← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 37487

شرح أبيات سيبويه

السيرافي، أبو محمد

Полный текст (770 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يريد أنهم ينحرون الجُزُر للذين يشربون معهم، ولمن بينهمْ وبينه ذمة وعهد، وللفقراء المحتاجين. والواغل: الداخل (على القوم في شرابهم من غير أن يُدعى. يقال منه وغَل يغِل. ويَنُبْهُمْ: من باب ينوب: إذا أتى. يريد أن الداخل) عليهم - وهم يشربون - يكرم ويُحَيَّاْ ويسقىْ وإن كانوا لم يدعوه. قال سيبويه في آخر الباب: ومثل الأول - يعني مثل قول عدي (فمتى واغل ينبهم): قول هشام المُرّي: تركنا رِقابَ الناسِ تحتَ سيوفِنا ... لطاعتِنا من رَهبةِ الموتِ خُضَّعا (فمَن نحن نُؤْمِنْهُ يَبِتْْ وهو آمِنُ ... ومن لا نُجِرْهُ يُمْسِ منا مُفزَّعَا) الشاهد فيه أنه فصل بين (مَنّ) وهي للشرط، وبين فعلهاْ وهو مجزوم بقوله (نحن) و (نحن) مرفوع بفعل مقدر بعد (مَن) كأنه قال: فمن نؤمنه نحن نؤمنه. والمعنى واضح. مجيء فعل الشرط ماضياًْ وجوابه مضارع مجزوم قال سيبويه في الجزاء قال الفرزدق: كيف بِبَيتٍ قريبٍ منك مطلبُه ... في ذاك منكَ كنائي الدارِ مهجورِ

стр. 492

(دَسّتْ رسولاً بأنّ القومَ إنْ قَدَروا ... عليكَ، يَشفوا صدوراً ذاتَ توغيرِ) الشاهد فيه أنه جعل الماضي فعل الشرط، وجعل الجواب بفعل مجزوم. والتوغير: الحَمْي في الصدور، وقوله: (كيف ببيت قريب منك مطلبه)، يريد كيف بنيل بيت، والوصول إليه، يريد أنه يحول بينهْ وبين الوصول إلى هذه المرأة من لا يمكنه مقاومتهْ ولا مدافعته. وقوله: (دَسّتْ رسولاً) يريد: المرأة التي كان يهواها، دست إليه رسولاً بأن لا تأتينا، وأن أهلها إن رأوه قاصداً إليها قتلوه. وقوله: (في ذاك منكَ) أي هو في ذاك منكَ، وأشار بـ (ذاك) إلى القرب. يريد: هو في قربه منك كبيت نائي الدار، أي نائي المحل، مهجور لا يزارْ ولا يقرب منه. والباء من قوله: (كيف بِبَيتٍ) متصلة بشيء محذوف، كأنه قال: كيف تصنع ببيت هذا حاله. عطف المصدر المؤولْ ولم يجعله معمولاً لما قبله قال سيبويه: (وتقول: رأيته شاباً، وإنه يفخر يومئذ كأنك قلت رأيته شاباً وهذه حاله. تقول هذا ابتداء، ولم تحمل إن على (رأيت). يعني لم يعطفه على مفعول (رأيت) (وإن شئت

стр. 493

حملت الكلام على الفعل) أي عطفته على ما عمل فيه الفعل. قال ساعدة بن جُؤَيّة: وما وجدَتْ وجدي بها أمُّ واحدٍ ... على النأي شمطاءُ القذالِ عقيمُ (رأتهُ على فَوْتِ الشّبابِْ وأنها ... تُراجع بَعْلاً مرةًْ وتئيمُ) الشاهد في البيت الثاني، أنه عطف (أنها تُراجع) على (الفوت) والفوت مجرور بـ (على) كأنه قال: رأته على فوت الشبابْ وعلى أنها تراجع بعلاً. يقول: ما وجدت امرأة - لها ولد واحد، وسمعتْ أن ابنها قتلْ وهو ناء عنها غريب - كوجدي بمفارقة هذه المرأة. يريد أن حزنه على مفارقتها، أشد من حزن هذه المرأة حين بلغها أن ولدها قد قتل. وجعلها أم واحد ليعْظم حزنها على فقده، ولو كان لها غيره لكان حزنها أقل، وجعلها عقيماً لا ترجو أن تلد بعده ولداً، وذلك أصعبْ وأعظم، ورأته: أي رأته مولوداً وقد فات شبابها؛ ولدته على كبر، ورأته أيضاً على حالة تراجع فيها التزوج، وتطلق أخرى. يعني أنها لبست ترضى حالها مع الأزواج،

стр. 494

وإنما كان سرورها بذلك الولد يخفف عنها ما تلقاه من أزواجها، ومن اختلاف أحوالها. الجملة الشرطية، بعضها متقدمْ وبعضها متأخر قال سيبويه في باب الجزاء، قال ذو الرمة: فيا ميَّ هل يُجزَى بكايَ بمثلِهِ ... مِراراً وأنفاسي إليكِ الزوافرُ (وإني متى أُشْرِفْ على الجانب الذي ... به أنتِ من بينِ الجوانبِ ناظرُ) الشاهد فيه أنه جعل الجملة، بعضها متقدمْ وبعضها متأخر يسد مسد الجواب، كأنه قال: وإني ناظر متى أُشْرِفْ، و (ناظر) خبر (إنّ) وهذا يقبح إذا كان الشرط بالمستقبل، ويحسن إذا كان فعل الشرط ماضياً. يقول: هل تجزينني يا مي ببكاي لمفارقتكْ والبعد عنك، فتبكين شوقاً إلي كما أبكي شوقاً إليك. وقوله: متى أُشْرِفْ، يريد متى أشرف على الناحية التي يُقصد منها إلى الموضع الذي ينزله أهلك، أنظر محبة مني للجهة التي يقصد منها إليك. في تكرير (أي) قال سيبويه قال عباس بن مرداس: (فأيّي ماْ وأيُّك كان شراً ... فقِيدَ إلى المقامةِ لا يراها)

стр. 495

ولا وَلَدتْ لهمْ أبداً حَصانُ ... وخالفَ ما يريد إذا ابتغاها الشاهد في تكرير اللفظ (أيّ) وإنما يريد: أيّنا كان شراً. والمقامة بفتح الميم: الجماعة من الناس. ويروى: (فقِيدَ إلى المنية لا يراها) يدعو عليه بالعمى. وقوله: (ولا وَلَدتْ لهمْ أبداً حَصانُ) هو دعاء عليهم بانقطاع النسل. وقوله: (وخالفَ ما يريد إذا ابتغاها) يعني أنه إذا قصد الجماع - في الموضع الذي هو موضعه، وهو موضع ابتغاء الولد - أخطأه، وجامعها في الموضع الذي لا يجيء منه الولد، يعني مؤخرها. يهجو عباسُ بذلك خُفافاً. المجازاة بـ (إذما) قال سيبويه في الجزاء، قال عباس بن مرداس: (إذ ما مررْتَ على الرسولِ فقُلْ له ... حقاً عليك إذا اطمأنّ المجلسُ) يا خيرَ من ركب المطيْ ومن مشى ... فوقَ التراب إذا تعَدُّ الأنفسُ

