وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فى أبى بكر الصديق ﵁ حتى أن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن لفظها لفظ العموم، ولكنه مقدم الأمة، وسابقهم فى جميع هذه الأوصاف، وسائر الصفات الحميدة؛ لأنه كان صديقا تقيا كريما بذالا لأمواله فى طاعة مولاه ونصرة رسول الله ﷺ ، حكيم دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منّة يحتاج إلى أن يكافئه بها ولكن كان إحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود- وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يدلك عندى لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصديق قد أغلظ له فى المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم ولهذا قال تعالى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١).
هذه المجموعة من القيم ترسيها سورة الليل فى المجتمع الذى فتح قلبه لوحى ربه، وصار يطارد ظلمات الجاهلية كما يطارد النهار ظلمات الليل، فالليل لا يبقى مع هذا المنهج بظلماته، ولكن يكون بسكنه وهدوئه ليجد النائم فيه راحته وسكنه، وليكون فى جزء منه مجال قيام ودعاء واستغفار بالأسماء؛ لنجد السورة الكريمة التى تنزل بعد ذلك تذكر الناس بجوانب أخرى مع قسم جديد بالفجر وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) [الفجر].
стр. 142
سورة «الفجر»
ومع روضة جديدة من روضات القرآن الكريم مع سورة الفجر، والتى نزلت بعد سورة الليل فهى مكية، وتبدأ بهذا القسم الذى يفتح العيون والعقول والقلوب على آيات الله الكونية فى هذا التتابع القرآنى الكريم فى مجموعة من السور المباركة وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ
طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
(١٤).
فآيات الفجر بنوره وظهوره ووضوحه، والليالى العشر التى تؤثر كذلك بصنوف من العبادات فهى عشر ذى الحجة على ما ذكر ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقد جاء فى صحيح البخارى عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام- يعنى ذى الحجة» قالوا:
ولا الجهاد فى سبيل الله، قال: «ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» «١»، والشفع والوتر يتصلان بهذا المعنى الزمنى المنير فى قول ابن عباس وعكرمة والضحاك حيث قالوا: إن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع وإن الشفع يوم النحر لكونه العاشر.
ثم يأتى ذكر الليل إذا يسر، أى إذا ذهب، ذكر ذلك العوفى عن ابن عباس ﵄، وقال عبد الله بن الزبير حتى يذهب بعضه بعضا. فالآيات التى ذكرت هنا مقترنة بالوضوح، والنور الذى تتجلى فيه الرؤية الصائبة للأمور، إنه النور الحسى فى الفجر وضيائه، والنور المعنوى فيما يكون مع الفجر والليالى العشر والشفع والوتر من عبادات تنير القلوب؛ ليأتى بعد القسم بهذه الآيات بيان المقسم عليه، وتفضله والذى يتمثل فى مجموعة من القضايا المتعلقة بالطغيان والفساد والتظالم بين العباد، والمتعلقة كذلك بنظرة الإنسان إلى ما يصيبه من حقائق الابتلاء، وموقفه من البسط والقبض فى الرزق،
стр. 143
وكذلك ما يتعلق بالسلوك الاجتماعى مع ضعاف الناس، وتقويم السلوك الإنسانى بتذكر المصير والرجوع إلى الله سبحانه، وبيان حالة النفس الراضية المرضية.
ويكون التعليم فى هذه القضايا بأساليب قرآنية كريمة منها ما يتصل بعرض نماذج الفساد والطغيان السابقة والتى وقعت فى الأمم، وكان مصيرها الهلاك، ولا يخفى ذلك على ذى لب، فإن كان المشركون فى عنادهم وتحديهم يرون أنهم فى قوة فقد كان الطغاة قبلهم أشد منهم قوة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (١٦) وهؤلاء كانوا متمردين عصاة جبارين عن طاعة الله مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه فانظر كيف أهلكهم الله ودمرهم وجعلهم أحاديث وعبرا. ونجى الله رسوله هودا من بين أظهرهم ومن آمن معه منهم وأهلك الآخرين ب صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) [الحاقه].
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التى ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس فى زمانهم خلقة وأقواهم بطشا، ولهذا ذكرهم نبيهم هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها فى طاعة ربهم الذى خلقهم فقال:
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) [الأعراف] وقال تعالى: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥] والنموذج الآخر من الطغيان يتمثل فى ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، يعنى يقطعون الصخر بالوادى، وهذا دليل قوة.
قال تعالى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) [الشعراء]، والنموذج الثالث: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) فكان يوتد الناس بالأوتاد تعذيبا لهم على ما ذكر مجاهد فهؤلاء يمثلون نماذج من الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فانظروا إليهم وانظروا كيف أنزل الله عليهم رجزا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين. فلا يحسبن هؤلاء أن الله غافل عن المجرمين إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) يسمع ويرى ويرصد خلقه فيما يعملون ويجازى كلا بسعيه، فى الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلا بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور.
стр. 144
وعلى ذلك يكون تعليم الناس بتقديم النماذج المعاصرة، والتى تمثل الجوانب المظلمة فى حياة الناس وكذلك بعرض النماذج المشرقة كما مر بنا فى السورة الكريمة السابقة، ويكون أيضا بتقديم النماذج من الأمم السابقة كما رأينا فى سورة الفجر، وذكر النماذج السابقة يفيد أكثر من معنى فى التربية والتوجيه، فمن هذه المعانى: ما يتصل بإعجاز ذلك الكتاب حيث يخبر عن أحوال أقوام، وليس من مصدر للمعرفة التعينية عن هؤلاء إلا ما يخبر الله به وخاصة فى هذه الفترة المكية، ومنها: وقوف الناس على تجارب واقعية للفساد والصلاح؛ لينظروا إليها نظرة الناقد المستعيد، والذى استعرض ما سبق من أحداث على نفسه، وهل يرضى أن يكون على حالة من سبق فى الفساد أو فى الصلاح.
الأمر الأخير فى وقوف الناس على نتائج المواقف السابقة والتى تحققت فعلا فى هلاك المفسدين مع قوتهم، وفى نجاة المؤمنين المطيعين.
فالتعليم- إذن- أخذ أسلوب تقديم تجارب السابقين فى سورة الفجر ونتابع إن شاء الله بقية المعانى على ترتيبها فى النزول المبارك فى الجزء القادم.
ومن المعانى التى تضمنتها «سورة الفجر» ما جاء فى قوله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) وتعالج هذه الآيات الكريمة جوانب نفسية فى حياة الإنسان ونظرته إلى ما يصيبه فى الحياة من خير أو شر. فتبين الآيات للناس أنهم مبتلون من ربهم وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] فليكن الإنسان على بصيرة من حقيقة الابتلاء حتى يفوز فى جانبيه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ [البقرة:
١٥٥] فالابتلاء يتعرض له البشر.
والمعنى الثانى: يصحح خطأ يقع فيه الإنسان نتيجة حبه الشديد للمال إذ يعتبره مقياسا لإكرام الله له، أو إهانته إياه. وهذا غير صحيح فالبسط والقبض للاختبار.
قال تعالى فى جانب الإمداد بالمال للإنسان: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) [المؤمنون] وكذلك فى الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه فى الرزق يعتقد أن ذلك من الله سبحانه إهانة له، قال الله
стр. 145
تعالى: كَلَّا أى ليس الأمر كما زعم لا فى هذا ولا فى ذاك فإن الله تعالى يعطى المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار فى ذلك على طاعة الله سبحانه فى كل من الحالين إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرا بأن يصبر. وإكرام الله لعبده يأتى فى استجابة العبد لأمر ربه، فمن جهة المال يكون الإنسان فى موضع التكريم عند ما يكرم ضعاف الأمة وضعاف الجماعة متمثلين فى اليتامى الذين فقدوا آباءهم، ووقعوا فى دائرة الحاجة المالية والعطف النفسى، ومواجهة السورة الكريمة الناس بالتقصير فى هذا الجانب، وأنهم لا يكرمون اليتيم لشدة تعلقهم بالمال حيث يأكلون التراث أكلا لما أى: لا يبقون على شىء من ولائهم يحبون المال حبا شديدا- مواجهتهم بذلك قد تخفف من حدة هذا التعلق فيعرفون واجبهم نحو اليتامى، وكذلك نحو الضعاف الآخرين من المساكين فيصلون إلى التكريم إن أرادوا التخلص من أخلاق الجاهلية والتحلى بأخلاق الإسلام، روى عبد الله بن المبارك عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ : «خير بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت فى المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه- ثم قال بإصبعه- أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا» وفى رواية أبى داود عن سهل يعنى ابن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم فى الجنة كهاتين». وقرن بين إصبعيه الوسطى والتى تلا الإبهام.
ولما كان حب المال جما، ولما كانوا يأكلون التراث أكلا، لما وكانت آثار هذا الحب فى عدم إكرام اليتيم، وعدم الحض على طعام المسكين كان الأسلوب القرآنى الحكيم لمعالجة ذلك فى التهديد والوعيد الشديد واستحضار جلال الموقف العظيم فقال تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠).
