← Адаб

Адаб · id 37491

قشر الفسر

الزوزني، أبو سهل

Полный текст (367 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال الشيخ: هذا تعسير لا تفسير، ولو كان كما قال لكان هجواً صريحاً، فإنه ينوط صدقهم في نسبهم بشرط، والرجل نزيه عنه، وكلامه بريء منه، فإنه يؤيد ما مدحه به فيما تقدمه، ويقول: إذا لم تكن نفس النسيب كأصله في مكارم الأخلاق والأفعال واقتناء المفاخر والمآثر والجمع بين التُقى والعُلى والشرف الأوفى والعمل الأزكى وعمارة الدين بالدنيا وإطلاعه منها الذروة العليا وبلوغه الغاية القصوى مثلك الذي ينصر أباه بأفعاله، ويقطع ألسنة حساده ببواتر أعماله فما تغني المناصب الكريمة والمناسبة الشريفة، والنسيب ساقط عن رتبتها وهابط عن ذروتها غير حامٍ لكنفها ولا زائد في شرفها؟ كما قيل: فوا أسفي على شرفٍ صميمٍ ... أصاب بنجمهِ منك احتراقُ (يقولونَ: تأثيرُ الكواكبِ في الورى ... فما بالهُ تأثيرهُ في الكواكب؟) قال أبو الفتح: أي هو الذي يؤثر في الكواكب، فكيف قال الناس: إن الكواكب تؤثر في الناس؟ يعجب من ذلك ويعظم أمره، وذلك أنه يبلغ من الأمور ما أراد، فكأن الكواكب تبع له، وليس هو تبعاً لها. قال الشيخ: معنى هذا البيت عندي أن هذا الممدوح يعمل في الكواكب ما تعلمه

стр. 72

الكواكب في الناس، ومشيئته تؤثر فيها تأثير دورانها في الخلق، لا أنه يبلغ في الأمور ما أراد، فكأنها تبع له، وليس تبعاً لها، فإن هذا دون ما يقوله بكثير، ولفظ البيت يُنافيه وما منه شيء فيه. وقال في قصيدة أولها: (مَنِ الجآذرُ في زيِّ الأعاريب؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (يحطُّ كلَّ طويلِ الرَّمحِ حاملُه ... منْ سرجِ كلِّ طويلِ الباعِ يعبوبِ) قال أبو الفتح: أي يقتل حامل خاتمه كل فارس طويل الرمح فيذريه عن سرج كل فرس طويل الباع، أي: يحط حامل خاتمه لما اشتمل عليه من الأمر والنهي أعداءه عن سروجهم. . . يريد نفاذ أمره وانبساط قدرته. قال الشيخ: قوله يقتل حامل خاتمه كل فارس. . . إلى آخره، فاسد لا معنى له، لأن الفارس يكون من أعدائه أو من أوليائه، فإن كان من أوليائه فما معنى قتله؟ وإن كان من أعدائه فما يُطيع حامل خاتمه ليقتله ويذريه عن سرجه بل يقاتله، وما الخاتم من آلات القتال في شيء فيغلب به حامله مقاتله، ولو نزل أعداؤه عن سروجهم لخاتمه كانوا أولياءه لا أعداءه، وإنما يقول: يُصرف الأمر في ممالكه طين خاتمه، ولو درس نقشه عنه هيبة له، ثم

стр. 73

يقول: يحط هذا الطين الذي يُحمل إلى بلاد مملكته كل فارس وقائد كثير بهذه الصفة عن فرسه إذا لقي به نزل وترجل إعظاماً له وإكباراً وتلقياً لأمره بالسمع والطاعة، وروايتي (حامله) بفتح اللام، أي حامل الرمح، أي: يحط طين خاتمه المحمول كل طويل الرمح حامله، وروايته بضم اللام، أي: حامل خاتمه، وقوله: حامل خاتمه غير جائز ولا ممكن، فإنه لو احتاج إلى إنفاذ الخواتم إلى ممالكه لاحتاج إلى ألوف ألوف منها، وإنما تُحمل الختوم لا الخواتيم، والدليل على ذلك أنه يقول: يُصرف الأمر فيها طين خاتمه لا خاتمه. (فُتنَ المهالكَ حتى قالَ قائلِهُا ... ماذا لقينا مِنَ الجُردِ السَّلاهيبِ؟)

стр. 74

قال أبو الفتح: أي ضجت المفاوز من سرعة خيلي ونجاتها وقوتها. قال الشيخ: لست أتصور فيها الضجيج، ولو قال: شكت لكان أمثل، فإنه يقول: جابت خيلي المفاوز إلى كافور حتى قالت: ماذا لقينا من تبريحها بنا واختراقها لنا وامتزاقها فينا؟ (يَرمي النُّجومَ بعينَي من يُحاوِلُها ... كأنَّها سَلَبٌ في عَينِ مسْلوبِ) قال أبو الفتح: يقول ينظر إلى النجوم نظر من لو قدر عليها لأخذها، يصف بُعد مطالبه. قال الشيخ: لا والله ما فيه مما ذهب إليه وفسره شيء، وإنما أراد به أنه يسري الليل كله، وقد وكل بالنجوم عينه، وعقد بها طرفه، لا يكفها عنه، ولا يغضها دونها مراعياً لأوقات الليل حتى كم مضى منه وكم بقي، وكأنه ينظر إلى قول الراعي: فباتَ يُراعي عرِسَه وبناتِه ... وبتُّ أُراعي النَّجمَ أنَّى مخافِقُه

стр. 75

وفي أمثالها صفة لصاحبها بالجلد وقوة النفس وبُعد الهمة وشدة العزم والصبر والاحتمال للسفر وقلة النوم، وبمثلها يمدح الملوك، كما يقول: وأنتَ مَع اللهِ في جانبٍ ... قليلُ الرَّقادِ كثيرُ التَّعّب وكما يقول: فبتَّ ليالياً لا نومَ فيها ... تَخُبُّ بكَ المسوَّمةُ العِرابُ في نظائر لها كثيرة وبلغني أنه قيل لأبي مسلم: لم لا تنام؟ فقال: كيف أنام ومعي رأي جوال وعزم صليب ونفس تتوق إلى المعالي؟ ويدلُّك على صحة قوله بعده: حتَّى وصلتُ إلى نفسٍ محجَّبةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . أي: مازال ذلك دأبي حتى وصلت إليه. (حتَّى وصلتُ إلى نفسٍ محجَّبةٍ ... تلقَى النُّفوسَ بفضْلٍ غيرِ مَحجوبِ) قال أبو الفتح: هذا كقول أبي تمام: ليسَ الحجابُ بمقصٍ عنكَ لي أمَلاً ... إنَّ السَّماَء تُرجَّى حينَ تحتجِبُ