стр. 496

وفي شعره: (إما مررْتَ) والشاهد فيه أنه جعل (إذ ما) بمنزلة (إنْ) والمعنى واضح. إفراد (أي) قال سيبويه قال عباس بن مرداس: (ولقد علمتُ إذا الرجالُ تَناهزوا ... أيِّيْ وأيُّكُمُ أعزُّ وأمنعُ) إني امرؤُ منعَ الإلهُ وأسرتي ... ضيمي، ويحملني فؤادُ أروع تَناهزوا: بدر بعضهم إلى بعض للقتال، وأسرته: رهطه الأدنَوْن، والضيم: القهرْ والذل، الأروع: الذكي الحاد. والشاهد فيه إفراد (أي) لكل واحد من الاسمين. والشعر في الكتاب منسوب إلى خِداش، ورأيته في شعر عباس. إدخال الكاف على الضمير اضطراراً قال سيبويه في باب (ما لا يجوز فيه الإضمار من حروف الجر) بعد ذكره أنهم استغنوا عن أن يدخلوا (حتى) إلى اسم مضمر بقولهم: (دعه إليه) فاستغنوا بإدخال (إلى) على المضمر عن إدخال (حتى) عليه. ثم قال: (كما استغنوا بـ (مثليْ ومثله) عن (كِيْ وكَهُ).

стр. 497

يريد أنهم لا يُدخلون كاف التشبيه على المضمر، استغنوا عن ذلك بإدخال (مثل) كما استغنوا باستعمال (إلى) في المضمر عن استعمال (حتى). ثم قال: (إلا أن الشعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف، فيجرونها على القياس). قال العجاج: نَحَّى الذُّباباتِ شِمالاً كثبا (وأمُّ أوعالٍ كها أو أقربا) ذاتَ اليمين غيرَ ما إنْ يَنْكبا الشاهد فيه أنه اضطر فأدخل الكاف على الضمير. والذبابات مكان بعينه، وأم أوعال هضبة بعينها، والكثب القريب، ويَنْكب: يجور، وفي (نحى) ضمير يعود إلى حمار وحش ذكره. وقوله: (نَحَّى الذُّبابات) يعني أنه مضى في عدوه ناحية من الذُّبابات، فكأنه نحاها عن طريقه، وهي عن شماله في الموضع الذي عدا فيه بالقرب من الموضعْ وليست ببعيدة. وأم أوعال من الموضع الذي عدا فيه (كها) كالذُّبابات منه أو أقرب إليه منها. والضمير الداخل عليه الكاف، هو ضمير الذبابات، والهضبة التي هي أم أوعال هي عن يمينه مثل الذبابات عن شماله. وقوله: (غيرَ ما إنْ يَنْكبا) يقول: هما عن يمين طريقهْ وشماله، ومقدار ما بين كل واحد من الموضعينْ وبين طريقه متقارب، إلا أن يجور في

стр. 498

عدوه فتصير الذبابات - إنْ مال إليها في العدو - أقرب من أم أوعال، وإنْ مال في العدو إلى أم أوعال، صارت أقرب إليه من الذبابات. و (أم أوعال) رفع بالابتداء، و (كها) خبرها. قولهم (ليتي) ضرورة قال سيبويه في باب الضمير: (وقد قالت الشعراء (ليتي) إذا اضطروا، كأنهم شبهوه بالاسم حيث قالوا: الضاربي). يريد أنهم اضطروا إلى حذف النون التي تكون مع الياء التي هي ضمير المتكلم. قال زيد الخيل الطائي: تمنَّى مَزْيَدُ زيداً فلاقى ... أخا ثقةٍ إذا اختلفَ العوالي (كمُنيةِ جابرٍ إذ قال ليتي ... أُصادفُهْ وأفقِدُ بعضَ مالي) مَزْيَد: رجل من بني أسد كان يتمنى أن يلقى زيد الخيل، فلقيه زيد الخيل، فطعنه، فهرب منه، فقال زيد في ذلك شعراً أوله ما أنشدته. وقوله: (أخا ثقةٍ) أي يوثق بشجاعتهْ وصبره، والعوالي: عوالي الرماح، جمع عالية، والعالية من الرمح: ما يلي الموضع الذي يركب فيه السنان. وقوله (كمُنيةِ جابر) يريد أن مزيداً تمنى أن يلقاه كما تمنى جابر، وكلاهما لقي منه ما يكره.

стр. 499

حذف لام الأمرْ وإبقاء عملها - ضرورة قال سيبويه: (واعلم أن هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر يريد اللام التي تدخل على فعل الأمر وتعمل مضمرة، كأنهم شبهوها بـ (أنْ) إذ عملت مضمرة). قال متمم بن نويرة: وكلُّ امرئٍ يوماًْ وإنْ عاشَ حِقبةً ... له غايةُ يَجري إليهاْ ومُنْتهَى (على مثل أصحابِ البَعوضةِ فاْخُمشي ... - لك الويل - حُرَّ الوجه أو يبكِ مَن بَكَى) الشاهد في قوله (أو يبكِّ) وهو أمر للغائب، والأمر للغائب يكون بالفعل المضارعْ ويدخل عليه اللام، فلما اضطر حذف اللام. وكان أبو العباس يدفع هذا القولْ ويقول: إن قوله (فاْخُمشي) في معنى (فلتخمشي) فعطف (أو يبكِ) على تقدير فلتخمشي، ولم يجزمه بلام محذوفة. وهذا القول لا يُخرج الشاعر عن أن يكون مضطراً، وجعله أبو العباس مضطراً إلى أن يعدل فعل الأمر الذي للمخاطبْ والمبني في تقدير الأمر بالفعل المضارع الذي تدخل عليه اللام. وليس يدفع أن فعل الأمر قد يضطر

