سورة البروج- إذن- من السور التى تربط على قلوب المؤمنين فى مواجهة ما يلاقون من تحديات وآلام نتيجة إيمانهم، ولذلك كان الرسول ﷺ يقرأ بها فى العشاء الآخرة ويأمر بقراءتها. روى الإمام أحمد بسنده عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ فى العشاء الآخرة ب وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ووَ السَّماءِ وَالطَّارِقِ، وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسماوات فى العشاء، تفرد به أحمد «١». وعن جابر ابن سمرة: أن النبى ﷺ كان يقرأ فى الظهر والعصر، وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ أخرجه الطيالسى وابن أبى شيبة فى المصنف وأحمد والدارمى وأبو داود والترمذى وحسنه والنسائى وابن حبان والطبرانى والبيهقى فى سننه.
كان نزول سورة البروج ربطا على القلوب فى مواجهتها للإيذاء والتحديات، وما فيها من المعانى لا غنى للمؤمنين عنها فى مسيرتهم، وهى ضرورية أيضا لمن أراد أن يعتبر من الطغاة. إن السورة الكريمة افتتحت بالقسم، والقسم هنا بالسماء ذات النجوم وذات المنازل لهذه النجوم إنها السماء فى إحكام بنائها وخلقها وزينتها وإحاطتها بمن تحتها واليوم الموعود وهو يوم القيامة، وشاهد ومشهود وهو كما يقول الطبرى بعد إيراده لما قيل فى المعنى: إن الله أقسم بشاهد شهد ومشهود شهد ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أىّ شاهد وأى مشهود أراد، وكل الّذى ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعنىّ مما يستحق أن يقال له وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣).
والقسم بهذه له مناسبته بما تتضمنه السورة الكريمة من فعل الكافرين بالمؤمنين عيانا ونسوا عقاب الجبار ﷻ ونسوا اليوم الذى يجمع فيه العباد للحساب، وإذا أمهل الظالمون فى هذه الحياة فإن اليوم الموعود آت إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) [إبراهيم]. ويأتى بعد هذا الإقسام ما حدث فى السابقين من لعن الله لأصحاب الأخدود الذين عذبوا المؤمنين وحرقوهم بالنار لا لذنب إلا لكونهم مؤمنين.
روى الإمام أحمد بسنده عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك: إنى قد كبر سنى وحضر أجلى فادفع إلى غلاما لأعلمه السحر فدفع إليه غلاما كان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين
стр. 212
الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك، فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسنى أهلى، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسنى الساحر. قال: فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحبّ إلى الله أم أمر الساحر؟ قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها ومضى الناس، فأخبر الراهب بذلك فقال: أى بنى أنت أفضل منى وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا
تدلّ علىّ، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس فعمى فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفنى ولك ما هاهنا أجمع، فقال: ما أنا أشفى أحدا إنما يشفى الله فإن آمنت به دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال: ربى؟ فقال: أنا؟ قال: لا، ربى وربك الله، قال:
أو لك رب غيرى؟ قال: نعم ربى وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فبعث إليه فقال: أى بنى بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء، قال: ما أشفى أحدا إنما يشفى الله ، قال: أنا، قال: لا، قال: أولك رب غيرى؟
قال: ربى وربك الله، فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى بالراهب فقال: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار فى مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار فى مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض.
وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال:
إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه فذهبوا به فلما علوا به الجبل، قال:
اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك. فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فبعث به مع نفر فى قرقور فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه فى البحر فلججوا به البحر، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك. فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى ثم قال
стр. 213
للملك: إنك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتنى، وإلا فإنك لا تستطيع قتلى، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس فى صعيد واحد ثم تصلبنى على جذع وتأخذ سهما من كنانتى ثم قل: باسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتنى. ففعل ووضع السهم فى كبد قوسه ثم رماه وقال: باسم الله رب الغلام فوقع السهم فى صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك. قد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فخدّت فيها الأخاديد، وأحرقت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع فى النار، فقال الصبى:
اصبرى يا أماه فإنك على الحق».
وهكذا رواه مسلم فى آخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه. ورواه النسائى عن أحمد بن سلمان عن عثمان عن حماد بن سلمة، ومن طريق حماد بن زيد كلاهما عن ثابت به واختصروا أوله، وقد جوّده الإمام أبو عيسى الترمذى فرواه فى تفسير هذه السورة «١».
ومع ما حدث للمؤمنين من أصحاب الأخدود، وأن ذنبهم الذى عوقبوا به هو إيمانهم بالله سبحانه. ولكى يكون من التوجيه القرآنى الكريم ما يحذر الكافرين من الاستمرار فى تعذيب المؤمنين من أصحاب النبى ﷺ ، ولكى يطمئن المؤمنون كذلك تذكر السورة الكريمة تعقيبها على ما حدث لهؤلاء المؤمنين السابقين. أن الذى آمن به المؤمنون سبحانه عزيز غالب منيع له العزة التى قهر بها كل شىء، وهو الحميد فى صفاته وكلامه وأفعاله والمحمود فى كل حال فهل أمن هؤلاء الكافرون المعذّبون للمؤمنين أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر؟ وهل هؤلاء المؤمنون الذين عذّبوهم قد تجاوزوا الحق وقد آمنوا بالمحمود فى كل حال، والذى له ملك السموات والأرض، والذى يعلم أعمال خلقه ولا تخفى عليه خافية، إن هؤلاء المعذّبين للمؤمنين والمؤمنات إن لم يتوبوا من قبيح صنيعهم فإن الجبار ﷻ سيعاقبهم بجنس صنيعهم حيث يحرّقون ويكونون وقودا لجهنم مع انتقامه منهم فى الحياة الدنيا، وأما المؤمنون الصالحون فإنهم فائزون بإيمانهم وصلاحهم، ما هى إلا لحظات يسيرة حين يحرقون بنار الكافرين، ليجدوا ما أعدّ
стр. 214
لهم من نعيم وليصيروا إلى جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير.
كما تقدم السورة الكريمة تحذيرا آخر، وربطا على القلوب المؤمنة عسى أن تفيد الكافرين من التحذير، وليطمئن المؤمنون على صلة الودود سبحانه بهم. إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) كما قال تعالى: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) [هود] وهو الذى خلق خلقه ابتداء وهو الذى يعيدهم عند البعث، أو كما قال ابن عباس ﵄: يبدئ لهم عذاب الحريق فى الدنيا، ثم يعيده عليهم فى الآخرة. وهذا اختيار الطبرى «١». وهو سبحانه الغفور الذى يغفر الذنوب لمن تاب ورجع واستغفر وهو المحب لأوليائه ولعباده الصالحين الذين يحبونه قال ابن عباس:
المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. وذكر الصفتين معا توجيه إلى قيمة التوبة والمغفرة «والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بفلاة» وهذا من فضل الله سبحانه على عباده.
وهو سبحانه ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد. ألا يخشى هؤلاء من هذه صفاته؟
سبحانه. وإذا كانت قلوبهم قد غلّقت فلينظروا إلى أمثالهم من المكذبين الذين عذبوا المؤمنين من أمثال فرعون الذى ذبح الأطفال واستحيا النساء وأراد الفتك بالمؤمنين
فتبعهم بجيشه وكيف أغرقه الله؟ وكذلك ثمود كيف أهلكهم الله؟ ولكن الكافرين لا ينتفعون بهذه الدروس فلتكن هذه الدروس ربطا على قلوب المؤمنين أما الكافرون فالله من ورائهم محيط يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون وثمود.
وهذا الذى حكى للمؤمنين وللكافرين كلام الله سبحانه عظيم المعانى متناه فى الشرف والبركة كثير الخير والعلم ومكتوب فى اللوح، المحفوظ من وصول الشياطين إليه ومحفوظ من التغيير والتبديل.
стр. 215
سورة «التين»
ومع المعانى التى عالجتها سورة البروج تنزل بعدها سورة «التين»، لتستمر فى بيان الموضوع نفسه مثيرة فى الإنسان جوانب التفكير فى شأن من سبق مع تعدد أماكنهم، وأنهم امتداد بشرى لهولاء السابقين، وأنهم جميعا تحت سلطان أحكم الحاكمين الذى لا يجور ولا يظلم أحدا، ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم فى الدنيا ممن ظلمه «١». وأنه سبحانه لا يجعل المحسنين كالمسيئين كما تنبه السورة الكريمة الإنسان إلى قيمته وكيف يحافظ عليها قال تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. هكذا روى أبو هريرة ﵁ مرفوعا: «فإذا قرأ أحدكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فأتى على آخرها أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين».
فسورة التين مكية فى قول الجمهور ومنهم الحسن وعطاء وهو الصواب، ونزلت بعد سورة البروج- كما سبق- غير أن الماوردى حكى عن ابن عباس وقتادة أنها مدنية «٢».
