنه استغناؤه ويزيده الله من جنس عمله.
قال الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) ونزول السورة الكريمة بهذه المعانى التى تحفز همم المتقين المعظمين المصدقين، والتى تحذر الفريق الآخر المكذب البخيل تدل على ترشيد الوحى المستمر لمسيرة الدعوة وتفاعل الناس معها، قال ابن جرير وذكر أن هذه
стр. 138
الآية نزلت فى أبى بكر الصديق ﵁: حدثنا مروان بن إدريس الأصم حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربى حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق ﵁ عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر الصديق ﵁ يعتق على الإسلام بمكة فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن فقال له أبوه: أى بنى أراك تعتق أناسا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك فقال: أى أبت إنما أريد- أظنه قال- ما عند الله، قال:
فحدثنى بعض أهل بيتى أن هذه الآية نزلت فيه فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) «١».
وترسى هذه السورة الكريمة مجموعة من القيم وتدعمها فمنها: الدعوة إلى العمل الصالح وعدم التعلل بالمكتوب فى ترك العمل، فكلّ ميسر لما خلق له، فالله سبحانه يجازى من قصد الخير بالتوفيق له ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر.
وقد تضافرت الأدلة من أحاديث النبى ﷺ على ذلك منها رواية أبى بكر ﵁ والتى يقول فيها: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مستأنف؟ قال: «بل على أمر قد فرغ منه»، قال: ففيم العمل يا رسول الله؟، قال: «كلّ ميسر لما خلق له». رواه الإمام أحمد، ومنها ما رواه البخارى ﵁ عن علىّ ﵁ قال: كنا فى جنازة فى بقيع الغرقد فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة «٢» فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من أحد- أو ما من نفس منفوسة- إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة»، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: «أما أهل السعادة فيسيرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيسيرون إلى عمل أهل الشقاء ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)، وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعيد بن عبيدة به.
ومنها كذلك ما روى عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: يا رسول الله: أتعمل لأمر قد فرغ منه، أو لأمر تستأنفه؟ فقال: «لأمر قد فرغ منه» فقال سراقة: ففيم
стр. 139
العمل إذن؟ فقال رسول الله ﷺ : «كل عامل ميسر لعمله» رواه ابن جرير ورواه مسلم عن أبى الطاهرة.
ومنها ما رواه ابن جرير كذلك عن بشير بن كعب العدوى قال: سأل غلامان شابان النبى ﷺ فقالا: يا رسول الله أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو فى شىء يستأنف؟، فقال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير»، قالا:
ففيم العمل إذا؟ قال: «اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذى خلق له»، قالا: نجدّ ونعمل. وهذا الفهم وتلك الاستجابة من الشابين هى المقصودة، أن نجدّ ونعمل بما أمرنا.
ومن هذه القيم البذل والعطاء حتى يتكافل الناس ولا يقع إنسان فى آلامه صريع الحاجة، روى ابن جرير عن أبى الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم غربت فيه شمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين:
اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا»، وأنزل الله فى ذلك القرآن: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) ورواه ابن أبى حاتم عن أبيه «١» عن ابن أبى كبشة بإسناده مثله.
ونتابع القول فى سورة الليل وما تضمنته من معان وقيم، يقول الله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلَّا
الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى
(٢١).
فمن هذه القيم العظيمة التى ترسيها هذه السورة، الاطمئنان إلى فضل الله بعباده ورحمته بخلقه فى هداية الفطرة من ناحية، فهو الذى خلق فسوى وقدّر فهدى، كما مر بنا فى السورة السابقة، ومن فضله كذلك ما بينه لخلقه من الهداية بإرسال الرسل بالكتب والآيات حتى لا يكون هناك حجة لأحد.
