Полный текст (367 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قال أبو الفتح: أي إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر أصاغر الناس على ما يُتبلَّغ به إلى إمكان الفرصة، فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور.
قال الشيخ: هذا وجه، وسمعت فيع ما هو نقيضه، وذلك أنه يقول: إذا الفضل لم يرفعك بمساعدة وسعة الإمكان ونيل الأماني بل ألجأتك رقة الحال وضيق المجال وضر الإقلال والاختلال إلى مدح ناقص وخدمته وترجي الوقت بمعونته فالفضل فيه لا فيك إذا استعبدك له ماله، ولم يرفعك فضلك عن شُكره، إذا أتتك هبته ونواله فقد بان فضله عليك في جدواه،
ولم يبن فضلك عليه في معناه.
(فجئناكَ دونَ الشَّمس والبدرِ في النَّوى ... ودونَك في أَحوالِكَ الشَّمسُ والبدرُ)
أي: كنت أقرب علينا مطلباً من الشمس والبدر، وهما دونك في الشرف والفضل. قال الشيخ: لا والله ما أدري ما قوله: كنت أقرب علينا مطلباً من الشمس والبدر؟ فهذا يعلمه الصبي والغبي، والعالمون فيه شرعٌ، وليس له في العقل والطبع مدفع، وما فيه مدح، وإن أراد غيره فلا أدري،
стр. 177
ومعناه: سرنا النهار وسرينا الليل تحت شمس النهار في الحر وتحت برد الليل في البرد، فجئناك، وهما دونك في الإشراق والجلال وكرم الخصال والجمال والعلو والكمال والبهاء والأفضال، وأنت تفوقهما قدراً في هذه الأحوال.
(كأنَّك برْدُ الماء لا عيشَ دونه ... ولو كنتَ بردَ الماءِ لم يكنِ العِشْرُ)
قال أبو الفتح: يقول لو كان برد الماء مثلك لما وردت الإبل العشر، وهو أن ترد الإبل يوماً وتغب ثمانية أيام، وترد اليوم العاشر. أي كانت تتجاوز المدة في العشر لغنائها ببردك وعذوبتك.
قال الشيخ: لو كنت برد الماء لكان الورد رِفهاً أبداً يرده من شاء فيما شاء لإعراضه للواردين وعرض نفسه عليهم كما يرد اليوم نوالك من شاء متى شاء لإعراضه للراغبين وعرض نفسه عليهم. والشيخ أبو الفتح شد ما بَّرد الممدوح بغناء الإبل ببرده من الماء حتى تجاوز العشر ولا تعطش، فإن رضي الممدوح بهذا التبريد فما حمله من مزيد. وعندي أنه يقول: كأنك بردُ الماء الذي هو ملاك العيش وقوام الحياة وطراوة الروح وطيب النفس، ولو كنته لكان عاماً يسع العالم وما فيه، فلم يكن إلا ظمأً، كما أن فضلك الآن عامّاً يشمل العفاة والفقراء، فلا ميقات له.
стр. 178
(دعاني إليكَ العلمُ والحلمُ والحِجَى ... وهذا الكلامُ النَّظمُ والنَّائلُ النَّثْرُ)
قال أبو الفتح: أي دعاني إليك ما فيك من هذه الفضائل، وما تنظمه من كلامك في شعرك وما تنثره وتأتيه على غير نظامٍ لكثرته وإفراطه من نائِلك.
قال الشيخ: هذا عندي نقيض التفسير، فإنه يقول: دعاني إليك ما فيك من العلم والحلم والعقل وهذا الكلام المنظوم الذي مدحُتك به وحملته إليك والنائل المنثور لك في الدُّنيا.
(كأنَّ المعاني في فصاحةِ لفظِها ... نجومُ الثُّريَّا أو خلائقيَ الزُّهرُ)
стр. 179
قال الشيخ: يستحيل أن يُشبه شعر الممدوح بأخلاق نفسه على تفسير من فسره على رواية خلائقي، وإنما يُشبه شعر نفسه بخلائق الممدوح، وروايتي: خلائقك الزُّهر، ولا أقل من هذا ليكون للممدوح في البيت نصيب ولا يكون كلُّه في مدح شعره.
(وما أنا وحدي قلتُ ذا الشِّعرَ كلَّه ... ولكنْ شعري فيك منْ نفسهِ شِعرُ)
قال أبو الفتح: هذا من قول العرب: شعرٌ شاعرٌ وموتٌ مائتٌ، أي كان الشعر له شعرٌ لجودته وحسنه، وفي قوله: من نفسه شعر، نكتٌ غريب، وذلك أنه ليس للشعر شعرٌ في الحقيقة كما أن للشاعر شعراً، وإنما هو في نفسه جيد، فكأنه شاعر ذو شعر، ولا شعر للشعر غير نفسه، فقارب هذا قولهم: إن السَّوادَ سوادٌ بنفسه، والبياضَ بياضٌ بنفسه، لا بمعنى هو غيرهما، لأن الأعراض لا تحل في الأعراض، وكذلك الشعر عرض، فلا يكون له شعرٌ في الحقيقة، لأن العرض لا يحل إلا في جوهرٍ، فيقول: أعانني على
стр. 180
مدحك شعري لأنه أراد مديحك كما أردت أنا.
قال الشيخ: ما أدري ما هذا التطويل؟ ومعناه: إن شعري يجود فيك ويجيء بلا تكلف وعناء وتجشمٍ واقتضاء، فكأنه لابتداره إليّ وازدحامه عليَّ يشعر معي لك كما يقول:
وأخلاقُ كافورٍ إذا شئتُ مدحَه ... وإن لم أشأ تُملي عليَّ وأكتبُ
وقريب منه قول غيره:
وبعثتَ لي في الشِّعر أفكاراً أرى ... ما بينَ قلبي وقعَها ولساني
يُملي الفُؤادُ على اللِّسانِ بدائعاً ... يَذلقنَ عن حفظي وعن إتقاني
وقال في قصيدة أولها:
(بادٍ هواكَ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(يَقِيانِ في أحدِ الهوادجِ مُقلةً ... رحلتْ وكانَ لها فُؤادي مَحجِرا)
قال أبو الفتح: أي كانت ضياء قلبي بمنزلة عين القلب، فما زالت عني عمي قلبي، والتبس عليَّ أمري، وفقدت ذهني، فبقي كمقلةٍ ذهبت، وبقي المحجر.