стр. 500

الشاعر إلى حذف اللام منه، وإذا كان هذا سائغاً، لم يمتنع أن نقدر اللام في (يبك من بكى). والبعوضة: مكان بعينه، قتل فيه أخوه مالك بن نويرةْ وجماعة من بني يربوع. يقول لها: على مثل هؤلاء القوم فاخدشي وجهك، وليبك من كان باكياً على مثلهم. ولو عاش حقبة يرونه ودهراً طويلاً، وليس يراد به سنة واحدة، والحقبة: السنةْ وجمعها حِقب واستعمل لفظ الواحد لمعنى الجمع. يقول: كل امرئ يجري إلى غاية ينتهي - مدةَ حياته - إليها، ثم يموت. في عمل (إذن) قال سيبويه في باب (إذاً): (ومن ذلك قولك: إن تأتني إذاً آتك، لأن الفعل معتمد على ما قبل (إذاً). يريد أنّ (إذن) إذا كانت في أول الكلام نصبت الفعل، وإن دخلت في حشو الكلام - والفعل الذي بعدها معلق بما قبله - ألغيت، كهذه المسألة التي ذكر، لأن الشرط إذا أتى فهو محتاج إلى جواب، وجوابه فعل مجزوم أو جملة في أولها الفاء فإذا أدخل (إذاً) على المجزومْ وهو جواب الشرط، لم يَجُز أن تعمل فيه، لأنه معلق بالشرط الذي قبله. ومثله: أن تدخل (إذاً) بين الابتداءْ وخبره، فلا تعمل شيئاً. وقد ذكره سيبويه ثم قال: (وليس هذا كقول ابن عَنَمة:

стр. 501

(أُرْدُدْ حمارَكَ لا تُنْزَعْ سَوِيّتهُ ... إذن يُردَ وقَيْدُ العَيْرِ مكروبُ) الشاهد على نصب (يرد) بـ (إذن) وليس الفعل الذي بعد (إذاً) معتمداً على ما قبلها، لأن الكلام الأول قد تمْ واستأنف الكلام بـ (إذاً). وقوله: (أُرْدُدْ حمارَكَ) مَثَل، أي لا تتعرض لنا. والسوية: كساء يحشىْ ويطرح على ظهر الحمار. يقول: إن لم تردده لا تؤخذ منه السوية التي على ظهره. وقوله: لا تُنْزَعْ سَوِيّتهُ، جواب الأمر، كأنه قال: إن تردده لا تُنزع سويته. وقوله (إذن يُردَ) استئناف، كأنه لما قال له: اردد حمارَكَ. قال: لا أفعل. فقال له مجيباً عن كلامه: إذن يرد. والمكروب: الموثق بالكَرَبْ وهو عَقد الحبل بعد عقده، وأراد أنه كان يقطع قوائمه بالسيف فيسقط فلا يتحرك. ويروى: (لا يرتع بروضتنا) أي لا يأكل منها. العطف بالظاهر على المضمر المرفوع قال سيبويه في باب الضمير، وأنه لا يُعطف على الضمير

стр. 502

المرفوع المتصل حتى يؤكد: (وقد جاء في الشعر. قال عمر بن أبي ربيعة: (قلتُ إذْ أقبلتْ وزُهْرُ تهادى ... كنِعاجِ المَلا تعسَّفْنَ رَمْلا) قد تَنَقبْنَ بالحريرْ وأبْدَيْنَ ... عيوناً حورَ المدامعِ نُجلا الشاهد فيه أنه عطف على الضمير في (أقبلتْ) من غير أن يؤكده. والزُهْرُ: جمع زهراءْ وهي البيضاء. وتهادى: تميل في مشيها يميناً وشمالاً، والنِعاج: نِعاج الوحش، والمَلا: الصحراء، وتعسفن رَمْلا: يريد أن هؤلاء النسوة يمشين كمشي نِعاج الوحش إذا وقعت في الرمل، فهن ينقلن قوائمهن نقلاً بطيئاً، وتتحرك أحشاؤهن لتكلفهن نقل قوائمهن. شبه مشي النساء بمشي بقر الوحش التي قد وقعت في رمل متعقد يتعب من مشى فيه. ويروى: قلتُ إذْ أقبلتْ تَهادى رويداً ولا شاهد فيه على هذه الرواية. ويروى: (كنِعاج المهاّ) والمها: بقر الوحش. وأراد: قد تنقبن من حرير. وحورَ المدامع يريد أنهن كحل العيون، بيض الخدود. والنجل: الواسعةْ وهو جمع نجلاء. يقال عين نجلاء أي واسعة.

стр. 503

نصب (غير) على الاستثناء المنقطع قال سيبويه قال الفرزدق: فإنْ أكُ محبوساً بغيرِ جَريرةٍ ... فقد أخذوني آمِناً غيرَ خائفِ (وما سجنوني غيرَ أني ابنُ غالبٍ ... وأني من الأثرَين غيرِ الزعانفِ) الشاهد فيه على أنه نصب (غير) على الاستثناء المنقطع. والذي حبسهْ وسجنه خالد بن عبد الله القسري، وكان من قسِل هشام على العراق. وقوله: فقد أخذوني آمِناً: يريد أنه لم يذنب فيَحذر، وأنه أُخذْ وهو آمن من السلطان، ولم يكن عنده أنه يطلب. والأثرَوْن: جمع الأثرَىْ وهو الأغنى، يريد أنه أغنى من غيره. وأراد بالأثرَين الأغنياء من المكارمْ والحسبْ والرفعةْ والشرف. والزعانف: رُذال القومْ والملصَقون بهم. العطف بالجر على الكلام الأول كأن اللام مذكورة فيه قال سيبويه في الجواب بالفاء. قال الفرزدق: فقلتُ لها الحاجاتُ يَطْرَحْنَ بالفتى ... وهَمُّ تعنّاني مُعَنّى ركائِبُهْ (وما زرتُ سلمى أنْ تكونَ حبيبة ... إليّ ولا دَيْنٍ بها أنا طالبُهْ)

стр. 504

ولكِنْ أتينا خِنْدِفِيّا كأنّه ... هلالُ غيومٍ زال عنه سَحائِبُهْ الشاهد فيه أنه جر (دَيْن) على أنه توهم أن اللام مذكورة في قوله: (أنْ تكونَ حبيبةّ) ومعناه: لأن تكونَ حبيبة، فلما كان المعنى معني اللام، عطف على الكلام الأول كأن اللام مذكورة. وسلمى أحد جبلَيْ طيّئ. وسبب هذا الشعر أن الفرزدق نزل بامرأة من العرب من طيئ، فقالت له: ألا أدلك على رجل يعطيْ ولا يُليق شيئاً. فقال: بلى. فدلته على المطلب بن عبد الله بن حَنظب المخزومي. وكان مروان بن الحكم خاله، وبعث به مروان على صدقات طيئ، ومروان عامل معاوية يومئذ على المدينة. فلما أتى الفرزدق المطلبَْ وانتسب له، رحب بهْ وأكرمه، وأعطاه عشرين أو ثلاثين بَكرة، فأعطى الطائية بكرة. وقال هذه القصيدة.