стр. 76

قال الشيخ: ما هذا كقول أبي تمام، فإن أبا تمام يقول: إذا حجبتني لم يُبعد حجابك أملي عنك، ثم استشهد بالسماء في احتجابها، وأحسن، وهو يقول: حتى وصلت إلى نفس محجبة عن الناس لا عني، وفضله عن الناس غير محجوب، كنى بأن فضله يلقاهم شاملاً، ويغشاهم دائباً، وشتان ما هما. وقال: (أغالبُ فيكَ الشَّوقَ والشَّوقُ أغلبُ ... وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصلُ أعجَبُ) قال أبو الفتح: قوله أغلب يحتمل أمرين: أحدهما أنه أغلب مني، أي: أغلب لي منه له، والأخر أن يكون (أغلب) من قولهم: رجل أغلب، أي: غليظ الرقبة، فكأنه قال: والشوق صعب شديد ممتنع،

стр. 77

والقول الأول هو الوجه، أي: الوصل أحرى بأن أعجب منه من الهجر لأن من شأنك أبداً أن تهجرني. قال الشيخ: أعجب ما في هذا أن الشوق يوصف بغليظ الرقبة، وليس من جميع هذا التفسير شيء، فإنه يُشبب فيه بسيف الدولة، وكذلك في أكثر مدائحه لكافور، كقوله: فراقٌ ومن فارقتُ غيرَ مذمَّمِ ... وأمٌّ ومن يمَّمتُ خيرُ مُيَمَّمِ وفيها يقول: رحلتُ فكم باكٍ بأجفانِ شادنٍ ... عليَّ وكم باكٍ بأجفانِ ضيغمِ وما ربَّةُ القُرطِ المليحِ مكانُه ... بأجزعَ من ربِّ الحسامِ المصمِّمِ فلو كانَ ما بي من حبيبٍ مقنَّعٍ ... عذرتُ ولكن من حبيبٍ مُعمَّمِ ومعناه أغالب شوقي إليه وأدفعه، وهو أغلب وأقهر لي مني له، وله اليد والقوة والغلبة عليَّ، وأعجبُ من الهجر الواقع بيننا والوصل أعجب، أي: كيف عييت وشقيت بفراق مثلك والوصل الواقع بيننا أعجب من الهجر؟ أي: كيف وصلت إلى خدمتك مع نكادة الدهر فيها وشُح الزمان عليها وسقوط بختي دونها ومماطلة أيامي بمثلها وضنها عليَّ بظلها، مضايقتها إياي بمحلها، فوصولي إليها أعجب من سقوطي عنها؟ كما قال غيره: عجبتُ منَ الزَّمانِ ونُصحِهِ لي ... بِقَصدِكَ وهو خوَّانٌ مُريبُ

стр. 78

وقوله: تفضَّلتِ الأيَّامُ بالجمعِ بيننا ... فلَّما حمدِنا لم تُدِمنا على الحمدِ وهبر عن الفراق بالهجر، وعن الوصول إليه بالوصل تورية وتعمية على كافور وقومه. (عشيَّةَ أحفى النَّاسِ بي مَن جَفوتُهُ ... وأهدى الطَّريقينِ الذي أتجنَّبُ) قال أبو الفتح: قال أحفى الناس بي سيف الدولة، وأهدى الطريقين الذي أتجنب، لأنه يترك القصد، ويتعسف ليخفي أمره خوفاً على نفسه. قال الشيخ: هذا حسن، وتفسير أوله كما قال لا غير، وأما تفسير أخره فعندي أنه لما فارق ولاية سيف الدولة، وحصل بدمشق من ولاية كافور على رأس طريقين: طريق حلب راجعاً إلى حضرة سيف الدولة وطريق مصر راحلاً إلى كافور، وأهدى طريقيه طريق حلب، وضل بقصد كافور ضلالاً بعيداً، وخسر خُسراناً مبيناً، ومصرياته شاهدة عليه. (شقَقتُ بهِ الظَّلماَء أُدني عنانَه ... فَيَطغَى وأُرخيهِ مراراً فَيلعَبُ)

стр. 79

قال أبو الفتح: أي إذا جذب عنانه طغى برأسه لجماحه وعزة نفسه وطماحه، وإذا أرخى عنانه لعب برأسه. قال الشيخ ما معناه كما فسره وأبداه. قال: الفرس لا يلعب برأسه البتة، وهو في اللجام، وإنما يقول: أُدني عنانه فيطغى للوثوب والطُّمور. وكذا يكون الجواد العتيق، وأرخيه فيلعب، أي: ينبسط في جريه قاذفاً وضارباً ركابيه وعنقه، فكأنه لاعب، والجواد عند الكبح له مضطراً إلى الطمور، وعند إطلاق عنانه متمكن من الجري والمرور، وهما لجمعه فيض النفس إلى عتق الجنس. (إذا لم تنُط بي ضَيعةَ أو ولايةَ ... فجودُكَ يكسوني وشُغْلُكَ يسلُبُ) قال أبو الفتح: لم تُنط: لم تسند إليَّ جيشاً أو لم تهب لي ضيعة، أي: ليس في دخلي كفاء خرجي، يريد كثرة مئونته وقلة فائدتها. قال الشيخ: سبحان الله العليَّ، أي مجال فيه للجيش؟ وأي مقال يدل عليه، ولعله وقع من الولاية إليه، وإنها لطريقة هذا المُبتلى بخدمة هذا الأسود، يقول: (وَهَبتَ على مِقدارِ كَفَّيْ زماننا ... ونفسي على مِقدارِ كفيَّكَ تَطلُبُ) إذا لم تُنط بي. . . إلى أخر البيت.

