← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37483

تاريخ نزول القرآن

محمد رأفت سعيد

Полный текст (359 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المنعم بهذا المكان يقتضى أن يكون هذا الإنسان مقدرا لحرمة هذا المكان شاكرا لأنعم الرحمن سبحانه حتى يجد مع الشكر ومع الصبر أى مع الإيمان ما يجعله يتجاوز المتاعب التى سيمر بها رغما عنه براحة القلب وطمأنينة النفس وفى هذا إشعار لهذا الإنسان الذى تكبر ونسى نفسه أنه لا حول له ولا قوة إلا بخالقه والمتفضل عليه سبحانه ولهذا قال القرطبى ﵀ فى وصف هذه المكابدة: قال علماؤنا أول ما يكابد قطع سرّته، ثم إذا قمط قماطا وشدّ رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع ثم يكابد نبت أسنانه وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذى هو أشدّ من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلّم وصولته، والمؤدّب وسياسته والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور وبناء القصور ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، فى مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس ووجع الأضراس، ورمد العين وغمّ الدّين، ووجع السنّ وأ لم الأذن ويكابد محنا فى المال والنفس مثل الضرب والحبس، ولا يمضى عليه يوم إلا يقاسى فيه شدّة ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك وضغطة القبر وظلمته ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقرّ به القرار إما فى الجنة، وإما فى النار، قال الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه الشدائد ودلّ هذا على أن له خالقا دبّره وقضى عليه بهذه الأحوال فليمتثل أمره» «١». وعلى الرغم من تجسيد هذا الوصف لما يكابده الإنسان، فإن هذا الإنسان عجيب عند ما يتصور الأمور على غير حقائقها، فيظن أن قدرته مطلقة، ولن يقدر عليه أحد ويستعمل نعمة الله فى المال مثلا فيما يغضب الله عليه. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦) أى كثيرا مجتمعا. عن ابن عباس قال: كان أبو الأشدّين يقول: أنفقت فى عداوة محمد مالا كثيرا، وهو فى ذلك كاذب. وقال مقاتل: نزلت فى الحارث بن عامر بن نوفل أذنب فاستفتى النبى ﷺ ، فأمره أن يكفّر فقال: لقد ذهب مالى فى الكفّارات والنفقات منذ دخلت فى دين محمد. وهذا القول منه يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق فيكون طغيانا منه، أو أسفا عليه، فيكون ندما منه. أيظن هذا الإنسان أن الله سبحانه لا يراه ولا يحاسبه على أعماله ومنها إهلاكه

стр. 247

لنعمة المال فالمال الذى يوجه إلى المعاصى والشهوات أهلك وأهلك صاحبه، وتقرّر السورة الكريمة هذا الإنسان بنعم الله القريبة منه، من العينين واللسان والشفتين ومن الدلالة على طريقى الخير والشر. فهلّا أقر هذا الإنسان بهذه النعم الظاهرة فأنفق ماله الذى يزعم أنه أنفقه فى عداوة محمد، هلا أنفقه لاقتحام العقبة فيأمن، وذلك بعتق الرقاب وتخليصها من الأسر أو من الرق، وفى حديث البراء «وفك الرقبة أن تعين فى ثمنها» «١». وفى هذا فتح كبير يقدمه الإسلام للإنسان فى تخليصه من الأسر ومن الرق وهذا الفتح يأتى مبكرا فى الفترة المكية من نزول القرآن الكريم. وكذلك يوجه المال إلى الإطعام وخاصة عند الحاجة فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) وكذلك يوجه المال فى هذا المجال إلى صاحب الحاجة القريب فإذا عنى كلّ بقريبه كفى المجتمع كله: يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦). فاقتحام العقبة فى الدنيا والآخرة يكمن فى هذا السلوك المستقيم الذى يؤدى إلى التراحم بين الناس، والعناية بضعافهم ممن يقع فى الأسر أو الرق أو يقع فى الجوع أو اليتم أو شدة الفقر. وهذا السلوك لا بدّ أن يكون منطلقا من أساس الإيمان الذى تقبل به الأعمال، ولكى يستمر هذا لا بدّ من التواصى بالصبر والتواصى بالمرحمة. وهذا مسلك أصحاب الميمنة. أما من وقع فى الكفر بآيات ربه فلن يسلك هذا السلوك أولئك أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة. لقد نبهت سورة البلد الناس إلى نعم الله عليهم فى المكان، وفى حلول النبى ﷺ فيه وإلى وجود فريقى الخير والشر وبيان سلوك أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. وكيف تكون النجاة من العقبة.

стр. 248

سورة «الطارق» نزلت بعد سورة البلد بمكة المكرمة أخرج البيهقى عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ بمكة. وأخرج أحمد والبخارى فى تاريخه، والطبرانى وابن مردويه عن خالد العدوانى أنه أبصر رسول الله ﷺ فى سوق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى حين أتاهم يبتغى النصر عندهم، فسمعه يقرأ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ حتى ختمها، قال: فوعيتها فى الجاهلية، ثم قرأتها فى الإسلام، قال: فدعتنى ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل، فقرأتها فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه «١». وسورة الطارق تأخذ بأبصار الناس إلى السماء ذات النجوم الساطعة التى تطلع ليلا، ليهتدى بها الناس فى ظلمات البر والبحر. وذات الرجع ترجع بالمطر وترجع أيضا بالأقدار، وتأخذ السورة أبصارهم كذلك إلى الأرض ذات الصدع فتنصدع الأرض للنبات، وتنصدع الأرض كذلك عن الأموات وتأخذ الأبصار كذلك إلى ما بين السماء والأرض، وما يتعلق بالإنسان نفسه فى خلقته من الماء الدافق الذى يخرج من الموضع الصعب من الصلب والترائب، تأخذ السورة الناس فى هذه الجولة الفكرية التى يدركون بها مظاهر قدرة الخالق سبحانه ولطفه بعباده ورحمته بهم فالذى صنع هذا هو الذى جعل على كل نفس حفظة يحفظون عليها رزقها وعملها وأجلها «٢». وهو الذى سيعيد الإنسان مرة أخرى فهو على رجعه لقادر. وهو الذى سيبدى يوم القيامة كلّ سرّ خفى فيكون زينا فى الوجوه وشينا فى الوجوه «٣». وما كان منكتما فى الدنيا فإنه يظهر عيانا للناس فيظهر برّ الأبرار وفجور الفجار وتصير الأمور إلى علانية. والإنسان فى هذا الموقف ليست له من نفسه قوة يدفع بها وليس له ناصر من خارجه ينتصر به. لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. والذى خلق هذا هو سبحانه الذى يقرر أن هذا القرآن هو القول الفصل البين

стр. 249

الواضح والذى يفصل بين الحق والباطل روى الحارث عن على ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتاب فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بعدكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله». فإذا كانت الحقائق فى هذا الوضوح وظل الكافرون على كيدهم فليعلموا أن الله يكيد كيدا لإظهار الحق الذى كادوا له، ولدفع ما جاءوا به من الباطل فكيف يكون كيد المخلوق الضعيف أمام كيد الخالق العظيم، وفى هذا من الربط على قلب النبى ﷺ وعلى قلوب المؤمنين الذين تعرضوا لكيد الكافرين ما يفتح باب الأمل فى النجاة والنصر، والتمكين لدين الله فى الأرض ولو كره الكافرون. ولمزيد من الاطمئنان تذكر السورة الكريمة سنة من سنن الله فى معاملة الكافرين وهى الإمهال والاستدراج من حيث لا يعلمون فإذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر. قال تعالى فى بيان ذلك كله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧).

