← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 37487

شرح أبيات سيبويه

السيرافي، أبو محمد

Полный текст (770 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقال النابغة: (حلفتُ يميناً غيرَ ذي مَثْنويَّةٍ ... ولا علمَ إلا حسنَ ظنٍ بصاحبِ) مثنوية: استثناء، و (غير) نصب على الحال، والحال من التاء المتصلة بـ (حلفتُ). ولا علم لي بحال ما أذكره، من حال هذا الذي أمدحه - وهو الحارث الجفني - إلا أني أحسن الظن به، وكأني متحقق أنه يفعل ما وقع لي؛ من قصده لغزو أعدائهْ واستباحتهم. وبنو تميم يرفعون فيقولون: (إلا حسنُ ظنٍ بصاحبِ) بالرفع، ويجعلون الباب كالمتصل على ضرب من التأويل قد ذكره سيبويه. مجيء (إلا) بمعنى (لكنْ) قال سيبويه في باب ما لا يكون إلا على معنى لكنْ: (ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر) أراد: ما زادْ ولكنه نقص، وما نفعْ ولكنه ضر، ولا يجوز في هذا أن يتأول أنه في معنى (ما يكون) من نوع الأول كما تؤول في الباب المتقدم. هذا لا يكون إلا على معنى (ولكنْ). وقال النابغة:

стр. 457

(ولا عيبَ فيهم غيرَ أنّ سيوفَهم ... بهنّ فُلولُ من قِراعِ الكتائبِ) يمدح آل جفنة الغسانيين. والفلول: جمع فلٍّ وهو الثَّلم الذي يكون في السيف. والمعنى: أنهم يغزون كثيراً ويضاربون الأقران، فسيوفهم قد تفللت. والقراعْ والمقارعة: المضاربة بالسيوف. وقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم مفللة، هو بمنزلة قوله: ليس فيهم عيب على وجه، لأنه إذا كان تفليل سيوفهم هو عيبهم - وهذا المعنى يمدح به - فلا عيب فيهم على وجه. وهذا يقوله الناس على طريقة المبالغة في المدح، أي قد اختاروا لأنفسهم أشرف الأفعال، فأقل ما فيهم من أسباب الشرف، أجلّ ما يمدح به الناس. ومثله: إذا ما فرَرنا كان أَسْوَا فرارِنا ... خُطانا إلى أَعدائنا فنضاربُ بناء (حين) لإضافتها إلى مبني قال سيبويه في الاستثناء في باب: ما يكون فيه أنّ وأنْ مع صلتهما بمنزلة غيرهما من الأسماء: (وزعموا أن ناساً من العرب ينصبون هذا الذي في موضع الرفع. فقال الخليل: هذا كنصب بعضهم (يومئذ) في كل

стр. 458

موضع، وكذلك (غير أن نطقت) وكما قال النابغة): فأَسبلَ مني عَبْرةُ فردَدْتُها ... على النَّحرِ منها مستهِلُ ودامعُ (على حينَ عاتبْتُ المشيب على الصِّبا ... وقلْتُ: ألمّا تَصْحُ والشيبُ وازعُ) والدامع: الذي يخرج شيئاً بعد شيء. يريد أنه لما عرف الديار التي كان حل بها، وتذكر من كان يهواه فيها، بكىْ وعاوده وجده فعاتب نفسه على صبابتها، وعذلها على بكائها، ثم خاطب نفسه فقال: ألمّا تَصْحُ. . . يوبخ نفسه أو قلبهْ ويقول: قد آن لك أن تصحو، ويزول عنك ما كنت تجده بمن كنت تهواه، والشيب وازع: أي كافُّ عن أمثال هذا الفعل الذي تفعله.

стр. 459

والشاهد فيه أنه فتح (حينَّ) وبناها على الفتحْ وهي في موضع جر، لأنه إضافة إلى شيء غير متمكنْ وهو الفعل الماضي. المختار في الاستثناء المنقطع قال سيبويه في الاستثناء، في باب ما يختار فيه النصب لأن الآخر ليس من نوع الأول: (وأما بنو تميم فيقولون، لا أحد فيها إلا حمارُ، أرادوا ليس فيها إلا حمارُ ولكنه ذكر (أحدُ) توكيداً. ثم انتهى في كلامه إلى أن قال: (وعلى هذا أنشدت بنو تميم قولَ النابغة: يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسّنَدِ ... عيَّتْ جواباً وما بالرَّبْع من أحدِ (إلا أواريُّ لأي ما أُبَينُها ... والنؤيُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ) هذا الإنشاد وقع في الكتاب، ضم إلى نصف البيت الأول نصف الذي بعده. وإنشاده: يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسّنَد ... أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأَبَدِ

стр. 460

وقفتُ فيها أُصيْلاً أُسائلها ... عيتْ جواباًْ وما بالرَّبعِ من أحَدِ وليس تغيير هذا الإنشاد مما يؤثر في الموضع الذي أراده سيبويه من البيت، لأنه أراد أنهم استثنوا الأواريّ من الناس، كأنه قال: وما بالرَّبْع أحد إلا أواريُّ. والاستثناء إنما وقع مرفوعاً على البدل من موضع (مِن) كأنه قال: وما بالرَّبْع أحدُ. وهو مثل قول الله تعالى: (ما لكم من إلهٍ غيرهُ) رفع (غير) على موضع (مِن). والعلياء: الأرض العالية، والسند: سند الجبل، وهو الموضع العالي الذي يصعد منه إلى الجبل. يقال منه: سنَدَ الرجل في الجبل يسنُد سنوداً. وأقوت الدار تقوي إذا خلت من أهلها، سالفُ الأَبَدِ: ما تقدم منه، وأُصيلال لامه بدل من النونْ وأصله أُصيلان، وأُصيلان تصغير أصلان، وأُصلان: جمع أصيل، مثل رغيفْ ورُغفان، والأصيل: العشي. وقوله: عيتْ جواباً: يريد لم ترد علي جواباً لمّا سألتها عن الذين كانوا يحلونها، ما صنعوا،

стр. 461

وأين ذهبوا. ثم قال: وما بالربع من أحد: أي ليس به أحد يكلمني. والربع: المنزل، والأواريّ: واحدها آريّ وهو محبس الدابة، وأراد به في هذا البيت: إلا النُّؤْيَ، الذي يحبس الماء عن البيت، وهو حاجز يجعل حول البيت من التراب. واللأي: البطءْ والاحتباس، وأبيِّنُها: أتبينها. يقول: بعد بطءْ وطول نظرْ وفكر عرفتُ الدار. وإنما تنكرتْ عليه لخرابهاْ وتغيرها عن الحال التي يعرفها عليها. وقوله: والنؤيُ كالحوضِ، شبه النؤي الذي حول البيت بالحوض، والمظلومة: الأرض التي أبطأ عنها المطر أعواماً فلم يصبها، ويقال: المظلومة: الأرض التي نُزلت من أول نزولْ ولم تكن نزلت قبل ذلك، والجَلَد: الأرض الصلبة. و (الجَلَد) بدل من (المظلومةّ) و (ما) زائدة، أراد: لأياً أبيِّنُها، و (لأياً) مصدر لا فعل له من لفظه، ويقال الْتأتْ عليه الحاجة: أبطأت، وانتصابه لأنه مصدر جعل في موضع الحال، كأنه قال: فبطئاً عرفتها، والعامل فيه (أبيِّنُها)، وهو نحو من: قتلته صبراًْ وأتيته ركضاً. رفع الفعل إذ لم يكن جواباً قال سيبويه: (واعلم أنك إن شئت قلت: ائتني فأحدثك، ترفع، وزعم الخليل أنك لم ترد أن تجعل الإتيان سبباً لحديثه، ولكنك كأنك قلت: ائتني فأنا ممن يحدثك البتة جئت أو لم تجيء) قال النابغة الذبياني:

стр. 462

ولا زالَ قبرُ بين تُبْنَىْ وجاسمٍ ... عليه من الوَسْمِيّ جَوْدُ ووابِلُ (فيُنْبِتُ حَوذاناً وعَوفاً مُنوِّراً ... سأُتبِعه من خيرِ ما قال قائلُ) رثى النابغة بهذا الشعر النعمان بن الحارث الجفني، وتُبنى وجاسم موضعان. ويروى: (بين بُصرىْ وجاسمٍ). والجَودْ والوابل: ضربان من المطر يجيئان بشدة. والحَوذان والعَوف: ضربان من النبت، والمنور: الذي فيه زهرُهُ ووردهُ. سأُتبع هذا القبر ثناءً حسناً، يعني أنه يثني على صاحب القبر الذي دفن فيه. والشاهد في البيت أنه رفع (فيُنْبِتُ) ولم يجعله جواباً، وأراد: فهو ينبت على كل حالْ والعرب ما زالت تدعو للقبور بأن تمطر، وينبت حولها النبات، ليقصد الناس موضع القبر يرعون فيه، فإذا نظروا إلى القبر، تجدد ذكر صاحبه، وتحدثوا بالمحاسن التي كانت فيه: من شجاعتهْ وجودهْ ووفائه، فكأنه يحيا بهذا الذكر.

стр. 463

حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قال سيبويه في باب ما يحذف فيه المستثنى استخفافاً: (وذلك قولك: ليس غير، وليس إلا، كأنه قال: ليس إلا ذاك، وليس غير ذاك، ولكنهم حذفوا ذلك تخفيفاً). ثم ذكر أشياء من الحذف، يستشهد بها على الحذف الذي ذكره في هذا الباب. قال النابغة الذبياني: أتَخْذُلُ ناصريْ وتُعِزُ عَبْساً ... أيرْبوعَ بنَ غيظٍ للمِعَنِّ (كأنك من جِمال بني أُقيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خلفَ رْجليه بشَنِّ) الشاهد في البيت الثاني أنه حذف الموصوفْ وأقام الصفة مقامه. والتقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش. يربوع بن غيظ بن مرة هم قوم النابغة، والمعنّ: الذي يتعرض في الأمور التي قد كُفي الكلام فيها. وجمال بني أقيش وحشية لا يكاد ينتفع بها لشدة نفارها، والشن: القربة البالية، تقعقع: تحرك على الأرضْ وفيها حصى حتى يسمع صوتها. وبنو أقيش: بطن من عُكل، وإبلهم ليست بكرام فيضرب بنفارها المثل. وقيل: بنو أقيش فخذ من أشجع، وقيل: بنو أقيش حي من اليمن. وسبب هذا الشعر، أن بني عبس قتلوا رجلاً من بني أسد، فقتلت بنو أسد رجلين من عبس، فأراد عُيينة بن حصن الفزاري أن يُعين

стр. 464

بني عبس، وينقض الحلف الذي بين بني ذبيانْ وبني أسد، فقال له النابغة: أتخذل بني أسدْ وهم حلفاؤناْ وناصروناْ وتعين بني عبس عليهم. وقوله (للمعنِّ) اللام في صلة فعل محذوف، كأنه قال: يا يربوع بن غيظ، أعجبوا للمِعَن، يعني عيينة بن حصن. وقوله: كأنك من جمال بني أقيش، أي أنت سريع الغضبْ والنفور، تنفر مما لا ينبغي أن تنفر منه. نصب المضارع بعد (أو) قال سيبويه في باب (أو): (تقول: لألزَمَنَّك أو تقضيني، ولأضربنك أو تسبقني، والمعنى: لألزمنَّك إلا أنْ تقضينيْ ولأضربنك إلا أن تسبقني. هذا معنى النصب). قال امرؤ القيس: بكَى صاحِبي لما رأى الدربَ دونَه ... وأيقَنَ أنّا لاحقان بقَيْصَرا (فقلتُ له: لا تَبْكِ عينُك إنما ... نحاولُ مُلكاً، أو نموتَ فنُعذَرا) الشاهد فيه على النصب (نموت) بعد (أو). قال سيبويه: (والمعنى إلا أن نموتَ فنُعذَر). صاحب امرئ القيس الذي كان معه فيما زعموا، عمرو بن قميئة من بني

стр. 465

قيس بن ثعلبة، وكان امرؤ القيس استصحبه لما مضى إلى ملك الروم يستنجده على بني أسدْ وأراد بالدرب أحد الدروب التي بين أرض الشامْ وبلاد الروم. فيقول: أنّ عمراً لما بكى، قال له: من سعى في طلب المُلك لم يستعظم أن ينزل به مثل هذا، وأن يغرر بنفسهْ ويركب المهالك، فإن أصاب بُغيته فلها سعى، وإن مات عذر في سفرهْ وتغربه، لأنه لم يكن سفره غلا ليحصل له الملك، ولم تكن إرادته به شيئاً من المال. مجيء (حتى) للغايةْ وللابتداء قال سيبويه: (اعلم أنه لا يجوز: سرت حتى أدخلهاْ وتطلع الشمس. هذا محال، لأن طلوع الشمس لا يكون أن يؤديه سيرك، فترفع (تطلعّ) وقد حُلت بينهْ وبين حتى ويحسن أن تقول: حتى تطلع الشمس، وحتى أدخلها، كما يجوز أن تقول: سرت إلى يوم الجمعةْ وحتى أدخلها). وقال امرؤ القيس: ومَجْرٍ كغلانِ الأُنيْعِم بالِغٍ ... ديارَ العَدُوِّ ذي زُهاءٍْ وأركانِ سريتُ بهم حتى يَكِلَّ غَزيُّهم ... وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرسانِ المجر: الجيش الكثير، والغلان: جمع غالّ وهو الوادي الكثير