стр. 80

أي: إذا لم تُقطعني أرضاً وضيعة أتعيش بإقطاعها، أو لم تُسند إليَّ ولاية أتقوت وأتقوى بارتفاعها، فصلاتك تصل إليَّ، ومؤني في خدمتك تأخذها من يدي، فإن ما تُعطيني ر يكفيني، وما وراءه مدد دار يقوم بالكفاية كما يكون دخل الضياع والولاية. وقال في قصيدة أولها: (مُنىّ كنَّ لي أنَّ البياضَ خضِابُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (وللخَودِ مِنِّي ساعةٌ ثم بَيننا ... فَلاةٌ إلى غيرِ اللِّقاءِ تُجابُ) قال أبو الفتح: إنما أجتمع مع المرأة ساعة، وباقي دهري للفلا والمهامه. قال الشيخ: أصاب في المصراع الأول، ولم يُصب في المصراع الثاني، فإنه يقول: ثم بيننا، أي: بيني وبين الخود فلاة لا تُجاب إلى لقاء السائل، تُجاب إلى لقاء المجد والعلاء، ولا فلاة هناك على الحقيقة كما فسره، وإنما مراده التباعد بعدها عنهن، والاشتغال بطلب المعالي دونهن.

стр. 81

(وبحرِ أبو المسْكِ الخضمُّ الذي له ... على كلِّ بحرٍ زَخرةٌ وعُبابُ) قال أبو الفتح: وجر (وبحر) عطفاً على جليس، كأنه قال: وخير بحر أبو المسك كقوله: أكرم رجل زيد وامرأة هند، وليس هذا بعطف على عاملين مختلفين، لأن الذي جر امرأة هو الذي رفع هنداً. قال الشيخ: عندي أن رفع (بحر) أحسن من جره بإضمار خير، فإنه مستقيم مؤد للمعنى دون هذا الإضمار والغلو في الإعراب، وروايتي غير هذه، وبحر أبي المسك. . . وإلى آخر البيت صفته، وجواب الابتداء ما يتلوه وهو: (تجاوزَ قدر المدح حتَّى كأنَّه ... بأحسنِ ما يُثنَى عليهِ يُعابُ) (وأكثرُ ما تلقَى أبا المِسكِ بذِلَةً ... إذا لم تَصُن إلاَّ الحديدَ ثيابُ)

стр. 82

قال أبو الفتح: يقول إذا تكفرت الأبطال، فلبست فوق الحديد الثياب خشية واستظهاراً، فذلك الوقت أشد ما يكون تبذلاً للطعن والضرب شجاعة وإقداماً. قال الشيخ: سبحان الله العظيم شأنه، الثياب وما تحتها تُصان بالجواشن والدروع وأشباهها من الحديد أم الحديد يُصان بالثياب؟ لست أدري كيف تعامى عليه هذا المعنى الظاهر الذي لا يرتاب فيه صبي ولا غبي فضلاً عن إمام مثله، وليس هاهنا تكفير ولا تكفر، يقول: وأكثر ما تلقاه تبذلاً وقلة التفات إلى الثياب ولبسها إذا لم يكن ثياب تصون النفس غير الحديد، وليس يلبس الثياب فوق الحديد خشية واستظهاراً، فهذا وقع بالضد كما ترى، وقد تلبس الثياب فوق أبدان الحديد تعمية ولبساً على المقصود، ويُكفر الحديد بالثياب، أي: يُستر كيلا يُرى ويُعلم، وإنما يعلمه الخائف والغادر. (وأوسعُ ما تلقاهُ صدراً وخلفَه ... دِماءٌ وطعنٌ والأمامَ ضِرابُ) قال أبو الفتح: نصب (الأمام) على الظرف، وإن كان فيه الألف واللاَّم، وهو ظرف

стр. 83

مكان، لأنه مبهم على كل حال بمنزلة أمامه، فجعل الألف واللاَّم بدلاً من الإضافة على مذهب الكوفيين، أي: أوسع ما يكون صدراً إذا تقدم في أول الكتيبة، يضرب بالسيف، وأصحابه من ورائه ما بين طاعن ورام. قال الشيخ: كل من كان كما يقول متقدماً في أول كتيبة، يضرب بالسيف، وأصحابه من ورائه ما بين طاعن ورام، فإنه يكون واسع الصدر إذ لا بأس عليه ولا مخافة له من جوانبه، إذ هو مُتكِّوف بأصحابه، وهذا التفسير أيضاً وقع بالضد، فإنه يقول: وأوسع ما تراه صدراً في الحال التي لا يصحب الإنسان فيها نفسه، ولا يصدقه جيشه، وهو في مأزق ضاق به المكان، واكتنفه الرمي والضراب والطعان من أعدائه، فأمامه ضراب في وجهه ووراءه رمي وطعن من خلفه، فأوسع ما تلقاه صدراً إذا كان والحال هذه، وهي الشجاعة والبطولة التي لا غاية لها ولا نهاية. (وأنفذُ ما تلقاهُ حُكماً إذا قضى ... قضاَء ملوكُ الأرضِ منه غضابُ) قال أبو الفتح: يقول إذا أراد أمراً يُغضب جميع الملوك، فحينئذ أنفذ ما يكون أمراً، فإن قيل: فهل يكون أمره في وقت أنفذ منه في وقت؟ قيل: إنما يُتبين نفاذ أمره ومضاؤه في هذه المواطن العظيمة، فلذلك قال هذا، وكذلك القول فيما قبل هذا.

