← Адаб

Адаб · id 37491

قشر الفسر

الزوزني، أبو سهل

Полный текст (367 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(أو يكونَ الوليُّ أشقى عدوٍّ ... بالذي تَذخرانهِ منْ عَتادِ) قال أبو الفتح: أو أن يقتل بعضكم بعضاً بما تدَّخرون من السلاح ما يقع بينكم من الحرب فيصير من يشقى به عدواً، لأنه إنما يُعد السلاح للعدو لا للولي، فإذا قتل به بعضكم بعضاً صرتم أعداء. قال الشيخ: لم أفهم والله ما هذا التفسير، وعندي أنه يقول: أعوذ بكما أن تستعملا عتادكما وسلاحكما بينكما، فإن رجالكما أولياء دولةٍ وأغصان دوحةٍ، فيصير الولي أشقى عدوٍّ. وقال في قصيدة أولها: (عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (لم يتركِ الدَّهرُ من قلبي ومنْ كبدِي ... شيئاً تتيِّمُه عينٌ ولا جيدُ) قال أبو الفتح: أي فقد زال الغزل عني، وأفضت بي الأمور إلى الجد والتشمير. قال الشيخ: هذا معنى،

стр. 142

وعندي أنه يقول: أفنى الدهر بضروب صروفه ومنكوده دون معروفه قلبي وكبدي، وأكلهما حتى لم يبق فضل فيهما للعشق، وكأنه ينظر إلى قوله: رماني الدَّهر بالإزراءِ حتَّى ... فُؤادي في غشاءٍ من نبالِ فصرتُ إذا أصابتني سِهامٌ ... تكسَّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ والدليل عليه قوله بعده: يا ساقييَّ أخمرٌ في كؤوسكما؟ ... أم في كؤوسكما همٌّ وتسهيدُ؟ أصخرةٌ أنا مالي لا تُغيِّرني ... هذي المدامُ ولا هذي الأغاريدُ؟ وهذه ليست من الجد في شيء. (مِنْ كلِّ رِخوِ وِكاءِ البطنِ منفتقٍِ ... لا في الرِّجال ولا النِّسوانِ معدودُ) قال أبو الفتح: الوكاء ما يُشد به القربة ونحوها، ومنفتق، أي رخوُ مسترخٍ بُدناً وترارةً. ورفع معدوداً على أنه من جملة ثانية، كأنه قال: لا هو معدود في الرجال ولا النساء.

стр. 143

قال الشيخ: هذا الاسترخاء الذي ذكره صحيح في وكاء البطن والانفتاق أيضاً، فأما في البُدن والترارة فلا، وقد يكون في السُّودان بُدن، فأما الترارة فلا، فإنها السمن في البضاضة ونضارة اللون، وشتان الحبشية والنُّوبة، وهذه الصفة محبوبة. وقد صرح المتنبي ما أورده. ولعل الشيخ أبا الفتح تنزه عن شرح ذلك، وإلا فهو أبين من أن يرتاب فيه، فقد وصفه برخاوة وكاء البطن وإنفتاقه حتى لا يقدر وكاؤه على إمساك ما فيه وإيثاقه، فهو يسيل دائماً بما فيه، وقد يكثر في الخدم مثله. وقال في قصيدة أولها: (جار نيروزُنا وأنتَ مُرادُه ... . . . . . . . . . . . . . . .) (ينثني عنك آخرَ اليومِ منهُ ... ناظرٌ أنتَ طرْفُه ورقُادُهْ) قال أبو الفتح: أي إذا انصرف عنك في آخر اليوم خلف عندك طرفه ورقاده، فبقي عندك بلا لحظٍ ولا نومٍ إلى أن يعود إليك.

стр. 144

قال الشيخ: ليس يريد تخليف الطرف والرُّقاد، فإنه محال، وإنما يرجع عنك ناظر منه آخر اليوم، أنت لحظته وسنته وراحته، فيبقى بعدك حيران بلا تصرف ولا مستلذ حتى يعود إليك، وفي شعره: مضى اللَّيلَّ والفضلُ الذي لكَ لا يمضي ... ورُؤياكَ أحلى في الجفونِ منَ الغُمضِ وللبحتري: فإن تكلَّفتُ صبراً عَنك أو مُنيت ... نفسي به فهوَ صبرُ الطَّرفِ عن وَسَنِه (نحنُ في أرضِ فارسٍ في سرورٍ ... ذا الصَّباحُ الذي يُرَى ميلادُهْ) قال أبو الفتح: أي فكأنه لنا في كل يوم ميلاد، فنحن كل يوم في سرور، لأن الصباح كل يوم يُرى. يريد اتصال سروره. قال الشيخ: عندي أن معنى البيت مما ذكره على أبعد مسافة، فإن شرحه له أحاديث خرافة، ولست أفهم معنى قوله، أي: فكأنه لنا في كل يوم ميلاد، ولا معنى قوله: لأن الصباح كل يوم يُرى، فخياله مما خبط فيه وافترى.

стр. 145

ومعناه عندي: أنا في سرور بفارسٍ للنيروز وإقامة آيينه والمتاع بتزايينه، ثم قال: ذا الصباح، أي: صباح يوم النيروز ميلاد هذا السرور. كيف يَرتدُّ منكبي عنْ سماءٍ ... والنِّجادُ الذي عليه نِجادُهْ؟ قال أبو الفتح: كان قد حمل إليه فيما حباه به سيفاً ذا قيمة نفيساً. يريد طول حمائل سيفه لطوله. قال الشيخ: هذا والله طول فاحش بارد. سمعت لأبي نؤاس: وموفٍ على هامِ الرِّجالِ كأنِّما ... يُناطُ نجادا سيفهِ بلواءِ ولم أسمع: نجادا سيفه بسماء. إن كان هذا طول ابن العميد، فيا له من طول، وإن طال المتنبي بتقلد سيفه، فيا له من كلام مدخول ومعناه عندي: إن منكبي لا يرتد عن سماء ومزاحمتها عزّاً ومنعةً وشرفاً وأبَّهةً، وحمالة سيفه عليه كم يُقال: فلان يأخذ عنان السماء، ويزاحم منكب الجوزاء في نظائر لها.