وبدأت السورة الكريمة بالقسم بهذه الأشياء الثلاثة بالتين والزيتون وطور سينين يقول ابن كثير ﵀: وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله فى كل واحد منها نبيّا مرسلا من أولى العزم أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محله التين والزيتون وهى بيت المقدس التى بعث الله فيها عيسى ابن مريم ﵇ والثانى: طور سينين وهو طور سيناء الذى كلّم الله عليه موسى بن عمران ﵇ والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذى من دخله كان آمنا وهو الذى أرسل فيه محمدا ﷺ «٣».
فهذا المعنى يؤكد ما سبق ذكره فى سورة البروج من أخذ الاعتبار عن شواهد التاريخ حتى لا يقع فى ظلم نفسه وظلم غيره، وحتى يكون من فريق المؤمنين الصالحين.
стр. 216
إن السورة الكريمة تنبه الإنسان إلى قيمة نفسه، وما جعله الله عليه من تكريم، ليعرف قدره وليحافظ على هذا التكريم بالمنهج الذى ذكرته السورة والذى فصل فى السور السابقة واللاحقة من الإيمان الصحيح والعمل الصالح وما يتفرع عنهما، فمنذ الآية الأولى فى التنزيل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) [العلق] والآيات القرآنية تعرف الإنسان بحقيقة نفسه ومقوّمات وجوده، وكيف يسعد فى مصيره وتفصيل القول فى الجوانب المتعلقة بالإنسان حتى يصبح الإنسان عارفا بما ينبغى أن يعلم من أمر نفسه قال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) [الذاريات] وقال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣] وعلى ذلك فإن الإنسان كما جاء فى كتاب الله تعالى: هو هذا المخلوق الذى خلقه الله بيده وهذا شرف للإنسان الأول أبى البشر آدم ﵇ بهذا التخصص فى الخلق فقال الله تعالى: قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وهذا تشريف وتكريم لمن استقام من ذريته. ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله فى أحسن تقويم، وفى أجمل صورة ركّبه.
وهو المخلوق المكلّف، وهذا التكليف بنى على ما منح الله الإنسان من ملكات، ومن القدرة على الاختيار وعلى المشيئة، وهو الإنسان المسئول عن عمله والمجزىّ به على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة عقوبة، وهو بهذا التكليف والوفاء به والقيام بواجب المسئولية استحق الخلافة فى الأرض والقيام بشئونها يوجّهه وحى الله وهديه وهو الإنسان المكرم والمفضل على كثير مما خلق الله، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) [الإسراء] ولكنّ هذا التكريم- مرتبط بمدى استجابة الإنسان لوحى ربه وامتثاله لأمره ونهيه، فإذا كان لله طائعا ظل فى دائرة التكريم، وإن أعرض وتولى خرج من التكريم إلى دوائر أخرى مهينة، وقد خرج القرآن الكريم بذلك وأعطى نماذج تدل عليه، ومن هذا قوله تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) [العصر] ومنها ما فى هذه السورة الكريمة من قوله تعالى:
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦).
стр. 217
كما يقدم القرآن الكريم- لنا- نماذج بشرية آتاها الله الآيات فأعرضت عنها، ولم تنتفع بها فشبّهت بحيوانات مهينة كما جاء فى قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف] كما أن فى التعبير عن هذه الحالة بالانسلاخ دلالة على أن الاستجابة للآيات تجمّل الإنسان وتجعله فى موضع الكرامة، والإعراض عنها يقبّحه، كما يكون جميلا بجلده الحسن، قبيحا وهو مسلوخ، ومنظره تشمئز منه النفس.
كما يعرض لنا القرآن الكريم نماذج أخرى عطلت القلوب فلم تعقل بها وعطلت الآذان فلم تسمع بها الحق، وعطلت العيون فلم تبصر بها فقال عنهم: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف: ١٧٩].
وكذلك مثل من أوتى العلم النافع فلم يستجب له شبّه بالحمار يحمل أسفارا وعلى ذلك نقول: إن بقاء الإنسان فى دائرة التكريم مرتبط باستجابته لوحى ربّه.
ومن مظاهر هذا التكريم فى السورة الكريمة أيضا أن تكتب لهم حسناتهم وتمحى عنهم سيئاتهم قال ابن عباس ﵄: وهم الذين أدركهم الكبر لا يؤاخذون بما عملوه فى كبرهم. وروى الضحاك عنه قال: إذا كان العبد فى شبابه كثير الصلاة كثير الصيام والصدقة، ثم ضعف عما كان يعمل فى شبابه أجرى الله له ما كان يعمل فى شبابه وفى حديث قال النبى ﷺ : «إذا سافر العبد أو مرض كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا»، وقيل: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنه لا يخرف ولا يهرم ولا يذهب عقل من كان عالما عاملا به، وعن عاصم عن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر». فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) أى غير مقطوع أى يستمر الأجر بغير عمل بعد أن يصل المؤمن الصالح إلى الكبر.
стр. 218
سورة «قريش»
وهى مكية فى قول الجمهور نزلت بعد سورة «التين» وأما فى قول الضحاك والكلبى فمدنية «١» والسورة الكريمة تقرع آذان قريش بما منحوا من نعم تستوجب عبادتهم لربهم الذى منّ عليهم بها قال تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤): فهل يليق مع هذه النعمة أن يعبدوا غيره ولذلك قيل فى معنى اللام من لِإِيلافِ قُرَيْشٍ أنها لام التعجب كأن المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة ربّ هذا البيت. قاله الأعمش والكسائى. وقيل: إن معناها متصل بما بعدها ويكون المعنى:
فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف لأنهم كانوا فى الرحلتين آمنين، فإذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله فلا يتعرّض لهم. وقيل: إن المعنى متصل بما كان من أصحاب الفيل وإهلاك الله لهم لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف وهذا قول الفراء والجمهور.
وعلى ذلك فإن السورة الكريمة تنبه هؤلاء الذين وقفوا من الدعوة موقفا متباينا، فأما من آمن منهم فقد هدى إلى شكر هذه النعمة، وأما من ظل على كفره وعناده وتكذيبه وتعذيبه للمؤمنين فقد غفل عن هذه النعمة التى خص الله بها أهل مكة. فقد جعل فيها أول بيت وضع للناس إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران].
وجعل الله لهذا البيت حرمته، وجعل مكة حراما لا يحل لأحد أن يفكر فى إحداث أمر فظيع بها وإلا عاقبه الله بالعذاب الأليم، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) [الحج] أى من يهم فيه بأمر فظيع من المعاصى الكبار عامدا قاصدا أنه ظلم ليس بمتأوّل كما قال ابن جريج عن ابن عباس. حتى أن ابن مسعود ﵁ قال: لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم «٢». وقد عرف الناس من أهل مكة هذا، وقد مرت بنا سورة الفيل لتذكّر
стр. 219
بهذا فلما همّ أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول، ويبين النبى ﷺ أن هذه الحرمة منذ خلق الله السموات والأرض وهى دائمة ومستمرة إلى يوم القيامة فيقول: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، وهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى، ولم يحلّ لى إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفّر صيده» متفق عليه «١». وثبت فى الحديث أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم» الحديث «٢».
ولذلك كان القاتل يمشى فى الحرم مع ولى المقتول، ويقف السّبع عن الظّبى ونحوه من الصيد إذا دخل الحرم وذلك بدعاء إبراهيم ﵇ إذ قال ما جاء فى كتاب
الله تعالى: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) [البقرة].
ولذلك لما تعلل المشركون بأنهم إن اتبعوا رسول الله ﷺ فإن هذه المكانة ستضيع كان من رد القرآن الكريم عليهم أن ذكر بهذه النعمة، وأنه سبحانه هو الذى منح المكان حرمة، ومنحه رزقا عظيما قال تعالى: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [القصص].
فالنعمتان عظيمتان: إطعام من جوع، وأمن من خوف، وذلك أن الله تعالى آمنهم بالحرم فلم يتعرّض لهم فى رحلتهم، فكان ذلك سببا لإطعامهم بعد ما كانوا فيه من الجوع. فالأمن بالحرم إن حضروا حماهم، وإن سافروا قيل: هؤلاء أهل الحرم فلا يعرض لهم أحد، قال ابن كثير ﵀: ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) أى فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرّما كما قال تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) [النمل]. ثم يقول: فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا. قال: ولهذا من
стр. 220
استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه كما قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) [النحل]. نعوذ بالله من الخذلان ونسأله الأمن فى الدنيا والآخرة.
стр. 221
سورة «القارعة»
وهى سورة مكية بالإجماع نزلت بعد سورة «قريش» وهى امتداد لبيان الصنفين من الناس، والمصير الذى إليه يصيرون فى الآخرة قال تعالى: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١).
فالسورة الكريمة تقرع آذان الناس بما سيكون من أمر المصير وسميت بالقارعة وهى من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامّة والصّاخّة والغاشية، وغير ذلك؛ لأنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها.
