Полный текст (770 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
إبدال المستثنى من المستثنى منه
قال سيبويه، وتقول: (ما رأيت أحداً يقول ذاك إلا زيداً، هذا وجه الكلام). يريد أن وجه الكلام أن تجعل (زيداً) بدلاً من (أحد). ثم قال: (وإن حملته على الإضمار الذي في الفعل فقلت: ما رأيت أحداً يقول ذاك إلا زيدُ، فعربي). يريد أن يجعله
بدلاً من الضمير الذي في (يقول) العائد إلى أحد. قال عدي بن زيد:
(في ليلةٍ لا تَرَى بها أحداً ... يَحْكي علينا إلا كواكبها)
الشاهد فيه أنه أبدل (كواكبها) من الضمير الذي في (يَحْكي) فالضمير في (يَحْكي) يعود إلى (أحد).
والشعر في الكتاب منسوب إلى عدي بن زيد، وما رأيته له. وهو منسوب إلى رجل من الأنصار، وأظن أني رأيته منسوباً إلى غير الأنصار. وذكروا أن حاتم بن قبيصة المهلبي قال: لما أُدخلتْ حبابة على يزيد بن الوليد - وأظنه قد قيل أنها أدخلت على يزيد بن عبد الملك - أدخلت متوشحة بمُلاءة أحسبها صفراء معها الدُّف. فقالت:
ما أحسنَ الجيدَ من مُليكةَ ... والللباتِ إذ زانَها ترائبها
стр. 562
يا ليتني ليلةً إذا هجَعَ ... الناسُ ونامَ الكلابُ صاحبُها
في ليلةٍ لا ترى بها أحداً ... يَحكي علينا إلا كواكبُها
ووقع الإنشاد في الخبر: (لا يُرى بها أحدُ) وعلى هذه الرواية لا شاهد في البيت، لأن (كواكبُها) بدلاً من (أحد).
إبدال المستثنى
قال سيبويه في الاستثناء، وقال الحارث بن عُباد:
والحربُ لا يبقَى ... لجاحِمِها التخيّلُ والمِراحُ
(إلا الفتى الصّبارُ في ... النَجَداتِْ والفرسُ الوَقاحُ)
الشاهد فيه أنه أبدل (الفتى) من (التخيلْ والمراحّ) ورفعه.
جاحم الحرب: أشدهاْ وأحرَها، والتخيل: من الخيلاء وهو التبخترْ وإسبال الإزار، والمِراح: من المرحْ وهو الفرح الشديد، والنجدات: جمع نجدةْ وهي الشدة، والوَقاح: الصلب الحافر.
يقول: إذا اشتدت الحرب، ذهب الخيلاءْ والمرح، وكان شغل كل إنسان بنفسهْ وتخليصهاْ والدفع عنها، وفي أوائل الحروب يختال الرجل، وينظر في أعطافهْ ويحب المبادرة، فإذا حميت شغلوا عن هذا.
стр. 563
ومثله قول عمرو:
الحربُ أولُ ما تكون فتيَّةً ... تسعى ببَزَّتِها لكل جَهولِ
والشعر في الكتاب منسوب إلى الحارث بن عباد، وهو لسعد بن مالك بن ضُبيعة.
الإتيان بالضمير على الانفصال ضرورة
قال سيبويه في الضمير، قال ذو الإصبع العَدْوانيّ:
لقينا منهمُ جمعاً ... فأوْفى الجمعُ ما كانا
(كأنا يوم قرَّى ... إنما نقتلُ إيانا)
قتلنا منهمُ كلَّ ... فتى أبيضَ حُسّانا
يُرى يَرْفلُ في ... بُرْدَينِ من أبرادِ نَجرانا
الشاهد فيه على قوله (نقتلُ إيانا) يريد به نقتل أنفسنا، وجعل الضمير في موضع (أنفسنا) وأتى به على الانفصال، والضمير إذا وصله لم يحسن فصله، إلا أن يُضطر شاعر، فاضطر إلى أن ترك (النفس) وأتى بالضمير، واضطر إلى استعمال الضمير المنفصل مكان المتصل.
стр. 564
(وقوله: (فأوْفى الجمعُ) أي أوْفى الجمع ما كان عليه أن يعمله. وقرَّى موضع بعينه) وقوله: نقتلُ إيانا: يريد أنَّا بقتلنا إياكم بمنزلة من قتل نفسه. وأبراد نَجران: يريد به أبراد اليمن، ونجران من ناحية اليمن، ونجران: موضع آخر بين البصرةْ والكوفة في البرية.
بناء (غير) على الفتح لإضافتها إلى مبني
قال سيبويه في الاستثناء، قال أبو قيس بن رِفاعة من الأنصار:
ثم ارعوَيْتُ وقد طال الوقوفُ بنا ... فيها فصِرْتُ إلى وَجناَء شِملالِ
تُعطيك مشياًْ وإرقالاً ودَأدأةً ... إذا تسربلتِ الآكامُ بالآلِ
تَردي الإكامَ إذا صرَّتْ جنادُبها ... منها بصُلبٍ وَقاحِ البطنِ عَمّالِ
(لم يمنعِ الشّرْبَ منها غيرَ أنْ نطقتْ ... حمامةُ في غصونٍ ذاتِ أوقالِ)
الشاهد فيه أنه بنى (غير) على الفتح لإضافتها إلى اسم غير متمكن، والذي أضيفت إليه (أن والفعل).
يصف أنه وقف في دار خلت من أهلها، فلما طال وقوفه ارعوى،
стр. 565
أي رجع فصار إلى راحلته. والوجناء: الصلبة، والشملال: السريعة الخفيفة، والإرقالْ والدَأدأة: ضربان من العدو، والآكامُ: جمع أكمَ، وأكَم: جمع أكَمَةْ وهي شبيه الجُبيل. والآل: الذي يكون في أول النهار كأنه السراب، وأراد بالآل في هذا البيت السراب.
يريد أنها نشيطة في العدو في وقت الهاجرة. ويريد بـ (تسربلتِ بالآل) أنه علا عليها فصار كالقميص لها. تَردي الإكامَ: يريد أنه ترمي الإكامَ إذا اشتد الحرْ وصَرَّ الجندب بصُلب، يعني خفها، وَقاحِ البطن: شديد البطن صلبه، عَمّال: يعمل في السيرْ ولا يفتر.
لم يمنع الشُربَ منها: يريد من الراحلة، يريد لم يمنعها أن تشرب إلا أنها سمعت صوت حمامة فنفرت. يريد أنها حديدة النفس، فيها فزعْ وذعر لحدة نفسها، وذلك محمود فيها.
ويروى: (لم يمنع الوِردّ) والمعنى واحد.
وقوله: في غصون، أراد أن الحمامة في غصون، والأوقال: جمع وَقلْ وهو شجر المُقل، وقد يجوز أن يريد شجراً نابتاً في موضع فيه مُقل
الرفع على الاستثناء دون العطف - للمعنى
قال سيبويه في عوامل الأفعال، قال أبو اللحام التغلبي:
عَمرْتُ وأكثرتُ التفكرَ خالياً ... وساءلتُ حتى كاد عُمْريَ ينفدُ
فأضحتْ أمور الناسِ يَغشَيْنَ عالماً ... بما يُتقى منهاْ وما يتعَمدُ
стр. 566
جديرُ بأن لا أستكينَْ ولا أُرى ... إذا حل أمرُ ساحتي أتبلدُ
(على الحَكمِ المأتي يوماً إذا قضى ... قضيَّتَه أن لا يجورَ ويقصدُ)
الشاهد فيه في رفع (يقصدُ) وأنه لم يعطفه على (يجور). كأنه قال بعد قوله: عليه أن لا يجور: ْ ويقصدُ، يخبر بأنه يفعله، وهو لفظ الإخبار. ويحتمل أمرين: يحتمل أن يكون بمعنى الأمرْ وهو في لفظ الخبر، ويحتمل أن يخبر به على طريق أنه ينبغي أن يكون بهذا الوصف. زعم أنه طلب العلم بالأشياءْ والوقوف على حقيقتها، واستعمل فكرهْ وسأل العلماء عما لا يعرف حتى يعرف.