стр. 250

سورة «القمر» وبعد سورة الطارق مع هذا البيان الذى فصّل للناس فيها تنزل سورة القمر لتذكر الناس باقتراب الساعة وظهور أدلة صدق النبى ﷺ وإعراض المشركين وتقديم أخبار السابقين من الهالكين حتى يكون لهم فى أنبائهم مزدجر، فالسورة مكية كلّها فى قول الجمهور. وأما مقاتل «فيستثنى ثلاث آيات هى قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) فيقول مقاتل فى ذلك: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) ولكن القرطبى لا يرى صحة هذا «١» ويورد قول سعيد بن جبير قال سعد بن أبى وقاص: لما نزل قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) كنت لا أدرى أىّ الجمع ينهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبى ﷺ يثب فى الدرع ويقول: «اللهم إن قريشا جاءتك تحادّك وتحادّ رسولك بفخرها وخيلائها فأخنهم «٢» الغداة» - ثم قال: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)» فعرفت تأويلها. وهذا من معجزات النبى ﷺ ؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. وقال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين فالآية على هذا مكية «٣». وفى البخارى عن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ قالت: لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإنى لجارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)، وعن ابن عباس أن النبى ﷺ قال وهو فى قبّة له يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا» فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك؛ وهو فى الدّرع فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ يريد القيامة وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) أى أدهى وأمرّ مما لحقهم يوم بدر «٣». وفى سبب نزولها أخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن أنس: أن أهل مكة سألوا

стр. 251

رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما»، وروى عنه من طريق أخرى عند مسلم والترمذى وغيرهم وقال: فنزلت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا» وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى فى الدلائل عنه قال: رأيت القمر منشقا شقتين مرّتين: مرّة بمكة قبل أن يخرج النبى ﷺ : شقة على أبى قبيس، وشقة على السويداء وذكر أن هذا سبب نزول الآية «١» ويعلق القرطبى على الروايات التى وردت فى انشقاق القمر فيقول: «وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوى الناس فيها؛ لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت باستدعاء النبى ﷺ من الله تعالى عند التحدى «٢». فظهور هذه الآية الحسية الباهرة كان كافيا لتحريك القلوب وتسليم أصحابها وإيمانهم، ولكنّ كثافة الكفر على القلوب جعلت هؤلاء ينسبون هذه الآية إلى السحر، قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ وقالوا: إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبى قبيس ونصف على قعيقعان، فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن فعلت تؤمنون» قالوا: نعم. وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يعطيه ما قالوا؛ فانشق القمر فرقتين، ورسول الله ﷺ ينادى المشركين: «يا فلان يا فلان اشهدوا»، وفى حديث ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا من سحر ابن أبى كبشة؛ سحركم فاسألوا السّفّار فسألوهم فقالوا: قد رأينا القمر انشق فنزلت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا أى إن يروا آية تدل على صدق محمد ﷺ أعرضوا عن الإيمان وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) فالآيات مع أمثال هؤلاء. لا تغنى فالإعراض والتكذيب واتباع الهوى حجب تحول بين الإنسان وبين الإيمان والنظر العقلى. وإذا كانت الآيات الحسية لا تغنى مع هؤلاء فإنهم كذلك لا يعتبرون بالأنباء التاريخية وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥). وأمام

стр. 252

هذا الإعراض والادعاء والاتهام بالسحر والتكذيب واتباع الهوى وما يتبع ذلك من تحديات كان التخفيف على النبى ﷺ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ثم يكون الترهيب بالمصير الذى إليه يصيرون: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨). وتعرض السورة الكريمة أنباء السابقين مع تنوع أحوالهم، ووجوه الشبه فى أفعالهم وأفعال هؤلاء المشركين، فهؤلاء قوم نوح كذبوا نوحا وقالوا مجنون فكانت عاقبتهم الإهلاك غرقا، ونجّى الله نوحا والذين آمنوا معه، ويسر الله القرآن وما تضمنه من المعانى للذكر فهل من متّعظ معتبر: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧). كما تذكر السورة تكذيب عاد وكيف أهلكهم الله بريح صرصر فى يوم نحس مستمر: كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢). وأما ثمود فكذبوا كذلك ونظروا إلى رسولهم نظرة ليست صحيحة، فقالوا: هل نتبع واحدا منا، وهل خصّه الله بالذكر من بينهم، وأرسل الله إليهم آية حسية تتمثل فى الناقة فعقروها فأهلكهم الله بالصيحة: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. كما قدمت السورة الكريمة أنباء قوم لوط وتكذيبهم وأفعالهم وكيف أهلكهم الله كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا

стр. 253

فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠). ومع ما قدمته السورة الكريمة من أنباء السابقين الذين كذّبوا رسلهم فأهلكهم الله ومن هؤلاء آل فرعون الذين كذبوا فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. وبعد تقديم أنباء هؤلاء تستخلص العبرة فهل الكفار المعاصرون لنزول القرآن الكريم خير من أولئك أم لهم براءة مكتوبة من الهلاك والعذاب؟ أم يعتدون بقوتهم وجمعهم، فقد كان السابقون أشد منهم قوة؟! إن سنة الله ماضية فى أخذ الكافرين بأعمالهم ومعاقبة المجرمين بضلالهم قال تعالى: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨). وبعد هذا البيان لعاقبة الكافرين فى الدنيا وفى الآخرة. يخاطب الناس بما يذهب الهمّ ويبدّد الحزن إنه الإيمان بالقدر إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وأن قضاء الله فى خلقه أسرع من لمح البصر وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) فهل يعى المشركون ذلك ليحذروا من الاستمرار فى غيهم وأما المؤمنون فإنهم يطمئنون إلى نصر الله وفرجه القريب والتمكين لهم فى الأرض. لقد أهلك الله أشباه الكافرين من الأمم الخالية وكل ما فعلوه لا ينسى وإنما هو مسطور. وتبقى العاقبة للمتقين وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥).

стр. 254

سورة «ص» وبعد هذه الآيات الكريمة تنزل سورة «ص» لتستمر فى كشف مواقف الكافرين وتهديدهم، وبيان ما حدث لمن كان قبلهم. فهى سورة مكية فى قول الجميع، ونزلت بعد القمر، فعن ابن عباس ﵄ قال: نزلت سورة «ص» بمكة «١»، وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذى وصححه والنسائى وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقال: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبى ﷺ فدخل البيت، وبينهم وبين أبى طالب قدر مجلس رجل، فخشى أبو جهل أن يجلس إلى أبى طالب ويكون أرقى عليه فوثب، فجلس فى ذلك المجلس، فلم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أى ابن أخى ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم. وتقول وتقول، قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: «يا عم إنى أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدّى إليهم بها العجم الجزية»، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا، قالوا: فما هى؟ قال: «لا إله إلا الله»، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون- أجعل الآلهة إلها واحدا إنّ هذا لشىء عجاب- فنزل فيهم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) «١». فالسورة الكريمة تبرز جانبا من أسباب الكفر والعناد لدى الكفار وذلك لمعرفة حالتهم

стр. 255

الضالة وتهديدهم ووعيدهم حتى يتمكن من تدبر حاله وخشى العاقبة من تدارك أمره والإذعان لما جاء فى القرآن ذى الذكر، فمن هذه الأسباب: الكبر والاستعلاء فى الأرض بغير الحق والذى يحول بين الإنسان وبين الاستجابة للحق والانقياد له. فالذين كفروا فى عزة وشقاق. ومن هذه الأسباب: فساد تصور الكافرين عن الألوهية، وركونهم إلى تعدد الآلهة فكان تعجبهم من عقيدة التوحيد التى جاء بها رسول الله ﷺ وكان قولهم الذى ذكرته السورة الكريمة: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥). ومن هذه الأسباب: فساد تصور الكافرين للنبوة فكان عجبهم أن يأتيهم منذر منهم، وكان قولهم الذى ذكرته هذه السورة الكريمة: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا. فقد ربطوا النبوة فى أذهانهم بالمقاييس الجاهلية التى تقدر الإنسان بما لديه من مال وبما ينتمى إليه من عصبية، فالنبى فى نظرهم لا يخرج عن هذه المقاييس، وهذا جاء على لسان الوليد بن المغيرة حيث قال: أينزل على محمد وأترك؟ وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفى سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين «١». كما أنهم لم يتصوروا أن يكون الرسول رجلا بل ينبغى أن يكون ملكا. وهذا المعنى قد حكاه القرآن الكريم بعد ذلك فوجدناه فى مثل قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) [الأنعام] وفى قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (٩٥) [الإسراء]. وفى بيان أسباب إعراض الكافرين وعنادهم نذكر من هذه الأسباب ما يقوم به السادة والكبراء من إضلال العامة وتوصيتهم بالاستمساك والصبر على باطلهم: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦). واعتبار السادة أن هذا شىء يراد يشعر بسبب له تأثيره فى الاستمساك بالكفر وهو نظرهم إلى النبى ﷺ على أنه يريد العلو عليهم وليصيروا أتباعا له، وهذا المعنى جاء على ألسنة كثير منهم من هذا ما قاله أبو سفيان فى فتح مكة عند ما وقف بمضيق الوادى لتمرّ به جنود الله، ومعه العباس عم النبى ﷺ وبعد أن رأى جند الله قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، ثم