ولكى ينتبه الناس إلى حقائق يوم القيامة كان الأسلوب القرآنىّ فى السورة الكريمة آخذا بالقلوب لبيان عظم أمرها وهول ما فيها، وأن مصير الناس فى هذا اليوم مرتبط بحالهم مع وحى الله فى هذه الحياة فمن سلك الصراط المستقيم وعاش على قيم الإسلام عقيدة وخلقا وسلوكا كان ذا قيمة عند الله وثقل ميزانه، ومن أعرض ولم يستجب خفت موازينه، وهوى فى الجحيم والعياذ بالله، روى عن أبى بكر ﵁ أنه قال: «إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه؛ لأنه وضع فيه الحقّ، وحقّ لميزان يكون فيه الحقّ أن يكون ثقيلا، وإنما خفّ ميزان من خف ميزانه، لأنه وضع فيه الباطل، وحق لميزان يكون فيه الباطل أن يكون خفيفا» «١». وفى الخبر عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ : «أن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول: ذلك مات قبلى، أما مرّ بكم؟ فيقولون: لا والله، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية»، وقد ذكره القرطبى بكماله فى كتابه التذكرة، وأورد ابن كثير مثله فى تفسيره وأورده فى كتاب صفة النار «٢».
كما تقدم السورة الكريمة بيانا للناس فى شأن ما يشاهدون فى حياتهم الدنيا وكيف يكون حاله فى الآخرة. أما الناس الذين ترى فيهم الكبر والغرور والإعراض والتمرد
стр. 222
فى الدنيا، فسيكونون يوم القيامة كالفراش المبثوث فى انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم من حيرتهم مما هم فيه كأنهم فراش مبثوث، كما قال تعالى فى الآية الأخرى:
كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) [القمر].
وذكر الماوردى: أن هذا التشبيه للكفار فهم يتهافتون فى النار يوم القيامة تهافت الفراش «١». وروى مسلم فى صحيحه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله صلّى
الله عليه وسلم:
«مثلى ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب (وهى كالجراد) والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدى» «٢».
فأول حال الناس كالفراش لا وجه له يتحيّر فى كل وجه، ثم يكونون كالجراد لأن لها وجها تقصده.
وأما الجبال التى يشاهدها الناس فى شدة خلقها وضخامتها فتكون يوم القيامة كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) أى الصوف الذى ينفش باليد أى يصير هباء وتزول كما قال جل ثناؤه فى آية أخرى: هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان].
فإذا عرف الناس حقائق المصير فقد تكون هذه المعرفة سبيلا إلى تصحيح مسيرتهم فى الدنيا حتى يكونوا ممن ثقلت موازينه أى رجحت حسناته على سيئاته- كما يذكر ابن كثير ﵀ وليكون فى عيشة راضية يعنى الجنة وما أعده الله فيها لعباده الصالحين من أنواع النعيم وحتى لا يكونوا ممن خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) أى رجحت سيئاته على حسناته فيهوى إلى جهنم وسمّاها أمّا لأنه يأوى إليها كما يأوى إلى أمه.
فبئست الأم وبئست المربية: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) أى شديدة الحرارة وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: «ناركم هذه التى يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرّ جهنم» قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: «فإنها فضّلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها».
وهل يقوى الإنسان على نار الدنيا؟ إن التفكير فى هذا يورث الخشية وكما روى أبو هريرة ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال: «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلى
стр. 223
منهما دماغه» رواه أحمد «١» وروى البخارى «٢» ومسلم «٣» عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضى بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس فى الشتاء، ونفس فى الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشدّ ما تجدون من الزمهرير»، واللفظ لمسلم، وفى الصحيحين- أيضا- من حديث أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا اشتد الحرّ فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» وفيح جهنم: سطوع حرّها وانتشاره وغليانها.
نعوذ بالله من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل ونسأله تعالى الجنة وما يقرب إليها من قول أو عمل.
стр. 224
سورة «القيامة»
وهى سورة مكية نزلت بعد سورة القارعة فعن ابن عباس ﵄ قال: نزلت سورة القيامة، وفى لفظ سورة «لا أقسم بمكة» «١»، وعن ابن الزبير قال: أنزلت سورة «لا أقسم بمكة» «٢».
ونزول سورة القيامة بعد سورة القارعة يعالج مجموعة من القضايا منها ما يتعلق بأخطرها وهى قضية البعث وموقف الإنسان منه بين مؤمن وكافر، وكيف يقدّم الإقناع العقلى والإشباع القلبى للانتفاع بركن الإيمان باليوم الآخر، فالسورة السابقة سميت بصفة من صفات هذا اليوم فهى القارعة. وهذه السورة سميت كذلك بما يحدث فى هذا اليوم من قيام الناس لرب العالمين، قال تعالى فى شأن هذا القيام: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) [المطففين] فهى سورة القيامة، وفيها بيان علاقة النفس بهذا اليوم ومعالجة هذه العلاقة وتحذير الإنسان من عاقبة الإنكار ومن عاقبة التغافل أيضا وبيان حقيقة المصير الذى إليه يصير الإنسان فى هذا اليوم.
ولصلة هذه القضية بالوحى المنزل وما يخبر به عن حقائق هذا اليوم كان البيان القرآنى فى السورة، والذى يطمئن النبى ﷺ والمؤمنين والبيان لغيرهم- أيضا- فى أن هذا الوحى فى حفظه وبيانه يعود إلى الله وحده.
وتعرض السورة قضية النفس بين العاجلة والآخرة، وحالة الوجوه المتباينة، وأصحابها فى الآخرة، وكيف يساق الإنسان إلى مصيره سوقا لا يجدى معه عمل بشرى فى رقية أو مداواة، وكيف يكون حال المكذب المعرض عند ما يجد نفسه أمام هذا المصير، وهل يحسب الإنسان أنه يترك بلا أمر أو نهى بعد أن خلقه الله بهذا الإحكام من نطفة ومرورا بالأطوار الدالة على كمال القدرة. كل هذه القضايا تبسطها السورة أمام الناس فى مكة المكرمة؛ حتى لا يبقى مجال للإنكار، فالحجة واضحة والبرهان جلى والأدلة مقنعة ومشاهدة، وما حضر يدل على ما غاب وخفى دلالة قوية، وحتى
стр. 225
لا يبقى مجال للنسيان، والغفلة فالتذكير والتفضيل يأخذ باللب من كل جانب ليدرك الإنسان موقعه ولتصحّح النفس من حالها، ولترتقى فى شأنها حتى يكون صاحبها من أصحاب الوجوه الناضرة.
فالمقسم به فى السورة الكريمة على ما أجمع عليه المفسرون يوم القيامة والنفس اللوامة، وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وأقسم سبحانه بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة. والنفس اللوامة هى التى تلوم صاحبها على تقصيره، أو تلوم جميع النفوس على تقصيرها. قال الحسن:
هى والله نفس المؤمن لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردت بكذا ما أردت بكذا، والفاجر لا يعاتب نفسه، قال مجاهد: هى التى تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لم لم تعمله؟ وعلى الخير لم لم تستكثر منه؟ قال الفراء: ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلا وهى تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت: هلا ازددت، وإن كانت عملت سوءا قالت: ليتنى لم أفعل «١».
وعلى ذلك «فلا أقسم» بمعنى أقسم وهذا ما ذكره أبو عبيدة وجماعة من المفسرين وقال السمرقندى: أجمع المفسرون أن معنى لا أقسم: أقسم واختلفوا فى تفسير لا، فقال بعضهم: هى زائدة وزيادتها جارية فى كلام العرب كما فى قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف: ١٢]- يعنى أن تسجد- وقوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩].
وقال بعضهم: هى ردّ لكلامهم حيث أنكروا البعث كأنه قال: ليس الأمر كما ذكرتم أقسم بيوم القيامة، وهذا قول الفراء وكثير من النحويين وقيل: هى للنفى، لكن لا لنفى الإقسام بل لنفى ما ينبئ عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه، كأن معنى لا أقسم بكذا: لا أعظمه بإقسامه به حق إعظامه، فإنه حقيق بأكثر من ذلك، وقيل: إنها لنفى الإقسام لوضوح الأمر. ويرى الشوكانى ﵀ ترجيح القول الأول «١».
فالقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة وذكر الاثنين فى موضع واحد يحرك النفس الإنسانية؛ كى تعرف موقعها فى هذا اليوم وصلتها به وإعدادها له، وتجنب ما يعكر صفوها ونضارتها فى هذا اليوم.