فتخبر السورة الكريمة عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة فأمام الناس يوم عظيم وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال، وما عليها يسوى، ويجيء الله سبحانه لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ بعد ما يسألون أولى العزم من الرسل واحدا بعد واحد فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهى النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: «أنا لها، أنا لها» فيذهب فيشفع عند الله تعالى فى أن يأتى لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى فى ذلك، وهى
стр. 146
أولى الشفاعات وهى المقام المحمود، فيجىء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ قال الإمام مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» فهذه الصورة المهيبة التى يطالعها الإنسان فى سورة الفجر وكأنه يشاهدها رأى عين عندها يتذكر الإنسان عمله وما كان أسلفه من خير أو شر، ولكن يومئذ هل تنفعه الذكرى؟ ساعتها سيندم على ما كان سلفا منه من المعاصى إن كان عاصيا، وسيودّ- أيضا- لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعا. كما قال الإمام أحمد- ﵀ فيما يرويه عن محمد بن عمرة «١»، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت فى طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه ردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب.
فيومئذ ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله سبحانه من عصاه، وليس أحد أشد قبضا من الزبانية لمن كفر بربهم .
وهذا العرض القرآنى يزجر الناس ويعينهم على الخلاص من أدران الجاهلية ومن الإجرام والظلم والاستقامة على صراط ربهم المستقيم، وتكتمل هذه الصورة بما يحفز أصحاب النفوس الزكية المطمئنة التى تستقبل وحى ربها لتسير عليه، وتدور مع الحق حيث دار، عند ما يوجه إليهم هذا الخطاب الكريم الذى يغمر النفس بالسعادة والهناء والرضى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفى يوم القيامة.
وقال ابن أبى حاتم فيما يرويه عن ابن عباس ﵄ فى قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال: «أما إنه سيقال لك هذا» «٢» وروى الحافظ ابن عساكر فى ترجمة رواحة بنت أبى عمرو الأوزاعى عن أبيها حدثنى سليمان ابن حبيب المحاربى حدثنى أبو أمامة أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «قل اللهم إنى أسألك نفسا بك مطمئنة تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك».
стр. 147
سورة «الضحى»
ومع روضة جديدة من روضات القرآن الكريم مع سورة الضحى التى نجد فيها الخطاب الرحيم من الله سبحانه لرسوله ﷺ بعد فترة للوحى، وانقطاع زاد فيه حنين رسول الله ﷺ لنزول جبريل بوحى ربه الذى تشرق به الحياة، والذى به يخرج الناس.
من الظلمات إلى النور، وكان هذا الانقطاع فرصة للمشركين أن يتقولوا على رسول الله ﷺ ، وأن يقولوا: إن ربّ محمد قلاه فنزلت سورة «الضحى» الكريمة بردا وسلاما على رسول الله ﷺ تخبره وتخبر الناس بما له عند ربه، وما يدخره له، وما كان من فضل الله عليه، والذى لا يحرمه منه أبدا.
ذكر الإمام أحمد فيما يرويه عن جندب قال: اشتكى النبى ﷺ فلم ينم ليلة أو ليلتين فأتت امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله :
وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١). رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن أبى حاتم وابن جرير من طرق عن الأسود بن قيس عن جندب هو ابن عبد الله البجلى. وفى رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس سمع جندبا قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ فقال المشركون: ودع محمدا ربه فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣).
وقال العوفى عن ابن عباس ﵄: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن أبطأ عنه جبريل أياما فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، والليل إذا سجى أى: سكن وأظلم وادلهمّ. وفى هذا القسم استمرار بالتذكير بهذه الآيات الكونية العظيمة التى جاءت فى السور السابقة من الليل والفجر فهنا القسم بالضحى، وما جعل الله فيه من النور والليل إذا أقبل وسكن وأظلم؛ لينظر الناس فى هذه الآيات؛ ولينظروا أيضا فى نعمة الله عليهم فى تنوير بصائرهم وهدايتهم للتى هى
стр. 148
أقوم بما كان ينزل من سورة القرآن الكريم، وكيف يقع الناس فى الظلمات إذا انقطع عنهم وحى الله وحرموا منه. وأما فترة انقطاع الوحى فليست كما زعم المشركون من ترك الله له، أو إهماله إياه أو بغضه له. بل يتنزل الوحى بأمر الله وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: ٦٤] وفى الوقت الذى يشاء وبالأمر الذى يريد سبحانه: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ أى ما تركك، وَما قَلى أى وما أبغضك، فهذه حال رسول الله ﷺ دائما، وهذه مكانته عند ربه فهو معه يحفظه ويكلؤه ويحبه دائما. وهذا رد على المشركين فيما مضى من حياة الرسول ﷺ ، وأما فيما يستقبل فالآخرة خير لك من الأولى، فكل حالة متأخرة من أحوالك فإن لها الفضل إلى الحالة السابقة فلم يزل رسول الله ﷺ يرتفع فى درجات الصعود والتمكين له والنصر على أعدائه حتى لقى ربه.
وكذلك ما يكون من أمر حياته فى الآخرة فهى خير له من الأولى؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس فى الدنيا وأعظمهم لها إطراحا كما عرف من سيرته، ولما خير رسول الله ﷺ فى آخر عمره بين الخلد فى الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله اختار ما عند الله على هذه الدنيا، روى الإمام أحمد- ﵀ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير فأثر فى جنبه فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا؟، فقال رسول الله ﷺ : «ما لي وللدنيا، إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» ورواه الترمذى وابن ماجة من حديث المسعودى، وقال الترمذى: حسن صحيح. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) وهذا عطاء جامع يشمل كل ما يرضى رسول الله ﷺ وهو يرضى الخير لأمته فى الدنيا والسعادة لهم فى الآخرة، وفيما أعد له من الكرامة.
ومن دلائل إكرام الله لرسوله ﷺ والتى يشاهدها الناس من المؤمنين ومن المشركين الحاقدين ما ذكره الله سبحانه: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) فقد توفى أبوه وهو فى بطن أمه، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان فى كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفى وله من العمر ثمانى سنين، فكفله عمه أبو طالب ثم لم يزل يحوطه بنصره ويرفع من قدره، ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره المبارك. هذا وأبو طالب على دين قومه، كل ذلك بقدر الله وتدبره الحسن الجميل، إلى أن توفى أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم
стр. 149
عليه سفهاء قريش وجهالهم فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار، إلى المدينة المنورة كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل فلما وصل إليهم آووه ونصروه وقاتلوا بين يديه رضى الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وذلك مثل قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [الشورى: ٥٢]، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) أى كنت فقيرا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه، فجمع الله له بين درجتى الفقير الصابر والغنى الشاكر. وفى ذلك قدوة لكل أفراد أمته ممن يكون فقيرا، وممن يكون غنيا فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد.
ونتابع ما تضمنته سورة الضحى من المعانى الكريمة على ترتيب نزولها، فبعد أن ذكر الله رسوله ﷺ بما منّ عليه من نعم ظاهرة وباطنة تدل على إكرامه له وعنايته به ورعايته له، وحبه إياه رادا على قول المشركين وزعمهم أن ربه قلاه. تتناول السورة الكريمة معانى جليلة تتلاءم مع النعم المذكورة من ناحية، ولا غنى للناس عنها من ناحية أخرى فترسيها السورة فى نفوس المؤمنين، ليؤسسوا أمتهم على مكارم الأخلاق وحسن الصفات والتكافل الصحيح فى الجوانب المادية والمعنوية،
وهذا الربط بين ذكر النعم الخاصة برسول الله ﷺ وهذه الأوامر الربانية فى السورة من قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) ربط يعين الناس على تحقيق هذه الأوامر.
فقد رأوا هذه الحالات مع رسول الله ﷺ فحالة اليتم- مثلا- وجدوها مع رسول الله ﷺ فى نشأته وعرفوا ما منّ الله به عليه وهو اليتم حتى أصبح قلبه يسع الجميع حبا ورحمة ولينا وعطفا فلا ينبغى- إذن- أن يستمر الناس فيما هم عليه من أمر الجاهلية فى النظر إلى اليتيم نظرة القهر والازدراء والضعف حتى يشعره الناس بأنه منبوذ وأنه ضعيف وأنه لا مجال له فى الحياة بعد أن فقد سنده من الأبوة الحانية. إن تذكير الرسول ﷺ بحالة اليتم وإيواء الله له، وهو سيد ولد آدم رفع لمكانة اليتيم فى نظر الناس وأنه لا يجوز لهم أن يضعوه موضع الامتهان، أو أن يحتقروه ولا يتوقعوا منه خيرا. وما رآه الناس من هذه النعمة، وما جعل الله على يد رسوله من الرحمة والخير
стр. 150
للعالمين يؤكد النظرة الجديدة التى ترسيها سورة الضحى ثم يأتى الأمر الملزم والموجه إلى الرسول الكريم والمؤمنين: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وهذا النهى عن قهر اليتيم قمة التكافل الاجتماعى الذى يتناول الجوانب المادية الظاهرة والجوانب المعنوية كذلك.
فلا يجوز للأمة المسلمة أن تعرض اليتامى الذين حرموا من عطف آبائهم إلى الشعور بالذلة أو الإهانة بسبب يتمهم بل يكونوا لهم آباء حتى إذا حرم اليتيم من أب وجد له من أمته آباء رحماء يمسحون على رأسهم عطفا وحنانا، ويقومون على رعايتهم إنفاقا وإشباعا لحاجاتهم المادية. وهذا رفع لما يمكن أن يقعوا فيه من القهر بسبب اليتم.
