Полный текст (367 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقوله: (ذا الجزر) إشارة إلى موت أبي وائل، وإذا كان الجزر ذلك، كان البحر سيف الدولة لا غير.
(لا ينْقُصُ الهالكونَ منْ عددِ ... منهُ عليٌّ مُضَيَّقُ البِيدِ)
قال أبو الفتح: أي إذا هلك هالك من عددٍ منه عليٌّ سيف الدولة لم ينقص ذلك العدد، لأن البيد تضيق عنه، أي: عن كرمه وبُعد وصيته، فإذا سلم فلا تُبل من مات.
قال الشيخ: هذا كما فسره إلى قوله: (لأن البيد)، وبعده من المعنى بعيد. وقوله: (مضيق البيد) ليس بكرمه وبُعد وصيته بل كفاءته وجنوده، كما قال فيه:
فربَّ كتابٍ عن جوابٍ بعثتَه ... وعنوانُه للنَّاظرينَ قَتامُ
حروفُ هجاءِ النَّاس فيه ثلاثةٌ ... جوادُ ورمحُ ذابلُ وحسامُ
تضيقُ به البيداءُ من قبلِ نشرهِ ... وما فُضَّ بالبيداءِ عنهُ خِتامُ
стр. 107
وبعد، فإن البيد لا تُوصف بالضيق عن الكرم وبُعد الصيت، وإنما يوصف الزمان به والعمران.
(مهما يُعزَّ الفتى الأميرُ بهِ ... فلا بإِقدامه بالبيداءِ ولا الجودِ)
قال أبو الفتح: أي إذا سلم له إقدامه وجوده هان فقد ما سواهما.
قال الشيخ: يقول إذا عُزِّي سيف الدولة بأبي وائل فإنما يُعزَّى لقرابته منه لا لعدمه جوده وإقدامه، فإن عدمه إياه غير مؤثر في معاليه، فإن جوده وإقدامه خلَّفاً عن كل تالف وعوضاً عن كل ماضٍ.
وقال في قصيدة أولها:
(عواذلُ ذات ِ الخالِ فيَّ حواسدُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(وتُسعِدُني في غَمرَةٍ بعدَ غَمرَةٍ ... سَبوحٌ لها منها عليها شواهدُ)
стр. 108
قال أبو الفتح: وقوله لها منها عليها شواهد، كأنه من كلام الصوفية، وهو صحيح،
أي: إنه إذا نظر أحد إلى استواء خلقها وتناسب أعضائها علم أنها كريمة سابقة، فكأنه قال: لها شواهد من خلقها على كرمها.
قال الشيخ: عندي أنه يصفها بالعتق والإقدام وخوض الغمرات واقتحام الهبوات وشدة المراح والصبر على الجراح، فيقول: تُساعدني سبوح بهذه الصفات، لها من تلك الغمرات شواهد عليها، أي: على عتقها وصبرها على مض الجراحات ووقع الضربات والطعنات والرشقات، وقيل لها: للغمرة من السبوح على الغمرة شواهد بخوضها لها وحسن بلائها فيها، وقتل فارسها من أنيابها وأسره من إنشائها وخروجه عنها، وإذا كان فارسها بها ملك حتى أهلك وقدر حتى صدر فكأنها تفعلها، ولعمرك هي شواهد صوادق، وقيل لها، أي للغمرة، من السبوح على السبوح شواهد نحو منها لها ولقاؤها الشدائد فيها ومعاناتها لنزاع البلايا في مجاريها وخروجها بكثرة جراحها عنها، وهذا هو الأول غير أن الهاء في الأول راجع إلى السبوح، وفي هذا القول راجع إلى الغمرة والجميع حسن جميل. ويدلك على صحة ما يتلوه: تثنى على قدر الطعان، أي: تدربت به وتجربت ومرنت عليه واعتادته حتى عرفته، فهي تتعطف على
مقاديره، وقوله:
إذا لم تُشاهد غير حُسنِ شِياتها ... وأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مُغَيَّبُ
стр. 109
يدلك عليه أيضاً، لأن حُسن الخيل في عتقها وكرمها وإقدامها وصبرها على الجراح واقتحامها دون شياتها وأعضائها.
وقرأت في كتاب (التاجي) أن فرس ذي القرنين، المعروف بذي الرأسين، كان يقاتل بيده حين قتاله عليه، وإنما سُمي ذا الرأسين لأنه كانت به ملقة في جنبه الأيسر تُشبه رأس الفرس، وكان كُميتاً، وقلنا: إن لكل قائل في كل بيت غرضاً واحداً لا زيادة. وعندنا أن الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في هذا البيت هو المقصود، لكنا ذكرنا الوجهين لمقاربة بعضها بعضاً.
(وألحقَ بالصَّفصافِ سابورَ فانهوَى ... وذاق الرَّدى أهلاهُما والجلامدُ)
قال أبو الفتح: الصفصاف وسابور حصنان لهم معروفان،
стр. 110
وقوله: فانهوى، يقال: هوى النجم، وانهوى غريبة، أي: ألحقت هذا الحصن بالأول قبله، فهلكت أهلاهُما والجلامد، لأنك طحنت بعض الصخر ببعض لكثرة الرمي وشدته، أي: أهلكت الصخر أيضاً.
قال الشيخ: هذا التفسير ليس ببعيد، إلا أن فيه زيادة، وانهوى سابور حتى لحق بالصفصاف من الانهواء والانهدام، وهلك أهلاهما والجلامد التي بُنيا عليها، وكانت حواليها برضِّ الخيل لها، والجلامد التي بُنيا منها، لأنها رُضت بالمجانيق حتى صارت رقاقاً في الطريق كقول القائل:
بجمعٍ تضلُّ البُلقُ في حُجُراتهِ ... ترى الأُكمَ فيه سُجّداً للحوافرِ
(فإنَّ قليل الحبِّ بالعقلِ صالحٌ ... وإنَّ كثيرَ الحبِّ بالجهلِ فاسدٌ)
قال أبو الفتح: أي أنا أحبك بعقل، فتنتفع بي وغيري يحبك بجهلٍ، فلا تنتفع به.