стр. 146

(مثَّلُوهُ في جفنهِ خَشيةَ الفقْ ... دِ ففي مِثْلِ أُثْرهِ إغمادُهْ) قال أبو الفتح: كان جفن السفينة مغشى فضة منسوجة عليه، فكأنهم حلوه بهذه الفضة التي على جفنه صوناً له من الفقد لئلا يأكل جفنه، أي: هو يُغمد من الفضة في مثل أثره. قال الشيخ: قوله إلى حيث قال: (صوناً له) سديد، ثم ما بعده من المعنى بعيد، لأن قوله: يأكل جفنه عبارة عن صيانة الجفن لا عن صيانة السيف، ومعنى قوله: خشية الفقد، أن ذلك السيف يُعرف بجفنه المُحلى كفرنده فيما بين سائر السيوف، فيُصان ولا يُذال ولا يُهان، ويحرس عن وصول الافتقاد إليه والضياع والاستراق وسائر أنواع الافتراق، فيبقى بمكانه لنفاسته وتفرده بجفنه لحراسته. (فرَّستْنا سوابقٌ كنَّ فيهِ ... فارقتْ لِبْدَهُ وفيها طِرادُهْ)

стр. 147

قال أبو الفتح: أي جعلتنا فرساناً وسوابق، يعني خيله التي قادها إليه. وقوله: كن فيه، أي: في نداه، أي: كان في جملة ما أعطانا خيل سوابق، وفارقت لبده، أي: انتقلت إلى سرجي، وفارقت سرج ابن العميد، وفيها طِراده، أي: صرت معه كأحد من في جملته، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المطارد عليها، لن ذلك بأمره، وطلب الحظوة عنده قوله فيها، أي عليها. قال الشيخ: هذا التفسير إلى قوله: (وفيها طِراده) سديد، وما بعد الطراد طرادٌ طريد، ومعناه عندي: فارقت سرجه ولبده، وفيها أدبه ورياضته كقوله له: وقد علَّمتُ نفسي القولَ فيهم ... كتعليمِ الطِّرادِ بلا سنانِ وكقوله: تثنَّى على قدر الطِّعان كأنَّما ... مفاصُلها تحتَ الرِّماحِ مراودُ

стр. 148

(هل لُعذري إلى الهُمامِ أبي الفض ... لِ قَبولٌ سَوادُ عيني مِدادُهْ؟) قال أبو الفتح: أي قد رضيت أن يجعل المداد الذي يكتب به قبول عذري سواد عيني حباً له وتقرباً منه واعترافاً له بالتقصير. قال الشيخ: هذا الذي ذهب إليه لا بأس به لو لم يكلف الممدوح أن يكتب إليه بقبول عذره، فيكون سواد عينه مداد كتبه قبول عذره. وهذا مع ما فيه من امتهان الممدوح أساطير الأولين على أن عبارة التفسير بعيدة من البيت. والمعنى عندي أنه يقول: على وجه الدعاء سواد عيني كان مداده عذري إليه عن تقصيري في خدمته ومدحته. (رُبَّ ما لا يُعبِّرُ اللَّفظُ عنه ... والذي يُضمِرُ الفُؤادُ اعتقادُهْ) قال أبو الفتح: أي ورب حسن من لفظك لا يلحقه لفظي، وإن كنت أقرُّ به بقلبي. قال الشيخ: لفظ البيت لا يؤدي شيئاً مما ذكره. البيت في وادٍ وتفسيره في وادٍ،

стр. 149

وعندي أنه يقول: ربما لا يعبر اللفظ عن ذات نفسه ولا يفصح بودائع صدره، فيكون اللفظ قاصراً بعينه على أداء تمام العبارة واعتقاد الفؤاد ما يضمره. والمعنى: إن لفظي قاصر عن أداء الواجب في وصف فضائلك واعتذاري عن قصوري في خدمتك، فاللفظ لا يبين عنه فيورده، والقلب يضمره ويعتقده. (عَددُ عشتَه يَرى الجسمُ فيه ... أَرَباً لا يراهُ فيما يُزادُهْ) قال أبو الفتح: أي والأربعون عدد السنين التي إذا تجاوزها الإنسان نقص عما يعهد من أحواله في جسمه وتصرفه، فلذلك اخترت أن جعلت هذه القصيدة أربعين بيتاً، ولم أزد على ذلك. قال الشيخ: سقت إليك من الأبيات عدد سنِّك في السنوات، وهي عدد اجتماع الأشد، يرى الجسم فيه أرباً من الصحة والقوة والمنعة والشدة والنهية والقدرة وجودة الخاطر وحدة الذكاء، ما لا يراه فيما يُزاده عليها، فإن وراءها نقائض هذه الأحوال، فاقتصرت في مديحك عليها لما لها من الفضائل وفي الزيادة عليها من النقائض.

стр. 150

وقال في قصيدة أولها: (نَسيتُ وما أنسى عِتاباً على الصَّدِّ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (فإمَّا تريْني لا أُقيمُ ببلدةٍ ... فآفةُ غِمدي في دُلوقِيَ منْ حدِّي) قال أبو الفتح: الدُّلوق سرعة انسلال السيف، وسيف دلوق ودالق، إذا كان سريع السَّلَّة، أي: إن الذي ترينه من شحوبي وتغيري إنما هو لمواصلتي السير وتطواف البلاد لبعد همتي وتنائي مطلبي كما أن السيف الحاد إذا كثر سلُّه وإغماده أكل جفنه. قال الشيخ: ما كنت أتعرض لرد اللُّغات المدخولة في هذا الكتاب غير أنه إذا رأيت ما يناقض موضوعه عليه فلابد من ذكري صحته وصوابه، وهو يقول: الدُّلوق سرعة انسلال السيف، وسيف دلوق إذا كان سريع السَّلَّة. وليس في موضوع اللغة ولا شيء من السَّل والانسلال، وإنما الدَّلق والدُّلوق خروج الشيء من مخرجه سريعاً، يُقال: دلق السيف من غمده، إذا خرج وسقط من غير أن يُسل، واندلق السيف من جفنه إذا شقه حتى يخرج منه، وتهذيب اللغة ناطق به، والرجل ليس يقول: فإما تري شحوبي وتغيُّر لوني، فإنما يقول: إما تري قلة مقامي ببلدةٍ، وما في هذا مما ذكره شيء،