стр. 466

الشجر، والأُنيْعِم: اسم مكان، وقوله: بالغٍ ديار العدو، يعني أنه لا يمكن رده عن الموضع الذي يسير لكثرتهْ وعزهْ وأنه لا يقاومه جيش. وقوله: ذي زهاء: أي هو يَحزر حزراً، فأما عدده فلا يمكن ضبطه. يقول الذي يراه: هو مقدار كذاْ ويقال: هم زُهاء ألف إذا كانوا مقدار ألف. والأركان: النواحي، و (مَجْر) مجرور بـ (رُبَّ)، وقوله: سريت بهم أي سرت بهم ليلاً. ويروى: (مَطَوْتُ بهم) والمطو: المد، يريد أنه مد بهم في السير، والكَلال: الإعياء، والمطيّ: جمع مطيةْ وهو البعير الذي يركب ظهره. ويروى: (حتى يَكِلَّ غزاتهم) وهو جمع غاز. وقوله: وحتى الجياد ما يُقَدْنَ بأرسانِ، يعني أن الخيل كلت، فطرحت أرسانها على أعناقها، وتُركت تمشيْ ولم يحتاجوا إلى قُوْدها، لأنها قد ذهب نشاطهاْ ومرحها، فهي إذا خُلِّيت لم تذهب يميناً ولا شمالاً وسارت معهم. والشاهد في البيت أنه لما جاء بـ (حتى) التي تنصب ما بعدها - وأراد أن يذكر بعدها ما لا يجوز أن يُعطف عليها - جاء بـ (حتى) في الكلام الثاني. وما بعد الأول منصوب لأنه غاية، والجملة الثانية مبتدأْ وخبر، و (حتى) التي هي غاية، لا تدخل على المبتدأْ والخبر (فجاء بـ (حتى) التي ترفع ما بعدها من الأفعالْ وتدخل على المبتدأْ والخبر). عطف الفعل بالجزم - ربطاً للمعاني قال سيبويه في باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي،

стр. 467

لأن فيها معنى الأمرْ والنهي: (وأما قول عمرو بن عمار الطائي: (فقلت له: صَوِّبْْ ولا تَجْهَدَنهُ ... فيُدْنِكَ من أُخرى القَطاةِ فتَزْلَقِ) فهذا على النهي كما قال: لا تمدُدْها فتشقُقْها). هذا البيت في قصيدة تنسب إلى امرئ القيس، وتنسب إلى رجل من طيئ. وقيل: إن قائلها هو: عبد عمرو بن عمار الطائي. والشاهد فيه أنه عطف (فيُدْنِكَ) على (تجهدنهّ) وكذا عطف (فتَزْلَق) ولم يجعل هذين الفعلين منصوبين على الجواب بالفاء، ولو نُصبا لكان نصبهما حسناً، ويكون بمنزلة قول القائل: لا تشتُمْ زيداً فيؤذيك، ولا تسُبَّ عَمراً فيضربَك. فإن قال قائل: قوله (لا تَجْهَدَنهُ) نهي، وقد نهى الغلامَ الراكب للفرس أن يجهده في العدو، وهذا معنى صحيح، والإدناء هو فعل الفرس، فكيف نهى الغلام عنه، وعطف على فعل الغلام ما لا يدخل في النهي؟ قيل: هذا سائغ كثير في الكلام، المعنى أنه نهى الغلام عن فعلٍ

стр. 468

يؤدي إلى أن يدنيه الفرس من أخرى القطاة. وهذا مثل قولهم: (لا أرَيَنَّكَ هاهنا) أي لا تكن هاهنا فأراك. ومثله للأعشى: لا أعرفَنَّكَ إنْ جَدَتْ عداوتُنا ... والْتُمِسَ النَّصرُ منكم عَوضُ تَحتَمِلُ أي لا تفعل ما نهيتك عنه، فإنك إن فعلته عرفته. ومعنى البيت أنه قال للغلام الذي ركب الفرس، وطلب عليه الوحش لا تجهده، أي لا تستخرج جميع ما عنده من العَدْو، فلا يمكنك أن تثبت على ظهره، ويُدنِك من مؤخره فتقع. والقطاة: مقعد الردف من ظهر الفرس. مجيء خبر (عسى) مجرداً من (أنْ) قال سيبويه: (واعلم أنّ من العرب مَن يقول؛ عسى يفعلُ. يشبهّها بـ (كاد يفعلُ) فـ (يفعل) حينئذ في موضع اسم منصوب). قال المرّار بن سعيد ألأسدي: تخبَّأ معشرُ الشعراءِ مني ... كما اْختبأتْ من القمرِ النُّجومُ (فأما كَيِّسُ فنجاْ ولكنْ ... عسى يَغترُّ بي حَمِقُ لئيمُ) الشاهد في قوله (عسى يَغترُّ) ولم يقل (عسى أن يَغترَّ).

стр. 469

والحَمِق: الأحمق. يقول: إن الشعراء إذا ضموا إليّْ وقيسوا بي، كانوا بمنزلة النجوم إذا ضمت إلى القمر. يريد أنهم يَخْفَوْنْ ويصغر شأنهم إذا حضر المرّار أو ذُكر، فأما الكيِّس منهم فإنه لا يتعرض ليْ ولا يطمع في مساواتي، ومَن طمع في مساواتي منهم أو مقاربتي، فإنه أحمق. الفعل يرتفع بين الجزمين لوقوعه في موضع الحال قال سيبويه في باب ما يرتفع بين الجزمين، وينجزم بينهما: (أما ما يرتفع بينهما فقولك: إنْ تأتني تسألني أُعطِك، وإنْ تأتني تمشي أمشِ معك. وذلك لأنك أردت أن تقول: إنْ تأتني سائلاً يكن ذلك، إنْ تأتني ماشياً أمشِ. وقال زهير): (ومن لا يَزَلْ يَستَحملُ الناسَ نفسَه ... ولا يُغنِها يوماً من الدهر يُسأمِ) (يَستَحملُ) في موضع خبر (يزل) كأنه قال: من لا يزل مستحملاً الناسَ نفسه. ورفع (يَستَحملُ) لأنه في موضع الخبرْ وليس ببدل من فعل الشرط. والشاهد على أن (يَستَحملُ) ليس ببدل من فعل الشرط، وليس يريد أن الفعل في موضع الحال. ويروى: (من لا يزل يسترحل الناس). أي يجعل الناس كالراحلة يحمِّلهم أموره.