قال الشيخ: فسره فعسره، فإن الرجل يقول: أحبك لفضلك لا لنيلك، وذلك الحب
стр. 111
حب العقل الذي قليله خيرٌ من كثير حب الجهل، فإن قليله نافع، وكثير ذلك ضائر، وهو شطر مما يقول الناس: عدوٌّ عاقلٌ خيرٌ من صديقٍ جاهلٍ. وليس يقول: أحبك حباً قليلاً، يقول: أحبك من طريق العقل الذي قليلُ حبه صالح، فكيف كثيره؟
وقال في قصيدة أولها:
(لكلِّ امرئٍ مِن دهرهِ ما تعوَّدا ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(وربَّ مريدٍ ضرَّه ضرَّ نفسَه ... وهادٍ إليه الجيش أهدى وما هدَى)
قال أبو الفتح: هاد: أي قائد، وباعث إليه الجيش، فإنما أهداه إليهم من الهدية.
لا من الهداية، ولم يرشد الجيش بل أضله، ببعثه إياه وقصد سيف الدولة.
قال الشيخ: ما في البيت ولا معناه إضلال، وإن كان في لفظ الهداية والضلال تطبيق فقوله: بل أضله لغوُ، فإن معناه: رب من أراد لسيف الدولة ضراً، وهيأ أسبابه، فناله الضرر دونه ونابه، ورب مرشد إليه جيشه، فكان مُهدياً إليه الجيش لا هادياً، ومُغنماً له ذلك لا باعثاً كقوله:
أغرَّكمُ طولُ الجيوشِ وعَرضُها ... عليٌّ شَروبُ للجيوشِ أَكولُ
стр. 112
(فإنِّي رأيتُ البحرَ يعثرُ بالفتى ... وهذا الذي يأتي الفتى متعّمِّدا)
قال أبو الفتح: أي ليس إغناء البحر من يغنيه عن قصد وتعمد، وهذا يتعمد بالغنى
من يغنيه، وذلك لفظ العرب الذي يُعتاد في ذكر الخير والشر.
قال الشيخ: فسر نصفاً، وأغفل نصفاً، وبه يختل المعنى، فلا يستبين بتمامه، ولا يستنير عن أكمامه، فإنه يقول: فإني رأيت البحر يعثر بالفتى، أي: يعثره ويفرقه، وهذا يغني متعمداً له متصوراً لما يعلمه.
(ذَكيٍَ تظنِّيه طليعةُ عينهِ ... يرى قلبُه في يومهِ ما ترى غدا)
قال أبو الفتح: أي لصحة رأيه وفرط ذكائه إذا ظن شيئاً رآه بعينه لا محالة. ويجوز أن يكون معنى البيت غير هذا، أي يحفظ نفسه مخافة الحديث الباقي.
стр. 113
قال الشيخ: المعنى هو الأول، لكنه غير مشبعٍ ولا مستوفىً. والثاني وجوه: أحدها أن يقول: يرى في يومه بالفكر ما يرى في غده بالبصر، فكيف ترى عينه الحديث الباقي، وهو عين الثاني على أن الحديث من أخبار السمع دون العين؟ ومعناه أنه يرى في يومه الكائن في غده. وروايته: (طرفه).
(عرضتَ له دونَ الحياةِ وطرْفِهِ ... وأبصرَ سيفَ اللهِ منكَ مجرَّدا)
قال أبو الفتح: أي لما رآك لم تسع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.
قال الشيخ: هذا التفسير عندي فاسد، لأنه لو حال بينه وبين حياته لأهلكه، ومعلوم أنه نجا سالماً في هذه الكرة. والقصيدة ناطقة به، ولو بطلت حواسه لما
стр. 114
انقطعت أنفاسه، ولو لم يدرك بها شيئاً سيف الدولة. والمعنى عندي، إنه يقول: عرضت دون حياته وطرق نجاته سيف الله مجرداً كاد يهتك جثته ويسفك مهجته حتى احتال في لبس المسموح والمشي بالعكاز ودخول الدير كالراهب المنحاز ونزل إلى القنوات، وانساب بينهما انسياب الحيات حتى نجا بحُشاشته، وطاب نفساً عن أبنه وجيشه بجراحته.
(فأصبح يجتابُ المسوحَ مخافةً ... وقد كان يجتابُ الدِّلاصَ المُسَرَّدا)
قال أبو الفتح: يجتابُها: يدخل فيها ويلبسها، لأنه ترهب. درع دلاص وأدراع دلاص، فأراد بالدلاص هنا الجمع من الدروع، فلذلك ذكر، ويجوز أن يكون أراد الدرع الواحدة، لأنه يذكر ويؤنث. أي: ترك الحرب، وهرب إلى الترهب.
قال الشيخ: هذا شرح ما ذكرناه. وما ترهب، بل تزيا بزيهم حتى أفلت وذهب.
(فذا اليومُ في الأيَّامِ مثلُكَ في الوَرى ... كما كنتَ فيهم أوحداً كانَ أوحدا)
стр. 115
قال أبو الفتح: أي أوحدك الناس، فتركوك وحدك.
قال الشيخ: لا والله ما درى ما التفسير والخطب العسير. والمعنى إنه يقول: هذا اليوم في الأيام مثلك في الأنام، فكما لا شبيه لك فيهم لا شبيه له فيها.
(هوَ الجَدُّ حتَّى تفضلَ العينُ أُختَها ... وحتَّى يكونَ اليومُ لليومِ سيِّدا)
قال أبو الفتح: أي بلغ من حكم الجد أن تفضل العين أختها، وإن كانت في الأصل سواء، ويسود اليوم اليوم، وكلاهما ضوء الشمس لما يعرض هناك، فكذلك هذا اليوم ساد الأيام التي قبله، لأنه عيد، وإنما خص العيد دون الأيام المشتملة عليه، لأن العيد اجتمع له أمران: أحدهما، وهو الأكبر يشتمل عليه كالأيام، والأخر: إنه يوم العيد، وأراد به التنبيه على اختلاف حظوظ أهل الدنيا.