وهذا ما فهمه علماؤنا من هذا الأمر الكريم قال قتادة فى تفسير ذلك: كن لليتيم كالأب الرحيم. وقال ابن كثير: أى كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم أى لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف له «١». وفى هذا علاج لعدد كبير من أبناء الأمة، وتخفيف من حدة الأثرة وحب الذات التى كانت أبرز سمات الجاهلية، إنها توجيه إلى التفكير فى الآخرين وخاصة فى الضعفاء منهم، والإحساس بهم والشعور الكريم نحوهم. وفى الوقت نفسه حماية للأمة من فساد يمكن أن تقع فيه بإهمال هذا الأمر حيث أن إهمال أمر اليتيم وقهره يجعل منه عضوا حاقدا على أمته، لم تكتمل فيه معانى العطف والرحمة، إلا من ﵀.
ويؤكد هذا المعنى الإيجابى نحو الآخرين فى الأمر الثانى وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) فاليتيم بحاله فى حاجة إلى مد اليد إليه معنويا وماديا، سأل أو لم يسأل، وليس اليتيم هو الضعيف الوحيد فى الأمة، بل قد يصل الضعف ببعض حالات الأمة التى بدأ بناؤها منذ نزول الوحى إلى حد رفع الصوت بطلب ما يحتاجه الضعيف من الفقراء والمساكين، وهؤلاء أيضا ينبغى أن يكونوا محل عناية الأمة التى تربى على التكافل الصحيح فالأمر بعد الوحى لم يصبح نفسى نفسى، بل صار الخلق الجديد وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) فالمفترض أن السائل لا يسأل إلا عن حاجة وأن المسئول إما أن يكون مستطيعا للوفاء بهذه الحاجة وإما أن يكون عاجزا عن ذلك، وعلى الحالين يربى الإسلام فى أبنائه الشعور المرهف نحو السائلين فمع القدرة تكفى الحاجات، ومع العجز تكون الكلمة الطيبة والوعد الحسن حفاظا على ماء الوجوه وصيانة للروابط بين أفراد الأمة، ويأتى هذا الأمر الكريم كذلك فى معرض التذكير بأن الإغناء من الله، وأن
стр. 151
الناس فى حالتى الفقر والغنى تحت مشيئة الله وقدره.
وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فالله يعطى ويغنى. ويتسع هذا الأمر كذلك يشمل الجوانب المادية والمعنوية فقد يسأل السائل عن فقر، وقد يسأل عن جهل ليتعلم، وقد يسأل عن ضلالة ليهتدى، وعلى كل الأحوال ينهى ربنا ﵎ عن نهر السائل فى كل أحواله: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠).
وبعد النهيين السابقين، النهى عن قهر اليتيم، والنهى عن نهر السائل يأتى الأمر فى قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) لإشاعة الخير والنعم فى الناس ومنها النعم السابقة والتحدث بنعم الله سبحانه فيه اعتراف بما أنعم الله به على الإنسان وهذا يزيد الإنسان حبا للمنعم سبحانه، ورغبة فى طاعة أمره، وفيه حث على شكر هذه النعمة وتصريفها فى الوجوه التى ترضى من تفضل بها سبحانه، وهذا المعنى يتفق مع الدعاء النبوي المأثور: «واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا».
وذكر ابن جرير عن أبى نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها.
كما يدخل فى هذه النعم ما يوفق الإنسان إليه من فعل الخيرات وأعظمها الدعوة إلى الله سبحانه قال الحسن بن على ﵄: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) قال: ما عملت من خير فحدث إخوانك، وقال محمد بن إسحاق: ما جاءك من الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها وادع إليها «١».
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
стр. 152
سورة «الشرح»
ومع روضة من روضات القرآن الكريم من سورة «الشرح» التى نزلت بعد سورة الضحى فى مكة المكرمة، وقد مر بنا ما منّ الله به على رسوله ﷺ فى مواجهة أعدائه وحربهم النفسية حيث جاء فى جواب القسم القرآنى ما يفيد أن الله تعالى ما ودعك وما قلاك كما زعم أعداؤك، وأن العاقبة لك فى الأمور كلها وأن الآخرة خير لك من الأولى، وأن الله سيرضيك بعطائه الذى لا ينفذ، وأن مظاهر هذه النعم يشاهدها هؤلاء الأعداء فهم يعرفونك ويعرفون نشأتك، وكيف آواك الله من يتم، وكيف هداك، وكيف أغناك، فهذه جملة من النعم والعطايا تستوجب شكر المنعم فى القيام بالأعمال الصالحة التى من جنسها فى المسح على قلوب اليتامى، وعدم قهرهم وتسليمهم لضوائق اليتم المتوقعة، وفى إشباع حاجات السائلين وعدم نهرهم، وفى التحدث العام بنعمة الله التى لا تعد ولا تحصى، ولا يدرك الإنسان عظيم حجمها وجليل فضلها.
وتنزل سورة الشرح لتفصل مجموعة جليلة أخرى من النعم التى منّ الله بها على رسوله ﷺ ليرفع عنه المعاناة الشديدة فى مواجهة قوم تربصوا به وبدعوته ولم يألوا جهدا فى محاولة تعويق تبليغه، والكيد له. فيقول الله تعالى لرسوله ﷺ فى أسئلة سورة الشرح: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨).
فنعمة شرح الصدر من أجلّ النعم فى مواجهة ما يثقل كاهل الإنسان فى هذه الحياة من الناس والأحداث، فالله شرح لرسوله صدره ونوّره وجعله فسيحا رحيبا واسعا، فماذا يصنع الكيد مع من شرح الله صدره؟ وشرح الصدر يشمل الشرح المعنوى، وكذلك الشرح الذى ورد فى رواية أبى بن كعب ﵁ والتى ذكرها عبد الله ابن الإمام أحمد ﵀، وأوردها ابن كثير فى تفسيره وفيها: أن أبا هريرة ﵁ كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال: «لقد سألت يا أبا هريرة، أنى فى الصحراء ابن عشر سنين وأشهر. وإذا بكلام فوق رأسى، وإذا رجل يقول لرجل
стр. 153
أهو هو؟ فاستقبلانى بوجوه لم أرها قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلىّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدى لا أجد لأحدهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فأضجعانى بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: أفلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدرى ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذى أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلى اليمنى فقال: أعد واسلم، فرجعت بها أعدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير».
إن نعمة شرح الصدر، لرسول الله ﷺ جعلته أرحب الناس وأوسعهم صدرا لمعانى الإيمان واليقين والثقة فى نصر الله وتأييده، وجعلته أفسح الناس صدرا لوحى الله وأقواهم على تحمل تبعات الدعوة إلى ربه، وجعلته أرحم الناس بالناس وأرقهم ولذلك تأتى النعمة الثانية فى السورة الكريمة لتؤكد أن الله تعالى وضع عنه ﷺ ما أثقل ظهره من الأعباء الخطيرة فى دعوته للناس على غلظة الكثير منهم وعدائهم وكيدهم، فالأعباء مع انشراح الصدر يسيرة، أو كما ذكر بعض المفسرين: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) بمعنى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وعلى المعنيين تكون النعمة جليلة وتخفف الأعباء. وتأتى النعمة الثالثة فى رفع ذكره ﷺ وهذا الرفع عطاء عظيم وتشريف وهو فى الوقت نفسه إعلاء لدعوته فذكره مرفوع يسمع به الجميع وآثار دعوته مشهودة للجميع. قال قتادة: رفع الله ذكره فى الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» وذكر ابن جرير حديث أبى سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتانى جبريل فقال: إن ربى وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟، قال: الله أعلم، قال:
إذا ذكرت ذكرت معى».
وحكى البغوى عن ابن عباس ومجاهد: أن المراد بذلك الآذان يعنى ذكر فيه وأورد من شعر حسان بن ثابت ﵁:
أغرّ عليه للنبوة خاتم ... من الله من نور يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبى إلى اسمه ... إذا قال فى الخمس المؤذن أشهد
وشقّ له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال آخرون: رفع الله ذكره فى الأولين والآخرين ونوه به حين أخذ الميثاق على
стр. 154
جميع النبيين أن يؤمنوا به وأن يأمروا أممهم بالإيمان به ثم شهد ذكره فى أمته، فلا يذكر الله إلا ذكر معه «١».
هذه نعمة شرح الصدر، ونعمة وضع الوزر الذى يثقل الظهر، ونعمة رفع الذكر، هذه المجموعة من النعم فى مواجهة ما يضيق الصدر من نكران الكفار للجميل وردهم على الإحسان بالإساءة وإعراضهم وعنادهم لمن يدعوهم إلى نجاتهم، ومحاولتهم إطفاء نور الله بأفواههم.
وانشرح الصدر وخف الحمل ورفع الذكر، ليتأكد معنى الفرج مع العسر.