стр. 470

يريد: من لا يزل يستحمل الناس، يسألهم حمل أثقاله - والقيام بحوائجه، ولا يتكلف هو أمر نفسه - يسأموه، ويثقل عليهم. قال سيبويه قال الحطيئة: (متى تأتِه تعشو إلى ضَوْءِ نارِه ... تَجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقِدِ) يمدح بذلك بغيضاً وهم من بني سعد بن زيد مناة. وتعشو: تنظر ببصر ضعيف. يريد أنه ابتدأ بالنظر إلى النار على بعد شديد، فقصدها بذلك النظر حتى قَرُبَ منها، فأضاءت له. والشاهد على أنّ (تعشو) في موضع عاشياً، منصوب على الحال. ومعنى البيت واضح. قال سيبويه: (وسألت الخليل عن قوله - يعني قول عُبيد الله بن الحُرّ الجُعْفي -: إذا خَرَجوا من غَمرةٍ رجعوا لها ... بأسيافهِمْْ والطعنِ حتى تَفَرَّجا متى تأتِنا تُلمِمْ بنا في ديارِنا ... تَجِدْ حطباً جَزْلاًْ وناراً تأجَّجا)

стр. 471

قال سيبويه: (تُلمِمْ) بدل من الفعل الأول) يعني فعل الشرط. والجزل: غلاظ الحطب. يريد أنهم يوقدون الجزل من الحطب لتقوى نارهم، فينظر إليها الضيفان على بعد فيقصدوها. وقوله: وناراً تأجَّجا، ذكّر للنار تأجج، وفيه ضمير يعود إلى النار، وكان ينبغي أن يقول: تأججت، وإنما ذكّر لأنه في تأويل الشهاب، كأنه قال: وشهاباً تأجج. ويروى: (متى تأتني في منزل قد نزلته) وليس في هذه الرواية شاهد على شيء مما تقدم. والغمرة: الشدة التي وقعوا فيها، فيقول: هم يكشفون الكُرَب بأسيافهم. مجيء (أم) منقطعة قال سيبويه في باب (أم) إذا كانت منقطعة: (ومن ذلك أيضاً، أعندك زيد أم لا؟ كأنه حين قال: أعندك زيد، كان يظن أنه عنده، ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا. فزعم الخليل أنّ قول الأخطل: كَذَبَتكَ عينُك أم رأيتَ بواسطِ ... غَلسَ الظّلامِ من الربَّاب خَيالا)

стр. 472

كقوله: إنها لإبل أم شاء، يريد أنّ (أم) في البيت منقطعة مما قبلها، لأنها استفهام بعد مضي جملة هي ابتداءْ وخبر، واستؤنف بها الاستفهام من غير أن يتقدم قبله استفهام. و (أم) المنقطعة هي التي ما بعدها جملة، ولا تكون عاطفة لاسم على اسم قبلها، ولا عاطفة لفعل على فعل قبلها. فإذا جاءت بعد إيجاب لم تكن إلا منقطعة. ولذلك قال سيبويه: كقوله: إنها لإبل - ثم استأنف استفهاماً فقال: - أم شاء، يريد أم هي شاء، فما بعد (أم) مبتدأْ وخبر. وواسط: موضع بنواحي الشام، وقد ذكره الأخطل في شعره في غير هذا الموضع. غلس الظلام: حين اختلط الظلام، الربَّاب: اسم امرأة، والخيال: ما يراه في النوم كأنه شخصها. زيادة الباء في خبر ليس قال سيبويه في الاستثناء في باب ما حُمل على العامل: (وتقول: لستَ بشيءٍ إلا شيئاً لا يُعبأ به) والباء هاهنا بمنزلة (ما)

стр. 473

يريد أن الباء زائدة في خبر ليس كما زيدت في خبر (ما) وأن الباء في موضع نصب، فكأنه قال: لستَ شيئاً إلا شيئاً لا يعبأ به. قال أوس بن حَجَر: (يا بنَيْ لبَيْنَى لستُما بيدٍ ... إلا يداً ليستْ لها عَضُدُ) وفي شعره: أَبني لبَيْنَى لستُموا بيدٍ ... إلا يداً ليستْ لها عَضُدُ أَبني لبَيْنَى لا أُحِبكُمُ ... وَجَدَ الإلهُ بكُمْ كما أَجِدُ الشعر على مخاطبة الجماعة. والشاهد في قوله (إلا يداً) بالنصب، والمستثنى منه مجرور بالباء، والاستثناء من موضع الباء. وبنو لبينى قوم من بني أسد، وأمهم لبينى من بني والبة بن الحارث بن ثعلبة ابن دودان، يقول لهم: أنتم - في ترك لومكم لهم، واطراحكم أمرهم - بمنزلة يد لا عضد لها، فكيف تصنع اليد إذا بانت عن عضدها. وقوله: (وَجَدَ الإلهُ بكُمْ كما أَجِدُ) يقول: أحبكم الله كما أحبكم، وأوس لا يحبهم، فكأنه قال: لا أحبكم الله وأبغَضكم كما أبغِضُكم. مجيء (حتى) حرف ابتداء قال سيبويه في باب (حتى): (ويدلك على حتى أنها حرف من حروف الابتداءْ والخبر، أنك تقول: حتى إنه يفعل ذلك، كما تقول: فإذا

стр. 474

إنه يفعل ذلك). قال: (ومثل ذلك قول حسان بن ثابت): أولادُ جفنةَ حولَ قبرِ أبيهِمِ ... قبرِ ابنِ ماريةَ الكريمِ المُفْضلِ يُغْشَوْنَ حتى لا تَهِرُّ كلابُهُمْ ... لا يَسألون عن السّوادِ المُقْبلِ) يمدح بذلك آل جفنة الغسانيين، وبلادهم الشام، ماريةَ: ذات القرطين، هي أم جفنة بن عمرو مزيقياء، يُغْشَوْنَ: يغشاهم الطالبونْ والسائلونْ ويكثرون عندهم، حتى كلابهم لكثرة ما ترى ممن لا تعرف قد أنست بجميع الناسْ وتركت النباح، لا يسألون عن السواد: أي الأشخاص المقبلة، ويقال للشخص سواد، وأصل ذلك أن الشخص إذا كان في مكان صار له ظل على الأرضْ وذلك الظل سواد، فقيل لكل شخص سواد. والشاهد على أنه رفع (تهرّ) ولم يجعله غاية. قال سيبويه وتقول: (سرت حتى يعلم الله أني كالّ. فالفعل

стр. 475

هاهنا منقطع من الأول، وهو في الوجه الأول الذي ارتفع فيه، متصل كاتصاله به بالفاء، كأنه قال: سيرُ فدخول). أراد سيبويه أن الفعل المرتفع بعد (حتى) يقع على وجهين: أحدهما أن الفعل الواقع بعدها وقعْ ومضى قبل وجوب الإخبار. والوجه الآخر أن الفعل الذي قبل (حتى) قد مضى، والفعل المرفوع بعدها ثابت في حال الإخبار، ويكون الفعل المتقدم سبباً لوقوع الفعل الذي في الحال. وسيبويه يجعل (حتى) في الوجه الأول - الذي الفعل فيه قد مضىْ وانقضى - بمنزلة الفاء، وأن الفعل الذي بعد (حتى) متصل بالفعل الذي قبل (حتى) وقد مضيا جميعاً. والثاني بعد الأول متصل به كاتصال ما بعد الفاء في العطف بما قبلها. وقال علقمة بن عبدة: فأورَدَها ماءً كأنّ جِمامَه ... من الأجْن حِنّاءُ معاً وصَبيبُ تُرادَى على دْمنِ الحِياض فإن تَعَفْ ... فإن المُنَدَى رحلةُ فرُكوبُ) الشاهد فيه أنه عطف ركوباً على (رحلة) بالفاء. وجعل الركوب متصلاً بالرحلة. وهو مثل قولهم: سرت حتى أدخلها، إذا كان السيرْ والدخول قد