والقيمة الأخرى التى يطمئن بها قلب المؤمن أن الكل لله، والآخرة والأولى لله فهو المالك والمتصرف فيهما، وهذا ما أكد عليه فى أكثر من سورة سابقة فهو رب العالمين ومالك يوم الدين وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) وسيأتى هذا بعد ذلك فى
стр. 140
سور كثيرة أخرى: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) [النجم].
القيمة الأخرى فى الإنذار بالنار، والتخويف بها لينضبط السلوك البشرى وليكون الإنسان على طريق المتقين الذين يؤتون أموالهم؛ ليزكوا أنفسهم ويجتنوا عذابها، وأما الذى يصلاها فإنه الأشقى فيدخلها دخولا يحيط به من جميع جوانبه، ويكون أهون أهل النار عذابا يوم القيامة فى حالة لا يقوى عليها إنسان، روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل توضع فى اخمصى قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه»، رواه البخارى، وقال مسلم فى رواية كذلك عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلى منهما دماغه، يغلى الرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا». والأشقى الذى يصلى هذه النار هو الذى كذب بقلبه وتولى عن العمل بجوارحه وأركانه.
القيمة الأخرى والمتصلة بما سبق فيه: لا يعرفها الإنسان إلا فى ظل الإيمان بالله سبحانه عند ما يملأ الإيمان قلبه فلا يطمع إلا فى رضاه ولا يريد إلا وجهه سبحانه فلا يكون عمله فى انتظار حمد من الناس أو فى رد جميل سابق لأحد من إخوانه عليه.
إن هذا المعنى لا وجود له إلا فى تربية النفوس على منهج الله ليكون عطاؤها له إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) [الإنسان].
قال تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١).
أى سيزحزح عن النار التقى النقى الأتقى الذى يصرف ماله فى طاعة ربه، ليزكى نفسه وماله، وما وهبه الله من دين ودنيا، وليس بذله ماله فى مكافأة من أسدى إليه معروفا، فهو يعطى فى مقابلة ذلك، وإنما سارع إلى ذلك طمعا فى أن يحصل له رؤيته فى الدار الآخرة فى روضات الجنات.
القيمة الأخيرة: وتمثل ثمرة تسعد الإنسان فى حياته إنها ثمرة الرضى التى لا تتحقق إلا لمن اتصف بهذه الصفات.
إنها نعمة كبرى أن يرزق الإنسان الرضى النفسى، فلا يزعجه شىء، ويرضى بما منحه الله من شىء فلا يرى إلا منشرح الصدر مطمئن القلب.
стр. 141
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فى أبى بكر الصديق ﵁ حتى أن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن لفظها لفظ العموم، ولكنه مقدم الأمة، وسابقهم فى جميع هذه الأوصاف، وسائر الصفات الحميدة؛ لأنه كان صديقا تقيا كريما بذالا لأمواله فى طاعة مولاه ونصرة رسول الله ﷺ ، حكيم دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منّة يحتاج إلى أن يكافئه بها ولكن كان إحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود- وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يدلك عندى لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصديق قد أغلظ له فى المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم ولهذا قال تعالى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١).
هذه المجموعة من القيم ترسيها سورة الليل فى المجتمع الذى فتح قلبه لوحى ربه، وصار يطارد ظلمات الجاهلية كما يطارد النهار ظلمات الليل، فالليل لا يبقى مع هذا المنهج بظلماته، ولكن يكون بسكنه وهدوئه ليجد النائم فيه راحته وسكنه، وليكون فى جزء منه مجال قيام ودعاء واستغفار بالأسماء؛ لنجد السورة الكريمة التى تنزل بعد ذلك تذكر الناس بجوانب أخرى مع قسم جديد بالفجر وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) [الفجر].
стр. 142
سورة «الفجر»
ومع روضة جديدة من روضات القرآن الكريم مع سورة الفجر، والتى نزلت بعد سورة الليل فهى مكية، وتبدأ بهذا القسم الذى يفتح العيون والعقول والقلوب على آيات الله الكونية فى هذا التتابع القرآنى الكريم فى مجموعة من السور المباركة وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ
طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
(١٤).