قال الشيخ: هذا التفسير عجيب جداً، فإنه في وادٍ، والبيت في واد،
стр. 181
والرجل يقول: كانت هذه المقلة في سواد فُؤادي كالعين في المحجر، فلما رحلت رحل معها فؤادي، فإنه كان محجراً، والمحجر لا يُزايل العين، وسمعت في معناه أنه أراد أنها رحلت، ولكن سكنت
قلبي، وما فارقته كما تسكن المقلة المحجر ولا تُفارقه، كما قال:
فإن تكُ في قبرٍ فإنَّك في الحشا ... . . . . . . . . . . . . . . .
وكما قيل:
يا غائباً من سوادِ عيني ... سكنتَ من قلبي السَّوادا
ومعناه عندي الأول دون الثاني.
(وسمعتُ بَطْليموسَ دارسَ كُتْبهِ ... متملِّكاً متبدِّياً مُتحضِّرا)
стр. 182
قال أبو الفتح: أراد أنه قد جمع الملوكية والبدوية والحضرية، ونصب دارساً على الحال.
قال الشيخ: هذا وجه، وعندي أنه يقول: وسمعت بطليموس دارس كتبه، أي ابن العميد دارس قديم كتب بطليموس الذي هو بمثابته وبمنزلته في العلوم، ومربى عليه في التملك والتبدِّي والتحضر ليبين المفعول الثاني بسمعت.
стр. 183
قافية السِّين
وقال في قصيدة أولها:
(هذي برزتِ لنا فهجتِ رسيسا ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(إنْ كنتِ ظاعنةً فإنَّ مدامعي ... تكفي مزادَكمُ وتروي العيسا)
قال أبو الفتح: هذا نقيض قوله فيما تقدمه:
ولا سقيتُ الثَّرى والمَزنُ مُخلفُه ... دَمعاً يُنَشِّفُه مِن لوعةٍ نَفَسي
لأنه ذكر هناك أن نفسه يُنشِّف دُموعه، فيذهب بها، وها هنا ذكر أن مدامعه تكفي المزاد وتروي العيس، وهذا يدُّلك على كثرتها وثباتها، ولكل واحد منهما وجه ويجوز أن يكون المعنى: أن لو جمعت دموعي لكفت المذاد وأروت العيس إلا أن الحرارة تُنشِّفها، فلا يكون على هذا في الكلام ردٌّ ولا تدافعٌ.
قال الشيخ: البيت الأول في قصيدة، ومنفرد بمعنى لطيف دون هذا المعنى، وهذا البيت في قصيدة أخرى ومنفرد بمعنى أخر حسنٍ شريف، وأي تنافٍ وتناقض بينهما، وليسا في كلمة واحدة، وكل واحد منهما مؤدٍّ معناه أحسن إثارة بأحسن عبارة؟
стр. 184
والرجل يقول: إن كنت راحلة، فقد كُفيت الماء الذي هو ملك أمرك، فإن مدامعي تملأ من أدمكم وتروي إبلكم لتواليها وانصباب عزاليها، وليس فيه ولا فيما تقدمه
وما يليه ذكر حرارة النفس والنَّشف ولا ذكر شيءٍ يؤثر فيما تقدم من الوصف والكشف، فليت شعري ما الذي تراءى بخاطره فيه حتى ألحق به ما ينافيه؟
(حاشا لمثِلكِ أنْ تكونَ بخيلةً ... ولمثلِ وجهكِ أنْ يكونَ عبوسا)
(ولمثلِ وصلِكِ أنْ يكونَ ممنَّعاً ... ولمثلِ نيلِكِ أنْ يكونَ خسيسا)
قال أبو الفتح: حاشا لكِ أن تعتقدي البُخل، وأن تمنعي وصلك بالنية وإن لم يكن بالفعل.
قال الشيخ: ليس من البيتين شيء منوط بالاعتقاد والنية، وإنما هو الفعل الصرف والعمل البحت، فيقول: حاشا لمثلك في روعتك وجمالك وكرم خصالك أن تبخلي وتعبسي وأن تهجري ولا تصِلي ولا تُبرزي نيلك ولا تُكثري.
(وبهِ يُضَنُّ على البريِّةِ لا بها ... وعليه منها لا عليها يُوسى)
стр. 185
قال أبو الفتح: أي به يضن على البرية لا بالبرية عليه، ووجه الضن هنا أن يكون فيهم مثله حسداً لهم عليه، وعليه منها لا عليها يُوسى، أي: عليه منها يُحزن إذا هلك لا عليها إذا هلكت. أي: ليس فيهم من مستحق للحزن عليه إذا هلك غيره، ويجوز أن يكون أراد أن يُوسى عليه أن يكون منها، لأنه أشرف منها، فإذا عُدَّ منها فقد بُخس حقه، واستحق أن يُحزن له إذ كان يرفعها وتضعه.
قال الشيخ: ذكر ما عنده، وعندي أن الرجل يقول: فيه يُضن على البرية أن تُفدى به لا بالبرية عليه أن يُفدى بهم والأسى من جملتهم على فقده يكون لا على جملتهم دونه.
وقال من قصيدة أولها:
(أَنْوَكُ مِنْ عبدٍ ومِنْ عِرسهِ ... مَنْ حكَّم العبدَ على نفْسهِ)
قال أبو الفتح: الهاء في عرسه تعود على من، ومن مرفوعة بالابتداء، وخبرها أنوك، كما تقول: أحسن من هندٍ ومن أخيه زيدٌ، والتقدير: الذي يحكم العبد على نفسه أنوك من عبدٍ ومن عرس نفسه.
стр. 186
ويجوز أن يكون الهاء في عرسه تعود على العبد، فيصير التقدير الذي يُحكم العبد على نفسه أنوك من عبدٍ ومن عرس العبد، والنوك: الحُمق، والأنوك: الأحمق.
قال الشيخ: المعنى هو الثاني دون الأول، فإن عرس من الذي في البيت لم تجنِ جنايةً تتسخ وترخص في صنعتها بالنوك، وضرب المثل بها فيه، وليس المعنى إلا ردَّ الهاء إلى العبد.
(ما من يرى أنَّكَ في وعدهِ ... كمَنْ يرى أنَّكَ في حبسْهِ)
قال أبو الفتح: يقول أنا في حبس كافور، وهو يظن أني مقيمٌ على انتظار وعده. خاطب نفسه بالكاف على قراءة من قرأ: (أعلمُ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ).
