Полный текст (770 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
(ولا تَشْتمِ المولىْ وتبلغْ أذاتَه ... فإنك إنْ تفعلْ تسفهْْ وتَجْهلِ)
الشاهد فيه أنه عطف (وتبلغْ) على (تَشْتمّْ) ولم يجعله جواباً. والمولى: ابن العم، والمولى: الحليف.
وجوب نصب المستثنى المقدم
قال سيبويه في الاستثناء، قال الكميت:
(فما ليَ إلا آلَ أحمدَ شِيعةُ ... وما ليَ إلا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ)
الشاهد فيه أنه نصب (آل أحمد) لمّا قدمه، ولو أخره لكان الوجهُ فيه البدل، وكان يقول: وما ليَ شِيعةُ إلا آلُ أحمد، فجعل (آلُ أحمد) بدلاً من (شِيعةُ) وكان يجوز فيه النصب على الاستثناء، فإذا تقدم لم يكن فيه إلا النصب، لأنه لا يجوز بدل الأول من الثاني، والمتقدم من المتأخر.
ومَشْعَبَ الحَقِّ هاهنا بمنزلة شعب الحق. يريد الموضع الذي استقر فيه الحق. وذكر الشعب على طريق المثل.
стр. 527
(لا جرم) معناهاْ وعملها
قال سيبويه: (وأما قوله جلْ وعز: (لا جرم أن لهم النار) فإن (جرم) عملت لأنها فعل، ومعناها: لقد حق أن لهم النار، ولقد استحق أن لهم النار). ثم قال: (فـ (جرم) قد عملت في (أن) عملها في قول الفزاري). كذا في الكتاب.
والشعر لرجل من بني فزارة، والمطعون رجل من فزارة، وزعموا أن حِصن بن حذيفة الفزاري خرج لبعض شؤونه فلما كان بالحاجز، لقيه عداة من بني عامر بن صعصعة، فاقتتلوا، فهُزمت بنو عامر، وشد كرز العقيلي على حصنْ وهو لا يعرفه، فطعنه فقتله، فتتبعت بنو فزارة بني عامر، فقتلوهم قتلاً ذريعاً.
فقال كرز لبني عامر: إني قد طعنت رجلاً منهم مُعْلِماً بسِبٍّ أصفر، فلما دنوت منه وجدت رائحة الطيب، وأرجو أن يكون من عظمائهم. فقال أبو أسماء بن الضريبة أو عطية بن عفيف:
يا كُرزُ إنك قد فتكتَ بفارسٍ ... بطلٍ إذا هابَ الكماةُ مجرَّبِ
(ولقد طعنْتَ أبا عُيينةَ طعنةً ... جَرَمَتْ فزارةَ بعدها أنْ يغضبوا)
стр. 528
وفي ظاهر الأمر أنه قد أقوى. ولو روي (بطل) على الرفع لجاز. وأبو عيينة هو حصن.
الجزم بـ (إذا) اضطراراً
قال سيبويه: (وقد جازوا بـ (إذا) مضطرين في الشعر، شبهوها بـ (إنْ) حيث رأوها لما يستقبل، وأنه لابد لها من جواب. قال ابن الخَطيم).
(إذا قَصُرتْ أسيافنا كان وَصْلها ... خُطانا إلى أعدائنا فنضاربِ)
وأضربُهم يوم الحَديقة حاسراً ... كأنّ يدي بالسيف مِخراقُ لاعبِ
الشاهد فيه أنه جزم (نضاربّ) وعطفه على (كان) وكان، هي جواب (إذا) والماضي يستعمل في الجزاء في موضع المستقبل، فكأنّ التقدير أن (كان) في موضع (يكن) المجزومة، فلذلك عطف عليها فعلاً مجزوماً وهو (نضارب).
والمعنى أن أسيافنا إذا لم تنل المضروبين، تقدمواْ وخطوا إلى من نقاتلهم حتى يضربوه.
стр. 529
الإبدال في الاستثناء المنقطع
قال سيبويه في الاستثناء قال نزال بن غلاب، ويقال: جِران العَوْد:
قد تدع المنزلَ يا لميسُ
يعتسّ فيه السَّبُعُ الجَروسُ
الذئبُ أو ذو لبدة هَموسُ
بسابساً ليس به أنيسُ
(إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ)
الجَروس: الشديد الأكل. الشاهد فيه أنه رفع (اليعافير) وجعلها بدلاً من (أنيس).
والهموس: الذي يطأ وطئاً خفياً، حتى لا يُسمع صوت وطئه، يعني الأسد. واللبدة: الشعر الذي على كتفهْ وأعلى ظهره.
стр. 530
في كسر همزة (إنّ)
قال سيبويه قال الشَّمَرْدَلُ بن شُريك اليربوعيّ.
(ألم تَرَ إنيْ وابن أسودَ ليلةً ... لنَسْري إلى نارَيْن يعلو سَناهما)
إذا هَبطتْ أيدي الرِكابِ قرارةً ... بنا، مدّ عِلباوَيْهِ حتى يراهما
الشاهد فيه أنه كسر (إني) لأن اللام في خبرها.
ونسري: نسير بالليل، والسنا: ضوء النار، والقرارة: منخفض من الأرضْ والركاب: الإبل، والعِلباوان: عصبان في جانبي العنق. حتى يراهما: يعني النارين.
يريد أن رفيقه الذي كان معه، وهو ابن أسود، كان إذا هبطا مكاناً - بعد ما رأيا النارين - يمد عنقه ليرى النار حتى يقصدها. وفي شمره:
ألم تَرَ إنيْ وابن أسودَ ليلةً ... سَرَينا إلى نارَيْن. . .
تجرد خبر عسى من (أنْ)
قال سيبويه في باب من أبواب إنَّ، قال سماعة النعاميّ:
إنا وجدنا العَجْرديَّ ابنَ قادر ... نَسيبَ العُمَيْريين شرَّ نسيبِ
غَضوباً إذا لم يملأ الجارُ بطنَه ... وعند اهتضام الجار غيرُ غَضوبِ
стр. 531
(عسى الله يُغني عن بِلادِ ابن قادرٍ ... بمنهمرٍ جَوْنِ الرَّباب سَكوبِ)
الشاهد فيه أنه أتى بالفعل بعد (عسى) وليست فيه (أن).
يهجو سماعة بهذا الشعر رجلاً من بني نمير ثم أحد بني عجرد، وكان يقال له ابن قادر، وكان له نسب في بني عمرو بن جذيمة بن نصر، واهتضام الجار: أن يظلمْ ويُؤذى.
يقول: هو يغضب على جاره إذا لم يطعمه، وإن ظلِم جارُه لم يغضب له. والمنهمر: المطر الكثير، والجَوْان الأسود، والرَّباب: جمع ربابةْ وهو سحاب دون سحاب، أي يسير تحت السحاب. والسكوب: الكثير الصب.
