← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37483

تاريخ نزول القرآن

محمد رأفت سعيد

Полный текст (359 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هذا الانتساب فإن صدقوا، وكانوا على حالة ترضى الله ﵎ أيدهم على قلتهم وضعفهم المادى. ثالثا: إذا لم يكن للحق من ينتسب إليه انتسابا صحيحا كما كان الحال فى انتساب المشركين إلى البيت الحرام، حيث عبدوا الأوثان، ووضعوها حوله، فإن الله تعالى يحمى بيته وينصر الحق لا لكرامة هؤلاء المشركين، وإنما لأنه حق بلا أهل يعتدّ بنسبتهم إليه. وهذه السنة بهذا الإيجاز تطمئن المؤمنين بأن الله ناصرهم ومؤيدهم، وأنه يجبر ضعفهم وقلتهم، وأنه سبحانه سيمكن لهم فلا يرهبون كافرا، ولا يخشون معاديا متربصا. وأما التنبيه ولفت النظر للمشركين فإنما يمكن فى تجنبهم مخاطر أبرهة وجيشه وكيف أنعم الله عليهم بهذه النجاة حتى حسبوا ذلك نصرا لهم. قال ابن كثير ﵀: فهذه من النعم التى امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم آنافهم وخيّب سعيهم وأضلّ عملهم وردّهم بشرّ خيبة، وكانوا قوما نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ فإنه فى ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول: لم ينصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذى سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبى الأمى محمد- صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء. فكان مقتضى هذا الإنعام أن يفتحوا صدورهم ويقبلوا على رسول الله ﷺ مستجيبين طائعين، وأن يعبدوا رب هذا البيت، وأن يخلعوا من قلوبهم عبادة الأصنام. فهذا تنبيه لهم يشبه التنبيه فى سورة قريش حيث يقول الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤). إن سورة الفيل تفتح عيون المؤمنين والكافرين كذلك للعبرة التاريخية، فالقرآن الكريم يمنح الناس جميعا خلاصة تجارب السابقين من المؤمنين والكافرين وكيف كان

стр. 177

حالهم فى الإيمان والكفر وما عاقبة الفريقين، والسعيد من وعظ بغيره وتدبر صفحة التاريخ وأفاد لحاضره منها. وسميت السورة سورة الفيل، فقد كان الفيل وأصحاب الفيل يمثلون عدوانا واضحا على الحق، وكانت نهايتهم أن صاروا كالعصف المأكول، وسمى عام هذه الحادثة بعام الفيل. وهى حادثة قريبة، وعلى الرغم من قربها، فالقرآن الكريم يذكّر بها، ورسول الله ﷺ يذكّر بها ففي يوم الحديبية لما أطلّ رسول الله ﷺ على الثنية التى تهبط به على قريش بركت ناقته، فقالوا: خلأت القصواء أى حرنت، فقال رسول الله ﷺ : «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل- ثم قال- والذى نفسى بيده لا يسألونى اليوم حطة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها»، ثم زجرها فقامت. وفى الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ألا فليبلغ الشاهد الغائب».

стр. 178

سورة «الفلق» و «الناس» سورة «الفلق» نزلت بعد سورة الفيل، ونزل مع سورة الفلق سورة «الناس»، فهما نزلتا معا كما فى الدلائل للبيهقى فلذلك قرنتا، مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوّذتين، ومن الافتتاح «بقل أعوذ» وهما كما ذكرنا مكيتان غير أن ابن كثير يذكر فى تفسيره أنهما مدنيتان. وروى مسلم فى صحيحه حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط «قل أعوذ برب الفلق» و «قل أعوذ برب الناس» وهذه الرواية من حديث قتيبة عن جابر عن بيان عن قيس بن أبى حازم عن عقبة. ورواه أحمد ومسلم- أيضا- والترمذى والنسائى من حديث إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن عقبة به، وقال الترمذى: حسن صحيح. وقال النسائى: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر، وسمعت النعمان عن زياد بن الأسد عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين «قل أعوذ برب الفلق» و «قل أعوذ برب الناس». وقال النسائى- كذلك-: أخبرنا محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا أبو عمرو الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبى عبد الله بن عابس الجهنى أن النبى ﷺ قال له: «يا ابن عابس ألا أدلّك- أو ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوّذ به المتعوّذون؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «قل أعوذ برب الفلق- وقل أعوذ برب الناس، هاتان السورتان» كما قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريرى عن أبى العلاء قال: قال: رجل: كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر والناس يعتقبون، وفى الظّهر قلة [أى ما يركب قليل] «١» فحانت نزلة رسول الله ﷺ ونزلت فلحقنى فضرب منكبى فقال: «قل أعوذ برب الفلق» فقرأها رسول الله ﷺ فقرأتها معه، ثم قال: «قل أعوذ برب الناس» فقرأها رسول الله ﷺ فقرأتها معه فقال: «إذا صلّيت فاقرأ بهما» يقول ابن كثير ﵀: الظاهر أن هذا الرجل هو عقبة بن عامر، والله أعلم.

стр. 179

كما روى النسائى حديثا لجابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأ يا جابر» قلت: وما أقرأ بأبى أنت وأمى؟ قال: «اقرأ قل أعوذ برب الفلق، و «قل أعوذ برب الناس» فقرأتهما فقال: «اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلهما». وأما أمّ المؤمنين عائشة ﵁ فتبين كيف كان النبى ﷺ يقرأ بهن، وينفث فى كفّيه ويمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، وقالت أيضا أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات، وأمسح بيده عليه رجاء بركتها روى ذلك الإمام مالك، عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂، ورواه البخارى عن عبد الله بن يوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى وعيسى بن يونس، وابن ماجة من حديث معن وبشر بن عمر ثمانيتهم جميعهم عن مالك به. وفى حديث أبى سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما، رواه الترمذى والنسائى وابن ماجة، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح «١». ونزول المعوذتين بعد ذكر أصحاب الفيل فى سورة الفيل وعداوتهم، وقدومهم لهدم البيت العتيق، وبعد ذكر الكافرين وعداوتهم الملحوظة والمشاهدة، ومنها هذه المساومة على العقيدة والمبادئ، وحسم الأمر فيها فى سورة «الكافرون»، يبصّر المؤمنين بمصادر أخرى للعداوة والشر، ولكنها مصادر ضعيفة على خطرها وعلى استعمال شرها، وأن المؤمن يجد فى اللجوء إلى ربه والاعتصام به ما يحميه من هذه الشرور. فهذا تنبيه وتعريف بالمخاطر من جهة وحتى يكون المؤمنون على بينة من أمرهم ومعرفة بمصادر الخطر حولهم، وأن يتعرفوا فى الوقت نفسه كيف يسلمون من هذه المخاطر، وكيف يطمئنون إلى حماية الله لهم فهو ربهم ورب الخلق أجمعين، وأنه سبحانه يوجههم إلى طلب هذه الحماية وهذا الاعتصام وينزّل من آياته ما يصلون به إلي هذا الأمن من المخاوف. وهذا تأكيد لهذه الحماية حيث عرفهم طريقها بقراءة المعوذتين فهما عوّذتا صاحبهما أى: عصمتاه من كل سوء «٢». فما هذا السوء؟ وما المخاطر التى عرّف بها المؤمنون فى سورة الفلق، وفى

стр. 180

سورة الناس؟ تضمنت المعوذتان التنبيه على مجموعة من المخاطر التى لا سلامة منها إلا باللجوء إلى رب الفلق وربّ الناس . وإذا كان الفلق هو الصبح كما يذكر ابن عباس ﵁ وغيره «١»، ومثل ذلك قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ [الأنعام: ٩٦] أو كان الفلق بمعنى الخلق كما ذكر علىّ بن أبى طلحة عن ابن عباس أيضا فإنه يذكر للمؤمنين- هنا- وأمر للنبى ﷺ بأن يتعوذ بفالق الإصباح، فإنه وحده هو الذى يخرج من يقع تحت وطأة ظلمات الليل وما تصحبها من مخاوف وما يكتنفها من توقع للمخاطر، وما يحدث فيه من هجمات الهموم والأحزان، ومن هجمات اللصوص وقطاع الطرق، وما يثيره لدى ضعاف النفوس من إمكانية إيقاع الشرور فى خفاء دون أن يبصّرهم أحد. هذا الليل المشحون يمثل هذه المخاطر والتى عبر عنها شاعر جاهلى بقوله: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل إن هذا الليل بصورته هذه لا يكشفه إلا فالق الإصباح، ولا يذهب همومه ويبدّد مخاوفه، ويشيع فيه الأمن إلا اللجوء إلى فالق الإصباح سبحانه، ولا ينجّى من مخاطر الخلق وشرهم فيه وفى بقية الزمن إلا رب الخلق سبحانه. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وهذا ما يرجّح المعنيين فقد تجاور ذكر الله الاستعاذة من شر ما خلق أى: من شر جميع المخلوقات من إنس وجن وحيوانات، وما نجده من تخصيص لدى بعض العلماء، فإنما هو تركيز على ما يرونه أكثر شرّا، وأجمع خطرا فنجد ثابت البنانى والحسن البصرى يقولان: جهنم وإبليس وذريته مما خلق «١». وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) أى من شرّ الليل إذا أقبل بظلامه، قال ذلك مجاهد وحكاه البخارى. ففي هذا تحصين من الزمان وما يحدث فيه بصدق اللجوء إلى رب الفلق سبحانه، وتنبه سورة الفلق كذلك إلى مصادر أخرى للشرّ تكمن فى نفوس مريضة لم تحسن