стр. 84

قال الشيخ: لست أتبين تفسيره، وأذكر ما عندي فيه، فإن توافقا فمرحباً بالوفاق، وإن كان أحدهما أحسن من الأخر وأليق بالبيت من الثاني فليأخذ به المتأمل له، عندي أنه يقول: إن الممدوح سيد الملوك، وهم له كالعبيد والخدم، وأنفذ ما يكون حكمه في الدنيا إذا قضى قضاء يقلقهم، ولا يوافقهم ولابد لهم من الانقياد له والبدار به والسمع والطاعة له على كراهيتهم لذلك، وتكون مسارعتهم إليه أوحى من مسارعتهم إلى غيره، مبالغة في الطاعة وانقياداً وتفادياً من سمة المُخالاة وتهمة الكراهة. (إذا نلتُ منكَ الوًدَّ فالمالُ هَيِّنٌ ... وكلُّ الذي فوقَ التُّراب تُرابُ) قال أبو الفتح: أي التراب أصله، فليكن ما شاء. قال شُقران السَّلامي: لكلِّ اجتماعٍ من خليلينِ فرقةٌ ... وكلُّ الذي فوقَ التُّرابِ تُرابُ قال الشيخ: هذا التفسير أيضاً غير متضح لي،

стр. 85

وعندي يقول: إذا وددتني فالمال كان أو لم يكن سهل، فإن جميع ما على وجه الأرض فانٍ غير باقٍ، فخدمتي إياك على ودك لي تكفيني وداً، أحسن ما هده لو أن كرماً وفضلاً استفزه، وحقر في عينيه الدنيا وبصره الخاتمة والعقبى لو احتقر وأبصر وما أليق ما قيل بهما: لقدْ أسمعتَ لو ناديتّ حيّاً ... ولكن لا حياةَ لمن تُنادي وقال في قصيدة أولها: (ما أنصفَ القومُ ضَبَّهْ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (وإنْ عرفتَ مُرادي ... تكشَّفتْ عنكَ كُربَهْ) قال أبو الفتح: أي أنت مع ما أوضحته من هجائك، وأزلت عنه الستر غير عارف به لجهلك، فأنت لاستتاره عنك في كربة، لا تدري أمديح هو أم هجاء؟ فإذا عرفت أنه هجاء زالت عنك كربة معرفتك إياه، ثم لا تُبالي بالهجو بعد لسقوطك.

стр. 86

قال الشيخ: استتار الهجاء عن الإنسان واشتباهه عليه لا يكون كربة بحال من الأحوال، إذا عرفت أنه هجاء له لم تزل عنه كربة لمعرفته أنه هجاء، وإنما تحل به كربة إذا عرف أنه هجاء. والمعنى عندي غيره، فإنه فاسد من الوجوه التي أوضحتها، والنكتة التي شرحتها. والرجل يقول: وإن عرفت مرادي في هجوي لك، فإني أردت به رفعتك لا ضِعتك وتشريفك لا تعنيفك واشتهارك به لا احتقارك وصغارك، وتسيير ذكرك وتعظيم قدرك تكشفت عنك كربة بمعرفتك أني أردت بما قلت مسرتك لا مساءتك، وإن جهلت مُرادي هذا فإنه بحماقتك وجهالتك أشبه لأنك لا تفطن لأمثالها، وكأنه يُناقض الحسن بن هانئ: بما أهجوكَ؟ لا أدري ... لساني فيكَ لا يجري إذا فكَّرتُ في قدرِكَ ... أشفقتُ على شعري وقال من قصيدة أولها: (آخرُ ما المَلكُ معزَّى بهِ ... هذا الذي أثَّرَ في قلبهِ) قال أبو الفتح: لفظه لفظ الخبر، أي: لا أعاد الله إليك مصيبة بعدها، كقولك: لك العمر الطويل.

стр. 87

قال الشيخ: معنى الخبر عندي أحسن هاهنا من الدعاء، لأنه إذا دعا له بألاَّ أعاد الله إليك مصيبة بعدها، فقد دعا بأن لا يعيش ولا يبقى، فإن من لا يًصاب بمصيبة لا يكون حياً، فالمصراع الثاني يُبطل على معنى الدعاء، فإنه لا يحسن أن يقول: أعاد الله إليك مصيبة هذا الذي أثر في قلبك، والرجل يقول: أخر ما يُعزى به هذا الذي أثر في قلبه، وإن عرضت بعدها هنات محقرات يُعزى بها رسماً، لم يؤثر في قلبه شيئاً. (وإنَّ مَنْ بغدادُ دارٌ له ... ليس مُقيماً في ذَرا عَضْبهِ) قال أبو الفتح: أي لعل الأيام لم تعلم أن من غاب عن حضرته من أهله وأسرته، ولو علمت بذلك لما تعرضت لشيء من أسبابه، أي: جميع من ببغداد مقيم في ظل سيفه وعزه. يُفضله بهذا على غيره. قال الشيخ: لست أدري معنى قوله لما تعرضت لشيء من أسبابه إلى آخر تفسيره له،

стр. 88

وعندي أنه يقول: لعل الأيام تحسب أن الغائب عنه ليس من أهله وأن من بغداد دار له ليس مقيماً في كنف سيفه، فلهذا تجاسرت على اخترام عمَّته، فإنها كانت ببغداد عند عمه معزِّ الدولة أبي الحسين، وماتت بها، ولو قال قائل: عنى بمن بغداد دار له: عمه معزَّ الدولة أبا الحسين، وأن الأيام حسبت أنه ليس مُقيماً بها في ظل سياسته وذرا سيفه، فلهذا تجاسرت على طروق جنابه واختطاف أخته من وراء حجابه حسن، ولم يبعد عن الصواب، وكلاهما قريب من قرينه إلا أن الثاني أعز للممدوح وأنبه له. (وَلَمْ أقُلْ مِثلَكَ أَعني بهِ ... سواكَ يا فرداً بِلا مُشْبهِ) قال أبو الفتح: أي أنت تفعل هذا، ولا مثل لك، كأنه أراد زيادة مثل قوله: كفاتكٍ ودخولُ الكافِ منقصةٌ ... كالشَّمسِ قلتُ وهل للشَّمسِ أَمثالُ؟

стр. 89

أي: جزاك الله وأشباهك، وإذا دعا على من يشبهه في فعله، فقد دعا عليه معنى لا لفظاً. قال الشيخ: هذا التفسير أغرب من جميع ما تقدم، ولست أعرف من أوله إلى آخره جامعاً بينه وبين معنى البيت غير قوله: (كفاتكٍ)، والدعاء أعجب من كل عجيب، وأغرب من كل غريب، وما دعا الرجل له وعليه ولا لمن يُشبهه ولا عليها، فإنه يقول: مثُلكَ يَثني الدَّمعَ عن صَوبهِ ... ويستردُّ الحُزنَ عن غَربهِ في صبره عن العزاء وصلابة عزمه على البأساء وعلمه بأن البقاء سبب الفناء وتفرده بالجبرية والكبرياء والإباء على جوارب اللأواء، ثم اعتذر إليه عن ذكر المثل له، فقال: ولم أقل مثلك، أعني به غيرك يا فرداً بلا نظير، وقوله: ليس كمثله، أي ليس كهو شيء من قول العزاء. والله تعالى تقدس عن المثل والضِّد والنَّدِّ والكُفؤ.