لا أستكينَ: لا أذلْ ولا أخضع، ولا أتبلد: لا أتحير إذا نزلت بي شدة، من أجل أني لا أعرف جهة الخلاص فيها. على الحَكم: أي المرضيّ بحكمه، المأتيّ: المقصود إليه.
ولا يجوز أن يعطف (يقصد) على (يجور) لو كانت القصيدة منصوبة، من جهة المعنى لأن قوله (عليه أن لا يجور) معناه عليه ترك الجَوْر، ولا يجوز أن يقول: عليه ترك القصد. والمعنى واضح.
стр. 567
استعمال (منون) في الوصل ضرورة
قال سيبويه في باب الاستفهام، قال سُمير الضبي:
(أتوْا ناري فقلتُ مَنونَ أنتمْ ... فقالوا الجنُّ، قلتُ عِموا ظلاما)
فقلتُ: إلى الطعام فقال منهم ... زعيم: نحسُد الإنسَ الطعاما
الشاهد فيه أنه أدخل علامة الجمع في (مَن) في وصل الكلام، وهذه العلامة تدخل
في الوقفْ ولكنه اضطر.
وزعم أنه أتاه الجنْ وهو عند ناره، فسألهم مَن هم، فلما ذكروا أنهم الجن حياهمْ وقال لهم: عموا ظلاماً، لأنهم جن، كما يقول بعض بني آدم لبعض - إذا أصبحوا -: عموا صباحاً، وإنما انتشارهم بالليل.
وقوله: (إلى الطعام) في صلة (هلمّ) وحذفها، كأنه قال: هلموا إلى الطعام فقال منهم زعيم - أي رئيس لهمْ ومتكلم عنهم - نحسُد الإنسَ، وأراد بالإنس الإنس ممن يحسدهم على أكل الطعامْ والالتذاذ به، وليس من شأننا أن نأكل ما يأكله الإنس.
стр. 568
استقبال القسم بـ (أنْ) بمنزلة اللام
قال سيبويه: (ومثل هذه اللام الأولى (أنْ) إذا قلت: ْ والله أنْ لو فعلتَ لفعلتُ). يريد أنّ أنْ الخفيفة المفتوحة يُستقبل بها القسم، كما يستقبل باللام للقسم كقولك: والله لئن فعلت لأفعلن قال المسيَّب بن عَلَس:
لعَمْري لئن جدَتْ عداوةُ بيننا ... لينتحينْ مني على الوَخْمِ مِيسَمُ
(فأُقسم أنْ لو التقيناْ وأنتمُ ... لكان لكم يومُ من الشر مظلمُ)
الشاهد فيه في قوله (أنْ لو التقينا) جعل (أنْ) تستقبل في القسم.
يخاطب المسيَّب بهذا بني عامر بن ذهل بن ثعلبة في شيء صنعوه بحلفائهمْ وأراد بالوخْم عامرَ بن ذهل. ومِيسَم: الحديدة التي تُحمىْ ويوسم بها، لينتحينْ: ليُتعَمَّدَنْْ ويُقصدن بميسمي على الوخم. يعني أنه يهجوه هجاء يكون كالسمة في وجهه، لا يزايله عاره، كما لا يزايله أثر الميسم.
وعطف (أنتم) على الضمير الذي هو فاعل (التقى). يقول: لو التقيناْ وتحاربنا لقتلناكم. فكان يومكم مظلماً لأجل ما نصنعه بكم.
стр. 569
إضافة (آية) إلى الفعل
قال سيبويه: (ومما يضاف إلى الفعل أيضاً، قولك: ما رأيته منذ كان عندي، ومنذ جاءني. ومنه أيضاً آية). قال يزيد بن عمرو ابن الصَّعِق:
(إلا مَن مبلغُ عني تميماً ... بآيةِ ما تحبون الطعاما)
الشاهد فيه أنه أضاف (آية) إلى (تحبون) و (ما) زائدة لغو، كأنه قال: بآية تحبون. ومعنى الآية: العلامة، كأنه قال: بعلامة حبكم للطعام.
وبنو تميم يُعيَّرون بشدة المحبة للطعامْ والحرص عليه، لأجل أنّ عمرو بن هند - لما نذر أن يحرق من بني عامر مائة رجل، لأجل قتلهم أخاً له - أخذ منهم تسعةْ وتسعين رجلاً ثم التمس تمام المائة فلم يجد، فأقبل راكب يوضع بعيره، فلما أتى إلى عمرو قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل من البراجم قال: وما أتى بك؟ قال: إني رأيت الدخان فأقبلت نحوه. فقال عمرو: (إن الشقيّ وافد البراجم) فذهب مثلاً. ثم عُيّرت تميم بعد هذه القصة بالنهمْ والتماس الطعام في كل موضع.
وسبب هذا الشعر أن بني أبي العوف بن عمرو بن كلاب، جاوروا بني
стр. 570
أسيد بن عمرو بن تميم، فأجلوهم عن موضعهم، فقال يزيد شعراً ذكرهم فيه، وفي شعره:
ألا أبلغْ لديك بني تميم ... بآيةِ ذكرِهم حُبَّ الطعامِ
أجارَتْها أُسيِّدُ ثم عادتْ ... بذات الضَّرعِ منهاْ والسَّنامِ
وليس فيه على هذه الرواية شاهد، لإضافة (آية) إلى الاسم.
العطف بالجزم - للمعنى
قال سيبويه في عوامل الأفعال، قال جحدر العكليْ ويقال هي للخطيم العكلي:
ولا تَمشِ في الحربِ الضَّراَء ولا تُطعْ ... ذوي الضعف عند المأزِقِ المتحفلِ
(ولا تشتم المولىْ وتبلغْ أذاته ... فإنك إن تفعلْ تسَفهْْ وتجهلِ)
الشاهد فيه أنه جزم (تبلغْ) وعطفه على (تشتمّ) ولم ينصبه على الجواب بالواو.
والضَّراءَ: أن يستتر الرجل بالشجر، والمأزِق: مضيق الحربْ وموضع اشتدادها، والمتحفل: الذي يجتمع فيه الناس، والمولى: ابن العمْ والحليف. يقول: لا تكن خفياً في الحرب تتوارىْ وتتستر، بل أشهِر نفسك بالمبارزةْ والقتال حتى تذكرْ وتعرف، ولا تكن خاملاً، ولا تطع ذوي
стр. 571
الضعف الذين يستترون بالانهزامْ والروغان.
ولا تشتم بني عمكْ وحلفاءك، فإنك إن فعلت نُسبت إلى السفهْ وجهلت.
نصب المضارع بعد واو المعية
قال سيبويه في الجواب بالواو، قال حسان:
(لا تَنْهَ عن خلقٍْ وتأتيَ مثله ... عارُ عليك إذا فعلتَ عظيمُ)
الشاهد في نصب (تأتيَ).