стр. 181

علاقتها بربها فأساءت إلى الناس، وكادت لهم وأخذت تدبر لإيقاع الأذى بهم، وتسعى جاهدة لإزالة النّعم التى يرونها على غيرهم، إنها فئة النفاثات فى العقد، وفئة الحاسدين، وبهما تشقى الأمم. فماذا يفيد السواحر من هذا الشر؟ وماذا يفيد الحسود من حسده لخلق الله. إنهما أشقى فئتين تتخصصان فى أذى الناس بلا عائد يعود عليهما اللهم إلا النار التى تحرق أكبادهم، وأما المؤمنون فلهم الله يلجئون إليه ويستعيذون به من شر النفاثات فى العقد ومن شر حاسد إذا حسد، فيبطل كيد الساحرين، ويرد بغى الحاسدين، ولا يصيبهم إلا ما كتب الله لهم. ومعنى ذلك أن المؤمنين وقت التنزيل المبارك للسورتين كانوا قد وصلوا إلى ما يسرّ من كثرة عدد وصلابة وقوة وثبات، وعليهم مع هذا أن يعرفوا أعداءهم وأساليبهم، وأنه لا عاصم لهم من شرورهم إلا الله سبحانه. سواء كانت هذه الشرور ظاهرة منهم أم خفية، وما على المؤمنين إلا أن ينتبهوا حتى لا يقعوا تحت تأثير بعض ما خفى، وهذا المعنى يتأكد كذلك فى سورة الناس حيث يقول الله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦). فهذا بيان للعداوة والخطر والشر فى وسوسة الصدر من قبل شياطين الإنس والجن، قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: ١١٢] فالوسوسة فى الصدر لتحسين الشر والأمر بالسوء والفحشاء والتشكيك فى العقيدة وأن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم، والتثبيط عن الخير، من الجنّة والناس. والناس مشاهدون ويسمعون، ولكنّ وسوسة الجن تعرف بآثارها فإن وجد المرء شيئا من هذه المنهيات حديثا فى النفس للتشكيك فى الغيبيات أو للتثبيط عن الطاعات أو التزيين للشهوات والمحرمات فهذا دليل على وجود وسوسة الشيطان فى الصدر. لذلك يلجأ المؤمن مباشرة إذا وجد هذا إلى رب الناس ملك الناس إله الناس سبحانه ليحميه ولينقذه من شر الوسواس الخناس. فإذا قلنا إن الوسوسة من الجن والإنس وذكر صفات الله فى الآيات بأنه رب الناس وملك الناس وإله الناس فهل يدخل فى معنى الناس الجن، نقول: قد قال بهذا فعلا ابن جرير وأنهم دخلوا فى الناس تغليبا، وقد استعمل فيهم رجال من الجن، فلا بدع فى إطلاق الناس عليهم، والتفصيل قد بيّن ذلك فى قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) فصفات الله سبحانه- هنا- الربوبية والملك

стр. 182

والألوهية. فهو رب كل شىء ومليكه وإلهه فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له. فما صلة الموسوسين مع من لجأ إلى الرب الملك الإله سبحانه؟ ولذلك فإن الوسواس خنّاسا إذا ذكر العبد ربه واستعان به على دفعه، خنس أي تأخر عن الوسوسة وانصرف. ففي المعوذتين ما ينبغى أن يكون عليه المؤمنون من الحذر تجاه شياطين الإنس والجن، وأن الملجأ إلى الله وحده فهو الذى ينجى من شرورهم، وهذا التنبيه القرآنىّ الكريم فى المعوّذتين يدل على الصيانة والحماية المبكرة للمؤمنين حتى يبقى نموّهم صحيحا لا تؤثر فيه العداوات المريضة فأما عداوة الجن فعداوة تاريخية تبدأ بآدم ﵇ وتفصّل هذه العداوة بعد ذلك يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٧] ويقرر القرآن الكريم بعد ذلك أيضا هذه العداوة ويؤكدها حتى لا يبقى أحد من بنى آدم فى شك منها قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) [فاطر] وهذه العداوة تأخذ مظاهر شتى من الشيطان من القعود فى الصراط المستقيم لينحرف الناس عنه لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) [الأعراف] وكذلك الاحتيال للدخول إلى الإنسان من كل اتجاه وبذل كل حيلة للوقيعة بين آدم. والتعامل مع كل إنسان بما يناسبه فالعابد له أسلوبه، والزاهد له أسلوبه والعالم له أسلوبه وهكذا وغاية الشيطان من هذا واحدة وهى صرف بنى آدم عن الصراط المستقيم الذى يؤدى بهم إلى الجنة لينحرفوا إلى طريق الشيطان الذى يصل بأتباعه إلى السعير. ويبدأ فى وسوسته للإنسان بالقضية الكبرى فى حياته وهى قضية الإيمان فالإيمان يؤدى إلى الجنة «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا» ... والكفر يؤدى إلى النار. ولذلك فإن الشيطان شديد الحرص على تزيين الكفر والتشكيك فى العقيدة ولا يمل من ذلك للوقيعة بالإنسان وإدخاله فى الإلحاد والكفر ولكن من فضل الله على المؤمنين أن يوجههم من اللحظات الأولى إلى طلب الحماية واللجوء إليه فهو الذى يعصم من هذه الوسوسة وذكره يطرد الشيطان. ولا يكون للشيطان بهذا تأثير. فإنه مع حرصه الشديد لم يجعل الله له قوة التنفيذ بل ردّ كيده إلى هذه الوسوسة وهذا التزيين فحسب. روى الإمام أحمد ﵀ حديث ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، إنى لأحدّث نفسى بالشىء لأن أخرّ من السماء

стр. 183

أحب إلىّ من أن أتكلم به، قال فقال النبى ﷺ : «الله أكبر الله أكبر والحمد لله الذى ردّ كيده إلى الوسوسة» ورواه أبو داود والنسائى. وعلى ذلك فإن مثل هذه الوسوسة لا يخشى منه المؤمن بل تدلّ على صريح الإيمان المستهدف من الشيطان ويبقى أن يقاومه المؤمن بذكر الله تعالى والاستعاذة به فلا يضرّه الشيطان بشيء إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) [النساء] وعلى ذلك لا يعطيه المؤمن أكبر من حجمه هذا ولا ينسب إليه ما ليس له وقد صحح النبى ﷺ لرديف له قال عند تعثر الحمار: تعس الشيطان، فقال النبى ﷺ : «لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتى صرعته وإذا قلت: باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب» تفرد به الإمام أحمد وإسناده جيد قوى وقال ابن كثير: فيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغلب وإن لم يذكر لله تعاظم وغلب. وإذا عجز الشيطان مع الإنسان فى عقبة الكفر استمرت محاولة الشيطان للوقيعة بالإنسان فى كبائر الذنوب بتصغيرها فى عينه، وبتزيين الفعل مع الأمل فى التوبة وغير ذلك من الأساليب الشيطانية، فإذا عجز زين له صغائر الذنوب ليستمرئها الإنسان ولا يستشعر خطرها، فإذا عجز زين له من المباحات ما يشغله بها شغلا كاملا عن فعل القربات والمسارعة فى الخيرات، وهكذا لا يدع له سبيلا إلا وقعد فيه، بل لم يترك كذلك ما يتعلق بالعلاقات بين الناس وما يحدثه من ظن سيئ ووقيعة حذّر منها النبى ﷺ فى توجيهه الذى رواه الشيخان فى الصحيحين عن أنس فى قصة زيارة أم المؤمنين صفية للنبى ﷺ وهو معتكف وخروجه معها ليلا لردّها إلى منزلها فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبى ﷺ أسرعا، فقال رسول الله ﷺ : «على رسلكما إنها صفية بنت حيى» فقالا: سبحان الله، يا رسول الله فقال: «إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم وإنى خشيت أن يقذف فى قلوبكما شيئا- أو قال شرا». هذا هو شر الوسواس الخناس من الجنّة- يحذّر منه المؤمنون فى مكة المكرمة، فهو الذى زين للناس اتخاذ الأصنام آلهة من دون الله، وهو الذى زين للناس تعليق حياتهم بها رغبة ورهبة، وهو الذى زين لهم شتى الضلالات ووقعوا فيها وجاء الرسول ﷺ ليخرج الناس بإذن ربه من هذه الضلالات إلى الهدى وإلى النور، ويبقى لاستقامة الناس على الهدى أن يحذّروا من معاودة التزيين الشيطانى لهم، فالزرع ينبغى أن ينمّى من جهة، وأن يحمى من العوادى من جهة أخرى وكان هذا منهج الإسلام فى بنائه

стр. 184

لنفوس الناس وقلوبهم. وأما الشر الذى يكمن فى وسوسة الناس بعضهم لبعض فإنه- فعلا- له تأثير شديد إذ تتغير القلوب به حبا وكرها عند ما يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ويزين بعضهم لبعض الباطل، وبه كذلك تفسد العلاقات عند ما يسعى الإنسان بالغيبة والنميمة، وعند ما يتحرك قلبه بالحسد، فيحسد المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وعلى آثار الاستقامة فيهم، والحذر من هذا النوع واجب كذلك لاستمرار مسيرة البناء الإيمانى. بهذه المعانى نبّهتنا المعوّذتان من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات فى العقد، ومن شر حاسد إذا حسد. وكذلك من شر الوسواس الخناس الذى يوسوس فى صدور الناس من الجنة والناس.

стр. 185

سورة «الإخلاص» تعدل ثلث القرآن كما قال رسول الله ﷺ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤). والسورة الكريمة نزلت بعد عطاء قرآنى متتابع يحسم الأمر فى سورة «الكافرون» للتفريق بين عبادة الله وعبادة غيره ولا مساومة فى ذلك، وبعد التذكير بفضل الله الذى نجّى الناس من كيد أصحاب الفيل، وهو الذى ينجى وحده من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات فى العقد ومن شر حاسد إذا حسد، وهو الذى يلجأ إليه وحده، لينجى من شر الوسواس الخناس الذى يوسوس فى صدور الناس من الجنّة والناس، فهو ربّهم وملكهم وإلههم- سبحانه- وتنزل السورة الكريمة لتعيد الناس إلى الصواب فى وصفهم لله سبحانه ولتنقذهم من الشرك والتوجه إلى غيره سبحانه، وتنزهه مما ادّعاه الضالون تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فالسورة الكريمة مكية نزلت بعد سورة الناس، وهذا فى قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر. ولكن فى أحد قولى ابن عباس وقتادة والضحاك والسّدى مدنية. وجاء فى سبب نزول السورة الكريمة ما ذكره القرطبى ﵀ ردّا على من أسقط من السورة «قل هو» وزعم أنه ليس من القرآن»، وغير لفظ «أحد» إلى «واحد» فقال: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» فى الصلاة، والناس يستمعون فأسقط: «قل هو»، وزعم أنه ليس من القرآن. وغيّر لفظ «أحد» وادّعى أن هذا هو الصواب، والذى عليه الناس هو الباطل والمحال، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لمّا قالوا لرسول الله ﷺ : صف لنا ربّك، أمن ذهب هو أم من نحاس أم من صفر؟ فقال الله ردا عليهم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) ففي «هو» دلالة على موضع الردّ ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصحّ الافتراء على الله ، والتكذيب لرسوله ﷺ . وروى الترمذى عن أبىّ بن كعب: أن المشركين

