Полный текст (299 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
زيد، أي صاحب هذا الاسم الذي هو زيد. ومن ذلك قوله:
فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا
أي أصحاب هذا الاسم الذي هو آل حسان.
стр. 72
فصل النقص
وهو منحصر في نقص حركة، ونقص حرف ونقص كلمة.
فأما نقص الحركة منه: حذفهم الفتحة من عين (فعل)، مبالغة في التخفيف، نحو
قول الراجز، أنشده الأصمعي:
على محالاتٍ ... عُكسنَ عَكسا
إذا تسداها ... طلابا غَلسا
يريد: غلسا، وقول الآخر:
وما كل مغبون ولو سَلف صفقة ... يراجع ما قد فاته برداد
يريد: سلف، وقول الآخر:
وقالوا ترابي فقلت صدقتهم ... أبي من تراب خَلقَهُ الله آدمُ
стр. 73
يريد: خلقه الله، وقول أبي خراش:
ولحم امرئ لم تطعم الطير مثله ... عشية أمسى لا يبين من البَكمِ
يريد: من البكم. ومنه قول ذي الرمة:
أبت ذِكر عودن أحشاَء قلبه ... خفوقاً ورَفضَاتِ الهوى في المفاصل
فحكم لـ (رفضات)، وهو اسم، بحكم الصفة: ألا ترى أن (رفضات) جمع (رفضه)، و (رفضه) اسم. والاسم إذا كان على وزن (فعله)، وكان صحيح العين، فإنه إذا جمع بالألف والتاء لم يكن بد من تحريك عينة، اتباعاً لحركة فائه، نحو: جفنه وجفنات وقصعة وقصعات. وإن كان صفة بقيت العين على سكونها، نحو: ضخمة وضخمات، وصعبة وصعبات. وإنما فعلوا ذلك - فرقاً بين الاسم والصفة، وكان الاسم أولى بالتحريك لخفته، فأحتمل لذلك (ثقل) الحركة، وأيضا فإن الصفة تشبه الفعل، لأنها ثانية عن الاسم غير الصفة، كما أن الفعل ثان عن الاسم. فكما أن الفعل إذا لحقته علامة جمع، نحو: ضربوا، ويضربون، لم يغير، فكذلك لم تغير الصفة إذا لحقتها علامتا الجمع، وهما الألف والتاء. فكان ينبغي - على هذا - أن يقول: (رفضات)، إلا أنه لما اضطر إلى التسكين حكم لها بحكم الصفة فسكن العين.
стр. 74
ومثل ذلك قوله:
ولكن نَظْراتٍ بعين مريضةِ ... أولاك اللواتي قد مثلن بها مثلا
وقول الآخر:
على صروفَ ... الدهرِ أو دولاتها
يدلننا اللمة ... من لماتها
فتستريح النفس ... من زَفراتها
وقول الآخر:
وحملت زَفْرات الضحى فأطقتُها ... وما لي بزَفراتِ العشي يدان
وقول لبيد:
رحلن لشقة ونُصِبن مصبا ... لوَخْرات الهواجرِ والسموم
وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
يا صاحب اجتنبن الشام إن بها ... حمّى زعافا وحصباتٍ وطاعونا
وقول الآخر، أنشده الزجاجي، في نوادره، لأعرابية:
فاجتث خيرهما من جنب صاحبه ... دهر يكر بفرحات وترحات
стр. 75
ومما يبين لك صحة ما ذكرته من أن تسكين العين إنما هو بالحمل على الصفة، أن أكثر ما جاء من ذلك في الشعر إنما هو مصدر لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذي هو صفة. ألا ترى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه: يقال رجل عدل، أي عادل، فوقع (عدل)، وهو مصدر، موقع (عادل)، وهو اسم فاعل. وقال تعالى: (ليس لوقعتها كاذبة)، أي: كذبُ فوقع (كاذبة)، وهو اسم فاعل، موقع (كذب)، وهو مصدر.
والمعتل اللام من (فعلة) بمنزلة الصحيح اللام في أن العين لا تسكن في جمع الاسم منه إلا في ضرورة، نحو قوله:
دعا دعوة كرز وقد أحدقوا به ... فراغ ودعوات الخبيب تروغ
وقد شذوا في شيء من هذا المعتل اللام، فاستعملوا عينة ساكنة، في سعة الكلام: حكى أبو الفتح عن بعض قيس: ثلاث ظبيات، بإسكان الباء. وروي أيضاً عن أبي زيد عنهم: شرية وشريات.
ومنه: حذفهم الفتحة من آخر الفعل الماضي تخفيفاً، نحو قول وضاح اليماني
عجب الناس وقالوا ... شعر وضاح اليماني
إنما شعري - قَند ... قد خُلطْ (بالجلجلان)
стр. 76
وقول نَهشل بن حَري، في إحدى الروايتين:
فلما تبَيَّن غب أمري وأمره ... وولت بإعجاز الأمور صدورُ
يريد: تبين، وقول كعب بن زهير:
. . . . . . . . . ... ومن أشْبهْ أباه فما ظلم
يريد: أشبه.