стр. 505

والمُعَنى: المتعب، والركائب: جمع رِكابْ وهي الإبل التي يركبونهاْ ويسار عليها. رفع جواب الأمر بَدل جزمه قال سيبويه قال صفوان بن محرث الكناني: بني أسدٍ أغنُوا سُليماً لديكُمُ ... ستغني تميمُ عنكمُ غَطفانا (وكونوا كمن آسَى أخاه بنفسه ... نموتُ جميعاً أو نعيشُ كِلانا) كذا أنشد سيبويه. والشاهد فيه أنه رفع (نعيشّ) ولم يجعله جواباً لفعل الأمرْ وهو (كونوا). والذي رأيته في شعره: (فنحيا جميعاً أو نموتُ كِلانا) ولا شاهد فيه على هذا الإنشاد. وسبب هذا الشعر أن البرّاض الكِناني قتل عروة الجعفري، فهاجت الحرب بين قيسْ وخِنْدِف. وأسدْ وكنانة أخوان، ابنا خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.

стр. 506

يقول لهم: أغنوني اخوتكم. وأغنوا عنهم سُليماً، أي ادفعوا عنهم بني سليم فإن بني تميم ستدفع غطفان. رتب كل قبيلة من خِنْدِف بإزاء كل قبيلة من قيس. فجعل تميماً بازاء غطفانْ وبني أسد بازاء سليم، وكانت قريشْ وكنانة بازاء بني عامر بن صعصعة. وتميم هو تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر. يقول لبني أسد: أنتم اخوتنا، فكونوا مواسين لنا. نعيش جميعاً أي مجتمعين في الحياة، أو نموت كلانا. و (كلانا) توكيد للضمير في (نموت) وإنما استعمل قوله (كلانا) لأنه أراد حيَّيْ كنانةْ وأسد. إلغاء عمل (ما) لدخول (إنْ) عليها قال سيبويه في باب (إنْ) الخفيفة: (فتصرف الكلام إلى الابتداء، كما صرفتها ما إلى الابتداء. وذلك قولك: ما إنْ زيد ذاهب). يريد أنّ (إنْ) هذه الخفيفة إذا دخلت بعد (ما) التي للنفي، لم تعمل (ما) عمل ليس على مذهب أهل الحجاز، لأن (إنْ) كفتها عن العمل. وقوله: (كما صرفتها ما) يعني كما صرفت (ما) إنّ المشددة عن عملها في قولك: إنما زيد قائم. و (ما) صرفت إنّ المشددة عن العمل في (إنما)، و (إنْ) المخففة صرفت (ما) عن العمل. قال فروة بن مُسيك: فإنْ نُهزَمْ فهزّامون قِدماً ... وإنْ نُغْلبْ فغيرُ مُغلبينا

стр. 507

(فما إنْ طِبّنا جُبنُ ولكنْ ... مناياناْ ودولةُ آخَرينا) الشاهد فيه أنه ألغى عمل (ما) لما دخلت (إنْ) عليها. ويقال: ما طِب فلان كذاْ وكذا، أي ليس هو من شأنه. ويقول الرجل للرجل يعامله: ما طِبي أن أخدعك، يريد ليس من شأني أن أخدعك. يقول: ليس الجبن من شأننا. وقوله: (فإنْ نُهزَمْ فهزّامون قِدماً) يقول: إن انهزمنا في هذه الوقعة فقد هَزمنا الناسَ قبلها مراراً كثيرة. والمُغلب: الذي يُغلب كثيراً. يقول: نحن غير مغلبين. يقول: ليست العادة أن يغلبنا الناس، بل العادة أن نغلبهم، ولكن هذه الوقعة هُزمنا فيها لأنه كانت منايانا قد حضرت، وقُدرت الدولة لغيرنا، فلم يمكنا دفعهم. و (منايانا) مرفوع بإضمار فعل، معناه: ْ ولكن قدرت مناياناْ ودولة قوم آخرين. حذف الفاء من جواب الشرط قال سيبويه في باب الجزاء، قال كعب بن مالك الأنصاري: فإنما هذه الدنياْ وزينتُها ... كالزادِ لابد يوماً أنه فانِ

стр. 508

(من يفعل الحسناتِ اللهُ يشكرُها ... والشرُّ بالشرِ عند الله مِثْلانِ) الشاهد فيه أنه حذف الفاء من جواب الشرط. وكان ينبغي أن يقول: فالله يشكرها. والمعنى أنه مَن فعل خيراً شكره الله وضاعفه، ومَن فعل سوءاً فعل به مثله. ويروى: من يفعلِ الخيرَ فالرحمنُ يشكرُهُ ولا شاهد فيه على هذه الرواية. الرفع على البدل في اللغة التميمية قال سيبويه في الاستثناء، قال: غيلان بن حُريث: تهدَى لزُغْبٍ دارُهُنّ دارُها دَرادِقُ لمّا تطِرْ صغارُها لم يَغْذُها الرِسْلُ ولا أيسارُها (إلا طريُّ اللحمِْ واستجزارُها)

стр. 509

الشاهد فيه أنه أبدل (طري اللحم) من (الرِسْل). والرِسْل: اللبن. وهو في تأويل: لم يغذها الطعام إلا طري اللحم. وصف عُقاباً وفراخها، والزغب: فراخ العقابْ وغيرها من الطير. دارهن دارها: لأنهن في وكرها يكن، والدَرادِقُ: الصغار، لما تطر، يقول: لم تقو على الطيران، لم يغذها اللبن لأن العقاب لا لبن لها، ولا أيسارها: يريد أنها لم تأخذ من اللحم الذي يتقامر عليه الأيسار، إنما لحمها مما تصيد من الصحراء، وطري اللحم: يعني به ما تصيده عند حاجتها إلى اللحم، واستجزارُها: أخذها الصيدْ وتقطيعها لحمه. ومثله: (فتركته جَزَرَ السباع) يريد أن السباع تقطّع لحمها. العطف بـ (أو) قال سيبويه: (وتقول: ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا، وليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا، فـ (هل) هاهنا بمنزلتها في الاستفهام إذا قلت هل تأتينا أو تحدثنا). وإنما يريد أن (أو) يُعطف بها في هذه المواضع، لأنه قد يجوز الاقتصار على الكلام الأول لو قلت: ليتَ شعري هل تأتينا، جاز. وقول سيبويه (فهل هاهنا بمنزلتها في الاستفهام) يريد أنك إذا استفهمت فقلت: هل تأتيني أو تحدثني، عطفت بـ (أو)، وأم لا تكون

стр. 510

عاطفة لما بعدها - من اسم أو فعل - على ما قبلها، وإنما تكون (أم) عاطفة على ما بعد الألف، ولا يكون هذا في (هل). ثم قال سيبويه: (فإنما دخلت (هل) هاهنا، لأنك إنما تقول: أعلمني، كما أردت ذلك حين قلت: هل تأتينا أو تحدثنا). يريد: إنما تأتي بقولك (ليت شعري) وبعده (هل تأتينا) لأنك تريد: ليت علمي بالشيء الذي أستفهم عنه - إذا أردتُ استعلامه بقولي: هل تأتينا أو تحدثنا - واقعُ أو كائنْ وما أشبه ذلك. وهذا كثير في الكلام. ومثله: أعلمُ هل قام زيد، أي أعلم الشيء الذي تعلمه إذا استعلمت بقولك: هل قام زيد. ثم قال سيبويه: (فجرى هذا مجرى قوله (هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون). وقال زهير: (ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأَمرِ أو يبدو لهم ما بدا ليا)