стр. 90

قافية التَّاء قال في قطعة أولها: (لنا مَلِكُ ما يُطَعمُ النَّومَ هَمهُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (ويكبُرُ أَنْ تقذَى بشيءٍ جفونُه ... إذا ما رأتهُ خَلَّةٌ بكَ فَرَّتِ) قال أبو الفتح: أي هو أرفع من أن تقذى عينه بشيء، فإذا رأته خلة بك فرت، فلم يرها، فتقذى عينه بها. زاد على البيت الذي أجازه. قال الشيخ: هذا التفسير متناقض متنافٍ غير مقنع ولا شافٍ، فإنه بدأ وقال: أي هو أرفع من أن تقذى عينه بشيء، ثم عاد فقال: ولم يرها، فتقذى عينه، فإن كان هو أرفع من أن تقذى عينه بشيء، فكيف تقذى عينه إذا رآها، والرجل يرد على بيت الأول: رأى خَلَّتي مِن حيثُ يخفَى مَكانُها ... . . . . . . . . . . . . . . . فيقول: يكبر سيف الدولة أن تقذى جفونه بشيء إذا رأته خلَّةٌ، بل فرت لشدها له بجوده وسخائه وتوالي صلته وعطائه.

стр. 91

وقوله: (فرت فلم يرها، فتقذى) عثرة لا تُقال. وقال في قصيدة أولها: (سِربٌ محاسنُه حُرمْتُ ذَواتِها ... . . . . . . . . . . . . . . .) (وكأنَّها شَجَرٌ بَدا لكنَّها ... شَجرٌ جَنيتُ المُرَّ منْ ثَمراتِها) قال أبو الفتح: أي وكأن هذه العيس شجر بدا، أي: ظهر، يريد علوها، وقوله: بلوت المرَّ من ثمراتها من قول أبي نؤاس: لا أذودُ الطَّيرَ عن شجرٍ ... قد بلوتُ المُرَّ من ثَمرِه

стр. 92

قال الشيخ: اختصر، وما فسر نكتة المعنى، وإنما الرجل شبه العيس التي عليها الهوادج والقِباب بالشجر دون غيرها، فإنها تُشبه الشجر وكثافة أعاليها ودقة أسافلِها، وسائر الإبل التي عليها الأحمال والأوساق دون الهوادج وأشباهها لا تُشبه الشجر، كما يقول امرؤ القيس: فشبَّهتُهم في الآلِ حينَ دعوتُهم ... عصائبَ دومٍ أو سفيناً مُقَيَّرا أو المكرعاتِ من نخيلِ ابن يامِنٍ ... دُوَينَ الصَّفا اللاَّئيَ يَلينَ المُشَقَّرا (تكبو وراَءكَ يا بَن أحمدَ قُرَّحٌ ... ليستْ قوائمُهنَّ مِنْ آلاتِها) قال أبو الفتح: الهاء في آلاتها تعود على وراء لا غير، وهي مؤنثة، أي: هذا القُرح إذا اتبعتك كبت وراءك وخانتها قوائمها فلم تحملها في طريقك لصعوبة مسالكك وبعد مطالبك، فتحتاج إلى قوائم جياد، تحملها وراءك، وإلا قصرت عنك، وذكر القوائم لما قدم من ذكر القُرح لتشتبه الألفاظ، وهذا كله اتساع على التشبيه. قال الشيخ: إضافة القوائم إلى وراء الممدوح قبيحة، وعندي، وإن كان لها مجاز، ليس

стр. 93

بذلك الجميل، وما أظن أحداً يستجيز أن تكون قوائم خيل من آلات ورائه، فهذه فضيحة كما ترى، وإن كان لها تأويل بعيد غير سديد، وعندي يقول: تكبو وراءك قُرح ليست قوائمهن من آلاتهن في طريقك لأنها تخذلها أن تشق غُبارك وتلحق مضمارك، فإن قوائمها لا تقدر عليه، فتكبو وراءك ولا تبلغ منتهاك، وهذا أيضاً ليس بسديد عندي ولا بجميل. (فَإذا نَوتْ إليكَ سبقتَها ... فَأضَفْتَ قبلَ مَضافِها حالاتِها) قال أبو الفتح: أي ليس ينبغي لنا أن نعذل المرض الذي بك، وكان قد اعتل، لأنك قد تشوق الرجال وتشوق أمراضها معها، فقد شُقت المرض حتى زارك كما شقت صاحبه، فإذا أرادت الرجال سفراً إليك سبقتها بإضافة أحوالها قبل إضافتك إياها، ولابد للمرض من جسم يحل به، فتُحله جسمك، فذلك إضافتك إياه. قال الشيخ: المعنى كما فسره غير أن تفسيره ناقص، فإن الرجل يقول: حالاتها لا حالتها، والحالات تكون كلها أمراضاً وإعلالاً، والمعنى عندي أنك أضفت قبل مضافها حالاتها، أي: قرنت فقرها غنىً وخوفها أمناً ومرضها صحةً حتى بذلت لعلاَّتِها جسمك كما بذلت لحالاتها وفرك.

стр. 94

(هِبتُ النُكاحَ حِذارَ نَسلِ مِثلهِ ... حتَّى وَفَرتُ على النِّساءِ بناتِها) قال أبو الفتح: أي خشيت إن أنا التمست الأولاد أن أُرزق نسلاً مثل هذه الأمثلة المذمومة، فبقيت بنات النساء معهن: أي: لم أواقعهن فيجئن بالبنات، وإنما ذكر هذين بعد البيت الذي أوله: ذُكرَ الأنامُ. . . لتفضيله على سائر الناس، وأكد هذا قبح أحوالهم بعد ذكره شرف أفعاله. قال الشيخ: ليس في البيت مدح، وإنما ذكر هذه الأمثلة، ونفى الممدوح عنهم، فقال: فاليومَ صرتُ إلى الذي لو أنَّهُ ... مَلَكَ البرَّيةَ لاستقلَّ هباتِها ووصفه بسخائه، وقوله: . . . . . . . . . . . . . ... حتَّى وفرتُ على النِّساءِ بناتِها ولم أخطبهن، ولم أتعرض لفراق بينهن بالتَّزوُّج، وذكر المواقعة هنا مع ما فيه من القبح ليس بنص في ظاهر البيت وإن كان في باطنه.