ونتابع القول فى روضات القرآن الكريم مع سورة الشرح التى تذكر بنعم الله على رسوله ﷺ فى شرح الصدر ووضع الوزر الذى يثقل الظهر ورفع الذكر، وكان لهذه النعم أثرها العظيم فى مواجهة الشدائد التى أثارها المشركون فى طريق رسول الله ﷺ لنجد تأكيد معنى الخروج من الشدة إلى اليسر فى قوله تعالى: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) أى إن مع الضيق والشدة يسرا، أى سعة وغنى. والتكرار- هنا- يزيد هذا المعنى تأكيدا فإن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معروفا ثم كرروه فهو هو، وإذا أنكروه ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر «٢». قال ابن مسعود ﵁ فى رواية عن النبى صلّى الله
عليه وسلم: «والذى نفسى بيده، لو كان العسر فى حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ولن يغلب عسر يسرين»، وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر ﵄: أما بعد، فإنه مهما ينزل بمؤمن من منزل شدة، يجعل الله بعده فرجا، وأنه لن يغلب عسر يسرين، وأن الله تعالى يقول فى كتابه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) [آل عمران] «٣».
وبعد هذا التأكيد لتيسير الله سبحانه وبفرجه القريب يأتى الأمر بالنصب الممتع عند ما يكون لله فى صلاة خاشعة بالليل، والناس نيام أو فى مواصلة التبليغ والدعوة، أو فى الجهاد وما يصاحبه فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) قال
стр. 155
ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب فى قيام لله، وقال الكلبى: إذا فرغت من تبليغ الرسالة «فانصب» أى استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، وقال الحسن وقتادة: إذا فرغت من جهادك وعدوك، فانصب لعبادة ربك، وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك فانصب فى صلاتك، ونحوه عن الحسن، وقال الجنيد: إذا فرغت من أمر الخلق فاجتهد فى عبادة الحق وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) فالذى أنعم بالنعم السابقة هو الذى يرغب فيما عنده لا سواه» «١».
إن سورة الشرح التى نزلت بعد سورة الضحى تؤكد فى النفسية المؤمنة تقدير النعم والتأمل فيها والقيام بواجب شكر المنعم ﵎، وخاصة فى القيام بالأعمال الصالحة التى هى من جنس ما أنعم الله به على الإنسان، فهذا أدعى إلى الإقبال على الصالحات برغبة وإتقان، فإن الذى ذاق شدة ثم خرج منها بفضل الله ورحمته هو أعرف الناس بحقيقتها وشدة تأثيرها على الإنسان، وعلى ذلك يكون أسرع الناس بمنطق إيمانه إلى تقديم العون لمن وقع فى مثلها، فالناس جميعا معرضون للابتلاء فالذى وقع فيه مبتلى، ومخرجه الصبر والرضا، والذى عوفى مبتلى بموقفه من أهل البلاء ومخرجه شكر الله على نعمه وتقديم العون لإخوانه من أهل الابتلاء. وهذا المخرج للفريضة هو سبيل الفلاح والنجاح للإنسان فى هذه الحياة، والذى فضل فى السورة الكريمة التى نزلت بعد سورة الشرح وهى سورة العصر.
стр. 156
سورة «العصر»
فهى مكية إلا ما قال قتادة من أنها مدنية وروى عن ابن عباس كذلك يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣).
فالقسم هنا فى السورة الكريمة بالعصر وهو اسم للزمن كله أو جزء منه «١» فقيل:
هو الدهر كله أقسم الله به لما فيه من العجائب، ولما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من دلالة على عظيم قدرة الخالق سبحانه، فأمة تذهب وأمة تأتى، وقدر ينفذ وآية تظهر وهو هو لا يتغير ليل يعقبه نهار، ونهار يعقبه ليل، فهو فى نفسه عجب كما يقول الشيخ الشنقيطى- ﵀: فهو فى نفسه آية سواء فى ماضيه لا يعلم متى كان، أو فى حاضره لا يعلم كيف ينقضى، أو فى مستقبله. وكما قيل:
وأرى الزمان سفينة تجرى بنا ... نحو المنون ولا نرى حركاته
وقيل فى معنى العصر- أيضا- الليل والنهار، وقيل: هو صلاة العصر لكونها الوسطى، وقيل: عصر النبى ﷺ أو زمن أمته، وقيل: عمر الإنسان ومدة حياته لأنها كل الكسب والخسران، وعلى كل حال فالقسم ينبه الإنسان إلى قيمة الزمن وقيمة العمر الذى يقضيه الإنسان فى هذه الحياة وأنه أغلى ما يملك وأنه محل لسعادته أو لخسرانه وتبين السورة الكريمة سبيل الفلاح والنجاة من الخسران للإنسان فى هذا الزمان والذى يتمثل فى الإيمان والعمل الصالح والتواصى بالحق والتواصى بالصبر.
وبعد تناولنا لسورة العصر التى يقسم فيها الحق ﵎ بالعصر ويأتى جواب القسم فى السورة الكريمة فى قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) والخسر قيل هو الغبن، وقال الأخفش: هلكة. وقال الفراء: عقوبة «٢» ومنه قوله تعالى:
وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) [الطلاق]. وقيل: لفى شر، وقيل: لفى نقص، والمعانى المذكورة متقاربة والإطلاق يعم، والأسلوب يشعر أن الإنسان مستغرق فى
стр. 157
الخسران وهو محيط به من كل جهة، حتى يشعر الإنسان بخطورة ما هو فيه، ويتنبه إلى سبيل الخروج منه، والذى سيذكر بعد هذا التأكيد والقسم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) فمفهوم المستثنى هنا يشتمل أربعة أمور: الأول: عدم الإيمان وهو الكفر، والثانى عدم العمل الصالح وهو العمل الفاسد:
والثالث: عدم التواصى بالحق وهو انعدام التواصى كلية أو التواصى بالباطل، والرابع:
عدم التواصى بالصبر، وهو إما انعدام التواصى كلية أو الهلع والجزع «١» فيكون الخسران متحققا للإنسان- إذن- بسبب الكفر، وترك العمل، والتلهى بالباطل، وترك الحق، وفى الهلع والفزع وكلها أمراض خطيرة ينبه إليها الإنسان فى وقت التنزيل المبكر ليعان على الخروج منها واستمر التنزيل المبارك بعد ذلك ينبه إلى خسارة من يقع فيها أو يقيم عليها، فمن هذا قوله تعالى فى الخسران بسبب الخسر: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) [الزمر] وقوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ [الأنعام: ٣١].
ومنه قوله تعالى فى خسران الإنسان بسبب ترك العمل: فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الأعراف] لأن الموازين هى معايير الأعمال فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة].
وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) [النساء] لأنه يطيع أمره ويصير من حزبه: أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) [المجادلة] خسروا بطاعتهم للشيطان وعصيانهم لله سبحانه.
ومن قوله تعالى فى الخسران بترك التواصى بالحق: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) [آل عمران] فإن الإسلام هو الحق وليس بعد الحق إلا الضلال.
ومن قوله تعالى فى الخسران بترك التواصى بالصبر والوقوع فى الهلع والفزع:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى
стр. 158
وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) [الحج].
ونزول سورة العصر مع تزايد عدد الجماعة المسلمة فى مكة المكرمة ليرسى دعائم هذه الجماعة على الأسس القويمة من الإيمان الذى هو صلاح الجنان بسلامة الاعتقاد وصلاح اللسان النطق بكلمة التوحيد والطيب من الأقوال، وصلاح للجوارح لسعيها الموافق لما وقر فى القلب ونطق به اللسان فالإيمان اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالجوارح. كما تؤسس الجماعة على العمل الصالح الذى يدخل فى هذا الإيمان وبه يزيد وينقص. وهذا التأسيس على الإيمان يجعل العمل الصالح ابتغاء مرضاة الله، ويجعله موافقا لما يتنزل من وحى الله على رسوله ﷺ ليكون مقبولا عند الله. ثم تؤسس الجماعة هذه بعد ذلك على التواصى بالحق، والتواصى بالصبر، وإن كان هذا التواصى يدخل فى عموم الأعمال الصالحة إلا أنه لأهميته فى الجماعة المسلمة يخص بعد العموم ولأن هذه الجماعة فى حاجة إلى التواصى بهذا الحق ليزيد تمسكها به وسط المحن والتحديات ولتستمر النفوس المؤمنة على ثباتها فلا تجزع ولا تيأس إذا اشتدت الخطوب فالتواصى أن يوصى بعضهم بعضا بالحق والحق كلمة جامعة لكل ما كان ضد الباطل؛ ولذلك يعد هذا التواصى أساسا للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى لا بدّ منه لتهيئة المناخ السليم للجماعة المسلمة «١».
وقيل: الحق: هو القرآن لشموله على كل أمر ونهى وكل خير قال تعالى:
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥] وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) [الزمر].
وقد جاءت آيات فى كتاب الله تعالى تدل على أن الوصية بالحق تشمل الشريعة كلها، أصولها وفروعها، ماضيها وحاضرها من ذلك ما أوحى الله به إلى الأنبياء عموما، من نوح وإبراهيم ومن بعدهم فى قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣].
وإقامة الدين القيام به جميعا، وكانت هذه وصية الرسل لأممهم ومن بعدهم،
стр. 159
فإبراهيم ﵇ يقول الله تعالى فيه: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) [البقرة] ويعقوب يقول الله تعالى فيه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) [البقر].