стр. 511

يبدو: يظهر. يقول: ليت شعري، هل يرى الناس - من أحوال الدنياْ وتغيرها، وزوال النعم عن الملوك - ما أراه أنا. وأرى: من رؤية القلب. وقوله: ما أرى من الأمر (ما) بمعنى الذي، والعائد إليه ضمير محذوف هو المفعول الأول، تقديره: ما أراه من الأمر. يريد من أمور الدنياْ وأحوالها. والمفعول الثاني في قوله: (هل يرى الناس) محذوف، كأنه قال: هل يرى الناس من الأمور ما أراه منها؟ فاكتفى بالمفعول الثاني في قوله: (ما أرى من الأَمر) عن ذكر المفعول الثاني في الفعل الأول. أو يبدو لهم ما بدا ليا: أي يظهر لهم من معرفة الدنيا ما يظهر لي. وقال مالك بن الريب: (ألا ليت شِعري هل تغيرتِ الرَّحَى ... رَحَى الحَزْنِ أو أضْحَتْ بْفَلجٍ كما هيا) الحَزْن: موضع. ويروى: رَحَى المِثْل. والرَّحَى: موضع عال فيه استدارة، وفَلج: موضع بعينه، والحَزْن: موضع بعينه. والحزن: المكان الغليظ، فأراد الحزن الذي عند فَلج، فلذلك قال: أو أضْحَتْ بْفَلج. وفي (أضْحَتْ) ضمير يعود إلى الرحى.

стр. 512

النصب بعد فاء السببية قال سيبويه: (وسألته عن قول ابن زهير: (ومن لا يُقدِّمْ رِجْله مطمئنةً ... فيثبتها في مستوَى الأرضِ يَزْلقِ) أكفُّ لساني عن صديقي فإن أُجأْ ... إليه فإني عارقُ كلَّ مَعرَقِ فقال - يعني الخليل -: (النصب في هذا جيد). يريد نصب (يثبتها) على الجواب بالفاء، ويكون معناه: من لا يقدم رجله مثبتاً لها. وقول سيبويه: (لأنه أراد من المعنى ما أراد في قوله: لا تأتينا إلا لم تحدثنا. أي من لا يقدم إلا لم يثبتْ، زلق). معناه: ما تأتينا إلا غير محدث. وقوله: إلا غير محدث مثل معنى: ما تأتينا محدثاً. يريد: من لا يضع رجله إذا مشى في موضع يتأمله قبل أن يضعها يزلق. وهذا على طريق المَثَل. يريد: من لم يتأمل ما يريد أن يفعله قبل أن يفعله، لم يأمن أن يقع في أمر يكون فيه عَطبُه، ومعنى أُجاء: ألجأ، يقال: أجأته إلى كذاْ وكذا أي ألجأته. والعارق: الذي يأخذ اللحم عن العظم بفمه. يقول: أنا أكف لساني

стр. 513

عن ذكر صديقي بالقبيحْ وهجوه، فإن اضطررت إليه - لشيءٍ فعله بي من القبيح - لم أُبق عليه، وتناهيت في انتقامي منه. حذف الموصوفْ وإقامة الصفة مقامه قال سيبويه في الاستثناء، قال ابن مقبل: (وما الدهرُ إلا تارتان فمنهما: ... أموتُ، وأخرى أبتغي العيشَ أكدَحُ) الشاهد فيه أنه حذف الموصوفْ وأقام الصفة مقامه. والمعنى: فمنهما تارة أموت فيها، وتارة أخرى أبتغي فيها المعاش. وتارتان: مرتان. يريد أن الانسان بين حالتين كلتاهما فيها له أذىْ وعليه مشقة: إما أن يكون جلداً قوياً شاباً فهو يكدحْ ويكد في طلب المعاش، وإما أن يكون شيخاً فانياً لا يمكنه التصرف فهو بمنزلة الميت. و (الدهرُ) مبتدأْ و (تارتان) خبرهْ و (أموت) في موضع رفع لأنه قام صفة مبتدأ. وتقديره: فمنهما تارةُ أموت فيها. و (منهما) خبر المبتدأ. في فتح همزة (أنّ) قال سيبويه في أبواب (إنّ): (وزعم الخليل أن مثل ذلك قوله : (ألم يعلموا أنه من يحادد اللهَ ورسوله فإنَّ له نار جهنم).

стр. 514

قدم سيبويه قبل هذه الحكاية عن الخليل، أنّ (أنّ) قد تكون بدلاً في قوله تعالى: (أيَعِدُكم إذا مِتّمْ وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون). ذكر أن (أنكم) الثاني بدل من (أنكم) الأول، وذكر مسائل فيها مثل هذا الحكم. ثم قال: وزعم أن مثل ذلك - يريد: مثل مجيء (أنّ) المفتوحة المشددة بعد تقدم (أنّ) المشددة التي هي مثلها - قوله تعالى: (ألم يعلموا أنه من يحادد اللهَ ورسوله فأنّ له نار جهنم). وليس يريد أن قوله تعالى: (فإنّ له نار جهنم) بدل من قوله (إنه من يحادد اللهَ) وإنما يريد أنّ (أنّ) جاءت مفتوحة بعد (أنّ) المفتوحة التي تقدمتها من قبل أن يتم الكلام الذي فيه (أنّ) الأولى. ولا يجوز أن تكون (أنّ) في هذه الآية بدلاً، لأن الفاء فيها، ولا تكون (أنّ) التي بعد الفاء بدلاً من (أنّ) التي قبلها، لأنها لو كانت بدلاً، ما دخلت الفاء عليها. ومع هذا (أنّ) التي تكون بدلاً، يكون اسمها هو اسم (أنّ) التي قبلها، وهنا: (فإنّ له نار جهنم) ليس من هذا في شيء. وإنما أتى به سيبويه لأجل أنّ (أنّ) مفتوحة بعد فتح (أنّ) الأولى من قبل أن يتم الكلام الذي فيه (أنّ) الأولى. و (أنّ) التي بعد الفاء، في موضع رفع بالابتداءْ وخبرها محذوفْ وتقديره: فله أنّ له نار جهنم.