فآيات الفجر بنوره وظهوره ووضوحه، والليالى العشر التى تؤثر كذلك بصنوف من العبادات فهى عشر ذى الحجة على ما ذكر ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقد جاء فى صحيح البخارى عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام- يعنى ذى الحجة» قالوا:
ولا الجهاد فى سبيل الله، قال: «ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» «١»، والشفع والوتر يتصلان بهذا المعنى الزمنى المنير فى قول ابن عباس وعكرمة والضحاك حيث قالوا: إن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع وإن الشفع يوم النحر لكونه العاشر.
ثم يأتى ذكر الليل إذا يسر، أى إذا ذهب، ذكر ذلك العوفى عن ابن عباس ﵄، وقال عبد الله بن الزبير حتى يذهب بعضه بعضا. فالآيات التى ذكرت هنا مقترنة بالوضوح، والنور الذى تتجلى فيه الرؤية الصائبة للأمور، إنه النور الحسى فى الفجر وضيائه، والنور المعنوى فيما يكون مع الفجر والليالى العشر والشفع والوتر من عبادات تنير القلوب؛ ليأتى بعد القسم بهذه الآيات بيان المقسم عليه، وتفضله والذى يتمثل فى مجموعة من القضايا المتعلقة بالطغيان والفساد والتظالم بين العباد، والمتعلقة كذلك بنظرة الإنسان إلى ما يصيبه من حقائق الابتلاء، وموقفه من البسط والقبض فى الرزق،
стр. 143
وكذلك ما يتعلق بالسلوك الاجتماعى مع ضعاف الناس، وتقويم السلوك الإنسانى بتذكر المصير والرجوع إلى الله سبحانه، وبيان حالة النفس الراضية المرضية.
ويكون التعليم فى هذه القضايا بأساليب قرآنية كريمة منها ما يتصل بعرض نماذج الفساد والطغيان السابقة والتى وقعت فى الأمم، وكان مصيرها الهلاك، ولا يخفى ذلك على ذى لب، فإن كان المشركون فى عنادهم وتحديهم يرون أنهم فى قوة فقد كان الطغاة قبلهم أشد منهم قوة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (١٦) وهؤلاء كانوا متمردين عصاة جبارين عن طاعة الله مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه فانظر كيف أهلكهم الله ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرا. ونجى الله رسوله هودا من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلك الآخرين ب صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) [الحاقه].
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التى ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس فى زمانهم خلقة وأقواهم بطشا، ولهذا ذكرهم نبيهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها فى طاعة ربهم الذى خلقهم فقال:
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) [الأعراف] وقال تعالى: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥] والنموذج الآخر من الطغيان يتمثل فى ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، يعنى يقطعون الصخر بالوادى، وهذا دليل قوة.
قال تعالى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) [الشعراء]، والنموذج الثالث: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) فكان يوتد الناس بالأوتاد تعذيبا لهم على ما ذكر مجاهد فهؤلاء يمثلون نماذج من الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فانظروا إليهم وانظروا كيف أنزل الله عليهم رجزا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين. فلا يحسبن هؤلاء أن الله غافل عن المجرمين إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) يسمع ويرى ويرصد خلقه فيما يعملون ويجازى كلا بسعيه، فى الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلا بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور.
стр. 144
وعلى ذلك يكون تعليم الناس بتقديم النماذج المعاصرة، والتى تمثل الجوانب المظلمة فى حياة الناس وكذلك بعرض النماذج المشرقة كما مر بنا فى السورة الكريمة السابقة، ويكون أيضا بتقديم النماذج من الأمم السابقة كما رأينا فى سورة الفجر، وذكر النماذج السابقة يفيد أكثر من معنى فى التربية والتوجيه، فمن هذه المعانى: ما يتصل بإعجاز ذلك الكتاب حيث يخبر عن أحوال أقوام، وليس من مصدر للمعرفة التعينية عن هؤلاء إلا ما يخبر الله به وخاصة فى هذه الفترة المكية، ومنها: وقوف الناس على تجارب واقعية للفساد والصلاح؛ لينظروا إليها نظرة الناقد المستعيد، والذى استعرض ما سبق من أحداث على نفسه، وهل يرضى أن يكون على حالة من سبق فى الفساد أو فى الصلاح.
