Полный текст (536 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وكذلك كل أبيض شديد البياض، يوصف بالزرقة، وعلى هذا قال في صفة الماء:
فلمَّا وردنَ الماَء زرقاً جمامهُ ... وضعنَ عصىَّ الحاضرِ المتخَّيمِ
وقد يجوز أن يكون قوله:
همُ أنشبوا زرق القنا
على إقامة الصفة مقام الموصوف، أراد الزججة الزرق، فحذف الموصوف، وأضافها إلى القنا، كما يضيف إليها الموصوف.
стр. 177
باب من
من لحاق النون الفعل المضارع للجمع
أو لعلامة الرفع
قال الشاعر:
إنّا قصدناك نرجو منك نافلةً ... من رملِ يبرينَ إنَّ الخيرَ مطلوبُ
أعلن أن قولهم النساء: أنتن ترين، النون فيه علامة الضمير، فلا يحذف في موضع الجزم والنصب، وعلى هذا قوله : (إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ) و (إَلاّ أَن يَعْفُونَ)، ولو قلت للواحدة من النساء: أنت ترين، لكان [صورة] اللفظ في الواحدة كصورة اللفظ في جماعتين، إلا انك تحذف النون، للجزم والنصب، من فعل الواحدة، ولا تحذف من الفعل المسند غلى جماعتهن.
فاما قولهم: يبرين، فليس بيفعلن، من بري يبري، مثل يرمين، ولكن ياؤه فاء، ولا يجوز أن يكون للمضارعة، ألا ترى انه لو كان مثل يرمين، لكان وزنه يفعلن،
стр. 178
في فعل جماعة النساء، وفي قولهم: يبرون، دلالة على انه ليس بيفعلن، لأنها لو كانت يفعلن، للزم أن تنقلب الياء التي هي لام، واواً، والياء إذا كانت لاماً لم تنقلب، في هذا النحو، إلى الواو، وإنما ينقلب ما كان زيادة دون ما كان لاماً.
فهذه النون إنما يتقلب ما قبلها، فيصير مرة ياء، ومرة واواً، إذا كانت زائدة، فإذا جعلت النون حرف الإعراب، حركت بما تحرك به لام الفعل، وعلى هذا: الأربعين، وآخرين، وسنين، فأما إذا كانت الياء أو الواو التي قبلها لام فعل، فإن ذلك لا يكون فيه، إلا ترى أن فلسطين، وقنسرين، ونصيبين، ليس في شيء منه ما قبل نونه لام فعل.
فأما قولهم في بعض الأخذ: الينجلب، فالنون إذا كانت ثانية، لم يحكم بزيادتها، فإذا لم يحكم بذلك، حصلت من الأربعة، وإذا حصلت من الأربعة، فالأربعة لا تلحقها الياء: زائدة في أولها، ألا ترى قوله في يستعور فإذا كان كذلك
стр. 179
كان الينخجلب بمنزلة الجحمرش وقد يتجه على هذا أن يكون إتقحل بمنزلة قرطعب، فيكون ما اتفق فيه بعض حروف القحل وليس منه.
فأمام ما حكى من قولهم: ما استطيع عليه، بكسر الألف وأن المعنى: لا أستطيعه فإن همزة المضارعة [إنما كسرت لأن] همزة الوصل تلحق الماضي، وما لحقته الهمزة الموصولة، أو كان حكم ما تلحقه، فإنهم يكسرون أوله، كما كسروا نعلم ونحوه.
стр. 180
باب
مما يختلف فيه معنى حرف المضارعة
مع اتفاق اللفظ
قال الأعشى:
فآليت لا أرثى لها من كلالةٍ ... ولا من حفى حتى تلاقى محمَّدا
يجوز أن تكون التاء في تلاقى من فعل الغيبة، وفي الفعل ضمير الغائبة، كما تقول: هند تلاقى زيداً، وأسكن الياء في موضع النصب، نحو:
يا دارَ هندٍ عفتْ إَّلا أثافيها
ويجوز أن تكون التاء لاحقة فعل المخاطب بعد الغيبة، كقوله سبحانه: (إِيّاكَ نَعْبُدُ) بعد الغيبة، وتكون الياء للضمير، والنون محذوفة.
ويجوز أن تكون التاء للمخاطب، والمعنى: حتى ألاقى، إلا أنه نزل نفسه منزلة
стр. 181
المخاطب، كما قال:
وهل تطيقُ وداعاً أيها الرجلُ
وكقوله:
أرمى بها البيدا إذا هجَّرتْ ... وأنتَ بينَ القروِ والعاصرِ
وغنما يعنى بذلك نفسه، وعلى هذا قراءة من قرأ: (قال أعلم أن الله على كل شيء قدير).