стр. 151

ومعناه عندي أنه لا تسع همتي بلدة، بل تضيق عنها حتى أرحل منها. وما في تلك البلدة عيب ولا آفة غير أنها لا تحتمل همتي، فتضيق عنها كما أنه ليس لغمد السيف الدُّلوق آفة، وإنما آفته مضاءُ السيف وحدَّته. (وليسَ حياءُ الوجهِ في الذِّئبِ شيمةً ... ولكنَّه مِنْ شيمةِ الأسَدِ الوَرْدِ) قال أبو الفتح: أي وحياء الوجه ليس بمزرٍ بهم ولا غاضٍّ منهم كما أنه لا يعيب الأسد حياؤه، وإنما القِحة في الذئب لخبثه، يصفهم بشدة الإقدام مع إفراط الحياء. قال الشيخ: ما في هذا البيت من معناه شيء من الإزراء والغض فنفاه عنهم، وما كان الحياء مزرياً بأحد قط، وهي من الأخلاق المحمودة، ولهذا قال النبي ﷺ : (الحياءُ منَ الإيمانِ). وقيل: فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ ... ولا الدُّنيا إذا ذهبَ الحياءُ

стр. 152

ومعناه استشهاد لما تقدم إذ يقول: وأوجهُ فتيان حياءً تلثَّموا ... . . . . . . . . . . . . . . . ثم قال: حياؤهم لكرمهم وإقدامهم كحياء الأسد ورئاسته بخلاف قحة الذئب وخساسته. (إذا ما استحينَ الماَء يعرضُ نفسَه ... كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءِ من الوّرِدْ) قال أبو الفتح: يقول إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول فلكثرتها صارت كأنها تعرض أنفسها عليها، فتشرب منها، فكأنها مستحيية منها لعرضها نفوسها عليها، وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة. وكرعن: شربن من إدخال أكارع الشَّاربة في الماء للشرب، ويعني بالسِّبت: مشارفها للينها ونقائها، وجعل الموضع المتضمن للماء لكثرة الزهر فيه كإناء له من ورد. قال الشيخ: في هذه الرواية خطيئتان فاحشتان، إحداهما استحين، وهو استجبن لا غير،

стр. 153

والثانية بسبتٍ، وهو بشيبٍ لا غير. والشيخ أبو الفتح لم يسمع منه (العميديَّات) وما بعده، لأنه لم يلقه بعد خروجه من بغداد، إلى فارس، فهاتان وأخواتهما وقعت من هذه الجهة، فكيف يتصور الاستحياء من الإبل، ولِم إذا عرض نفسه وجب أن يستحي منه هذا الاستحياء؟ من أين يلزم الإبل للماء؟ وأين الإبل من الاستحياء؟ والرجل يقول: إذا ما استجبن عارضاً نفسه عليها كرعن بشيبٍ فيه، وهو صوت مشافر الإبل عن الشرب، وعرض الماء نفسه عليها اعتراضه لها في طريقها، كأنه يدعوها إلى نفسه باعتراضه لها، واستجابتها له ورودها مناقعه المحفوفة بزهر الربيع، فهذا معنى العرض والدعاء والإجابة، والشِّيب كثير في وصف شرب الإبل، كما قال ذو الرُّمَّة: تداعينَ باسمِ الشِّيبِ في مُتَثَلَّمٍ ... جوانبهُ من بَصرَةٍ وسِلامِ في نظائر لها كثيرة. (وتنسُبُ أفعالُ السُّيوفِ نفوسَها ... إليهِ وينسُبْنَ السُّيوفَ إلى الهنْدِ) قال أبو الفتح: الهاء في نفوسها تعود إلى الأفعال، وذلك أن أفعال السيوف أشرف من السيوف، أي: من هذه الحدائد، فأفعال السيوف تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته. وينسُبن السيوف إلى الهند، أي: ينسبن هذا الحديد إلى الهند، إلا ترى أنه

стр. 154

يقال: سيف هندي، ووسيف يمانٍ، وفعل السيف أشرف منه، فكذلك أنت أشرف من الهند. قال الشيخ: قوله فأفعال السيوف تتشبه بأفعاله في مضائه وحدته مشتبه عليَّ، لا أعرف معناه، ولست أفهم ما أراد بما أفرده وأبداه، غير أن المعنى عندي أن ضرباته تُباين ضربات غيره حتى كل من رآها عرف أنه صاحبها، فكأنه لشهرتها تُنسب إليه، فهذا معنى نسبته أفعال السيوف نفوسها إليه. وينسبن، أي: هذه الأفعال تُنسب سيوفها إلى الهند لجودة مضائه وجودة الضربات وسعة الجراحات، فكل من رآها تبين أن الضربات عميدية، والسيوف هندية، فكأن تلك الضربات تعرف ضاربها ومضاربها. إذا الشُّرفاءُ البيضُ مَتُّوا بقَتْوهِ ... أتى نسَبٌ أعلى منَ الأبِ والجَدِّ قال أبو الفتح: أي إذا انتمى الكرام إلى خدمته كان أشرف لهم من انتمائهم إلى آبائهم. قال الشيخ: المعنى ما ذكره، غير أنه عرج عن إظهاره بتمامه، فكأنه أراد به شرف النسب، والعبارة عن الشرفاء بالكرام فاسد، وقد قيدها بالأب والجد، وهذا لا يُخفى على أحد.