قال الشيخ: المعنى عندي أنه يلوم نفسه بمهاجرة سيف الدولة إلى كافور، فجعل
стр. 187
يخاطب نفسه، ويقول: كنت في وعد سيف الدولة، فاضطربت واغتررت حتى وقعت في حبس كافور، وليس المرء الذي ترى نفسك في وعده كالذي ترى نفسك في حبسه، وشتان ما واعدٌ بالخير وحابسٌ على الضيم والضير.
стр. 188
قافية الشّين
وقال في قصيدة أولها:
(مبيتي من دمشقَ على فراشِ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(ورائعُها وحيدٌ لم يُرعْهُ ... تباعُدُ جيشهِ والمُستجاشِ)
قال أبو الفتح: رائعُها مفزِّعُها، يعني أبا العشائر، لم يفزعه انفراده من جيشه، لأنه قاتلهم وحده، ويعني بالمستجاش: سيف الدولة.
قال الشيخ: هذا وجه وعندي أن المستجاش: الاستجاشة هاهنا، ألا ترى قوله: تباعد جيشه؟
أي: وتباعد استجاشته لهم، فإنه إذا كان بعيداً جيشه كان بعيداً استجاشته، وهذا أظهر من أن يخفى، ولو قال قائل: يعرف تباعد جيشه بتباعد استجاشته، فإذا عُمل على سيف الدولة أحسن، إذ يحصل به معنيان: تباعد الجيش وتباعد سيف الدولة، قيل: له الأولاد والخدم والعبيد والأصاغر لا يظهرون عجزهم لمواليهم وسادتهم ما وجدوا فيه فسحة وعنه نُدحة، وجيش الرجل بحاله بقاٍ لم يهزم ولم يزحم، وإنما انفرد عنهم لبعد همته وفرط جرأته، وكانوا أقرب إليه من سيف الدولة، فكيف كان يستجيشه، وجيشه باقٍ بحالهم، ولم يعجزوا عمَّا دهمه؟
стр. 189
(فما خاشيكَ للتَّكذيبِ راجٍ ... ولا راجيكَ للتَّخْييبِ خاشِ)
قال أبو الفتح: أي ليس يرجو من يخشاك أن يلقى من يكذِّبه ويُخطئه في خوفك، لأن الناس مجتمعون على خوفك وخشيتك، ومعنى راجٍ: خائف.
قال الشيخ: هذا التفسير جعله مخوفاً بواسطة فقط، وليس كذلك فإن الرجل يصفه بأنه
يُخشى ويُرجى، وما في أحدهما خلاف، الذي يخشاك لا يرجو أن يكذب خوفه، بل يوقن أن يوقع به، والذي لا يرجوك لا يخشى أن تخيب رجاءه، بل يتيقن أن تحقق أمله، فإنك جدٌّ في جميع الأحوال كقوله:
فتىً كالسَّحابِ الجونِ يُخشى ويُرتجى ... . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا المعنى يتردد في شعره وشعر غيره.
(يَقُودُهمُ إلى الهيجا لَجوجٌ ... يُسِنُّ قتالُه والكَرُّ ناشِ)
قال أبو الفتح: أي لجوجٌ لا ينثني عن أعدائه، ولا يزال يغزوهم،
стр. 190
وأراد: ناشئٌ، فترك الهمز بدلاً، ويُسن: أي يكبر ويعظم قتاله، والكرُّ ناشٍ، أي: في أوله كما بدأ، أي: هو في آخر القتال، والكرُّ ينشأ شيئاً فشيئاُ.
قال الشيخ: ما أدري ما هذا التفسير، فإن فهمه عسير، وعندي يقول: يقودهم إلى الحرب لجوجٌ، لا يسأمها، ولا ينثني عنها، يُسن قتاله، أي: تطول مدته في قتاله كما تطول مدة من يُسن في تصاريف أحواله، وكرُّه بعد ناشئ في مقتبل عمره وعنفوان أمره وحدة شبابه وجدة شبيبته لم تقصر قصور المُسن عن آرائه، ولم يفتر عن اقتداره، أي: يطول قتاله، لا قتاله وكرُّه كما كان في أول حاله. وناهيك به مدحاً في البأس والإقدام الثابت على الدوام، وفي سيف الدولة يقول، وبين البيتين من القرابة ما بين الممدوحين:
وفينا السَّيفُ حملتُه صَدوقٌ ... إذا لاقى وغارتُه لَجوجُ
(تُزيلُ مخافةَ المصبورِ عنهُ ... وتُلهي ذا الفِياشِ عن الفياشِ)
قال أبو الفتح: ومعناه أنت تستنقذ الأسير من حبسه، وتُلهي صاحب الفخر عنه، لأن مثلك لا يُطمع في مفاخرته.
قال الشيخ: معناه وهذا التفسير في طرفي نقيضٍ، لا يلتقيان في تصريحٍ
стр. 191
ولا تعريضٍ، فإن المفسر ظنَّ أنه يُخاطب أبا العشائر، فحمله على ما عنده، وأفسد المعنى بعده، ولم يراجع ديوانه حتى يتبين مكانه، وقبله:
إذا ذُكرِت وقائُعه لحافٍ ... وشِيكَ فما يُنكِّسُ لانتفاشِ
تُزيلُ مخافةَ المصبورِ عنهُ ... وتُلهي ذا الفِياشِ عن الفياشِ
أي: تلك الوقائع تشجع من تحدث عنها، فإن من سمع آثار بلائه فيها استفاد جرأة بها،
وهان عليه بذل نفسه لمثلِها، فزال خوفه عن نفسه بها.
وقيل: المصبور: المحبوس، وقيل: المُقدَّم لضرب عنقه، وتُلهي تلك الأخبار النَّفَّاخ المفتخر بالباطل عن أباطيله وأكاذيبه بالإصاخة إليها والإنصات لها والإمساك عما يتصلف به، ويفتخر من آثاره مختلفاً مخترقاً حياء عنه وخجلاً. ورجل فيَّاش وفيوش وصاحب مفايشة، إذا كان نفَّاخاً بالباطل، وليس عنده طائلة.
يتلوه في الجزء الآخر: قافية الضاد
وقال في قصيدة أولها:
مضى اللَّيلُ والفضلُ الذي لكَ لا يمضي ... . . . . . . . . . . . . . . .
على أنَّني طُوِّقتُ منكَ بنعمةٍ ... شهيدٌ بها على بعضي لغيري على بعضي
إن شاء الله ، الحمد لله والصلاة على رسوله ونبيه محمد وآله.