وقول الفرزدق:
يداكَ يدٌ إحداهما النَّيلُ كلَّهُ ... وراحتك الأخرى طعانٌ تغامرهْ
تكون التاء للمخاطب تغامر أنت أيها المخاطب المطاعنة، ويجوز أن يكون: راحتك تغامر، كما تقول: كتبت يد، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ)،
стр. 182
فكما نسبت الكتابة إلى اليد، دون جملة الإنسان، كذلك ينسب الطعان إلى الراحة، لأنها بها تكون، كما تكون الكتابة باليد.
وقول الهذلي:
زجرتُ لها طيرَ الشَّمالِ فإن تكنْ ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
تقديره: إن تكون هواى الذي تهوى تلك، فقال: هواك، كما قال:
وأناتَ بينَ القروِ والعاصرِ
وقوله: يصبك اجتنابها أي يصيبك اجتناب الطير المزجورة، أي يصيبك ما تكره من زجرها، والمعنى: يصيبني، إلا أنه أخرجه على لفظ الخطاب، كما قال:
هوالك.
والمعنى: إني لا أصرمها، ولا أحول عن ودها، وإن لم تستقم هي لي، ولم تعتقد في هذا الاعتقاد.
ومثل قوله: تهوى في أن التاء للغائب المؤنث، دون المخاطب، قول الحطيئة:
منعَّمةٌ تصونُ إليكَ منها ... كصونك من رداء شرعبىَّ
أي تصون هي: وليس تصون لك أيها المخاطب، كما أن تهوى في قوله: فإن تكن هواك الذي تهوى ليس لك.
ومثل قول الحطيئة في المعنى، قول ذي الرمة:
رخيماتُ الكلام مبتَّلاتٌ ... جواعلُ في البرى قصباً خدالا
стр. 183
ومثله:
لها بشرٌ مثل الحرير ومنطقٌ ... رخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
وأما قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَىَ لَهَا)، فيكون (تحدثُ) للأرض، كأنه: إذا زلزلت الأرض يومئذ تحدث هي.
وتكون التاء للخطاب، كأنه: قال الإنسان: يومئذ تحدث [أخبارها] مثل: (إِيّاكَ نَعْبُدُ) بعد تقدم الغيبة، ويقوى ذلك قوله تعالى: (بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَىَ لَهَا) وهو خطاب.
وأنشد أبو زيد لجاهلي:
وقبلك ما أهاب الرجالُ ظلامتى ... وفَّقأتُ عينَ الأشوسِ الأبيانِ
وأخرج لي حقَّى سليماً فلم أبؤْ ... بنعمى امرئٍ فيه يدي ولساني
فهذا يحتمل تأويلين، أحدهما أن تجعل يدي ولساني بدلاً من الضمير في
стр. 184
لم أبؤ مثل: ضربت زيداً رأسه، ويكون الضمير في فيه لإخراجه، كأنه [قال]: لم أبؤ بنعمى امرئ في إخراجه، أي لني أخرجته بنفسي، لا بمعونة غيري، وهذا مما يدل أن المبدل منه معتد [به] في الكلام، وليس بمطرح، ألا ترى ثبات همزة
المضارعة للمتكلم، مع إبدال غير الضمير من الضمير.
والتأويل الآخر: أن تكون الهاء في فيه لامرئ، كأنه: لم أبو بنعمى امرئ في نصرته يدي ولساني، أي لم أبؤ بنعمى ممن انصره بيدي ولساني، وبنصرني، ولكن استغنيت في إخراج حقي عمن أنصره بيدي ولساني، وبنصرني بهما.
وأما قول الفرزدق:
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وأنت لا تقول: يدافع أنا، [إنما] تقول: أدافع، فلأن الكلام محمول على المعنى، وقوم يقولون في نحو: (إِنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ): إن المعنى ما حرم
стр. 185
عليكم إلا الميتة، فكأنه قال: ما يدافع إلا أنا، وقد قال سيبويه قريباً مما قالوا، [وهو] قوله: إنما سرت حتى ادخلها، إذا كنت محتقراً لسيرك إلى الدخول، لأنك لا تجعله سيراً يؤدي إلى الدخول، وأنت تحتقره.