يقول: عسى الله أن يمطر بلادنا فتخصب فنتحول عن جوار ابن قادر.
قال سيبويه: (وأعلم أن من العرب من يقول (عسى يفعل) تشبيهاً بـ (كاد يفعل) فـ (يفعل) حينئذ في موضع الاسم المنصوب في قوله: عسى الغوير أبؤساً).
(الغوير) اسم عسىْ و (أبؤساً) مفعوله، وهو مثل اسم كانْ وخبرها،
стр. 532
وإذا جاز أن
يقع الاسم الذي هو غير (أنْ والفعل) في موضع مفعول (عسى) وأُجريت مُجرى (كان)، جاز أن يقع في موقع الاسم الفعلُ كما يجوز ذلك في (كان). قال هدبة بن الخشرم:
فقلت له: هداك اللهُ مهلاً ... وخيرُ القولِ ذو العَيَج المُصيبُ
(عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه ... يكون وراءه فرجُ قريبُ)
الشاهد فيه أنه أتى بـ (يكون)، ولم يدخل عليها (أنْ).
والعَيَج من القول: ما ينتفع به، وهو مأخوذ من قولهم: ما عِجت بكلامه أي ما انتفعت به، وكذا وجدته: العَيَج بفتح العينْ والياء.
وكان هدبة قد هرب من أرض قومه لأن السلطان طلبه لأجل قتله ابن عمه زيادة بن زيد.
التصدر - من شروط عمل (إذن)
قال سيبويه في باب (إذن): (ولو قلت: والله إذن أفعل. تريد أن تخبر أنك فاعل لم يجز، كما لا يجوز: (والله أذهب إذن) إذا
стр. 533
أخبرت أنك فاعل، فقبح هذا يدلك على أن الكلام معتمد على اليمين).
يريد أن القسم إذا جاء في أول الكلام، وجب أن يكون الفعل الذي يأتي بعده جوابه، وتكون (إذن) ملغاة فالفعل الواقع بعد (إذن) جواب، ولا يخلو من أن يكون إيجاباً أو نفياً، والفعل في جواب القسم إذا كان إيجاباً، تدخل عليه النون الثقيلة أو الخفيفة، ويدخل في أوله اللام.
فلو كان الفعل في هذه المسألة جواباً لليمين - وأنت تريد إثبات الفعل - لوجب أن تقول: (والله إذن لأفعلنّ) ولا يجوز في جواب القسم أن تقول: (والله أذهبُ) فكذا لا يجوز (والله إذن أفعلُ) وإن أردت أن يكون الجواب منفياً، صلح الكلام فقلت: (والله إذن لا أفعلُ). وتحذف (لا) وأنت تريدها فتقول: (والله إذن أفعلُ). قال
كثير:
حلفْتُ برب الراقصاتِ إلى مِنى ... يغولُ البلادَ نصّهاْ وذَميلها
(لئن عادَ لي عبدُ العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أُقيلها)
الرقص: ضرب من الخبب في العدو. حلف برب الإبل التي يسار عليها
стр. 534
إلى الحج، وتغول البلاد: تقطعها، والنصْ والذميل: ضربان من العدو. (لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها) أي بمثل المقالة التي كان قالها لي. وكان عبد العزيز وعد كثيّراً عِدَةً، فتأخر كثيّر عنه. فقال: لئن عاد لي عبد العزيز بعدة أخرى، سارعت إليها. ولا أُقيلها: لا أردها. ويروى (لا أفيلها) أي لا أفيل في التأخر عنهْ والتثبط عن تنجز ما وعدني به. وقال يَفيل: إذا ترك الرأي الجيد، وفعل ما لا ينبغي للعقلاء أن يفعلوه.
(أم) المنقطعةْ ومعناها
قال سيبويه: (ومن ذلك أيضاً (أعندك زيد أم لا) كأنه حيث قال: (أعندك زيد)، كان يظن أنه عنده، ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: (أم لا). يعني أن المستفهم قد يستفهم عن شيء يظن أنه كائن فيقول: أعندك زيد، فالسائل سألْ وهو يظن أن زيداً قد حصل عند المسؤول، فربما أدركه ظن غير ظنه الأول في أنّ زيداً ليس عند المسؤول فيأتي بـ (أم) ويجعل الذي بعدها جملة، وتكون (أم) هذه منقطعة.
يعني أن الكلام الذي بعدها منقطع عن الكلام الأول، ويكون في (أم) معنى الإضراب عن الكلام الأول، وإذا جاءت (أم) على هذا الوجه، جاز أن تأتي بعد جملة فيها استفهام، بعد جملة لا استفهام فيها.
وعلى كل وجه يكون الكلام بها في تقدير استفهام مستأنف، وقد أُضرب عن الكلام المتقدم.
стр. 535
قال كثيّر:
(أليس أبي بالنَّضْرِ أم ليس والدي ... لكلِّ نجيبٍ من خُزاعةَ أزْهَرا)
أراد النضر بن كنانة، وولدُ النضر هم قريش.
والشاهد فيه أنه جاء بـ (أم) منقطعةْ وفيها معنى الإضراب. والتقدير: أليس أبي النضر، بل أليس والدي لكل نجيب.
والأزهر: الأبيض، وأراد به أنه هو مشهور يضيء بحسنهْ وشرفه. ويروى:
أليس أبي بالصِّلتِ أم ليس اخوتي ... لكلِ هجانٍ من بني النَّضْر أزهرا
ويقال: إنه إنما قالها لأنه كان يزعم أنه من بني الصلت، والصلت من ولد النضر بن كنانة، وعنى بإخوته قبيصة بن ذئب الخزاعي، وكان أخا عبد الملك ابن مروان من الرضاعة، وكان على فلسطين استعمله عليها عبد الملك.
قال سيبويه: (وتقول: (أتضرب زيداً أو تشتم عمراً)، إذا أردت: هل يكون شيء من هذه الأفعال. وإن شئت قلت: (أتضرب زيداً
стр. 536
أو تشتم عمراً) على معنى: أيهما).
يريد أنك إذا عطفت بـ (أو) فأنت شاك في وقوع واحد من الأمرين، وإنما تستفهم لتعلم أوقع واحد منهما؟.
وإذا عطفت بـ (أم) فأنت مُدَع أن أحدهما كائنْ وإن لم تعرفه بعينه. وهذا الحكم ثابت في الأفعال المعطوف بعضها على بعض كثباته في الأسماء. نحو قولك: أزيد في الدار أم عمرو؟.