قال الشيخ: المعنى كما ذكر أولاً وأخراً دون إخلاط في البين، غير أنه أغفل نكتة فضل العين على أختها بحال ما كانتا سواء، والأصل أن الجد بالجد والحظ بالبخت، والأمور عليه تدور حتى تفضل أختها، ويسود اليوم مثله وإلا فلا موجب له. لكن المتنبي لم يحسن الاستشهاد عليه بالعين، فإنها لا تفضل أختها إلا بآفةٍ وما الأيام مثلها.
стр. 116
(فوا عَجَبا مِن دائلٍ أنتَ سيفُه ... أما يتوقَّى شفرتَي ما تقلَّدا؟)
قال أبو الفتح: الدائل أسم الفاعل من دال يدول، ويريد هنا الدولة، فتعجب من عظم همة الدولة إذا تقلدته، ومعناه في الحقيقة الخليفة، ويجوز أن يكون أخرج الدائل مخرج التَّامر واللابن، أي ذو دولة.
قال الشيخ: ما أدري والله ما تراءى له في هذا المعنى الواضح حتى أبهمه، تخطاه وما أفهمه، والرجل يتعجب من صاحب دولة تقلد سيفاً صارماً لا يحذر غربيه ولا يتوقى حديه أن يوقعا به. يعظم شأنه ويُفخم سلطانه ويشيد بقدرته وكثرة عدته وأنه أعلى يداً من متخلفه وأبعد في الأمر أمداً من متألِّفه، ولو أراد لبهره وقهره واستأثر دونه بالأمر، وكان صاحب العصر، ويدل عليه:
(ومَنْ يجعلِ الضِّرغامَ للصيَّدِ بازّهُ ... تصيَّده الضّرغامُ فيما تصيّدا)
стр. 117
قال أبو الفتح بعدما ذكر ما فيه من النحو: أي إنك فوق من تُضاف إليه يا سيف الدولة.
قال الشيخ: مضى شرحه قبله، وما هذا بشيء ولعله تحامى تفسيره بحضرة الخلافة، وإن لم يكن على عهد ذلك الخليفة، وإلا فمعناه لا يذهب على صبي، فكيف على إمامٍ رضيٍّ؟
(رأيتُكَ محضَ الحلم في محضِ قُدرةٍِ ... ولو شئتَ كانَ الحلمُ منكَ المُهنَّدا)
قال أبو الفتح: أي حلمك عن الجهَّال عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.
قال الشيخ: المعنى ما ذكره غير أن هذا مبني على النسق الأول ومعناه، وهذه الأبيات متناسبة متناصفة متواصلة متراصفة دالة على أنه كان ورد على سيف الدولة من حضرة الخلافة ما رأته من ملامة أو عتاب أو استبطاء في باب أو مؤاخذة بمالٍ ضمانٍ أو مضايقةٍ في شأنٍ وما أشبهه، فالرجل يقول: رأيتك حليماً قادراً تجر على أمثالها أذيال حلمك واحتمالك، ولو شئت لدفعتها ببأسك وقتالك، فما بك عجز عن دفعها، ولكن حلم يستأني بك عن قطعها.
стр. 118
وقال في قصيدة أولها:
(أهلاً بدارٍ سباكَ أغيدُها ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(أشدُّ عصْفِ الرِّياحِ يَسبقُه ... تحتِيَ منْ خطوِها تأيُّدُها)
قال أبو الفتح: يريد شدة عدوه.
قال الشيخ: لا بل شدة مشيه، وما للعدو هنا وجه.
(لهَ أيادٍ إليَّ سابقةٌ ... أُعَدُّ منها ولا أُعدِّدُها)
قال أبو الفتح: أنا إحداها كقول الجمَّاز:
لا تنتفنِّي بعدما رشتَني ... فإنَّني بعضُ أياديكا
стр. 119
يريد أنه قد وهب له نفسه، وليس يحصي مواهبه كثرة. قال الشيخ: ليس كما فسره، لأنه إذا وهب له نفسه كان ذلك هبة منه إلى الممدوح لا من الممدوح له، وهذا أوضح من أن يحوج إلى بيان، لكنه يقول: أُعد من تلك الأيادي لأني فيها تربيت وبها عشت وتمنيت ووفيت وأبيت، فنفسي تُعد من تلك الأيادي إذ هي إحداها بهذه الصفة.
(إذا أضلَّ الهُمامُ مهجتَه ... يوماً فأطرافُهنَّ تَنشُدُها)
قال أبو الفتح: أي إذا فقد الهمام مهجته، فإنما يسأل أطراف هذه السيوف عنها، لأنها مغراةٌ بها.
قال الشيخ: لست أعرف ما هذا الشرح الشائن والفسر المتباين، أي سؤال هاهنا لفظاً ومعنى؟ والرجل يقول: إذا فقد الهمام مهجته، فأطراف سيوف الممدوح تنشُدها، أي تعرفها، وتقول: هي عندنا ونحن أخذناها، ولا نخاف عقباها.
وقال في قصيدة أولها:
(كم قتيلٍ كما قتلتُ شهيدِ ... . . . . . . . . . . . . . . . .)
стр. 120
(أهلُ ما بي منَ الضَّنا بَطَلٌ صِيْ ... دَ بتصفيفِ طُرَّةٍ وبجيدِ)
قال أبو الفتح: أي أنا أهل ذلك وحقيق به لحسن ما رأيت، وأنا بطل صيد بتصفيف طرة وبجيد، ويجوز أن يكون (أهل) مرفوعاً بالابتداء، و (بطل) خبره.
قال الشيخ: ليس كذلك، فإنه لو أراد أنه حقيق بذلك الضنا لحسن ما رأى لما قال بعده: بطل صيد بكذا وكذا، فإنه لا يلائمه بحال، وإنما يعير نفسه ويوبخها، فيقول: أنا حقيق بما بي من الهزال حتى لم يُصد بطل مثلي من الأبطال بطُرَّة وجيد.
ولعلِّي مؤمِّلٌ بعضَ ما أب ... لُغُ باللُّطفِ منْ عزيزٍ حميدِ
قال أبو الفتح: أي في عزمي أن أبلغ أمراً عظيماً والآن لعليّ مؤمل بعض ذلك الذي أبلغه.