يقول: لا تجمع بين النهي عن شيء وفعلك إياه، فإنك إن نهيت عن فعل شيء لقبحه ثم لم تنته أنت، كان أقبح، لأنك تعلم أنك قد عرفت أنه قبيح فنهيت عنهْ وأتيته أنت مع العلم بقبحه، ففعلك أعظم مِن فِعل مَن فَعلهْ وهو لا يعلم بقبحه.
و (عظيم) وصف لـ (عار) و (عار) مرفوع خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فعلك إياه عار عظيم عليك.
بين (أمّ) و (أو)
قال سيبويه في باب (أمْ وأوْ). قالت صفية بنت عبد المطّلب:
стр. 572
كيف رأيتَ زَبرا ... أأقِطاً أو تمرا
(أم حَضْر مياً مُرّا)
أرادت الصَّبر الحضرمي، يعني الذي يُحمل من ناحية حضرموت.
الجر بـ (رب) مضمرة
قال سيبويه في الجواب، قال أبو النجم:
(ومَهْمَهٍ تحسَبُه مكسوحا)
يُطوِّحُ الهادي به تطويحا
الشاهد في البيت أنه جر (مهمه) بـ (ربَّ) وهي مضمرة.
والمهمه: القفر من الأرض، والمكسوح: الذي كأنه مكنوس، يقال: كسحتُ البيت إذا كنسته، والمِكسحة: المكنسة. يقول: تحسب هذا المهمه قد كُنس لأنه مُجدب لا شيء فيه من نبت، ولا فيه عَلَم يُهتدَى به. وفي (يطوّح) ضمير في المهمه. يريد أن هذا المهمه يطوح العارف به، يعني أنه يذهب فيهْ ويجيء متحيراً.
فتح همزة (أنما) بمنزلة (أنّ)
قال سيبويه في باب (إنما) قال عمرو بن الإطنابة الأنصاري:
أبلغِ الحارثَ بن ظالمٍ المُوعِدَ ... والناذِرَ النّذورَ عَليّا
стр. 573
(إنما تقتل النيامَ ولا تقتلُ ... يقظانَ ذا سلاحٍ كمِّيا)
الشاهد فيه أنه فتح (أنما) وجعلها بمنزلة (أنّ) لو وقعت في هذا الموقع.
والكميّ: الذي قد غطاه ما عليه من السلاح. وسبب هذا الشعر أن الحارث بن ظالم المري قتل خالد بن جعفر بن كلاب في جوار النعمان بن المنذر. دخل الحارث على خالدْ وهو نائم، فوضع السيف في بطنه فقتله. فلذلك قال عمرو (إنما تقتل النيام) يريد أنه قتل خالداً وهو نائم.
ثم إن الحارث بن ظالم لقي عمرو بن الإطنابة، وعمرو في لأمتهْ وسلاحه، فقال له الحارث أأنت عمرو بن الإطنابة؟ قال: نعم فمن أنت؟ قال: أنا الحارث بن ظالم. . . فنزل إليه عمرو فاستجاره، فأجاره الحارث. ويقال إن عمراً قال له: آمنّي على نفسي فإني أشكرك. فعاتبه الحارث على قوله ما قال، فخلى سبيله.
وزعم بعض الرواة أن عمرو بن الإطنابة ذُكر عنده الحارث بن ظالم، فشتمه فنهته امرأتهْ وقالت: ما تريد إلى رجل من العرب لم يَجْرِ بينكْ وبينه شيء قط تشتمه عليه، تريد تشتمه من أجله، فلطمها. فبلغ ذلك الحارث بن ظالم، فركب حتى أتاه بالمدينة في بيته فقال: إني جئت بتجارة، وإني كنت في جوارك، فأخذها بعض قومك فاركب معي.
فركب معهْ وعليه السلاح،
стр. 574
حتى إذا برزا قال له الحارث بن ظالم: أنائم أنت أم يقظان؟ فزعموا أن عمراً جزَّ ناصيته فوضعها في يد الحارث، فقال له الحارث: قد وهبتك لامرأتك.
رفع جواب الشرط على تقدير التقديم
قال سيبويه في الجزاء: (وقد يجوز في الشعر: آتي مَنْ يأتِني) يريد أنه يجوز أن يكون الفعل بعد الشرط مجزوماً، ويكون الفعل المتقدم يسد مسد الجواب، ثم يؤخّرْ وهو في نية التقديم. وهذا يحسُن إذا كان فعل الشرط ماضياً.
فإذا كانت (إنْ) عاملة لم يجز أن يكون الجواب إلا: بفعل مجزوم، أو بجملة في أولها الفاء. فإن اضطر شاعر كان له أن يجعل الفعل الذي يأتي بعد فعل الشرط مرفوعاًْ وينوي به التقديم.
قال أبو ذؤيب:
ما حُمِّل البُختِيُّ عامَ غِياره ... عليه الوُسوق بُرُّهاْ وشعيرُها
أتى قريةً كانت كثيراً طعامُها ... كرفغ التراب كلُّ شيءٍ يَميرُها
(فقيل: تحمَّلْ فوق طَوقِكَ إنها ... مطبَّعَةُ، مَنْ يأتِها لا يَضيرُها)
الشاهد فيه أن رفع (يضيرها) ونوى به التقديم، كأنه قال: لا يضيرها مَن يأتِها،
стр. 575
كذا قدّره سيبويه، وأجاز أيضاً في هذا البيتْ وفي نظائره، أن نُقدر الفاء فيه محذوفة منه، ولا يُقدر فيه التقديم. كأنه قال: مَن يأتها فهو لا يضيرها، وحذَف
الفاءْ والمبتدأ.
فأما هذا الوجه فيوافَقُ عليه - أعني حذف الفاء - وأما تقديره تقديم الفعل، فإن أبا العباس يمنع منهْ ويقول لو قدرتُ الفعل متقدماً لصارت (مَن) فاعلة له، ولو كانت (مَن) فاعلة لخرجت عن أن تكون شرطاًْ وصارت بمعنى الذي، وصار الفعل الذي بعدها مرفوعاً، فكنت تقول: لا يضيرها من يأتيها.
والجواب عما قال أبو العباس: أن التقدير في (لا يضيرها) أن يكون مقدماً وفيه ضمير فاعل كأنه قال: لا يضيرها ضير أو لا يضيرها شيء. كما قال الله تعالى (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليَسْجنُنه).
وفيه وجه آخرْ وهو عندي جيد، وهو أن يكون الفاعل في (لا يضيرها) (التحمّل) ويكون (تحَّملْ) قد دل على المصدر الذي هو فاعل (يضيرها) ولو قُدر فيها أن فاعلها (التحمل) - على كل حال - صلح، إن قدرتَ الفاء محذوفة، أو قدرتَ فيه التقديم.
والغيار: مصدر غارَ أهله يغيرهم إذا مارهم، والميرة: يقال لها الغِيرة، والوُسوق: جمع وَسْقْ والوَسْق ستون صاعاً، و (برُهاْ وشعيرُها) بدل من
стр. 576
(الوُسوق).
أتى البُختيُّ قرية كانت كثيراً طعامها، واللفظ للبختيْ والمعنى لصاحبه، والرفغ: التراب الكثير. كل شيء يَمير هذه القرية، يأتي إليها كل حين من كل ناحية. فقيل لصاحب البُختيّ لتحمل عليه أكثر مما يطيق - إن استوى لك - فإن الطعام الذي في هذه القرية لا يؤثر فيه مقدار ما تأخذه أنت. والمطبّعة: المملوءة.