قال حسان:
رُبَّ حِلم أضاعه عدَمُ المالِ ... وجهلٍ غَطا عليه النعيمُ
(ما أُبالي أنَبَّ بالحَزْنِ تيسُ ... أم لحاني بظهرِ غيبٍ لئيمُ)
يعني أن الفقر قد يذهب بمحاسن الفقيرْ ومكارم أخلاقه، فإن الناس يطرحونه لأجل
فقره فلا تُعرف أخلاقه، فإن كان غنياً قصدوهْ وسألوه فعُرفت أخلاقه.
وقوله: (وجهلٍ غطا عليه النعيم) يعني أن الغنَى يسترعيب صاحبه لمحبة الناس للمالْ وإكرامهم للغني. والحزن: الغليظ من الأرض، والحَزن مكان بعينه في بلاد بني تميم. يقول: كلام اللئيم لي وعيبه لي، بمنزلة صياح التيس حين يصيح عند النزو. ولحاني: لامني.
стр. 537
في الحال
قال سيبويه: (وتقول: لأضربَنَّه ذهبَ أو مكثَ كأنه قال: لأضربنه ذاهباً أو ماكثاً، ولأضربنه إن ذهب أو مكث).
يعني أن الفعل الماضي قد وقع في هذا الموضع حالاً، وهذا لا يسوغ في كل موضع. وفيه معنى الشرط، كأنه قال: لأضربنه على كل حال. وقال زيادة العذريّ:
(إذا ما انتهى علمي تناهيتُ عنده ... أطالَ فأمْلى أو تناهى فأقصرا)
الشاهد فيه أنه عطف (تناهى) على الحال، كأنه قال: تناهيت عنده مطيلاً أو متناهياً. و (أطال) وزنه (أفعلَ) (فأملى) معطوف على (أطال)، (فأقصر) معطوف على (تناهى). وقوله: أطال يعني به أن علمه إذا امتد في شيء، واستتبّ له معرفته، ووضح له معناه، تكلم فيه، وأنه إذا لم يعرف سكتْ ولم يتكلم بما لا يعلمه.
وقوله: (إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده) يريد أنه إذا بلغ علمي بالأشياء إلى موضع، بلغتُ إليه: ولم أتجاوزه فأتكلم بما لا أعلمه،
стр. 538
مطيلاً كان علمي أو متناهياً، وقوله: فأملى أي امتد في الزمان، والمّلاوة: الحين من الدهر، يعني أنه إذا امتد علمه - حالاً حيناً طويلاً - تبعه، وإن تناهى أي انقطع، أقصرْ ولم يتكلم.
وقال مَليح بن علاق القعيني يرثي ابنه:
(ألا لا أُبالي بعدَ يوم مُطرِفٍ ... حتوفَ المنايا أكثرتْ أو أقَلتِ)
لعَمْري لئن أمستْ رِكابُ مطرف ... تعفت، لقد كانت أُهينتْ وذلتِ
ويروى: (بعد موت مطرف) يريد مكثرة أو مقلة. والحال حال من الحتوف.
يريد أنا لا أبالي بعد موت ابني على من وقعت المنايا، ولا أبالي أكثرت من أخذها أو أقلت.
نصب المضارع بعد فاء السببية
قال سيبويه: وتقول: (كأنك لم تأتنا فتحدثنا) تقديره:
стр. 539
كأنه لم يكن منك إتيان فحديث. قال رجل من دارم:
(كأنك لم تذبح لأهلك نعجةً ... فيصبحَ ملقىً بالفناء إهابُها)
إهابُها: جلدها. والشاهد فيه نصب (فيصبحَ) وجعل (فيصبحَ) جواباً للأول، كأنه قال: كأنك لم يكن من شأنك أنك متى ذبحت، ألقيت إهابُها بفنائك.
وسبب هذا الشعر، أن أبا بدر اليربوعي قتل، وادّعى الأحوص اليربوعي قتله على بني دارم. وقال:
سيأتي الذي أحدثتمُ في صديقكُمْ ... رِفاقاً من الآفاق شتى مآبُها
خطاطيفُ ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعباً إلا بشؤمٍ غرابُها
فأجابه سويد بن الطويلة:
ليبكِ أبا بدرٍ حمارُ وثلةُ ... وساليةُ راثت، عليها وِطابُها
стр. 540
كأنك لم تذبحْ لأهلك نعجةً ... فيصبحَ ملقىً بالفِناء إهابُها
يهجو أبا بدرْ ويقول: إنه كان صاحبَ قطيع من غنمْ وفيها حمار. والوِطاب: زِقاق اللبن، راثت: أبطأ عليها اللبن الذي يستخرج زبده فيعمل منه السمن.
والسالية: التي تسلأ السمن فتعمله، وقوله: (كأنك لم تذبح لأهلك نعجة) يريد أن أكثر ما يذكر من أمره، وأعلى مراتب أفعاله ذبح نعجة لأهله.
ويحكى عن شيخ من بني حنيفة أنه قال: مررت بخباء عظيم فيه عجوز، بين يديها شاب يجود بنفسه، وحولها نسوة، وهي تبكيْ وتقول:
أصعْصَعَ مالي لا أراك تجيبنا ... أتسمعُ نجواناك أم ليس تسمعُ
فلو كان والي الموت يَقبل فِديةً ... فدتكَ ثمانٍ مشفِقاتُ وأربعُ
ثم تلتفت إليهنْ وتقول: أتفعلن؟ فيقلن: اللهم نعم. ثم تقول:
كأنك لم تذبحْ لأهلكَ نعجةً ... وتلقِ على باب الخباء إهابَها
ولم تَجُبِ البيدَ التنائف تقتنِصْ ... بها جرَةٍ حسْلانَهاْ وضِبابَها
стр. 541
فإن متَّ أردَى الموتُ أبناَء عامرٍ ... وخصَّ بني كعبْ وعمروٍ كلابَها
وإنما كتبت هذه الأبيات، لئلا يرى إنسان أن سيبويه وقع عليه غلط في رفع البيت الذي استشهد به، وليُعلم أن هذا البيت وقع في أبيات مرفوعة لشاعر، وفي أبيات منصوبة لغيره.
حذف ألف الاستفهامْ وهي مرادة
قال سيبويه قال عمر بن أبي ربيعة:
(لعمرُكَ ما أدريْ وإن كنتُ دارياً ... بسبعٍ رميْنَ الجمرَ أم بثمانِ)
هذا إنشاد الكتابْ وإنشاد كل مستشهد. ورأيت في شعره:
بدا ليَ مِعصمُ يومَ جَمّرتْ ... وكفُّ خضيبُ زُينتْ ببَنانِ
فلما التقينا بالثنيةِ سلمتْ ... ونازَعَني البغلُ اللعينُ عناني
فوالله ما أدري - وإني لحاسبُ - ... بسبع رميْنَ الجمرَ أم بثمانِ
والشاهد فيه حذف ألف الاستفهام - وهي تراد - وتقديره: أبسبع رميْنَ الجمرَ أم بثمان.