وحذفها من الفعل المعتل اللام أحسن من حذفها من آخر الصحيح اللام، نحو قول جرير:
هو الخليفة فارضُوا ما رضَي لكم ... ماضي العزيمةِ ما في حكمه جَنفُ
وقول الآخر، أنشده أحمد بن يحيى:
ليت شعري إذا القيامة قامت ... ودُعي بالحساب أين المصير يريد: دعي.
стр. 77
وقد جاء ذلك في سعة الكلام، قرأ الحسن: (وذروا ما بَقي من الربا)، سكن الياء، إلا أن ذلك شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
ومنه: حذفهم الفتحة التي هي علامة أعراب من آخر الفعل المضارع، نحو قول الراعي:
تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسباً ... وابنا نزارِ فأنتم بيضةُ البلدِ
وقال الآخر:
فإن ببابِ الدار عينا وإن تُرَعْ ... جداراً لتلك العين أهنى وأجمل
وقال الآخر، في إحدى الروايتين:
أخلق بذي الصبر أن يظفرْ بحاجته ... ومُدمن القرع للأبواب أن يلجا
ألا ترى أنه قد سكن (تعرف)، (وترع) و (تظفر)، ثم حذفت اللام من (تراع) لالتقاء الساكنين، ونحو قول لبيد:
стр. 78
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتَبطْ بعضَ النفوس حمامها
ألا ترى أنه أسكن (يرتبط)، وهو في الأصل منصوب، لأنه بعد (أو) التي بمعنى (إلا أن)، وكأنه قال: إلا أن يرتبط بعض النفوس حمامها. وإذا كانت بمعنى (إلا أن)، لم يكن الفعل الواقع بعدها إلا منصوباً بإضمار (أن).
وحذفها من آخر الفعل المعتل أحسن، نحو قوله:
إذا شئت أن تَلْهوُ ببعض حديثها ... رفعن وأنزلن القطينَ المولدا
وقول الآخر:
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبي الله أن أسْمُو بأمَّ ولا أبِ
وقول الآخر:
وأن يَعُرَينَ إن كُسِي الجواري ... فَتَنْبو العين عن كرم عِجافِ
стр. 79
ألا ترى أنه قد حذف الفتحة من آخر (تلهو)، و (أسمو)، و (تنبو) تخفيفاً وإجراء للنصب مجرى الرفع.
ومثل ذلك قول الآخر:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتيناَ الصيد نحطبِ
هكذا رواه الفراء. ووجهه أنه سكن الياء من (يأتينا) تخفيفاً، ثم حذفها اجتزاء بالكسرة عنها. ومثل ذلك قول الآخر، أنشده اللحياني في نوادره:
وأغضى على أشياء منك لتُرْضِني ... وأدعى إلى ما سَّركم فأجيب
فسكن الياء من (ترضيني)، واجتزأ بالكسرة عنها.
ومن هذا النوع أيضا حذف (الفتحة) التي هي علامة إعراب، من آخر الاسم المعتل، تخفيفاً وتشبيهاً للمنصوب بالمرفوع والمخفوض، نحو قوله:
إن القَوافي يتَّلجن موالجا ... تَضَايقُ عنها أن تُوَلَّجها الإبرْ
стр. 80
وقول الآخر:
فتى لو ينادي الشمسَ ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا
وقول النابغة:
رَدت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
وقول الآخر:
كأن أيديهن ... بالقاع القَرقْ
أيدي جوارٍ ... يتعاطين الوَرق
وقول الآخر:
يا دارَ هندٍ عفت إلا أثافيها ... . . . . . . . . .
ألا ترى أن (القوافي)، و (الساري)، و (أقاصيه)، و (أيديهن)، و (أثافيها) في موضع (نصب)، وهي مع ذلك مسكنة الأواخر.
стр. 81
ومثل ذلك قول الآخر:
فلو أن واش باليمامة دارُه ... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
يريد: واشيا، وقول الآخر:
وكسوت عارٍ لحمه فتركته ... جذلان يسحب ذيله ورداءه
يريد: عارياً، وقول الآخر:
ومن يطيق مذكِ عند صبوته ... ومن يقوم لمستورٍ إذا خلعا
يريد: مذكياً.
وحذفت الياء في جميع ذلك لما خففت بالتسكين، لالتقائها مع التنوين وهو ساكن.
وتسكين الياء في حال النصب من الضرائر الحسنة.