стр. 95

قافية الجيم قال في قطعة أولها: (لهذا اليومِ بعدَ غدٍ أريجُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (ووجهُ البحرِ يُعرَفُ منْ بعيدٍ ... إذا يسجو فكيفَ إذا يَمُوجُ؟) قال أبو الفتح: يسجو يسكن، لأنه رآه، وهو يدير الرُّمح فيُشبهه بالبحر الهائج. قال الشيخ: يقول عرفتك وصفوف جيشك معبيات، وأنت على عادتك في سيرك ومكانك من جيشك، ووجه البحر يعرف من بعيد ساجياً، فكيف من قريب مائجاً؟ شبهه بالبحر، وصفوف جيشه بأمواجه من جوانبه، وقريب منه قوله: فكانَ الغربُ بحراً من مياهٍ ... وكانَ الشَّرقُ بحراً من جيادِ وقد خفقت لكَ الرَّاياتُ فيهِ ... فظلَّ يموجُ بالبيِضِ الحِدادِ

стр. 96

وقوله: وسُقتَهمُ ببحرٍ من حديدٍ ... له في البرِّ خلفَهمُ عُبابُ وقول البحتري: وإذا السِّلاحُ أضاَء فيه رأى العِدَى ... بَرَّاً تألَّقَ فيهِ بَحرُ حديدِ وصفوف الجيوش سائرة وثائرة أشبه بأمواج البحر من إدارة الرُّمح على كل حال.

стр. 97

قافية الحاء قال من مقطعة، وهو أولها: (أنا عينُ المُسَوَّدِ الجَحْجاحِ ... هجَّنتْني كلابكُم بالنُّباحٍ) قال أبو الفتح: أي لطختموني بالعار، ولست من أهله. قال الشيخ: ليس يقول: لطختموني بالعار، بل يقول: نبحتني كلابكم، أي: رمتني سفهاؤكم بكلمتهم العوراء من طعن في نسبتي الغرَّاء، فإن بقيت نسبتني لهم أسنَّة الرماح. وروايتي (هيجتني) من الهيج، ونباح الكلب يهيج الإنسان، ولا يهجِّنه إلا أن تحمل التهجين على نسبه ورميه إياه بالهُجنة في نسبه فحينئذ يتضح ويصح. وقال في قصيدة أولها: (جَلَلاً كما بي فليكُ التَّبريحُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (وفَشتْ سرائرُنا إليكَ وشَفَّنا ... تَعريضُنا فبدا لكَ التَّصريحُ)

стр. 98

قال أبو الفتح: أي لما عرضنا لك بهواك قام مقام التصريح منا لك، ويجوز أن يكون عرضنا بمودتك، فصرحت بالهجر والبين وإظهار حزنك لما جهدك الهوى، ويجوز أن يكون المعنى لما جهدنا التعريض استروحنا إلى التصريح، فانهتك الستر، وهذا أقوى هذه الأوجه عندي، وقد جاء في الشعر مجيئاً واسعاً. قال الشيخ: قد قلنا مراراً أنه لا يكون لقائل البيت إلا غرض واحد، فما عداه تعسف وغباوة به، وما ذكره في الفصلين الأول والثاني فاسد، والثالث أقرب إلى المراد لكنه ناقص، لأن الرجل يقول: ضاق صدري بحبك حتى لم يسعه، ولم يُغن عنه التعريض، فصرحت به تنفيثاً عن الصدر وتفريجاً عن الكرب ورجاء عاطفةٍ لك على مهجتي الهالكة بك وفيك، وكأنه ينظر إلى بيت الحسن بن هانئ: فّبُح باسمِ من تهوى ودهني منَ الكِنَى ... فلا خيرَ في اللَّذَّاتِ من دونها سِترُ وإلى بيتي القائل: كَتَمتُكَ حِيناً ما أقاسيهِ في الهوى ... وصابرتُه دهراً فعيلَ بهِ الصَّبرُ وباحت بأسرارِ الفُؤادِ مدامعٌ ... فأبصرتَ ما بي فاستوى السِّرُّ والجَهرُ

стр. 99

(لَّما تقطَّعتِ الحُمولُ تقطَّعتْ ... نفْسي أسىً وكأنهنَّ طُلوحُ) قال أبو الفتح: يريد أصحاب الأحمال. قال الشيخ: هي عندي الجمال بما عليها من الهوادج، وليس أصحاب الأحمال وحدها، كما قال امرؤ القيس: بعينيكَ ظعنُ الحيِّ لَّما ترحَّلوا ... على جانب الأفلاجِ من جنبِ تَيمَرا فشبَّهتهم في الآل حين دهاهُم ... عصائبَ دومٍ أو سفيناً مقيَّرا أو المكرعاتِ من نخيلِ ابن يامِنٍ ... دُوَينَ الصَّفا اللاَّئيَ يَلينَ المُشَقَّرا (شِمْنا وما حَجبَ السَّماَء بروقَه ... وحرَى يجودُ وما مرتْهُ الرِّيحُ)

стр. 100

قال أبو الفتح: أي شمنا بروقه، ولم تحجب السماء، لأنه ليس غيماً فيسترها، لأنه ليس هناك غيم في الحقيقة، وإنما أراد مخائل عطاياه. ومرته: استدرته، أي: هو حري بأن يجود، وإن لم تمره الريح، يفضله على السحاب، لأن السحاب يستر حسن السماء ولا يدر، إلا إذا استدرته الريح. قال الشيخ: أصاب في بعضه، وعندي بعضه ليس يرضي، وهو أنه يقول: شمنا بروق الممدوح، وهو ما حجب السماء كما تحجبها السحاب، فإن البرق شام بعد ستر السحاب السماء، وعلى هذه القاعدة قال: وحرى يجود بعطائه، ولم تمسحه الريح، فهذه سحائب لا تحجب ولا تمسحه الريح حتى يجود، وهو يجود بلا حجب السماء ولا مري الريح، وروايتي: وحرى يجود، وقوله: وحرى جدير بأن يجود، وليس فيه أنه يجود، وقوله: بِحرى، حاكم بالجود والحريان لا غير، وقوله: (شمنا بروقه) كناية عن ابتساماته، فهي مطعمة في هباته، كما أن البروق مطعمة في مطره، وهذا كقوله: ولاحَ برقُكَ لي من عارضَي ملكٍ ... لا يسقَطُ الغيثُ إلاَّ حينَ يبتسمُ