стр. 542
يعني أبسبع حصيات رمين أم بثمان حصيات.
والجمر: جمع جمرة، والجمار ثلاثْ وهي معروفة بِمنىَ. والمعصم: طرف الذراع مما يلي الكف، وجَمّرتْ: رمت الجمار، والثنية: عند جمرة العقبة.
نصب المضارع بعد فاء السببية
قال سيبويه في الجواب بالفاء، قال البُرْجُ بن مُسْهر:
(ألم تربَعْ فتخبرَكَ الرّسومُ ... على فرتاجِ والعهدُ القديمُ)
تحمّلَ أهلهْ وجرَتْ عليه ... رياحُ الصيفِْ والسَّبَطُ المُديمُ
الشاهد فيه أنه نصب (فتخبرَك) على جواب الاستفهام. أي لو ربعت لخبرتْكَ الرسوم عن أهلها إذا سألتها. وليس أنها تخبر بالقول، وإنما يريد أن الآثار التي تراها في الرسم تدل على ذهاب الذين كانوا فيه، فكأنها تخبره بالقول.
وفرتاج: موضع بعينه، والرسم: ما لم يكن له شخص قائم في الدار، والطلل: ما شخص من الدار، ورياح الصيف: تسفي الرياح التراب على الآثار، وإنما خص الصيف لأن الأرض فيه يابسة لا تمطر، فالريح تثير العجاج لجفاف الأرض. ورياح الشتاء تهبْ والأرض ندية فلا تسفي التراب، والسبط المديم: السحاب الذي مطره دائم.
стр. 543
رفع جواب الشرط على تقدير التقديم
قال سيبويه قال العُجير السلولي:
ومستلحَمٍ قد صكه الخصمُ صَكةً ... قليلِ الموالي نيل ما كان يمنعُ
رددْتُ له ما أفرط القولُ بالضحى ... وبالأمس حتى اقتافهْ وهو أضرعُ
(وما ذاك أن كان ابنَ عميْ ولا أخي ... ولكنْ متى ما أملكِ الضَرَّ أنفعُ)
الشاهد فيه أنه رفع (أنفعُ) في موضع الجواب، وإنما رفعه لأنه قدره قبل الشرط، كأنه قال: ولكن أنفعُ متى ما أملك الضَّر.
والمستلحَم. وأصله في الحرب: وهو الذي أحيط به فأُثخن فلم يمكنه أن يبرح. أراد: ورب مستلحم قد صكه خصمه بحجة. وبنو عمهْ وأنصاره أذلاء لم يكن
فيهم من يعينه، نيل منه ما كان يمنعه.
رددت له ما أفرط القول: يريد أنه قد فرط منه قول غلط فيه، فوقع في أمر من المكروه لا يستطيع دفعه. ويروى: (أفرط القولَ) بالنصب. أراد أنه قدم قولاً خطأ.
ورأيته في موضع آخر مرفوعاً، يريد: الذي أفرطه القول، أي قدمه، ويكون الضمير الذي يعود إلى (ما) محذوفاً، تقديره: أفرطه القولُ.
стр. 544
واقتافه: أخذه عنيْ ولَقِنَهُ، يعني أنه لقّنه حجتَه.
واقتافه: تتبعه، تقول: قفت الشيء واقتفته إذا اتبعته. وهو أضرع: أي ذليل. وما فعلت ذلك لأنه ابن عميْ ولا أخي، يريد: ْ وما كان نصري له لأنْ كان ابنَ عميْ ولا أخي. وقوله: متى ما أملك الضر، يريد متى ما أملك دفع الضر أنفع، فحذف المضافْ وأقام المضاف إليه مقامه.
النصب بعد (إلا) على الحال بعامل قبلها
قال سيبويه في الاستثناء: (وتقول: (من لي إلا أبوكَ صديقاً) حين جعلته مثل: ما مررت بأحدٍ إلا أبيك خيراً منه).
(أبيك) مجرور لأنه بدل من (أحد) و (خيراً منه) منصوب على الحال، وهي حال من (أبيك) وكأنه: ما مررت إلا بأبيك خيراً من كل أحد. والضمير المجرور يعود إلى (أحد).
وقال سيبويه: (ومثله قول الشاعر - وهو الكلحَبَة). واسمه هبيرة بن عبد الله من بني عَرين بن ثعلبة بن يربوع:
(أمرتُهُمُ أمري بمنعرَج اللوى ... ولا أمرَ للمَعْصِيِّ إلا مضيعا)
стр. 545
الشاهد فيه أنه نصب (مضيَّعاً) على الحال، ودخلت (مضيَّعاً) على الحال، ودخلت (إلا) على الحال، والاستثناء إنما وقع على بعض الأحوال، والعامل للحال
(للمعصي) كما تقول: المال لك ثابتاً، وهو لك خالصاً. وجعل دخولها على الحال بمنزلة دخولها على (غير) في الاستثناء، وبمنزلة دخولها قبل (إلا). و (صديقاً) منصوب في قولك: (من لي إلا أبوك صديقاً) بقوله (لي). و (لي) خبر الابتداءْ وهو (مَن).
فجعل (مضيَّعاً) في أن ما قبل (إلا) يعمل فيه بمنزلة (صديقاً) في أن الذي قبل (إلا) يعمل فيه. وعلى مذهب أبي العباس يكون العامل فعلاً محذوفاً و (إلا) في موضعهْ وهو خلاف في أصل الاستثناء.
ثم قال سيبويه بعد إنشاده البيت: (وقد يكون أيضاً على قوله (لا أحد فيها إلا زيداً). يريد أن (مضيَّعاً) قد ينتصب أيضاً على غير وجه الحال، على أن تكون مستثنى من (أمر) في قوله: (ولا أمرَ) كما استثني زيد من رجل في قوله: (لا رجل فيها إلا زيداً) وكأنه قال: (ولا أمر للمعصي إلا أمراً مضيعاً، فحذف المنعوتْ وأقام النعت مقامه.
стр. 546
واللوى: مسترقّ الرملة، ومنعرجه: منعطفة. وقوله: (ولا أمر للمعصي إلا مضيعاً) أي من عُصيْ ولم يُقبل ما يأمر به، ضاع رأيه لأنه لا يُعمل به فيُعرف موقع جودته.
قال هذا الشعر في يوم زَرود، وهو يوم فرّت فيه بنو تغلب من بني يربوع. فلما التقوا هزمتهم بنو يربوع. وحديثه مشهور.