قال الشيخ: هذا جائز، والأحسن عندي غيه أنه يُحمل على القلب، أي: لعليّ بالغ
стр. 121
بعض ما
أؤمل، فإن استعمال لعل فيما يؤمل أحسن منه هو من القلب والنفس، والدليل عليه قوله:
أبداً أقطَعُ البلادَ ونجمي ... في نُحوسٍ وهمَّتي في سُعودِ
وقال في قصيدة أولها:
(اليومَ عهدُكمُ فأينَ الموعدُ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(أبرجتَ يا مِرضَ الجفونِ بِمُمْرَضٍ ... مرضَ الطَّبيبُ له وعِيدَ العُوَّدُ)
قال أبو الفتح: أبرحت، أي: تجاوزت الحد، ويعني بالممرض جفنها، ومرض الطبيب له وعيد العود مثلٌ، ولا طبيب هناك ولا عود، ولكنه لما جعل للجفون مرضاً، جعل لها طبيباً وعوداً، أي: إذا نظر الإنسان إلى عينها مرض من عشقها، أي: تجاوزت يا مرض الجفون الحد حتى أحوجته إلى الطبيب والعود، يبالغ في شدة مرض جفونها.
стр. 122
قال الشيخ: هذا التفسير كله فاسد، لأنه وصفه بمرض الجفون، فما معنى صفته بأنه يُمرض جفونه؟ فكيف يبرح بجفونه؟ ومرض الجفون لا يحتاج له إلى الطبيب والعود، فإنه فتور فيها مستحب لا مرض، وإنما المرض فيها لفظ مستعار كناية عن الفتور والضعف، فإنهما من صفات الممرض، وإنما يقول للرجل: أبرحت ببمرضٍ، أي: أوقعته في برحٍ، والبرح: الشدة، وأراد بالممرض: نفسه، لأنه أدنفه بحبه، ثم وصف شدة حال الممرض، فقال: مرض طبيبه وعُوَّاده حتى عيدوا.
(في كلِّ معتركٍ كُلىً مفريَّةٌ ... يذمُمْنَ منه ما الأسنَّةُ تَحمَدُ)
قال أبو الفتح: أي يذممن منه جودة الشق، وهو الذي تحمده الأسنة.
قال الشيخ: المعنى قريب، والعبارة فاسدة،، ولا فائدة في ذكر جودة الشق، فإن الكُلى لا يحتاج معها إلى كل هذا الإجادة في الشق، وإنما يقول: يذممن منه، أي: يده التي تقربها، والأسنة تحمدها لأنها تستقيها.
(حتَّى انثَنوا ولوَ أنَّ حرَّ قُلوبهمْ ... في قلبِ هاجرةٍ لذابَ الجملدُ)
قال أبو الفتح: أي لذاب الصخر لشدة الحر، وجعل للهاجرة قلباً لما ذكر قلوبهم تمثيلاً.
стр. 123
قال الشيخ: ما وفى حقه، فإنه يقول: حتى رجعوا بحر غيظٍ لو كان ذلك الحرُّ في قلب هاجرة لذاب صخرها، وما صبر عليه. وأراد بقلب الهاجرة: وسطها، وهو أشد حراً من طرفيها، وما هو كما قال: وجعل للهاجرة قلباً لما ذكر قلوبهم، لأن له معنى مفيداً، وكما أن
مكان الغيظ من الإنسان قلبه كذلك مكان أشد الحر من الهاجرة قلبها ووسطها.
(بقَيتْ جموعُهمُ كأنَّك كلُّها ... وبقيتَ بينهُمُ كأنَّك مُفرَدُ)
قال أبو الفتح: أي كنت وحدك مثلهم كلهم، لأن أبصارهم لا تقع إلا عليك، فشغلت وحدك أعينهم، فقمت مقام الجماعة، وقوله: مفرد، أي: نظير لك فيهم، فكأنه لا أحد معك منهم.
قال الشيخ: عندي أنه يقول: بقيت جموعهم حيارى حواليك خوفاً وغيظاً وحسداً وكمداً كأنهم أشباح ما لها أرواح، كأنك كلها، لأن إمارات الحياة لم تكن إلا معك ولك. وبقيت كأنك مفرد بينهم، لأنك كنت الحي فيهم، وهم كالأموات بهذه الصفات، ولا يكون هو مثلهم، لأن أبصارهم لا تقع إلا عليه، وبأن يشغل هو وحده أعينهم، لا يقوم مقام الجماعة، وبأن لا يكون نظير له فيهم لا ينبغي كون أحد معه منهم.
стр. 124
(كنْ حيثُ شئتَ تسرْ إليكَ ركابُنا ... فالأرضُ واحدةٌ وأنتَ الأوحدُ)
قال أبو الفتح: يقول: الأرض واحدة، أي للسفر علينا مشقة لإلفنا إياه.
قال الشيخ: كيف ذهب عليه الشرح على اتضاحه وإسفار صباحه، وليس تبطل مشقة السفر بكون الأرض واحدة، ولا الإلف يُبطلها زيادة، وعندي أنه يقول: كن كيف شئت دانياً أو قاصياً أو قريباً أو بعيداً تسر إليك ركابُنا فالأرض واحدة، يهون قطعها للقائد، وأنت الأوحد فيها، لا قصد إلا إلى فنائك ولا أمل إلا في جنابك.
(وصُنِ الحُسامَ ولا تُذِلهُ فإنَّه ... يشكو يمينَك والجماجمُ تشهدُ)
قال أبو الفتح: يشكو يمينك، أي: من كثر ما تضرب به، والإزالة ضد الصون وقوله: صنه، أي: به يدرك الثأر، ويُحمي الذِّمار.