ومنه: حذف علامتي الإعراب - الضمة والكسرة من الحرف الصحيح تخفيفاً، إجراء للوصل مجرى الوقف أو تشبيهاً للضمة بالضمة من (عضد)، وللكسرة بالكسرة من (فخذ) و (إبل)، نحو قول امرئ القيس في إحدى الروايتين:
стр. 82
فاليوم أشربْ غير مُسْتحقِبٍ ... إثماً من الله ولا واغِلِ
يريد: أشرب، وقول الآخر:
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيري فما تعْرفْكم العرب
يريد: فما تعرفكم، وقول الآخر:
وناع يخبرنا بمقتل سيد ... تقطع من وجد عليه الأنامل
стр. 83
يريد: يخبرنا، وقول ابن قيس الرقيات:
وأنتِ لو باكرت مشمولةَ ... صهباء مثل الفرس الأشقر
رُحتِ وفي رجليكِ ما فيهما ... وقد بدا هَنْكِ من المئزر
وقول الآخر:
بكل مُدَمّاةٍ وكل مثقف ... تنقاه من مَعْدنْه في البحر جالبه
يريد: من معدنهِ.
وأنكر المبرد والزجاج التسكين في جميع ذلك، لما فيه من إذهاب حركة الأعراب، وهي لمعنى، ورويا موضع (فاليوم أشرب): (فاليوم فأشرب)، وموضع (هند من المئزر): (ذاك من المئزر)، وموضع (فما تعرفكم): (فلم تعرفكم).
والصحيح أن ذلك جائز سماعاً وقياساً. أما القياس فإن النحويين اتفقوا على جواز ذهاب حركة الإعراب للإدغام - لا يخالف في ذلك أحد منهم.
стр. 84
وقد قرأت القراء:
(ما لك تأمنا) بالإدغام، وخط في المصحف، بنون واحدة، فلم ينكر ذلك أحد من النحويين. فكما جاز ذهابها للإدغام، فكذلك ينبغي أن لا ينكر ذهابها للتخفيف.
وأما السماع فثبوت التخفيف في الأبيات التي - تقدم ذكرها. وروايتهما بعض تلك الأبيات على خلاف التخفيف لا يقدح في رواية غيرهما هـ. وأيضاً فإن ابن محارب قرأ: (وبعولَتْهن أحَقّ بردهن)، بإسكان التاء. وكذلك قرأ الحسن: (وما يَعدهُمُ الشيطان)، بإسكان الدال. وقرأ أيضاً (مسلمة ابن محارب) (وإذ يعدكم الله)، بإسكان الدال.
وكأن الذي حسن مجيء هذا التخفيف في حال السعة شدة اتصال الضمير بما قبله، من حيث كان غير مستقل بنفسه، فصار التخفيف لذلك كأنه قد وقع في كلمة واحدة. والتخفيف الواقع في الكلمة، نحو: عضد في عضد، وفخذ في فخذ، وإبل في إبل، سائغ في حال السعة، لأنه لغة لقبائل ربيعة، بخلاف ما شبه به من المنفصل، فإنه لا يجوز إلا في الشعر.
فإن كانت الضمة والكسرة اللتان في آخر الكلمة علامتي بناء، اتفق النحويون على جواز حذفهما في الشعر تخفيفاً، نحو قول أبي نخيلة:
стр. 85
إذا اعوججن ... قلت صاحِبْ قوم
بالدو أمثالَ ... السفين العومِ
وقول العذافر الكندي:
قالت سليمى ... اشترْ لنا دقيقا
وهات خبز ... البر أو سويقا
وقول الآخر:
فاحذر ولا تَكْتَرْ ... كريا أهوجا
علجا إذا ساق ... بنا عَفَنْجَجَا
وقول الآخر:
ومن يتّقْ فإن الله معْهُ ... ورزق الله مؤتاب وغادي
ألا ترى أن الأصل: صاحب قوم، واشتر، ولا تكتر كرياً، ومن يتق فإن الله، إلا أنه سكن إجراء للمتصل مجرى المنفصل، أو إجراء للوصل مجرى الوقف، كما تقدم في تسكين المرفوع والمخفوض.
فأما قراءة من قرأ: (ويخشَ الله ويتّقْه)، فسكن القاف، يريد: ويتقه، فإن التسكين فيها أحسن من التسكين في (اشتر لنا) وأمثاله،
стр. 86
لشدة اتصال الضمير بما قبله، على ما تقدم تبيينه.
وأما نقص الحرف فمنه: وصل ألف القطع، نحو قول أبي الأسود:
يا با المغيرة رب أمرِ مُعْضل ... فرجتهُ بالمكرِ مني والدّها
يريد: يا أبا المغيرة، وقول الآخر:
يا للرجالِ لحادثِ الأزمانِ ... و (النسوةِ) من آل (أبي) سفيان
و (قول) حاتم الطائي:
أبوهم أبي والأمهات امهاتنا ... فأنعم ومتعني بقيس بن جَحْدرِ
يريد: والأمهات أمهاتنا، وقول أبي زبيد الطائي:
وأيقن أكدر إذ صاروا ثمانيةُ ... أن قد تفرد أهلُ البيت بالثمن
يريد: أكدر، على وزن أحمر، وهو هاهنا اسم كلب، وقول الآخر، أنشده أبو الحسن:
стр. 87
تضب لثات الخيل في حجراتها ... وتسمع من تحت العَجاجِ لها ازملا
يريد: لها أزملا. والأزمل: الصوت، وقول الآخر:
قلت لشيطاني ... وشيطاناتي
لا تقربوني أنا ... في الصلاة
وقول الآخر:
حتى يقول ... كل من راهُ إذْ راهْ
يا ويحه من ... جملِ ما أشقاه
يريد: من رآه إذ رآه. وأنشد أحمد بن يحيى:
هُويّ جندِ ... إبليسِ المِريدِ
يريد: جند إبليس.