(كأنْ) المخففة
قال سيبويه في باب (إن) قال النابغة الجعدي:
وأحضرَهُمْ خصماً شديداً ضريرُه ... بني دارم أهلَ التبولْ ونَهشلا
وذو التاج من غسانَ ينصر جاهداً ... ليجعلَ فيها جدَنا هو أسفلا
(قُروماً تَسامى عند بابٍ دفاعُهُ ... كأنْ يؤخذُ المرءُ الكريمُ فيُقتلا)
الشاهد فيه على أنه جعل (كأنْ) مخففة من كأنّ، أراد: كأنه يؤخذُ المرء الكريم فيقتلا.
و (يؤخذ) مرفوع. وقوله (فيُقتلا) منصوب لضرورة الشعر
стр. 547
كما قال الأعشى:
. . . . . . . . ... ويأوي إليها المستجير فيُعصما
وفي (أحضَرَهم) ضمير يعود إلى ملك تقدم ذكره، والضمير المنصوب يعود إلى قوم النابغة، وهم بنو عامر بن صعصعة. ويقال: إنه لذو ضرير، إذا كان ذا صبر على الخصومةْ والشرْ والبلاء.
والتبول: جمع تَبْلْ وهو التِّرَةْ والذَّحْل، و (نَهشلا) معطوف على (بني دارم) وذو التاج: الملك من ملوك غسان، ينصر خصمنا عليناْ ويعينهم حتى يقضي لهم منا، فيعلواْ ونسفُل. والقروم: جمع قَرْمْ وهو الفحل من الإبل، شبه السادات بالفحول من الإبل، عند بابٍ: يريد باب الملك، وتَسامى: يعلو بعضها على بعضْ ويرتفع. وقوله (دفاعه) يريد الدفع عن الدخول فيهْ والوصول إلى ما وراءه - وهو حضرة الملك - كأخذ الرجلْ وقتله.
في الاستثناء المنقطع
قال سيبويه في الاستثناء، قال النابغة الجعدي:
لولا ابنُ عفانَ الإمامُ لقد ... أغضيتَ من شتمي على رَغْمِ
стр. 548
ودعوتَ لهْفكَ بعد فاقرةٍ ... تبدي محارفُها عن العَظمِ
كانتْ فريضةَ ما تقولُ كما ... كان الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْمِ
(إلا كمُعْرِضٍ المُحَسِّرِ بَكْرَيْهِ ... يسبِّبني على الظلمِ)
الشاهد فيه أنه استثنى استثناء منقطعاً، لأن (معرضاً) لم يجر قبله ما يستثنى منه، ولكن هذا الاستثناء بمعنى لكنْ، وليس من الأول في شيء. والكاف زائدة، أراد: إلا معرضاً.
وإنشاد البيت الأول في الكتاب على صحة وزن، وهو من العروض الثانية من الكامل، والبيت الثاني يخرج من العروض الأولى من الكامل. وقد أنشد مع البيتين من القصيدة ما يوضح المعنىْ والوزن.
وأغضيتَ: أسبلت جفنك على عينك - لما قد أصابك من الغلبةْ والقهر - من أجل شتمي لك، وأنك لا تستطيع أن تقول مثل شعري. والرغم: الإذلال، ودعوتَ لهْفكَ: استغثتْ وتلهفت على ناصر ينصرك فلم تجد.
والفاقرة: ما ينزل به فيكسر فقار صلبه، والمَحارف: جمع محراف وهو الميل الذي تقدر به الشَّجَةْ والجرح. يريد أنه كان يهجوه هجاء يجري مجرى ما يكسر فقار صلبه. (كانت فريضة ما تقول): في (كانت) ضمير الفاقرة. يريد: كانت الفاقرة فريضة ما تقول فيّ من القبيح،
стр. 549
أي جزاء ما تقول، كما كان الرجم عقوبة الزنا.
وهذا من المقلوب، جعل الزنا عقوبة الرجم، وهذا اتساع لأجل الضرورة، وأنه ليس يقع في الكلام لَبْس.
والمعنى أنه يقول لسوار القشيري: لولا الإمام ابن عفان - وأني أخشى عقوبته - لعملت بك الفاقرة، لكنّ معرِضاً يدور الأحياء يشتمني.
ومعرض ليس بسوارْ ولا مستثنى منه، فهو استثناء بمعنى لكنْ. وقوله: المحسِّر بَكْرَيْه: يريد يحسرهما: يحملهما على الإعياءْ والكَلال من شدة سيرهْ وطوفه في الناس يكذب عليّ ويُعِين سوّاراً.
وبَكْرَيْه: تثنية بكر، والبكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس. وقوله: يسبِّبني على الظلمِ: يحتمل أمرين:
أحدهما أنه بمعنى يسبني، فجعله على يسبّب، أراد أنه يشتمهْ وهو ظالم له.
ويجوز أن يريد بهذا، أنه إذا ابتدأه بفعل القبيح من غير جناية - وشكاهْ وطاف في
الناس يسبه - أنه يهجوهْ ويهجو قومهْ وآباءه، ويشتم من لم يكن له في فعل مُعرض ذنب، فيكون حاملاً له على شتم من لم يكن له في هذا الأمر سبب، وهذا الشتم ظلم.
قال سيبويه في باب الاستثناء المنقطع، قال الجعدي:
(فتى كمُلتْ خيراته غير أنه ... جوادُ فما يُبْقي من المال باقيا)
стр. 550
يرثى بذلك أخاه وَحْوحَاً. والشاهد فيه نصب (غير) على الاستثناء المنقطع، و (غير أنه جواد) ليس بشيء مستثنى من الأول. أراد: ولكنه مع ما ذكرته لك جوادُ لا يبقي من ماله شيئاً. والمعنى واضح.
إدخال الكاف على الضمير - ضرورة
قال سيبويه في أبواب الضمير. قال رؤبة:
تحسَبُه إذا استتبّ دائلا
كأنما يُنحي هِجاراً مائلا
فلا ترى بعلاًْ ولا حلائلا
(كَهُ ولا كَهُنّ إلا حاظلا)
الشاهد فيه أنه أدخل الكاف على ضمير، وهذا استجيز للضرورة. والضمير المنصوب بـ (تحسَبُه) يعود إلى عَيْر وحش.
واستتب: جدّ في عدوه، والدائل: من الدَألان - بدال غير معجمة - وهو عدو النشيط، يأخذ مرة في شقْ ومرة في شق آخر. والهِجار: حبل يشد به وظيف البعير، وينحي: يُميل، يريد أنه لعدوه في شق كأنه مشدود بهجار.
والحلائل: جمع حليلةْ وهي امرأة الرجل، جعل الأنُن حلائل الحمار، والحاظل: المانع.
يقول: فلا ترى بعلاً كهذا الحمار، ولا حلائل كهذه الأنُن إلا مانعاً لها من أن
يقرب منها غيرهُ من الفحول.