أراد أبو ذؤيب بهذا، أن الذي حمّله خالدَ بن زهير من الأمانة وكَتم سره في أنه يهوى أم عمرو، واستيثاقه منه أنه لا يخونه أعظم مما تحمّله البختي من هذه القرية: وبعد هذه الأبيات:
بأثقلَ مما كنتُ حَمَّلتُ خالداً
في الاستثناء المنقطع
قال سيبويه في الاستثناء: (وإن شئتَ جعلته إنسانها). ذكر هذا بعد ذكره: (ما فيها أحدُ إلا حمارُ) على البدل على مذهب بني تميم. وقال:
(أرادوا: ليس فيها إلا حمار، وذكروا (أحداً) توكيداً) أنه ليس فيها إنسان، ولا يجوز أن يكون الحمار مستثنى من الناس.
ثم قال بعده: (وإن شئتَ جعلته إنسانها). يريد: جعلتَ الحمار إنسانَ تلك الدار، لأنها قد خلت من أهلها، وصار فيها الوحش بدلاً منهم فكأنهم ناسها، فيكون (أحدُ) واقعاً على الحمير، لأجل أنهم قدِّروا كأنهم ناس تلك الدار.
стр. 577
وقال أبو ذؤيب:
(فإنْ تُمْسِ في قبرٍ برَ هوةَ ثاوياً ... أنيسُك أصداءُ القبور تصيحُ)
الشاهد فيه أنه جعل الأصداء أنيسَ هذا الرجل المرثي، والأصداء لا يؤنس بها، وهو جمع صدىْ وهو طائر يكون في المفازة، والثاوي: المقيم، ورهوة مكان بعينه.
تقديم الاسم على فعل الشرط، وإعرابه
قال سيبويه في باب الجزاء، قال كعب ابن جُميل:
فإذا قامتْ إلى جاراتها ... لاحتِ السّاق بخلخالٍ زَجلْ
وبمَتْنَيْن إذا ما أدبرتْ ... كالعِنانين، ومُرتجٍّ رَهِلْ
(صَعدةُ نابتةُ في حائرٍ ... أينما الريحُ تميِّلها تمِلْ)
الشاهد فيه أنه أخر فعل الشرطْ وهو مجزوم، وقدّم الاسم قبله، ورفعه بإضمار فعل تفسيره هذا الفعل المتأخر. وهذا لا يجوز إلا في الشعر.
стр. 578
وصف امرأة. وقوله لاحت الساق، يريد ساقها لاحتْ وفيها خلخال، والزجِل:
المصوِّت، والزجَل: الصوت. وهم يصفون الخلخال في بعض المواضع بالصموت، إذا أرادوا أن الساق ضخمة ممتلئة لحماً، قد ملأت الخلخال فلا يتحرك. ويصفونه مرة بأن له صوتاً، إذا أرادوا أنه يصيب أحدُ الخلخالين الآخر أو غيرَه من الحليّ فيصوّت.
وقوله كالعِنانين، يريد أن متنيها أملسان براقان كملاسة السَّيرْ وبريقه. والمرتج كفلها، والرهِل: الذي قد تدلىّ من كثرة شحمهْ ولحمه، والصعدة: القناة، والحائر: المكان الذي يجتمع فيه الماء. شبهه بالقناة في استواء قامتها، وفي تثنيها إذا مشت كما تتئنى القناة إذا ضربتها الريح.
عطف (إياك) كما نعطف الظاهر
قال سيبويه في باب الضمير، قالت نائحة عدي ابن أخت الحارث بن أبي شَمِر:
لعمرُك ما خشيتُ على عديٍّ ... سيوفَ بني مُقيِّدة الحمارِ
(ولكني خشيتُ على عديّ ... سيوفَ القوم أو إياك حارِ)
قتيلُ ما قتيلُ بني حُذارٍ ... بعيدُ الهمّ جوّاب الصحاري
الشاهد فيه أنه عطف (إياكّ) وهو ضمير منفصل كما يعطف بالظاهر.
وكان الحارث بن أبي شَمِر بعث ابن أخته عدّياً إلى بني أسد، فقتله يعمر وعُميرة ابنا حُذار،
стр. 579
وقولها: (سيوفَ بني مُقيِّدة الحمارِ) تريد أن أمهم راعية، تخرج بالغنمْ ومعها حمار تقيده لئلا يعدو. تقول: أنا لم أخش على عدي أن يقتله أولاء.
ويروى: (رماح الجن أو إياك حار).
تعني أنها لم تكن تخشى عليه أن يقتله أحد من الناسْ ولا يجترئ عليه. ورماح الجن: الطاعون (أو إياك حار) تقول: لم أخش أن تموت إلا بالطاعون، أو بقتلك يا حارث إياه. والحارث هو الملك. تريد أنه لم يكن مثله يُخشى عليه أن يقتله غير ملك، بعيد الهم: تريد أن همته تتناول الأمور البعيدة، لا يبعد عليه شيء مع سعة
همته.
الإتيان بالضمير منفصلاً
قال سيبويه قال عمرو بن معد يكرب:
(قد علمتُ سلمىْ وجاراتُها ... ما قطّر الفارسَ إلا أنا)
شككتُ بالرمحِ حيازيمَه ... والخيلُ تجري زِيَماً بيننا
الشاهد فيه أنه أتى بالضمير المنفصلْ وهو (أنا) حين لم يمكنه أن يأتي به متصلاً، وإنما لم يمكنه أن يصله بالفعل فيقول: (ما قطرت الفارس) لأن المعنى كان يبطل، لأنه يكون نافياً عن نفسه أنه قطر الفارس. والأمر الذي يقع بعد (إلا) هو مثبت مستثنى مما نُفي، فلما احتاج أن يأتي بالضمير بعد (إلا) أتى به منفصلاً لأن موضع انفصال وإنما هو موضع اتصال. الاتصال أن يتصل بالفعلْ ويليه، والانفصال أن يبعد عن الفعلْ ولا يليه.
стр. 580
وقطر الفارس: ألقاه على أحد قطريهْ وهما جانباه والحيازيم: جمع حيزومْ وهو ما حول الصدر، والزِيَم: المتفرقة. يقول: طعنت بالرمح في صدره والخيل تجري بفرسانها تحمل بعضهم على بعض و (زِيَماً) منصوب على الحال.
في باب الاستثناء المنقطع
قال سيبويه قال عمرو بن معد يكرب:
(وخيلٍ قد دلفتُ لها بخَيْلٍ ... تحيَّةُ بينِهمْ ضربُ وجيعُ)
الشاهد فيه أنه جعل الضرب بالسيوف تحيةً بينهم.
يريد أنهم جعلوا مكان تحية بعضهم بعضاً ضربَ السيوف. ودلفت لها: قصدت إليها وقربت منها ولقيتها. يريد أنه كان يجمع الجيوش فيَلقَى بهم أمثالهم، وعنى أنه كان يرأسهم، لأن الرؤساء يجهوزن الجيوش، ويسيرونهم.