стр. 476

وقعا جميعاً فيما مضى، والدخول متصل بالسير، كأنه قال: سرت فدخلت، وإنما استعمل المستقبل في هذا الموضع على حكاية الحال الماضية، وهي بمعنى: سرت حتى دخلتها. قوله: فأورَدَها: يعني راحلته، والجمام: جمع جُمة، وهو الماء المجتمع في البئر، والواحد جُمّةْ وهو الماء المجتمع. والأجْن: تغير الماءْ واصفراره، والصبيب: شجر يصبغ به، وقيل: إنه تخضب به الرؤوس. شبه لون الماء بلون الحناءْ والصبيب. وتُرادَى: تُراود، أي يعرض عليها الماء مرة بعد مرة، حتى تشرب من هذا الماء المتغير. فإن تعف: أي تأبى نفسها أن تشرب منه - يقال: عِفت أعاف - فإني أجعل مكان التندية أن أشد عليها الرحلْ وأركبهاْ وأسير. والمُندىْ والمُتَنَدَى والتندية واحد، وهو أن تُترك الناقة ترعى حول الماء ساعة ثم تجيءْ وتشرب الماء. ويروى: (تُراد على دْمنِ الحِياض) أي يراد منها أن تشرب من الدمن الذي في الحياض. والدمِنْ: البعرْ والسِّرجين وما أشبه ذلك. وإنما يريد أنها يراد منها أن تشرب ماء الدمن، وهو الماء الذي سفت عليه الريح الدمن فاختلط به. نصب المضارع بعد واو المعية قال سيبويه في الجواب بالواو: (لا تأكل السمكْ وتشرب اللبن، فلو أدخل الفاء هاهنا فسد المعنى).

стр. 477

وهذا صحيح لأن الفاء لو دخلت في ذا الموضع، لصار المعنى: أنْ أكلتَ السمك شربت اللبن، وليس بواجب أنه كل من أكل سمكاً شرب لبناً. ويوضحه قول الله تعالى: (لا تفتروا على الله كذباً فيُسحتكم بعذاب) أي إن افتريتم سحتكم، وإنما يريد، لا تجمع بينهما في وقت واحد. وقال الحطيئة: (ألمْ أكُ جارَكُمْْ ويكونَ بيني ... وبينكم المودةُ والإخاءُ) يريد، ألم يجتمع هذان: أن أكون جاراً، وأن تكونوا إخوانيْ وأصحاب مودتي. يخاطب بذلك الزبرقانْ وأهله، وقد كان جاورهم ثم انتقل إلى بني قُريع. حذف صلة الموصول قال سيبويه في باب ما يحذف المستثنى فيه استخفافاً، قال العجاج: دافَعَ عني بنُقَيْر مَوْتَتي (بعد اللَّتيّاْ واللتياْ والتي) إذا علتْها أنفُسُ تَردَتِ

стр. 478

يريد أن الله تعالى دفع عنه الموت. ونُقَيْر: موضع بعينه. والعرب تقول: فعل فلان ذلك بعد اللتياْ والتي، أي بعد شدة. وقوله: (إذا علتها أنفس تردت) هذه الجملة التي هي البيت الثالث صلة للتي. الشاهد على أنه حذف الصلة من (اللتيا) الأولى ومن الثانية، فأما (التي) فقد أتى بصلتها. وعنى بقوله: (التي إذا علتْها أنفُسُ) عقبةً من عقاب الموت منكرة، إذا أشرفت عليها نفس سقطتْ وهلكت، وهذا على طريق التشبيه. حذف اللام المتصلة بأن الناصبة قال سيبويه: (لا تفعل كذاْ وكذا أن يصيبك أمر تكرهه، كأنه قال: لأن يصيبك، أو من أجل أن يصيبك. وقال الله تعالى: (أن تَضِلَّ إحداهما) وقال: (إن كان ذا مالْ وبنين) كأنه قال: ألأن كان. . .) يريد حذف اللام في جميع هذا. وقال الأعشى: صدَتْ هُريرةُ عنّا ما تكلمنا ... جهلاً بأُمِّ خُلَيدٍ حبلَ مَنْ تَصِلُ (أإنْ رأت رجلاً أعشى أضرَّ بِهِ ... ريبُ المَنونِْ ودهرُ مفسد خَبِلُ)

стр. 479

أراد ألأن رأت. واللام المقدرة متصلة بفعل محذوف، كأنه قال: ألأنْ رأتني على هذه الحال هجرتنيْ وصرمتني. كأنه كان: أعرضَتْ لأن رأت رجلاً على هذه الأوصاف. ولا يجوز أن يتعلق (لأن) التي بعد الحرف الاستفهام بـ (صدّت) لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يتصل بما قبله في العمل. وريب المنون: ما يحدث من الضعفْ والكبرْ وأسباب الموت، والخَبِلُ: الذي يفسد العقلْ وهريرة: هي أم خُلَيد. وقوله: (جهلاً بأُمِّ خُلَيدٍ) منصوب مفعول له كأنه قال: صدت عنا لجهلٍ منها بمن ينبغي أن تصله، وبمن ينبغي أن تصرمه. يقول: إنها وضعت صدودها عنا في غير موضعه. إعمال (كأنْ) مخففةً قال سيبويه في باب (أن) بعد إنشاده: (كأنْ وريدَيْه رِشاءُ خُلبِ) (هذه الكاف مضافة إلى (أنْ) - يريد الكاف من (كأن) - فلما اضطررت إلى تخفيفْ ولم تضمر - يريد لم تضمر اسم كأنْ - لم يغير ذلك أن تنصب بها، كما أنك قد تحذف من الفعلْ ولا يتغير). يقول: تخفيفك لها لم يغير عملها، كما أن الفعل إذا حذف منه بعض حروفه لم يغير عن عمله. إعمال (أن) مخففة وإضمار اسمها قال سيبويه: ومثل ذلك قول الأعشى:

стр. 480

وقد غدوتُ إلى الحانوتِ يتبعُني ... شاوٍ مِشُلُّ شَلولُ شُلشُلُ شَوِلُ (في فتيةٍ كسيوف الهندِ قد عَلموا ... أنْ هالكُ كلُّ من يَحفَىْ وينتعلُ) الحانوت: بيت الخمّار، والشاوي: الشوّاء، ومِشُلُّ: مستحثّ، والمِشَل: السريع السَّوق، وقيل: المشل الذي يَشل اللحم في السفّود، والشُلشُلُ: الخفيف فيما أخذ فيه من عمل، والشَوِلُ: مثل الشلشل، وقيل: شَول: عادته ذلك، والشَلولُ: مثل المِشَل. ويروى: نَشول، وهو الذي يأخذ اللحم من القدر، يقال منه: نشَل ينِشُل. يريد أنه غدا إلى بيت الخمارْ ومعه غلام يشويْ ويطبخ. وقوله: في فتية، يريد مع فتية كالسيوف في مضائهم في الأمور، ويحتمل أنه صِباحُ وجوههم، تبرق كالسيوف. قد علموا أنْ هالك: يريد أنه هالك كل إنسان. ومن يحفى هو الفقير، ومن ينتعل هو الغني. يريد: قد علم هؤلاء الفتيان أن الهلاك يعم الناس غنيِّهمْ وفقيرَهم، فهم يبادرون إلى اللذات قبل أن يحال بينهمْ وبينها. والشاهد على تخفيف (أنَّ) وحذف اسمها المضمر، والمضمر هو ضمير الأمرْ والشأن.