فالتواصى بأصل الإيمان وعموم الشريعة وكذلك بالعبادة قال تعالى عن نبى الله عيسى ﵇: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي [مريم]
وفى الوصية بالوالدين وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) [لقمان].
وفى الأبناء قال تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١] وهكذا تأتى سورة العصر لترسى هذه الدعائم الجامعة للجماعة المسلمة، والتى تنقذ الإنسان من الخسران، ويرتبط ذلك بالتنبيه على أهمية عمر الإنسان الذى يحياه فى خسر أو فى صلاح وفلاح.
стр. 160
سورة «العاديات»
وهى سورة مكية فى قول ابن مسعود وجابر وعكرمة وعطاء، ونزلت بعد سورة العصر وأما فى قول ابن عباس وأنس ومالك وقتادة فمدنية.
وبدأ السورة الكريمة بالقسم الذى ينبهنا إلى أهمية المقسم به، وخطورة المقسم عليه ولكن وقت نزول السورة الكريمة فى مكة لم يكن المؤمنون قد أمروا بقتال ولكنّ السورة الكريمة تهيئ النفوس بما تقدمه من مشاهد القتال التى ستكون مستقبلا جهادا فى سبيل الله وإعلاء لكلمته، يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١).
فمشهد القتال الذى يعدّ له المؤمنون ترى فيه الأفراس تعدو فى سبيل الله فتضبح أى تحمحم «١»، فالضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدون، والعدو تباعد الأرجل فى سرعة المشى، فالعين تشاهد سرعة الخيل، والأذن تسمع ضبحتها، ويشتد المشهد عند ما ترى للخيل نار حين تورى النار بحوافرها وهى: سنابكها، فالخيل من شدة عدوها تقدح النار بحوافرها. والخيل هذه تغير على العدو عند الصبح، وهذا من التوجيه والبشريات فلعزّهم سيغيرون صبحا، أى علانية تشبيها بظهور الصبح «٢»، ولقد سار المؤمنون على هذا بعد ذلك فكانوا إذا أرادوا الغارة سروا ليلا، ويأتون العدوّ صبحا؛ فكما أنه دليل عزّة المؤمنين فإنه كذلك وقت غفلة الناس، ومنه قوله تعالى: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) [الصافات] والخيل كذلك تثير الغبار لشدة عدوها حتى تتوسط الأعداء فتفرقهم وتشتت شملهم. فهذه المشاهد للخيل عند ما تذكر للمؤمنين قبل أن يؤذن لهم بالقتال توجيه لهم وتهيئة للنفوس لتعد نفسها، ولترتفع النفسية المؤمنة ثقة بأن العاقبة لها، وأنها ستخوض هذه الغمار، ويكون لخيلها هذا النشاط وهذه الحركة السريعة التى تربك العدو وتشتته. وأما قول أنس بن مالك وابن عباس وقتادة من أن السورة
стр. 161
مدنية، فتكون هذه المشاهد إخبارا عما حدث فعلا، ولكن الرواية التى ذكرها الواحدى فى سبب النزول والتى يذكر فيها أن رسول الله ﷺ بعث خيلا سرية إلى بنى كنانة وأمّر عليها المنذر بن عمرو الأنصارى، فأسهبت (أى أمعنت فى سهب وهى الأرض الواسعة) شهرا وتأخّر خبرهم فأرجف المنافقون وقالوا: قتلوا جميعا، فأخبر الله عنهم بقوله وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) إعلاما بأن خيلهم قد فعلت جميع ما فى تلك الآيات. فإن فى سنده حفص بن جميع وهو ضعيف «١» قال ابن كثير: وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثا غريبا جدا فذكره، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد «٢» من رواية البزار وقال:
فيه حفص بن جميع، وهو ضعيف، وأورده السيوطى فى «الدر المنثور» «٣» وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبى حاتم والدارقطنى فى (الأفراد) وابن مردويه عن ابن عباس ﵄.
وعلى ذلك يبقى معتمدا قول ابن مسعود وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة:
إنها مكية نزلت بعد سورة العصر وقبل سورة الكوثر. وأما المقسم عليه بعد هذه التهيئة بذكر الخيل على ما سبق فيتمثل فى حقائق يشاهدها المؤمنون فى الناس، وهذا نوع من بسط الحقائق النفسية التى تفسر للمؤمنين إعراض الإنسان عن ربه وجحوده وعدم الإقرار بما لزمه من شكر خالقه والخضوع له «٤» إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) والكنود قيل فيه: إنه الكفور، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك.
وقيل: الكنود هو الذى يأكل وحده ويمنع رفده، ويضرب عبده.
وأما الإنسان فقد ذكر الضحاك أنها نزلت فى الوليد بن المغيرة، وقال مقاتل: نزلت فى قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشى «٥».
وهو مع هذا الجحود شهيد على نفسه بما يصنع وهذا قول الحسن وقتادة ومحمد بن كعب وروى هذا عن مجاهد أيضا، وأما قول ابن عباس ﵄ وأكثر المفسرين أن الله على ذلك من ابن آدم لشهيد «٦».
وعلى الوجهين فإن هذا الكشف للنفس الإنسانية أمام المؤمنين يخفف عنهم ما
стр. 162
يرونه من جحود الكافرين من ناحية، ويعينهم على النفور من الجحود ومقاومة النفس من الوقوع فيه من ناحية أخرى، ومع هذا الجحود فى الإنسان حب شديد للمال وهذا الحب يجعله متعلقا به شديد البخل فلا ينفق منه. وعلى ذلك تكون التهيئة للبذل من النفس والمال فى سبيل الله مبكرة فى مشهد الخيل فى ساحات الجهاد وفى نزع حب المال من النفس والتنفير من البخل فلا ينفق منه. وأما تسمية المال خيرا فهو ما جاء ذكره فى قوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة: ١٨٠] أى مالا. قال ابن زيد: سمى الله المال خيرا، وعسى أن يكون شرا وحراما، ولكن الناس يعدّونه خيرا فسماه الله خيرا لذلك «١». ويعان الإنسان على هذه التزكية والتهيئة والتنقية النفسية بما تكرر ذكره فى الآيات الكريمة سابقا من تذكر ما يكون فى الآخرة من إثارة ما فى القبور وقلبه وإخراج ما فيها، ومن إبراز ما فى الصدور وتمييز ما فيها من خير وشر إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) سبحانه لا تخفى عليه خافية.
стр. 163
سورة «الكوثر»
وهى مكية فى قول ابن عباس والكلبى ومقاتل نزلت بعد سورة العاديات وأما فى قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة فمدنية. ومن دلائل مكيّتها ما ذكره ابن كثير ﵀ من قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: إنها نزلت فى العاص بن وائل، وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له فإذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله هذه السورة، وقال شمر بن عطية: نزلت فى عقبة بن أبى معيط، وقال ابن عباس أيضا وعكرمة: نزلت فى كعب بن الأشرف وجماعة من كفار قريش، وقال البزار: حدثنا زياد بن يحيى الحسانى، حدثنا ابن عدى عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا الصغير المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية، فقال: أنتم خير منه، قال: فنزلت: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) هكذا رواه البزار وهو إسناد صحيح وعن عطاء: نزلت فى أبى لهب وذلك حين مات ابن لرسول الله ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين فقال: بتر محمد الليلة فأنزل الله فى ذلك: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) «١».
وأما أدلة كونها مدنية فما رواه الإمام أحمد ﵀ بإسناده الثلاثى عن أنس بن مالك ﵁ قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة فرفع رأسه متبسما، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه أنزلت علىّ آنفا سورة» فقرأ: بسم الله الرّحمن الرّحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) ... حتى ختمها، فقال: «هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هو نهر أعطانيه ربى فى الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتى يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول:
يا رب إنه من أمتى، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
وقد روى مسلم ﵀ كذلك حديث أنس بلفظ: بينا رسول الله ﷺ بين
стр. 164
أظهرنا فى المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟. قال: «لقد أنزلت علىّ آنفا سورة» فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ»، ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربى عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتى يوم القيامة آنيته عدد النجوم فى السماء فيختلج العبد منهم فأقول ربّ إنه من أمتى، فيقول: إنك لا تدرى ما أحدث بعدك» «١».
وقول النبى ﷺ فى هذه الرواية: «إنه أنزلت علىّ آنفا سورة» يرجّح قول من ذكر أنها مكيّة، وأنه تكرر حال «٢» نزولها لما فيها من تأكيد العطاء الكثير والخير الوفير من الله لرسوله ﷺ تدعيما له فى مواجهة عداوة قومه وسبّهم له وعنادهم. روى البخارى ﵀ بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال فى الكوثر: هو الخير الذى أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسا يزعمون أنه نهر فى الجنة، فقال سعيد: النهر الذى فى الجنة من الخير الذى أعطاه الله إياه، وقال الثورى عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- أيضا- قال: الكوثر: الخير الكثير، وهذا التفسير يعم النهر وغيره لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير ومن ذلك النهر، وقال مجاهد: هو الخير الكثير فى الدنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو النبوة والقرآن وثواب الآخرة، وقد صح عن ابن عباس أنه فسّره بالنهر- أيضا- فروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: الكوثر نهر فى الجنة حافتاه ذهب وفضة، يجرى على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من
العسل.