قال الشيخ: النصف الأول من تفسيره صحيح، والثاني سقيم، لأن قوله: يدرك الثأر، ويحمي الذِّمار لا يُوجب صيانته، فإن السيف لهما ولمثلهما يُراد، وفيهما يُذال
стр. 125
ويُهان، ولا يُدَّخر عنهما، ولا يُصان، فما هو بمرآة الفردوس ولا سلوة النفوس إلا من هذه الجهة كما قيل:
. . . . . . . . . . . . . . . ... ففي السِّيفِ مولىً لا يَنامُ وصاحِبُ
وكما قيل:
. . . . . . . . . . . . . . . ... . . . والسَّيفُ يحميه منَ الجِيَفِ
وكما قيل:
. . . . . . . . . فنفَرةٌ ... إلى سلَّةٍ من صارمٍ الغَرِّ باتِكِ
وكما قيل:
ويركبُ حدَّ السَّيف من أن تضيمَه ... إذا لم يكن من شفرةِ السَّيفِ مَرحَلُ
وقوله:
أيقُتُلني والمشر فيُّ مضاجعي ... ومسنونةٌ زرقُ كأنيابِ أغوالِ؟
في أشباه لها كالليل والسيل. وعندي أنه يقول: صُن الحسام من أعدائك ولا تذله بهم، فإن غيظهم منك وخوفهم عنك ينوبان عن الحسام في اجتياحهم وإتيان دونه على أرواحهم، فما حاجتك إلى إذالته بهم، كما قال:
стр. 126
يرى في النَّومِ رُمحَكَ في كُلاهُ ... ويخشى أن يراهُ في السُّهادِ
وقوله:
شننتَ بها الغاراتِ حتَّى تركتَها ... وجفنُ الذي خلفَ الفرنجةِ ساهدُ
وقوله:
فإن كان خوفُ القتلِ والأسرِ ساقَهُم ... فقد فعلوا ما القتلُ والأسرُ فاعِلُ
فخافوكَ حتَّى ما لقتلٍ زيادةٌ ... وجاءوكَ حتى ما تُرادُ السَّلاسلُ
وقوله:
لا يأملُ النَّفَسَ الأقصى لمهجتهِ ... فيسرقُ النَّفَسَ الأدنى ويغتنمُ
وكما قيل في الأمثال:
فلانٌ ميتٌ كمَدَ الحُبارى ... . . . . . . . . . . . . . . .
(حيٌّ يُشارُ إليكَ ذا مولاهُمُ ... وهمُ الموالي والخليقةُ أعبُدُ)
стр. 127
قال أبو الفتح: جلهمة حي يُشار إليك أيها المخاطب بأن شجاعاً هذا الممدوح مولاهم، وهم مع هذا موالي الخلق والناس عبيدهم، وهم عبيده.
قال الشيخ: يقول: جلهمة حي يشار إلى الممدوح أنه مولاهم، وهم مواليه وعُتقاؤه والناس عبيده، جعلهم من حيث أنهم قومه وعشيرته مواليه، والناس عبيده، فجعله للأقارب فضلاً عن الأباعد، والذي فسره من هذا المعنى أبلغ في المدح وإن كان أبعد من الحق.
وقال في قصيدة أولها:
(ما الشَّوقُ مقتنعاً منِّي بذا الكَمَدِ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(ولا الدّيارُ التي كانَ الحبيبُ بها ... تشكو إليَّ ولا أشكو إلى أحدِ)
قال أبو الفتح: أي لم يبق في فضل للشكوى، ولا في الديار أيضاً فضل لها، لأن الزمان أبلاها، ألا تراه قال ما بعده:
ما زالَ كلُّ هزيمِ الودقِ يُنحِلُها ... لشَّوقُ يُنحُلني حتَّى حكت جسدَي
стр. 128
قال الشيخ: هذا معنى محتمل، وعندي أنه يقول: ما الشوق مقتنعاً مني بهذا الكمد، ولا الديار التي كان الحبيب بها تقتنع مني به. ثم قال: تشكو إليّ الديار زيادة في منّي وفي كمدي ببلائها ودروسها، ولا أشكو أنا إلى أحد، وأنفرد ببثي وحزني، فيجتمع عليَّ كمد العشق وصبابة الشوق وشكوى الديار والتفرد بها وترك الشكوى لها.
وقال في مطلع قصيدة:
(أُحادٌ أم سداسٌ في أُحادِ ... لُيَيْلُتنا المنوطةُ بالتَّنادِ؟)
قال أبو الفتح: كأنه قال: أواحدة ليلتنا أم ست، لأن ستاً في واحدة ستٌّ؟ والمشهور عنهم أن هذا البناء لا يتجاوز به الأربعة، نحو أحادٍ وثناءٍ وثلاثٍ ورُباعٍ، وقيل: العشار. وصغر ليلة على لفظها، ومعنى التحقير هنا التعظيم لطولها. والتنادي، يريد: تنادي أصحابه بما يهم به، وحذف همزة الاستفهام.
стр. 129
قال الشيخ: لست أرى فيما ذكره تفسيراً، وما معنى قوله: واحدة ليلتنا أم ست؟ فماذا فيه من جميع المعاني؟ وهل هو إلا باطل وكلام عاطل؟ وتفسير التنادي شر من هذا. وعندي أنه يقول: هذه الليلة واحدة أم ست مع واحدة لتمام الأسبوع، وهو ما تركَّبُ عنه الشهور والأعوام إلى يوم القيامة، وحاصل المعنى أن هذه الليلة ليلة واحدة أم ممتدة إلى يوم التنادي لطولها، كقوله:
من بعدما كانَ ليلي لا صباحَ لهُ ... كأنَّ أوَّلَ يومِ الحشرِ آخرهُ
(أفكِّرُ في معاقرةِ المنايا ... وقَوْدِ الخيلِ مُشرفَةَ الهوادي)
قال أبو الفتح: أي طالت هذه الليلة بما أفكر في ملازمة المنايا وقود الخيل إلى الأعداء، ومشرفة الهوادي: طول الأعناق.
قال الشيخ: ما بين ليلته والتفكير علاقة، وإنما التفكير ابتداء فيما ذكره.