стр. 481

وقوع المصدر ظرفاًْ وفتح همزة (أنّ) بعده قال سيبويه في باب (أنّ): (وذلك قولك: أحقاً أنك ذاهب، والحقَّ أنك ذاهب). كأنه قال: أفي حق ذهابُك. فـ (أنك) مبتدأْ و (حقاً) في موضع خبره. ثم ساق سيبويه الكلام حتى انتهى إلى قوله: ْ وزعم يونس أن العرب تنشد للأسود بن يعفر: (أحقاً بني أبناءِ سلمَى بنِ جَندَلٍ ... تهدُّدُكم إيايَ وسطَ المجالس) (تهدُّدُكم) مبتدأْ و (حقاً) خبره. وأراد: يا بَني أبناء سلمى بن جندل. والمعنى واضح. وكانوا تهددوه بسبب فرس أخذها ابنه الجراح بن الأسود لرجل من بني تيم الله بن ثعلبة يقال له فارس العصماء. وحديثه معهم طويل.

стр. 482

(أنْ) المفتوحة لا يجازى بها قال سيبويه في باب الجزاء إذا كان القسم في أوله: (وأما قول الفرزدق: وجدْنا بني مروانَ أوتادَ ديننا ... كما الأرضُ أوتادُ عليها جبالُها (وأنتم لهذا الناسِ كالقبلةِ التي ... بها أنْ يَضِلَّ الناسُ يُهدَى ضَلالُها) قال سيبويه بعد إنشاد هذا البيت الثاني: (ولا يكون الآخر إلا رفعاً) يعني يُهدى (لأنّ (أنْ) لا يجازى بها، وإنما هي مع الفعل اسم كأنه قال: لأن يضلّ الناس يُهدى ضَلالها). يريد (أنْ) المفتوحة الخفيفة لبست بجزاء، و (إنْ) المكسورة الخفيفة يجازى بها، ويجزم الفعل الذي يليها لأنه شرط، ويجزم الفعل الثاني لأنه جواب الشرط. وهذه المفتوحة مع الفعل بمنزلة اسم تعمل فيه العوامل. والفعل المتأخر الذي ولِيته (أنْ) لبست (أنْ) تعمل فيه، ولم يدخله شيء من عوامل الأفعال، فهو مرفوع في ذا الموضع كما يرفع في غيره. وإنما أنشد هذا البيت في باب الجزاء، ليُعلم أنه ليس مثله. و (أنْ يَضِلَّ الناسُ) منصوب لأنه مفعول له، والعامل (يُهدَى) كأنه قال: لأن يضل الناس يُهدَى ضَلالُها.

стр. 483

فإن قال قائل: فإذا كان هذا مفعولاً له، فكأنه قال: يُهدَى ضَلال الناس لأن يضلوا. وهم لا يُهدون لأن يضلّوا، وإنما يُهدون لئلا يضلوا.! قيل له: لهذا نظائر. قال الله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجلْ وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أنْ تضلْ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى). قيل فيه: إن التقدير: لكراهة أن تضل إحداهما. ومثله قول العرب: أعددتُ الخشبة أنْ يميل الحائط فأدعمَه. فأخبر بالعلة التي دعت إلى إعداد الخشبة. مدح الفرزدق بهذا سليمان بن عبد الملك، وجعل الفرزدق بني مروان كالقبلة التي يصلي الناس إليها. يريد أنه من انصرف عن طاعتهم؛ فقد ضل، كضلال من صدفَ وجهه عن القبلة. (مَنْ) الموصولية قال سيبويه في باب الأسماء التي يجازى بها وتكون بمنزلة (الذي). يريد أنّ: (مَنْ وماْ وأيّهم) إذا وصلت واحدة منها بطل الجزاءْ وصارت بمنزلة (الذي). وساق كلامه في هذا المعنى حتى انتهى إلى قول الفرزدق: منا الكواهِلُ والأعناقُ تَقْدُمُها ... والرأسُ مناْ وفيه السمْعُ والبَصَرُ

стр. 484

ولا نُحالف إلا اللهَ مِن أحَدٍ ... غيرَ السُّيوفِ إذا ما اْغرورقَ النظَرُ (ومَن يَميلُ أمالَ السيفُ ذِروتَهُ ... حيث التَقَى من حفا فَيْ رأسهِ الشَّعَرُ) الشاهد فيه أنه جعل (مَن) بمنزلة الذي ووصلها بـ (يميل) كأنه قال: والذي يميل أمال السيف ذورته. وزعموا أن لَبَطَة بن الفرزدق قال - حين ذهب خالد بن عبد الله القسري إلى الشام، واستخلف أسدَ بن عبد الله أخاه على العراق - لأبيه: إنك قد كبرتْ سنك، وقد قعدت عن الرحلةْ والوفادة، وهذا اليماني - يعني أسداً - شديد العصبية، معروف بحب قومه، فإن أتيته فاستنشدك فأنشده أبياتاً - في جملتها هذه الأبيات المتقدمة - تفخر بمضر. فلما خرج قال له لبطة: هذا ما وصيتك. فقال له: اسكت، ما كنت أكبر في صدره من اليوم. وقوله: (اغرورقَ النظَرُ) يريد أنه إذا دهش الإنسان، اضطرب نظره من الفزعْ ولم يتأمل ما ينظر إليه، فكأنّ عينيه قد غرقت بشيء غطّاها. ويروى: مَن يَمل يُمِل المأثور ذروته. أي ذروة رأسه. وذروة

стр. 485

كل شيء: أعلاه، والمأثور: السيف له أثرْ وهو فِرِنده، وفرند السيف: الماء الذي فيه. (مَنْ) تصلح للمفردْ والمثنىْ والجمع قال سيبويه في باب إجرائهم صلة (مَنّْ) وخبره إذا عنيتَ اثنين أو جماعة كصلة (الذين): (فإذا ألحقت التاء في المؤنث، ألحقت الواوْ والنون في الجمع). يريد أنك إذا قلت: من تقوم نكرمها. إذا أردت بـ (مَن) امرأة. فإذا فعلت هذا في المؤنثْ وجعلت الصلة على معنى (مَن) لا على لفظ (مَن)، وجب إذا أردت الجماعة أن تقول: مَن يقومون اخوتك، ومن يذهبان غلاماك. قال الفرزدق: فقلتُ له لما تَكشَّر ضاحكاً ... وقائِم سيفي من يدي بمكانِ (تَعشَّ فإن عاهدْتَني لا تخونُني ... نكنْ مثلَ من يا ذئبُ يصطحبانِ)