стр. 155

(يُغيِّرُ ألوانَ اللَّيالي على العِدا ... بمنشورةِ الرَّاياتِ منصورةِ الجندِ) قال أبو الفتح: من عادة الليل أن يكون أسود، فإذا سار فيها بعساكره وائتلق بريق الحديد عليه بما يُسايره من النيران إما للاستضاءة وإما لإحراق ديار أعدائه، فانجابت الظلُّمة، فتغير لون الليل ببريق الحديد. وقوله على العِدا، أي: يقصد بجيوشه ديار عدوه. قال الشيخ: فسر من البيت نصفاً، وأغفل نصفاً، وأراد بالليالي هاهنا: الليالي والأيام ليس الليالي وحدها كما قال ابن الرُّومي: خصيمُ اللَّيالي والغواني مُظلَّمُ ... وعهدُ الغواني واللَّيالي مذمَّمُ فظُلمُ اللَّيالي أنَّهنَّ أشَبنَني ... لعشرينَ يحدوهنَّ حولٌ مجرَّمُ وظلمُ الغواني أنَّهنَّ صرمنَني ... لظلمِ اللَّيالي إنَّني لمظلَّمُ وكقول المتنبي: ونرتبطُ السَّوابقَ مُقرَباتٍ ... وما يُنجينَ من خَبَبِ اللَّيالي وهذا كثير في الكلام فاشٍ، فتغيير ألوان الليالي ما فسره غير أن ائتلاق الحديد

стр. 156

وبريقه فاسد، فإن الحديد لا يأتلق في الظلام بتةً، فأما النيران فنعم كما ذكره. تُضيء الليالي بكثرة نيران عسكره نزولاً كما قال الأول: وما خطبنا إلى قومٍ بناتِهمُ ... إلاَّ بأرعنَ في حافاتهِ الخَرَقُ وكثرة مشاعلهم وشموعهم سفراً، والأيام تغير ألوانها بكثافة الغبار وإثارة العجاج وكثرة الدخان كما قال: والباعثُ الجيشِ قد غالت عجاجتُه ... ضوَء النَّهار فصارَ الظُّهرُ كالطَّفَلِ وكما قال: ليُلها صُبحها منَ النَّار والإص ... باحُ ليلٌ منَ الدُّخانِ تِمامُ (حَثَتْ كلُّ أرضٍ تُربةٌ في غُبارهِ ... فهُنَّ عليهِ كالطَّرائقِِ في البُرْدِ) قال أبو الفتح: أي إذا مرَّ هذا العسكر بأرضٍ سوداء علاه غبار أسود، وإذا مرَّ بأرضٍ حمراء علاه غبار أحمر، وإذا مر بتربة غبراء علاه غبار أغبر، فقد صارت عليه هذه الألوان

стр. 157

كطرائق وألوان في بردٍ، ويصفه أيضاً ببُعد السرية، لأنه يمر بأرضين وتُربٍ مختلفة الألوان. قال الشيخ: قارب المعنى وفارقه، ثم سفسفه فخالفه، والرجل يقول: جيشه يعم المشرقين ويشمل الخافقين، فتثور تربة كل أرض بلونها من حوافر خيله، فترتفع في الهواء، فتصير عليه كطرائق البُرد كما قال: خميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُه ... وفي أُذُنِ الجوزاءِ منه زمامُ وكما قال: تَساوت به الأقطارُ حتَّى كأنَّما ... . . . . . . . . . . . . . . . وقال في قصيدة أولها: (أَزائِرٌ يا خيالُ أم عائِدْ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (وممطرَ الموتِ والحياةِ معاً ... وأنتَ لا بارقٌ ولا راعدْ)

стр. 158

قال أبو الفتح: أي كنت تقتل أعداءك وتُحيي أولياءك، فكأنك سحاب تبرق وترعد، وليس في الحقيقة سحابٌ. قال الشيخ: ليت شعري، ماذا في البرق والرعد من الإماتة والإحياء؟ وإن كان فيهما، فلمَ لم يشرح حالهما؟ ومعناه: إنك تمطرهما ولا تبرق ولا ترعد كالبارق: الرامي بالصواعق والراعد: الماطر للخلائق. وقريبٌ منه قوله: فتىً كالسَّحابِ الجونِ يُخشى ويُتَّقى ... يُرجَّى الحيا منه وتُخشَى الصَّواعِقُ (سوافِكٌ ما يدعنَ فاصلةً ... بينَ طريِّ الدِّماءِ والجاسِدْ) قال أبو الفتح: كأنه قال: ما يدعن بضعة ولا مفصلاً إلا أسلنه دماً. قال الشيخ: لم أفهم تفسيره، ومعناه عندي: إن رماحه تسفك مُهج أعدائه دائماً، ما يتركن فاصلة بين الدم والطَّري والجامد، بل يسفحنها دائماً بلا إجمام.

стр. 159

(إذا المنايا بدتْ فدعوتُها ... أُبدلَ نوناً بدالهِ الحائدْ) قال أبو الفتح: أي يصير الحائد حائناً، أي: إذا جاءت المنية صار بُعدك عن الموت سبباً للوقوع فيه، ولم يكن لك بد من لقائه، فضعَّف أولاً رأي وهسوذان، ثم رجع كأنه يعذره بأنه إذا أتت المنية لم يكن منها بد، ولم يتجه لأحدٍ دفعها، وقوله فدعوتها، أي: هذا قولها استعار ذلك، ولا قول لها. قال الشيخ: الذي فسره وجه، لكن عندي أن معناه إذا بدت المنايا كان دعاؤها أن يكون الحائد فيها حائناً بها. (يُقلقُهُ الصُّبحُ لا يَرَى مَعَه ... بُشرى بفتحٍ كأنَّه فاقدْ) قال أبو الفتح: معناه إذا أصبح، ولم يرد عليه من يُبشره بفتحٍ، قلق، كأنه امرأة، فقدت ولدها. قال الشيخ: عندي أن تشبيهه بامرأة فاقدٍ قبيح فاسد، وتشبيه الملوك بالنساء غير جميل ولا جائز، وهو إذا أصبح لا يُبشر بفتحٍ قلق، كأنه فقد شيئاً عزيزاً عليه.