وقال في قصيدة أولها:
(أحُلماً نرى أم زماناً جديداً؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
стр. 130
(رَأينا ببدرٍ وآبائهِ ... لبدرٍ وَلُوداً وبدراً وليدا)
قال أبو الفتح: البدر الأول في هذا البيت: اسم الممدوح، والبدران القمران، والولود: الوالد، والوليد: المولود. أي: لما رأينا بدراً، هذا الممدوح وأباه رأينا أباه قد ولد منه قمراً في الحسن والبهاء، فكأنه قد صار للقمر والداً، وتقديره ولوداً لبدرٍ، أي: والداً له، وهذا طريف، لأن القمر لا يكون مولوداً، لكنه أراد الإغراب في قوله وحُسن صنعته وتداخلها، فكأنه بعد هذا قال: أنت قمر، وأبوك أبو القمر.
قال الشيخ: خلط الصواب بالخطأ في هذا التفسير، فإنه جعل أباه قمراً، ولد قمراً، وما هو كذلك بحال، وإنما قال: رأينا ببدرٍ، أي: بهذا الممدوح الذي أسمه بدراً، وآبائه، أي: لبدر، أي: لهذا الممدوح ولوداً أو قمراً وليداً، وليس أبوه بمثابة بدرٍ ولا في هذا البيت ما يدل على ذلك.
стр. 131
(مُهَذَّبةٌ حلوةُ مُرةٌ ... حقرْنا البحارَ بها والأُسُودا)
قال أبو الفتح: حلوة، أي: كل أحد يعشقها ويستحسنها، ومرة: لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس، وحقرنا البحار لإفراط سخائك والأسود لإفراط إقدامك.
قال الشيخ: النصف الأول سقيم، وهو تفسيره حلوة ومرة كما فسرهما، وهما عندي كما قيل:
ممقرٌ مُرٌّ على أعدائهِ ... وعلى الأدنين حُلوٌ كالعسل
وقوله:
وله طعمانِ أريٌ وشَريٌ ... . . . . . . . . . . . . . . .
وكقوله:
. . . . . . . . . . . . . . . ... أغرَّ حلوٍ مُمِرٍّ لِّينٍ شَرِسِ
стр. 132
وقوله:
تحلو مَذَاقُته حتَّى إذا غضِبا ... . . . . . . . . . . . . . . .
وأما قوله: الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس فعندي فاسد.
وقال في قصيدة أولها:
(أقلُّ فَعالي بَلْهَ أكثرَه مجدُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(إذا شئتُ حفَّتْ بي على كلِّ سابحٍ ... رجالٌ كأنَّ الموتَ في فمِها شَهْدُ)
رواه أبو الفتح في بعض النُّسخ التي خطه عليه: (خفت) بالخاء المعجمة.
قال الشيخ: روايتي بالحاء غير معجمة، فلعله أراد بقوله: خفت بالخاء
стр. 133
معجمة حملت بحملتي على الأعداء، وفي معناه وهن، وهو أنهم يخفون به في الحملة لا هو يخف بهم، وهذا عيب ونقص في الشجاعة. وأما بالحاء فمعناه: أحدقت بي أعوان وأنصار، هذه صفتها.
(ويأمنُه الأعداءُ مِنْ غيرِ ذِلَّةٍ ... ولكنْ على قَدرِ الذي يُذنبُ الحِقدُ)
قال أبو الفتح: أي ليس يؤاخذ المذنب بقدر جرمه، وإنما يؤاخذ على قدر المذنب نفسه، ولا قدر عنده لمن أجرم، فهو لا يعبأ بأحدٍ من أعدائه، لأنه أكبر قدراً من أن يعاقب مثلهم.
قال الشيخ: هذا هو والله محض الهجاء، لأنه عدم الحمية والإباء والإغضاء على اعتراض الأقذاء، والمتنبي يصفه بالعدل والنزاهة عن الاعتداء، أعداؤه تأمنه ما لم تبدر منهم زلة، فإن بدرت فحقده على قدر ذنبهم، ولا يُعاقب غير المذنب، ولا يُجاوز بالعقاب قدر المذنب. وروايتي: (من غير ذلة) و (يُذنب).
وقال:
(أمَّا الفراقُ فإنَّه ما أهدُ ... هوَ توأمي لو أنَّ بيناً يُولَدُ)
стр. 134
قال أبو الفتح: أي لم يولد معه آخر فيضعفه، وقوله: لو أن بيناً يُولد تحرُّز واحتياط في الصنعة، ولو أطلقه، ولم يقيِّده لكان معروفاً.
قال الشيخ: لا والله ما درى ما فسره غير أن معنى البيت أنه ولد هو والفراق معاً، فهما توأمان لا يفترقان، لو كان الفراق يولد، لأنه منذ ولد صاحبه.
وقال في قصيدة أولها:
(لقدْ حازَني وجدٌ بمَنْ حازَهُ بُعْدُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(بمَنْ تشخَصُ الأبصارُ يومَ ركوبهِ ... ويُخرَقُ منْ زخْمٍ على الرَّجُلِ البُرْدُ)
قال أبو الفتح: أي يزدحم الناس للنظر إليه لجلالته. وبمن متعلقة إن شئت بتروي، وإن شئت بينبت، والتقدير بجود من أو بسبب من.
стр. 135
قال الشيخ: ما أغنى الناس وهذا البيت عن هذا الإغراب في الإعراب، ومعناه: يتزاحم الناس على رؤيته لجلاله وجماله حتى يكثر الاضطراب، وتُخرق فيه الثياب.
(وعندي قًباطيُّ الهُمامِ ومالُه ... وعندهمُ ممَّا ظفِرتُ بهِ الجَحْدُ)
قال أبو الفتح: وقوله وعندهم مما ظفرت به الجحد دعاء عليهم بأن لا يُرزقوا شيئاً، حتى إذا قيل لهم: هل عندكم خيرُ أو برٌّ من هذا الممدوح؟ قالوا: لا، فذلك هو الجحد، لأن لا حرف نفي هنا، أو لجحد ما رُزقوا إن كانوا رُزقوا شيئاً ليكون ذلك سبيلاً لانقطاع الخير عنهم.
قال الشيخ: هذا المعنى معطوف على ما قبله، وهو قوله:
فلا زلتُ ألقَى الحاسدينَ بمثلِها ... وفي يدِهم غَيظٌ وفي يديَ الرِّفدُ
وعندي حباء الممدوح وماله، وعندهم جحد ما أُعطيته وإباء الإقرار به من الغيظ، وما فيه دعاء عليهم بأن لا يُرزقوا ولا يُرزقوا.