стр. 256

قال: والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، قال العباس: قلت يا أبا سفيان: إنها النبوة، قال: فنعم إذا «١». فكلمة أبى سفيان تمثّل تصور المشركين لبعثة النبى ﷺ ، وأنه سينزع عنهم مكانتهم وسلطانهم وهيبتهم من القبائل، من أجل ذلك ناصبوه العداء، وتفننوا فى عدائه وكادوا له كيدا كبيرا. ومما يدلّ على ذلك- أيضا- اجتماع وفد من المشركين برسول الله ﷺ قالوا فيه للنبى ﷺ : «يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلّمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثلما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسببت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرقت الجماعة ... فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا- بذلنا لك أموالنا فى طلب الطب لك حتى نبرئك منه، فقال ﷺ : «ما بى ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل علىّ كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوا علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم» أو كما قال ﷺ «٢». فإذا كانت هذه من جملة أسباب عداء المشركين للنبى ﷺ فإن السورة الكريمة تزجرهم وترد عليهم مزاعمهم وتتوعدهم وتعرفهم بحقيقة الأمر، ليصححوا تصوراتهم ويقلعوا عن غيهم وذلك بذكر ما يلى: أولا: لا ينبغى أن يفتر هؤلاء بطول إمهال الله لهم، لأنهم لو ذاقوا العذاب لزال عنهم ما يجدون من كبر وعناد، قال تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨). ثانيا: لا يملك هؤلاء من الأمر شىء فرحمة ربّك العزيز الوهاب يخص بها من

стр. 257

يشاء، فهل يملك هؤلاء رحمة ربك ليمنعوا أحدا نعمة الله ، قال تعالى: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ. وكما جاء فى قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢]. ثالثا: هل لهؤلاء ملك السموات والأرض وما بينهما، إن ادّعوا ذلك فليصعدوا إلى السموات وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحى على محمد ﷺ قال تعالى: أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠). رابعا: توعدهم الله بالهزيمة فيما ادّعوا من ناحية وفى مواجهتهم للنبى ﷺ وللمؤمنين من ناحية أخرى، قال تعالى: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١). خامسا: العبرة التاريخية فى عقاب من كان على شاكلتهم فى الكفر والعناد والكبر؛ قال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ (١٣) الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤). ومع ذكر استهزائهم بالعذاب، واستعجالهم له يقول الله تعالى مسليا لرسوله ﷺ : وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧). ويذكّر الله سبحانه رسوله بما كان من أمر مجموعة من رسل الله السابقين مع بعض المواقف التى حدثت معهم وكيف كان تصرفهم وفى هذا تصبير من ناحية ودليل على صدق نبوته ورسالته؛ لأنه لا يعلم هذه الأخبار بصدقها وتفاصيلها أحد فيهم، وأن الله يهب من يشاء من خلقه ما يشاء من ملك وحكمة، فهو سبحانه الوهاب فهذا داود يقول الله فى شأنه: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠). ثم تذكر الآيات حادثة مع نبى الله داود لا يعلمها إلا الله قال تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ

стр. 258

نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤). لقد تابعت السورة الكريمة ما حدث مع داود ﵇ بعد استغفاره لربه وركوعه وإنابته قال تعالى: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦). وفى هذا البيان القرآنى الكريم عن طريق القصة تؤكد المبادئ الآتية: - إن من ولى من أمور الناس شيئا فعليه أن يحكم بين الناس بالحق. - ومن كان الحق رائده فلن يتبع الهوى. فاتباع الهوى فيه الضلالة عن سبيل الله، ونتيجة هذه الضلالة أن ينسى الإنسان يوم الحساب حتى يقع فى العذاب الشديد. - والذى يتبع الهوى لا ينظر إلى الأشياء نظرة صحيحة ولا يتبع فى نظرته اليقين، فالسماء والأرض فيهما من آيات الحق ما يجعل المؤمنين فى قوة إيمان والتزام بصالح الأعمال، وأما الذين كفروا فلا ينتفعون بهذه الآيات، ويتبعون الظنّ الذى يحرمهم من الانتفاع بالآيات. وإذا كان هذا شأن الإنسان مع الآيات الكونية فإنه كذلك مع آيات الكتاب العزيز فإن ثمرات الكتاب العزيز تجنى بالتدبر، قال تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩). وبعد أن تعطى الآيات ما يجتنى من القصة السابقة تستأنف عطاء جديدا يمنحه الله لداود ﵇ قال تعالى: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠).

стр. 259

وتقديم النموذجين الكريمين للناس فى هذه الفترة المكية تهيئة صالحة لما سيقبلون عليه من استقرار الدولة المسلمة التى يقضى فيها بين الناس بالحق، وبيان كذلك للناس أن من عباد الله من أوتى الملك الذى لم يصل إليه واحد ممن يمنعه ماله وجاهه من الإذعان والامتثال لأمر الله ورسوله، والإنسان يبتلى بألوان من البلاء بالشر والخير، ولكن عاقبة المؤمنين دائما أن يتذكروا، وأن ينيبوا إلى ربهم، وأن يستغفروا ليجدوا مغفرة الله وإكرامه لهم. ثم تقدم السورة الكريمة نموذجا آخر من صفوة الناس يبتلى، وكيف يكون حاله فى الابتلاء وكيف تكون عاقبته، قال تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) فأيوب ﵇ يبتلى بهذا الابتلاء الشديد فى بدنه، ويلجأ إلى الله ويدعوه رغبا ورهبا، فيكشف الله ما به من ضر ويؤتيه أهله ومثلهم معهم. وتقص الآيات تفصيلات حدثت مع هذا الابتلاء فى كيفية الضرب بالرجل على الأرض ليغتسل وليشرب فيبرأ بإذن الله، وكيف يضرب بالضغث ولا يحنث. وفى هذا تأكيد على صدق رسول الله ﷺ لأنه لا يعلم أحد بهذه التفاصيل إلا الله الذى أنزل الكتاب وما عند أهل الكتاب يكتمونه، وليسوا معه فى مكة المكرمة مع ما حرفوه وبدّلوه وشوّهوا أحداث هؤلاء الصفوة. وتستمر السورة الكريمة فى تقديم هذه النماذج المشرقة، ليقتدى بها فإن مواقفهم قابلة للتكرار، والتحلى بما كانوا عليه من صفات يحقق ما وصلوا إليه من نتائج، وما منحهم الله من عطايا. يقول الله تعالى: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨). وفى الوقت الذى يضع التنزيل المبارك أمام الناس هذه النماذج الكاملة يبشر من اقتدى بهم، واتصف بصفاتهم، ويذكر ما أعد الله لهم من نعيم معنوى وحسى من تفتيح الأبواب والاتكاء والفاكهة الكثيرة والشراب الطهور والحور العين، قال تعالى:

стр. 260

هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤). ومع تقديمها للنماذج الكاملة من صفوة خلق الله، ليقتدى بهم فيما كانوا عليه من كريم الخصال وحميد الصفات، وحثّ الناس على اتباع سبيلهم، وبيان ما أعدّ من نعيم لمن سار على ذلك. تذكر الآيات بعد هذا البيان ما ينتظر الطغاة الذين انحرفوا عن هذا السبيل، وأصروا على الكفر واستكبروا استكبارا، وكيف يكون حالهم فى جهنم من خزى وعذاب، فبئس المسكن والمستقر وكيف يذوقون الماء الحار الذى يقطع أمعاءهم، وما يشبه ذلك من أنواع وأصناف، وكيف لا يرحّب بهم ويلعن بعضهم بعضا، ويلقى بعضهم على بعض سبب الوصول إلى هذا المصير. وتذكر الآيات الكريمة مشهدا ينبه الساخرين من المؤمنين وأنهم مخطئون فى سخريتهم، قال تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤). وبعد هذا الإنذار وقبله التبشير يؤمر النبى ﷺ بتقرير مهمته وما جاء به من عند ربه من التوحيد والتذكير بالله سبحانه وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وما يقبلون عليه من مصير إذا أعرضوا عنه، ويقدم لهم أدلة صدقه فى إخباره عن أشياء لا سبيل إلى العلم بها إلا عن طريق الوحى، قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠). ومن أخبار هذا الغيب ما يتعلق بخلق آدم ﵇ من طين وكيف سواه الله، ونفخ فيه من روحه وأمر ملائكته بالسجود له، وكيف سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس

стр. 261

استكبر وكان من الكافرين. وذكر ما حدث من إبليس تنبيه للناس وتذكير لهم بحقائق لها صلة بكفر الكافرين، واستكبارهم وعنادهم، وتبصير لهم كذلك بسبب من أسباب الكفر والعناد، وما يحاوله الشيطان مع الإنسان بمحاولة إقحامه فى عقبة الكفر. وهذا ما وقع فيها الكافرون فلما أمروا باتباع رسول الله محمد ﷺ قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) [الزخرف] ونظروا كذلك إلى من آمن من المستضعفين نظرة احتقار، وأن الكافرين خير منهم. ثم تذكر الآيات الكريمة حرص الشيطان وإصراره على إغواء بنى آدم. والعاقل مع وضوح هذه الحقائق يحسن السير ويتجنب المخاطر. قال تعالى: قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣). ومع بيان جهد الشيطان ومحاولته فى إغواء بنى آدم وتحذير الناس من هذه العداوة يأتى الوعيد للشيطان ولمن تبعه قال تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٤). وبعد هذا التبشير والإنذار وبيان مصدر من مصادر العداوة للإنسان، وكيف يكون حرص الشيطان على الإغواء يأتى التأكيد على حرص النبى ﷺ على تذكير العالمين دون أجر، وأنه يسلك فى هذا سبيل الفطرة دون تكلف فى أمره كله فلا تكلف فى أى مظهر من مظاهر الاعتقاد أو الأخلاق أو السلوك أو المعاملات. وأن ما جاء به رسول الله ﷺ هو الحق الذى سيدرك الناس أجمعون أنه الحق الآتى الذى لا ريب فيه. قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨). فالرسول الله ﷺ لا يتكلف ولا يتخرص ما لم يؤمر به، روى مسروق عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: من سئل عما لم يعلم فليقل لا أعلم ولا يتكلف، فإن قوله لا أعلم علم، وقد قال الله لنبيه ﷺ : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦).

стр. 262

وروى الدارقطنى من حديث نافع عن ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره. فسار ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له فقال له عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة فى مقراتك؟ فقال له النبى ﷺ : «يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت فى بطونها ولنا ما بقى شراب وطهور». ولقد تعلم عمر من هذا الموقف فحدث معه موقف آخر يدل على استيعابه لهذه الفطرة، ففي الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج فى ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا.

стр. 263

سورة «الأعراف» نزلت بعد سورة «ص» فهى مكية إلا الآيات الآتية: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠). قال ابن عباس: سورة الأعراف نزلت بمكة «١» وأخرج ابن مردويه عن عبد الله ابن الزبير مثله. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: آية من الأعراف مدنية وهى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ... إلى آخر الآية، وسائرها مكية، وأما القرطبى والشوكانى فقد ذكرا ما جاء عن كونها مكية إلا الآيات الثمانى التى ذكرناها «٢». وهى آيات تخاطب رسول الله ﷺ أن يسأل اليهود الذين هم جيرانه- ولم يكن ذلك إلا فى المدينة المنورة- سؤال تقرير وتوبيخ عن أخبار أسلافهم، وما مسخ الله منهم قردة وخنازير. وكان هذا من دلائل صدق النبى ﷺ إذا أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم، وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه. فقال الله

стр. 264

لنبيه ﷺ : سلهم يا محمد عن القرية، أما عذّبتهم بذنوبهم؛ وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة واختلف فى تعيين هذه القرية فقال ابن عباس وعكرمة والسّدّى: هى أيلة، وعن ابن عباس- أيضا- أنها مدين بين أيلة والطور. وأما الزهرى فيرى أنها طبريّة. وأما قتادة وزيد بن أسلم فيذكرون أنها ساحل من سواحل الشام بين مدين وعينون يقال لها: مقتاة. وكان اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السبة عليهم «١». وسورة الأعراف أول سورة طويلة تنزل بمكة، فقد بلغت آياتها مائتين وست آيات بالآيات المدنية الثمانى. وقرأ النبى ﷺ بهذه السورة على طولها فى صلاة المغرب. فقد روى النسائى عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قرأ فى صلاة المغرب سورة الأعراف، فرّقها فى ركعتين «٢». وعلى ذلك فإن سورة الأعراف تفصّل للناس من المعانى ما يدعم القضايا التى أثيرت فى السور السابقة، ومن هذه القضايا ما يتصل بالكتاب العزيز، ورسول الله ﷺ الذى أنزل إليه الكتاب، واستقبله بشوق وهمة وأنذر به الناس وبشرّ، والناس نحوه على قسمين: قسم مستجيب مؤمن، وقسم معرض معاند. وتبين السورة أمرا جديرا بالعناية نحو الكتاب والذى أنزل إليه وهو أمر الاتباع لما جاء به النبى ﷺ فالعلم وحده لا يكفى وإنما يجمع بين العلم والعمل. وأن عدم الاتباع والوقوع فى الكفر يؤدى إلى التهلكة، ولهم فى القرى السابقة عبرة فقد جاءهم العذاب بغتة ليلا أو نهارا قال تعالى: المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥). ومن القضايا الأساسية فى السورة الكريمة ما يتصل بالسؤال الذى سيوجّه إلى الجميع: إلى المرسلين، والذين أرسل إليهم وإخبارهم بما عملوا، فالله أحصى ما صنعوا وما يغيب عنه سبحانه شىء: ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) [المؤمنون] قال تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧). وما يسجّل على الإنسان أو له فإنما يسجّل بدقة بالغة، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً

стр. 265

يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة] فالوزن يومئذ القسط والذى يثقل ميزانه بصالح عمله وحسن اتباعه فهو من المفلحين، والذى خفّت موازينه بالسيئات فقد خسر نفسه قال تعالى فى هذه السورة: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩). وتأتى السورة الكريمة لتذكر الناس بتمكين الله لهم فى الأرض، وتهيئة أسباب المعايش لهم فيها، ولتذكرهم بنعمة الخلق والتصوير والتكريم بأمر الملائكة بالسجود لآدم قال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) ومع ذكر هذا التكريم تنبيه لبنى آدم، ليدركوا عداوة الشيطان لهم، وليقفوا على سوء منطقه وكبره وجزائه وإمهاله قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥). تضع السورة الكريمة أمام بنى آدم توعّد الشيطان لبنى آدم وحيله معهم من كل طريق لإغوائهم: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨). وكانت التجربة الأولى لبنى آدم فى أن ينهى آدم ﵇ عن الاقتراب من الشجرة مع وجوده فى نعيم يغنيه عنها، ولكنّ الشيطان العدو المبين يسلك سبيله فى الوسوسة لآدم وزوجته، وتكون المعصية، ويظهر أثر المعصية على آدم وزوجته ولكن يتوبان إلى الله ويتوب الله عليهما، قال تعالى: وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣).