стр. 160

(فالأمرُ للهِ رُبَّ مجتهدٍ ... ما خابَ إلاَّ لأنَّهُ جاهدْ) قال أبو الفتح: أي ما أهلكك إلا أنك طلبت المُلك بتعرضك لهؤلاء القوم كما أنَّا قد نرى من يكون سبب خيبته اجتهاده في طلب الشيء. قال الشيخ: ليس في شيء من الهُلك، فأما طلب المُلك فمعناه ينبئ عنه، والرجل يقول: الأمر لله والرزق والحرمان إليه وبيديه، (قل اللَّهم مالكُ المُلكِ) الآية. ثم قال: رب مجتهد كانت خيبته في اجتهاده وحرمانه في حرصه على مراده، كما قال: الحرصُ شُؤمٌ والمحروصُ محرومٌ. وقال في قطعة أولها: (سيفُ الصّدودِ على أعلى مُقَلَّدهِ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (قالتْ: عنِ الرِّفدِ طِبْ نفساً فقلتُ لها: ... لا يصدرُ الحُرُّ إلاَّ بعدَ موردْهِ)

стр. 161

قال أبو الفتح: أي ليس مثلي من طلب أمراً، فرجع عنه غير ظافرٍ به، فلابد لي إذاً من بلوغ ما أطلبه. قال الشيخ: مدح المادح تفسيره، والمعنى عندي مدح الممدوح، والرجل يقول: أمرني أهلي بالقعود وطيب النفس عن طلب العطاء،، فقلت: لا صدر للحرِّ إلا بعد مورد الممدوح، فإنه يُغني الكرام عن اللئام والأحرار عن العبيد، والحرُّ لا يهدأ إلا بعد أن يعزَّ بوروده ويستغني بجوده، فإن نفس الحرِّ لا تصبر على الذُّل والضُّر، كأنه ينظر إلى قول القائل: فلا زلتَ تلقَى عن كريمٍ يدَ امرئٍ ... لئيمٍ وتُغني عن أخِ النَّقصِ فاضِلا

стр. 162

قافية الذَّال وقال في قصيدة أولها: (أمُساورٌ أم قرنُ شمسٍ هذا؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (جَمَدتْ نُفُوسُهمُ فلَمَّا جئْتَها ... أجريتَها وسقيتَها الفُولاذا) قال أبو الفتح: أي قست قلوبهم، وصبروا، وشجعوا، واشتدوا كالشيء الجامد، وقوله: أجريتها أي: أسلت دماءهم على الحديد، فصارت بمنزلة الماء الذي يُسقاه الفولاذ. قال الشيخ: المعنى عندي نقيضه، فإنه وصفهم بالشجاعة والصبر والثبات وما هو كذلك. والرجل يقول: لما رأوك جمدت نفوسهم وبردت دماؤهم فلم تملك حراكاً، ولم تجد مساكاً من خوفك، فلما جئتها أجريتها بحر الضَّرب، فسقيتها الحديد. وفي الخبر: حر السيوف محَّاءٌ للذنوب، وأنباك أن للضرب حراً يُذيب النفس الجامدة، وكأن فيه شطراً مما قيل: فأتوكَ من تبكى الأكفِّ كأنَّما ... جمدت سيوفُهمُ على الأجفانِ

стр. 163

وقال في قطعة أولها: (اخترتُ دَهماَء تينِ يا مطَرُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (فاضحُ أعدائهِ كأنَّهمُ ... له يقِلُّونَ كلَّما كثُروا) قال أبو الفتح: أي لما كثروا فُوزنوا به زاد عليهم، فكأن كثرتهم سبب لقلتهم، ومعنى له: من أجله. ويجوز أن يكون أراد أنهم كلما اجتمعوا عليه وتألبوا، قصدهم وأفناهم. قال الشيخ: ما أدري ما هذا الميزان؟ ومن هذا الوزَّان؟ غير أن المعنى عندي: أن يفضحهم بصحة العزائم وشدة الهزائم، فكأنهم كلما ازدادوا كثرة ازدادوا في عينه قلة، فكان عليهم أقدر وبهم أظفر. وقال في قطعة أولها: (ظلمٌ لذا اليومِ وصفٌ قبلَ رؤيتهِ ... . . . . . . . . . . . . . . .)

стр. 164

(قدِ استراحتْ إلى وقتٍ رقابُهمُ ... منِ السُّيوفِ وباقي النَّاسِ ينتظرُ) قال أبو الفتح: أي قد اندفع عنهم القتل إلى وقت، لأنهم يراسلونك، وإنما يتعللون، ويدفعون الشر عنهم بمراسلتك، وباقي الناس من أعدائك ينتظر خيلك أن تغزوه، لأنها قد انصرفت عن الروم. قال الشيخ: أصاب في فصل المُراسلة والإنظار، ولم يُصب في تفسير الانتظار، لأن المعنى عندي: وما في الناس من أعدائك أيضاً ينتظر عفوك لا غزوك، فإن الخير يُنتظر والشر يُخاف، وهو قوله: (اليومَ يرفعُ مَلكُ الرُّومِ ناظَرهُ ... لأنَّ عفْوَكَ هذا عنده ظفَرُ) كأنه أجابه إلى هدنة، وأنظرهم إلى مدة، فهو يقول: وما في الناس من أعدائك ينتظر ما نالوه من استبقائك وإمهالك. (وقدْ تبدِّلُها بالقومِ غيرَهمُ ... لكي تجِمَّ رقابُ القومِ والقَصَرُ)

стр. 165

قال أبو الفتح: أي أنت أبداً غازٍ لأعدائك فتارةً تميل إلى قوم منهم فتُبيرهم، وتارة تُغبهم ليطمئنوا ويتناسلوا، ثم تعود إليهم فتهلكهم، وتجمُّ: يكثر، والهاء في تبدلها تعود على السيوف أي: تُبدل السيوف رقاب القوم، أي تأخذ قوماُ، وتدع قوماُ. قال الشيخ في هذا التفسير إبهام، وليس إيضاح تمام، وعندي أنه يقول: وقد تُبدل السيوف غير الروم كي تكثر رقابهم وقصرهم بضربك لها، ثم تعاودهم، وروايتي: كم تجمُّ رؤوس القوم والقصر. وقال في قصيدة أولها: (طوالُ قَناً تُطاعنُها قِصارُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)