стр. 551
نصب اسم (عسى) بمنزلة (لعل)
قال سيبويه قال رؤبة:
تقول بنتي قد أنَى أناكا ... (يا أبتا علك أو عساكا)
وفي شعره: فاستعزِم اللهَْ ودع عساكا
الشاهد فيه أنه جعل (عسى) مثل (لعلّ) ونصب بها الاسمْ وهو الكاف. وقوله: (قد أنى أناكا) أي قد حان وقت رحيلك إلى من تلتمس منه مالاً تنفقه. وقولها: (يا أبتا علك) أي لعلك إنْ سافرت أصبت ما تحتاج إليه.
ووجه الرواية في قوله: فاستعزم الله أي استخره في العزم على الرحيل والسفر، ودع عساي لا أحظى بشيء إذا سافرت، ويحصل بيدي التعب.
نصب المضارع بعد فاء السببية
قال سيبويه: (وتقول: ألا ماءَ فأشربَهْ وليته عندنا فيحدثَنا). هذا جواب التمني. وقال أمية بن أبي صلت:
(إلا رسولَ لنا منا فيخبرَنا ... ما بُعْدُ غايتِنا من رأس مُجرانا)
стр. 552
بينا يرِببُنا أولادُنا هلكوا ... وبينما نقتني الأولادَ أبلانا
قال سيبويه بعد إنشاد البيت: (وهذا لا يكون فيه إلا النصب). يعني البيتْ وما قدم قبله من التمني. لأنه ليس في الكلام فعل فيُعطف الفعل الذي بعد الفاء عليه، وإذا نصبته فهو في تقدير اسم يُعطف على ما قبله.
عنى أمية أن يأتيه رسول يخبره إلى أي شيء يصير في الآخرة، إلى جنة أم إلى نار. والغاية: منتهى ما يصيرون إليه، والمُجرى: ابتداء عملهمْ وتكليفهم في الدنيا،
وهو مأخوذ من الموضع الذي يبتدئ فيه الفرس الجري إذا سابق، والغاية: منتهى الموضع الذي يعدو إليه.
والتربيتْ والتربيةْ والتربيب بمعنى واحد. وقيل: إن في (أبلانا) ضميراً يعود إلى (الدهر، وعندي أن فيه ضميراً يعود إلى) الله ، والبيت الأول يشير إلى هذا، لأنه مقر بأمر الآخرة.
стр. 553
في اقتران خبر (يوشك) بأن
قال سيبويه في باب من أبواب (أنْ) (وتقول يوشك أن يجيءَ، فـ (أنْ) في موضع نصب كأنك قلت: قاربتَ أنْ تفعل. وقد يجوز: يوشك يجيءُ).
ففي (يوشك) ضمير هو الفاعل، ويجيء في موضع جاءٍ كأنه قال: يوشك جائياً، إلا أنه لا يُستعمل الاسم في هذا الموضع. ومثله: (عسى يفعل) لا يقع الاسم في موقع الفعل فنقول: عسى فاعلاً.
ويجري (عسىْ ويوشك) مجرى (كان) في وقوع الفعل في موضع مفعولها، إلا أن (كان) يقع الاسمْ والفعل جميعاً في موضع خبرها، و (عسىْ ويوشك) ليسا كذلك. وقد جاء عنهم: عسى الغوير أبْؤساً ولا يتجاوز به هذا الموضع.
قال أمية بن أبي الصلت:
(يوشك مَن فَرَّ من منيّتهِ ... في بعضِ غِرّاتِهِ يوافقها)
стр. 554
من لم يَمُتْ عَبْطةً يمت هَرَماً ... للموتِ كأسُ والمرءُ ذائقها
(مَن) فاعل (يوشك)، (يوافقها) في موضع مفعول (يوشك)، و (في بعضِ غِرّاتِهِ) في صلة (يوافقها). أصله: يوافقها في بعض غراته، أي في بعض الأحوال التي هو فيها غافل عن الموت يقع به. ومن لم يمت عبطة: أيْ وهو شاب صحيح. يقال: اعتبط فلان: إذا مات صحيحاً جَلداً أو شاباً.
يقول: من لم يمتْ وهو شاب، ماتْ وهو هرم، والموت لابد أن يقع به
قال سيبويه في أبواب (إنْْ وأنْ)، قال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان:
وإذا تذوكرتِ المَواعدُ مرةً ... في مجلسٍ أنتم به فتقنعوا
(إني رأيتُ - من المكارم - حسبَكم ... أنْ تلبَسوا حُرَّ الثيابْ وتشبعوا)
الشاهد فيه أنه جعل (أنْ تلبَسوا) أحد مفعولي (رأيتّ) و (حسبَكم) المفعول الآخر.
стр. 555
يهجو سعيد بهذا الشعر بني أمية بن عمرو بن سعيد بن العاصيْ واخوته، وكانوا زوجوا أختهم من سليمان بن عبد الملك، وحملوها إليهْ ومضوا إلى الشام إلى سليمان بن عبد الملك، فصحبهم سعيد، وكانوا ضمنوا له أن يقوموا بحوائجه، فلما وردوا الشام قصّروا في أمره، فهجاهم.
يقول: إذا ذُكرت المواعيد الصادقة فغطوا وجوهكم، لأنكم وعدتموني بشيء لم تفوا به، وأخلف ظني فيكم، وقد رأيت أن الذي تلتمسون هو أن تنالوا من الطعامْ والكسوة حاجتكم، وأنكم لا ترغبون في فعل المكارم.
نصب المضارع بعد (أو)
قال سيبويه في الجواب بـ (أو) قال الشاعر:
(وكنتُ إذا غمزتُ قناةَ قومٍ ... كسرتُ كعوبَها أو تستقيما)
كذا أنشده سيبويه بالنصب، والشعر لزيادٍ الأعجم في أبيات غير منصوبة. قال زياد يهجو المغيرة بن حَبْناء:
ألم تر أنني وترتُ قوسي ... لأبقعَ من كلابِ بني تميمِ
عَوَى فرميته بسهام موتٍ ... كذاك تردُّدُ الحَمقِ اللئيمِ
وكنتُ إذا غمزتُ قناةَ قومٍ ... كسرْتُ كعوبَها أو تستقيمُ
стр. 556
استشهد به سيبويه على (نصب) تستقيما.
والمعنى أنه إذا هجا قوماً أبادهم بالهجاءْ وأهلكهم، إلا أن يتركوا سبهْ وهجاءه. وكان يهاجي المغيرةَ بن حبناء. والكعوب: جمع كعبْ وهو الناتئ في أصل كل
أنبوب من أنابيب القناة.
فإن قال: قائل: أنشد سيبويه هذا البيت منصوباً، قيل له: سمعه ممن يُستشهد به منصوباً.