كما روى ابن جرير بسنده عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر فى الجنة حافتاه ذهب وفضة يجرى على الدر والياقوت ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. وكذا رواه الترمذى بسنده عن ابن السائب موقوفا، وقد روى مرفوعا فقال الإمام أحمد:
حدثنا على بن حفص حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الكوثر نهر فى الجنة حافتاه من ذهب، والماء يجرى على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل» وهكذا رواه الترمذى وابن ماجة وابن أبى حاتم وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب
стр. 165
مرفوعا، وقال الترمذى: حسن صحيح.
ويكون مع هذا العطاء العظيم والخير الكثير فى الدنيا والآخرة توجيه الأمر كلّه لله سبحانه فالصلاة له والنسك له، فلا سجود لغيره ولا ذبح بغير اسمه وفى هذا تأصيل لمعنى العبودية لله سبحانه وتغيير مظاهر الشرك الوثنية وجعل الحياة كلها لله سبحانه، وهذا ما دعم بعد ذلك تفصيلا قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) [الأنعام].
стр. 166
سورة «التكاثر»
وهى مكية فى قول جميع المفسرين غير أن البخارى ﵀ روى أنها مدنية «١».
وهذه السورة الكريمة تعالج ظاهرة إنسانية تستبد بالإنسان عند ما يغفل وينسى مصيره، وهى ظاهرة التكاثر، وهذا التفاخر من الأمور التى تقف عقبة فى طريق إسلام الناس واتباعهم للهدى. قال ابن عباس ومقاتل والكلبى: «نزلت فى حيّين من قريش: بنى عبد مناف، وبنى سهم، تعادّوا وتكاثروا بالسادة والأشراف فى الإسلام، فقال كل حىّ منهم: نحن أكثر سيدا وأعزّ عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائذا، فكثر بنو عبد مناف سهما، ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم فنزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) يعنى بأحيائكم فلم ترضوا حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) مفتخرين بالأموات، وروى سعيد عن قتادة قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعدّ من بنى فلان، وهم كلّ يوم يتساقطون إلى آخرهم والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم، وعن عمرو بن دينار: حلف أن هذه السورة نزلت فى التجار «٢».
وأما على ما روى البخارى ﵀ من أنها مدنية فيأتى قول مقاتل وقتادة وغيرهما: نزلت فى اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بنى فلان، وبنو فلان أكثر من بنى فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلّالا، وقال ابن زيد: نزلت فى فخذ من الأنصار، وعن شيبان عن قتادة قال: نزلت فى أهل الكتاب «٢»، وعلى ذلك فإن السورة الكريمة مع كونها مكية على قول جميع المفسرين- كما سبق- فإنها تعم جميع ما ذكر وغيره وتعالج فى الإنسان هذه الظاهرة الخطيرة منذ وقت مبكر ففي صحيح مسلم عن مطرّف عن أبيه قال: أتيت النبىّ ﷺ وهو يقرأ: «ألهاكم التكاثر» قال: «يقول ابن آدم: مالى مالى، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» وفى رواية أبى هريرة فى مسند آخر: «وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس».
وروى البخارى ﵀ عن ابن شهاب: أخبرنى أنس بن مالك أن رسول الله
стр. 167
صلّى الله عليه وسلم قال: «لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لأحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب». وقال ابن عباس فى بيان معنى التكاثر: قرأ النبى ﷺ : «ألهاكم التكاثر» قال: «تكاثر الأموال، جمعها من غير حقها، ومنعها من حقها، وشدّها فى الأوعية». وذكر المقابر مع ظاهرة التكاثر سبيل قوى من سبل معالجة هذه الظاهرة، وما تحدثه فى القلب من فتن لا ينزعها من القلب إلا بذكر الموت، وما يتبعه من قبر، وكما يذكر القرطبى ﵀: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا فى هذه السورة. وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسى؛ لأنها تذكّر الموت والآخرة وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد فى الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبى ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور؛ فإنها تزهد فى الدنيا وتذكر الآخرة» رواه ابن مسعود وأخرجه ابن ماجة، وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة ﵁: «فإنها تذكّر الموت» وفى الترمذى عن بريدة: «فإنها تذكّر الآخرة». قال: هذا حديث حسن صحيح. وتذكّر المقابر يوقظ الإنسان على حقيقة سعيه وعمله، روى البخارى بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» «١» كما تذكر زيارة المقابر بما يكون بعدها، يقول ميمون بن مهران: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ: «ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر» هنيهة ثم قال: يا ميمون، ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بدّ من أن يرجع إلى منزله: يعني أن يرجع إلى منزله أى
إلى الجنة أو إلى النار. فالزائر سيرحل من مكانه ذلك إلى غيره «٢».
ومما يعين على معالجة ظاهرة التكاثر أيضا أن تهز القلوب هزّا بهذا الوعيد المتكرر بما سيرون من الجحيم. قال الحسن البصرى ﵀ فى قوله مقامى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤): هذا وعيد بعد وعيد، وقال الضحاك: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) يعنى أيها الكفار ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) يعنى أيها المؤمنون «٢»، ولو علم الناس حق العلم ما سيكون لما ألهاهم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى جاءوا إلى المقابر.
إن أمامهم جحيما مروّعا، فالنار إذا زفرت زفرة واحدة خر كلّ ملك مقرب، ونبىّ
стр. 168
مرسل على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال على ما جاء به الأثر المروىّ فى ذلك «١».
وأمام الناس السؤال عن النعيم الذى عاشوا فيه بدنياهم قبل أن يزوروا المقابر بالموت فهل قاموا بشكره، وأدّوا حقه ولم يستعينوا به على معصية المنعم سبحانه فيجزيهم بهذا نعيما أفضل منه أم اغتروا به ولم يقوموا بشكره، واستعانوا به على معصية المنعم سبحانه فيعاقبون على ذلك.
إن عقيدة عذاب القبر ونعيمه وما يكون بعده من رؤية الحقائق المرتبطة بالنعيم والعذاب فى الجنة والنار، تغرس فى نفوس الناس، ويذكّرون بهذه الحقائق حتى يتخلصوا من القيم الفاسدة التى عاشوا عليها، ومنها هذا التكاثر الذى عالجته هذه السورة الكريمة علاجا شاملا، حيث ذكر التكاثر الملهى ولم يذكر المتكاثرون به ليشمل كلّ ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون فى غمرة وغفلة ونسيانهم لربهم.
стр. 169
سورة «الماعون»
وهى مكية فى قول عطاء وجابر وأحد قولى ابن عباس. ومدنية فى قول له آخر، وهو قول قتادة وغيره «١»، وقيل الآيات الثلاث الأولى مكية والأربع الأخرى مدنية.
يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧).
وهذه السورة الكريمة تنبه الناس بالنظر والرؤية إلى حقيقة ما نزّل إلى رسول الله ﷺ وأنّه الخير كله، وأن سعادة الناس فيه، وأن مقتفى التصديق بما جاء به رسول الله ﷺ من ذكر المعاد والجزاء والثواب، وما جاء به من كل أمر ونهى يجعل الإنسان مستقيما فى سلوكه مع ربه، وفى سلوكه مع الناس، وفى استقامته بنفسه وتزكيتها، والتكذيب بما جاء به رسول الله ﷺ يبقى على معانى الجاهلية فى الناس من قسوة فى القلب على الضعفاء من اليتامى والمساكين، ومن وقوع الناس فى النفاق والرياء فلا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا، ويقفون من مجتمعهم موقفا سلبيا فلا تعاون ولا بذل لما فى أيديهم مما اعتاد الناس أن يتعاونوا فيه.
وعلى ذلك يكون الفهم الصحيح لمفهوم الدين الذى جاء به رسول الله ﷺ ، إنه لا يمثل جزئية واحدة من جزئيات الحياة ويترك بقية الأجزاء إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩] وهذه الهداية فى كل شئون الحياة. وتبدأ السورة الكريمة بهذا التساؤل وهذا الاستفهام «أرأيت يا محمد الذى يكذب بالدين؟» إن هذا الذى يكذب بالدين هو ذلك القاسى الذى يقهر اليتيم ويدفعه بعنف وشدة، ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه، وهو الذى لا يعرف قلبه الرحمة فلا يطعم المسكين، ولا يحض غيره على هذا الإطعام، وهذه المظاهر القاسية لها وجودها فى الناس، وتأصّلها بالتكذيب بالدين ولو استجابوا لتغير الحال وتمضى السورة الكريمة فى كشف فساد آخر يقع فيه الإنسان وهو فساد النفاق الذى ظهر بعد هجرة النبى ﷺ إلى المدينة، وبعد أن قوى شأن المسلمين
стр. 170
وأصبحت لهم فى نفوس الناس مكانة مهيبة فأظهر بعض الناس الإسلام وأبطنوا غيره.
وهذا المعنى ينسجم مع القول بأن الأربع آيات الأخيرة والتى تبدأ بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) مدنية. وأما على أنها مكية فيكون هذا تحذيرا مما سيقع فيه بعض الناس من السهو عن الصلاة ومراءاة الناس ومنع الماعون. قال ابن عباس ﵄ فى قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) يعنى المنافقين الذين يصلون في العلانية ولا يصلون فى السر «١».