стр. 192
الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربِّ أعنْ
الحمد لله خير ما أفتتح به القولُ وأختتمْ، وصلَّى اللهُ على محمَّدِ وآلهِ وسلَّمْ.
قال الشَّيخُ العميد أبو سهل محمد بن الحسن بن علي رحمةُ الله عليه.
قافية الضَّاد
قال المتنبي في قصيدة أولها:
(مضى اللَّيلُ والفضلُ الذي لكَ لا يَمْضي ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(على أنَّني طُوِّقتُ منكَ بنعمةٍ ... شهيدٌ بها على بعضي لغيري على بعضي)
قال أبو الفتح: أي أمدحك وأثني عليك بما طوقتنيه من نعمك، أي: أفعل هذا لهذا، فحذف أول الكلام للدلالة عليه، وإن شئت كان تقديره: مضى الليل على هذه الحال، أي: على أنني ملتبس بنعمتك،
стр. 193
وإن شئت كان المعنى: على أنني طُوقت بنعمتك أُهدي إليك سلاماً وتحية، ألا تراه يقول بعد هذا البيت.
(سلامُ الذي فوقَ السَّماواتِ عرشُه ... تُخَصُّ به يا خيرَ ماشٍ على الأرضِ)
وقوله: شهيد بها بعضي لغيري على بعضي، فبعضه الشاهد هو لسانه. أي يقول لساني: هذه نعمة سيف الدولة وآثار إحسانه، فيشهد على بقية بدنه.
قال الشيخ: كان هذا المفسر حمله حامل الامتعاض على الإعراض عن مسألة المتنبي عن معاني هذه الأبيات، ولم يسمعها منه، ولم يقف عليها بالاستنباط حتى أمضى به فيها إلى ضروب الاحتياط، وما أبعد معناه عمَّا أبداه، كان قد خلع عليه تلك الليلة ثياباً فارتجل، وقال:
مضى اللَّيلُ والفضلُ الذي لكَ لا يَمْض
بل يعودُ ويتجدَّدُ كلَّ ساعةٍ
ورؤياك أحلى في العُيونِ منَ الغُمضِ
مع أنني طُوقت منك بنعمةٍ، لساني شاهدٌ بها للناس على بدني، واللباس، وإذا كان لقاؤك
أحلى في الجفون من النُّعاس، وانضاف إليه آنف هذا الإكرام والإيناس، فكيف يكون الحال؟ وهذا قريب من قوله:
تُنشِدُ أثوابُنا مدائِحَه ... بألسُنٍ ما لهنَّ أفواهُ
стр. 194
وقوله:
فبوركتَ من غيثٍ كأنَّ جلودنَا ... بهِ تُنبِتُ الدِّيباجَ والوَشيَ والعَصبا
والأصل فيه:
فعادوا فأثَنوا بالذي أنتَ أهلُه ... ولو سكتوا أثنت عليكَ الحقائبُ
стр. 195
قافية العين
وقال في قصيدة أولها:
(غيري بأكثرِ هذا النَّاس ينخدعُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(يَذري اللُّقانُ غُباراً في مناخرِها ... وفي حناجرِها منْ آلسٍ جُرَعُ)
قال أبو الفتح: اللُّقان موضع ببلد الروم، وآلس: نهر هناك أيضاً، أي: لا تستقر فتشرب، وتطمئن إنما هي تختلس الماء اختلاساً لما هي فيه من مواصلة السير والمجاولة، ويجوز أن تكون شربت قليلاً لعلمها بما يعقب شربها من شدة الركض، وهكذا يفعل كرامُ الخيل.
قال الشيخ: كلاهما فاسد وعن المراد متباعد، فإن الرجل يصف خيله وسرعة طي
стр. 196
المسافة وبلوغ المقاصد البعيدة بأقرب الأوقات، وبين آلس واللُّقان مسافة، فهو يقول: شربت من نهر آلسٍ، والماء لم يصل بعد بتمامه إلى أجوافها، وهي قد وصلت إلى اللُّقان حتى يذري غبار أرضها في مناخرها وفي حناجرها بعد جُرعٌ من ماء آلسٍ لم ينزل إلى أجوافها كما يقول:
فكأنَّ أرجلَها بتربةِ منبجٍ ... يطرحنَ أيديَها بحصنِ الرَّانِ
(أجلُّ مِنْ ولَدِ الفُقَّاسِ مُنكتِفٌ ... إذْ فاتهنَّ وأمضى منه منصرعُ)
قال أبو الفتح: ولد الفُقَّاس الدُّمستق الذي كان لقيه حينئذ، لأنه أفلت وأُسر من أصحابه نيفٌ وثمانون رجلاً، فيقول: إن كان الدُّمستق قد فاته فقد ظفر من أصحابه بمن هو أمثل منه.
قال الشيخ: ما أدري كيف ارتضى لنفسه مع جلالة قدره وتقدمه في العلم، التكلم بمثله. الدُّمستق صاحب جيش الروم، ومن يُؤسر من الجيش يكون أجلَّ وأمثل من صاحب
الجيش، وما أبعد معناه عما حكاه، فإن الرجل يقول: هذا الأسير المكتوف والقتيل المصروع أجلُّ من الدُّمستق وأمضى إذا ثبتا وقاتلا حتى كتَّف الأخيذ وأتلف الوقيذ، ولم يؤثر تقنُّع العار على تجرُّع البوار ووصمة الفرار على قصمة الدَّمار كما آثر صاحب جيش الروم، والأسير أجل قدراً منه لثباته، والصَّريع
стр. 197
أمضى رأياً وعزماً منه لبذل حياته، كقوله:
فموتي في الوغى عيشي لأنِّي ... رأيتُ العيشَ في أربِ النُّفوسِ
وقوله:
والعارُ مَضَّاضٌ وليسَ بخائفٍ ... من حتفهِ مَن خافَ ممَّا قِيلا
ويدلُّك عليه قوله بعده:
وما نجا من شِفارِ البيضِ مُنفلِتٌ ... نَجا ومنهنَّ في أحشائهِ فزَعُ
يُباشرُ الأمنَ دهراً وهوَ مُختَبلٌ ... ويشربُ الخَمرَ حولاً وهوَ مُمتَقَعُ
أي: وهو وإن اختار هجنة الفرار ورضي لنفسه بهذا الشَّنار، فليس معها بناجٍ من شفارِ السيوف مع ما في قلبه من الفزع المنغِّص عليه عيشه المختبل عقله بعد مباشرة الأمن دهراً المغبِّر لونه بعد شرب الخمر حولاً.