العدول عن جزم الفعل إلى رفعه على الاستثناء
قال سيبويه في عوامل الأفعال، قال جميل:
(ألمْ تَسألِ الرَّبعَ القَواء فينطِقُ ... وهل تُخبرَنكَ اليومَ بيداءُ سَمْلَقُ)
стр. 581
بمختلفِ الأرواحِ بين سُويقةٍ ... وأحدبَ، كادت بعد عهدكَ تُخْلقُ
الشاهد فيه على رفع (فينطِقُ) على استثناء خبر، يريد فهو ينطقُ. والقَواء: المكان القفر، البيداء: الصحراء الواسعة، والسملق: التي لا شيء بها من نبتْ ولا غيره، وهي جرداء مستوية. وسويقة موضع بعينه، وأحدب مكان بعينه أيضاً، ومختلفِ الأرواح: الموضع الذي تهب فيه الرياح من كل وجه. كادت هذه المنازل تُخلق بعد أن عهدتها عامرة.
اتصال (لولا) بضمائر الجر
قال سيبويه في الضمير، قال يزيد بن الحَكم الثقفي:
عدوُّكَ يَخشى صولتي إنْ لقيته ... وأنت عدوي ليس ذاك بمستوي
(وكم موطنٍ لولاي طِحْتَ كما هوى ... بأجرامه من قلةِ النِيّقُ مُنهوي)
стр. 582
الشاهد فيه أنه جعل الضمير بعد (لولا) بالياء، وهو ضمير المجرور، والأجرام جسده، والجِرم: الجسدْ وأتى بلفظ الجميع كما قالوا: بعسير ذو ثمانين، والنيق: الجبل الشامخْ وفلته أعلاه، والمنهوي: الساقط، طحت: هلكت.
نصب المضارع بعد واو المعية
قال سيبويه في عوامل الأفعال، قال ورقاء بن زهير جَديمة العبسيّ:
فيا ليت أني قبلَ ضَربةِ خالدٍ ... وقبلَ زهير لم تلدْني تماضرُ
(فلا يَدْعُني قومي صريحاً لحُرَّةٍ ... لئن كنتُ مقتولاً وتسلمُ عامرُ)
كان خالد بن جعفر بن كلاب قد التقى هوْ وزهير بن جذيمة، فاقتتلا ثم اصطرعا، فوقع زهير تحت خالد، فبَصُر بهما ورقاء بن زهير، فجاء فضرب خالداً فلم يَعمل فيه سيفهْ وجاء رجل من بني عامر فضرب زهيراً - وهو تحت خالد - ضربةً أثخنته، ومات منها بعد ذلك، فنُعيتْ هذه الضربة على بني عبس، وقال ورقاء في هذه الأبيات:
رأيتُ زهيراً تحت كلكلِ خالدٍ ... فأقبلتُ أسعى كالعَجولِ أُبادرُ
стр. 583
فشَلتْ يميني يومَ أضرِب خالداً ... وأحْصَنه مني الحديدُ المُظاهرُ
وتماضر أم ورقاء. تمنَّى ورقاء أن لا تكون أمه ولدته لمّا نبا سيفه عن خالد، و (عامر) أراد به القبيلة، و (تسلم) بالتاء، وروَوْه بالنصب على الجواب بالواو.
حذف العائد
قال سيبويه في عوامل الأفعال، قال الراجز:
إني لساقيهاْ وإني لكسِلْ
وشاربُ من مائهاْ ومُغتسلْ
إنّ الكريمَْ وأبيك يَعتمِلْ
(إنْ لم يجدْ يوماً على مَن يَّتكلْ)
إبدال المجزوم من المجزوم في جواب الشرط
قال سيبويه في باب الجزاء، قال الشاعر:
إنْ يبخَلوا أو يجبُنوا ... أو يغدِروا لا يحفِلوا
(يغدوا عليك مرجَّلين ... كأنهم لم يفعلوا)
كأبي بَراقشَ كلَّ لونٍ ... لونُه يتحوَّلُ
стр. 584
الشاهد فيه أنه أبدل (يغدوا) من قوله (لا يحفِلوا) وليس (يغدو) بدلاً من (يحفلوا)
لأنك لو قلت: إن يغدروا لا يغدوا عليك مرجلين لانتقض المعنى، وكان قد نفى عنهم ما يُذمون به. وإنما (يغدو) مقدر في موضع (لا يحفِلوا) كأنه قال: إن يبخلوا أو يجبنوا أو يغدروا يغدوا عليك مرجلين.
ومثله قول القائل: زيدُ إنْ يكذبْ لا يستحي يُكابرْ عليه. فـ (يكابرْ) بدل من قوله (لا يستحي) ولو قال (يكابرْ) بعد (لا) لفسد المعنى، ولكنه بدل من (لا وما بعدها).
ومعنى لا يحفلوا، لا يبالوا كيف كانت حالهم عند الناس، والمرجّل: المسرَّحُ الرأس المدهونُهُ وإنما يرجل شعره الفارغ القلب، الذي ليس في قلبه همّ. يعنى أنهم إذا بخلوا أو جبنوا أو غدروا لم يحزنوا لشيء من ذلك. وأبو بَراقش: طوير صغير يتحول ألواناً.
يريد أنهم يتقلبون في ألوان القبيح، ولا يثبتون على خلق جميل.
عطف الظاهر على الضمير المجرور
قال سيبويه في باب الضمير، قال الشاعر:
(فاليومَ قرَّبْتَ تهجوناْ وتشتِمُنا ... فاذهبْ فما بكْ والأيامِ من عَجَبِ)
стр. 585
الشاهد فيه أنه عطف (الأيام) على الكاف المجرورة بالباء. وهذا قبيح، يجوز في الشعر. وقربتَ يريد دنوت، ويجوز أن يعني قربت كلامك القبيح، ويجوز أن يريد أنه أسرعَ في سبهمْ وهجوهم كما تقرب الدابة.
و (تهجونا) في موضع الحال، و (تشتِمُنا) معطوف عليه، كأنه قال: فاليوم قربت هاجياً وشاتماً، فاذهب: أمر على طريق التهدد، فما بكْ والأيامِ من عَجَبِ، أي أنت يُتوقع منك أفعال قبيحة، ولا نعجب أن يفعل القبيح مثلك، كما أن الأيام يُتوقع أن يرد فيها كل ما نعجب منه.
إضمار اسم كان
قال سيبويه في أبواب الضمير: قال الشاعر:
(إذا ما المرءُ كان أبوه عبسُ ... فحسبُك ما تريدُ إلى الكلامِ)
الشاهد فيه أنه أضمر في (كان) اسمها، ورفع (أبوه) بالابتداءْ و (عبس) خبره والجملة في موضع خبر (كان). ويجوز أن يكون (أبوه) رفعا بـ (كانّ) وينصب (عبسا) خبر كان. ويجوز أن يكون مرفوعاً بـ (كان) مقدرة بعد (ما) و (كان) التي هي ظاهرة، تفسيرها. لأن (إذا) يطلب الفعل. وهذا هو الوجه عندي. ويجوز في (كان) غير ما ذكرتهْ ولكن الوجهين اللذين تقدما أجود من غيرهما.
стр. 586
يقول: إذا نُسب العربي إلى عبس، فحسبك بنسبته إلى عبس شرفاً ورفعة، ما تريد إلى الكلام، أي ما تطلب بعد شرفهْ وأدبه.
رفع المصدر المؤول (من أنّ وما بعدها) على
الابتداء
قال سيبويه في أبواب (أنّ). قال المفضّل النكري.