стр. 515

ثم قال سيبويه: (ولو قال (فإنّ) كانت عربية جيدة). يريدْ ولو قال: فإنّ له نار جهنم، بالكسر. وجودة هذا الوجه واضحة، لأن الفاءْ ومل بعدها جواب الشرط، وهو في حكم كلام مستأنف، والفاء في جواب الشرط تدخل على المبتدأْ وخبره، كقولك: إن تأتني فأنت محسن، و (إنّ) المكسورة تدخل في الموضع الذي يدخل فيه الابتداء. وأنشد لابن مقبل: وعِلمي بأَسدامِ المياهِ فلم تَزَلْ ... قلائصُ تُحدَى في طريقٍ طلائحُ (وأني إذا ملتْ رِكابي مُناخَها ... فإني على حظي من الأمرِ جامحُ) الشاهد فيه كسر (إنّ) التي بعد الفاء. واسدام المياه: جمع سُدُمْ وهو الماء المندفن، والطلائح: المُعيية، الواحدة طليح. و (عِلمي) معطوف على شيء قبله، ويجوز أن يكون مبتدأْ وخبره محذوف كأنه قال: وعِلمي بأسدام المياه علم بيِّن لا لبس فيه.

стр. 516

يريد أنه يعرف الفلوات، ومجاهيل الأرض، والمياه المندفنة، لكثرة أسفاره. وقوله: فلم تَزَلْ قلائصُ، يريد قلائصه التي يسير عليها، تحدى: يحدوها هو. و (أني إذا ملت رِكابي) معطوف على ما عملت فيه الباء من قوله (بأسدام المياه) كأنه قال: علمي بأسدام المياهْ وبأني إذا ملت ركابي. والركاب: الإبل، ومُناخها: الموضع الذي أنيخت فيه. يريد أن إبله إذا كرهت المقام في موضع رحلت عنه، وجعل كراهته للمقام في موضع، كأنه كراهة لإبله. يريد أنه يفعل ما عنده أنه صواب. والجامح: الممتنع يريد أنه يمتنع من فعل ما لا يرى أنه صواب. وقد فسرتُ الشعر على ما وجدته في الكتاب. وفي ديوان ابن مقبل: نبا ما نبا عني من الدهر ماجِداً ... أُكارمُ مَن آخيتهْ واُسامحُ وإني إذا ملت ركابي مُناخَها ... ركبتُ ولم تعجِزُ عليّ المنادحُ وإني إذا ضنّ الرَّفودُ برِفده ... لمُخْتبِطُ من تالد المال جازحُ وعاودتُ أسدامَ المياهِ فلم تزَلْ ... قلائصُ تحتي في طريقٍ طلائحُ

стр. 517

نبا ما نبا عني من الدهر: يريد أنه ذهب عنه من الدهر ما ذهبْ وهو ماجدْ والمنادحُ: جمع مُنْتدحْ وهو المتسع من الأرض، والرَّفودُ: الذي يعطي الناسْ ويزيدهم، والمُخْتبِطُ: الطالبْ والسائل، وأصله الرجل الذي يخبط الشجر، يضربها ليسقط ورقها فيُعلفه إبله. وتالد المال: قديمه، والجازحُ: القاطع قطعة من المال، يقال: جزحت له من المال جَزحاً أي قطعت، وعاودتُ أسدامَ المياهِ: قصدتها في سفري مرة بعد مرة. واعلمْ أن خلاف الإنشاد إذا وقع في مثل ذا الموقع، لا ينبغي أن ينسبه أحد إلى اضطراب سيبويه، وإنما الرواية تختلف في الإنشاد، ويسمعه سيبويه ينشد على بعض الروايات التي له فيها حجة، فينشده على ما سمعه. ويرويه راوٍ آخر على وجه آخر لا حجة فيه، والرواة المختلفون إنما أخذوه من أفواه العرب الذين يحفظون الأشعار فالتغيير في الإنشاد واقع من جهتهم. والشواهد - في كل رواية صحيحة، لأن العربي الذي غيّر الشعر - وأنشده على وجه دون وجه قوله حجة، ولو كان الشعر له لكان يحتج به. ألا ترى أن الحطيئة راوية زهير، وكثيراً راوية جميل. . . والراويْ والمروي عنه كلاهما حجة. رفع الفعل في جواب (إذا) قال سيبويه في الجزاء. قال كعب بن زهير: (وإذا ما أشاءُ أبعث منها ... مَغربَ الشمسِ ناشطاً مذعوراً)

стр. 518

ذا وشُومٍ كأنَّ جلدَ شَواهُ ... في ديابيجَ أو كسينَ نُمورا الشاهد فيه أنه لم يجزم الفعل بـ (إذا ما) وجعل الفعل بعدها مرفوعاً وهذا هو الوجه. والضمير في (منها) يعود إلى ناقته، والناشط: الثور الوحشي الذي يجيء من بلد إلى بلد. وأراد أنه إذا بعث ناقته للسير، فكأنه بعث ببعثه إياها ثوراً وحشياً قد خرج من أرض إلى أرض لشيء خافه، فهو يعدو أشد العدو. وقوله: مغرب الشمس، يريد أنه يبعث منها في ذلك الوقت. والوشوم: الخطوط التي في قوائم الثور، والشوى: أطرافه، يداهْ ورجلاه. والديابيج: جمع ديباج. شبّه جلد قوائمه بالديباج للخطوط التي فيها، أو كسين نموراً: أي جلد نمور. يعني أن جلد قوائمه يشبه ألوان النمور للنقط التي فيها من السواد. وقال ذو الرمة: (تُصغي إذا شَدَها بالرَّحْلِ جانحةً ... حتى إذا ما استوى في غَرْزها تَثِبُ)

стр. 519

الشاهد فيه أنه لم يجزم الفعل في جواب (إذا) وهو الوجه الجيد. والجزم بـ (إذا) يجوز في ضرورة الشعر. وفي (تصغي) ضمير يعود إلى الراحلة. وتصغي: تُميل رأسها كأنها تستمع. يريد أنها مؤدبة ليست بنفور، ولا تضجر إذا شُدّ الرحل عليها. والكور: الرحلْ والجمع أكوار، والغَرز للناقة بمنزلة الركاب للدابة، والجانحة: المائلة. يعني أنها قد مالت إلى ناحية الراكب. وأراد أن راكبها إذا وضع رجله اليسرى في الغرز، وثبتْ من قبل أن يستوي على ظهرها. عنى بذلك أنها نشيطة حديدة الفؤاد. وقد عيب عليه هذا المعنى. وزعموا أن أعرابياً سمعه ينشد القصيدة، فلما انتهى إلى قوله. (حتى إذا ما استوى في غرزها تثب) قال: سقطْ والله الرجل، وحكَوا أن أبا عمرو بن العلاء قال له: أتُنشدني: ما بالُ عَينيْكَ منها الماء ينسكبُ. . . فأنشده حتى انتهى إلى قوله: (حتى إذا ما استوى في غرزها تثب) فقال أبو عمرو: ما قال عمك الراعي الحسن: وَهْيَ إذا قام في غَرْزها ... كمِثل السفينة أو أوقرُ