стр. 486

الشاهد في قوله (يصطحبانِ) لأنه ثنى على معنى (مَن). وتَكشَّر: أبدى عن أسنانه. وصف الفرزدق ذئباً أتاهْ وهو في قفر، ووصف حاله معه، وأنه أطعمهْ وألقى إليه ما يأكله. وقوله (تَعشَّ) خطاب للذئب فإن عاهدتني بعد أن تتعشى على أن لا يخون كل واحد منا الآخر، كنا مثل رجلين يصطحبان. و (يصطحبانِ) صلة (مَن) و (يا ذئب) نداء اعترض بين الصلةْ والموصول. وقد ذكر جماعة من العرب أنهم قَرَوا الذئب لما أتاهمْ وهم مسافرون، منهم: الفرزدقْ ومضرِسْ وغيرهما.

стр. 487

رفع جواب الشرط على تقدير التقديم قال سيبويه في باب الجزاء: (وتقول: إنْ أتيتني آتيك، أي آتيك إنْ أتيتني). قال زهير: (وإنْ أتاه خليلُ يومَ مسألةٍ ... يقول: لا غائبُ ماليْ ولا حَرِمُ) الشاهد فيه أنه رفع (يقولُ) ولم يجعله للشرط في اللفظ، وجعله في تقدير التقديم، كأنه قال: يقول: لا غائبُ مالي إنْ أتاه خليلُ. يمدح هَرِمَ بن سنان المُرّي. يريد أنه لا يعتل في خليله إذا سأله شيئاً من ماله بعلة حتى يحرمه. يريد أنه لا يقول: مالي غائبُ عني. أو يقول: ليس لي شيء أعطيك منه. وقوله: يوم مسألة، يعني يوم حاجة توجب المسألة. اسم (إنّ) ضمير الشأن مقدر قال سيبويه في باب ما يكون من الأسماء التي يجازى بها بمنزلة الذي: (وتقول: كان مَن يأتِه يعْطه) يريد أن (كان) فيها ضمير، هو

стр. 488

اسمها. ثم قال: (وقد جاء في الشعر: إنّ مّن يأتي آتِه) (يريد (إنه) حذف اسم إنّ وقدره (إنّهّ) وهذا ضمير الأمرْ والشأن) قال الأعشى: (إنّ مَنْ لامَ في بني ابنة حسانَ ... ألمْهُ وأعْصِهِ في الخُطوبِ) إنّ قيساً قيسَ الفعال أبا الأشعث ... أمستْ أصداؤه لِشَعوبِ يمدح الأشعث بن قيس. يريد أنه يحبهم، وأنّ مَن لامه في محبته إياهم، كافأه على لومٍ بلومٍ مثله، ولم يطعه في أمره إياه بترك محبتهم. وشعوب: اسم للمنية. والأصداء: جمع صدى، وزعموا أنه طائر يكون في المقابر يخرج من هام الموتى. وأراد بقوله: أمستْ أصداؤه أمسى جسده - الذي يخرج منه الصدى - للمنية، لأنها غلبت عليه فصار في حزبها، أي في الهَلكَى. العدول عن الجزم على الجواب - للمعنى قال سيبويه في: هذا باب من الجزم. وأما قول الأخطل:

стр. 489

(كُرُّوا إلى حَرَّتَيْكُمْ تَعْمرونَها ... كما تَكُرُّ إلى أوطانها البقرُ) الشاهد فيه أنه رفع (تَعْمرونَهاّ) ولم يجزمه على جواب (كُرُّواّ) وجعل (تَعْمرونَها) في موضع الحال، كأنه قال: كروا عامرين. يريد: ارجعوا إلى الحجازْ وإلى موضعكم فيه، والحِرار التي لكم هناك، فليست الجزيرةْ وما قَرُب منها دياراً لكمْ ولأننا لا ندعكم فيها. وهو على تقدير: كروا عامرين، وليسوا بعامرين في وقت كَرِهم إلى ديارهمْ ومعناه كروا مقدَرين لعمارتها. ومثله قوله : (فادخلوها خالدين)، أي مقدِّرين الخلود. وقوله: كما تكر إلى أوطانها البقر، يريد كما ترجع بقر الوحش إلى كُنُسها إذا خافت. وقد يجوز أن يريد البقر الإنسية، أي ارجعوا إلى مواضعكم التي كنتم فيها فالزموها، كما ترجع البقر التي تحرث إلى مواضعها التي تأوي إليها. الفصل بالاسم بين حرف الجزاءْ وفعله قال سيبويه في الجزاء: (وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيها ضعيف في الكلام، لأنها ليست كـ (إنْ). يريد أن الفصل بين حروف

стр. 490

الجزاءْ وبين فعل الجزاء بالاسم ضعيف في حروف الجزاء، لا يجوز إلا في الشعر. سوى (إنْ) فإنه يجوز فيها الفصل في الكلام. ثم قال: ومما جاء من الشعر مجزوماً في غير (إنْ) قول عدي بن زيد: وهمُ ما همُ إذا عزَّتِ الخَمْرُ ... وقامت زِقاقهمْ بالحِقاقِ يعقِرون العِشارَ للشَّرْبِْ والذِّمَّةِ ... والفاقدين للأوراقِ (ومتى واغِلُ يَنُبْهُمْ يحيُّوهُ ... وتُعطفْ عليه كأسُ الساقي) الشاهد فيه أنه فصل بين (متى) وهي للشرط، وبين الفعلْ وهو (يَنُبْهُمْ) بـ (واغل) وأصله: متى ينبهم واغل، فقدمه. وإذا تقدم ارتفع بفعل مضمر تقديره: فمتى ينبهم واغل ينبهم، ويكون الذي أظهر تفسيراً للذي أُضمر. مدح نداماه، يقول: أي قوم هم إذا عزَّتِ الخَمْرُ.! يعني أنهم يبذلون أموالهم حتى يشتروها، ولا ينظرون في عزة الأثمان. وقوله: وقامت زِقاقهمْ بالحِقاقِ، يريد أن كل زق بحقّة أو حِقّ من الإبل، والعِشارَ من الإبل: جمع عُشراءْ وهي الناقة التي أتى عليها من حملها عشرة أشهر، والشَّرْب: الذين يشربون، والذمة: الحُرمةْ والعهد، والفاقدون للأوراق: الذين افتقرواْ وفقدوا الدراهم التي تشترى بها الخمرْ وغيرها.