стр. 226
والسورة الكريمة تبين للناس جرم ما وقع فيه الإنسان من إنكار البعث: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) ويرد عليه بتذكيره بقدرة الله سبحانه وأنه سبحانه قادر على تسوية البنان، ومعنى ذلك أن البعث يرجع إلى قدرة الله فى إعادة الأشياء إلى ما كانت عليه بدقتها وتميزها عن غيرها وقد نبه المفسرون على هذا المعنى الدقيق فقال الشوكانى: على أن نجمع بعضها إلى بعض فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها فكيف بكبار الأعضاء فنبه سبحانه بالبنان، وهى الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى فى القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق.
فهذا وجه تخصيصها بالذكر، وبهذا قال الزجاج وابن قتيبة «١»، وفى ختام السورة يستمر التدليل على البعث بالتذكير بقدرة الله سبحانه فى خلق الإنسان؟
ومع معالجة السورة الكريمة لقضية البعث بالتذكير بقدرة الله سبحانه وفى ختام السورة نجد هذا التذكير أيضا بالنظر إلى خلق الإنسان من نطفة ثم تحول النطفة إلى علقة وكيف سوى خلقه فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. فهل ينكر الإنسان مظاهر هذه القدرة فى هذا الخلق؟ أليس من خلق هذا بقادر على أن يبعث الإنسان.
إن بداية السورة ونهايتها فى معالجة هذه القضية؛ لأنها أساس ما بين البداية والنهاية، وهى التى تؤثر فى السلوك الإنسانى، والنفس الإنسانية وهذا ما عولج فى القضايا المبثوثة فى السورة الكريمة، ومنها: ما أخبر عنه الله سبحانه من سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور، وأنه لا يرعوى، ولا يخاف يوما يجمع الله فيه عظامه ويبعثه حيا، بل هو مريد للفجور ما عاش، فيفجر فى الحال ويريد الفجور فى غد وما بعده، وهذا ضد الذى يخاف الله والدار الآخرة، فهذا لا يندم على ما مضى منه ولا يقلع فى الحال ولا يعزم فى المستقبل على الترك، بل هو عازم على الاستمرار، وهذا ضد التائب المنيب.
ثم نبّه سبحانه على الحامل له على ذلك، وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا استبعادا لزمنه مع إقراره بوقوعه، بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنه فى موضع آخر
стр. 227
قوله: ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) [ق].
أى بعيد وقوعه، وليس المراد أنه واقع بعيد زمنه. هذا قول جماعة من المفسرين منهم ابن عباس وأصحابه قال ابن عباس: يقدّم الذنب ويؤخر التوبة وقال قتادة وعكرمة: قدما قدما فى معاصى الله لا ينزع عن فجوره «١».
وتنبه السورة المكذبين بالبعث وبيوم القيامة وما يحدث فيه فتذكر حال المكذب إذا شاهد اليوم الذى كذّب به فقال تعالى: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) فبرق بصره أى يشخص لما يشاهده من العجائب التى كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوؤه وانمحى، وجمع الشمس والقمر ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذى يجمع عظام الإنسان بعد ما فرقها البلى ومزقها، ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذى قدمه وأخّره من خير أو شر، ويجمع ذلك من جمع القرآن فى صدر رسوله، ويجمع المؤمنين فى دار الكرامة، فيكرم وجوههم بالنظر إليه، ويجمع المكذبين فى دار الهوان، وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الإنسان من نطفة من منىّ يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعد ما كانت نطفة متفرقة فى جميع بدن الإنسان، وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق، ساق الميت أو ساق من يجهز بدنه من البشر، ومن يجهز روحه من الملائكة، أو تجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف أنكر هذا الإنسان أن يجمع بينه وبين عمله وجزائه، وأن يجمع مع بنى جنسه ليوم الجمع، وأن يجمع عليه بين أمر الله ونهيه، وعبوديته فلا يترك سدى مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك. يقول ابن القيم: فما أجمع هذه السورة لمعانى الجمع والضم وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة الذى يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين، وبالنفس اللوامة التى اجتمع فيها همومها وعمومها وإرادتها واعتقاداتها.
وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد، والقيامة الصغرى والكبرى، وأحوال الناس فى المعاد، وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة وباسرة معذبة وتضمنت وصف الروح بأنها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون: مَنْ راقٍ (٢٧) [القيامة] أى من يرقى من هذه العلة التى أعيت
стр. 228
على الحاضرين، أى التمسوا له من يرقيه، والرقية آخر الطب «١».
ومما يتصل بالإيمان بيوم القيامة أن الملك فيه لله وحده فلا مفر، ولا ملجأ من الله إلا إليه: كَلَّا لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢). فالمرجع والمنتهى والمصير إليه سبحانه.
ومما يتصل بذلك أيضا أن الإنسان يخبر يوم القيامة بما عمل من خير وشر يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) أى بما أسلف من عمل سيئ أو صالح، أو أخّر من سنة سيئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود «٢».
وفى هذا توجيه إلى مسئولية الإنسان عن عمله وعن أثر عمله فيمن حوله وفيمن يأتى بعده، فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علّمه ونشره، وولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورّثه أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله فى صحته وحياته تلحقه من بعد موته» «٣».
وخرّجه أبو نعيم الحافظ بمعناه من حديث قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سبع يجرى أجرهن للعبد بعد موته وهو فى قبره: من علّم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورّث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته».
وفى الصحيح: «من سنّ فى الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شىء، ومن سنّ فى الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء» «٤».
ومع ما يتصل بقضية البعث ويوم القيامة، وما يكون من أمر الإنسان فيه يقول الله تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) [القيامة] وفى
стр. 229
هذا تنبيه آخر إلى حقيقة يغفل عنها الإنسان الذى يلهو فى هذه الحياة ويلعب دون أن يدرى أن الشواهد عليه من نفسه وجوارحه. قال الأخفش: جعله هو البصيرة كما تقول للرجل: أنت حجة على نفسك. وقال ابن عباس: «بصيرة» أى شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما بطش بهما، ورجلاه بما مشى عليهما، وعيناه بما أبصر بهما. والبصيرة: الشاهد. ودليل هذا قوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) [النور] وجاء تأنيث البصيرة لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح؛ لأنها شاهدة على نفس الإنسان فكأنه قال: بل الجوارح على نفس الإنسان بصيرة، ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئا. وقال مقاتل: لو أدلى بعذر أو حجة لم ينفعه ذلك نظيره قوله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ [غافر: ٥٢] وقوله: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) [المرسلات] «١».
ومن القضايا التى تعالجها السورة الكريمة وهى من أسس الإيمان بالدين كله قضية الاطمئنان إلى الوحى وحفظه وذكرت فى السورة فى قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ.
روى الترمذى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه القرآن يحرّك به لسانه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله ﵎ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) قال: فكان يحرّك به شفتيه. وحرّك سفيان شفتيه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ مسلم عن ابن جبير عن ابن عباس قال: كان النبى ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فقال لى ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، فقال سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه فأنزل الله : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ قال: جمعه فى صدرك ثم تقرؤه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قال:
فاستمع له وأنصت. ثم إن علينا أن نقرأه قال: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل ﵉ استمع، وإذا انطلق جبريل ﵇ قرأه النبى ﷺ كما أقرأه» خرّجه البخارى أيضا «٢» ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ
стр. 230
وَحْيُهُ [طه: ١١٤] وقال عامر الشعبى: إنما كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبّه له، وحلاوته فى لسانه، فنهى عن ذلك حتى يجتمع؛ لأن بعضه مرتبط ببعض. وقيل:
كان ﵇ إذا نزل عليه الوحى حرّك لسانه مع الوحى مخافة أن ينساه، فنزلت: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ونزل: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) [الأعلى] ونزل: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ قاله ابن عباس. وَقُرْآنَهُ أى وقراءته عليك. وقال قتادة: فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أى فاتبع شرائعه وأحكامه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ أى تفسير ما فيه من الحدود والحلال والحرام قاله قتادة وقيل: ثم إن علينا بيان ما فيه من الوعد والوعيد وتحقيقهما «١».
وهذا يطمئن من عقل إلى مصدر الوحى، وأنه من عند الله، وأن وعد الله لرسوله ﷺ بحفظ كتابه يتضمن جمعه وقراءته وبيانه ورسول الله ﷺ مبلغ عن الله سبحانه، فلا ريب فى الكتاب ولا فيما تضمنه الكتاب العزيز.
ومما يتصل بيوم القيامة والنفس الإنسانية ما تذكره الآيات الكريمة كاشفة ميول النفس التى لم تركن إلى الحق، ولم تؤمن به فأحبت الدنيا وتعلقت بها وتركت الآخرة والعمل لها، وهذا من الأسباب القوية فى عناد الكافرين واستمساكهم بكفرهم ظنا منهم أن الإيمان وتبعاته ستذهب عنهم متعة الحياة الدنيا. قال تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وما علم هؤلاء أن الدنيا عاجلة ولن يطول مكثهم فيها وأن الآخرة خير وأبقى لمن آمن وعمل صالحا ونظير هذا قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا (٢٧) [الإنسان].