(أحقا أنّ جيرتنا استقلوا ... فنيتناْ ونيَّتهمْ فربقُ)
فدمعي لؤلؤ سلسُ عُراهُ ... يخِرُّ على المهاوي ما يَليقُ
الشاهد فيه أنه أتى بقوله (أنّ جيرتنا استقلوا) و (أنّ وما يتصل بها) في تقدير مصدر كأنه قال: أحقاً استقلالُ جيرتنا. و (استقلال) مبتدأْ و (حقاً) في معنى ظرفْ وهو خبر المبتدأ. ومعناه: أفي حقٍ استقلالُ جيرتنا.
وزعم قوم أن سيبويه لا يرفع مثل هذا على الابتداء، وإنما يرفعه بالظرف، وأنه فيما سطره سيبويه المنع من الابتداء بـ (أنّ) المفتوحة المشددة. وقد ذهبوا بكلام سيبويه إلى غير وجهه - والذي يمنعه سيبويه أن تكون (أنّ) التي هي مبتدأة في
حكم الإعراب - مبتدأة في اللفظ، ولم يمنع أن تكون مبتدأة من طريق الحكم.
والدليل على صحة هذا قولهم: إنّ عندي أنّك خارج. فـ (إنّ) قد عملت في (أنّ) كما تعمل في (زيد) من قولك: إنّ خلفك زيداً. ولو كان (عندي) عاملاً في (أنك خارج) لما تخطى عملُ إنّ المكسورة إلى (أنّ).
ونحن نستدل على
стр. 587
صحة ما نذهب إليه في قولنا (إنّ زيداً) مبتدأ من قولهم (خلفك زيد) بأنّا إذا جئنا بـ (إنّ) المكسورة قبل الظرف، وصل عملها إلى الاسم كما يصل عملها إليه في قولك (زيد خلفكّ) ولو ارتفع في التأخير بالظرف، لم يصل عمل (إنّ) المكسورة إليه.
ومعنى استقلوا: فرغوا من شد متاعهمْ ورحالهم على إبلهم، ثم أثاروا إبلهم ليسيروا، والنيّة: الموضع الذي ينوي المسافرون الرحيل إليه. يقول: هم ينوون الرحيل إلى موضع غير الموضع الذي ننوي نحن الرحيل إليه.
وفريق: مفترقة، والنية أنثى، وهي عندي من نحو قولهم: امرأة صديق، وليس على القياسْ وكان ينبغي أن يقول: ْ ونيتناْ ونيتهم فريقان، ولكنه اكتفى بخبر إحداهما عن خبر الأخرىْ ويجوز أن يكون من نحو استعمالهم (عدوّاً) للواحدْ والاثنينْ والجمع، و (صديق) كمثل ذلك.
فدمعي لؤلؤ يعني مثل اللؤلؤ في تحدره على خدي، سلسُ عُراهُ: أي سلس يقطع السمط الذي فيه اللؤلؤ، فانحداره سريع، والمهاوي: المواضع التي يقع منها الدمع من الوجه إلى الأرض، ما يليق: ما يثبتْ ولا يستمسك، ويخر: يسقط.
مجيء (لو) اسماً
قال سيبويه في باب ما ينصرفْ وما لا ينصرف: (وأما (لوْْ وأوْ) فهما ساكنتا الأواخر، لأن ما قبل آخر كل واحدة منهما متحرك فإذا صارت كل واحدة منهما اسماً، فقصتها - في التذكيرْ والتأنيثْ
стр. 588
والانصراف وترك الانصراف كقصة (ليتْ
وإنّ) إلا أنك تُلحق واواً أخرى فتثقلْ وذلك لأنه ليس في كلام العرب اسمُ آخره واو قبلها حرف مفتوح). قال أبو زبيد:
(ليت شعريْ وأين منيَ ليتُ ... إنّ ليتاً وإنّ لوّاً عناءُ)
أيُّ ساعٍ سعى ليقطعَ شِربي ... حين لاحت للشارب الجوزاءُ
الشاهد في هذا البيت أنّ (لو) لما جُعلت اسماً زيد عليها واو أخرى، لأنه لا يكون اسم متمكن على حرفين الثاني منهما واو أو ياء أو ألف، فإذا سميتَ بشيء مما ثانيه حرف من هذه الحروف، زدت على الحرف الثاني مثله.
وسبب هذا الشعر أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط - لما قدم الكوفة - أخذ الجنينة من ربيع الطائي ودفعها إلى أبي زبيد، ثم عُزل الوليد بسعيد بن العاصي فلما قدم سعيد انتزع الجنينة من أبي زبيدْ وأخرجه منها فقال أبو زبيد: ليت شعري أيُّ ساعٍ سعى في أمري حتى أُخذت الجنينة مني. وجعل أخذ الجنينة منه بمنزلة انقطاع الماء عنه في أشد الأوقات التي يحتاج فيها إلى الماء.
وقوله: (وأين منيَ ليتُ) يريدْ وأين مني ما أتمناه، كأنه قال: وأين
стр. 589
مني ما أتمناه بقولي ليتَ. يعني أنه لا يطمع فيه لأنه قد تقضّىْ وفات، فلذلك كان تمنيه عناء، والعناء: التعب، أي لا يحصل منه إلا عناء.
(أيُّ ساعٍ) معلق بـ (ليت) قد سد مسد الخبر عند كثير من النحويين، كما تقول: ليت شعري أزيدُ في الدار. وتقديره: ليت شعري أيُّ ساع سعى ليقطع شِربي. وقوله: (وأين منيَ ليت إلى آخر البيت) اعتراض بين (ليت شعريّ) وبين ما تعلق بها من البيت الثاني.
(حين لاحت للشارب الجوزاء) يريد حين ارتفعت في آخر الليل، وذلك يكون في شدة الحر، وأراد بالشارب: الذي يشرب الجاشرية، وهي ما يُشرب وقت السحر. ويروى (للصابح) وهو الذي يسقي غيره الصَّبوح، وهو ما يشرب عند الإصباح.
بناء ظروف المكان على الضم - كظروف
الزمان
قال سيبويه: (ومن العرب من يقول: من فوقُ ومن تحتُ يشبهه بقبلُ وبعدُ). وقال أبو النجم:
وقد جعلنا في وَضينِ الأحْبُلِ
جَوْزَ خفافٍ قلبُه مثقلِ
أحزمَ لا قوقٍْ ولا حَزَنبَلِ
موثقِ الأعلى أمينِ الأسفلِ
(أقبَّ من تحتُ أمينٍ من عَلِ)
معاودٍ كرَّةَ أدبرْ أقبلِ
стр. 590
الوضين: نِسعة عريضة تعمل من أدَم مثل الحزام، والأحبل: جمع حبل، والجوز: الوسط، والخفاف: الخفيف، والمثقل: الثقيل الضخم. أراد أنهم شدوا في الوضين وسط بعير خفيف قلبه، أي ذكي حاد، وهو مع خفة قلبه، بدنه ضخم عظيم.
وزعم بعض الرواة أنه أراد أنّ هذا البعير خفيف سيره، وقور قلبه، وأن المثقل للقلبْ والخفاف للجسم. وأراد بخفاف الجسم أنه سريع السير، ويكون في الكلام تقديمْ وتأخير، كأنه قال: جَوْزَ خفاف مثقل قلبُه. وجعله كقول امرئ القيس:
. . . . فقِلْ في مَقَيلٍ نحسُه متغيِّبِ
يريد: متغيبِ نحسُه.