стр. 491

يريد أنهم ينحرون الجُزُر للذين يشربون معهم، ولمن بينهمْ وبينه ذمة وعهد، وللفقراء المحتاجين. والواغل: الداخل (على القوم في شرابهم من غير أن يُدعى. يقال منه وغَل يغِل. ويَنُبْهُمْ: من باب ينوب: إذا أتى. يريد أن الداخل) عليهم - وهم يشربون - يكرم ويُحَيَّاْ ويسقىْ وإن كانوا لم يدعوه. قال سيبويه في آخر الباب: ومثل الأول - يعني مثل قول عدي (فمتى واغل ينبهم): قول هشام المُرّي: تركنا رِقابَ الناسِ تحتَ سيوفِنا ... لطاعتِنا من رَهبةِ الموتِ خُضَّعا (فمَن نحن نُؤْمِنْهُ يَبِتْْ وهو آمِنُ ... ومن لا نُجِرْهُ يُمْسِ منا مُفزَّعَا) الشاهد فيه أنه فصل بين (مَنّ) وهي للشرط، وبين فعلهاْ وهو مجزوم بقوله (نحن) و (نحن) مرفوع بفعل مقدر بعد (مَن) كأنه قال: فمن نؤمنه نحن نؤمنه. والمعنى واضح. مجيء فعل الشرط ماضياًْ وجوابه مضارع مجزوم قال سيبويه في الجزاء قال الفرزدق: كيف بِبَيتٍ قريبٍ منك مطلبُه ... في ذاك منكَ كنائي الدارِ مهجورِ

стр. 492

(دَسّتْ رسولاً بأنّ القومَ إنْ قَدَروا ... عليكَ، يَشفوا صدوراً ذاتَ توغيرِ) الشاهد فيه أنه جعل الماضي فعل الشرط، وجعل الجواب بفعل مجزوم. والتوغير: الحَمْي في الصدور، وقوله: (كيف ببيت قريب منك مطلبه)، يريد كيف بنيل بيت، والوصول إليه، يريد أنه يحول بينهْ وبين الوصول إلى هذه المرأة من لا يمكنه مقاومتهْ ولا مدافعته. وقوله: (دَسّتْ رسولاً) يريد: المرأة التي كان يهواها، دست إليه رسولاً بأن لا تأتينا، وأن أهلها إن رأوه قاصداً إليها قتلوه. وقوله: (في ذاك منكَ) أي هو في ذاك منكَ، وأشار بـ (ذاك) إلى القرب. يريد: هو في قربه منك كبيت نائي الدار، أي نائي المحل، مهجور لا يزارْ ولا يقرب منه. والباء من قوله: (كيف بِبَيتٍ) متصلة بشيء محذوف، كأنه قال: كيف تصنع ببيت هذا حاله. عطف المصدر المؤولْ ولم يجعله معمولاً لما قبله قال سيبويه: (وتقول: رأيته شاباً، وإنه يفخر يومئذ كأنك قلت رأيته شاباً وهذه حاله. تقول هذا ابتداء، ولم تحمل إن على (رأيت). يعني لم يعطفه على مفعول (رأيت) (وإن شئت

стр. 493

حملت الكلام على الفعل) أي عطفته على ما عمل فيه الفعل. قال ساعدة بن جُؤَيّة: وما وجدَتْ وجدي بها أمُّ واحدٍ ... على النأي شمطاءُ القذالِ عقيمُ (رأتهُ على فَوْتِ الشّبابِْ وأنها ... تُراجع بَعْلاً مرةًْ وتئيمُ) الشاهد في البيت الثاني، أنه عطف (أنها تُراجع) على (الفوت) والفوت مجرور بـ (على) كأنه قال: رأته على فوت الشبابْ وعلى أنها تراجع بعلاً. يقول: ما وجدت امرأة - لها ولد واحد، وسمعتْ أن ابنها قتلْ وهو ناء عنها غريب - كوجدي بمفارقة هذه المرأة. يريد أن حزنه على مفارقتها، أشد من حزن هذه المرأة حين بلغها أن ولدها قد قتل. وجعلها أم واحد ليعْظم حزنها على فقده، ولو كان لها غيره لكان حزنها أقل، وجعلها عقيماً لا ترجو أن تلد بعده ولداً، وذلك أصعبْ وأعظم، ورأته: أي رأته مولوداً وقد فات شبابها؛ ولدته على كبر، ورأته أيضاً على حالة تراجع فيها التزوج، وتطلق أخرى. يعني أنها لبست ترضى حالها مع الأزواج،

стр. 494

وإنما كان سرورها بذلك الولد يخفف عنها ما تلقاه من أزواجها، ومن اختلاف أحوالها. الجملة الشرطية، بعضها متقدمْ وبعضها متأخر قال سيبويه في باب الجزاء، قال ذو الرمة: فيا ميَّ هل يُجزَى بكايَ بمثلِهِ ... مِراراً وأنفاسي إليكِ الزوافرُ (وإني متى أُشْرِفْ على الجانب الذي ... به أنتِ من بينِ الجوانبِ ناظرُ) الشاهد فيه أنه جعل الجملة، بعضها متقدمْ وبعضها متأخر يسد مسد الجواب، كأنه قال: وإني ناظر متى أُشْرِفْ، و (ناظر) خبر (إنّ) وهذا يقبح إذا كان الشرط بالمستقبل، ويحسن إذا كان فعل الشرط ماضياً. يقول: هل تجزينني يا مي ببكاي لمفارقتكْ والبعد عنك، فتبكين شوقاً إلي كما أبكي شوقاً إليك. وقوله: متى أُشْرِفْ، يريد متى أشرف على الناحية التي يُقصد منها إلى الموضع الذي ينزله أهلك، أنظر محبة مني للجهة التي يقصد منها إليك. في تكرير (أي) قال سيبويه قال عباس بن مرداس: (فأيّي ماْ وأيُّك كان شراً ... فقِيدَ إلى المقامةِ لا يراها)

стр. 495

ولا وَلَدتْ لهمْ أبداً حَصانُ ... وخالفَ ما يريد إذا ابتغاها الشاهد في تكرير اللفظ (أيّ) وإنما يريد: أيّنا كان شراً. والمقامة بفتح الميم: الجماعة من الناس. ويروى: (فقِيدَ إلى المنية لا يراها) يدعو عليه بالعمى. وقوله: (ولا وَلَدتْ لهمْ أبداً حَصانُ) هو دعاء عليهم بانقطاع النسل. وقوله: (وخالفَ ما يريد إذا ابتغاها) يعني أنه إذا قصد الجماع - في الموضع الذي هو موضعه، وهو موضع ابتغاء الولد - أخطأه، وجامعها في الموضع الذي لا يجيء منه الولد، يعني مؤخرها. يهجو عباسُ بذلك خُفافاً. المجازاة بـ (إذما) قال سيبويه في الجزاء، قال عباس بن مرداس: (إذ ما مررْتَ على الرسولِ فقُلْ له ... حقاً عليك إذا اطمأنّ المجلسُ) يا خيرَ من ركب المطيْ ومن مشى ... فوقَ التراب إذا تعَدُّ الأنفسُ
следующие страницы →