ومما يتصل بيوم القيامة والنفس الإنسانية انقسام الناس إلى قسمين قسم له الوجوه الناضرة الممتعة بالنظر إلى وجه ربها الكريم، وقسم له وجوه كالحة كاسفة عابسة توقن بالهلاك قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥). فوجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة تنظر إلى ربها وكان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم تلا هذه الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وكان الحسن يقول: نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم «٢». ووجوه الكفار كالحة كاسفة عابسة يوم القيامة.
ومما يتصل بيوم القيامة والنفس الإنسانية أنها ستساق سوقا إلى هذا اليوم ولا يجدى عندئذ أن يلوذ الإنسان برقية أو دواء يؤخر النفس إذا جاء أجلها: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ
стр. 231
التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٢٩).
فكيف يكون حالها عند ما تأتى إلى هذا المصير وهى مكذبة معرضة: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) فلا صدق بالرسالة ولا بالقرآن ولا صلى لربه. قال قتادة: فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله، وقيل فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه «١» ولكن كذب بالرسول وبما جاء به وتولى عن الطاعة والإيمان. وهذا الإنسان الذى كذب وتولى لم يكتف بهذا العمل السيئ بل تفاخر به، وذهب إلى أهله يتبختر ويختال فى مشيته افتخارا بذلك. قال الواحدى: قال المفسرون: أخذ رسول الله ﷺ بيد أبى جهل، ثم قال: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) فقال أبو جهل: بأى شىء تهددنى لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بى شيئا، وإنى لأعز أهل هذا الوادى، فنزلت هذه الآية «٢».
وأخرج ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس قال: لما نزلت: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) [المدثر] قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم يخبركم ابن أبى كبشة أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم، فأوحى الله إلى رسوله أن يأتى أبا جهل، فيقول له: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى
لَكَ فَأَوْلى
(٣٥) «٣».
ومعناه: الويل لك، وقيل: ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات: الويل لك حيا والويل لك ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقيل المعنى: إن الذم لك أولى لك من تركه، وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب قاله ثعلب، وقال الأصمعى: أولى فى كلام العرب معناه مقاربة الهلاك «٤».
ومما يتصل بيوم القيامة والنفس الإنسانية أن يدرك الإنسان أنه مع خلقه قد أرسل الرسول ﷺ بوحى الله له يأمره وينهاه وأنه سيحاسب أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) [القيامة: ٣٦] أى هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يحاسب ولا يعاقب.
إن تأمل الإنسان فى خلقته من نطفة، وما مرّ به من أطوار يجعله مدركا لفضل الله
стр. 232
عليه ومقدرا لعظمة الله وقدرته ومؤمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر:
أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) بلى قادر. فهذه الكلمة الأخيرة نتيجة التأمل فى هذه الأطوار وفى مظاهر هذه القدرة ولذلك أخرج عبد بن حميد وابن الأنبارى عن صالح أبى الخليل قال: كان النبى ﷺ إذا قرأ هذه الآية:
أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) قال: «سبحانك اللهم وبلى» وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) قال رسول الله ﷺ : «سبحانك ربى وبلى» وأخرج ابن النجار فى تاريخه عن أبى أمامة أنه سمع رسول الله ﵌ يقول عند قراءته لهذه الآية: «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» وأخرج أحمد وأبو داود والترمذى وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ منكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فانتهى إلى آخرها أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فليقل: بلى، ومن قرأ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) فليقل: آمنا بالله». وعلى الرغم من أن فى إسناد هذا الحديث رجل مجهول إلا أنه يرشدنا مع غيره من الأحاديث إلى تأمل الآيات وتدبرها والتفاعل مع معانيها. ومنها هذه السور الكريمة التى بدأت بذكر يوم القيامة والنفس اللوامة فى أسلوب قسم يبرز المعنى ثم تتابعت الآيات الكريمة، التى تبين ما يتعلق بيوم القيامة والنفس الإنسانية فى حالاتها، وعرض أخطر القضايا فى هذه العلاقة وهى قضية البعث والاطمئنان إلى الوحى، والتصديق بما جاء به رسول الله ﷺ وغير ذلك من القضايا التى كانت قريش فى أمس الحاجة إليها فى الفترة المكية، وما بعدها.
стр. 233
سورة «الهمزة»
وتستمر معالجة النفس الإنسانية وعلاقتها بالدنيا والآخرة فى السور التى نزلت بعد سورة القيامة وهى سورة «الهمزة» والتى يقول الله تعالى فيها: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩).
وهى سورة مكية بإجماع نزلت بعد سورة القيامة؛ لتعالج مرضا نفسيا خطيرا تصاب به بعض النفوس البشرية، وبهذا المرض تقع كثير من المشكلات بين الناس، إنه مرض الحب الجمّ للمال والذى يدفع بصاحبه إلى الحرص الشديد على جمعه وتعديده من أى طريق، ليفاخر به ويكاثر ويتصور أنه بهذا المال سيكون من الخالدين، وأن هذا المال سيحميه من الكوارث التى يتعرض لها من ليس لديه مال وفى غمرة هذه الحالة النفسية وما تبعها من جمع المال وعدّه يتعدى سلوكه البشرى على غيره بهذا المرض الخطير، والذى أبرزته السورة الكريمة فى اسمها وهو «الهمز واللمز». وقد كان من صور التحديات التى واجهت الرسول ﷺ والمؤمنين فى الفترة المكية من شرار الكفار الذين يسخرون ويعيبون ويغتابون ويطعنون فى المؤمنين لمحاولة التأثير فيهم ومن هؤلاء الأخنس ابن شريق فقد روى الضحاك عن ابن عباس أن الآية وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ نزلت فى الأخنس بن شريق. وكان يلمز الناس ويعيبهم: مقبلين ومدبرين. وقال ابن جريج:
فى الوليد بن المغيرة، وكان يغتاب النبى ﷺ من ورائه ويقدح فيه فى وجهه. وقيل:
نزلت فى أبىّ بن خلف، وقيل فى: جميل بن عامر الثقفى (أو الجحمى) «١».
ومن مظاهر هذا الهمز واللمز والسخرية فى تلك الفترة أن هؤلاء المشركين كانوا إذا رأوا أصحاب النبى ﷺ يتغامزون بهم ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غدا على ملك كسرى وقيصر، ثم يصفرون ويصفقون، السخرية- هنا- من المؤمنين وكذلك من مضمون الدعوة لفساد قلوب المشركين حيث
يتهكمون على ما وعد به المؤمنون فى ضعفهم هذا- من التمكين فى الأرض وفتح ملك كسرى وقيصر، ولذلك
стр. 234
وصف الله هؤلاء الساخرين بالإجرام فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) [المطففين].
وهذا المسلك الساخر إنما يقوم على قصر نظر المشركين وعلى هوائهم واستبعادهم للوصول إلى ملك كسرى وقيصر، لقوتهم وشدة منعتهم وكبر حجمهم فى نفوس المشركين.
ومن نماذج العيب والسخرية بالمبادئ كذلك ما كان من موقف العاصى مع خباب فقد عمل خباب بن الأرت (وكان حدادا يعمل السيوف بمكة) للعاصى عملا حتى كان له عليه مال، فجعل يتقاضاها منه، فقال العاصى: يا خباب، أليس يزعم محمد صاحبكم الذى أنت على دينه أن فى الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب وفضة وثياب وخدم، قال خباب: بلى، قال: فأنظرنى إلى يوم القيامة يا خباب، حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك حقّك هناك فوالله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله منى ولا أعظم حظا فى ذلك فنزل فيه قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) [مريم].
فهؤلاء بهمزهم ولمزهم وسخريتهم وإفسادهم واستغنائهم بالمال، وظنهم أن معه الخلود فى الدنيا لهم فى هذه السورة الكريمة ما يزجرهم، ويوقظهم من غفلتهم وإلا فالويل لهم. والمال الذى جمعوه وعدّدوه وظنوا معه الخلد فإنه لن يدوم لهم وما أخلد المال أحدا بل طريق الخلود فى النعيم الإيمان والعمل الصالح، وإذا ركنوا إلى المال وعددوه للحماية فقد أخطئوا الطريق كذلك، فعن الحسن أنه عاد موسرا فقال: ما تقول فى ألوف لم أفتد بها من لئيم، ولا تفضلت على كريم؟ قال: ولكن لماذا؟ قال:
لنبوة الزمان وجفوة السلطان ونوائب الدهر ومخافة الفقر، قال: إذن تدعه لمن لا يحمدك وترد على من لا يعذرك «١».