وقد جاء ذلك في الفعل: قال الطرماح:
ألا أيها الليل الطويل ألا أصبح ... بتم وما الإصباح فيك بأروح
يريد: ألا أصبح، وقال الآخر:
ما شدّ أنفسهم وأعلمهم بما ... يحمي الذمار به الكريم المسلم
стр. 88
يريد: ما أشد أنفسهم. وأنشد أبو علي:
إن لم أقاتل ... فألْبِسوني بُرقُعا
وفتخاتٍ في ... اليدين أربعا
يريد: فألبسوني. ومثل ذلك قول الآخر:
ت لي آل عوف فانْدهم لي جماعة ... وسل آل عوف أي شيء يضيرها
يريد: ائت، فحذف الهمزة التي هي فاء (الكلمة)، فبقيت التاء متحركة، فلم يحتج إلى اجتلاب همزة وصل، وقول الآخر:
فإن نحن لم ننهض لكم فنبزكم ... فَتُونا فقودونا إذا بالخزائمِ
يريد: فأتونا، فحذف الهمزة. وهو في الشعر كثير.
وقد جاء منه شيء في الكلام: حكى أبو زيد: (لاب لك)، يريدون: لا أب لك. وقرأ سالم بن عبد الله: (فمن تعجل في يومين فلا آثم عليه) بحذف همزة (أثم). وقرأ ابن محيصن: (وآتيتم إحداهن).
стр. 89
وقرأ ابن كثير في بعض الروايات عنه:
(إنها لإحدى الكبر)، بحذف همزة إحدى. وحكى أبو علي الدينوري أن العرب يقولون: (مخيرك)، يريدون: ما أخيرك. وحكى أيضاً عن المازني أن العرب يقولون: (ما شر اللحم للمريض)، (ما خير اللبن)، تريد: ما أشر، وما أخير. وحكى الكوفيون أيضاً عن العرب: (ما خبر اللبن للصحيح، وما شره للمبطون).
ومنه: ترك صرف ما ينصرف. وفيه خلاف، فأجازه الكوفيون وبعض البصريين. ومنعه س وأكثر البصريين. واحتج المانعون له بأنه إخراج الاسم عن أصله، لأن الأسماء المعربة الأصل فيها أن تكون منصرفة. قالوا: وإنما يجوز في الضرورة رد الكلمة إلى أصلها، لا إخراجها عن ذلك. وزعموا أن ما أنشده الكوفيون، شاهداً على منع صرف ما ينصرف، على غير ما أولوه، أو ينشد على غير ما أنشدوه. ألا ترى أنهم استدلوا بقول عباس بن مرداس:
стр. 90
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
فلم يصرف مرداساً، وهو أبوه وليس بقبيلة. والرواية عندنا فيه: (يفوقان شيخي). وشيخه هو مرداس. واستدلوا بقول (ابن قيس الرقيات):
ومصعب حين جد الأم ... ر أكثرها وأطيبها
فلم يصرف مصعباً. والرواية عندنا فيه: (وأنتم حين جد الأمر). واستدلوا بقول دوسر بن دهبل القريعي:
وقائلةِ ما بال دَوْسرَ بعدنا ... صحا قَلْبُه عن آل ليلى وعن هندِ
فترك صرف دوسر. والجيد الصحيح، عندنا، في إنشاد بيت دوسر: (وقائلة ما للقريعي بعدنا) واستدلوا بقول ذي الإصبع:
وممن ولدوا عام ... رُ ذو الطولِ وذو العرضِ
فلم يصرف عامراً، ولم يجعله قبيلة، لأنه قد وصفه بالمذكر، فقال: (ذو الطول وذو العرض). ولو كان قبيلة لقال: ذات الطول وذات العرض ولا حجة لهم في
ذلك، لأن عامراً أبو القبيلة، فيجوز أن تعنى به القبيلة فلا
стр. 91
يصرف، ثم يذهب به مذهب أبي الحي، فيقال ذو الطول، كما قال : (ألا إن ثمود كفروا رَبَّهم ألا بُعدا لثمود)، فصرف الأول لما ذهب به مذهب (أبي) الحي، وترك صرف الثاني لما ذهب به مذهب القبيلة.