وانشد أبو زيد:
ما كان إلا طلقُ الإهمادِ ... وكرُّنا بالأغربِ الجيادِ
حتى تحاجزنَ عن الذوَّاد ... تحاجزَ الرَّىَّ ولم تكادى
إن جعلت تكاد للغيبة، كما تقول: هذه الإبل لم تكد تروى، وهو الظاهر، فالياء في تكادى للإطلاق، وكان القياس: لم تكد، إلا أنه لما تحركت الدال، رد رمت المرآة، فلا ترد، وقد جاء هذا في الضرورة.
ومعنى لم تكد: [لم تكدي تروى، فحذف تروى، ومثل ذلك في
стр. 186
حذف خبر كاد قوله:
هممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتنى ... تركت على عثمان تبكي حلائلهْ
تقديره: وكدتُ أفعل، فحذف.
ومثل ذلك في الضرورة:
أجرَّهُ الرُّمحَ ولا تهالهْ
وكان القياس: ولا تهله، كما قالوا: لم أبله، أو لم أهله، إذ حرك بالفتح،
стр. 187
لالتقاء الساكنين، لمجاورة الألف، كما قال: (لا تضارَّ)، ويا إسحار، في ترخيم رجل، اسمه اسحارُّ، وأنشد الكسائى، فيما حكى:
يا حبَّ قد أمسينا ... ولم تنامِ العينا
وحكى الرياشي عن الأصعمي، عن أبي عمرو، أنه قال: المعنى: ولم تكادى تروين، فالفعل على هذا للخطاب، والياء ضمير، وليس كالوجه الأول، وأنشدوا:
ما هنَّ إلا أربعٌ بواقى ... حمرٌ تعرذَينَ ولا تساقى
وأما قول الشاعر:
نثيرُ بها نقع الكلابِ وانتمُ ... تثيرون نقعانَ الملاَ بالمعازق
فقال: أنتم تثيرون، وقال : (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ)، وكان القياس أن يتصل الضمير، كما اتصل في: أنتم فعلتم، فكذلك كان القياس في المضارع، ومن قال:
стр. 188
إلاَّ يزيدهمُ إلىَّ همُ
فقياس قوله أن يفصل ضمير المخاطب أيضاً، ووجه اتصال الضمير، واستعمال علامة الغيبة، انهم قد تحولوا في غير هذا من الخطاب إلى الغيبة، فكذلك فعلوا [هذا] في المضارع.
стр. 189
باب
ما كان لامه من الأفعال حرف علة
وما أجرى من الملحق مجرى اللام
قال الشاعر:
هجوتَ زبَّانَ ثم جئتَ معتذراً ... من هجو زبَّان لم تهجو ولم تدع
وقال آخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبونُ بني زيادِ
وقال آخرُ:
ما أنس لا أنساه آخر عيشتي ... ما لاح بالمعزاءِ ريعُ سرابِ
стр. 190
هذه الحروف تحذف في موضع الجزم، في الكلام والاختيار، كما حذفت النون له، في التثنية والجمع، وفعل الواحد المؤنث المخاطب، وربما لم تحذف في الشعر، فقدر الشاعر، في الواو والياء الحركة، كالأبيات التي قدمناها، وتشبه الألف بالياء، في نحو: لا أنساه في البيت، ونحو قوله:
إذا العجوز غضبتْ فطلَّق ... ولا ترضَّاها ولا تملَّقِ
وحكى بعض البغداذيين: أسويت زيداً، إذا جعلته إسوتى، وهذا لا يجوز أن يكون أفعلته [من الإسوة، ولكن فعليته، نحو: جعبيته، وسقليته، ويجوز أن يكون أفعلته] من التسوية والسواء.
стр. 191
ويدل على تقديره الشاعر: الحركة في الياء والواو، وحذفها في الضرورة، أن سيبويه زعم أن أعرابياً من أفصح الناس، من كليب، أنشد لجرير.
فيوماً يوافينى الهوى غير ماضي ... ويوماً ترى منهنّ غولاً تغوَّلُ
فأما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىَ) فعلى الخبر، وليس بنهي، وكذلك قوله جل وعز: (وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ) وأبو الحسن يحمله على أن
المعنى: ولتصغين، وأنشد:
إذا قال قدنى قلتُ بالله حلفةً ... لتغنى عنَّى ذا إنائكَ اجمعا
وقد أنشدوا عن الكسائى:
أبا واصلٍ فاكسوهما حلَّتيهما ... فإنّكما إن تفعلا فتيانِ
بما قامتا إن تغلواكم فغاليا ... وإن ترخصا فهو الذي تردان
стр. 192
القول في قوله: فاكسوهما حليتهما أنه يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون أراد الوقف على مثال الأمر المسند إلى الواحد، فأثبت ولم يحذف، كما لو يحذف من قوله: لم تهجو.