وسيطرح هذا المال فى الحطمة وهى نار الله؛ سميت بذلك لأنها تكسّر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشمه كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما فى
стр. 235
أجسادهم حتى إذا بلغت إلى الفؤاد خلقوا خلقا جديدا فرجعت تأكلهم، وكذا روى خالد بن أبى عمران عن النبى ﷺ : «أن النار تأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا صدروا تعود فذلك قوله تعالى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)» وخصّ الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه. أى أنه فى حال من يموت وهم لا يموتون كما قال الله تعالى: لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) [طه] فهم إذا أحياء فى معنى الأموات. وقيل: معنى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) أى تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بما استبقاه الله تعالى من الأمارة الدالة عليه ويقال: اطّلع فلان على كذا: أى علمه وقد قال الله تعالى: تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) [المعارج] وقال تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) [الفرقان] فوصفها بهذا، فلا يبعد أن توصف بالعلم «١».
стр. 236
سورة «المرسلات»
نزلت بعد سورة «الهمزة» فهى مكية فى قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر إلا قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) فإنها مدنية ذكر ذلك ابن عباس وقتادة «١» وعن ابن عباس ﵄ قال: نزلت سورة المرسلات بمكة «٢» وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع النبى ﵌ فى غار بمنى إذ نزلت سورة وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فإنه ليتلوها وإنى لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال النبى ﷺ : «اقتلوها»، فابتدرناها فذهبت، فقال النبى ﷺ : «وقيت شرّكم كما وقيتم شرّها» «٣».
والسورة الكريمة تقدم للناس تخويفا ووعيدا يزجرهم وينذرهم عاقبة التكذيب على الرغم من وضوح الآيات الباهرة فيما يشاهدون وفى عبرة التاريخ وفى أنفسهم ولذلك تكررت الآية الكريمة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) والويل الهلاك، أو هو اسم واد فى جهنم، ويرى الشوكانى ﵀ أن تكرير هذه الآية فى هذه السورة، لأنه قسّم الويل بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء آخر، وربّ شىء كذّب به هو أعظم جرما من التكذيب بغيره فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب «٤» وقد ذكر هذا الوعيد وهذا التخويف على المنهج الآتى:
أولا: القسم بمخلوقات له صلة مباشرة بالخلق فيما يسرهم وفيما يسوؤهم، قال تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً
(٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ
(٧) فالمرسلات على قول جمهور المفسرين هى الرياح، والرياح من روح الله تعالى تأتى بالرحمة، وتأتى بالعذاب. وقد جاء ذكر الرياح مع إرسالها فى مثل قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: ٢٢]، وقوله جل شأنه: يُرْسِلُ الرِّياحَ [النمل: ٦٣] وغير ذلك وقيل عن المرسلات- أيضا- إنها الملائكة ترسل بأمر الله ونهيه، وقيل: إنها تعنى الرسل لتبليغ
стр. 237
ما أرسلوا به، وقيل المراد بالمرسلات: السحاب لما فيها من نعمة ونقمة «١».
وعلى قول جمهور المفسرين فإن المرسلات عرفا هى الرياح المتتابعة ليذكر بعد ذلك التفصيل فى كونها قد تأتى عاصفات وهى الرياح الشديدة الهبوب وفيها إهلاك، وقد تكون ناشرات وهى رياح تأتى بالمطر وتنشر السحاب نشرا، وتأتى كذلك فارقات على ما قال مجاهد: هى الريح تفرق بين السحاب فتبدده «٢». وقيل: يعنى الملائكة تأتى بما يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام ثم الملقيات ذكرا وهى الملائكة تلقى الوحى» إلى الأنبياء للإعذار والإنذار أى إعذارا من الله سبحانه إلى خلقه وإنذارا من عذابه وقيل: عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين.
فالقسم بهذه المخلوقات جميعا يثير انتباه المخاطبين إلى ما يشاهدونه ويجدونه من آثار هذه الآيات مع الجمع بين ما هو حسى منها وبين ما هو معنى وشاهدة على قدرة مسيّرها وأنه يحقق وعده فيكون جواب القسم: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧). أى إن الذى توعدونه من مجىء الساعة والبعث كائن لا محالة.
ثانيا: يأتى بيان متى يقع ما وعد الله به من البعث والساعة فى عرض مظاهر القدرة التى تظهر آيات هى أشد من خلق الإنسان وبعثه فالذى قدر عليها فهل يعجزه أن يبعث الإنسان بعد موته وأن يحاسبه ويثيبه ويعاقبه. قال تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) فالنجوم التى يرونها فى نورها وضخامتها سيمحى نورها ويذهب ضوؤها وهى أشد خلقا والسماء كذلك إذا فتحت وشقت، والجبال- أيضا- مع ضخامتها وثقلها تقلع من مكانها بسرعة فالنسف الأخذ بسرعة، وقد جعل للرسل وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، كما قال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [المائدة: ١٠٩]. فيوم الدين جعل لها وقتا وأىّ يوم هذا؟ إنه يوم عظيم يعجب العباد منه لشدته ومزيد أهواله، إنه يوم الفصل يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة والنار والويل فى هذا اليوم لمن كذب ولم ينتفع بالتفكير فى هذه الآيات البينات.
ثالثا: إذا كانت الآيات المذكورة ستقع فى مستقبل الأيام فإن السورة الكريمة تحيط
стр. 238
فى بيانها بالإنسان حتى لا تدع له فرصة تفيده فى العبرة واليقظة والانتباه فتبصّره السورة بالعبرة التاريخية فى قوله تعالى: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩).
فأخبرهم الله تعالى عن إهلاك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى خاتم المرسلين محمد ﷺ ثم اتباع الآخرين بالأولين. فى ذلك. وأن هذه سنة مع المجرمين فما فعلنا بمن تقدّم نفعل بالمكذبين المشركين فليكن الحذر.
رابعا: ومع التوجيه الفكرى نحو المستقبل الزمنى ونحو العبرة التاريخية ونحو الآيات المشاهدة يأتى التوجيه إلى الآيات الذاتية أى التى تتعلق بذات الإنسان وخلقه والتى تتكرر فى الأبناء كل يوم قال تعالى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤).
ومع ما قدمته السورة الكريمة من وجوه التذكير والوعيد التى تعين الإنسان للخروج من دائرة الويل والهلاك والتذكير بما يحدث للإنسان نفسه من الخلق من نطفة من ماء مهين، فجعله الله فى مكان حريز، وهو الرحمن إلى مدة الحمل التى تنطق بآيات القدرة فى رعاية هذا الجنين إلى أن يصير خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ويل لمن كذّب بعد رؤية هذه الآيات البينات.
وإذا عجز الإنسان عن التفكير فى نفسه وخلقه، فإن السورة الكريمة تعرض أمامنا أمرا آخر فى شأن هذا الوعيد.
خامسا: نجد بعد هذا البيان للآيات فى خلق الإنسان التوجيه إلى التفكير فى الأرض إلى نسير عليها، قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا
فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨).
فهذه الأرض ألم ير الإنسان كيف تضم وتجمع الأحياء على ظهرها، والأموات فى باطنها، وكيف جعل الله الجبال الطوال والرواسى الثوابت، وكيف يسقى الإنسان الماء عذبا فراتا برحمة الله أليس كل هذا أعجب من البعث، فويل لمن كذب ولم يفد من هذه الآيات البينات.
سادسا: ويأتى التخويف بعد هذه الآيات المشاهدة بقرع الآذان بمفاجأة الواقع الذى سيقبلون عليه، ولكنهم كذبوا به فكيف يكون حالهم ولا يستطيعون له دفعا وكيف يتبدد
стр. 239
وهمهم فلا ينفعهم توهمهم الظل الظليل وقت اللهب، قال تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤).
سابعا: كيف يكون حال المكذبين فى يوم الفصل عند ما لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧). عن عكرمة عن ابن عباس قال: سأله ابن الأزرق عن قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وفَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (١٠٨) [طه] وقد قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) [الصافات] فقال له: إن الله يقول: «وإنّ يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون» فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان. وقيل: لا ينطقون بحجة نافعة، ومن نطق بما لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق. قال الحسن: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون. وقيل: إن هذا وقت جوابهم قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) [المؤمنون]. وقيل: أسكتتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب. وأىّ عذر لمن أعرض عن منعمه وجحده وكفر أياديه ونعمه؟
ثامنا: بيان عجزهم يوم الفصل ويوم الجمع، وأنهم لا يستطيعون حيلة فى الخلاص من الهلاك. قال تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠).
تاسعا: بيان حال الفريق الآخر الذى اتقى وأحسن وكيف يكون مصيره فى ظلال وعيون يوم لا يجد المكذبون ظلا يغنى من اللهب. قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥).
عاشرا: الربط بين ما يتصوره المكذبون نعيما فى الدنيا وأنه لا يساوى شيئا فى نعيم الآخرة فما قيمة تمتع بأكل وغيره ويكون المصير الأبدى بعد ذلك عذاب جهنم قال تعالى: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧).
إن الذين كذبوا ولم يفيدوا من وجوه الوعيد السابقة ستكون نهايتهم أليمة عند ما يطلب منهم أن يركعوا فلا يستطيعون قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) قال ابن عباس: إنما يقال لهم هذا فى الآخرة حين يدعون
стр. 240
إلى السجود فلا يستطيعون «١».