وما ذكروه من التأويل في هذا البيت ممكن. وأما الأبيات الثلاثة التي تقدمت قبل هذا البيت، فلا يقدح روايتهم لها في رواية الكوفيين، بل الروايتان محمولتان على الصحة. إلا أنه لا دليل للكوفيين على ما ذهبوا إليه من منع الصرف في بيت مرداس، ولا في بيت ابن قيس الرقيات، لأن حذف التنوين لا يكون دليلاً على منع الصرف إلا بشرط أن يستعمل الاسم، مع ذلك، في موضع (الجر) مفتوحاً. وكذلك أيضاً لا دليل لهم في قول الزبير بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، في أخيه العباس:
إن أخي عباسَ ... عف ذو كرمْ
فيه عن العوراء ... إن قيلت صمم
وفي قول الآخر:
لولا انقطاع الوحي بعد محمد ... قلنا محمدُ من أبيه بديل
لأن عباساً ومحمداً ليسا في موضع الخفض.
ومن هذا القبيل قول أبي الطيب:
стр. 92
فحمدانُ حمدون وحمدونُ حارث ... وحارثُ لقمان ولقمانُ راشد
والصحيح عندي ما ذهب إليه الكوفيون، بدليل قول دوسر: (ما بال دوسر بعدنا)، قول عمرو بن عدي، ابن أخت جذيمة:
فإن تستنكري عمرا فإني ... أنا ابن عديَّ حقاً فأعرفينا
وقول الأخطل:
طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت ... بشبيبَ غائلة النفوس غدور
وقول أبي دهبل:
أنا أبو دهبلَ ... وهْبُ لوهَبْ
من جُمحِ والعز ... فيهم والحسبْ
وقول الكميت:
يرى الراؤون بالشقرات منها ... كنار أبي حباحبَ والظبينا
стр. 93
وقول حسان بن ثابت:
. . . . . . . . . ... شلت يدا وحشيَّ من قاتل
ألا ترى أن دوسراً، وعدياً، وشبيباً، ودهبلاً، وأبا حباحب، ووحشياً، في موضع خفض، وهي مع ذلك مفتوحة غير منونة.
ووجه منعها الصرف اعتدادهم فيها بعلَّة واحدة من العلل المانعة للصرف، وهي العلمية، تشبيهاً لها بالعلة التي تمنع الصرف وحدها.
ومنه: حذف التنوين لالتقاء الساكنين، نحو قول حسان:
لو كنت من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أو أصحاب اللوى الصيد
أو من بني زهرةِ الأخبار قد علموا ... أو من بني خلفِ الخضر الجلاعيد
يريد: من بني خلف الخضر، وقول أبي الأسود:
فألفيته غير مُسْتَعتبٍ ... ولا ذاكرَ الله إلاّ قليلا
يريد: ولا ذاكراً الله إلا قليلاً، وقول ابن قيس الرقيات:
تذهل الشيخ عن بينه وتبدي ... عن خدام العقيلةُ العذراءُ
стр. 94
يريد: عن خدام العقيلة، وقول الآخر:
حُمَيْدُ الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
يريد: حميد الذي. وقول الآخر، أنشده الفراء:
لتجدّنّي ... بالأميرِ برّا
وبالقناة ... مدعسا مكرّا
إذا غطيفُ ... السلمي فرّا
يريد: غطيف السلمي.
فأما قراءة أبي عمرو: (عزيرُ ابن الله)، فإنما حذف التنوين لأنه جعل (ابن الله) صفة لعزير، والخبر محذوف، والتقدير: عزيرُ ابن الله إلهنا. والعرب تحذف التنوين من الاسم العلم الموصوف (بابن) المضاف إلى العلم لالتقاء الساكنين، وهما التنوين وباء (ابن)، مع كثرة الاستعمال الداعية إلى التخفيف. فأما حذفه فيما عدا ذلك، فإنما سببه مجرد التقاء الساكنين، وهو غير جائز إلا في الضرورة. وقد نص س على ذلك في الباب الذي ترجمته: باب من اسم الفاعل (الذي) جرى مجرى الفعل المضارع
стр. 95
في المفعول في المعنى.
ومنه حذف النون من الثنية والجمع من غير أن يكونا موصولين أو مضافين، نحو قول الشاعر:
يقولون ارتحل قبلي قريشاً ... وهم متكنفو البيتَ الحراما
يريد: وهم متكنفون البيت، ونحو قول تأبط شرا:
هما خطتا إما إسارُ ومنةُ ... وإما دمُ والقتلُ بالحر أجدر
في رواية من رفع إسارا ومنه، يريد: هما خطتان، وقول الآخر:
لنا أعنز لبن سمان فبعضها ... لأولادها ثِنْتا وفي بيتنا عنز
يريد: لأولادها ثنتان. وفي قول أبي حناء الفقعسي:
قد سالم الحيات ... منه القدما
الأفعوان والشجاع ... الشجعما
стр. 96
هكذا رواه الكوفيون بنصب الحيات وحذف النون من (القدما). التقدير:
القدمان، وقول الآخر:
ولم تَنَام ... العينا
يريد: العينان، وقول أبي نخيلة:
كأن أذنيه ... إذا تشوفا
قادمتا أو ... قلما محرفا
يريد: قادمتان أو قلمان محرفان. هكذا أنشده الكوفيون، ونظروا به بيت أبي حناء المتقدم.