(وجدتُموهمْ نياماً في دِمائِكمُ ... كأن قتلاكُم إيَّاهمُ فَجَعوا)
قال أبو الفتح: حدَّثني أبو الطيب، قال: لَّما هزم سيف الدولة الدُّمستق، وقتل أصحابه جاء المسلمون إلى القتلى يتخلَّلونهم، وينظرون من كان فيهم به رمق قتلوه، وكانوا يقولون لهم: رُميس رُميس ليوهموهم أنهم من الروم، فإذا تحرك أحدهم أجهزوا عليه فبينا هم كذلك أكب المشركون عليهم لاشتغال سيف الدولة عنهم فلذلك قال:
стр. 198
وجدتموهم نياماً في دمائكم، أي: في دماء قتلاكم، وكأن قتلاكم فجعوهم، وهم قعود بينهم يتوجعون.
قال الشيخ: بعضه صحيح، وبعضه سقيم، فالصحيح ما رواه، والسقيم ما رآه، وذلك أنه يقول: وجدتموهم نياماً في دمائكم لا قعوداً فيها، وكانوا كما روى، تخلَّلوا صرعى سائلين عنهم بلغة الروم، فمن وجدوا له حساً وحركة أجهزوا عليه، فلما أظللَّهم جيش الروم تلطخوا بدمائهم، وتشحَّطوا فيها، وناموا في خلال القتلى كالقتلى حتى يُظنَّوا قتلى، فلم تُغن عنهم الحيلة، وأُسروا، فهو يقول: كأن قتلاكم فجعوها حتى ضرَّجوا وجوههم بدمائهم، وتشحَّطوا
فيها جزعاً عليهم، وتوجُّعاً وتهالكاً فيهم وتفجُّعاً ن وهكذا فعل الجازعين على قتلى الأعزة من تضريج الوجوه والاستغشاء بثيابهم المضرَّجة بسيما النِّساء.
(رضيتَ منهم بأنْ زُرتَ الوغى فَرأَوا ... وأنْ قرَعتَ حَبيْكَ البَيضِ فاسْتَمَعُوا)
قال أبو الفتح: يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم، أي: أنا أضرب معك بالسيف، وهم يتخلفون عنك.
стр. 199
قال الشيخ: (سبحانَك هذا بُهتانٌ عظيمٌ). الرجل يصفه بالثبات وقت انهزام أصحابه وإسلامهم له في المعركة، فيقول: ما كنت تُجشِّم جيشك مظاهرتك على العدو، بل كنت راضياً منهم بأن يثبتوا، فرأوا خوضك الغمرات، واستمعوا صليل قرعك البيض بالمرهفات، ولكن لم يثبتوا، ويدلُّك عليه قوله قبله:
لم يُسلمِ الكرُّ في الأعقابِ مهجتَه ... إن كان أسلَمَها الأصحابُ والشَّيَعُ
ليتَ الملوكَ على الأقدارِ معطيةٌ ... فلم يكن لدنيٍّ عندها طمَعُ
رضيتَ منهم بأن زرتَ الوغى ... وأن قرعتَ حَبِيكَ البّيضِ فاستمعوا
ويعلم أن سيف الدولة لم يكن يقاتل الشعراء حتى يتصور فيه ما فسر بيته به، ويدلُّك على ما قُلنا ما قبل هذه الأبيات، وهي:
وفارسُ الخيلِ مَن خفَّت فوقَّرها ... في الدَّربِ والدَّمُ في أعطافِها دُفَعُ
وأوحدته وما في قلبهِ قَلقٌ ... وأغضبتهُ وما في لفظهِ قذَعُ
بالجيش يمتنعُ السَّاداتُ كلُّهمُ ... . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قصيدة أولها:
(أركائبَ الأحبابِ إنَّ الأدْمُعا ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(مُتكشِّفاً لعداتهِ عن سطوةٍ ... لَوْحَكَّ مَنكبِهُا السَّماَء لزعزعا)
قال أبو الفتح: أي يُصارح أعداءه ويُجاهرهم بالعداوة لجرأته وإقدامه وفضله.
стр. 200
قال الشيخ: لم يُفسر إلا شطراً من البيت، وأعرض عن الشطر الأهم، وما معناه المصارحة بالمكاشفة ولا المصاحرة بالمكاشحة، وإنما معناه أنه منطوٍ لهم على تحري القتال دون الاحتيال والاغتيال والمكر والغدر والختل والختر، فإذا أراد أن تكشف لهم عن سطوةٍ تزعزع السَّماء شدَّة صدمه وعظمة وقعه، وذلك أن الأرض تزلزل وتزعزع، والسماء
ممتنعة عليها، فلهذا خص السماء بالزَّعزعة، والدليل على أنه مما قلنا في التكشف لا ما زعمه قول البحتري.
وتبسَّمت عن لؤلؤٍ فتكشَّفت ... عن واضحاتٍ لو لُثِمنَ عِذابِ
إنها ليست تصاحر الناس بذلك التكشُّف، ولكنها صاحبة ثغرٍ كاللُّؤلؤ، فإذا تبسَّمت تكشفت عنه.
(إنْ كانَ لا يُدعَى الفتى إلاَّ كذا ... رجُلاً فسمِّ النَّاسَ طُرّاً إِصبَعا)
قال أبو الفتح: رجلاً منصوب لأنه مفعول ثانٍ ليُدعى، وهو الذي يقال له: خبر ما لم يُسمَّ فاعله كأنه قال: إن
стр. 201
لا يُدعى الفتى رجلاً حتى يكون هكذا مثلك، فسمِّ الناس، أي: جميع الناس إصبعاً، لأنهم لو وُزنوا بإصبعك ما وفوا بها.
قال الشيخ: ما في إضافة الإصبع إلى الممدوح معنى، لأنها غضٌّ من قدره، وأنه يقول: إن كان لا يُدعى الفتى رجلاً إلا إذا كان مثله، فعدَّ جميع الناس إصبعاً في جنبه لكماله وجلالة خصاله وفخامة أفعاله وقصورهم عن غاياته في المعالي وسقوطهم عن نهاياته في المساعي.
(إنْ كانَ لا يَسعى لجُودٍ ماجدٌ ... إلاَّ كذا فالغيثُ أبخلُ مَنْ سعى)
قال أبو الفتح وهذا البيت أيضاً نحو الذي قبله، أي إن لم يصح سعي ماجدٍ لجودٍ حتى يفعل مثل فعلك وجب أن يكون الغيث أبخل السَّاعين لبُعد ما بينك وبينه ووقوعه دونك، فإن قيل: لم جعل الغيث إذا قصر عن جوده أبخل السَّاعين؟ وهلاَّ كان كأحدهم؟ فإنما جاز هذا له على المبالغة كما يقول، فالغيث لم يمرر بشيءٍ من الجود.