стр. 520

ولا تُعْجِلِ المرَء قبل الركوبِ ... وَهْيَ بِرِكْبَتِهِ أبصَرُ رفع جواب الشرط على تقدير التقديم قال سيبويه: (ولا يحسن (إنْ تأتِني آتيك) من قبل أنّ (إنْ) هي العاملة). يريد أنك إذا جئت في الشرط بفعل مجزوم، لم يحسن أن تأتي في الجواب بفعل مرفوعْ وتقدره مقدماً على الشرط، كما يُفعل ذلك إذا كان الشرط بفعل ماض. ثم قال: (وقد جاء في الشعر) يعني أنه قد أتى الفعل مرفوعاً بعد الفعل المجزوم في الشرط، ويقدَر فيه التقديم على (إنْ) (قال جرير بن عبد الله البَجَلي). (يا أقرعَ بنَ حابسٍ يا أقرعُ ... إنّك إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ) وجدت هذا الشعر في الكتاب منسوباً إلى جرير بن عبد الله البَجَلي، والشعر لغيره من بَجيلة. وقال أبو الخُثارم البجلي في منافرة بَجليةْ وكلب، وتحاكموا إلى الأقرع بن حابس، فقالت بَجلية: نحن اخوة نزارْ ولهم الأحاديث. فقال في ذلك أبو الخُثارم: يا أقرعَ بنَ حابسٍ يا أقرعُ ... إني أخوك فانظرَنْ ما تصنعُ

стр. 521

إنك إنْ تَصْرَعْ أخاك تُصرعوا ... إني أنا الداعي نزاراً فاسمعوا وجعل (تُصرعوا) للجماعة. يريد الأقرعْ وقومه. ولا شاهد فيه على هذا الوجه. ويروى هذا الرجز مجروراً، فمن رواه مجروراً أنشد: يا أقرعَ بنَ حابسٍ يا أقرعُ ... إني أنا الداعي نزاراً فاسمعِ في باذخٍ من عِزّةٍْ ومَفْزَعِ ... وقائمِاً ثُمَّتَ قلْ في المَجمعِ للمرء أرطاةٍ أنا ابنُ الأقرعِ ... ها إنّ ذا يومُ عُلاْ ومَجْمعِ ومنظرٍ لمن رأىْ ومسمعِ الإبدال في الاستثناء المنقطع - عند تميم قال سيبويه في الاستثناء، قال ضِرار بن الأزور: فلو سألتْ عنا جَنوبُ لخُبّرتْ ... عشيَّةَ سالتْ عَقْرَباءُ من الدَمِ (عشيَّة لا تُغني الرماحُ مكانَها ... ولا النَّبْلُ إلا المَشرَ فيُّ المصمِّمُ)

стр. 522

عَقْرَباءُ: موضع بعينه، وجَنوبُ: اسم امرأة. وأراد أنهم اقتتلوا بعَقْرَباءُ حتى سالت الدماء فيها. وقوله: لا تُغني الرماحُ مكانَها، لا تنفع في الموضع الذي هي فيه، أي رماحهم التي كانت معهم لم يقاتلوا بها لمّا تضايقوا، والنبل أسوأ حالاً من الرماح، وإنما يُنتفع بالنبل إذا تباعد ما بينهم مقدار الموضع الذي يقطعه السهم إذا رُمي به، وإذا تقاربوا شيئاً أخذوا الرماح، فإذا ضاق بهم المكان أخذوا السيوف. ومثله قول زهير: يطعَنُهُمْ ما ارتمَوْا حتى إذا اطَّعنوا ... ضاربَ حتى إذا ما ضاربوا اْعتَنَقا المشرفي: سيوف منسوبة إلى المشارف، وهي قرى تُعمل فيها السيوف، والمصمم: الذي يمضي في العظام. زيادة (لا) قال سيبويه في النفي: (وأما قول جرير: (ما بالُ جهلِكَ بعدَ الحِلْمِْ والدينِ ... وقد عَلاكَ مَشيبُ حينَ لا حِينِ) فإنما هي (حينَ حينِ) و (لا) بمنزلة (ما) إذا ألغيت).

стр. 523

جعل سيبويه (لا) زائدة في هذا الموضع. والمعنى أنه علاك مشيب حينَ حينِ نزول المشيب، يعني أنه لم يعجل في غير وقته. ومعناه واضح. جزم جواب (إذا) - ضرورة قال سيبويه في الجزاء: (قال بعض السلويين): (إذا لم تَزَلْ في كلِّ دارٍ عرفتها ... لها واكفُ من دمعِ عينيْكَ يَسْجُمِ) وفي بعض النسخ (تسكب)، كذا رأيته في الكتاب منسوباً إلى بعض السلويين: والشاهد فيه أنه جازى بـ (إذا) وجعل الفعل الذي هو جواب (إذا) مجزوماً. والشعر لجرير. قال جرير: أرى طائراً أشفقتُ من نَعَبانِهِ ... فإن فارقوا غَدْواً فما شئتَ فانْعَبِ إذا لم تزَلْ في كلِ دارٍ عرفتَها ... لها ذارفُ من دمع عينَيْكَ تَذْهَبِ النَّعبْ والنَّعَبان: صوت الطائر. وقوله: أشفقتُ من نَعَبانِه أي من صوته، لأنهم يتشاءمون بصوت الغراب، ويتشاءمون ببعض الطير

стр. 524

سوى الغربان. يقول له: أخِّر نعبانك إلى أن يرحلوا، فإذا فارقونا فانعب كيف شئت. ثم قال لنفسه: إذا لم تزل في كل دار. وفي (تزل) ضمير، هو الاسم، و (عرفتَها) وصف للدار. يريد عرفتها أنها نزلتها وحلتها. وذارفُ: سائلْ وهو مبتدأ، و (من دمع عينَيْكَ) وصف لـ (ذارفُ) و (لها) خبر (ذارفُ)، والجملة في موضع خبر (لم تزلّ) و (تذهب) جواب، وفاعله يحتمل أن يكون ضمير المخاطب. يريد أنه إذا أدام البكاء في كل دار عهد فيها أحبته؛ ذهبْ وتلف من حزنه عليهمْ وتذكره إياهم، ويحتمل أن يكون ضمير العينين، وأفرد الضميرْ ولم يقل: تذهبا، لأن العبارة بعين واحدة تراد به العينان في كثير من المواضع. حذف (لا) من جواب القسمْ وهو يريدها قال سيبويه في باب الأفعال، في القسم: (وقد يجوز لكْ وهو من كلام العرب أن تحذف (لا) وأنت تريد معناها، وذلك قولك: والله أفعل ذاك أبداً. تريدْ والله لا أفعل) ذاك. قال لقيط بن زُرارة:

стр. 525

ألا مَن رأى العبدَيْن إذْ ذُكرا له ... عديُّ وتيمُ تبتغي من تُحالفُ (فحالفُ فلاْ والله تهبطُ تَلعةً ... من الأرض إلا أنت للذل عارفُ) الشاهد فيه أنه حذف (لا) من جواب اليمينْ وهو يريدها، لأن حكمها باقٍ في الكلام. يريد: فلاْ والله لا تهبطُ تَلعة. وعديُّ وتيمُ ابنا عبد مناة بن أُدّ، وجعلهما بمنزلة العبدين لابتغائهما من يحالفهما. و (عديُّ وتيمُ) مرفوعان على خبر ابتداء، كأنه قال: هما عديْ وتيم. وأفرد (تبتغي) لأنه رجع إلى جملة القبيلة، تبتغي من يعاهدهاْ ويناصرها، ويعينها إن قصدها قوم. والجملة التي بعد (إلا) في موضع الحال. وقوله (فحالف) يريد الحي. فلذلك ذكرو أفرد. العطف على فعل الشرط قال سيبويه في الجواب، قال جحدر بن معاوية العُكْليّْ ويقال هو للخَطيم من الملاص: ولا تمْشِ في الحربِ الضَّراَء ولا تُطِعْ ... ذوي الضَّعفِ عند المأْزِقِ المتحفلِ

стр. 526

(ولا تَشْتمِ المولىْ وتبلغْ أذاتَه ... فإنك إنْ تفعلْ تسفهْْ وتَجْهلِ) الشاهد فيه أنه عطف (وتبلغْ) على (تَشْتمّْ) ولم يجعله جواباً. والمولى: ابن العم، والمولى: الحليف. وجوب نصب المستثنى المقدم قال سيبويه في الاستثناء، قال الكميت: (فما ليَ إلا آلَ أحمدَ شِيعةُ ... وما ليَ إلا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ) الشاهد فيه أنه نصب (آل أحمد) لمّا قدمه، ولو أخره لكان الوجهُ فيه البدل، وكان يقول: وما ليَ شِيعةُ إلا آلُ أحمد، فجعل (آلُ أحمد) بدلاً من (شِيعةُ) وكان يجوز فيه النصب على الاستثناء، فإذا تقدم لم يكن فيه إلا النصب، لأنه لا يجوز بدل الأول من الثاني، والمتقدم من المتأخر. ومَشْعَبَ الحَقِّ هاهنا بمنزلة شعب الحق. يريد الموضع الذي استقر فيه الحق. وذكر الشعب على طريق المثل.

стр. 527

(لا جرم) معناهاْ وعملها قال سيبويه: (وأما قوله جلْ وعز: (لا جرم أن لهم النار) فإن (جرم) عملت لأنها فعل، ومعناها: لقد حق أن لهم النار، ولقد استحق أن لهم النار). ثم قال: (فـ (جرم) قد عملت في (أن) عملها في قول الفزاري). كذا في الكتاب. والشعر لرجل من بني فزارة، والمطعون رجل من فزارة، وزعموا أن حِصن بن حذيفة الفزاري خرج لبعض شؤونه فلما كان بالحاجز، لقيه عداة من بني عامر بن صعصعة، فاقتتلوا، فهُزمت بنو عامر، وشد كرز العقيلي على حصنْ وهو لا يعرفه، فطعنه فقتله، فتتبعت بنو فزارة بني عامر، فقتلوهم قتلاً ذريعاً. فقال كرز لبني عامر: إني قد طعنت رجلاً منهم مُعْلِماً بسِبٍّ أصفر، فلما دنوت منه وجدت رائحة الطيب، وأرجو أن يكون من عظمائهم. فقال أبو أسماء بن الضريبة أو عطية بن عفيف: يا كُرزُ إنك قد فتكتَ بفارسٍ ... بطلٍ إذا هابَ الكماةُ مجرَّبِ (ولقد طعنْتَ أبا عُيينةَ طعنةً ... جَرَمَتْ فزارةَ بعدها أنْ يغضبوا)

стр. 528

وفي ظاهر الأمر أنه قد أقوى. ولو روي (بطل) على الرفع لجاز. وأبو عيينة هو حصن. الجزم بـ (إذا) اضطراراً قال سيبويه: (وقد جازوا بـ (إذا) مضطرين في الشعر، شبهوها بـ (إنْ) حيث رأوها لما يستقبل، وأنه لابد لها من جواب. قال ابن الخَطيم). (إذا قَصُرتْ أسيافنا كان وَصْلها ... خُطانا إلى أعدائنا فنضاربِ) وأضربُهم يوم الحَديقة حاسراً ... كأنّ يدي بالسيف مِخراقُ لاعبِ الشاهد فيه أنه جزم (نضاربّ) وعطفه على (كان) وكان، هي جواب (إذا) والماضي يستعمل في الجزاء في موضع المستقبل، فكأنّ التقدير أن (كان) في موضع (يكن) المجزومة، فلذلك عطف عليها فعلاً مجزوماً وهو (نضارب). والمعنى أن أسيافنا إذا لم تنل المضروبين، تقدمواْ وخطوا إلى من نقاتلهم حتى يضربوه.

стр. 529

الإبدال في الاستثناء المنقطع قال سيبويه في الاستثناء قال نزال بن غلاب، ويقال: جِران العَوْد: قد تدع المنزلَ يا لميسُ يعتسّ فيه السَّبُعُ الجَروسُ الذئبُ أو ذو لبدة هَموسُ بسابساً ليس به أنيسُ (إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ) الجَروس: الشديد الأكل. الشاهد فيه أنه رفع (اليعافير) وجعلها بدلاً من (أنيس). والهموس: الذي يطأ وطئاً خفياً، حتى لا يُسمع صوت وطئه، يعني الأسد. واللبدة: الشعر الذي على كتفهْ وأعلى ظهره.

стр. 530

في كسر همزة (إنّ) قال سيبويه قال الشَّمَرْدَلُ بن شُريك اليربوعيّ. (ألم تَرَ إنيْ وابن أسودَ ليلةً ... لنَسْري إلى نارَيْن يعلو سَناهما) إذا هَبطتْ أيدي الرِكابِ قرارةً ... بنا، مدّ عِلباوَيْهِ حتى يراهما الشاهد فيه أنه كسر (إني) لأن اللام في خبرها. ونسري: نسير بالليل، والسنا: ضوء النار، والقرارة: منخفض من الأرضْ والركاب: الإبل، والعِلباوان: عصبان في جانبي العنق. حتى يراهما: يعني النارين. يريد أن رفيقه الذي كان معه، وهو ابن أسود، كان إذا هبطا مكاناً - بعد ما رأيا النارين - يمد عنقه ليرى النار حتى يقصدها. وفي شمره: ألم تَرَ إنيْ وابن أسودَ ليلةً ... سَرَينا إلى نارَيْن. . . تجرد خبر عسى من (أنْ) قال سيبويه في باب من أبواب إنَّ، قال سماعة النعاميّ: إنا وجدنا العَجْرديَّ ابنَ قادر ... نَسيبَ العُمَيْريين شرَّ نسيبِ غَضوباً إذا لم يملأ الجارُ بطنَه ... وعند اهتضام الجار غيرُ غَضوبِ
следующие страницы →