стр. 136
وقال في أرجوزة، أولها:
(وشامخٍ منَ الجبالِ أقودِ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(يَنشُدُ من ذا الخِشْفِ ما لمْ يفقِدِ ... وثارَ منْ أخضرَ ممطورٍ ندِ)
قال أبو الفتح: ينشد: أي يطلب من هذه الخشفان مل لم يفقده، فوضع الخِشفَ مكان الخشفان، أي: فثار من مكان أخضر.
قال الشيخ: ما معنى وضع الواحد مكان الجمع، ولم يذكر إلا واحداً؟ وما هذا التعسف؟ وهو يقول: يطلب من ذا الخِشفَ ما لم يفقده، فإن النِّشدان للضالة والمفقود، وهذا الكلب ينشده، ولما يفقده.
(كأنَّه بَدْءُ عِذارِ الأمردِ ... فلمْ يكدْ إلاَّ لحتفٍ يهتدي)
стр. 137
قال أبو الفتح: أي كأن نبت هذا الموضع شعر في خد أمرد، أي: فهو مُحيِّن، فلا يهتدي إلا لحتفه، فكأنه يطلب حتفه لسرعة مُضيه إليه.
قال الشيخ: شبه خضرة ذلك المزار بخضرة بدء العذار، وتفسير الثاني فاسد، لأنه إن كان
يصف به الكلب، فهو لا يجوز بحالٍ، فإن الخشف لولا الكلب ما اهتدى لحتفٍ، وإن كان يصف الخشف لم يمض إلى الكلب، وإن أراد سرعة الكلب، فهو أفسد، فأنه بلا كأنه يطلب حتفه، ويُسرع إليه. ومعناه: إن الخشف لم يكد يهتدي لما ثار من مريضه إلا لحتفه وحينه إذ صاده الكلب، وما اهتدى لنجاةٍ وخلاص.
وقال في قصيدة أولها:
(أَودُّ منَ الأيَّامِ ما لا تَودُّهُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(بِوادٍ به ما بالقُلوبِ كأنَّه ... وقدْ رَحلُوا جْيدٌ تناثرَ عِقْدُهُ)
قال أبو الفتح: أي قد بقي الوادي عُطلاً متوحشاً لرحيلهم عنه كالجيد إذا
стр. 138
سقط عقده. وقوله: ما بالقلوب، أي: قد قتله الوجد لفقدهم، كقوله:
لا تحسبوا ربعَكُم ولا طلَله ... . . . . . . . . . . . . . . .
ويجوز أن يكون شبه تفرق الحُمول والظعن بدّرٍّ قد تناثر، فتفرق.
قال الشيخ: لم يبعُد من المعنى إلا أنه لم يحسن العبارة، وهو يقول: بوادٍ، فيه من الكآبة والوحشة والألم لفراقهم ما بالقلوب، وذلك أنه كان آهلاً مؤنساً بحلولهم، فصار قفراً موحشاً برحيلهم، وكانوا زينة ذلك الوادي وحليته، وكالعقد للجيد، فتناثرت جواهره بفراقهم.
(تولَّى الصِّبا عنِّي فأخلفتَ طيبَه ... وما ضرَّني لَّما رأيتُكَ فَقْدُهُ)
قال أبو الفتح: أي سروري بك سروري بأيام الصِّبا، فإذا رأيتك فما أُبالي إن زال عني الصِّبا.
قال الشيخ: ليس فيه شيء من المبالاة، ومعناه: إذا أخلفت عليَّ من الميعة والنشاط والمرح والاغتباط ما ذهبت به الأيام
стр. 139
مع الصبا، وما ضرني فقد الصبا لما رأيتك، لأن فوائده حصلت لي بلقائك، فما ضرني توليه، وقد أخلفت عليَّ مما حمدته فيه.
(فإنْ نلتُ ما أمَّلتُ منكَ فربَّما ... شربتُ بماءٍ يُعجزُ الطَّيرَ وِردُهُ)
قال أبو الفتح وجه المدح في هذا البيت: إنني بعيد المطالب شريفُها، فجئتك لأنك غاية الطالب، فإذا وصل إليك الطالب، فقد بلغ غاية المطلوب، وغير منكر لي أن أنال المطالب الشريفة حتى إنني لأقدر على شُرب ماء، لا يصل إليه الطير. والماء والمرعى إذا بعُدا، فإن ذلك أجمُّ لهما وأحمد لورودهما.
قال الشيخ: ما أدري هذا التفسير الذي لا يقبله عقل سليم، ولا اشتغلت بوجوه فساده لطال الكلام في إيراده، وإذا بيَّنَّا معناه تبين كل ما عناه، وهو يقول: فإن نلت أملي منك فبعد شدائد مارستها في قصدك ولابستُها حتى وصلت إليك وربما شربت بماءٍ تعجز الطير عن وروده في المهامه التي جُبتُها حتى وصلت إليك، كقوله: حلَّت الخمر، وكانت حراماً،
стр. 140
يصف المكاره التي أصابها والمهالك التي جابها حتى وصل إليه، ويجعلها حقاً له عنده وذريعة إلى نيل أمله منه.
وقال في قصيدة أولها:
(حسَمَ الصُّلحُ ما اشتهتْهُ الأعادي ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(وأشارتْ بما أتيتَ رجالٌ ... كنتَ أهدى منها إلى الإرشادِ)
قال أبو الفتح: أي أشار قوم عليك بالشِّقاق فعصيتهم، وكنت أرشد منهم.
قال الشيخ: إن كانت روايته أبيت بالباء من الإباء، فالتفسير صحيح كما فسره، وإن كانت كروايتنا بالتاء معجمة فتفسيره نقيض ما قاله الشاعر وعناه، فإنه صالح وما حارب، وأولها ينبئك عنه:
حسَمَ الصُّلحُ ما اشتهتْهُ الأعادي ... . . . . . . . . . . . . . . .
أي: أشار عليك قوم بالصلح الذي أتيت، وكنت لأمتن رأياً وأثقب بصيرة وأقوم بالإرشاد عنهم.