والمعنى أنه شد على بعير - أراد أن يسنوَ به - الأداة التي تكون للسّانية، وشد عليه الوضين. والأحزم: البعير العظيم موضع الحزام، ويُستحب من البعير اتساع جوفه، والقوق: الطويل المضطرب، والحزنبل: القصير.
يريد أن هذا البعير تام الخلق شديد، ليس بطويل مضطربْ ولا بقصير دميم. وأراد بالأعلى: ظهر البعير أنه شديد، وأمين الأسفل: شديد القوائم، والأقبّ: الضامر الخصر ليس بمسترخيه، وخصره تحت متنهْ وظهره، وإذا
стр. 591
استرخى خصره ضعف. وقوله (أمينٍ من عَلِ) يريد أنه شديد الظهر، وهذا البعير معاود للاستقاء من الآبارْ ولأن يقال له: أدبرْ وأقبل: أدبر عن البئر إذا امتلأت الدلو، وأقبل إليها إذا تفرغت. يريد أنه قد استقي عليه مراراً كثيرة.
تنوين ظروف المكانْ وجعلها نكرات
قال سيبويه: (وكذلك من أمامٍْ ومن قدّامٍ ومن وراءٍ ومن قبُلٍ ومن دُبُرٍ وزعم أنهن نكرات) وقال أبو النجم:
تفلي له الريحُ ولمّا يَفتلِ
لمّة قفرٍ كشعاعِ السّنبُلِ
(يأتي لها من أيمُنٍْ وأشمُلِ)
الشاهد على تنوين أيمنْ وأشملْ وجعلهما نكرتين، وهما جمع يمينْ وشمال. وأراد أن هذه الظروف تكون نكرات في الأصل.
وصف راعياً. وقوله: تفلي له الريح، يريد إذا هبت الريح فرقت شعره لشعثه، وأنه ليس بمتلبّد لأنه لا يُدْهنْ ولا يمْشط، فالريح تفرقه، ولا تفرقه
الريح حتى تأخذ القمل من رأسه كما تفعل الفالية؛ وإنما تفرقه بهبوبها.
والقفر: مخفف من القفرْ وهو الذي جسمه يابس لا يُدهنْ ولا يُغسل. يقال منه: قفر يقفر قفرا، ويقال أيضاً قِفر يقفر إذا لم يجد أدْماً لطعامهْ ولا لحماً. والقفر: قلة لحم الجسم، يقال: رجل قفِرُ وامرأة
стр. 592
قفِرة إذا كانا قليليْ اللحم.
وشَعاع السنبل بفتح الشين: ما تفرق من أطرافه الدِقاق. شبّه انتصاب شعره بانتصاب شوك السنبل، يأتي لها: يريد أن الراعي يأتي الإبل من ميامنهاْ
ومياسرهاْ ويدور حولها.
عَلم المصدر
قال سيبويه: (ومما جاء اسماً المصدر قول الشاعر) وهو النابغة:
وعلمت يوم عكاظ حين لقيتني ... تحتَ الغبار فما خططتَ غباري
(أنّا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملتُ بَرَّةَ واحتملتَ فجارِ)
يخاطب النابغة بهذا زُرْعةَ بن عمرو الكلابي، يعني أنهما تلاقيا بعكاظْ وتفاخرا، فغلبه النابغة. وقوله: تحتَ الغبار، لم يُرد أنهما كانا في غبَرة، وإنما هذا مثل، أي التقينا فتفاخرنا ليعلم فضل الفاضل منا، فكنا بمنزلة فرسين استبقاْ وعّدَوا، فثار من عدْوهما غبار. وقوله فما خططتَ غباري: أي ما شققتَه. يقول تقدمتك في العدوْ وسبقتك، وكنتُ كفرس أثار الغبار في عدوه، وقصّر الفرس الذي يسابقه، فما كان المسبوق منهما يبلغ موقع الغبار الذي أثاره
стр. 593
الأول إلا بعد أن يسكن الغبار. وهذا يدل على بُعد ما بينهما، وغبار كل فرس إنما يثور وراءه، فإذا كان الثاني لا يلحق غبار الأول فكيف يدركه.
ويروى: فما حططت بحاء غير معجمة، أي لم يرتفع غبارك فوق غباري، يريد أنه لم يدركه فيختلط غبار كل واحد منهما بغبار الآخر. وقوله: احتملنا خطتينا بيننا، يقول: كل واحد منا رجع لخطتهْ وطبعهْ وطريقته التي اختارها، فأخذتُ أنا لنفسي البِرّْ والأفعال الحسنة، وأخذت أنت لنفسك الفجورْ والأفعال القبيحة.
وعند سيبويه أن (فجارِ) بمنزلة الفجور، كأنّ (فجارِ) معدول عن الفجْرة.
ترخيم أمثال: عامرْ ومالك لكثرة الاستعمال
قال سيبويه في باب الترخيم: (وليس الحذف لشيء من هذه الأسماء ألزم منه لحارثْ ومالكْ وعامر، وذلك لأنهم استعملوها كثيراً في الشعر، وأكثروا التسمية
بها). قال الذبياني:
(قالت بنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ ... يا بؤسَ للجهلِ ضرّاراً لأقوامِ)
يأبى البلاءُ فما نبغي بهم بَدَلاً ... وما نريدُ خِلاءً بعد إحكامِ
стр. 594
(فصالحونا جميعاً إنْ بدا لكمُ ... ولا تقولوا لنا أمثالها عامِ)
البيت الأول أنشد سيبويه عجزه في المنفي، واستشهد به على أن الشاعر إذا اضطر أدخل اللام بين المضافْ والمضاف إليه، وهذا هو الإقحام.
واستشهد بالبيت الثالث على ترخيم (عامر).
وسبب هذا الشعر أن بني عامر بن صعصعة بعثوا إلى حِصن بن حُذيفة، وعُيينة بن حصن أن اقطعوا ما بينكمْ وبين بني أسد من الحلف، وألحقوهم ببني كنانةْ ونحالفكم، فنحن أقرب إليكم منهم. وذلك أن بني ذبيانْ وبني عامر بن صعصعة كلهم من قيس عيلان، وبني أسد من خندف. فخشي النابغة أن يتم هذا - وكان محباً لبني أسد، كارهاً أن ينقطع ما بينهمْ وبين بني ذبيان - فقال هذا الشعر.
وقوله: خالوا، ووزنه فاعِلوا. ومنه خاليت الرجل مُخالاةْ وخِلاء. يقول: هذا الذي التمستموه من قطع الحلف الذي بينناْ وبين بني أسد جهْل، يأبى أن يقطع الحلفَ الذي بينناْ وبينهم ما بلوناه منهم، واختبرناه من نصحهم لنا، ونصرهم إيانا إذا دعوناهم إلى نصرتنا.
والخِلاء: مصدر خالي يُخالي إذا تارك. يقول: ما نريد أن نتاركهم وقد أحكمنا ما بيننا وبينهم، فصالحونا جميعاً إن أحببتم. أي ادخلوا معنا في محالفة بني أسد، حتى يقع الصلح
стр. 595
بين جماعتنا، ولا تقولوا لنا أمثال هذه المقالة يا عامر ابن صعصعة.
تنوين (أذرعات وعرفات) أعلاماً
قال سيبويه: (وقال في رجل اسمه مسلماتُ أو ضَرَبات: هذا ضَرَباتُ كما ترى
ومسلماتُ كما ترى، وكذا المرأة لو سميتها بهذا انصرفت). ثم احتج على ذلك بحجة حتى انتهى إلى قوله: (ألا ترى إلى (عرفات) مصروفة في كتاب الله ، وهي معرفة، الدليل على ذلك قول العرب: هذه عرفاتُ مباركاً فيها).