وذهب الفراء في قول امرئ القيس:
لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النّمرْ
إلى أنه أراد خظاتان، فحذف النون. وأستدل على ذلك بقول الآخر:
ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهَضْبِ
стр. 97
ولا يحفظ شيء من ذلك في كلام العرب، إلا ما نسبوه إلى كلام الطير، وهو قول الحجلة للقطاة: (قطا قطا، بيضك ثنتا وبيض مائتا)، أي ثنتان ومائتان.
ووجه حذف النون في جميع ذلك التشبيه بما يجوز حذفها منه في فصيح الكلام، وهو الموصول، نحو قول الأخطل:
ابني كليبٍ إن عميّ اللذا ... قتلا (الملوك) وفككا الأغلالا
وقول الأشهب بن رميلة:
إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
ومنه: حذف النون الذي هو علامة للرفع في الفعل المضارع، لغير ناصب ولا جازم، تشبيهاً لها بالضمة من حيث كانتا علامتي رفع، نحو قول أيمن بن خريم:
стр. 98
وإذ يغصبوا الناس أموالهم ... إذا ملكوهم ولم يغصبوا
وقول الآخر:
أبيت أسري ... وتبيتي تدلكي
وجهك بالعنبر ... والمسك الذكي
وقول الآخر، أنشده الفارسي:
والأرض أورثت ... بني آداما
ما يغرُسُوها ... شجراً أياما
وقول الآخر، أنشده ابن جني في كتاب القد له:
تسلأ كل ... حرة نحيين
وإنما سلأت ... عكتين
ثم تقولي ... اشتر لي قرطين
ألا ترى أن النون قد حذفت من: يغصبون، وتبتين، وتدلكين، ويغرسون، وتقولين، لغير ناصب ولا جازم، كما فعل بالحركة في: (أشرب) من قوله:
فاليوم أشربْ غير مستحقب ... . . . . . . . . .
стр. 99
ولا يحفظ شيء من ذلك في الكلام، إلا ما جاء في حديث خرجه مسلم في قتلى بدر، حين قام عليهم رسول الله ﷺ فناداهم. . . الحديث، فسمع عمر قول النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله، كيف يسمعوا، وأنى يجيبوا، وقد جيفوا) فحذف النون من (يسمعون) و (يجيبون).
ومنه: حذف النون الخفيفة الداخلة على الفعل المضارع للتأكيد، من غير أن يلقاها ساكن، نحو قوله، أنشده أبو زيد في نوادره:
اضرِبَ عنك الهمومَ طارقها ... ضَرْبكَ بالسّوْطِ قونَسَ الفرس
قال ابن خروف: إنما جاز ذلك على التقديم والتأخير، فتوهم اتصال النون من (اضربن) بالساكن بعده.
والصحيح أنه حذفها تخفيفاً، لما كان حذفها لا يخل بالمعنى، وكانت الفتحة التي
في الحرف قبلها دليلة عليها.
ويدلك على صحة ذلك قول الشاعر، أنشده الجاحظ في البيان له:
خلافاً لقولي من فَيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالفَ تُذكرا
стр. 100
يريد: خالفن، وقول الآخر، أنشده الفارسي:
إن ابن أحوص مغرور فبلَّغَهُ ... في ساعديه إذا رام العلا قصر
يريد: فبلغنه، وقول الآخر:
يا راكباً بلغَ إخواننا ... من كان من كندة أو وائلِ
يريد: بلغن. ألا ترى أن النون من (خالفن)، و (بلغنه) و (بلغن) لا يمكن أن يقال إنها حذفت على توهم اتصالها بساكن.
ومثل ذلك ما أنشده أبو زيد في نوادره:
في أي يومي ... من الموت أفر
أيوم لم يُقْدرَ ... أم يوم قدر
يريد: لم يقدرن، ودخلت النون على الفعل المنفي بلم، كما دخلت عليه في قول الآخر:
يحِسبه الجاهلُ ... ما لم يَعْلما
стр. 101
ولا يجوز مثل هذا في سعة الكلام إلا شاذاً، نحو قراءة أبي جعفر المنصور: (ألم نشرحَ لك صدرك)، بفتح الحاء.