стр. 266

واستمرت العداوة واستمر الكيد من الشيطان لبنى آدم وأهبط آدم وزوجته إلى الأرض يمارسان الحياة فيها وليكون الموت فيها، ومنها يكون الخروج وخير حال لبنى آدم أن تستر الثياب أجسادهم، وأن يتجملوا بها ظاهرا، وأن يلبسوا ثياب التقوى ليتجملوا بها خلقا وسلوكا وأعمالا. وإذا كان الشيطان قد فتن آدم وزوجته لينزع عنهما لباسهما بالمعصية فينبغى ألا يقع بنو آدم تحت تأثير الشيطان نفسه وإغوائه فالسورة الكريمة تربط للناس الحاضر بالماضى ليأخذوا العبرة وليكونوا على حذر قال تعالى: قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وفى هذا بيان لعمل الشيطان ولطبيعته وصلته ببنى آدم حتى يأخذوا حذرهم منه. وتصحح السورة الكريمة مفاهيم خاطئة لدى الناس من التقليد للآباء فى الفواحش وتبرير هذا التقليد بأن الله أمر بهذا، كما تصحح جهلا وقع الناس فيه وتوجه إلى الصواب فى الأمر قال تعالى: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. وتنبه السورة الكريمة الناس إلى البعث وأنهم سيعودون إلى الحياة مرة أخرى للحساب ولكن فريقا هدى وفريقا ضل الطريق قال تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠). وتهيئ السورة النفوس لكى تتحلى بالمظهر الطيب عند لقاء الجماعة المؤمنة فى بيوت أذن الله أن ترفع، وأن تتحلى كذلك بالتوازن فى حياتها المادية والروحية والعقلية، فعند ما تنمى أبدانها بالطعام والشراب ينبغى ألا يكون ذلك على حساب الروح أو العقل فلا إسراف فى مأكل أو مشرب، فالإسلام جاء ليحقق التوازن فى كل شىء، ويجعل

стр. 267

أتباعه يتمتعون بما أحل الله من الطيبات والزينة، ويحصنون أنفسهم من الموبقات التى حرمها الله سبحانه قال تعالى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣). كما تذكر السورة الكريمة أن للأمم آجالا كآجال الأفراد، وأن هذه الأمم يمنّ الله عليها ببعثة الرسل يتلون عليهم آيات ربهم، والعاقبة لمن استجاب واتقى وأصلح، وأما الذين كذبوا واستكبروا فمصيرهم إلى النار. وبعد هذا البيان فمن أظلم ممّن كذّب بآيات الله إنهم ظلموا أنفسهم ومهدوا لها بظلمهم السبيل إلى النار. قال تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١). ومن المعانى التى تضمنتها سورة الأعراف بيان منهج المؤمنين الذين يعملون الصالحات فى يسر العمل، وأخذ ما يستطيعون، وكيف يصيرون إلى الجنة بصدور لا غل فيها ونعيم تطيب به نفوسهم، واعتراف بفضل الله عليهم وهدايتهم، وتوفيقهم فى اتباع

стр. 268

الرسل واستقامتهم على صالح الأعمال، قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣). وتعرض سورة الأعراف مشهدا لفريقين من الناس فى الآخرة: فريق الجنة، وفريق النار، وما يكون بين الفريقين من كلام، كما تعرض لفريق ثالث بين الفريقين: ويمثل هذا الفريق رجالا على الأعرف أى ما يكن من سور أو حجاب يقال له: الأعراف لا من الجنة ولا من النار بل بينهما، ومن يكن عليه ير حال الفريقين الآخرين. فأما أصحاب الجنة فينادون أصحاب النار بأنهم وجدوا ما وعدهم ربهم حقا. وأما أصحاب النار فكانوا فى شك من وعد الله فكفروا فى الدنيا، أما الآن فإنهم يقولون: نعم. ولكن لا ينفعهم إيمانهم فى هذا الموقف، وقد ظلموا وصدوا عن السبيل وأرادوها عوجا وكفروا بالآخرة. وأصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بسيماهم، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم- وهم- إلى الآن- لم يدخلوا الجنة ولكنهم يطمعون فى دخولها، ولم يجعل الله الطمع فى قلوبهم إلا لما يريد بهم من كرامته. وإذا وجّهت أبصارهم تلقاء أصحاب النار رأوا منظرا شنيعا، ودعوا ربّهم ألا يكونوا مع هؤلاء الظالمين. ويجد أصحاب الأعراف عند رؤيتهم النار وأهلها رجالا يعرفونهم وكانوا فى الدنيا أصحاب أموال وأولاد وجاه؟ فيقولون لهم: ما أغنى عنكم ما كنتم تحتمون به وتفاخرون به من عصبية وجاه، لقد ذهب كل هذا ولم يغن عنكم شيئا. ثم أشاروا لهم إلى أناس من أهل الجنة كانوا فى الدنيا فقراء ضعفاء يستهزئ بهم أهل النار فيقولون لهم: أهؤلاء الذين احتقرتموهم وأقسمتم أنهم لا ينالهم الله برحمة. لقد قيل لهؤلاء الضعفاء- إكراما لهم: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. لقد كان هذا واقعا من المشركين مع المؤمنين، وقد مر بنا فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) [المطففين]. وأما موقف أصحاب النار فإنه موقف خزى نفسى، وعذاب أليم فهم ينادون على

стр. 269

أصحاب الجنة سائلين ماء أو شيئا مما رزقهم الله، ولكنّ الله حرّم هذا على الكافرين اللاهين اللاعبين الذين جحدوا ونسوا لقاء يومهم هذا فظلموا وطغوا. قال تعالى فى بيان هذا المشهد من سورة الأعراف: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١). وتقدم السورة الكريمة ما يفيد أن أهل النار لم ينتفعوا بالكتاب الذى جاءهم مفصلا فهل إعراض هؤلاء عن الكتاب يرجع إلى انتظارهم لتحقق ما جاء فيه، إنه عند وقوع ما أخبروا به لن ينفعهم وقوفهم على هذا الحق يوم القيامة، ولن يجدوا شفعاء، ولن يردّوا إلى الحياة مرة أخرى، بل تكون عاقبتهم الخسران المبين قال جل شأنه: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣). وبعد هذا يأتى التوجيه الكريم فى السورة الكريمة إلي المعرفة الصحيحة بالرب المعبود وحده لا شريك له، فهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام فلما قضاهما وأودع فيهما من أمره ما أودع استوى ﵎ على العرض العظيم استواء يليق بجلاله وعظمته وسلطانه. ومن آياته فى هذا الخلق الليل والنهار فيغشى الليل المظلم النهار المضىء، فيظلم ما على وجه الأرض، ويسكن الآدميون، وتأوى المخلوقات إلى مساكنها، ويستريحون من النصب والكد والكدح فى النهار. وكلما جاء الليل ذهب النهار، وكلما جاء النهار ذهب الليل، وهكذا ومن آياته المرتبطة بالليل والنهار: الشمس

стр. 270

والقمر والنجوم وما جعل فيها من آيات ومنافع، وما جعل فيها من إحكام ونظام وإتقان يدل على حكمته وقدرته ورحمته بخلقه. فله سبحانه الخلق وهذا يتضمن أحكامه الكونية، وله الأمر وهذا يتضمن أحكامه الشرعية، وله أحكام الجزاء والتى ذكرت من قبل الله رب العالمين، قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤). وفى السورة توجيه إلى المعرفة الصحيحة بالرب المعبود سبحانه ولمّا ذكر من عظمته وجلاله ما يدل ذوى الألباب على أنه وحده المعبود المقصود فى الحوائج كلها أمر بما يترتب على ذلك من دعائه وحده، والاستجابة لأمره ونهيه وعدم الإفساد فى الأرض بالمعاصى بعد إصلاحها بالطاعات، ودعائه سبحانه خوفا وطمعا فهو الذى يحقق الرجاء ويدفع الضر، وهو الذى يرسل الرياح المبشرات بالغيث الذى ترتاح له القلوب، وهو الذى سخر هذه الرياح لتلقّح السحب ولتسوقها إلى أرض لا غنى لها عن الماء لتحيا ويخرج الله به من كل الثمرات. والذى أحيا الأرض بعد موتها هو الذى سيحيى الإنسان بعد موته. وإذا كانت الأمّة كالأفراد صلاحا وفسادا، فإن القرى التى تضم الأفراد والجماعات كذلك قد تكون بلدا طيبا يخرج نباته بإذن ربه، فليست الأسباب وحدها هى التى تخرج، وإنما تخرج بإذن ربها فينعم أهل البلد الطيب بثمراته، وأما الذى خبث من الأرض فلا يخرج إلا نباتا لا نفع فيه ولا بركة، كذلك حال القلوب وأصحابها مع وحى الله وآياته منهم: من يكون كالأرض الطيبة التى تستقبل الماء فتنتفع به وتخرج بإذن ربها للناس من كل زوج بهيج، ومنها: الأرض التى لا تنتفع بالماء ولا تخرج زرعا. قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨). وبعد هذا العرض الجامع للقضايا الأساسية فى حياة الدعوة ونقل الناس من