إنهم إن لم يفيدوا من كل هذا فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠). ولذلك كان رسول الله ﷺ يقرأ بالمرسلات فى المغرب أخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، فقالت: يا بنىّ لقد ذكّرتنى بقراءتك هذه السورة. إنها آخر ما سمعت رسول الله ﵌ يقرأ بها فى المغرب «٢».
стр. 241
سورة «ق»
وقد نزلت بعد سورة المرسلات فهى مكية كلّها فى قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر إلا قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فإن ابن عباس وقتادة ذكرا أنها آية مدنية «١».
وبنزول سورة «ق» يتتابع العلاج القرآنى للناس فى أهم ما ينقذهم من عبث الجاهلية الذى تشبث به الضلال المبين وصار يضرب فى كل اتجاه فى العقيدة وفى النفوس وفى السلوك وفى العلاقات الاجتماعية، واختلطت عليهم المفاهيم وواجهوا الوحى مواجهة المتعجب الذى لا يتصور تغييرا ولا تبديلا، ولا يتصور كذلك أن يخص الله رسولا من أنفسهم بوحيه فيرسله إليهم بشيرا ونذيرا وهذا الموقف منهم جعلهم يتعجبون كذلك من كل ما جاء به الرسول الكريم وخاصة ما يتصل بالبعث ولذلك تستمر معالجة التنزيل الحكيم لإنقاذ الناس من هذا الضلال المتراكم فيقول تعالى فى هذه السورة: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى
السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
(١٥).
فتكذيب المشركين بما جاء به النبى ﷺ جعلهم فى أمر مريج، وأصل المرج الاضطراب والقلق فيقال: مرج أمر الناس وفى الحديث: «كيف بك يا عبد الله «٢» إذا كنت فى قوم قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا هكذا وشبك بين
стр. 242
أصابعه، أخرجه أبو داود «١» فهذا الاضطراب والاختلاط الذى وقع الناس فيه عالجه الذكر الحكيم فى سورة «ق» على النحو التالى:
أولا: مكاشفة الناس بنعمة الله عليهم بنزول القرآن المجيد. وبواقعهم وموقفهم المتعجب من بعثة النبى ﷺ ، ومن البعث.
ثانيا: إخبارهم بعلم الله سبحانه بما تأكل الأرض من أجسادهم فلا يضل عنه سبحانه شىء حتى تتعذر عليه الإعادة التى يتعجبون منها.
ثالثا: توجيه النظر إلى السماء وإلى الأرض وإلى ما بينهما.
أما النظر إلى السماء فيقفون فيه على ثلاثة أدلة: الأول: دليل القدرة فى قوله تعالى: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) فالسماء على شدة خلقها زيّنت بالنجوم والكواكب التى يشاهدها هؤلاء وأمسكها الله إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر: ٤١].
والأرض كذلك مدّت وألقيت فيها الرواسى، وأنبت الله فيها من مظاهر الجمال والزينة من كل زوج بهيج تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨).
وأما ما بينهما فإن الله أنزل من السماء ماء مباركا فأنبت به مظاهر الجمال والنظام فى الجنات، وفى حب الحصيد والنخل الباسقات ذات الطلع النضيد، وفى هذا رزق للعباد يحيون به ويحيى الله به بلدة ميتا، وفى ذلك من مظاهر البعث المتجدد بتجدد الرزق ما ينقذ هؤلاء من خلطهم واضطرابهم فى أمر البعث ففي كل يوم جديد مظاهر بعث لما يشاهدون فلماذا يتعجبون؟! رابعا: توجيه النظر إلى العبرة التاريخية فى أن المكذبين لم يتركوا وعوقبوا.
خامسا: الاستدلال العقلى بالقدرة على الخلق الأول فى عدم استبعاد الإعادة والبعث.
سادسا: تجمع الآيات الكريمة بين خلق الإنسان، وأنه تحت سلطان خالقه وعلمه بما توسوس به نفسه، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، وأن أعماله وأقواله مراقبة، وأنه ماض فى طريقه إلى ربه رغما عنه وأن غفلته لن تغنى عنه، وأنه سيقف على حقائق الأمور بعد الموت والنفخ فى الصور، ليرى كيف يكون مصير الكفار المعاندين وكيف
стр. 243
يتلاومون وكيف يصاحبهم الذل والهوان وكيف يكون جزاء المتقين المنعمين بما يشاءون.
قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥).
سابعا: ذكر المقارنة بين حال المشركين وحال من قبلهم مّمن كانوا على شاكلتهم بل كانوا أشدّ منهم بطشا فما استطاعوا هربا من إهلاك الله لهم.
ثامنا: بيان أجهزة التفاعل فى الإنسان بآيات الله القرآنية وآياته فى خلقه عبر التاريخ وهى القلب أو العقل والسمع. وهى أجهزة جعلها الله فى الإنسان وحمّله المسئولية نحوها فبها يبنى الكيان الإنسانىّ وبها يهدم كذلك إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) [الإسراء].
قال تعالى فى بيان ذلك من سورة «ق»: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧).
تاسعا: التذكير بقدرة الله سبحانه فى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام. والتنبيه إلى أن الله فى صفاته ليس كخلقه. فالخلق يعملون ويتعبون ويستريحون. وقد زعم اليهود هذا فقالوا: إن الله تعالى خلق السموات والأرض فى ستة أيام أوّلها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت فجعلوه
стр. 244
راحة فأكذبهم الله تعالى فى ذلك «١»، ولذلك قال ابن عباس وقتادة إن السورة كلها مكية إلا هذه الآية: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ «٢».
وبعد هذه المعالجة القرآنية الكريمة لما وقع فيه المشركون من الاضطراب والاختلاط يأتى الأمر إلى رسول الله ﷺ بالصبر على ما يقول هؤلاء وتدعيم النفس وتقويتها فى كلّ الأحوال وفى مواجهتهم وذلك بذكر الله فى كل الأحوال وترقّب اليوم الموعود وما يحدث فيه من أمر البعث والحشر. قال تعالى: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ قال ابن عباس:
قالوا: يا رسول الله لو خوّفتنا فنزلت: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) «٣».
فالتذكير بالقرآن يفيد أصحاب القلوب السليمة. كما يحرك غيرهم بما يتضمنه من توجيه العقول للنظر والاعتبار.
ولما كان التذكير جليا فى سورة «ق» على نحو ما رأينا وجدنا رسول الله ﷺ يقرؤها على الناس يوم الجمعة وفى العيدين وفى الفجر. ففي صحيح مسلم عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: لقد كان تنّورنا وتنّور رسول الله ﷺ واحدا سنتين- أو سنة وبعض سنة- وما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا عن لسان رسول الله ﷺ ؛ يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس. وعن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد الليثى ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ فى الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما ب ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ واقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. وعن جابر بن سمرة أن النبى ﷺ كان يقرأ فى الفجر ب ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وكانت صلاته بعد تخفيفا «٤».
стр. 245
سورة «البلد»
وبعد المعالجة السابقة فى سورة «ق» تنزل سورة البلد لتذكر الناس بنعمة المكان الذى يقيمون فيه. وموقع الإنسان فى هذه الحياة وما يكابده، وكيف تلعب الظنون بهذا الإنسان فيترك الطريق السوىّ وينسى نعم الله عليه. وتقدم السورة الكريمة للإنسان طريق أصحاب الميمنة، وتحذره من طريق أصحاب المشأمة فالسورة كلّها مكية باتفاق ونزلت بعد سورة «ق» قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠).
وعالجت سورة البلد مجموعة من المسائل والقضايا المتعلقة بالإنسان وما أنعم الله به عليه من نعم كثيرة، منها ما يخصّ أهل مكة من تمتعهم بأمن الحرم، فقد مكّن الله لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كلّ شىء، وجعله الله مثابة للناس وأمنا. وشرفهم بحلول الرسول وبعثته فى هذا البلد الأمين أفضل البلدان على الإطلاق. روى الإمام أحمد وابن ماجة والترمذى وصححه عن عبد الله بن عدى بن الحمراء أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت». وروى الترمذى وصححه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: «ما أطيبك من بلد، وأحبّك إلىّ، ولولا أن قومى أخرجونى منك ما سكنت غيرك» «١» فنعمة الحرم ونعمة حلول الرسول وبعثته فى مكة المكرمة ونعمة التوالد والخروج المستمر والذى تعمر به هذه الحياة بدءا بآدم ﵇ وما نسل من ولده وما فى هذا التوالد المتنوع من آيات القدرة والإبداع فذكر المكان وذكر الإنسان
стр. 246
المنعم بهذا المكان يقتضى أن يكون هذا الإنسان مقدرا لحرمة هذا المكان شاكرا لأنعم الرحمن سبحانه حتى يجد مع الشكر ومع الصبر أى مع الإيمان ما يجعله يتجاوز المتاعب التى سيمر بها رغما عنه براحة القلب وطمأنينة النفس وفى هذا إشعار لهذا الإنسان الذى تكبر ونسى نفسه أنه لا حول له ولا قوة إلا بخالقه والمتفضل عليه
سبحانه ولهذا قال القرطبى ﵀ فى وصف هذه المكابدة: قال علماؤنا أول ما يكابد قطع سرّته، ثم إذا قمط قماطا وشدّ رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع ثم يكابد نبت أسنانه وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذى هو أشدّ من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلّم وصولته، والمؤدّب وسياسته والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور وبناء القصور ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، فى مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس ووجع الأضراس، ورمد العين وغمّ الدّين، ووجع السنّ وأ لم الأذن ويكابد محنا فى المال والنفس مثل الضرب والحبس، ولا يمضى عليه يوم إلا يقاسى فيه شدّة ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك وضغطة القبر وظلمته ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقرّ به القرار إما فى الجنة، وإما فى النار، قال الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه الشدائد ودلّ هذا على أن له خالقا دبّره وقضى عليه بهذه الأحوال فليمتثل أمره» «١».