ومنه: حذف نون الوقاية من: (ليت)، (عن)، و (من) و (قد)، نحو قول زيد الخيل:
كمنيةِ جابرٍ إذ قال ليتني ... أصادِفُه وأتلف جل مالي
وقول الآخر:
أيها السائل عنه وعني ... لست من قيسِ ولا قيس مني
وقول الآخر:
قدني من نصر ... الخُبَيْبين قدى
وقول الآخر، أنشده أحمد بن يحيى:
قد القلب من وجد برحت به قد ... وللقلب من وجد بها أبداً قدى
стр. 102
ولا يجوز في الكلام إلا ليتني، وعني، ومني، وقدني. هذا مذهب البصريين. وزعم الكوفيون أنه يجوز في ما بعد (قد) النصب والخفض، يقال: قد عبد الله درهم، فمن نصب عبد الله قال: قدني درهم، فأثبت النون، ومن خفض عبد الله قال، إذا أضاف إلى نفسه، قدي درهم.
والصحيح ما ذهب إليه البصريون، لأنه لا يحفظ قدي، بحذف النون، إلا في ضرورة الشعر.
ومنه: حذف نون لكن، ومن، ولم يكن، لالتقاء الساكنين تشبيهاً بالتنوين، أو بحرف المد واللين، من حيث كانت ساكنة وفيها غنة، وهي فضل صوت في الحرف، كما أن حرف المد واللين ساكن، والمد فضل صوت فيه.
فمن حذف نون (من) قول الأعشى.
وكأن الخمرَ المدامةَ مِ الأس ... فنط ممزوجةُ بماء زلال
يريد: من الأسفنط. وفيه جمع بين ضرورتين: حذف نون (من)، وقطع همزة الوصل، وقول الآخر:
أبلغ أبا دُخْتَنُوسَ مالكة ... غير الذي قد يقال مِ الكذب
يريد: من الكذب، وقول أبي صخر:
стр. 103
وكأنهما مِ الآن لم يتغيروا ... وقد مر للدارين من بعدنا عَصْر
يريد: من الآن.
ومن حذف نون (لكن) قول النجاشي:
فلست بآتية ولا أستطيعه ... ولاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
يريد: ولكن اسقني.
ومن حذف نون (لم يكن) قوله:
لم يكُ الحق على أن هاجه ... رسم دار قد تعفى (بالطلل)
يريد: لم يكن الحق.
فإن قال قائل: لم زعمت أن حذف (نون) لم يكن ضرورة وهي تحذف في فصيح الكلام، قال الله تعالى: (خلقتك من قبل ولم تَكُ شيئاً)،
стр. 104
فالجواب أن نقول: إن العرب إنما تحذفها في الكلام إذا لم يكن بعدها ساكن، لأنها إذ ذاك تكون ساكنة - تشبه الواو في (يغزو) والياء في (يرمي) والألف في (يخشى) في السكون وفي أن فيها فضل صوت، وهو المد، فأجروها لذلك مجراها في الحذف للجازم. وأما إذا كان بعدها ساكن، فإنها إنما تحذف لالتقاء الساكنين، إذ لو لم تحذف لالتقاء الساكنين لوجب تحريكها. وإذا تحركت لم (تشبه) الياء ولا الواو ولا الألف. وإذا لم تشبهها، لم يحذفها الجازم.
ومنه: قصر الممدود. والنحويون مجمعون على جوازه، لما فيه من رد الاسم إلى أصله بحذف الزائد منه، نحو قول الشاعر:
أنزل الناسَ بالظواهرِ منها ... وتبّوا لنفسه بطحاها
وقول الآخر، أنشده الفراء:
ترامت به النسوان حتى رمَوْا به ... وَرَا طرِق الشامِ البلادَ الأقاصيا
وقول الراجز:
لابدُ من صنعا ... وإن طال السفر
فـ (البطحا)، و (ورا)، و (صنعا) ممدودات، وقد قصرت للضرورة بحذف الألف التي قبل الهمزة لأنها زائدة لغير معنى. فلما حذفت الألف، رجعت الهمزة
في (بطحا) و (صنعا) إلى أصلها، لأنها مبدلة من ألف التأنيث. وإنما كانت قلبت همزة لاجتماعها مع الألف التي كانت قبلها.
стр. 105
وأما الهمزة في (ورا)، فإنها أصل، وإنما صارت ألفاً بعد القصر، لأنهم سهلوها بإبدالها ألفاً، على حد قولهم في هنأ هنا: قال الشاعر:
راحت بمسلمة البغال عشية ... فأرعى فزارة لا هناك المرتع
وحكى السكري عن الكسائي والفراء في شرحه شعر الكميت أنهما قالا إن العرب لا تكاد تقصر ممدوداً في رفع ولا خفض، يقولون! رأيت قضاءك، ولا يقولون: هذا قضاك، ولا (مررت) بقضاك. فعلى هذا قول النمر:
يسر الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
وقول السموأل بن عادياء:
بني لي عادياً حصناً حصيناً ... إذا ما سامني ضَيْمُ أَبَيت
стр. 106
وقول الأعشى:
عنده البر والتقى وأسا الشق ... وحمل لمُضْلعِ الأثقالِ
في رواية من كسر الهمزة، من القليل عندهما، لأن البقاء، و (عادياء)، و (الأساء) - وهو الدواء، في موضع رفع، وقد قصرت. ولا فرق عند البصريين بين المنصوب وغيره.