ولهذا قال: لِلْمُصَلِّينَ الذين هم من أهل الصلاة، وقد التزموا بها ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية- كما قال ابن عباس- وإما عن فعلها فى الوقت المقدر لها شرعا فيخرجها عن وقتها بالكلية كما قاله مسروق وأبو الضحى. وقال عطاء بن دينار: الحمد لله الذى قال: عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) ولم يقل فى صلاتهم ساهون. وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخرة دائما أو غالبا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمله له النفاق العملى، كما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» فهذا آخر صلاة العصر التى هى الوسطى كما ثبت به النص إلى آخر وقتها وهو وقت كراهة ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا، ولهذا قال: لا يذكر الله فيها إلا قليلا، ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس لا ابتغاء وجه الله فهو كما لم يصل بالكلية قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٣) [النساء] وقال الله تعالى هاهنا: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) ومما يتعلق بذلك أن من عمل عملا لله سبحانه فاطلع عليه الناس فأعجبه ذلك لا يعدّ رياء. فإن العمل مرتبط بنيته وما دامت لله سبحانه فليست من الرياء «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
وهؤلاء المراءون يضافون إلى معنى المكذبين بالدين وتضاف إليهم هذه الصفة
стр. 171
الذميمة التى تدل على سلبيتهم وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) فهم كما قال زيد بن أسلم:
هم المنافقون ظهرت الصلاة فصلّوها، وخفيت الزكاة فمنعوها «١».
وقال الحسن البصرى: «إن صلّى راءى، وإن فاتته لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله- وفى لفظ- صدقة ماله». وعلى ذلك لا أحسنوا عبادة ربهم ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعادة ما ينتفع به، ويستعان به مع بقاء عينه، ورجوعه إليهم فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى.
فالماعون يشمل كل ما ينتفع به، وعلى هذا كان فهم أصحاب النبى ﷺ . فقد سئل ابن مسعود ﵁ عن الماعون فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والقدر والدّلو وأشباه ذلك.
بهذا التوجيه تم نقل الناس من الجاهلية ومعانيها الفاسدة إلى الإسلام وقيمه الرشيدة.
стр. 172
سورة «الكافرون»
بعد سورة «الماعون» التى نبهت إلى صفات من يكذب بالدين، وتنزل سورة «الكافرون» لتعلن فى صورة حاسمة البراءة من عمل الكافرين الذين اتخذوا من دون الله أندادا، ولتأمر بالإخلاص لله وحده فلا إله إلا هو، ولتحسم الأمر فى المساومة التى حاولها المشركون مع رسول الله ﷺ بعد فشلهم فى الفتنة البدنية والمالية، وفى السخرية والاستهزاء، وفى محاولات التشويه لشخصية النبى ﷺ والطعن فى مضمون دعوته. فلجأ المشركون بعد هذا الفشل إلى أسلوب المساومة على المبادئ، وإذا ساغ لهم هذا باعتبار أنهم ليسوا على شىء، وليسوا على مبدأ يقينى، فإنه لا يجد قبولا لدى رسول الله ﷺ ، ولدى أصحابه، فقد استقرت عقيدة التوحيد فى القلوب واطمأنت بها فلا تقبل تحويرا ولا تبديلا ولا شركا، فقد روى أن رسول الله ﷺ كان يطوف بالكعبة فاعترضه الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمى، وكانوا ذوى أسنان فى قومهم، فقالوا:
«يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت فى الأمر، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه» «١». فهذا العرض وتلك المساومة، تدل على أنهم ليسوا على شيء، وكان الجواب الذى لا جواب سواه رفضه هذه المساومة وينزل فى ذلك قول الله تعالى لرسوله ﷺ : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦).
ويقول ابن كثير فى تفسيره: هذه السورة سورة البراءة من العمل الذى يعمله المشركون وهى أمره بالإخلاص فيه فقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهون بهذا الخطاب هم كفار قريش، وقيل إنهم من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده
стр. 173
سنة فأنزل الله هذه السورة، وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال:
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) يعنى من الأصنام والأنداد، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وهو الله وحده لا شريك له، ف «ما» هاهنا بمعنى من، ثم قال: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) أى ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدى بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذى يحبه ويرضاه ولهذا قال: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) أى لا تقتدون بأوامر الله وشرعه فى عبادته بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم كما قال تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) [النجم] فتبرّأ منهم جميع ما هم فيه فإن العابد لا بدّ له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه، فالرسول ﷺ وأتباعه يعبدون الله بما شرعه ولهذا كانت كلمة الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله أى لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول ﷺ ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله ولهذا قال لهم الرسول ﷺ : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)» كما قال تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) [يونس]، وقال: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ [الشورى: ١٥].
وهذا التكرار فى الآيات الكريمة يوجه إلى واحد من المعانى الآتية: الأول: التأكيد على هذه التفرقة بين الحق الذى عليه رسول الله ﷺ وبين الباطل الذى عليه الكافرون ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد كقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) [الشرح] وحكاه كذلك ابن الجوزى وغيره عن ابن قتيبة. والثانى: ما حكاه البخارى وغيره من المفسرين أن المراد: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) أى فى الماضى وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) فى المستقبل. الثالث: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أن المراد بقوله «لا أعبد ما تعبدون» نفى الفعل لأنها جملة فعلية، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) نفى قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفى بالجمة الاسمية آكد فكأنّه نفى الفعل وكونه قابلا لذلك، ومعناه نفى الوقوع، ونفى الإمكان الشرعى أيضا.
وبهذا التأكيد وهذا القطع فى السورة الكريمة يعرف المؤمنون والكافرون أن الإيمان والكفر لا يلتقيان، وأن المساومة من الكافرين على العقيدة والمبادئ مرفوضة، فالمؤمنون بربهم يعبدونه وحده لا شريك له، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، والكافرون
стр. 174
لهم منهجهم الذى انحرفوا به عن عقيدة التوحيد فاتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، ويعملون لهم، وليس بنافعهم أن يقولوا ما حكاه القرآن الكريم عنهم:
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] فإن القرب من الله بإخلاص العبودية له، وبما شرعه لعباده وجاء به رسوله ﷺ ، وهذه البراءة فى سورة «الكافرون» حرص النبىّ ﷺ على غرسها واستمرارها فى نفوس أصحابه وأتباعه فكان من هديه الذى علّمه ما ثبت فى صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة وبقل هو الله أحد فى ركعتى الطواف، وفى صحيح مسلم كذلك من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ بهما فى ركعتى الفجر، وروى الإمام أحمد ﵀ حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قرأ فى الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة- أو بضع عشرة مرة- قل يا أيها الكافرون وقل وهو الله أحد. كما روى الإمام أحمد كذلك حديث الحارث بن جبلة ﵁ قال: قلت يا رسول الله علّمنى شيئا أقوله عند منامى، قال: «إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ: «قل يا أيها الكافرون» فإنها براءة من الشرك» «١».
стр. 175
سورة «الفيل»
ونزلت بعد سورة «الكافرون». والتى أعلنت البراءة مما يعبد «الكافرون» وأنه لا مساومة على العقيدة، نزلت سورة الفيل لتنبه وتذكر المؤمنين، ولتفتح أيضا عيون الكافرين على واقعة تاريخية يعرفونها ولكن لا يحسنون الانتفاع بها، نزلت السورة الكريمة يقول الله تعالى فيها: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥).
فبداية السورة بهذا الاستفهام الذى يدعو إلى النظر، والرؤية التاريخية والاعتبار بما حدث قريبا فى العام الذى اتخذوه عاما للتأريخ فكانوا يقولون: حدث هذا عام الفيل أو قبله أو بعده. ومن ذلك ما عرف من مولد النبى ﷺ فى عام الفيل على أشهر الأقوال «١».
فأما تذكير المؤمنين وأوّلهم رسول الله ﷺ فإنه جاء بعد إعلان البراءة من الكافرين وعبادتهم ومما يعبدون ورفض المساومة، وهذا التذكير يتصل باليقين الذى ينبغى أن يملأ قلوب المؤمنين فى ضعف الكافرين، وضعف المعتدين على السواء، وأن الله تعالى ناصر لجنده ومؤيد لحزبه، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، فأما ضعف الكافرين فإنهم هزموا أمام جيش أبرهة، ولم يستطيعوا مواجهته فى طريقه إليهم، وبعد وصوله إلى ديارهم، وأما ضعف أصحاب الفيل، فمع قوتهم وقدومهم بأسلحة لا قبل للعرب المشركين بها، ومنها الفيلة فإنّ الله تعالى جعل كيدهم فى تضليل، فلم يصلوا إلى ما يريدون من هدم بيت الله الحرام، وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول. وهذا تلقين لسنة من سنن الله تعالى فيما يكون من مواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل تذكّرنا بها سورة الفيل ومن عناصر هذه السنة:
أولا: أن الحق منتصر دائما قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الأنبياء: ١٨].
ثانيا: أنه إذا كان للحق من ينتسب إليه انتسابا صحيحا يعتد به فإنهم يختبرون فى
стр. 176
هذا الانتساب فإن صدقوا، وكانوا على حالة ترضى الله ﵎ أيدهم على قلتهم وضعفهم المادى.