стр. 186

قالوا لرسول الله ﷺ : «انسب لنا ربّك؛ فأنزل الله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢). والصمد الذى لم يلد ولم يولد لأنه ليس شىء يولد إلا سيموت، وليس شىء يموت إلا سيورث. وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شىء. وروى عن أبى العالية: أن النبى ﷺ ذكر آلهتهم فقالوا: انسب لنا ربّك. قال: فأتاه جبريل بهذه السورة «قل هو الله أحد» فذكره نحوه، ولم يذكر فيه عن أبىّ بن كعب. وهذا أصحّ. قاله الترمذى. يقول القرطبى بعد إيراده هذا فى سبب النزول: ففي هذا الحديث إثبات لفظ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) وتفسير الصمد «١». وهذا الذى ذكر فى سبب النزول يقوي مكية السورة ويكون ما ذكر فى السورة الكريمة من تنزيه الله سبحانه عن ادعاء النصارى واليهود وغيرهم مما عرف وشاع عنهم وعن غيرهم من الضلالات فى تصورهم للألوهية وصفات الله سبحانه فقد نفى الله سبحانه فى السورة الكريمة عن نفسه أنواع الكثرة بقوله أحد، ونفى النقص والمغلوبية بلفظ الصمد (على ما سنعرف من معانى «الصمد») ونفى المعلولية والعلّيّة بلم يلد ولم يولد، ونفى الأضداد والأنداد بقول «لم يكن له كفوا أحد». ولذلك فالسورة تبسط فى مقام الرد أمام الناس جميعا ما انحرفت فيه البشرية وما وصفت به الطوائف الضالة ربّها فأبطلت السورة الكريمة مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة وعرف هذا لدى الفرس وفى جنوب الجزيرة العربية الذين تبعوا الفرس فى هذا «٢» وأبطلت قول النصارى فى التثليث، والصابئين فى الأفلاك والنجوم، وأبطلت السورة الكريمة قول من ادعى خالقا سوى الله سبحانه لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحقّ مصمودا إليه فى طلب جميع الحاجات. وأبطلت كذلك مذهب اليهود فى عزير والنصارى فى المسيح والمشركين فى أن الملائكة بنات الله. وأبطلت كذلك مذهب المشركين فى جعل الأصنام أكفاء لله وشركاء، عن قولهم وعن فعلهم «٣». ومما ذكر فى سبب النزول كذلك أن عامر بن الطفيل قال لرسول الله ﷺ : إلام تدعونا يا محمد؟ قال: «إلى الله ». قال: صفه لى، أمن ذهب هو، أو من فضة، أو من حديد، فنزلت هذه السورة، قاله ابن عباس ﵄ ذكر هذا ابن

стр. 187

الجوزى ﵀ «١» ولكن ذكره البغوى والخازن عن ابن عباس بغير سند. كما ذكر أن الذين قالوا هذا قوم من أحبار اليهود قالوا: من أى جنس هو، وممن ورث الدنيا، ولمن يورّثها؟ فنزلت هذه السورة، قاله قتادة والضحاك ولكن ما ذكره الطبرى عن قتادة مرسل «٢». وما ذكره السيوطى فى الدر المنثور «٣» من رواية الطبرانى فى «السنة» عن الضحاك مرسل «٤» - أيضا. سورة الإخلاص- إذن- سورة مكية نزلت بعد سورة الناس؛ لترد على المنحرفين فى العقيدة انحرافهم، ولتغرس فى قلوب الناس العقيدة الصحيحة فى أسماء الله الحسنى وصفاته العلا. وسورة الإخلاص تضمنت من المعانى العظيمة التى غرستها فى وقت مبكر من الفترة المكية لإرساء دعائم العقيدة الصحيحة فى معرفة الله ، وتنزيهه عما وقع فيه المبطلون من انحراف خطير فى الأسماء والصفات والأفعال. والسورة الكريمة على قصر آياتها الأربع جامعة لهذا الإثبات والتنزيه، وفى الوقت نفسه ميسرة فى حفظها، فالمسلم على صلة دائمة بها تدعيما لعقيدته، وردا على خصومه وخاصة بعد ما عرف من فضلها، وهذا ما حدث- فعلا- من أصحاب النبى ﷺ فقد ثبت فى صحيح البخارى عن أبى سعيد الخدرى ﵁ أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) يردّدها؛ فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له، وكان الرجل يتقالّها (أى يعتقد أنها قليلة فى العمل) «٥»؛ فقال رسول الله ﷺ : «والذى نفسى بيده إنها لتعدل ثلث القرآن»، وعنه قال: قال النبى ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن فى ليلة»؟ فشق ذلك عليهم، وقالوا: أيّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» وفى شرح العينى على البخارى فى فضائل القرآن: قوله «الله الواحد الصمد»، كناية عن «قل هو الله أحد». وخرّج مسلم من حديث أبى الدرداء بمعنى الحديث السابق، وخرّج عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «احشدوا فإنى سأقرأ عليكم ثلث القرآن» فحشد من حشد (أى اجتمع من اجتمع)، ثم خرج نبى

стр. 188

الله ﷺ فقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم دخل فقال بعضنا لبعض: إنى أرى هذا خبرا جاءه من السماء، فذاك الذى أدخله، ثم خرج فقال: «إنى قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن» فبهذا التعليم النبوى الذى يشعر الناس بأهمية ما جمعوا له فى هذا الحشد الذى لا ينسى يستقر فى نفوس الناس المعنى العظيم الذى تتضمنه سورة الإخلاص، وذكر القرطبى فى معنى الثلث: قول بعض العلماء: إنها عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم الذى هو «الصمد»، فإنه لا يوجد فى غيرها من السور وكذلك «أحد». وقيل: إن القرآن أنزل أثلاثا، ثلثا منه أحكام، وثلثا منه وعد ووعيد، وثلثا منه أسماء وصفات، وقد جمعت «قل هو الله أحد» أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات، ودل على هذا التأويل ما فى صحيح مسلم ﵀ من حديث أبى الدرداء ﵁ عن النبى ﷺ قال: «إن الله جلّ وعزّ جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) جزءا من أجزاء القرآن» وهذا نص، وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص. والله أعلم. وأما تفاعل الصحابة معها وإدراكهم لمعانيها، والذى وقعهم فى حبها والإكثار منها فالشواهد عليه كثيرة، منها ما رواه مسلم ﵀ عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه فى صلاتهم فيختم ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبى ﷺ فقال: «سلوه لأى شىء يصنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ : «أخبروه أن الله يحبه». وروى الترمذى عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم فى مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرؤها لهم فى الصلاة فقرأ بها، افتتح ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك فى كل ركعة، فكلّمه أصحابه، فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى؟ قال: ما أنا بتاركها، وإن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبىّ ﷺ أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة فى كل ركعة»؟ فقال: يا رسول الله، إنى أحبها، فقال رسول الله ﷺ : «إن حبها أدخلك الجنة»، قال: حديث حسن غريب صحيح.

стр. 189

فهذا الإقبال العظيم إدراك للمعانى واطمئنان بها وهذه المعانى هى: معنى الأحدية التى تخلص الإنسان من التعلق بأى شىء إلا بالأحد سبحانه، ولقد فرق أبو سليمان الخطابى بين معنى «الواحد» و «الأحد». فقال: الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهيه أحد، والأحد هو المنفرد بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد «١». ومع معنى الأحدية فالله وحده هو الذى يقصد فى جميع الحوائج، فالكل مفتقر إليه فهو السيد الذى يصمد إليه وحده فى الحوائج، وقال ابن عباس فيما رواه الطبرى: الصمد السيد الذى قد كمل فى سؤدده، والشريف الذى قد كمل فى شرفه، والعظيم الذى قد كمل فى عظمته، والحليم الذى قد كمل فى حلمه، والغنى الذى قد كمل فى غناه، والجبار الذى قد كمل فى جبروته، والعالم الذى قد كمل فى علمه، والحكيم الذى قد كمل فى حكمته، وهو الذى قد كمل فى أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفة لا تنبغى إلا له «٢». ومن كماله سبحانه أنه لم يلد ولم يولد لكمال غناه، ولم يكن له كفوا أحد لا فى أسمائه ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ﵎.

стр. 190

سورة «النجم» نزلت بعد سورة الإخلاص لتجلى حقيقة النبوة والرسالة ولتخلص المفاهيم من الباطل الذى شابها لدى المشركين، ولتطمئن النفوس إلى مسيرة الوحى المبارك من الله جل فى علاه إلى رسوله محمد ﷺ ، فالسورة مكية كلها فى قول الحسين وعكرمة وعطاء وجابر. واستثنى ابن عباس وقتادة آية منها مدنية وهى قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢). وقيل إن السورة كلها مدنية. ويقول القرطبى: والصحيح أنها مكية لما روى ابن مسعود أنه قال: هى أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ بمكة. وفى «البخارى» عن ابن عباس: أن النبى ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، وعن عبد الله أن النبى ﷺ قرأ سورة النجم فسجد لها، فما بقى أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفّا من حصباء أو تراب فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفينى هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. متفق عليه، وهذا الرجل يقال إنه أمية بن خلف «١» وقيل: إنه عتبة بن ربيعة «٢». وتبدأ سورة النجم بهذا القسم الذى يقرع الأسماع لتكون على يقين من الحقائق التى ستبسط فى السورة الكريمة والتى تتعلق بالرسول ﷺ ، وما جاء به وكيف وصل إليه وحى ربه، ومكاشفة الناس بما لهم مع وحى الله وتبصيرهم بمواقف غيرهم مع وحى الله. وتأتى هذه الحقائق بعد مدة من الزمن سمع فيها الناس وحى الله، واشتد عناد المعاندين وشرح الله صدور المهتدين فأذعنوا لله مسلمين يقول الله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤). فهذه هى الحقيقة الأولى التى تؤكدها السورة الكريمة أمام الناس والتى تبدأ بلفت النظر إلى النجم وهويّه، والنجم وحركته مشاهد للناس لا ينكرون فى تزيينه للسماء، ولا ينكرونه فى ضوئه ونوره، ولا ينكرون ضوء النهار فى إقباله بعد