стр. 166

(جيادٌ تَعجِزُ الأرسانُ عنها ... وفرسانٌ تضيقُ بها الدِّيارُ) قال أبو الفتح: أي لكثرتها لا توجد أرسان تكفيها، ويُحتمل أن يكون المعنى أنها لا تُضبط، يريد لميعتها بالأرسان لصعوبتها وشدة رؤوسها. قال الشيخ: الأول سقيم، وهذا صحيح يريد لميعتها ومرحها وعزة نفوسها تعجز الأرسان عن ضبطها. (وكانت بالتَّوقُّفِ عن رَداها ... نُفوسٌ عن رداها تُستشارُ) قال أبو الفتح: أي كان سيف الدولة بتوقفه عن قصدهم وإهلاكهم كأنه يستشيرهم في قتله إياهم، وكانوا بتتابعهم في غيِّهم وعتوهم وإقامتهم على عصيانه كأنهم يشيرون عليه بأن يقتلهم. قال الشيخ: هذه الاستشارة والإشارة بمرَّة، ينافيان العادات، ويناقضان العبارات، ومعناه عندي: أن سيف الدولة بتوقفه عن معاجلتهم وتمهُّله في مراسلتهم وقف على أنه كان يأخذ عليهم أفواه مهاربهم، ويشد منافذ مشاربهم، وكيف يُحاط

стр. 167

بهم من جميع جوانبهم وكيف تُنصب الحبائل لاقتناصهم، ويملك عليهم طرق خلاصهم وأنه كيف تُقصد فتُحصد وتُمحن فتُطحن، وتُدرك فتُهلك، فكانت عامر بالتوقف عن رداها نفوساً تُستشار كيف تُباد وتُبار وأنى تُؤتى فتتوى، فإن التوقف والمراسلات وقفٌ على مقاصدها ومراصدها. (وجاءوا الصَّحصحانَ بلا سروجٍ ... وقدْ سقطَ العِمامةُ والخمارُ) قال أبو الفتح: الصَّحصحان صحراء هناك معروفة، والصَّحصحان في غير هذا كل أرض فضاء واسعة. وقوله: العمامة والخمار، أي: العمائم والخُمر، فاكتفى بالواحد عن الجمع، وقوله بلا سروج، أي لشدة الهرب، أي: قد طرحوا سروجهم وعمائمهم وخُمر نسائهم طلباً للخفة والهرب. قال الشيخ: قوله طرحوا إلى والهرب محل تأباه العقول السليمة وتعافه العادات المستقيمة، ولم نسمع بفارس نزل عن فرسه في الهزيمة، وألقى سرجه واعروراه هارباً، فإن الطلب لا يمهله، ولو لم يكن وراءه طلب لأخذ فرسه

стр. 168

عنه كل فارس يمر به من رفقائه وأعدائه، والرفس لا يعمل ولا يحمل فرسخين حتى تدبر صهوته وتخونه خطوته، وأي ثُقل وخفة في عمامة وخمارة؟ ولم نسمع بإلقائهما في الهزائم، قد تُلقى الأسلحة طلباً للخفة كالمناطق والتِّرسة والبيض والدروع والجواشن والتَّجافيف لثقلٍ فيها، فأما القُمص والعمائم والخُمر فلا. ومعنى البيت: أن الخيل دهمتهم فجأة فلم يُفسح لهم في الإسراج والإلجام، فاعروروا أفراسهم في الانهزام، وجدَّ وراءهم الطلب في المرام، وجدوا في الركض والإجذام حتى سقطت عمائمهم في شدة ركضهم وخُمر نسائهم في حثهم لها على الركض وحضِّهم. والرجل يقول: قد سقط العمامة والخمار، وليس يقول: وقد طرح العمامة والخمار حتى جاز أن يفسر بأنهم طرحوا سروجهم وعمائمهم وخُمر نسائهم طلباً للخفة. (وجيشٍ كلَّما حاروا بأرضٍ ... وأقبلَ أقبلتْ فيها تَحارُ) قال أبو الفتح: أي صبَّحهم بجيش، إذا شرف هؤلاء الهُرَّاب على أرض واسعة

стр. 169

فحاروا، أي: تحيروا فيها لسعتها، ثم أقبل الجيش وانثال أقبلت تلك الأرض أيضاً تتحير به، أي: من كثرته. قال الشيخ: هذا وجه حسن، ومعناه عندي فصبَّحهم سيف الدولة برأي لا يُدار وبجيش كلما حاروا بأرض من تلك المهامه لسعتها، وأقبل سيف الدولة حارت تلك الأرض في سيف الدولة لكماله وجماله وبهائه وغنائه. (فكانوا الأُسْدَ ليسَ لها مَصالٌ ... على طيرٍ وليس لها مَطارُ) قال أبو الفتح: أي كانوا قبل ذلك أشداء، فلما غضبت عليهم وقصدتهم لم تكن لهم صولة لضعفهم، ولم يقدروا أيضاً على الطيران، فأهلكتهم. قال الشيخ: هذا التفسير على اختلاله وافتضاح حاله ومعناه أنهم كانوا أساداً في البسالة والقِراع على خيلٍ كالطير في الإسراع غير أنهم لم يقدروا معك على المصال ولا خيلهم على الاستعجال، وهذا قريب من قوله في هذه الوقعة أيضاً:

стр. 170

ولكَن ربُّهم أسرى إليهم ... فما نفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ وقوله: ولا ليلٌ أجَنَّ ولا نَهارٌ ... ولا خيلٌ حملنَ ولا رِكابُ (ومالَ بها على أَرَكِ وعُرْضٍ ... وأهلُ الرَّقَّتينِ لها مَزارا) قال أبو الفتح: أي قريت خيله من أهل الرَّقَّتين حتى لو هم بزيارتها لما بعُد ذلك عليها. قال الشيخ: أخل بشرح المصراع الأول، واختل المصراع الثاني، لأنه يقول: ومال بها، أي: بالخيل على أركٍ وعُرضٍ، فدمرها، واجتازت بأهل الرَّقَّتين حتى صار مزاراً لها، فكأنها زارتهم.