وفي بيت السموأل دليل على ما ذكرناه من أن المحذوف في بطحاء وصنعاء وأشباههما، الألف التي قبل همزة التأنيث لا همزة التأنيث. ألا ترى أنه منع (عاديا) الصرف، ولو كان المحذوف منه الهمزة التي للتأنيث لصرفه، إذ ليس فيه إذ ذاك ما يوجب منع الصرف، فلما منعه الصرف دل ذلك على أن الألف التي في آخره هي الهمزة المبدلة من ألف التأنيث عادت إلى أصلها.
وزعم الفراء أنه لا يجوز أن يقصر من الممدود إلا ما يجوز أن يجيء في بابه
(مقصور)، فلا يجوز عنده قصر حمراء، وصفراء، وأشباههما، لأن مذكرهما أفعل والصفة إذا كانت للمذكر على وزن (أفعل) لم يكن المؤنث إلا على وزن فعلاء.
стр. 107
وهذا الذي ذهب إليه باطل، بدليل قول الأعشى:
والقارح العدا وكل طِمِرة ... ما أن تنالُ يدُ الطويل قَذَالها
وقول أبي الأسود:
رأيت الْتِوا هذا الزمانِ بأهله ... وبينهم فيهم تكون النوائبُ
وقول الآخر:
ولكنما أهدى لقيس هدية ... بفي من أهداها لك الدهرَ إثَلبُ
وقول الآخر:
فلو أن الأطبا كانُ حولي ... وكان مع الأطباء الأساه
ألا ترى أن (العدا) فعال كقتال، وضراب، والصفة التي تكون على هذا الوزن لا تجيء على مثال فعلى فتكون من المعتل مقصورة. وكذلك اهداء مصدر أهدى، مثل أكرم إكراماً. والتواء مصدر التوى. ولا يجيء المصدر من أفعل على (أفعل)، ولا من أفتعل على (افتعل)، فيكون مثالهما من المعتل مقصوراً. وكذلك الأطباء جمع طبيب، وأفعلاء جمع (فعيل) لا يجيء في كلامهم إلا ممدوداً.
ومنه: الاكتفاء بالحركات عن حروف المد واللين المجانسة لها الكائنة في
стр. 108
أواخر الكلم، نحو قول خفاف بن ندبة:
كنواحِ ريش حمامةِ نجديةِ ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد
وقول مضرس الأسدي:
وطرتُ بمنصلي في يعملاتِ ... دوامي الأيدِ يخبطن السريحا
وقول الأعشى:
وأخو الغوانِ متى يَشأ يَصرِ منه ... ويَعُدْنَ أعداءّ بُعَيْدَ وِدادِ
ألا ترى الياء من (نواحي)، و (الأيدي)، و (الغواني) قد حذفت واجتزئ بالكسرة عنها. ووجه ذلك التشبيه بقصر الممدود، أو بحذفهم لها مع التنوين، من جهة أن الألف واللام والإضافة يعاقبان التنوين، فحكم لكل
стр. 109
واحد منهما بحكم ما عاقبة. فكما تحذف الياء في (نواح)، و (غوان)، و (أيد) مع التنوين، (فكذلك) حذفت في قوله: كنواح ريش حمامة، مع الإضافة، (وحذفت) في (الأيد) و (الغوان) مع الألف واللام.
ومثل ذلك قول الآخر:
كفاك كف ما ... تليق درهما
جواداً وأخرى تُعطِ ... بالسيف الدما
يريد: تعطي، وقول بعض الأنصار:
. . . . . . . . . ... ولقد تُخْفِ شيمتي إعسار
يريد: تخفي.
ومن الناس من أنكر على س وغيره من النحويين جعلهم حذف الياء من (الأيد) وأمثاله من ضرورة الشعر. وأستدل على ذلك بأنه قد جاء في القرآن حذف الياء في غير رؤوس الآي، وقرأ به عدة من القراء، كقوله : (من يهدِ الله فهو المهتِد ومن يضلل فلن تجد له ولياً
стр. 110
مرشداً) (و) في آي غيرها.
وهذا لا يلزم النحويين لأنهم إنما أرادوا من لغته إثبات الياء في الأيدي وأمثاله قد يحذفها في الضرورة لما ذكرناه.
وأما الألف الكائنة في آخر الكلمة فإن حذفها والاكتفاء بالفتحة منها قليل، ومنه قول رؤبة:
وَصّاني العَجّاجُ ... فيما وصّني
يريد: فيما وصاني. وإنما قال ذلك فيها لخفتها.
ومنه: حذف الياء والواو الواقعتين صلة لهاء الضمير المتحرك ما قبلها في الوصل، إجراء لها مجرى الوقف، نحو قول رجل من بأهلة:
أو معبر الظّهرِ ينبي عن وليته ... ما حجّ رَبّهُ في الدنيا ولا اعتمرا
وقول الشماخ:
следующие страницы →