стр. 191

سقوط النجم فى الأفق فى آخر الليل عند إدباره. والذى أبدع هذه الآيات الكونية المشاهدة هو الذى أرسل صاحبكم إليكم، وهو الذى اختاره، وهو الذى حفظه من الضلالة والغواية. وأنتم قد عايشتموه أربعين عاما قبل أن يوحى إليه وصحبتموه فيها صحبة قريبة عرفتم فيها صفاته ولقبتموه بالصادق الأمين وكلمتموه فى معضلات أموركم، وعرف فيكم بصفات الإنسان الكامل فلا يليق بعد أن جاءكم برسالة ربه إليكم أن تغالطوا أنفسكم وأن ترموه بالضلال والغواية وهذه شهادة الله فيه مصحوبة بهذا القسم الكريم ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن هوى نفسه. ولا يتبع إلا ما أوحى إليه وما تسمعونه منه فيما يخبركم به عن الله تعالى وعن شرعه فإنه من وحي الله إليه. فهذه هى المسألة الأولى والأساسية والتى يؤسس عليها الدين كله، إنها التصديق بالوحى فالذى يؤمن بالوحى يؤمن بما يتبعه. والذى يكذب بالوحى فقد هدم أساس الرسالة ولا يرجى منه بعد ذلك خير. المسألة الثانية: والتى ترتّب على التصديق بالوحى. الاطمئنان على مسيرته من الله سبحانه إلى رسول الله محمد ﷺ فتذكر سورة النجم فى هذه المسألة قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى. فالذى يحمل إليه وحى الله وصف بالقوة، وهذا يطمئن من أن الشياطين وغيرهم لا يستطيعون سلب ما معه من علم، ولا يستطيعون التأثير عليه لتغيير ما يؤمرون به، فجبريل الأمين شديد القوى. وقد أيقن الرسول من رؤيته بحالته التى خلقه الله عليها فى أول نزول الوحى بحراء، فقد دنا منه فكان فى قربه منه قدر قوسين أو أقرب من القوسين. فليس جبريل بعيدا عنه إنه عرف صورته وعرف صوته وعرف قوته وأمانته. وما يعلمه جبريل الأمين القوى الذى لا يخون والذى لا يجرؤ عليه أحد يجد هذا العلم سبيله إلى فؤاد النبى ﷺ أى فى أهم ما يحمل الإنسان وأهم ما يميز الإنسان فى القلب، فاتفق فؤاد الرسول ﷺ ورؤيته على الوحى الذى أوحاه الله إليه، وتواطأ عليه سمعه وبصره وقلبه، وهذا دليل على كمال الوحى الذى أوحاه الله إليه،

стр. 192

وأن مسيرة الوحى لا شك فيها ولا شبهة «١». وأنه لا يحق لأحد أن يشك فى ذلك. المسألة الثانية فى السورة الكريمة: التأكيد على طريق المعرفة الغيبية التى خص الله بها رسوله ﷺ فيما يغيب عن الناس علمه، ولا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق إخبار الله لرسوله ﷺ ، وقد ذكرت السورة نماذج من ذلك يتضافر فيها علم الغيب مع ما يشاهد رسول الله ﷺ فجبريل ﵇ الذى رآه بالأفق الأعلى رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. ومعرفته بما يخبره الله من الغيب يقينية كالمشاهدة تماما. فالذى يحمل الوحى إلى رسول الله ﷺ يجمع بين صفتى الأمانة والقوة فهو أمين لا يخون ولا يغير ولا يبدل وقوي لا يجرؤ أحد من استلاب شىء منه عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١٠) وبهذا ينتفى الشك ويتأكد الاطمئنان ويثبت اليقين. وجبريل ﵇ الذى رآه رسول الله ﷺ على صورته وسمع صوته، فى غار حراء قد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى، وهنا تعرض السورة مسألة أخرى ينبغى أن يحيط الناس علما بها وهى أن ما يتعلق بالغيب الذى لا يشاهدونه، فلا سبيل لهم إلى معرفته إلا عن طريق رسول الله ﷺ فالله سبحانه يطلعه على ما شاء، ويريه من آياته ما يشاء، وقد عرفوا صدقه هو- أيضا- وأمانته فينبغى أن تفتح له العقول والقلوب؛ لتستقى منه علوم الغيب التى يطلعه الله عليها ويخبره بها. وذكر المرة الثانية التى رأى فيها رسول الله ﷺ جبريل ﵇ فى قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) ترجح ما ذكره جماعة من العلماء من أن الإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بأعوام لأن الآيات الكريمة- هنا- تذكر رؤية النبى ﷺ لجبريل ﵇ نزلة أخرى عند سدرة المنتهى أى أنه قد وقع، وتأتى سورة الإسراء بعد ذلك بعد ست وعشرين سورة كريمة لتذكرنا بالإسراء، وسورة الإسراء مكية إلا بعض الآيات وسنذكرها- إن شاء الله- فى حينها- وقد حكى القرطبى الاختلاف فى تاريخ الإسراء فقال: وقد اختلف العلماء فى ذلك- أيضا- واختلف فى ذلك على ابن

стр. 193

شهاب؛ فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسرى به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. قال ابن شهاب: وذلك بعد مبعث النبى ﷺ بسبعة أعوام. وروى عنه الوقّاحيّ قال: أسرى به بعد مبعثه بخمس سنين. قال ابن شهاب: وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة، وحرّمت الخمر بعد أحد. وقال ابن إسحاق: أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وقد فشا الإسلام بمكة فى القبائل، وروى عنه يونس بن بكير قال: صلّت خديجة مع النبى ﷺ «١». وقول يونس بن بكير هذا عن قول ابن إسحاق: ثم إن جبريل ﵇ أتى النبى ﷺ حين فرضت عليه الصلاة يعنى فى الإسراء فهمز له بعقبه فى ناحية وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه، ثم قام يصلى ركعتين بأربع سجدات، فرجع رسول الله ﷺ ، وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى، فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء «٢». قال أبو عمر: وهذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام؛ لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بثلاث وقيل بأربع، وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب، على أن ابن شهاب قد اختلف عنه كما تقدم. وقال الحربى: أسرى به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخرة قبل الهجرة بسنة، وقال أبو بكر: محمد بن على بن القاسم الذهبى فى تاريخه: أسرى به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا. قال أبو عمر: لا أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبى، ولم يسند قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم «٣». وعلى كل حال فإن ذكر رؤية الرسول ﷺ لجبريل نزلة أخرى عند سدرة المنتهى تدل على أن الإسراء والمعراج كان قد تم قبل نزول سورة النجم على رسول الله ﷺ . وارتباط المعراج بالإسراء جلىّ فيما ساقه الأئمة من أحاديث صحيحة «٤».

стр. 194

لقد عرضت سورة النجم مسائل أساسية لا بدّ منها فى مخاطبة المدعوين: منها الاطمئنان إلى أساس الدين كله والتمثل فى الوحى، والاطمئنان على مسيرة الوحى إلى النبى ﷺ وتزكية النبى ﷺ وأنه الأمين فى تبليغ الناس وتعريفهم بحقائق الغيب التى يطلعه الله عليها ويأمره بتبليغها. وإذا تم هذا البسط تخاطب السورة الكريمة الناس فيما وقعوا فيه من ضلال نتيجة عدم الإقبال على وحى الله، وأخذ المعرفة الصحيحة عنه وتصحيح المفاهيم منه، والتحرر من الظن وما تهواه الأنفس مما يخالف الحق فيقول الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى. ثم تعرض السورة الكريمة لمسألة نفسية عظيمة تحسم للإنسان تطلعاته التى تتبعه أحيانا لتربط هذه التطلعات بقضاء الله وقدره وأن مشيئة الإنسان ورغباته لا سبيل إلى تحقيقها إلا بمشيئة الخالق ﷻ . فلتكن الأمنيات- إذن- كريمة، ولتكن التطلعات صالحة، وليكن هوى الإنسان على ما جاء به رسول الله ﷺ . هذا يخاطب به الإنسان فى حدود أمانيه، وقدراته، ويخاطب به كذلك فى حدود محاولة الإنسان التعلق بغيره لتحقيق رغباته يقول الله تعالى: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦). وتكاشف السورة الكريمة الناس بجرأتهم على عالم الغيب والقول فيه بالظن، والظن لا يغنى فى هذا المجال شيئا. بل سبيله- كما ذكرنا- الوحى وحده، والإخبار الذى يأتيهم عن طريق رسول الله ﷺ وحده يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨). فكيف يعتقد هؤلاء المشركون أن الملائكة إناث ويزعمون أنهم بنات الله، تعالى الله عن قولهم هذا. فمن الذى أخبرهم بهذا؟ وهل شهدوا خلق الملائكة. إنها قضية لا تقتصر على تسمية الملائكة، ولا تقتصر على وصف الله سبحانه بما لا يليق بجلاله، وإنما القضية فى منهجهم الخاطئ فى اقتحام عالم الغيب، والخوض فيه بغير علم والسير فيه بالظن والظن لا يغنى من الحق شيئا. وماذا يصنع الرسول ﷺ مع هؤلاء المتبعين لأهوائهم، والذين فسدت مناهجهم وتولوا وأعرضوا عن الوحى وتعلقوا بدنياهم وساروا على ظنهم؟!!. إن رسول الله ﷺ يحزنه هذا؛ لأنه حريص على

стр. 195

هداية الناس، وإنقاذهم من ضلالهم وحريص على نجاتهم، ولتخفيف هذه المعاناة وهذا الحزن تأتى المعالجة الكريمة والخطاب الرحيم والرفيق بالنبى ﷺ ومن اقتدى به فى دعوته فى قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠). ولتطمئن قلوب المستجيبين لوحى الله وأن استجابتهم لها جزاؤها عند الله، وليعان هؤلاء المعرضون على التخلص من إعراضهم والتفكير للخروج من حالهم يأتى قول الحق ﵎: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) والآية التى تلا هذه الآية مدنية. وترتيبها في السورة الكريمة فى بيان وصف هؤلاء الذين أحسنوا. إنهم استقاموا بحسن استجابتهم، وسلم سلوكهم فاجتنبوا كبائر الذنوب ونالوا فضل الله فى جبر ضعفهم لما يقع منهم من اللمم قال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢). وبعد هذه الآية المدنية تأتى بقية الآيات المكية لتخاطب الرسول ﷺ فى أمر المعرضين ولتبين لهم أنواعا من علم الغيب منه ما يتعلق بغيب مضى وانكشف وفيه العبرة، ومنه ما يتعلق بغيب يرون آثاره فى سنن الله الكونية والاجتماعية والنفسية، ومنه ما يتعلق بالمستقبل الذى هم إليه صائرون. قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ» (٥٨). وبعد هذا البسط القرآنىّ الكريم لهذه الحقائق تختم السورة الكريمة بتساؤل عن طريقة استقبالهم لهذا الحديث، وغفلتهم عنه وما ينبغى أن يكون: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢).