стр. 171

(فهمْ حِزّقٌ على الخابورٍ صرعَى ... بهم من شربِ غيرهم خُمارُ) قال أبو الفتح: معنى البيت أنهم ظنوا أنه قصدهم، فهربوا من بين يديه فتقطَّعوا. قال الشيخ: سبحان ما أبعد هذا الصوب عن الصواب، وليت شعري كيف غلط فيه، وكان يرى؟ فهم حزقٌ صرعى، ومعناه أنهم قُتلوا وجُِّلوا بالخابور، وهو نهر بقرب الموصل، فهم جماعات صرعى هنالك، بهم من شرب غيرهم خمارٌ، أي: من جناية غيرهم دمارٌ، وهو كقوله في هذه الوقعة: وجرمٍ جرَّه سَفَهاءُ قومٍ ... وحلَّ بغيرِ جارمهِ العِقابُ (وأنتَ أبرُّ مَنْ لوعُقَّ أفنى ... وأعفى مَنْ عقوبتُه البَوارُ) قال أبو الفتح: أنت أبر وأعفى القادرين. قال الشيخ: هذا كما فسره، لكن اختصره، ولو بسطه قليلاً لكان شرحاً جميلاً، وبيانه أن سيف الدولة أبر الملوك القادرين وأبر من إذا عُق أفنى أقاربه، فإن القوم

стр. 172

الذين أوقع بهم سيف الدولة أقاربه، فلما قدر عليهم عفا عنهم، وهو أعفى من إذا عاقب أبار، وهذا المصراع كالأول. وقال في مطلع قصيدة: (غاضتُ أناملُه وهُنَّ بُحورُ ... وخَبتْ مكائدهُ وهنَّ سَعيرُ) قال أبو الفتح: أي لما مات بطلت أفعاله إلا من الذكر الشريف. قال الشيخ: ليس في البيت شيء من ذكر الشريف، وإنما أراد أن أنامله كانت بحاراً في السخاء، فغاض ماؤها، ومكائدها كانت ناراً في الأعداء فخبا ذُكاؤها. وقال في قطعة أولها: (ألآلِ إبراهيمَ بعدَ مُحمّدٍ ... . . . . . . . . . . . . . . .)

стр. 173

(طارَ الوُشاةُ على صَفاءِ ودادِهمْ ... وكذا الذُّبابُ على الطَّعامِ يطيرُ) قال أبو الفتح: قوله طار الوشاة على صفاء ودادهم كلام جيد، والمصراع الثاني دونه جداً، ومعنى طار ذهبوا، وهلكوا لما لم يجدوا بينهم مدخلاً. قال الشيخ: لا أدري ما هذا التفسير؟ ومناه عندي: طار الوشاة على صفاء ودهم ليكدروه بنمائمهم ووشاياتهم فطُردوا، وكذلك الذُّباب يطير على الطعام لينقصه فيُطرد، فشبه الوشاة بالذُّباب في الحقارة والذِّلة والخُبث والخساسة. وقال من مطلع أبيات: (مَرَتْكَ ابن إبراهيمَ صافيةُ الخمرِ ... وهُنِّئتَها منْ شاربٍ مسكرِ السُّكْرِ) قال أبو الفتح: أراد مرأتك، أي تغلب السُّكر، إما لأنك ممن لا يغلبه مخلوق، فإذا لم يغلبك السُّكر، ومن عادته أن يغلب كل أحدٍ، فكأنك قد غلبته، وإما لأنه استحسن شمائلك لحسنها.

стр. 174

قال الشيخ معناه عندي أن السُّكر لا يملك عقله، فإذا خامره غلب عقله فردَّه عاجزاً عنه قاصراً دونه حتى كأنه أسكره، وفعل به ما يفعل بالناس بقوة عقله وثبات لبه كقوله: تعجَّبتِ المدامُ وقد حساها ... فلم يسكر وجادَ فما أفاقا وقال في قصيدة أولها: (عذيري مِنْ عذارى مِنْ أمورِ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (عدوِّي كُلُّ شيءٍ فيكَ حتَّى ... لخِلتُ الأُكْمَ مُوغرةَ الصُّدورِ) قال أبو الفتح: موغرة الصدور يحتمل أمرين، أحدهما أن يريد أن الأكم تنبو به، ولا يستقر فيها، ولا تطمئن به، فكان ذلك لعداوة بينهما، والآخر وهو الوجه، أن يكون أراد شدة ما يُقاسي فيها من الحر، فكأنها موغرة الصدور من شدة حرارتها، ويؤكد هذا قوله في هذه القطعة أيضاً: . . . . . . . . . . . . . . . ... وأنصبُ حُرَّ وجهي للهجيرِ

стр. 175

قال الشيخ: ما أبعدهما عن الصواب، الأكم تنبو بكل من يقطعها، لأنه وحده، وهو لا يستقر فيها قاطع لها، ولا تطمئن له وحده، فإن كان هذا عداوة، فالعالمون فيها شرعٌ. وليس يُقاسي فيها من الحر ما يُقاسيه في غيرها من الطُّرق، فلِم خص الأكم بوغر الصدور دون غيرها من السهل والوعر؟ وقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... وأنصبُ حُرَّ وجهي للهجيرِ إنما يصف نفسه بالشدة والصبر على الهجير كقوله: ذراني وَالفلاةَ بِلا دليلٍ ... ووجهي والهجيرَ بلا لثامِ ومعنى البيت أنه نفقت له في تلك الأكم فرس وبغلة، فقال: عدوي كل شيء فيك يا دهر، وتمسني بضُرٍّ حتى خلتُ أن هذه الأكم أيضاً مُحفظةٌ عليَّ لقتلِها دوابي. وقال في قصيدة أولها: (أطاعنُ خيلاً. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .) (إذا الفضلُ لم يرفعْكَ عن شكْرِ ناقصٍ ... على هبةٍ فالفضلُ في مَنْ له الشُّكرُ)