стр. 101

(وزَكيُّ رائحةِ الرياضِ كَلامُها ... تبغي الثَّناَء على الحيا فتفوحُ) قال أبو الفتح: أي وكأن رائحة الرياض كلام منها وثناء على الحياء، أي: أعطني لأشكرك. قال الشيخ: المعنى عندي بخلاف هذا، وما يتلوه يؤيدني، والرجل يقول: الرياض على عجزها عن الكلام شكر الحيا يذكر ريَّاها، ويُثني على المطر بنشرها ما في نسيم صباها جهد المقل، إذ لا لسان لها ولا بيان، فكيف بمثلي إذا تُوليه خيراً، واللسان فصيح؟ أي: كيف أسكت عن شكر عطائك لا عن انتظارك ورجائك؟ وبهذا البيت الثاني وضح بُطلان تفسيره وصح تبيان ما فسرناه، والثناء على الحيا بالجود الموجود كذلك شكر القائل للرفد المرفود، ولو كان الثناء لآتي المطر، وهذا الشكر لرفد المنتظر كان محالاً، لأن لا ثناء على انتظار الأمل، ولا شكر على الرجاء والتوقع. وقال في قطعة أولها: (وطائرةٍ تتبَّعُها المنايا ... . . . . . . . . . . . . . . .) (كأنَّ الرِّيشَ منه في سهامٍ ... على جسمِ تجسَّم منْ رياحِ)

стр. 102

قال أبو الفتح: يجوز أن يكون شبه ريشه بالسهام للسرعة، ولأنها سبب القتل للطير، كما أن السهام سبب القتل، ويجوز أن يكون أراد صلابة ريشه، وتجسم من رياح، أي: من سرعة. قال الشيخ: ما ذكره من إرادة السرعة فصحيح، وما ذكره من سائر الوجوه فسقيم، فإنه يصف البازي بسرعة إدراكه الصيد، فيقول: كان ريشه سهام مركبه في جسد مخلوق من الرياح والريش سهاماً فماذا ينجو منه؟ وما الذي لا يدركه إذا قصده؟ (كأنَّ رؤوسَ أقلامِ غلاظاً ... مُسِحْنَ بريشِ جُؤجُئهِ الصَّحاحِ) قال أبو الفتح: شبه نقش جؤجئه، وهو صدره بآثار مسح رؤوس الغلاظ من الأقلام، والصَّحاح بفتح الصاد مصدر الصحيح، وقالوا أيضاً: صحيح وصحاح وعقيم وعقام،

стр. 103

والصِّحاح بكسر الصاد جمع صحيح، ويجوز أن يكون وصفه بالمصدر، ويجوز أن يكون وصف الريش، فجمع. قال الشيخ: هذا فسر يطول ويهول، إذا جمع فيه كتاب سيبويه بمصادره وقياساته وكثير من دلائله وآياته، وأنا أذكر ما عندي، فليختر المتأمل له منهما ما يرتضيه. تشبيه نفس المصدر كما فسره، والصِّحاح: نعت ريشه جمع صحيح لا غير، أي: هي صحاح لا عيب فيها ولا انكسار ولا انتشار ولا فساد ولا تمرُّط ولا تمعُّط.

стр. 104

قافية الدال وقال في قصيدة أولها: (ما سدِكتْ عِلَّةُ بمورودِ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (وإنْ صَبَرْنا فإنَّنا صُبَرٌ ... وإنْ بكيْنا فغيرُ مردودِ) قال أبو الفتح: أي إن صبرنا فالصبر سجيتنا، وإن جزعنا فلعظم مصابنا. قال الشيخ: معنى المصراع الأول كما فسر، وأما الثاني فلا، فلأنه يقول: وإن بكينا فغير مردود، وما هو عبارة عن عظم مصابنا، وإنما هو عبارة عنه غير مردود إلينا الجزع، إن جزعنا، يعني أبا وائل، كقول عمرو بن معدي كرب: ما إنْ جزِعتُ ولا هلِع ... تُ ولا يردُّ بكايَ زيداً وكما يقول: علينا لكَ الإسعادُ إن كانَ نافعاً ... بشقِّ قلوبٍ لا بشَقَّ جُيوبِ

стр. 105

(وإنْ جزِعْنا لهُ فلا عجبٌ ... ذا الجَزْرُ في البحرِ غيرُ معهودِ) قال أبو الفتح: أي إنما يُعرف الجزر في غير البحر، وإذا جُزر البحر فذاك أمر عظيم. ضرب ذلك مثلاً شبه موته بجزر البحر، ويجوز أن يكون المعنى البحر يجزر، أي: يجزر ما يتصل به، ولكن مثل هذا الجزر العظيم لأي: الأحوال تنتقل؟ والمعنى إن المصائب قد تقع، ولكن على مثل هذه المصيبة ما رأينا. قال الشيخ: في الفصل الأول خللان، وذلك أنه قال: إنما يعرف الجزر في غير البحر، والجزر إنما يعرف في البحر لا في غيره، فإذا جُزر فذلك أمر عظيم، وما جزره بأمر عظيم، فإن البحر بجزر كل يوم مرتين، حتى قيل في أهل البصرة: (إن البحر يزورهم كل يوم مرتين فإن شاءوا آذنوه وإن شاءوا حجبوه). والذي ذكره بعد هذا الفصل الأول عندي لغط لا غلط، وبعيد من معنى البيت، فإن ما فسره نفي وإثبات ونقض وإبرام، ولفظ هراء بل هباء بل هواء. والمعنى أنه يقول: إن جزعنا له فلا عجب، قال: ذلك البحر، وأراد بالبحر: سيف الدولة، غير معهود، أي: لم تجسر الحوادث على العبور ببابه والمرور بجنابه، فكيف بانتقاص أقاربه وأصحابه؟ فلا عجب من جزعنا له، فإنَّا نرى ما لم نعهده ولم نعتده، وشديد على الإنسان ما لم يُعود.