стр. 196

سورة «عبس» وبعد أن تعرفنا على مجموعة المسائل التى عرضتها سورة النجم؛ ومنها ما يتعلق بالوحى وتنزيه النبى ﷺ عن الضلال، والاطمئنان على مسيرة الوحى من الله سبحانه إلى رسوله ﷺ ، وأن طريق المعرفة اليقينية بعلم الغيب هو ما يخبر به رسول الله ﷺ عن ربه، وتعرفنا على حال الناس مع وحى الله بين مستجيب ومعرض ووصف المستجيبين والمعرضين تثبيتا لمن استجاب وتوجيها وتحريكا لمن أعرض حتى يفكر فى أمر نفسه ونجاتها لعله أن يهتدى. والإعانة على ذلك بتقديم مجموعة من آيات الله سبحانه فى الكون وفى النفس وفى سننه مع خلقه وفى المعاش والمعاد. تستمر سورة «عبس» فى مخاطبة المستجيبين والمعرضين لتربية الفرد والجماعة، ولإرساء قيم الإسلام فى حياة الناس وسلوكهم. فهى مكية فى قول الجميع، ونزلت بعد سورة «النجم» واسمها من أول كلمة فيها تحكى حدثا ملفتا فمن الذى «عبس» أى قبض وجهه تكرها- كما يقول الطبرى «١»؟ إنه صاحب الخلق العظيم والذى عرف بالرحمة واللين. ولذلك فإن السورة الكريمة تثير الانتباه، وتربى بموقف من مواقف الدعوة يتعرض لقيم عاش عليها الناس قبل الإسلام، وتحكمت في حياتهم وأوقعتهم فى كثير من المظالم، فليكن هذا التوجيه بارزا بهذا الموقف، وليكن الطرف الأهم فيه رسول الله ﷺ والطرف الثانى رجل من أتباعه أسلم وحسن إسلامه وذاق حلاوة النقلة إلى وحى الله والعيش فى ظل طاعته، وطلب المزيد مما يزكى قلبه فجاء يسعى وهو يخشى يطلب الذكرى كشأن من ذاق حلاوة الإيمان من المؤمنين فقد سارت الدعوة وجرت فى دمائهم وصارت حلاوة الإيمان فوق ما يواجهون به من تحديات. وجاء وصف هذا الطرف الثانى للموقف بأنه أعمى. وهذا الوصف يفيد فائدتين: الأولى: التنبيه إلى القيمة الاجتماعية التى تكون لمثله فى مجتمع ما قبل الإسلام وقيمه. الفائدة الثانية: بيان ما يمكن أن يكون من نتائج العلاقة بين «عبس» و «الأعمى» فإن الذى لا يرى لن يكون تأثيره بقبض الوجه تكرها كتأثير غيره.

стр. 197

أما الطرف الثالث فى هذا الموقف فيتمثل فى جماعة من المعرضين عن وحى الله جاء وصفهم بالاستغناء وسواء كان هذا الاستغناء بالثروة والمال، أو الاستغناء عن وحى الله وتوجيهاته والإصرار على ما هم عليه من جاهلية، فإن النتيجة واحدة فى انشغالهم وإعراضهم عن وحى الله ودعوة رسوله ﷺ . أحببت أن أقدم لأطراف الموقف التربوى هذا قبل أن أذكر الموقف بأحداثه لأبرز المعنى الذى قد يغطّى عليه فى غمرة ما قيل من أن الموقف عتاب للنبى ﷺ ، وهو أن الموقف يعلى من قيمة جديدة جاء بها الإسلام فى علاقة العبد بربه سبحانه وفى علاقة الناس ببعضهم فيكون قدر الإنسان فى إيمانه وتقواه. ويبطل الموقف قيمة جاهلية فى وزن الناس بمقدار ما يملكون من مال وما ينتمون إليه من عصبية وهذه القيمة الجاهلية وقفت عقبة أمام الكثير منهم، وحرمتهم من الدخول في دين الله والنجاة به خشية أن يكون بجوار مثل هذا الأعمى فضلا عن أنها أفسدت علاقة الناس ببعضهم، وما تبع هذا الفساد من مظالم شتى ولما كان هذا متحكما فى الناس لم يكن تغييره يسيرا. بل احتاج إلى توجيهات متعددة وبأساليب متنوعة وبتطبيقات عملية من رسول الله ﷺ والذين معه- كما سنرى بعد قليل- ومنها هذا الموقف التربوى فى قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦). قال المفسرون: أتى رسول الله ﷺ ابن أمّ مكتوم- وأمّ مكتوم أمّ أبيه، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهرى من بني عامر بن لؤى- وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل ابن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال للنبى ﷺ : أقرئنى وعلمنى مما علمك الله، وكرر ذلك، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآيات، وكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذا رآه: «مرحبا بمن عاتبنى فيه ربى» ويقول: «هل لك من حاجة»، واستخلفه على المدينة بعد ذلك مرتين «١» فى غزوتين غزاهما. قال أنس: فرأيته يوم القادسية

стр. 198

راكبا وعليه درع ومعه راية سوداء. وبعد أن تناولنا أطراف الموقف التربوى فى سبب نزول الآيات الكريمة من سورة عبس، والذى يعالج عقبة من العقبات التى وقفت فى وجه الدعوة من ناحية، وأفسدت علاقات الناس بعضهم ببعض من ناحية أخرى. نذكر أنه قد نبه كثير من العلماء الذين فسروا هذه السورة الكريمة إلى هذا الموقف التربوى وأدركوا هذه القيمة التى ترسيها سورة عبس بهذا الموقف، فمما يذكره القرطبى فى هذا إبراز الحالة التى كان عليها الموقف من إقبال ابن أم مكتوم، والنبى ﷺ مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى، وقد قوى طمعه فى إسلامهم، وكان إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم فجاء ابن أمّ مكتوم وهو أعمى فقال: يا رسول الله علمنى مما علمك الله، وجعل يناديه ويكثر النداء ولا يدرى أنه مشتغل بغيره حتى ظهرت الكراهة فى وجه رسول الله ﷺ لقطعه كلامه «١». كما يذكر القرطبى من قول العلماء فى ذلك أن الله ﵎ عاتب رسوله ﷺ حتى لا تنكسر قلوب الفقراء وليعلم الناس أن المؤمن الفقير خير من الغنى الذى أعرض، وكان النظر إلى المؤمن أولى- وإن كان فقيرا- من النظر إلى غيره من الأغنياء طمعا فى إيمانهم، وإن كان ذلك- أيضا- نوعا من المصلحة «٢». وكل هذا يبرز لنا حرص الرسول ﷺ على هداية الناس وخاصة من كان بعيدا، وأما من آمن فإن الوقت متّسع له وكان منّ الله عليه بالإسلام. ويذكر القرطبى كذلك ما جاء نظير هذه الآية فى العتاب من قوله تعالى فى سورة الأنعام: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام: ٥٢] وكذلك قوله تعالى فى سورة الكهف: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الكهف: ٢٨] «٣» وهذا تأكيد لإبراز هذين النوعين من الناس وأن النوع الأعلى هو المؤمن مع فقره. فالميزان الجديد والمقياس الصحيح الذى يقاس به الإنسان فى حكم الإسلام ما يتمتع به من إيمان وتقوى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وأما ابتدعه الناس من مقاييس يتفاخرون بها ويعلو بعضهم على بعض من مال وعصبية فلا وزن لها عند الله وبهذا تسعد البشرية. وأما صاحب التفسير الكبير فيثير مجموعة من التساؤلات ليؤكد- أيضا- هذا المعنى

стр. 199

التربوى، فمما ذكره فى ذلك: أن يقال- مثلا-: إن ابن أمّ مكتوم ﵁ كان يستحق الزجر فكيف عاتب الله رسوله على أن عبس فى وجهه؟ وأما استحقاق الزجر فلوجوه أحدها: أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول ﷺ أولئك الكفار، وكان يسمع أصواتهم أيضا، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبى ﷺ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلام النبى ﷺ وإلقاء غرض نفسه فى البين قبل تمام غرض النبى ﷺ إيذاء. ثانيا: أن الأهم مقدم على المهم، وهو كان قد أسلم وتعلم ما كان يحتاج إليه من أمر الدين، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا وإسلامهم سبب لإسلام جمع عظيم، فإلقاء ابن أم مكتوم ذلك الكلام فى البين كالسبب فى قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل. ومما أجاب به عن هذا التساؤل: أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وانكسار قلوب الفقراء؛ ولهذا كانت المعاتبة ونظيره قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام: ٥٢]. ومن هذه التساؤلات: أنه ﵊ كان مأذونا فى أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة، وأنه ﵊ كثيرا ما كان يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء، وكيف لا يكون كذلك وهو- ﵊ إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلا فى إذن الله تعالى إياه فى تأديب أصحابه، وإذا كان ذلك مأذونا فيه، فكيف وقعت المعاتبة عليه؟ ويجيب عن هذا التساؤل أنه ﷺ كان مأذونا فى تأديب أصحابه لكن هاهنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة «١». بهذا يتضح وضوح فكرة إعلاء القيمة الجديدة فى النظرة إلى الإنسان، ووزنه على أساس سليم عادل يقدر فيه الإنسان بما يقدمه نفسه من تقوى، وهذا الأساس يتساوى فيه الناس جميعا ويكون فيه المجال للتسابق الذى يسعد البشرية، كما يتضح إهدار الأسس الظالمة فى تقويم الإنسان بما لا حيلة له فيه من عصبية أو ذرية أو مال أو غيره من مقاييس تثير العداوة والبغضاء بين الناس.