ومع هذا قد وجدنا أبياتاً تنشد على الوقفْ وهي مطلقة، ولو أطلقت لوقع بعضها منصوباً وبعضها مجروراً. ومن ذلك ما أنشده أبو عمرو:
سَقياً لعهد خليلٍ كان يأدِمُ لي ... زاديْ ويُذهبُ عن زوجاتي الغَضَبْ
كانَ الخليلَ فأمسى قد تخوّنه ... رَيْبُ الزمانِْ وتطعاني به الثقبُ
يا صاحِ بلغْ ذوي الحاجات كلهمُ ... أنْ ليس وصلُ إذا انحلتْ عُرا الذنبْ
إذا أُنشد بيت واحد من هذه القطعة، أُنشد على حقه من الإعراب، وإن أنشد جميعها أنشد على الوقف، والإنشاد على الوقف مذهب لبعض العرب.
стр. 557
في الاستثناء المنقطع
قال سيبويه في باب الاستثناء المنقطع: (ومثل ذلك قول عِتْر بن دجاجة) وربما وقع في النسخ عَنْز بن دجاجة، والرواية الأولى أشهر، ونسبهُ في شعره دِجاجة بن العِتْر. ويروى لمعاوية بن كاسر المازني:
يا ليلتي ما ليلتي بالبلدةِ ... ضُربّتْ عليّ نجوُمها فارتدّتِ
والهمُّ مُحتضرُ الوِسادِ كأنه ... خصمُ ينازعُ خُطةً فاشتدَتِ
مَن كان أسرَعَ في تَفَرُّقِ فالجٍ ... فلبوُنه جَرِيَتْ معاًْ وأغدَتِ
(إلا كنا شرةَ الذي ضيَّعْتمُ ... كالغصنِ في غُلوائِه المتنبّتِ)
الشاهد فيه أنه استثنى (ناشرةّ) وقبله ذكر (فالجُ) وفالج رجل بعينه، وناشرة رجل آخر، فهو بمنزلة قولهم: ما جاءني زيدُ إلا عمراً.
وأراد بفالج فالج بن ذكوان من بني سليم، وكان يقال: إن فالج بن ذكوان - وهو أبو قبيلة من سليم - هو في أصل نسبه: فالج بن مازن بن مالك بن عمرو بن
تميم، وإنهم فارقوا نسبهم في بني مازنْ وانتسبوا إلى بني سليم، وهم فيهم إلى اليوم.
وكذا حال ناشرة، هو ناشرة بن سعد بن
стр. 558
مال من بني أسد، ويقال: إنه ناشرة بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. فهاتان قبيلتان، زعم دِجاجة بن العِتْر أنهما كانتا من بني مازن، فانتقلت إحداهما إلى بني سُليم، والأخرى إلى بني أسد، فدعا دِجاجة بن العتر على من كان السبب في انتقالهما من بني مازن.
دعا عليه بأن تجرب إبله. ولبونه: ما فيه لبن من إبلهْ وليس يريد باللبون الواحدة؛ وإنما يريد الجماعة. وأغدّت: من الغُدّة، وهو شبه الطاعون يقع بالإبل، وأراد جربتْ وأغدت معاً. وغلواؤه: طولهْ وسرعة نباته. وزعموا أن الكاف زيادة.
ويروى: أو مثل ناشرة الذي ضيعتم.
وليس فيه شاهد على هذه الرواية.
مجيء (غير) مجردة من معنى الاستثناء
قال سيبويه في الاستثناء، قال حارثة بن بدر الغُدانيّ:
يا كعبُ ما طلعَتْ شمسُ ولا غَرَبَتْ ... إلا تُقرِبُ آجالاً لميعادِ
يا كعبُ صبراً على ما كان من حَدَثٍ ... يا كعبُ لم يبقَ منا غيرُ أجلادِ
стр. 559
(إلا بقياتُ أنفاسٍ نحشرجها ... كراحلٍ رائح أو باكر غادي)
الشاهد فيه أنه أبدل (بقياتُ) من (غيرّ) ولم يجعل غيراً استثناء، وجعلها بمنزلة اسم؛ ليس فيه معنى الاستثناء، كأنه قال: لم يبق منا شيء سوى الأجلاد إلا بقياتُ أنفاس.
ووجدت في الشعر لحسان بن بشر بن عباد:
يا بشرُ ما راحَ من قومٍْ ولا بَكروا ... إلاْ وللموتِ في آثارهم حادي
يا بشرُ ما طلعَتْ شمسُ ولا غربَتْ ... إلا تقرِبُ آجالاً لميعاد
وبعده تمام الشعر. وأراد بالميعاد: الوقت الذي ينتهي إليه أجل الإنسان، وأجلاد الإنسان: جسمه، وهي تجاليده. ونحشرجها: نرددها بين حلوقناْ وصدورنا، وقوله: كراحلٍ رائح أي هذه البقية من الأنفاس، بقي
стр. 560
من إقامتها عندنا كبقاء من يروح عندنا من آخر يومناْ ويفارقنا، أو كبقاء من يبيت عندنا ليلةً ثم يغدو راحلاً من عندنا.
وجوب نصب المستثنى لتقدمه
قال سيبويه في الاستثناء، قال حسان:
(والناسُ ألبُ علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوفَْ وأطرافَ القنا وَزَرُ)
ولا يَهِرُّ جنابَ الحربِ مجلسُنا ... ونحن حين تَلظى نارُها سُعُرُ
يقال للقوم إذا اجتمعوا على عداوة إنسان: هم ألبُ عليه. يقول: اجتمع الناس على عداوتنا من أجلك، يعني النبيَّ ﷺ . يريد أنهم اجتمعوا على عداوة الأنصار من أجل نصرتهم النبي ﷺ . والوَزَر: الملجأ. يقول: نحن لا نلتجئ في دفعهم عنا إلا بالطعن بالرماح، والضرب بالسيوف.
ولا يَهِرُّ: لا يكره، وجنابَ الحرب: ناحيتها، ونحن حين تَلظى نارُها: يريد حين تشتد، وسُعُرُ: يريد أنهم يوقدون الحرب لمن قصدهمْ وعاداهم، ولا يجبنون عنهاْ ويكرهونها. وسُعُرُ: يجوز أن يكون جمع ساعر مثل عائذْ وعُوذْ وشارفْ وشُرُف، ويجوز أن يكون جمع سَعورْ وهو القياس فيه.
стр. 561
إبدال المستثنى من المستثنى منه
قال سيبويه، وتقول: (ما رأيت أحداً يقول ذاك إلا زيداً، هذا وجه الكلام). يريد أن وجه الكلام أن تجعل (زيداً) بدلاً من (أحد). ثم قال: (وإن حملته على الإضمار الذي في الفعل فقلت: ما رأيت أحداً يقول ذاك إلا زيدُ، فعربي). يريد أن يجعله
بدلاً من الضمير الذي في (يقول) العائد إلى أحد. قال عدي بن زيد:
(في ليلةٍ لا تَرَى بها أحداً ... يَحْكي علينا إلا كواكبها)
الشاهد فيه أنه أبدل (كواكبها) من الضمير الذي في (يَحْكي) فالضمير في (يَحْكي) يعود إلى (أحد).