стр. 271

الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى يأتى التعليم القرآنىّ بالقصة المفصّلة التى تعرض ما حدث مع رسل الله السابقين وأممهم. فهذا نبى الله نوح أرسله الله إلى قومه فأمرهم بعبادة الله وحده، وكانوا يعبدون الأوثان وخوّفهم من عذاب الله إن لم يطيعوه، وتصدّى له الملأ من قومه وهم الرؤساء الأغنياء المتبوعون، ولم يكتفوا بالكفر والإعراض بل قدحوا فيه واتهموه بالضلال المبين، وتلطف نوح فى ردّه عليهم فليس به ضلالة ولكنه رسول من رب العالمين يبلّغ وينصح ويعلم ما لا يعلمون، ولا مجال لعجبهم أن يخصّ بهذا الخير رجل منهم هو نوح ﵇ لكنهم كذبوه، وكانت العاقبة أن أنجاه الله ومعه المؤمنون فى الفلك وأغرق المكذبين قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤). وهذا نبى الله هود أرسله الله إلى عاد فقال لهم ما قال نوح من قبل: أن اعبدوا الله وحده، وأن اتقوا سخطه وعذابه، وتصدى له الملأ كذلك واتهموه بالسفاهة ورموه بالكذب، وخاطبهم برفق كذلك وأنه ليس به سفاهة ولكنه رسول من رب العالمين يبلغهم رسالة ربه وهو لهم ناصح أمين، وما لهم أن يعجبوا من أن يكون الرسول واحدا منهم وزاد هود فى نصحه ما يذكّرهم بما حدث لقوم نوح قبلهم، وأن الله زادهم بسطة فى الخلق ولكنهم عجبوا من التوحيد بعد التعدد وتعجلوا العذاب، فوقع عليهم وأنجاه الله والذين آمنوا معه. قال تعالى: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها

стр. 272

أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢). وهذا نبى الله صالح أرسله الله إلى ثمود فدعاهم إلى التوحيد، وقال لهم ما قاله نوح وما قاله هو: اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وجاءهم بآية خارقة ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فكان للناقة شرب ولهم شرب يوم معلوم، فكان عندهم بئر كبيرة يتناوبونها هم والناقة وهى المعروفة ببئر الناقة، فللناقة يوم تشربها، ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم. وقال لهم نبيهم صالح ﵇ ذروها تأكل فى أرض الله فلا عليكم من مئونتها شىء، ولا تمسوها بسوء، وذكّرهم بنعم الله عليهم حيث مكّن لهم فى الأرض، ويسّر لهم الأسباب التى توصلهم إلى ما يريدون فاتخذوا القصور ونحتوا الجبال بيوتا، وجاءوا بعد عاد وعرفوا ما حدث لهم ونهاهم عن الفساد. فتصدى له كذلك الملأ الذين استكبروا، وحاول الملأ أن يشككوا المستضعفين ويتنوهم عن الإيمان بنبى الله صالح ﵇ وعقروا الناقة ولم يستجيبوا لأمر ربهم وتعجّلوا العذاب فأبادهم الله وقطع دابرهم، قال تعالى: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩). وقد حذر الرسول الناس من سلوك سبيل هؤلاء، فأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والطبرانى فى الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر قام فخطب فقال: «يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات. فإن قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث إليهم آية فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحتلبون من لبنها

стр. 273

مثل الذى كانوا يأخذون من مائها يوم غبّها، وتصدر من هذا الفجّ فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدا من الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا كان فى حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله»، فقيل: يا رسول الله من هو؟ فقال: «أبو رغال؛ فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» قال ابن كثير: هذا الحديث على شرط مسلم وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من حديث أبى الطفيل مرفوعا مثله. وأخرج أحمد من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ وهو بالحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلا أن تكونوا باكين. فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم». وأصل الحديث فى الصحيحين من غير وجه، وفى لفظ لأحمد من هذا الحديث قال: لما نزل رسول الله ﷺ على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود. وتناولت سورة الأعراف كذلك لوطا مع قومه الذين وقعوا فى الفاحشة التى ما سبقوا إليها، وهى: إتيان أدبار الرجال لقضاء الشهوة دون أن يمنعهم حياء وكانوا كالبهائم التى ينزو بعضها على بعض لما يتقاضاها من الشهوة، ويتجاوزون فى فعلهم هذا الزوجات من النساء اللاتى هن محل لقضاء الشهوة. ولما فسدت حالهم فى هذه العلاقات الآثمة فسدت نظرتهم إلى الأمور، والحكم على الناس فقالوا: أخرجوا آل لوط وأتباعه من قريتكم؛ لأنهم يتطهرون عن الإتيان فى هذا المأتى قال قتادة: عابوهم والله بغير عيب. وأصبح فى نظرهم الطهر عيبا يستوجب العقوبة. فأنجى الله لوطا وأهله إلا امرأته كانت من الباقين فى عذاب الله. قال تعالى: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤). وجاء بعد ذكر لوط ﵇ وقومه ذكر شعيب وإرساله إلى مدين، وأمره لهم بعبادة الله سبحانه وحده وحثّه لهم على الاستقامة فى البيع والشراء بإتمام الكيل والميزان، وألّا

стр. 274

ينقصوا الناس أشياءهم، وألا يفسدوا فى الأرض، وألا يصدوا الناس عن الحق والهدى، وألا يبغوها عوجا، وأن يذكروا نعمة الله عليهم، وأن ينتفعوا بعاقبة المفسدين. وتناولت السورة شعيبا ﵇ وإرساله إلى مدين وأمره لهم بعبادة الله سبحانه وحده والإصلاح الاقتصادى، وعدم الإفساد فى الأرض، وعدم الصدّ عن الحق وتذكّر نعم الله عليهم والانتفاع بما وقع لغيرهم قال تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣). ولقد قدّمت سورة الأعراف نماذج متعددة من سلوك الناس مع رسل الله فى شركهم واستهانتهم بالحق وسخريتهم وفساد تصوراتهم وكبرهم وتكذيبهم، ووقوعهم فى الفاحشة، وسوء معاملاتهم الاقتصادية، وصدّهم عن سبيل الهدى، وإرادتهم للفساد فى الأرض وعدم انتفاعهم بما حدث لغيرهم، وكل هذا يمثل دروسا نافعة للناس؛ كى يفيدوا من أحداث السابقين والسعيد من وعظ بغيره. ولذلك كان التعقيب القرآنى بعد ذكر هذا القصص الحق: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥). وإذا كان العقلاء هم الذين ينتفعون بما يحدث لغيرهم على مرّ الأيام والليالى فإن

стр. 275

الغافلين عن سنة الله فى خلقه لا يفيدون من حالات البأساء والضراء والتقلب فى الغنى والصحة بعد العذاب، ويعدّون هذا من قبيل العادات حتى يفاجئهم العذاب. وتذكر الآيات الكريمة المنزلة بعد ذلك سبيل الفتح والبركات لأهل القرى فى الإيمان والتقوى، وسبيل العذاب فى التكذيب والذنوب وعدم الوفاء، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢). وبعد هذا البيان الشافى والمبيّن لسنة الله فى خلقه عبر التاريخ يأتى التفصيل فى سورة الأعراف لما حدث من فرعون الذى يمثل قمة الطغيان البشرى، وكيف واجهه موسى ﵇ بالآيات والبراهين؛ ليرجع عن طغيانه وإفساده، ولكنه كذّب وأبى فأغرقه الله وأذاقه وآله العذاب الأليم، وتعرض الآيات الكريمة تفصيلا للمواقف التى حدثت مع نبى الله موسى ومن آمن معه من فرعون وملئه، قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢).