стр. 200

فكان الموقف الذى عالجته سورة عبس فى آياتها الأولى فى وضوح لدى المؤمنين ولدى المعرضين فهذا الموقف الاجتماعى يخص الفريقين. وظل هذا الغرس للقيمة الجديدة يجد غذاءه فى الآيات القرآنية الكريمة بعد ذلك، وفى توجيهات الرسول ﷺ وفى الممارسات العملية التى نتناول بعضا منها إن شاء الله. ومما تضمنته سورة «عبس» من الجوانب التربوية والمعانى الكريمة إبراز الجانب التربوى فى موقف الرسول ﷺ من ابن أم مكتوم ﵁ أثناء دعوة جماعة من المشركين وهذا الجانب التربوى الذى أبرزه المفسرون فى تناولهم للسورة الكريمة والذى ركزنا عليه حتى لا يغيب فى جوّ العتاب والتربية الجديدة فى الموقف والتى تعلى الإنسان بتقواه وليس بماله وجاهه وعصبيته. ظل هذا المعنى مرعيا فيما يتنزل من قرآن كريم وما يقدمه الرسول الكريم من توجيهاته ومواقفه العملية التى يذيب فيها ما اعتاده الناس من قيم جاهلية؛ فساوى ﷺ بين أصحابه ولم يقدم أحدا إلا بالمقياس الجديد. فآخى بين المهاجرين والأنصار عند ما قدم المدينة فجعل عمه حمزة ومولاه زيد بن حارثة ﵄ أخوين، وجعل خالد بن رويحة الخثعمى وبلال بن رباح أخوين. وزوّج ﷺ بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية لمولاه زيد بن حارثة. كما بعث زيد بن حارثة أميرا في غزوة مؤتة وجعله الأمير الأول ويليه فى الإمارة جعفر بن أبى طالب، ثم عبد الله بن رواحة الأنصارى، على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار فيهم خالد بن الوليد ﵄. وفى آخر العمر المبارك للنبى ﷺ أمّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم يضم عددا كبيرا من المهاجرين والأنصار فيهم وزيراه أبو بكر وعمر ﵄ وفيهم سعد بن أبى وقاص وله قرابته وسبقه إلى الإسلام ﵁. ولما طعن بعض الناس فى إمارة أسامة لحداثته كان جواب النبى ﷺ فيما حكاه عمر بن الخطاب ﵄ بقوله: بعث رسول الله ﷺ بعثا أمّر عليهم أسامة بن زيد ﵄ فطعن بعض الناس فى إمارته، فقال النبى ﷺ : إن تطعنوا فى إمارته فقد كنتم تطعنون فى إمارة أبيه من قبل. وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلىّ. وإن هذا لمن أحب الناس إلىّ» «١». وهو الذى قال عن سلمان الفارسى: «سلمان منا أهل البيت» «٢» تحطيما للعصبية

стр. 201

والقومية الضيقة ودخولا فى رحابة الإسلام وقيمه. ولما وقع بين أبى ذر الغفارى وبلال بن رباح ﵄ ما جعل لسان أبى ذر يخاطب بلالا بقوله: «يا بن السوداء» غضب لذلك رسول الله ﷺ غضبا شديدا، وقال: «يا أبا ذر طفّ الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل» «١» وتكون استجابة أبى ذر تكفير لهذه الفلتة أن يضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال. وكان ﷺ يقول عن عمار بن ياسر- وقد استأذن عليه- «ائذنوا له، مرحبا بالطيب المطيب» «٢». وأما جليبيب وهو رجل من الموالى ﵁ فكان رسول الله ﷺ يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار فلما تأبى أبواها قالت هى: أتريدون أن تردوا على رسول الله ﷺ أمره؟ إن كان رضيه لكم فأنكحوه فرضيا وزوجاها «٣». وقد افتقده رسول الله ﷺ فى الوقعة التى استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه. فعن أبى برزة الأسلمى ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ فى مغزى له فأفاء الله عليه. فقال لأصحابه: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: «هل تفقدون من أحد؟»، فقالوا: لا. قال: «لكنى أفقد جليبيبا» فطلبوه فوجدوه إلى جنب سيفه قد قتلهم ثم قتلوه، فأتى النبىّ، ﷺ فوقف عليه، ثم قال: «قتل سبعة ثم قتلوه هذا منى وأنا منه». ثم وضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدا النبى ﷺ قال: فحفر له، ووضع قبره ولم يذكر غسلا. أخرجه مسلم. وقد أثمرت هذه التربية فى أصحاب النبى ﷺ الذين استجابوا لوحى ربهم، وعلى سبيل المثال فأبو بكر خليفة رسول الله ﷺ يحفظ عن رسول الله ﷺ ما أراده فى أمر أسامة فكان أول عمل له بعد توليه الخلافة، هو إنفاذه بعث أسامة على رأس الجيش الذى أعده رسول الله ﷺ وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة فى مشهد عجيب، أسامة راكب وأبو بكر الخليفة راجل يمشى. فيستحى أسامة أن يركب وهو الفتى وأبو بكر يمشى وهو الخليفة والشيخ: فيقول: يا خليفة رسول الله لتركبنّ أو لأنزلنّ، فيقسم الخليفة، والله لا تنزل. وو الله لا أركب. وما علىّ أن أغبّر قدمىّ فى سبيل الله ساعة.

стр. 202

ولما أراد أن يبقى عمر ليساعده فى شئون الأمة يقول الخليفة لأسامة قائد الجيش وعمر أحد جنوده: إن رأيت أن تعيننى بعمر فافعل ﵃ أجمعين. كان التعليم بالموقف مبكرا وكان التوجيه القولى والعملى مستمرا. ومما تضمنته سورة عبس من المعانى الكريمة بعد الموقف التربوى التعليمى فى إعلاء الرجل الأعمى بتقواه وخفض وجهاء القوم باستغنائهم وإعراضهم- يأتى التوجيه بأن هذا الموقف وهذه الآيات وهذا القرآن الكريم تذكرة موجهة إلى الجميع فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) وأقبل عليه واستجاب له إنه فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦). وبعد هذا العرض يأتى قوله تعالى فى بيان نوعية من الناس تحرم من الخير بعد أن يصل إليها وتنقلب على عقبها فقال تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) أى لعن وعذّب هذا الإنسان الكافر. روى الضحاك عن ابن عباس قال: نزلت فى عتبة بن أبى لهب وكان قد آمن، فلما نزلت «والنجم» ارتدّ، وقال: آمنت بالقرآن كلّه إلا النجم، فأنزل الله جل ثناؤه فيه «قتل الإنسان» أى لعن عتبة حيث كفر بالقرآن، ودعا عليه رسول الله ﷺ فقال: «اللهم ابعث عليه كلبك يأكله» فخرج من فوره بتجارة إلى الشام فلما انتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبى ﷺ ، فجعل لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيا، فجعلوه فى وسط الرّفقة، وجعلوا المتاع حوله، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد، فلما دنا من الرجال وثب، فإذا هو فوقه فمزقه، وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال: ما قال محمد شيئا قط إلا كان. وهذا الفريق الكافر المعاند بكبره ... ألا ينظر إلى خلقه حتى يستحيى ولا يتكبر إنه خلق من ماء مهين، وفى مكان ضيق، ويسره الله للخروج إلى الحياة ثم أماته وأدخله القبر والإنسان يشاهد كل هذا فلا ينبغى أن يكذب بما يعده من نشور. وإن دخله شك واستبعاد فلينظر إلى من حفظ له حياته ونماءه بعد أن أخرجه من بطن أمه إنه هو الذى أمده بالطعام فلينظر إلى مظاهر قدرة الله فى هذا الطعام، وأن الذى أحيا الأرض وأخرج الطعام لكم ولأنعامكم هو الذى سيحييكم فلا مجال للكبر ولا مجال للتفاخر، ولا ينبغى أن يكون الكبر بالمال والعصبية عائقا عن الهداية فإن هذه المظاهر لا

стр. 203

تغنى عن الإنسان من الله شيئا يوم يكون لكل امرئ ما شغله بنفسه عن أقرب الناس إليه قال تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧). ويجد الناس أنفسهم فى هذا اليوم فريقين أيضا فكما كانوا بين مؤمن مستجيب لأمر الله ورسوله، ومعرض معاند سيكونون يوم القيامة بين ناجين فائزين. وخائبين خاسرين هالكين، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢). نسأل الله العافية.

стр. 204

سورة «القدر» وبعد هذا البيان فى سورة عبس والذى تضمن وصف الذكر الحكيم الذى فيه هداية الناس، وأن من شاء ذكره فى صحف مكرمة بأيدى سفرة كرام بررة. يأتى مزيد من البيان للناس فى جلالة القرآن عند الله تعالى، وقدر الزمن الذى شرف بنزول القرآن فيه فى سورة القدر التى نزلت بعد سورة عبس: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥). فسورة القدر سورة مكية كما روى ذلك أبو صالح عن ابن عباس ﵄، وقال الماوردى: إنه قول الأكثرين كما ذكر ابن الجوزى ﵀. وهو الصواب أى أن سورة القدر نزلت بعد سورة عبس. وأما الضحاك ومقاتل فيقولان: إنها مدنية، وذكر الواقدى أنها أول سورة نزلت بالمدينة، وقال الثعلبى: إنه قول الأكثرين «١» ولكنّ الأرجح هو القول الأول وهذا- أيضا- ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت بمكة، وتبين للناس قدر ما نزل إليهم فهو كما وصف فى السورة التى سبقت فى صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدى سفرة كرام بررة، إنه كتاب ذو قدر أنزل على رسول ذى قدر، على أمة ذات قدر فى ليلة مباركة ذات قدر ينزل فيها ملائكة ذوو قدر «٢». هذا على معنى أن القدر يعنى العظمة، قال ذلك الزهرى ويشهد له قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١] وما قيل فى معنى القدر من المعانى الأخرى فإنه لا يخرج عن دائرة العظمة والشرف فقد قيل: إنه من الضيق ويفسر الضيق- هنا- بأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة الذين ينزلون، قاله الخليل بن أحمد، وهذا- أيضا- دليل احتفاء بهذه الليلة العظيمة ويشهد له قوله تعالى: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]. وقيل: إن القدر بمعنى الحكم قاله مجاهد وسميت بذلك لأن الله تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغيره «٣». وقيل: لأن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر، قاله أبو بكر الوراق. فكما نرى أن المعانى كلها تؤكد فيها معنى العظمة والشرف والقدر لأن القرآن