стр. 106

وقوله: (ذا الجزر) إشارة إلى موت أبي وائل، وإذا كان الجزر ذلك، كان البحر سيف الدولة لا غير. (لا ينْقُصُ الهالكونَ منْ عددِ ... منهُ عليٌّ مُضَيَّقُ البِيدِ) قال أبو الفتح: أي إذا هلك هالك من عددٍ منه عليٌّ سيف الدولة لم ينقص ذلك العدد، لأن البيد تضيق عنه، أي: عن كرمه وبُعد وصيته، فإذا سلم فلا تُبل من مات. قال الشيخ: هذا كما فسره إلى قوله: (لأن البيد)، وبعده من المعنى بعيد. وقوله: (مضيق البيد) ليس بكرمه وبُعد وصيته بل كفاءته وجنوده، كما قال فيه: فربَّ كتابٍ عن جوابٍ بعثتَه ... وعنوانُه للنَّاظرينَ قَتامُ حروفُ هجاءِ النَّاس فيه ثلاثةٌ ... جوادُ ورمحُ ذابلُ وحسامُ تضيقُ به البيداءُ من قبلِ نشرهِ ... وما فُضَّ بالبيداءِ عنهُ خِتامُ

стр. 107

وبعد، فإن البيد لا تُوصف بالضيق عن الكرم وبُعد الصيت، وإنما يوصف الزمان به والعمران. (مهما يُعزَّ الفتى الأميرُ بهِ ... فلا بإِقدامه بالبيداءِ ولا الجودِ) قال أبو الفتح: أي إذا سلم له إقدامه وجوده هان فقد ما سواهما. قال الشيخ: يقول إذا عُزِّي سيف الدولة بأبي وائل فإنما يُعزَّى لقرابته منه لا لعدمه جوده وإقدامه، فإن عدمه إياه غير مؤثر في معاليه، فإن جوده وإقدامه خلَّفاً عن كل تالف وعوضاً عن كل ماضٍ. وقال في قصيدة أولها: (عواذلُ ذات ِ الخالِ فيَّ حواسدُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (وتُسعِدُني في غَمرَةٍ بعدَ غَمرَةٍ ... سَبوحٌ لها منها عليها شواهدُ)

стр. 108

قال أبو الفتح: وقوله لها منها عليها شواهد، كأنه من كلام الصوفية، وهو صحيح، أي: إنه إذا نظر أحد إلى استواء خلقها وتناسب أعضائها علم أنها كريمة سابقة، فكأنه قال: لها شواهد من خلقها على كرمها. قال الشيخ: عندي أنه يصفها بالعتق والإقدام وخوض الغمرات واقتحام الهبوات وشدة المراح والصبر على الجراح، فيقول: تُساعدني سبوح بهذه الصفات، لها من تلك الغمرات شواهد عليها، أي: على عتقها وصبرها على مض الجراحات ووقع الضربات والطعنات والرشقات، وقيل لها: للغمرة من السبوح على الغمرة شواهد بخوضها لها وحسن بلائها فيها، وقتل فارسها من أنيابها وأسره من إنشائها وخروجه عنها، وإذا كان فارسها بها ملك حتى أهلك وقدر حتى صدر فكأنها تفعلها، ولعمرك هي شواهد صوادق، وقيل لها، أي للغمرة، من السبوح على السبوح شواهد نحو منها لها ولقاؤها الشدائد فيها ومعاناتها لنزاع البلايا في مجاريها وخروجها بكثرة جراحها عنها، وهذا هو الأول غير أن الهاء في الأول راجع إلى السبوح، وفي هذا القول راجع إلى الغمرة والجميع حسن جميل. ويدلك على صحة ما يتلوه: تثنى على قدر الطعان، أي: تدربت به وتجربت ومرنت عليه واعتادته حتى عرفته، فهي تتعطف على مقاديره، وقوله: إذا لم تُشاهد غير حُسنِ شِياتها ... وأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مُغَيَّبُ

стр. 109

يدلك عليه أيضاً، لأن حُسن الخيل في عتقها وكرمها وإقدامها وصبرها على الجراح واقتحامها دون شياتها وأعضائها. وقرأت في كتاب (التاجي) أن فرس ذي القرنين، المعروف بذي الرأسين، كان يقاتل بيده حين قتاله عليه، وإنما سُمي ذا الرأسين لأنه كانت به ملقة في جنبه الأيسر تُشبه رأس الفرس، وكان كُميتاً، وقلنا: إن لكل قائل في كل بيت غرضاً واحداً لا زيادة. وعندنا أن الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في هذا البيت هو المقصود، لكنا ذكرنا الوجهين لمقاربة بعضها بعضاً. (وألحقَ بالصَّفصافِ سابورَ فانهوَى ... وذاق الرَّدى أهلاهُما والجلامدُ) قال أبو الفتح: الصفصاف وسابور حصنان لهم معروفان،

стр. 110

وقوله: فانهوى، يقال: هوى النجم، وانهوى غريبة، أي: ألحقت هذا الحصن بالأول قبله، فهلكت أهلاهُما والجلامد، لأنك طحنت بعض الصخر ببعض لكثرة الرمي وشدته، أي: أهلكت الصخر أيضاً. قال الشيخ: هذا التفسير ليس ببعيد، إلا أن فيه زيادة، وانهوى سابور حتى لحق بالصفصاف من الانهواء والانهدام، وهلك أهلاهما والجلامد التي بُنيا عليها، وكانت حواليها برضِّ الخيل لها، والجلامد التي بُنيا منها، لأنها رُضت بالمجانيق حتى صارت رقاقاً في الطريق كقول القائل: بجمعٍ تضلُّ البُلقُ في حُجُراتهِ ... ترى الأُكمَ فيه سُجّداً للحوافرِ (فإنَّ قليل الحبِّ بالعقلِ صالحٌ ... وإنَّ كثيرَ الحبِّ بالجهلِ فاسدٌ) قال أبو الفتح: أي أنا أحبك بعقل، فتنتفع بي وغيري يحبك بجهلٍ، فلا تنتفع به. قال الشيخ: فسره فعسره، فإن الرجل يقول: أحبك لفضلك لا لنيلك، وذلك الحب
следующие страницы →