стр. 176

قال أبو الفتح: أي إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر أصاغر الناس على ما يُتبلَّغ به إلى إمكان الفرصة، فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور. قال الشيخ: هذا وجه، وسمعت فيع ما هو نقيضه، وذلك أنه يقول: إذا الفضل لم يرفعك بمساعدة وسعة الإمكان ونيل الأماني بل ألجأتك رقة الحال وضيق المجال وضر الإقلال والاختلال إلى مدح ناقص وخدمته وترجي الوقت بمعونته فالفضل فيه لا فيك إذا استعبدك له ماله، ولم يرفعك فضلك عن شُكره، إذا أتتك هبته ونواله فقد بان فضله عليك في جدواه، ولم يبن فضلك عليه في معناه. (فجئناكَ دونَ الشَّمس والبدرِ في النَّوى ... ودونَك في أَحوالِكَ الشَّمسُ والبدرُ) أي: كنت أقرب علينا مطلباً من الشمس والبدر، وهما دونك في الشرف والفضل. قال الشيخ: لا والله ما أدري ما قوله: كنت أقرب علينا مطلباً من الشمس والبدر؟ فهذا يعلمه الصبي والغبي، والعالمون فيه شرعٌ، وليس له في العقل والطبع مدفع، وما فيه مدح، وإن أراد غيره فلا أدري،

стр. 177

ومعناه: سرنا النهار وسرينا الليل تحت شمس النهار في الحر وتحت برد الليل في البرد، فجئناك، وهما دونك في الإشراق والجلال وكرم الخصال والجمال والعلو والكمال والبهاء والأفضال، وأنت تفوقهما قدراً في هذه الأحوال. (كأنَّك برْدُ الماء لا عيشَ دونه ... ولو كنتَ بردَ الماءِ لم يكنِ العِشْرُ) قال أبو الفتح: يقول لو كان برد الماء مثلك لما وردت الإبل العشر، وهو أن ترد الإبل يوماً وتغب ثمانية أيام، وترد اليوم العاشر. أي كانت تتجاوز المدة في العشر لغنائها ببردك وعذوبتك. قال الشيخ: لو كنت برد الماء لكان الورد رِفهاً أبداً يرده من شاء فيما شاء لإعراضه للواردين وعرض نفسه عليهم كما يرد اليوم نوالك من شاء متى شاء لإعراضه للراغبين وعرض نفسه عليهم. والشيخ أبو الفتح شد ما بَّرد الممدوح بغناء الإبل ببرده من الماء حتى تجاوز العشر ولا تعطش، فإن رضي الممدوح بهذا التبريد فما حمله من مزيد. وعندي أنه يقول: كأنك بردُ الماء الذي هو ملاك العيش وقوام الحياة وطراوة الروح وطيب النفس، ولو كنته لكان عاماً يسع العالم وما فيه، فلم يكن إلا ظمأً، كما أن فضلك الآن عامّاً يشمل العفاة والفقراء، فلا ميقات له.

стр. 178

(دعاني إليكَ العلمُ والحلمُ والحِجَى ... وهذا الكلامُ النَّظمُ والنَّائلُ النَّثْرُ) قال أبو الفتح: أي دعاني إليك ما فيك من هذه الفضائل، وما تنظمه من كلامك في شعرك وما تنثره وتأتيه على غير نظامٍ لكثرته وإفراطه من نائِلك. قال الشيخ: هذا عندي نقيض التفسير، فإنه يقول: دعاني إليك ما فيك من العلم والحلم والعقل وهذا الكلام المنظوم الذي مدحُتك به وحملته إليك والنائل المنثور لك في الدُّنيا. (كأنَّ المعاني في فصاحةِ لفظِها ... نجومُ الثُّريَّا أو خلائقيَ الزُّهرُ)

стр. 179

قال الشيخ: يستحيل أن يُشبه شعر الممدوح بأخلاق نفسه على تفسير من فسره على رواية خلائقي، وإنما يُشبه شعر نفسه بخلائق الممدوح، وروايتي: خلائقك الزُّهر، ولا أقل من هذا ليكون للممدوح في البيت نصيب ولا يكون كلُّه في مدح شعره. (وما أنا وحدي قلتُ ذا الشِّعرَ كلَّه ... ولكنْ شعري فيك منْ نفسهِ شِعرُ) قال أبو الفتح: هذا من قول العرب: شعرٌ شاعرٌ وموتٌ مائتٌ، أي كان الشعر له شعرٌ لجودته وحسنه، وفي قوله: من نفسه شعر، نكتٌ غريب، وذلك أنه ليس للشعر شعرٌ في الحقيقة كما أن للشاعر شعراً، وإنما هو في نفسه جيد، فكأنه شاعر ذو شعر، ولا شعر للشعر غير نفسه، فقارب هذا قولهم: إن السَّوادَ سوادٌ بنفسه، والبياضَ بياضٌ بنفسه، لا بمعنى هو غيرهما، لأن الأعراض لا تحل في الأعراض، وكذلك الشعر عرض، فلا يكون له شعرٌ في الحقيقة، لأن العرض لا يحل إلا في جوهرٍ، فيقول: أعانني على

стр. 180

مدحك شعري لأنه أراد مديحك كما أردت أنا. قال الشيخ: ما أدري ما هذا التطويل؟ ومعناه: إن شعري يجود فيك ويجيء بلا تكلف وعناء وتجشمٍ واقتضاء، فكأنه لابتداره إليّ وازدحامه عليَّ يشعر معي لك كما يقول: وأخلاقُ كافورٍ إذا شئتُ مدحَه ... وإن لم أشأ تُملي عليَّ وأكتبُ وقريب منه قول غيره: وبعثتَ لي في الشِّعر أفكاراً أرى ... ما بينَ قلبي وقعَها ولساني يُملي الفُؤادُ على اللِّسانِ بدائعاً ... يَذلقنَ عن حفظي وعن إتقاني وقال في قصيدة أولها: (بادٍ هواكَ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .) (يَقِيانِ في أحدِ الهوادجِ مُقلةً ... رحلتْ وكانَ لها فُؤادي مَحجِرا) قال أبو الفتح: أي كانت ضياء قلبي بمنزلة عين القلب، فما زالت عني عمي قلبي، والتبس عليَّ أمري، وفقدت ذهني، فبقي كمقلةٍ ذهبت، وبقي المحجر. قال الشيخ: هذا التفسير عجيب جداً، فإنه في وادٍ، والبيت في واد،
следующие страницы →