стр. 205

القرآن الكريم أنزل فيها أى أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، ثم إلى الأرض نجوما كما قال ابن عباس ﵄. وكان ابتداء إنزاله- كما قال الشعبى- ليلة القدر. ثم تتابع نزوله بعد ذلك على رسول الله ﷺ منجما على ثلاثة عشر عاما تقريبا. وهذا الوصف لهذه الليلة بالقدر، وأنها المباركة من الشهر الكريم المبارك شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥] يثير انتباه الناس إلى حقيقة ما هم فيه، ولكى يدركوا حق هذا القدر عليهم أن ينظروا نظرة سريعة إلى صفحة الحياة قبل ليلة القدر، وصفحة الحياة بعدها ليقفوا على شرف ما وصلت إليه الحياة، وعلى النقلة الكبيرة التى حدثت لهم من صورة مظلمة قاتمة قبل ليلة القدر لا تبصر فيها إلا الضلال المبين فى العقيدة، والتصورات للإنسان وللكون وللحياة، وفى النفس، وفى العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى صورة مشرقة منيرة عرف الإنسان فيها ربه، واقتدى بنبيه صار فى السراء شاكرا وفى الضراء صابرا وصار للحياة متفائلا مؤملا فى رحمة الله الواسعة، صار ذا قلب تقى نقى ونفس مطمئنة يعرف حق الله فيؤديه، وحق إخوانه فيفى به، يرعى من يعول ويحسن إلى الآخرين بل ويعفو عن المسيء ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. إنها صورة ترى فيها ملامح الحياة الطيبة العزيزة التى تليق بالإنسان وكرامته إذا أمعن الإنسان النظر فى الصورتين؛ صورة الجاهلية بظلماتها وضلالها وخمول الذكر فيها، وصورة ما بعد ليلة القدر التى عاش الناس فيها بالإسلام وهديه ونوره والحق الذى جاء به يدرك قيمة ليلة القدر. وزاد الله هذه الأمة خيرا بليلة القدر ونبههم إليه بقوله الكريم وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ فجعل الله قيامها والعمل فيها خيرا من قيام ألف شهر وصيامها ليس فيها ليلة القدر. وهذا قول قتادة واختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج «١» وهذا جبر لهذه الأمة التى تطمح فى الخير الكثير وعمرها دون طموحها، قال مالك فى الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره: سمعت من أثق به يقول: إن رسول الله ﷺ أرى أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم فى طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر «٢».

стр. 206

ومن فضل الله تعالى أن جعلها باقية فى زمن النبى ﷺ وبعده «١» ولكى يحرص المسلمون على اغتنام فضلها مع مزيد من القربات التى تنمى الإيمان وتصلح القلوب جعلها محلا لتحرى المؤمنين فى شهر رمضان، وفى العشر الأواخر منه وخاصة فى ليالى الوتر منها. روى البخارى فى صحيحه من حديث ابن عباس عن النبى ﷺ : «التمسوها فى العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر، فى تاسعة تبقى، فى سابعة تبقى، فى خامسة تبقى» «٢» قال ابن كثير بعد ما ذكر حديث البخارى هذا: فسره كثيرون بليالى الأوتار، وهو أظهر وأشهر. وذكر ابن الجوزى الحكمة فى إخفائها فقال: ليتحقق اجتهاد العباد فى ليالى رمضان طمعا منهم فى إدراكها، كما أخفى ساعة الجمعة، وساعة الليل، واسمه الأعظم، والصلاة الوسطى، والولىّ فى الناس «٣». هذه هى ليلة القدر التى جاء التنويه بفضلها فى سورة القدر والتى جاء فى الاحتفاء بها أيضا قوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥).

стр. 207

سورة «الشمس» وهى مكية بلا خلاف نزلت بعد سورة القدر، لتفتح النفوس على ما يزكيها، فتبدأ السورة الكريمة بالقسم، والقسم- هنا بآيات كونية باهرة لها صلة وثيقة بما تضمنته السورة من مسألة جديرة بالعناية والاهتمام، إنها مسألة تزكية النفس التى تقترن بفلاح صاحبها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) فالفلاح والخيبة مرتبطان بتزكية النفس ودسّها والنجاة من دسها وسبيل تزكيتها فى وحى الله الذى جاء ذكره ووصفه فى السور القريبة السابقة فى سورة النجم وفى سورة عبس وفى سورة القدر ورسول الله ﷺ بما جاء به من عند ربه يقوم بهذه التزكية: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [آل عمران]. وإذا كانت الشمس فى ضوئها وإشراقها يتلوها قمر له ضياؤه ونوره، ويجليها نهار، ويغشاها ليل فيذهب بضوئها، فإنها آيات باهرة تغمر الإنسان وتحيط به وينعم بها وتورث فى نفس المتأمل لها الحبّ لبارئها والخشية منه وفى الوقت نفسه تنبه له أن نفسه يعتورها من الحالات ما تكون معها نفسها زكية، وما تكون معها نفسا خبيثة فليتعرف على طريق التزكية، ومنها: الإقبال على آيات الله القرآنية ليعمل بها ويزكى بها نفسه، وعلى آيات الله الكونية فيتأملها ومنها: مع الآيات السابقة السماء والأرض وآيات القدرة فيها من البناء والبسط، وليستعين بالله فى ذلك على تزكية نفسه كما كان يقول رسول الله فى دعائه: «اللهم آت نفسى تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» يقول الله تعالى فى بيان ذلك: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠). وفى هذا بيان مبكر أيضا للإنسان بمسئوليته عن نفسه، وأنها مهيأة للطريقين ومن فضل الله على الإنسان أن يسر له سبل التزكية وأعان من سلكها، فالنفس خلقت فى

стр. 208

البداية سويّة قال ابن كثير ﵀ فى قوله تعالى: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) أى خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠] وقال رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهمة بهمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» أخرجاه من رواية أبى هريرة، وفى صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعى عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله : إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» «١» ولكى يعينهم الله على شياطينهم أرسل إليهم رسولا كريما يتلو عليهم آياته ويزكيهم وأرشدهم الله وبين لهم الخير والشر ورغبهم فى الخير وأثابهم عليه وحذرهم من الشر، وعاقبهم عليه. ومن بين هذه المحاذير التى تعين على سبيل التزكية وتبعد عن طريق الفجور والمعصية أن يقدم الذكر الحكيم، وفى هذه السورة تجارب السابقين، وما صنعوا، ومن هذه التجارب إهمال الناس للعابثين والمفسدين حتى يجر عليهم هؤلاء العابثون الويل والدمار والخراب وهذا المعنى يذكر فى هذا الوقت لينبه إلى الزعامات الضالة التى تولت الصدّ عن سبيل الله، وتعذيب المؤمنين والجرأة على أموالهم وأعراضهم ونفوسهم كنموذج الذى تولى فى سورة النجم ونموذج من استغنى فى سورة عبس. وكيف أن هؤلاء يكونون مصدر بلاء وخطر شديد على أقوامهم يقول الله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥). فثمود كذبت رسولها بطغيانها وتكبرها وعتوها. ولم يعبئوا بقوله وتحذيره، وتجرءوا على مخالفة أمره، وانتدبوا لهذه الجرأة عزيزا فيهم فعقر الناقة، فأطبق عليهم العذاب. يقول ابن كثير ﵀ فى قوله تعالى: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) أى أشقى القبيلة وهو قدار بن سالف عاقر الناقة وهو أحيمر ثمود وهو الذى قال الله تعالى: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) [القمر] الآية وكان هذا الرجل عزيزا فيهم شريفا فى قومه نسيبا رئيسا مطاعا كما قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا هشام عن أبيه عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذى عقرها فقال: «إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) انبعث لها رجل عارم عزيز منيع فى رهطه مثل أبى زمعة» ورواه البخارى فى التفسير ومسلم فى صفة النار والترمذى والنسائى فى التفسير من سننهما وكذا ابن جرير وابن أبى حاتم «٢».

стр. 209

سورة «البروج» وهى مكية كلها بالإجماع ونزلت بعد سورة «الشمس» وقد عالجت سورة الشمس- كما مر بنا- مسألة تزكية النفوس قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كما نبهت إلى خطورة الطغيان وشؤم الطاغية على قومه حيث يعرّضون جميعا للهلاك، ويستمر فى مسيرة الدعوة وجود النوعين من الناس من استجاب لوحى ربه وزكى نفسه، ومن دساها وأعرض عن ذكر ربّه، والمرء عند ما ينصرف عن خير دعى إليه، فذلك حرمان له يصيبه، وعند ما يعرض عن إنذار له من شر يقيم عليه فإن الشر سيهلكه، وذلك الإعراض الذى يخصه يدل على قصور فيه، وجهل يعميه عن التمييز بين الحق والباطل، الخير والشر، ولكن يبقى ذلك فى دائرته، أما أن تجد المدعو لا يكتفى بهذا الإعراض، وتمتد يده الآثمة لتؤذى الداعى، فإن ذلك يدل على حماقة بالغة، ونفسية خبيثة، وحقد دفين، وأثره مفرطة، فقد يكون فى الدعوة خير للآخرين، وحماية لهم من مظالم هذا الحاقد الخبيث. وتزداد درجة الحماقة والحقد والحسد فيه عند ما نجده لا يكتفى بإيذاء الداعى، وإنما يغيظه أن يرى إنسانا آخر فى مجتمعه فتح عينيه وأعمل عقله، وأصغى بقلبه واستجاب بجوارحه للدعوة التى رفضها هذا الحاسد الحاقد، فتمتد يده بالأذى لمن آمن واستجاب، وأقام من نفسه قيما على عقول الناس وتفكيرهم فلا ينبغى أن يروا إلا ما يرى، وينبغى أن يكونوا تبعا له فى جهالته. وبمثل هؤلاء تعوّق الأمم، وتشغل بسفاهتهم، وكل هذا وقع مع الداعى الكريم والناصح الأمين رسول الله محمد ﷺ ومع أصحاب النبى ﷺ على اختلاف فى درجاتهم من حيث الانتماء إلى قوة عصبية تدفع عنهم بعض الأذى ويحسب لها حساب من قبل المشركين. فهذا عمار وأبوه ياسر وأمّه سميّة كان المشركون يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها، ومر بهم النبى ﷺ وهم يعذّبون فقال: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة». ولم يكن التعذيب لفترة زمنية يسيرة، أو بدرجة معقولة، وإنما كان يشتد ويستمر

стр. 210

إلى درجة الإتلاف، فمات ياسر فى العذاب، وأما سمية فأغلظت القول لأبى جهل بعزة إيمانها، فتصرف معها تصرفا لا يليق بالرجال فطعنها فى قبلها بحربة فى يديه فماتت، وهى أول شهيدة فى الإسلام، وأما عمار فشددوا عليه بالحر تارة وبوضع الصخر على صدره تارة أخرى وكذلك التغريق، وأما بلال فتعذيبه مشهور فكان أمية ابن خلف إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يقلبه على الرمال الملتهبة ظهرا لبطن ويأمر بالصخرة الجسمية فتلقى على صدره ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فما يزيد بلال عن ترديد: أحد أحد. واشتدت ضراوة قريش بالمستضعفين وذهب أحلمهم وهو «خباب بن الأرت» إلى رسول الله ﷺ . قال خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة فى ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له فى الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت فلا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون». فالرسول ﷺ يحثهم على الصبر، ويذكرهم بما كان يفعل بالمؤمنين فى الأمم السابقة، وتنزل سورة البروج لتربط على قلوب هؤلاء المؤمنين، ولتنذر وتحذر أولئك الطغاة الآثمين الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات، ولتذكر الجميع بما حدث فى الأمم السابقة قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢).