وعلى الرغم من تجسيد هذا الوصف لما يكابده الإنسان، فإن هذا الإنسان عجيب عند ما يتصور الأمور على غير حقائقها، فيظن أن قدرته مطلقة، ولن يقدر عليه أحد ويستعمل نعمة الله فى المال مثلا فيما يغضب الله عليه. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦) أى كثيرا مجتمعا. عن ابن عباس قال: كان أبو الأشدّين يقول: أنفقت فى عداوة محمد مالا كثيرا، وهو فى ذلك كاذب. وقال مقاتل: نزلت فى الحارث بن عامر بن نوفل أذنب فاستفتى النبى ﷺ ، فأمره أن يكفّر فقال: لقد ذهب مالى فى الكفّارات والنفقات منذ دخلت فى دين محمد. وهذا القول منه يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق فيكون طغيانا منه، أو أسفا عليه، فيكون ندما منه.
أيظن هذا الإنسان أن الله سبحانه لا يراه ولا يحاسبه على أعماله ومنها إهلاكه
стр. 247
لنعمة المال فالمال الذى يوجه إلى المعاصى والشهوات أهلك وأهلك صاحبه، وتقرّر السورة الكريمة هذا الإنسان بنعم الله القريبة منه، من العينين واللسان والشفتين ومن الدلالة على طريقى الخير والشر. فهلّا أقر هذا الإنسان بهذه النعم الظاهرة فأنفق ماله الذى يزعم أنه أنفقه فى عداوة محمد، هلا أنفقه لاقتحام العقبة فيأمن، وذلك بعتق الرقاب وتخليصها من الأسر أو من الرق، وفى حديث البراء «وفك الرقبة أن تعين فى ثمنها» «١».
وفى هذا فتح كبير يقدمه الإسلام للإنسان فى تخليصه من الأسر ومن الرق وهذا الفتح يأتى مبكرا فى الفترة المكية من نزول القرآن الكريم.
وكذلك يوجه المال إلى الإطعام وخاصة عند الحاجة فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) وكذلك يوجه المال فى هذا المجال إلى صاحب الحاجة القريب فإذا عنى كلّ بقريبه كفى المجتمع كله: يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦).
فاقتحام العقبة فى الدنيا والآخرة يكمن فى هذا السلوك المستقيم الذى يؤدى إلى التراحم بين الناس، والعناية بضعافهم ممن يقع فى الأسر أو الرق أو يقع فى الجوع أو اليتم أو شدة الفقر. وهذا السلوك لا بدّ أن يكون منطلقا من أساس الإيمان الذى تقبل به الأعمال، ولكى يستمر هذا لا بدّ من التواصى بالصبر والتواصى بالمرحمة.
وهذا مسلك أصحاب الميمنة. أما من وقع فى الكفر بآيات ربه فلن يسلك هذا السلوك أولئك أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة.
لقد نبهت سورة البلد الناس إلى نعم الله عليهم فى المكان، وفى حلول النبى ﷺ فيه وإلى وجود فريقى الخير والشر وبيان سلوك أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.
وكيف تكون النجاة من العقبة.
стр. 248
سورة «الطارق»
نزلت بعد سورة البلد بمكة المكرمة أخرج البيهقى عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ بمكة. وأخرج أحمد والبخارى فى تاريخه، والطبرانى وابن مردويه عن خالد العدوانى أنه أبصر رسول الله ﷺ فى سوق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى حين أتاهم يبتغى النصر عندهم، فسمعه يقرأ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ حتى ختمها، قال: فوعيتها فى الجاهلية، ثم قرأتها فى الإسلام، قال: فدعتنى ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل، فقرأتها فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه «١».
وسورة الطارق تأخذ بأبصار الناس إلى السماء ذات النجوم الساطعة التى تطلع ليلا، ليهتدى بها الناس فى ظلمات البر والبحر. وذات الرجع ترجع بالمطر وترجع أيضا بالأقدار، وتأخذ السورة أبصارهم كذلك إلى الأرض ذات الصدع فتنصدع الأرض للنبات، وتنصدع الأرض كذلك عن الأموات وتأخذ الأبصار كذلك إلى ما بين السماء والأرض، وما يتعلق بالإنسان نفسه فى خلقته من الماء الدافق الذى يخرج من الموضع الصعب من الصلب والترائب، تأخذ السورة الناس فى هذه الجولة الفكرية التى يدركون بها مظاهر قدرة الخالق سبحانه ولطفه بعباده ورحمته بهم فالذى صنع هذا هو الذى جعل على كل نفس حفظة يحفظون عليها رزقها وعملها وأجلها «٢».
وهو الذى سيعيد الإنسان مرة أخرى فهو على رجعه لقادر. وهو الذى سيبدى يوم القيامة كلّ سرّ خفى فيكون زينا فى الوجوه وشينا فى الوجوه «٣». وما كان منكتما فى الدنيا فإنه يظهر عيانا للناس فيظهر برّ الأبرار وفجور الفجار وتصير الأمور إلى علانية.
والإنسان فى هذا الموقف ليست له من نفسه قوة يدفع بها وليس له ناصر من خارجه ينتصر به. لمن الملك اليوم لله الواحد القهار.
والذى خلق هذا هو سبحانه الذى يقرر أن هذا القرآن هو القول الفصل البين
стр. 249
الواضح والذى يفصل بين الحق والباطل روى الحارث عن على ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتاب فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بعدكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله».
فإذا كانت الحقائق فى هذا الوضوح وظل الكافرون على كيدهم فليعلموا أن الله يكيد كيدا لإظهار الحق الذى كادوا له، ولدفع ما جاءوا به من الباطل فكيف يكون كيد المخلوق الضعيف أمام كيد الخالق العظيم، وفى هذا من الربط على قلب النبى ﷺ وعلى قلوب المؤمنين الذين تعرضوا لكيد الكافرين ما يفتح باب الأمل فى النجاة والنصر، والتمكين لدين الله فى الأرض ولو كره الكافرون. ولمزيد من الاطمئنان تذكر السورة الكريمة سنة من سنن الله فى معاملة الكافرين وهى الإمهال والاستدراج من حيث لا يعلمون فإذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر.
قال تعالى فى بيان ذلك كله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧).
стр. 250
سورة «القمر»
وبعد سورة الطارق مع هذا البيان الذى فصّل للناس فيها تنزل سورة القمر لتذكر الناس باقتراب الساعة وظهور أدلة صدق النبى ﷺ وإعراض المشركين وتقديم أخبار السابقين من الهالكين حتى يكون لهم فى أنبائهم مزدجر، فالسورة مكية كلّها فى قول الجمهور. وأما مقاتل «فيستثنى ثلاث آيات هى قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) فيقول مقاتل فى ذلك: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) ولكن القرطبى لا يرى صحة هذا «١» ويورد قول سعيد بن جبير قال سعد بن أبى وقاص: لما نزل قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) كنت لا أدرى أىّ الجمع ينهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبى ﷺ يثب فى الدرع ويقول: «اللهم إن قريشا جاءتك تحادّك وتحادّ رسولك بفخرها وخيلائها فأخنهم «٢» الغداة» - ثم قال: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)» فعرفت تأويلها.
وهذا من معجزات النبى ﷺ ؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. وقال ابن عباس:
كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين فالآية على هذا مكية «٣». وفى البخارى عن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ قالت: لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإنى لجارية ألعب:
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)، وعن ابن عباس أن النبى ﷺ قال وهو فى قبّة له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا» فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك؛ وهو فى الدّرع فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ يريد القيامة وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) أى أدهى وأمرّ مما لحقهم يوم بدر «٣».
وفى سبب نزولها أخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن أنس: أن أهل مكة سألوا