أراد أنهم نصبوا (مباركاً) على الحال، فلو كانت عرفات نكرة لكان الوجه أن يكون (مباركُ) مرفوعاً نعتاً لعرفات. ثم قال سيبويه:
(ويدلك على معرفتها أنك لا تُدخل فيها ألفاً ولاماً). قال: (ومثل ذلك أذرعاتُ،
стр. 596
سمعنا أكثر العرب يقولون في بيت امرئ القيس بن حُجْر):
تنوَّرتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثربَ، أدنى دارِها نَظرُ عال
تنوَّرتها نظرت إلى نارها - التي توقد بالليل - من أذرعات، أي وأنا بأذرعات من أرض الشام وهي مع أهلها بيثرب. وقيل إنه أراد أنه نظر إلى دارها بقلبه. وقوله: أدنى دارِها نَظرُ عال: يريد أن أقرب المواضع التي تدنو من دارها؛ بينه وبين موضعها نظر عال، أي مرتفع، فكيف أراها بعيني، وبيني وبينها بلاد كثيرة، وهذا يقوّي أنه نظر إليها بقلبه.
وجوب حذف الخبر والمبتدأ قسَم صريح
قال سيبويه في باب ما عمل بعضه في بعض وفيه معنى القسم: (وسمعنا فصحاء العرب يقولون في بيت امرئ القيس):
فقلت يمينُ اللهِ أبرحُ قاعداً ... ولو ضَربوا رأسي لديك وأوصالي
أراد أنهم رفعوا (يمينُ اللهِ) بالابتداء وحذفوا خبره، وتقديره: يمينُ اللهِ قسمي وهو مثل: لعمرُ الله لأفعلنّ.
والمعنى أن هذه المرأة لما وصل إليها امرؤ القيس زجرته، وأرادت أن
стр. 597
ينصرف، فحلف أنه لا يبرح حتى ينال حاجته ولو ضُرب رأسه وأوصاله. وأوصاله: أعضاؤه الواحد منها وِصْل. والمعنى واضح.
صيغة (فعّال) في النسبة: نبّال
قال سيبويه في باب من الإضافة لا تُلحِق فيه ياءيْ الإضافة: (وقالوا لذي السيف سيّاف والجمع سيّافة). وقال امرؤ القيس:
لِيقتلني والمَشرَفيُّ مُضاجعي ... ومسنونةُ زُرقُ كأنيابِ أغوالِ
وليس بذي سيفٍ فيقتلني به ... وليس بذي رمحٍ وليس بنبّالِ
أراد وليس بذي نبل.
وصف حال امرأة هويَها وهويته، وأن زوجها أراد قتله فقال: كيف يقتلني والمشرفي مضاجعني؟ والمشرفي: سيف منسوب إلى المشارف، قرى تدنو من الريف. والمسنونة: المحددة، وأراد نصال سهام قد جُليت فصفت، وإذا اشتد صفاؤها، ضَربتْ إلى الزرقة، وجعلها كأنياب أغوال تعظيماً لطولها وحدّتها، وأن يبالغ في قوتها،
стр. 598
والأغوال جمع غول.
شبّه نصال السهام التي معه بأنياب الغيلان. يقول: أنا مع سلاحي وهو أعزل ليس بصاحب سيف ولا صاحب رمح وليس معه نبل (فيقتلني به) نصب على الجواب.
والشاهد في البيت أنه جعل النبّال في موضع النابل، أراد وليس بصاحب نبل. ويحتمل معنى الشعر عندي أن يعني بقوله: (لِيقتلني والمَشرَفيُّ مُضاجعي ومسنونةُ زُرقُ) أن جماله وحسنه وما عند المرأة من محبتها له، بمنزلة السلاح الذي يقاتل به، وأن زوجها لقبحه ومقت المرأة له - وأنها لا تحبه محبة يسيرة ولا كثيرة - بمنزلة الأعزل الذي لا سلاح معه. فزوجها كاسف البال مهموم لا يمكنه إخراج ما في قلب امرأته من امرئ القيس. ويقوّي هذا المعنى قوله:
ليقتلني وقد شعفتُ فؤادَها ... كما شعفَ المهنوءةَ الرجلُ الطالي
يعني أن محبتها له قد التبست بقلبها ووصلت إليه، كما يصل القطران الذي تُطلى به الإبل إلى قلوبها، حتى يسعى عليه من شدته.
في: حيّهل
قال سيبويه: (وأما حَيَّهل التي للأمر فمن شيئين، يدلك على ذلك (حيَّ على الصلاة) قال مزاحم العُقيلي:
стр. 599
بحَيهَلا يُزْجون كلَّ مطيةٍ ... أمامَ المطايا سَيْرُها المُتقاذِفُ
الإزجاء: السَّوْق يقال: أزجى يُزجي. يقول: يسوقون المطايا بقولهم (حيّهلا) والمُتقاذِفُ: الذي يتبع بعضه بعضاً، كأنّ كل سير تسيره هذه المطية يقذف بها إلى سير آخر. ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
أخو سَفرٍ جوّابُ أرضٍ تقاذفتْ ... به فلواتُ فهو أشعثُ أغبرُ
أي رمته فلاة إلى أخرى.
و (سيرها) مبتدأ و (المُتقاذِفُ) وصفه و (أمامَ المطايا) خبره. ويروى:
بحيَّهَلا عَجْلى الرَّواحَ رمى بها ... أمامَ المطايا. .
أي بهذا القول، رمى بهذه الناقة سيرُها قدام الإبل، أي هذا الزجر لها كان سبب تقدمها الإبلَ وإسراعها. و (عجلى) اسمها. أراد: يا عجلى سيري وأسرعي.
و (الرواح) منصوب لأنه مصدر في موضع فعل الأمر، يريد: روِّحي رواحاً.
في أسماء العلم - مما أصله صفة
قال سيبويه في باب تسمية الأرضين: (ومنها ما لا يكون
стр. 600
إلا على التذكير نحو (فلج) وما وقع صفة كـ (واسط) ثم صار بمنزلة زيد وعمرو، وإنما وقع لمعنى). يريد ما كان أصله صفة للموضع، ثم غلبت عليه الصفة حتى جرى مجرى الاسم العلم). قال مسكين الدارمي:
ونابغةُ الجعديُّ بالرملِ بيته ... عليه ترابُ من صفيحٍ موضعُ
أتى ابنَ جُعيلٍ بالجزيرة يومُهُ ... وقد فارقَ الدنيا وما كان يجمعُ
كذا إنشاد الكتاب: (ترابُ من صفيح). وفي شعره: (عليه صفيح من رخام موضعُ) وهي أحب إليّ من رواية الكتاب، لأن قوله: (تراب من صفيح) فيه بُعد. والصفيح: الحجارة، والرخام: الصخور العظام، والموضعُ: المُلقى بعضه فوق بعض.
أراد أن قبر النابغة في الرمل، وذكر حال الشعراء المتقدمين، وأنهم فنوا وذهبوا فلم يبق منهم أحد. يصغّر أمر الدنيا ويحقره.
والشاهد فيه أنه جعل النابغة - وهو في الأصل صفة - بمنزلة الاسم العلم، ونزع منه الألف واللام. وجعله اسماً كما تجيئه بطلحة وحمزة.
следующие страницы →