الأمر الأخير فى وقوف الناس على نتائج المواقف السابقة والتى تحققت فعلا فى هلاك المفسدين مع قوتهم، وفى نجاة المؤمنين المطيعين.
فالتعليم- إذن- أخذ أسلوب تقديم تجارب السابقين فى سورة الفجر ونتابع إن شاء الله بقية المعانى على ترتيبها فى النزول المبارك فى الجزء القادم.
ومن المعانى التى تضمنتها «سورة الفجر» ما جاء فى قوله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) وتعالج هذه الآيات الكريمة جوانب نفسية فى حياة الإنسان ونظرته إلى ما يصيبه فى الحياة من خير أو شر. فتبين الآيات للناس أنهم مبتلون من ربهم وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] فليكن الإنسان على بصيرة من حقيقة الابتلاء حتى يفوز فى جانبيه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ [البقرة:
١٥٥] فالابتلاء يتعرض له البشر.
والمعنى الثانى: يصحح خطأ يقع فيه الإنسان نتيجة حبه الشديد للمال إذ يعتبره مقياسا لإكرام الله له، أو إهانته إياه. وهذا غير صحيح فالبسط والقبض للاختبار.
قال تعالى فى جانب الإمداد بالمال للإنسان: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) [المؤمنون] وكذلك فى الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه فى الرزق يعتقد أن ذلك من الله سبحانه إهانة له، قال الله
стр. 145
تعالى: كَلَّا أى ليس الأمر كما زعم لا فى هذا ولا فى ذاك فإن الله تعالى يعطى المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار فى ذلك على طاعة الله سبحانه فى كل من الحالين إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرا بأن يصبر. وإكرام الله لعبده يأتى فى استجابة العبد لأمر ربه، فمن جهة المال يكون الإنسان فى موضع التكريم عند ما يكرم ضعاف الأمة وضعاف الجماعة متمثلين فى اليتامى الذين فقدوا آباءهم، ووقعوا فى دائرة الحاجة المالية والعطف النفسى، ومواجهة السورة الكريمة الناس بالتقصير فى هذا الجانب، وأنهم لا يكرمون اليتيم لشدة تعلقهم بالمال حيث يأكلون التراث أكلا لما أى: لا يبقون على شىء من ولائهم يحبون المال حبا شديدا- مواجهتهم بذلك قد تخفف من حدة هذا التعلق فيعرفون واجبهم نحو اليتامى، وكذلك نحو الضعاف الآخرين من المساكين فيصلون إلى التكريم إن أرادوا التخلص من أخلاق الجاهلية والتحلى بأخلاق الإسلام، روى عبد الله بن المبارك عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ : «خير بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه- ثم قال بإصبعه- أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا» وفى رواية أبى داود عن سهل يعنى ابن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهاتين». وقرن بين إصبعيه الوسطى والتى تلا الإبهام.
ولما كان حب المال جما، ولما كانوا يأكلون التراث أكلا، لما وكانت آثار هذا الحب فى عدم إكرام اليتيم، وعدم الحض على طعام المسكين كان الأسلوب القرآنى الحكيم لمعالجة ذلك فى التهديد والوعيد الشديد واستحضار جلال الموقف العظيم فقال تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠).
فتخبر السورة الكريمة عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة فأمام الناس يوم عظيم وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال، وما عليها يسوى، ويجيء الله سبحانه لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ بعد ما يسألون أولى العزم من الرسل واحدا بعد واحد فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهى النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: «أنا لها، أنا لها» فيذهب فيشفع عند الله تعالى فى أن يأتى لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى فى ذلك، وهى