стр. 211

سورة البروج- إذن- من السور التى تربط على قلوب المؤمنين فى مواجهة ما يلاقون من تحديات وآلام نتيجة إيمانهم، ولذلك كان الرسول ﷺ يقرأ بها فى العشاء الآخرة ويأمر بقراءتها. روى الإمام أحمد بسنده عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ فى العشاء الآخرة ب وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ووَ السَّماءِ وَالطَّارِقِ، وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسماوات فى العشاء، تفرد به أحمد «١». وعن جابر ابن سمرة: أن النبى ﷺ كان يقرأ فى الظهر والعصر، وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ أخرجه الطيالسى وابن أبى شيبة فى المصنف وأحمد والدارمى وأبو داود والترمذى وحسنه والنسائى وابن حبان والطبرانى والبيهقى فى سننه. كان نزول سورة البروج ربطا على القلوب فى مواجهتها للإيذاء والتحديات، وما فيها من المعانى لا غنى للمؤمنين عنها فى مسيرتهم، وهى ضرورية أيضا لمن أراد أن يعتبر من الطغاة. إن السورة الكريمة افتتحت بالقسم، والقسم هنا بالسماء ذات النجوم وذات المنازل لهذه النجوم إنها السماء فى إحكام بنائها وخلقها وزينتها وإحاطتها بمن تحتها واليوم الموعود وهو يوم القيامة، وشاهد ومشهود وهو كما يقول الطبرى بعد إيراده لما قيل فى المعنى: إن الله أقسم بشاهد شهد ومشهود شهد ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أىّ شاهد وأى مشهود أراد، وكل الّذى ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعنىّ مما يستحق أن يقال له وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣). والقسم بهذه له مناسبته بما تتضمنه السورة الكريمة من فعل الكافرين بالمؤمنين عيانا ونسوا عقاب الجبار ﷻ ونسوا اليوم الذى يجمع فيه العباد للحساب، وإذا أمهل الظالمون فى هذه الحياة فإن اليوم الموعود آت إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) [إبراهيم]. ويأتى بعد هذا الإقسام ما حدث فى السابقين من لعن الله لأصحاب الأخدود الذين عذبوا المؤمنين وحرقوهم بالنار لا لذنب إلا لكونهم مؤمنين. روى الإمام أحمد بسنده عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك: إنى قد كبر سنى وحضر أجلى فادفع إلى غلاما لأعلمه السحر فدفع إليه غلاما كان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين

стр. 212

الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك، فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسنى أهلى، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسنى الساحر. قال: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحبّ إلى الله أم أمر الساحر؟ قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها ومضى الناس، فأخبر الراهب بذلك فقال: أى بنى أنت أفضل منى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدلّ علىّ، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس فعمى فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفنى ولك ما هاهنا أجمع، فقال: ما أنا أشفى أحدا إنما يشفى الله فإن آمنت به دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال: ربى؟ فقال: أنا؟ قال: لا، ربى وربك الله، قال: أو لك رب غيرى؟ قال: نعم ربى وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فبعث إليه فقال: أى بنى بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء، قال: ما أشفى أحدا إنما يشفى الله ، قال: أنا، قال: لا، قال: أولك رب غيرى؟ قال: ربى وربك الله، فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى بالراهب فقال: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار فى مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار فى مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه فذهبوا به فلما علوا به الجبل، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك. فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فبعث به مع نفر فى قرقور فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه فى البحر فلججوا به البحر، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك. فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى ثم قال

стр. 213

للملك: إنك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتنى، وإلا فإنك لا تستطيع قتلى، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس فى صعيد واحد ثم تصلبنى على جذع وتأخذ سهما من كنانتى ثم قل: باسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتنى. ففعل ووضع السهم فى كبد قوسه ثم رماه وقال: باسم الله رب الغلام فوقع السهم فى صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك. قد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فخدّت فيها الأخاديد، وأحرقت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع فى النار، فقال الصبى: اصبرى يا أماه فإنك على الحق». وهكذا رواه مسلم فى آخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه. ورواه النسائى عن أحمد بن سلمان عن عثمان عن حماد بن سلمة، ومن طريق حماد بن زيد كلاهما عن ثابت به واختصروا أوله، وقد جوّده الإمام أبو عيسى الترمذى فرواه فى تفسير هذه السورة «١». ومع ما حدث للمؤمنين من أصحاب الأخدود، وأن ذنبهم الذى عوقبوا به هو إيمانهم بالله سبحانه. ولكى يكون من التوجيه القرآنى الكريم ما يحذر الكافرين من الاستمرار فى تعذيب المؤمنين من أصحاب النبى ﷺ ، ولكى يطمئن المؤمنون كذلك تذكر السورة الكريمة تعقيبها على ما حدث لهؤلاء المؤمنين السابقين. أن الذى آمن به المؤمنون سبحانه عزيز غالب منيع له العزة التى قهر بها كل شىء، وهو الحميد فى صفاته وكلامه وأفعاله والمحمود فى كل حال فهل أمن هؤلاء الكافرون المعذّبون للمؤمنين أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر؟ وهل هؤلاء المؤمنون الذين عذّبوهم قد تجاوزوا الحق وقد آمنوا بالمحمود فى كل حال، والذى له ملك السموات والأرض، والذى يعلم أعمال خلقه ولا تخفى عليه خافية، إن هؤلاء المعذّبين للمؤمنين والمؤمنات إن لم يتوبوا من قبيح صنيعهم فإن الجبار ﷻ سيعاقبهم بجنس صنيعهم حيث يحرّقون ويكونون وقودا لجهنم مع انتقامه منهم فى الحياة الدنيا، وأما المؤمنون الصالحون فإنهم فائزون بإيمانهم وصلاحهم، ما هى إلا لحظات يسيرة حين يحرقون بنار الكافرين، ليجدوا ما أعدّ

стр. 214

لهم من نعيم وليصيروا إلى جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير. كما تقدم السورة الكريمة تحذيرا آخر، وربطا على القلوب المؤمنة عسى أن تفيد الكافرين من التحذير، وليطمئن المؤمنون على صلة الودود سبحانه بهم. إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) كما قال تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) [هود] وهو الذى خلق خلقه ابتداء وهو الذى يعيدهم عند البعث، أو كما قال ابن عباس ﵄: يبدئ لهم عذاب الحريق فى الدنيا، ثم يعيده عليهم فى الآخرة. وهذا اختيار الطبرى «١». وهو سبحانه الغفور الذى يغفر الذنوب لمن تاب ورجع واستغفر وهو المحب لأوليائه ولعباده الصالحين الذين يحبونه قال ابن عباس: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. وذكر الصفتين معا توجيه إلى قيمة التوبة والمغفرة «والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بفلاة» وهذا من فضل الله سبحانه على عباده. وهو سبحانه ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد. ألا يخشى هؤلاء من هذه صفاته؟ سبحانه. وإذا كانت قلوبهم قد غلّقت فلينظروا إلى أمثالهم من المكذبين الذين عذبوا المؤمنين من أمثال فرعون الذى ذبح الأطفال واستحيا النساء وأراد الفتك بالمؤمنين فتبعهم بجيشه وكيف أغرقه الله؟ وكذلك ثمود كيف أهلكهم الله؟ ولكن الكافرين لا ينتفعون بهذه الدروس فلتكن هذه الدروس ربطا على قلوب المؤمنين أما الكافرون فالله من ورائهم محيط يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون وثمود. وهذا الذى حكى للمؤمنين وللكافرين كلام الله سبحانه عظيم المعانى متناه فى الشرف والبركة كثير الخير والعلم ومكتوب فى اللوح، المحفوظ من وصول الشياطين إليه ومحفوظ من التغيير والتبديل.

стр. 215

سورة «التين» ومع المعانى التى عالجتها سورة البروج تنزل بعدها سورة «التين»، لتستمر فى بيان الموضوع نفسه مثيرة فى الإنسان جوانب التفكير فى شأن من سبق مع تعدد أماكنهم، وأنهم امتداد بشرى لهولاء السابقين، وأنهم جميعا تحت سلطان أحكم الحاكمين الذى لا يجور ولا يظلم أحدا، ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم فى الدنيا ممن ظلمه «١». وأنه سبحانه لا يجعل المحسنين كالمسيئين كما تنبه السورة الكريمة الإنسان إلى قيمته وكيف يحافظ عليها قال تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. هكذا روى أبو هريرة ﵁ مرفوعا: «فإذا قرأ أحدكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فأتى على آخرها أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين». فسورة التين مكية فى قول الجمهور ومنهم الحسن وعطاء وهو الصواب، ونزلت بعد سورة البروج- كما سبق- غير أن الماوردى حكى عن ابن عباس وقتادة أنها مدنية «٢». وبدأت السورة الكريمة بالقسم بهذه الأشياء الثلاثة بالتين والزيتون وطور سينين يقول ابن كثير ﵀: وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله فى كل واحد منها نبيّا مرسلا من أولى العزم أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محله التين والزيتون وهى بيت المقدس التى بعث الله فيها عيسى ابن مريم ﵇ والثانى: طور سينين وهو طور سيناء الذى كلّم الله عليه موسى بن عمران ﵇ والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذى من دخله كان آمنا وهو الذى أرسل فيه محمدا ﷺ «٣». فهذا المعنى يؤكد ما سبق ذكره فى سورة البروج من أخذ الاعتبار عن شواهد التاريخ حتى لا يقع فى ظلم نفسه وظلم غيره، وحتى يكون من فريق المؤمنين الصالحين.
следующие страницы →