стр. 276

ولو كان فرعون على بصيرة لأذعن من رؤيته لموقف سحرته، وأن ما جاء به موسى ليس من قبيل سحرهم، ولكنه لم يفد من هذا، وادعى لنفسه السلطة على عقول الناس وقلوبهم فلا ينبغى أن يرى أحد إلا ما يراه فرعون، قال جل شأنه: قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦). ثم تذكر الآيات تسلط فرعون على قومه فى عقولهم وقلوبهم، وموقف السحرة بعد إيمانهم بآيات ربهم، واستعلائهم على عذاب فرعون وطلبهم من ربهم رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك إغراء الملأ من قوم فرعون له بموسى ومن آمن معه لإيقاع المزيد من الأذى بهم، واستجابة فرعون لهذا، وموقفه من ضعاف القوم من الأبناء والنساء ويأمر موسى قومه بالاستعانة بالله والصبر والأمل فى العاقبة الطيبة. وتصريح قوم موسى بوقوع الأذى بهم من قبل أن يأتيهم ومن بعد إيمانهم به وتعقيب موسى ﵇ بالرجاء فى استخلافهم فى الأرض، وإهلاك عدوّهم فماذا سيعمل هؤلاء بعد هذه المنّة. وأما آل فرعون فقد أخذهم الله بالقحط فلم يتعظوا، وإذا جاءهم الخصب والغنى لم يشكروا، وإذا جاءهم الجدب تشاءموا بموسى ومن آمن معه، وكان بعد ذلك إصرارهم على الكفر، وأنهم مهما جاءهم موسى بآية فلن يؤمنوا فأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وكان منهم الاستكبار والإجرام، فلما وقع عليهم العذاب بالإضافة إلى ما سبق من الآيات، وقيل فى العذاب: إنه الطاعون طلبوا من موسى أن يدعو ربّه إن كشف عنهم العذاب أن يؤمنوا فلما كشف عنهم العذاب إلى أجل نقضوا عهدهم، وأصروا على كفرهم، فأغرقهم الله فى البحر بتكذيبهم، وأورث المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها. وفى هذا العرض لما حدث لموسى وقومه وفرعون وقومه بيان للناس؛ حتى يفيدوا من تجارب السابقين وفى الوقت نفسه بيان لطبيعة بنى إسرائيل ليتهيأ المؤمنون فى معاملتهم بعد تأسيس الدولة بالمدينة المنورة فسيجدون اليهود- هناك- قال تعالى: وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا

стр. 277

إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧). وبعد هذا الإنعام من الله تعالى على بنى إسرائيل وعبورهم البحر يأتون على قوم يقيمون على عبادة الأصنام فيقولون لموسى ﵇: اجعل لنا صنما نعبده كما لهم آلهة، وهذا يدل على جهلهم وعدم استيعابهم لدعوة موسى ﵇ فذكّرهم موسى ﵇ بنعمة الله عليهم، وضلال أهل الوثنية، وأن المعبود بحق هو الله وحده، وتذكر الآيات ما كان من تهيؤ موسى لميقات ربّه، واستخلافه لهارون فى قومه ووصيته له بالإصلاح والتحذير من سبيل المفسدين. وهذه الأمور من الغيب الماضى الذى لا يعلمه إلا الله، وهو دليل على أن هذا القرآن كلام الله. وتقصّ الآيات ما كان من مطلب موسى ﵇ بعد أن كلّمه ربّه فى النظر إليه سبحانه، وكان بيان الحكمة من عدم تحقيق هذه الرؤية لموسى ﵇ فى الدنيا بتجلى الله سبحانه للجبل، وهو أشدّ خلقا من الإنسان فلم يقو الجبل على ذلك، فكيف يطيق الإنسان فى الدنيا النظر إلى خالقه سبحانه. قال تعالى: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ

стр. 278

فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣). ويأتى بعد ذلك ذكر اصطفاء الله سبحانه لموسى ﵇ برسالاته وبكلامه وتوجيه موسى إلى أخذ ما أوتى والشكر لله عليه: قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) فالذى أوتى موسى نعمة كبرى تستوجب الشكر ففيها الإنقاذ لقومه مما حلّ بهم من فرعون وملئه، وفيه الشفاء مما أصاب عقولهم ونفوسهم من الضلال فى العقيدة حيث تشوّفوا إلى عبادة غير الله، وحيث استبدت بهم الجوانب المادية وملكت نفوسهم فجعلوها محورهم الذى عليه يدورون. وتبين الآيات الكريمة فى سياقها التعليمى للأمة الخاتمة أن الانتفاع بما أوتى موسى لن يكون إلا بأخذه بقوة وهمة ونشاط وأخذ أحسن ما يسمع قال تعالى: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥). وتبين الآيات الكريمة فى توجيهاتها الحكيمة الصوارف للناس عن الانتفاع بالآيات، ومن أخطرها الكبر فى الأرض بغير الحق مما يدفع المتكبرين إلى عدم الإذعان لوحى الله، والميل والاختيار لطريق الغىّ فى الوقت الذى يرون فيه الطريقين، وهؤلاء الذين لم ينتفعوا بالآيات لتكذيبهم بها وغفلتهم عنها، وعما تضمّنته من الوعد والوعيد فى لقاء الآخرة خسروا أعمالهم وسيجدون جزاء موقفهم هذا، قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا

стр. 279

يَعْمَلُونَ (١٤٧) وفى بيان ما ضلّ فيه بنو إسرائيل من أمر العقيدة تذكر الآيات الكريمة صنيع قوم موسى للعجل من حليّهم دون أن يعملوا عقولهم فى حالهم، وكيف أنقذهم الله بالتوحيد الذى جاء به موسى، ولما وقعوا فى الضلال استدركوا فلولا رحمة الله ومغفرته لكانوا من الخاسرين، قال جل شأنه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩). ورجع موسى ﵇ ليجد هذه الحالة المؤسفة فى قومه فيذمهم بغضب على ما صنعوا، وأخذ برأس أخيه ولكنّ أخاه عبر عن موقفه مع القوم بأنهم استضعفوه وكادوا يقتلونه. ومعنى ذلك أنه قاومهم ولم يحدث منه إقرار لهم على صنيعهم فليس من هؤلاء الظالمين، فدعا موسى لنفسه ولأخيه بالمغفرة والرحمة. وأما الذين اتخذوا العجل فسينالهم الغضب من ربهم والذلة. وأما الذين عملوا السيئات ثم استدركوا أنفسهم بالتوبة وصدق الإيمان فإن الله غفور رحيم. وذكر هذه الأحداث بهذه السورة المكية تهيئ النفوس لمعرفة طبيعة قوم سيكون لهم خطر شديد، وبيان حقيقة نفوسهم تجعل المؤمنين على بصيرة من أمرهم، وهذا التجاور الذى سيتحقق فى المدينة بعد الهجرة ينبغى أن يحسب حسابه، ليجنب الله عباده المؤمنين كيد اليهود، وليدرك من شاء من اليهود حقيقة الوحى المنزل على رسول الله محمد ﷺ والذى يذكر ما حدث لهم مع نبى الله موسى ﵇ ولا يعلم ذلك إلا أحبارهم على ما فى أيديهم من بقايا التوراة التى عبثوا بها وغيروها وبدّلوها، ومن هذه التفصيلات كذلك أن موسى ﵇ لما سكت عنه الغضب أخذ الألواح بما فيها من هدى ورحمة، واختار سبعين رجلا لميقات ربه، فلما أخذتهم الرجفة كان تذكر موسى ﵇ لأفعال السفهاء من قومه قال: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ. قال تعالى فى بيان ذلك من سورة الأعرف: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ

стр. 280

الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦). ومع ذكر هذه العبرة التاريخية للأمة الخاتمة فى دعاء موسى ﵇ من أن عذاب الله يصيب به من يشاء، وأن رحمته سبحانه وسعت كلّ شىء، وأنه سيكتبها لأهل التقوى والزكاة وأهل الإيمان بآياته. يأتى الوصل اللطيف والذى يوجه للناس جميعا، ومنهم هؤلاء اليهود فالدعوة عامة وذكرهم قد تحقق قبل الهجرة فقد نزل قدر عظيم من القرآن الكريم، فليهيئوا أنفسهم لاستقبال الرسالة الخاتمة، فإن رحمة الله التى وسعت كل شىء، والتى ذكرت بعد دعاء موسى ﵇ ستكتب لهؤلاء المتقين ومن أبرز علاماتهم كذلك: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) وفى هذا توجيه لليهود وللنصارى كذلك: وبيان لهم وللناس أجمعين أن الرسول الكريم جاءهم برسالته العظيمة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث، ويحقق للإنسان كرامته ويضع عنه الأغلال التى كبّل بها. وأن الواجب على من أراد الفلاح أن يؤمن به، وأن يقف بجانبه مؤيدا ونصيرا وأن يتبع النور الذى أنزل معه. وهذا الحال للناس جميعا فرسول الله ﷺ إلى الناس أجمعين من المشركين واليهود والنصارى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ

стр. 281

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) فالله سبحانه له ملك السماوات والأرض وهو المعبود بحق وهو يحيى ويميت ومنّ على خلقه السابقين والحاضرين برسله وخاتمهم النبى الأمىّ الذى جاء مصدّقا بكلمات ربه فليس أمام من يريد الهدى من العالمين إلا أتباعه ﷺ . وتذكر الآيات المنزلة بعد ذلك ما كان من شأن قوم موسى من وجود أمة يهدون بالحق، وما كان من فضل الله عليهم بموسى وسقيهم بالماء وتظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى وطيبات الرزق، وتوجيه القول لهم بسكنى هذه القرية، وماذا يصنعون لتحقيق المغفرة، لكن بدّل الذين ظلموا منهم قولا غير الذى قيل لهم فكان العذاب قال تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢). وأما قوله تعالى لرسوله ﷺ : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ فقد نزلت بالمدينة على نحو ما فصّلنا فى بداية السورة الكريمة وفيها ذكر صنيع اليهود فى التحايل وصولا إلى ما يريدون: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وفيها ذكر موقفهم من المواعظ وقسوة قلوبهم ونسيانهم، مما جعلهم أهلا للعقوبة الشديدة والمسخ وتسليط غيرهم عليهم وتقطيعهم فى الأرض، قال تعالى: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ

стр. 282

لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠). وتستمر الآيات الكريمة من سورة الأعراف فى بيان ما حدث مع قوم موسى لكشف ما كانوا عليه من ناحية، ولبيان أن رسالة الرسول ﷺ إلى الناس أجمعين، وأن مسيرة الوحى منذ آدم ﵇ مستمرة إلى خاتمة الوحى فى رسالة رسول الله محمد ﷺ إلى العالمين، وتؤكد الآيات على معنى الأخذ بهمة وقوة لوحى الله؛ حتى يثمر فى الأخذ كما تأخذ الآيات على من يفصل بين العلم والعمل فلا يأخذها للعمل بهمة ونشاط، فلا ينتفع بها، ولا يتجمل بها ويصبح كالإنسان الذى انسلخ من جلده، فصار فى منظر كريه تشمئز منه النفس السوية فالجلد يجمّل الإنسان، وبه عناصر الحسّ الإنسانى فمن ينسلخ منه يفقد زينته، ويفقد حسّه وكذلك الذى تأتيه الآيات، فلا يحسن فى أخذها والانتفاع بها والعمل بما تضمنته من المعانى. ويخرج كذلك الإنسان بهذا الإهمال وهذا التعطيل من دائرة التكريم الذى جعل الله عليه الإنسان، فهو تكريم مرتبط بمدى استجابة الإنسان لربّه، وإذا لم يستجب خرج من دائرة التكريم إلى دوائر مهينة- كما ذكر فى الآيات الكريمة هنا- حيث يكون كالكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ كما تحذر الآيات من الغفلة والتقليد الأعمى للمبطلين وأن هذا لا يصلح للتبرير يوم الحساب قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ

стр. 283

الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨). وتستمر الآيات الكريمة فى بيان أن الإنسان يبقى فى دائرة التكريم الإلهى ما دام مستجيبا لوحى ربه فإذا لم يكن كذلك خرج من هذه الدائرة إلى دوائر أخرى مهينة فالذى آتاه الله قلبا ولكن لا يفقه به وآتاه عينا ولكن لا يبصر بها الحق وآتاه الله أذنا ولكن لا يسمع بها. إن الذى أوتى هذه الأجهزة، ورزق هذه النعم فلم يحسن الانتفاع بها فى حسن تلقيها لوحى ربها خرج من دائرة التكريم وصار فى دائرة الأنعام، يقول الله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩). وتقدم الآيات الكريمة بعد ذلك تعريفا للناس بالله سبحانه فله جل شأنه الأسماء الحسنى وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠). وتبين الآيات الكريمة انقسام الخلق إلى أمة تهدى بالحق، وإلى المكذبين بالآيات وهؤلاء يستدرجون من حيث لا يعلمون. ثم تنبه المخاطبين بالوحى فى أن يفكروا، لأنهم بالفكر السليم والنظر الثاقب سيدركون خطورة تكذيبهم وسيعلمون منّة الله عليهم فى بعثة الرسول من أنفسهم لينذرهم، قال تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦). وتقدم الآيات بعد ذلك جوابا عن سؤال وجّه إلى رسول الله ﷺ عن الساعة ومتى هى فتبين الآيتان علمها عند الله وأنها ستأتى فجأة. وفى هذا بيان للناس أن ما يتعلق بعلم الغيب فلا أحد يعلم عنه إلا ما شاء الله وأن رسوله ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ

стр. 284

إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨). تأتى بعد ذلك الآيات الكريمة لتنبه الناس إلى حقيقة الخلق وما ينبغى أن يكون الإنسان عليه مع تذكّره، قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) فالخالق هو الله فله الخلق وحده. والناس جميعا خلقهم الله من نفس واحدة، ومنّ الله على الإنسان بنعمة السكن النفسى فجعل من آدم ﵇ زوجة ليسكن إليها فهذه بداية البشرية. فالكل يعود إلى أصل واحد «كلكم لآدم» وزوجته منه، وليست من شىء آخر منفصل عنه. فلا تمايز- إذن- بين الناس من ناحية الخلق يجعلهم فى تحاسد وتباغض وكبر وأمراض تدفع بهم إلى الصدود عن الهدى، وعدم الاستجابة للداعى إلى الحق والرشاد. والخالق سبحانه الذى أنعم على الإنسان بنعمة الخلق والسكن والذرية من حقه على خلقه أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، ولكنّ البشرية قد نكبت بوقوع الشرك فيها من الشرك فى التسمية، كأن يسمّى الإنسان بعبد الحارث وعبد العزى وهكذا، أو ما حدث من بعض البشر من الشرك فى العبادة. وقد نبّه المفسرون إلى الانتقال من النوع إلى الجنس، فإن أوّل الكلام فى آدم وحواء ثم انتقل الكلام فى الجنس أى ما حدث من الذرية. وتقدم الآيات الكريمة ما يعين الإنسان على التخلى عن عبادة غير الله سبحانه والتطهر من الشرك. فإن هؤلاء الشركاء لا يخلقون شيئا بل هم مخلوقون ولا

стр. 285

يستطيعون دفع مكروه عمن يعبدونهم ولا عن أنفسهم. إنهم لا يسمعون ولا يبصرون. إنهم يشتركون مع عابديهم فى أنهم مملوكون لله سبحانه فهى مخلوقة كذلك. بل الإنسان له رجل يمشى عليها وله يد يبطش بها وله عين يبصر بها وله أذن يسمع بها، أما هؤلاء فحجارة وأخشاب فكيف تعبد من الإنسان. وإذا ذكّرت الآيات الكريمة الإنسان بهذه الحقائق فإنها توجهه إلى العبودية الحقّة لله سبحانه وحده إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ كما ترشده إلى سبيل الصلاح وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦). ومن المعانى التى تذكر فى الآيات الكريمة بعد بيان بطلان الشركاء ما يدعّم مكارم الأخلاق وحسن المعاملة، قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) ونزول الآية الكريمة بهذه المعانى فى الفترة المكية تعين الرسول ﷺ على مواجهة الأذى من المشركين، كما تعين المؤمنين على ذلك، قال جابر بن سليم أبو جرىّ: ركبت قعودى ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله ﷺ فأنخت قعودى بباب المسجد فدلّونى على رسول الله ﷺ ، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام». فقلت: إنا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء؛ فعلّمنى كلمات ينفعنى الله بها. قال: «ادن» ثلاثا، فدنوت، فقال: «أعد علىّ» فأعدت عليه، فقال: «اتق الله ولا تحقرنّ من المعروف شيئا، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك فى إناء المستسقى وإن امرؤ سبّك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبّن شيئا مما خوّلك الله تعالى» قال أبو جرىّ: فو الذى نفسى بيده، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا. أخرجه أبو بكر البزار فى مسنده بمعناه «١». فهذه الأخلاق التى تبلغ الذروة من المكارم يوجّه الناس إليها فى مواجهة الجاهليين والمسيئين والقاطعين. روى البخارى من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير فى قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا فى أخلاق الناس. وجاء فى تفسيرها: «إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطى من حرمك وتصل من قطعك» «٢». وبعد ذكر هذه المكارم الخلقية يأتى التوجيه إلى التحصين من الشيطان إذا استثار الإنسان ليغضبه أو ليأمره بالسوء والفحشاء أو القول على الله بما لا يعلم الإنسان. وأن
следующие страницы →