والشعر في الكتاب منسوب إلى عدي بن زيد، وما رأيته له. وهو منسوب إلى رجل من الأنصار، وأظن أني رأيته منسوباً إلى غير الأنصار. وذكروا أن حاتم بن قبيصة المهلبي قال: لما أُدخلتْ حبابة على يزيد بن الوليد - وأظنه قد قيل أنها أدخلت على يزيد بن عبد الملك - أدخلت متوشحة بمُلاءة أحسبها صفراء معها الدُّف. فقالت:
ما أحسنَ الجيدَ من مُليكةَ ... والللباتِ إذ زانَها ترائبها
стр. 562
يا ليتني ليلةً إذا هجَعَ ... الناسُ ونامَ الكلابُ صاحبُها
في ليلةٍ لا ترى بها أحداً ... يَحكي علينا إلا كواكبُها
ووقع الإنشاد في الخبر: (لا يُرى بها أحدُ) وعلى هذه الرواية لا شاهد في البيت، لأن (كواكبُها) بدلاً من (أحد).
إبدال المستثنى
قال سيبويه في الاستثناء، وقال الحارث بن عُباد:
والحربُ لا يبقَى ... لجاحِمِها التخيّلُ والمِراحُ
(إلا الفتى الصّبارُ في ... النَجَداتِْ والفرسُ الوَقاحُ)
الشاهد فيه أنه أبدل (الفتى) من (التخيلْ والمراحّ) ورفعه.
جاحم الحرب: أشدهاْ وأحرَها، والتخيل: من الخيلاء وهو التبخترْ وإسبال الإزار، والمِراح: من المرحْ وهو الفرح الشديد، والنجدات: جمع نجدةْ وهي الشدة، والوَقاح: الصلب الحافر.
يقول: إذا اشتدت الحرب، ذهب الخيلاءْ والمرح، وكان شغل كل إنسان بنفسهْ وتخليصهاْ والدفع عنها، وفي أوائل الحروب يختال الرجل، وينظر في أعطافهْ ويحب المبادرة، فإذا حميت شغلوا عن هذا.
стр. 563
ومثله قول عمرو:
الحربُ أولُ ما تكون فتيَّةً ... تسعى ببَزَّتِها لكل جَهولِ
والشعر في الكتاب منسوب إلى الحارث بن عباد، وهو لسعد بن مالك بن ضُبيعة.
الإتيان بالضمير على الانفصال ضرورة
قال سيبويه في الضمير، قال ذو الإصبع العَدْوانيّ:
لقينا منهمُ جمعاً ... فأوْفى الجمعُ ما كانا
(كأنا يوم قرَّى ... إنما نقتلُ إيانا)
قتلنا منهمُ كلَّ ... فتى أبيضَ حُسّانا
يُرى يَرْفلُ في ... بُرْدَينِ من أبرادِ نَجرانا
الشاهد فيه على قوله (نقتلُ إيانا) يريد به نقتل أنفسنا، وجعل الضمير في موضع (أنفسنا) وأتى به على الانفصال، والضمير إذا وصله لم يحسن فصله، إلا أن يُضطر شاعر، فاضطر إلى أن ترك (النفس) وأتى بالضمير، واضطر إلى استعمال الضمير المنفصل مكان المتصل.
стр. 564
(وقوله: (فأوْفى الجمعُ) أي أوْفى الجمع ما كان عليه أن يعمله. وقرَّى موضع بعينه) وقوله: نقتلُ إيانا: يريد أنَّا بقتلنا إياكم بمنزلة من قتل نفسه. وأبراد نَجران: يريد به أبراد اليمن، ونجران من ناحية اليمن، ونجران: موضع آخر بين البصرةْ والكوفة في البرية.
بناء (غير) على الفتح لإضافتها إلى مبني
قال سيبويه في الاستثناء، قال أبو قيس بن رِفاعة من الأنصار:
ثم ارعوَيْتُ وقد طال الوقوفُ بنا ... فيها فصِرْتُ إلى وَجناَء شِملالِ
تُعطيك مشياًْ وإرقالاً ودَأدأةً ... إذا تسربلتِ الآكامُ بالآلِ
تَردي الإكامَ إذا صرَّتْ جنادُبها ... منها بصُلبٍ وَقاحِ البطنِ عَمّالِ
(لم يمنعِ الشّرْبَ منها غيرَ أنْ نطقتْ ... حمامةُ في غصونٍ ذاتِ أوقالِ)
الشاهد فيه أنه بنى (غير) على الفتح لإضافتها إلى اسم غير متمكن، والذي أضيفت إليه (أن والفعل).
يصف أنه وقف في دار خلت من أهلها، فلما طال وقوفه ارعوى،
стр. 565
أي رجع فصار إلى راحلته. والوجناء: الصلبة، والشملال: السريعة الخفيفة، والإرقالْ والدَأدأة: ضربان من العدو، والآكامُ: جمع أكمَ، وأكَم: جمع أكَمَةْ وهي شبيه الجُبيل. والآل: الذي يكون في أول النهار كأنه السراب، وأراد بالآل في هذا البيت السراب.
يريد أنها نشيطة في العدو في وقت الهاجرة. ويريد بـ (تسربلتِ بالآل) أنه علا عليها فصار كالقميص لها. تَردي الإكامَ: يريد أنه ترمي الإكامَ إذا اشتد الحرْ وصَرَّ الجندب بصُلب، يعني خفها، وَقاحِ البطن: شديد البطن صلبه، عَمّال: يعمل في السيرْ ولا يفتر.
لم يمنع الشُربَ منها: يريد من الراحلة، يريد لم يمنعها أن تشرب إلا أنها سمعت صوت حمامة فنفرت. يريد أنها حديدة النفس، فيها فزعْ وذعر لحدة نفسها، وذلك محمود فيها.
ويروى: (لم يمنع الوِردّ) والمعنى واحد.
وقوله: في غصون، أراد أن الحمامة في غصون، والأوقال: جمع وَقلْ وهو شجر المُقل، وقد يجوز أن يريد شجراً نابتاً في موضع فيه مُقل
الرفع على الاستثناء دون العطف - للمعنى
قال سيبويه في عوامل الأفعال، قال أبو اللحام التغلبي:
عَمرْتُ وأكثرتُ التفكرَ خالياً ... وساءلتُ حتى كاد عُمْريَ ينفدُ
فأضحتْ أمور الناسِ يَغشَيْنَ عالماً ... بما يُتقى منهاْ وما يتعَمدُ
следующие страницы →