ثالثا: إذا لم يكن للحق من ينتسب إليه انتسابا صحيحا كما كان الحال فى انتساب المشركين إلى البيت الحرام، حيث عبدوا الأوثان، ووضعوها حوله، فإن الله تعالى يحمى بيته وينصر الحق لا لكرامة هؤلاء المشركين، وإنما لأنه حق بلا أهل يعتدّ بنسبتهم إليه.
وهذه السنة بهذا الإيجاز تطمئن المؤمنين بأن الله ناصرهم ومؤيدهم، وأنه يجبر ضعفهم وقلتهم، وأنه سبحانه سيمكن لهم فلا يرهبون كافرا، ولا يخشون معاديا متربصا.
وأما التنبيه ولفت النظر للمشركين فإنما يمكن فى تجنبهم مخاطر أبرهة وجيشه وكيف أنعم الله عليهم بهذه النجاة حتى حسبوا ذلك نصرا لهم. قال ابن كثير ﵀: فهذه من النعم التى امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم آنافهم وخيّب سعيهم وأضلّ عملهم وردّهم بشرّ خيبة، وكانوا قوما نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ فإنه فى ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول: لم ينصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذى سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبى الأمى محمد- صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.
فكان مقتضى هذا الإنعام أن يفتحوا صدورهم ويقبلوا على رسول الله ﷺ مستجيبين طائعين، وأن يعبدوا رب هذا البيت، وأن يخلعوا من قلوبهم عبادة الأصنام. فهذا تنبيه لهم يشبه التنبيه فى سورة قريش حيث يقول الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤).
إن سورة الفيل تفتح عيون المؤمنين والكافرين كذلك للعبرة التاريخية، فالقرآن الكريم يمنح الناس جميعا خلاصة تجارب السابقين من المؤمنين والكافرين وكيف كان
стр. 177
حالهم فى الإيمان والكفر وما عاقبة الفريقين، والسعيد من وعظ بغيره وتدبر صفحة التاريخ وأفاد لحاضره منها.
وسميت السورة سورة الفيل، فقد كان الفيل وأصحاب الفيل يمثلون عدوانا واضحا على الحق، وكانت نهايتهم أن صاروا كالعصف المأكول، وسمى عام هذه الحادثة بعام الفيل. وهى حادثة قريبة، وعلى الرغم من قربها، فالقرآن الكريم يذكّر بها، ورسول الله ﷺ يذكّر بها ففي يوم الحديبية لما أطلّ رسول الله ﷺ على الثنية التى تهبط به على قريش بركت ناقته، فقالوا: خلأت القصواء أى حرنت، فقال رسول الله ﷺ : «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل- ثم قال- والذى نفسى بيده لا يسألونى اليوم حطة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها»، ثم زجرها فقامت.
وفى الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ألا فليبلغ الشاهد الغائب».
стр. 178
سورة «الفلق» و «الناس»
سورة «الفلق» نزلت بعد سورة الفيل، ونزل مع سورة الفلق سورة «الناس»، فهما نزلتا معا كما فى الدلائل للبيهقى فلذلك قرنتا، مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوّذتين، ومن الافتتاح «بقل أعوذ» وهما كما ذكرنا مكيتان غير أن ابن كثير يذكر فى تفسيره أنهما مدنيتان.
وروى مسلم فى صحيحه حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط «قل أعوذ برب الفلق» و «قل أعوذ برب الناس» وهذه الرواية من حديث قتيبة عن جابر عن بيان عن قيس بن أبى حازم عن عقبة. ورواه أحمد ومسلم- أيضا- والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن عقبة به، وقال الترمذى: حسن صحيح.
وقال النسائى: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر، وسمعت النعمان عن زياد بن الأسد عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين «قل أعوذ برب الفلق» و «قل أعوذ برب الناس». وقال النسائى- كذلك-:
أخبرنا محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا أبو عمرو الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبى عبد الله بن عابس الجهنى أن النبى ﷺ قال له: «يا ابن عابس ألا أدلّك- أو ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوّذ به المتعوّذون؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «قل أعوذ برب الفلق- وقل أعوذ برب الناس، هاتان السورتان» كما قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريرى عن أبى العلاء قال: قال:
رجل: كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر والناس يعتقبون، وفى الظّهر قلة [أى ما يركب قليل] «١» فحانت نزلة رسول الله ﷺ ونزلت فلحقنى فضرب منكبى فقال: «قل أعوذ برب الفلق» فقرأها رسول الله ﷺ فقرأتها معه، ثم قال: «قل أعوذ برب الناس» فقرأها رسول الله ﷺ فقرأتها معه فقال: «إذا صلّيت فاقرأ بهما» يقول ابن كثير ﵀: الظاهر أن هذا الرجل هو عقبة بن عامر، والله أعلم.
стр. 179
كما روى النسائى حديثا لجابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأ يا جابر» قلت: وما أقرأ بأبى أنت وأمى؟ قال: «اقرأ قل أعوذ برب الفلق، و «قل أعوذ برب الناس» فقرأتهما فقال: «اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلهما».
وأما أمّ المؤمنين عائشة ﵁ فتبين كيف كان النبى ﷺ يقرأ بهن، وينفث فى كفّيه ويمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، وقالت أيضا أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات، وأمسح بيده عليه رجاء بركتها روى ذلك الإمام مالك، عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂، ورواه البخارى عن عبد الله بن يوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى وعيسى بن يونس، وابن ماجة من حديث معن وبشر بن عمر ثمانيتهم جميعهم عن مالك به.
وفى حديث أبى سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما، رواه الترمذى والنسائى وابن ماجة، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح «١».
ونزول المعوذتين بعد ذكر أصحاب الفيل فى سورة الفيل وعداوتهم، وقدومهم لهدم البيت العتيق، وبعد ذكر الكافرين وعداوتهم الملحوظة والمشاهدة، ومنها هذه المساومة على العقيدة والمبادئ، وحسم الأمر فيها فى سورة «الكافرون»، يبصّر المؤمنين بمصادر أخرى للعداوة والشر، ولكنها مصادر ضعيفة على خطرها وعلى استعمال شرها، وأن المؤمن يجد فى اللجوء إلى ربه والاعتصام به ما يحميه من هذه الشرور. فهذا تنبيه وتعريف بالمخاطر من جهة وحتى يكون المؤمنون على بينة من أمرهم ومعرفة بمصادر الخطر حولهم، وأن يتعرفوا فى الوقت نفسه كيف يسلمون من هذه المخاطر، وكيف يطمئنون إلى حماية الله لهم فهو ربهم ورب الخلق أجمعين، وأنه سبحانه يوجههم إلى طلب هذه الحماية وهذا الاعتصام وينزّل من آياته ما يصلون به إلي هذا الأمن من المخاوف. وهذا تأكيد لهذه الحماية حيث عرفهم طريقها بقراءة المعوذتين فهما عوّذتا صاحبهما أى: عصمتاه من كل سوء «٢».
فما هذا السوء؟ وما المخاطر التى عرّف بها المؤمنون فى سورة الفلق، وفى
стр. 180
سورة الناس؟
تضمنت المعوذتان التنبيه على مجموعة من المخاطر التى لا سلامة منها إلا باللجوء إلى رب الفلق وربّ الناس . وإذا كان الفلق هو الصبح كما يذكر ابن عباس ﵁ وغيره «١»، ومثل ذلك قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ [الأنعام: ٩٦] أو كان الفلق بمعنى الخلق كما ذكر علىّ بن أبى طلحة عن ابن عباس أيضا فإنه يذكر للمؤمنين- هنا- وأمر للنبى ﷺ بأن يتعوذ بفالق الإصباح، فإنه وحده هو الذى يخرج من يقع تحت وطأة ظلمات الليل وما تصحبها من مخاوف وما يكتنفها من توقع للمخاطر، وما يحدث فيه من هجمات الهموم والأحزان، ومن هجمات اللصوص وقطاع الطرق، وما يثيره لدى ضعاف النفوس من إمكانية إيقاع الشرور فى خفاء دون أن يبصّرهم أحد. هذا الليل المشحون يمثل هذه المخاطر والتى عبر عنها شاعر جاهلى بقوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
إن هذا الليل بصورته هذه لا يكشفه إلا فالق الإصباح، ولا يذهب همومه ويبدّد مخاوفه، ويشيع فيه الأمن إلا اللجوء إلى فالق الإصباح سبحانه، ولا ينجّى من مخاطر الخلق وشرهم فيه وفى بقية الزمن إلا رب الخلق سبحانه. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وهذا ما يرجّح المعنيين فقد تجاور ذكر الله الاستعاذة من شر ما خلق أى: من شر جميع المخلوقات من إنس وجن وحيوانات، وما نجده من تخصيص لدى بعض العلماء، فإنما هو تركيز على ما يرونه أكثر شرّا، وأجمع خطرا فنجد ثابت البنانى والحسن البصرى يقولان: جهنم وإبليس وذريته مما خلق «١».
وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) أى من شرّ الليل إذا أقبل بظلامه، قال ذلك مجاهد وحكاه البخارى.
ففي هذا تحصين من الزمان وما يحدث فيه بصدق اللجوء إلى رب الفلق سبحانه، وتنبه سورة الفلق كذلك إلى مصادر أخرى للشرّ تكمن فى نفوس مريضة لم تحسن