قال الشيخ: ما ادري ما يقول في تفسيره واستشهاده، والرجل يقول: إن كان لا يسعى ماجدٌ لبذل النَّوال وتفرَّق الأمور في تحقيقٍ إلا كما يسعى هذا
стр. 202
الممدوح، فالغيث الذي هو المثل في الجود والسخاء والنِّهاية في الفيض والعطاء والمشَّبه به في الإيلاء وموالاة الآلاء أبخل من سعى بالقياس إلى فيض يديه وتبذير ما لديه.
وقال في قصيدة أولها:
(الحزنُ يُقلقُ والتَّجمُّلُ يردعُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(فاليومَ قَرَّ لكلِّ وحشٍ نافرٍ ... دمُه وكانَ كأنَّه يتطلَّعُ)
قال أبو الفتح: يقول كان يقنص الوحوش في الطرد، وقوله: يتطلع، أي: كان كأنه يهم بالظهور والخروج من غير أن يظهر ويخرج خوفاً وجزعاً ونحو هذا، أن الحمار إذا أروح الأسد، فاشتد جزعه طلبه وقصده دهشاً وتحيُّراً.
قال الشيخ: ما أدري ما يزعم، وعندي أن الرجل يقول: فاليوم قرَّ لكل وحش دمه في بدنه، فإنه كان يسفحه، وكان ذلك الوحش يتطلع أن يُسفح دمه ويراق لاعتياد الوحش ذلك لطول الزمان عليه، وهذا ينظر إلى قوله:
يُطِّمعُ الطَّيرَ فيهم طولُ أكلِهمُ ... . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 203
قافية الفاء
وقال في قصيدة أولها:
(لِجنِّيَّةِ أم غادةٍ رُفِعَ السَّجْفُ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(ولستُ بدُونٍ يُرتجَى الغيثُ دونَه ... ولا مُنتهى الجودِ الذي خلْفَه خلْفُ)
قال أبو الفتح: أي لست بقليلٍ من الرجال ولا صغير المقدار. تقول: هذا دونُ من الرجال، وكذلك دونُ أبداً، إذا أردت به التَّقليل والتَّصغير، ورفع الخلف، لأنه جعله اسماً لا ظرفاً.
قال الشيخ: الممدوح لا يُوصف بأنه ليس بالدون، فإنه قدحٌ لا مدحٌ، وعندي أنه يقول: محلُّك فوق الغيث والسحاب، ولا يُرتجى الغيث دونك، وإنما تُرتجى دون الغيث، ويؤيده المصراع الثاني، ولست بمنتهى الجود الذي يكون وراءه وراء وخلفه خلفٌ، وإنما أنت المنتهى الذي ما بعده بعدٌ.
стр. 204
قافية القاف
وقال في قصيدة أولها:
(لعينيكِ ما يلقَى الفُؤادُ وما لقي ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(هَوادٍ لأملاكِ الجُيوشِ كأنَّها ... تخيَّرُ أرواحَ الكُماةِ وتنتقي)
قال أبو الفتح: هوادٍ، أي: تهديهم وتتقدمهم.
قال الشيخ: إن كان هذا كما ذكره فما معنى كأنه تتخير وتنقي أرواح الكُماة، إذ لا ملاءمة بين أول البيت وأخره على ما فسره بحال؟ وعندي أن قناهم قواصد ملوك الجيش، فلا تأخذ
إلا أرواحهم، ولا تسلب إلا نفوسهم حتى كأنها تتخير وتنتقي أرواح الكُماة، فلا تأخذ إلا أرواح الملوك، ولا تنزل بدونهم. قال الأزهري: هديت به، أي قصدت به، وقال الفرّاء: يُقال هديت هدي فلانٍ، إذا سرت سيرته، ويجوز أن يكون هوادٍ من هذا، أي: تهديها، وتنحو نحوها،
стр. 205
وفي الحديث: (اهدوا هديَ عمَّار)، والهدى: المذهب والطريق. أبو عبيد عن الأصمعي: الهادية من كل شيء أوله وما تقدم منه، ومن هذا قيل: هوادي الخيل أعناقها، ولأول رعيلٍ تطلع منها لا المتقدمة، يُقال: هدت تهدي إذا تقدمت، وهوادٍ من هذا متقدماتٌ لأملاك الجيوش، أي: لاقتناص أنفسهم.
(كسائِلهِ منْ يسألُ الغيثَ قطرةً ... كعاذلهِ منْ قالَ للفَلكِ: ارفُقِ)
قال أبو الفتح: أي كما أن القطرة لا تؤثر في الغيث فكذلك سائله لا يؤثر في ما له وجوده، وكما أن الفلك لا ينثني عن أفعاله وتصرفه فكذلك هو لا يرجع عن كرمه بعذلِ عاذله، وهذا نحو قوله أيضاً:
وما ثناكَ كلامُ النَّاسِ عن غّرَضٍ ... ومن يسدُّ طريقَ العارضِ الهَطِلِ؟
قال الشيخ: فسر أول البيت فلم يصب شاكلة الرمي، وفسر آخره فأتى بالشرح الجلي، لأنه يقول: هو لا يُحوجُك إلى السؤال، بل يسرف ويفرط في النوال، فإن سأله أحد فهو كمن يسأل الغيث قطرة، وهو غامرٌ له بقطارهِ وباهرٌ إياه بانهماله عليه وانهماره، فسؤاله خطأ ومقاله خطلٌ.