стр. 141
(أو يكونَ الوليُّ أشقى عدوٍّ ... بالذي تَذخرانهِ منْ عَتادِ)
قال أبو الفتح: أو أن يقتل بعضكم بعضاً بما تدَّخرون من السلاح ما يقع بينكم من الحرب فيصير من يشقى به عدواً، لأنه إنما يُعد السلاح للعدو لا للولي، فإذا قتل به بعضكم بعضاً صرتم أعداء.
قال الشيخ: لم أفهم والله ما هذا التفسير، وعندي أنه يقول: أعوذ بكما أن تستعملا عتادكما وسلاحكما بينكما، فإن رجالكما أولياء دولةٍ وأغصان دوحةٍ، فيصير الولي أشقى عدوٍّ.
وقال في قصيدة أولها:
(عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(لم يتركِ الدَّهرُ من قلبي ومنْ كبدِي ... شيئاً تتيِّمُه عينٌ ولا جيدُ)
قال أبو الفتح: أي فقد زال الغزل عني، وأفضت بي الأمور إلى الجد والتشمير.
قال الشيخ: هذا معنى،
стр. 142
وعندي أنه يقول: أفنى الدهر بضروب صروفه ومنكوده دون معروفه قلبي وكبدي، وأكلهما حتى لم يبق فضل فيهما للعشق، وكأنه ينظر إلى قوله:
رماني الدَّهر بالإزراءِ حتَّى ... فُؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سِهامٌ ... تكسَّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
والدليل عليه قوله بعده:
يا ساقييَّ أخمرٌ في كؤوسكما؟ ... أم في كؤوسكما همٌّ وتسهيدُ؟
أصخرةٌ أنا مالي لا تُغيِّرني ... هذي المدامُ ولا هذي الأغاريدُ؟
وهذه ليست من الجد في شيء.
(مِنْ كلِّ رِخوِ وِكاءِ البطنِ منفتقٍِ ... لا في الرِّجال ولا النِّسوانِ معدودُ)
قال أبو الفتح: الوكاء ما يُشد به القربة ونحوها، ومنفتق، أي رخوُ مسترخٍ بُدناً وترارةً. ورفع معدوداً على أنه من جملة ثانية، كأنه قال: لا هو معدود في الرجال ولا النساء.
стр. 143
قال الشيخ: هذا الاسترخاء الذي ذكره صحيح في وكاء البطن والانفتاق أيضاً، فأما في البُدن والترارة فلا، وقد يكون في السُّودان بُدن، فأما الترارة فلا، فإنها السمن في البضاضة ونضارة اللون، وشتان الحبشية والنُّوبة، وهذه الصفة محبوبة. وقد صرح المتنبي ما أورده. ولعل الشيخ أبا الفتح تنزه عن شرح ذلك، وإلا فهو أبين من أن يرتاب فيه، فقد وصفه برخاوة وكاء البطن وإنفتاقه حتى لا يقدر وكاؤه على إمساك ما فيه وإيثاقه، فهو يسيل دائماً بما فيه، وقد يكثر في الخدم مثله.
وقال في قصيدة أولها:
(جار نيروزُنا وأنتَ مُرادُه ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(ينثني عنك آخرَ اليومِ منهُ ... ناظرٌ أنتَ طرْفُه ورقُادُهْ)
قال أبو الفتح: أي إذا انصرف عنك في آخر اليوم خلف عندك طرفه ورقاده، فبقي عندك بلا لحظٍ ولا نومٍ إلى أن يعود إليك.
стр. 144
قال الشيخ: ليس يريد تخليف الطرف والرُّقاد، فإنه محال، وإنما يرجع عنك ناظر منه آخر اليوم، أنت لحظته وسنته وراحته، فيبقى بعدك حيران بلا تصرف ولا مستلذ حتى يعود
إليك، وفي شعره:
مضى اللَّيلَّ والفضلُ الذي لكَ لا يمضي ... ورُؤياكَ أحلى في الجفونِ منَ الغُمضِ
وللبحتري:
فإن تكلَّفتُ صبراً عَنك أو مُنيت ... نفسي به فهوَ صبرُ الطَّرفِ عن وَسَنِه
(نحنُ في أرضِ فارسٍ في سرورٍ ... ذا الصَّباحُ الذي يُرَى ميلادُهْ)
قال أبو الفتح: أي فكأنه لنا في كل يوم ميلاد، فنحن كل يوم في سرور، لأن الصباح كل يوم يُرى. يريد اتصال سروره.
قال الشيخ: عندي أن معنى البيت مما ذكره على أبعد مسافة، فإن شرحه له أحاديث خرافة، ولست أفهم معنى قوله، أي: فكأنه لنا في كل يوم ميلاد، ولا معنى قوله: لأن الصباح كل يوم يُرى، فخياله مما خبط فيه وافترى.
стр. 145
ومعناه عندي: أنا في سرور بفارسٍ للنيروز وإقامة آيينه والمتاع بتزايينه، ثم قال: ذا الصباح، أي: صباح يوم النيروز ميلاد هذا السرور.
كيف يَرتدُّ منكبي عنْ سماءٍ ... والنِّجادُ الذي عليه نِجادُهْ؟
قال أبو الفتح: كان قد حمل إليه فيما حباه به سيفاً ذا قيمة نفيساً. يريد طول حمائل سيفه لطوله.
قال الشيخ: هذا والله طول فاحش بارد. سمعت لأبي نؤاس:
وموفٍ على هامِ الرِّجالِ كأنِّما ... يُناطُ نجادا سيفهِ بلواءِ
ولم أسمع: نجادا سيفه بسماء. إن كان هذا طول ابن العميد، فيا له من طول، وإن طال المتنبي بتقلد سيفه، فيا له من كلام مدخول ومعناه عندي: إن منكبي لا يرتد عن سماء ومزاحمتها عزّاً ومنعةً وشرفاً وأبَّهةً، وحمالة سيفه عليه كم يُقال: فلان يأخذ عنان السماء، ويزاحم منكب الجوزاء في نظائر لها.
следующие страницы →