стр. 206
(إذا سعتِ الأعداَء في كيدِ مجدهِ ... سعى مجدُهُ في جّدِّهِ سعْيَ مُحنَقِ)
قال أبو الفتح: يقول إذا سعت الأعداء في إبطال مجده وهدم شرفه سعى مجده في ضد ما يسُّر أعداءه سعي مغضبٍ محنقٍ، وقد قرب من قول أبي تمام:
كأنَّما وهيَ في الأوداجِ والغةٌ ... وفي الكُلى تجدُ الغيظَ الذي نَجِدُ
قال الشيخ: هذه الرواية مدخولة فاسدة، والصحيح سعى جده في مجده، فإن السعي للجد والبخت يكون في إبقاء الشرف والمجد لا للمجد في إبقاء البخت والجد. يقول: إذا أرادت الأعداء إبطال مجده سعى نجمه الصاعد وجدُّه المساعد في حراسة مجده وحياطة ملكه سعي الموتور بأقصى ما في الوسع والمقدور، ولست أدري كيف ذهبت عليه هذه الرواية الصحيحة بعدما قرأه على القائل، فهذا أمر العجائب؟ ويدلُّك على ما قلنا قوله بعده:
وما ينصرُ الفضلُ المُبينُ على العِدا ... إذا لم يكن فضلَ السَّعيدِ الموفَّقِ
وقال في قصيدة أولها:
(تذكَّرتُ ما بينَ العُذَيبِ وبارقِ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
стр. 207
(ولمّا سقى الغيثَ الذي كفروا بهِ ... سقى غيرَه في غيرِ تلكَ البوارقِ)
قال أبو الفتح: أي لما مطر عليهم الخير والجود، فكفروا به أمطر عليهم العذاب، لأنه أتاهم من عسكره في مثل السحاب البارقة، فكانت ضد السحاب الأولى التي أحسن إليهم بها، فكفروها.
قال الشيخ: المعنى ما فسره غير أنه زاد فيه ونقص منه، وتشبيه العسكر بالسحاب البارقة حسن، وقوله: كانت ضد السحاب الأولى، ولم يتقدم له ذكر قلق، وإن كان تقدَّمه الغيث، ومعناه إنه سقاهم النِّعم في بروق الابتسام، فلما كفروا بها سقاهم النِّقم في بروق الحُسام.
(أتى الظُّعْنَ حتَّى ما يطيرُ رشاشُهُ ... منَ الخيلِ إلاَّ في نحورِ العواتقِ)
قال أبو الفتح: أي أُلحقوا بنسائهم، فكانوا إذا طُعنوا انتضح الدم في نحور النساء، وإذا لحقوا بالعواتقِ فهو أعظم من لِحاقهم بغيرهن، لأنهن أحق بالصَّون والحماية.
قال الشيخ: هذا التفسير يُشير إلى المعنى إلا أن العبارة قلقة غلقة لا تكاد تبين،
стр. 208
ومعناه: أتى سيف الدولة الظُّعن في سوقه القبائل، فثبتت الخيل تُطاعن عن حُرمها وتحامي عليها، والظُّعن وراء ظهورها، فكانت إذا طُعنت في صدورها نفذتها إلى ظهورها، فرشَّ الدَّم نحور العواتق من ظهور الخيل.
(ولا ترِدُ الغُدرانَ إلاَّ وماؤُها ... منَ الدَّمِ كالرَّيحانِ تحتَ الشَّقائِقِ)
قال أبو الفتح: أي لكثرة ما قتل أعداءه قد جرت الدماء إلى الغدران فغلبت على خضرة الماء حمرة الدم، فالماء يلوح من خلل الدَّم وماء الغدير أخضر لما لا يكاد يفارقه من الطُّحلب، وذلك لنزوحه وبُعده فلا يرُدُه أحد.
قال الشيخ: حام حول المعنى حتى جاء ببعضه تفاريق بخلل بيِّنٍ، وذلك أنه يقول: غلبت خضرة الماء حمرة الدم، فالماء يلوح من خلل الدَّم، وكيف يكون كذلك؟ والماء والدَّم إذا التقيا فالماء طافٍ والدَّم أبداً راسب، فكيف يلوح الماء من خلل الدم، وهو فوقه والدَّم تحته، وهو محالٌ؟ ثم ليس للماء من الخضرة ما يحسن تشبيهه بالرَّيحان. وقوله: ماء الغدير
أخضر لما لا يكاد يُفارقه من الطُّحلب أيضاً محال، لأن الأخضر هو الطُّحلب لا الماء، وما هو بجسمٍ لطيف رقيق كالماء فيمازجه، ويكتسي الماء خضرته، وإنما هو جسمٌ جاف غليظ يعلو الماء ويسفل، ولا يمتزج به،
стр. 209
فالمعنى إذا أن خيله تعودت أن لا ترد الغدران إلاَّ والدماء سالت إليها، وغلب الطُّحلب الذي عليها، فصار الطُّحلب فوق الماء كالرَّيحان تحت الشقائق، وذلك لأن الدَّم يثبت على الطُّحلب، والطُّحلب يصير تحته، ولا يثبت على الماء، والماء لا يصير تحته.
قال في قصيدة أولها:
(قالوا لنا: ماتَ إسحاقٌ فقلتُ لهمْ: ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(لولا اللِّئامُ وشيءٌ منْ مَشابههِ ... لكانَ الأمَ طِفلٍ لُفَّ في خِرَقِ)
قال أبو الفتح: أي لولا أبوه، فإنه في اللؤم مثله لكان ألأم طفلٍ لُف في خِرقٍ.
قال الشيخ: هذا التفسير بعيد من بيته، فإنه يقول: لولا اللئام لا لولا أبوه، وهذا الكلام كما تراه ينفي عنه أن يكون ألأم طفلٍ، فإنك إذا قلت: لولا زيدُ لكان عمروٌ أكرم الناس، فقد نفيت بزيدٍ عنه كونه أكرم الناس، وإنما يصف الرجل بقماءة الجسم وقصر القامة وحقارة البدن وصغر الخلق والبُنية وضؤولة المنظر والجثة، ويقول: لولا اللِّثام الذي تلثم به وشيءُ من مشابهه التي تتجمل وتتراءى به الأشخاص كالعمامة والقباء والخُفِّ لكان ألأم طفلٍ، أي أصغر طفلٍ وأسقط طفلٍ
стр. 210
لفَّ في خرقةٍ في أعين الناس لقماءته في أطماره ودناءته وصغر جسمه.
وقال في قصيدة أولها:
(أتُراها لكَثرةِ العُشَّاقِ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(كيفَ ترثي التي تَرَى كلَّ جفنٍ ... راَءها غيرَ جفنِها غيرَ راقِ؟)
قال أبو الفتح: أي كيف ترثي التي ترى كل جفنٍ رآها غير راقئٍ للبكاء من هجرها غير جفنها، فإنه لا يبكي لهجرها، لأنها لا تهجر نفسها، فغير الأولى منصوبة على الاستثناء، وغير الثانية منصوبة إلى الحال، إن جعلت رأيت من رؤية العين، وإن كانت من رؤية القلب، فهو منصوب لأنه مفعول ثانٍ لرأيت، ورأيت على هذا بمعنى علمت.
قال الشيخ: الصواب أن يقال: غير راقٍ من حبها لا من هجرها، إذ لا طمع للناس في
وصلها حتى يبكوا من هجرها، ولو قدرت على هجر نفسها، وهي في الأحياء وتنبأت لكان ذلك لها معجزة من معجزات الأنبياء.
стр. 211
(كاثرتْ نائلَ الأميرِ منَ الما ... لِ بما نوَّلتْ منَ الإيراقِ)
قال أبو الفتح: الإيراق: مصدر أورق الصائد يورق إيراقاً إذا لم يصد شيئاً. أي: هي في منعها وصلها في النهاية كما أن الأمير في بذله نائله قد بلغ الغاية، فكأنها تُكاثر عطاياه بمنعها لتنظر أيهما أكثر.
قال الشيخ: هذا الذي ذكره وجه، وعندي أنه مصدر أرق، كما قال تأبط شرَّاً:
يا عيدُ مالكَ من شوقٍ وإيراقِ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .
أي: كاثرت نائل الأمير بما نوَّلت عُشاقاّ من التَّسهيد والتَّسهير، وهذا الوجه أحسن من الأول، لن هذا من فعل المعشوق، وذلك من اتفاقات العشاق، يُقال: أورق الصائد وأخفق، إذا لم يصد شيئاً، وهما ليسا من فعل الصائد، وأنهما اتِّفاقٌ رديءٌ لازمٌ غير متعدٍّ، وإيراق التَّسهيد من فعلها متعدٍّ، ولهذا قُلنا: إن هذا الوجه أحسن وأقوى.
стр. 212
(ليسَ قولي في شمسِ فعلِكَ كالشَّمْ ... سِ ولكنْ كالشَّمس في الإشراقِ)
قال أبو الفتح: جعل لفعله شمساً استعارةً لإضاءة أفعاله، أي: لا يبلغ قولي محل فعلك، ولكنه يدلُّ عليه ويحسِّنه كما يحسِّن الشَّمس إشراقها، وتقديره: ولكن قولي في فعلك كالإشراق في الشمس، إلى هذا ذهب، وقد سألته وقت قراءته.
قال الشيخ: كأنه فسر له، فنسي لبَّه، وذكر قشره، وبهذا التفسير يذهب كالشمس من البين، ولا يجوز أن يلغى بحالٍ، وقول أبي الفتح وتقديره: ولكن قولي في فعلك كالإشراق في الشمس فاسد من وجهين، أحدهما إلغاءٌ كالشمس من البين، والثاني أنه يحط قوله من شمس فعله، فيقول: أي لا يبلغ قولي محل فعلك، ثم يربي به على فعله من حيث جعله كالإشراق في الشمس، لأنه فائدة الشمس ومعناها، ألا ترى أنه إذا فارقها لم يبق منها إلا جرمٌ مظلمٌ موحش؟ وإذا كان فعل الممدوح ذلك الجرم المظلم. وقول المتنبي الإشراق فيه، فالقول أحسن من الفعل وأنفع وأجدى وأجمع وأعلى وأرفع. وعندي إنه يقول: ليس قولي في شمس فعلك كالشمس في الإضاءة والاشتهار، فإنه ساقط عن فعلك، وإن كان علياً، ولكنه مع هذا كالإشراق في الشمس الذي هو معناها
стр. 213
وحاصلها، والذي إذا فارقها ما بقي لها معنى.
أي: قولي، وإن كان بحيث هو كالإشراق في الشمس، فإنه ليس في جنب شمس فعلك كالشمس مضيئة مشتهرة، بل واقعٌ دونه لا يضيء معه ولا يشتهر فيه لبهوره وكثرته وغلبته التي تغمر كل ثناءٍ، وتبهر كل مدحٍ.
وقال في قطعة أولها:
(لامَ أُناسٌ أبا العشائرِ في ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(كُنْ لُجِّةُ أيُّها السَّماحُ فقدْ ... آمنَه سيفُه منَ الغرَقِ)
قال أبو الفتح: أي سيفه جُنَّة له من كل عدوٍّ ناطقاً كان أو غير ناطق.
قال الشيخ: ليس فيه شيءٌ من ذكر الأعداء والجُنن والاتِّقاء ظن وإنما هو يقول: كن لُجَّة بحرٍ أيها السَّماح الذي غلب على خصاله وأفعاله، فليس يغرق فيك، فإنه يأخذ بسيفه من الناس وأموال أعدائه ما يغرقه في آمليه وأوليائه، وهذا المعنى يتردد في شعره كثيراً.
وقال في أرجوزة أولها:
(ما للمروجِ الخضرِ والحدائقِ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .)
стр. 214
(أي: كْبتَ كلِّ حاسدٍ منافقِ ... أنتَ لنا وكلُّنا للخالقِ)
قال أبو الفتح: أي كبت كل حاسد منافق: أي: نداء بمعنى: يا، كأنه يخاطب ممدوحاً.
قال الشيخ: قَّبح الله ممدوحاً يرضى بأن يخاطبه مادُحه بأنت لنا، سبحان الله العظيم كيف ذهب عليه معناه؟ وأرجوزته كلُّها في صفة طُخروره، ثم قال في آخرها: يا كبتَ الحُسَّاد أنت لنا مُلكنا ومركوبنا وكلُّنا للخالق.
стр. 215
القافية الكافية
وقال في قطعة أولها:
(ربَّ نجيعٍ بسيفِ الدَّولةِ انسفكا ... . . . . . . . . . . . . . . .)
(من يعرفِ الشَّمسَ لا ينكرْ مطالعها ... أو يبصر الخيلَ لا يستكرمِ الرَّمَكَا)
قال أبو الفتح: أي إنما فضَّلتُك لأنني قايستُك بغيرك، فكنت فوقه بمنزلة الخيل من الرَّمك، ولأن الشمس لا تُنكر مطالعها لشهرتها كذلك أنت، وقد طواه مع هذا على فخره وعنده على غيره.
قال الشيخ: تفسير المصراع الأول عسير غير مفهوم، والثاني جميل، وهما مبنيان على قوله:
(. . . . . . . . . . . . . . . ... وربَّ قافيةٍ غاظتْ بهِ مَلِكاً)
ثم نسق على معناه البيت الثاني، فقال: لم يغيظ مدحه الملوك؟ وكيف يُنكرون فضله عليهم وسبقه لهم كونه فوقهم فيغتاظوا من مدحه؟ فإن من عرف
следующие страницы →