والآخر: أن يكون قد خاطب الواحد، وصرف الخطاب بعد إلى الاثنين، اللذين في قوله: فإنكما إن تفعلا، وجعل الاثنين جمعاً، ومثل مخاطبة الواحد، وتوجيه الخطاب بعد إلى غيره، قوله تعالى: (يَأيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ)، ومثل الاثنين اللذين يجعلان جمعاً قوله تعالى: (قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ)، فالواو على هذا في اكسوهما واو ضمير، وليست اللام، كالتأويل الأول، ومثل الاثنين اللذين جعلا على لفظ الجمع، قول الأسود بن يعفر:
أتانى من الأنباءِ أنّ مجاشعاً ... وآل فقيمٍ والكراديسَ أصفقوا
زعموا أن الكراديس: معاوية وقيس ابنا مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لهما: الكردوسان، فسماهما الكراديس.
وقوله: فهو الذي تردان، وحذف حرف اللين منه، فغن ذلك ليس بلحن، وذلك أن هذه الحروف، وإن كانت أصولاً في الكلم، فهي تشه الزيادة، ألا ترى أن الواو التي هي لام [الفعل] في قوله: لا يسلو بمنزلة المدة التي في التعانيق والثجل،
стр. 193
والياء في منزلي، بمنزلة الياء في ينسلى فيمكن جعله ينفعل من سلا، والألف في نحو آدم، وآخر، بمنزلة الألف، في: ضارب، والألف في مرامي، بمنزلة اللف في
حبارى، ومن ثم قال الخليل، في أفعل من اليوم: أووم، فجعلها بمنزلة اللف في سوير.
وقال أبو عثمان: قياس قوله أن تكون الهمزة بعدها بين بين فلما أشبه الزائد حذفه، كما حذف الزائد وكأنهم حذفوا هذا، كما زادوا في نحو: الدراهم والمراجيل، لما رأوا القبيلين قد استويا، في كثير من المواضع، وما يثبت ذلك قول الأسود:
وأتبعت أخراهمْ طريق ألاهمُ ... كما قيل نجمٌ قد خوى متتايعُ
ألا ترى انه حذف الواو، التي هي عينٌ، مع أنها لم تنقلب إلى غيرها، فإذا استجاز ذلك، كان ما انشد عن الكسائي أجوز، لن الحرف قد انقلب فيه عن الأصل، فصار لذلك أشبه بالزائد.
стр. 194
باب
من الابتداء
قال الفرزدق:
يداكَ يدٌ إحداهما النَّيلُ كلُّهُ ... وراحتكَ الأخرى طعانٌ تغامرهْ
المراد بقوله: يد، وغن كان قد أفردها، التثنية، كأنه قال: يداك يدان، إحداهما كذا، ولو كان المراد بقوله: يد الإفراد، على ما عليه اللفظ، لم يجز، لأنك إن جعلتها خبراً لليدين، لم يستقم أن يكون المبتدأ مثنى، والخبر مفرداً، وغن جعلتها مبتدأة، لم يجز أن تقول: يد إحداهما كذا، كما لا تقول: زيدٌ أحدهما كذا، إنما تقول: الزيدان أحدهما خارجٌ.
فإذا لم يخل إذا أفردها من أن تكون خبر ابتداء، أو مبتدأ ولم تسغ جملها على واحد منهما، علمت أن المراد بالإفراد التثنية، كأنه قال: يداك يدان، إحداهما كذا،
والأخرى كذا، فالجملة التي هي: إحداهما كذا، في موضع رفع، لأنها صفة ليد، وهي نكرة، ورجع الذكر إلى اليد من الصفة، بلفظ التثنية، لنه حمل الكلام على المعنى، دون اللفظ.
وقال: وراحتك الأخرى فوضع الراحة موضع اليد، لا يكون إلا كذلك، ألا ترى انك لو قلت، يداه تجودان، ورجله الأخرى تفعل كذا، لم يكن كلاماً، فإنما جاز هذا لوضعه الراحة موضع اليد.
ونظير وضع الراحة موضع اليد هنا، وضعهم الكف موضعها أيضاً، فيما أنشدها أبو عبيدة:
стр. 195
أتوعدني وراء بني رياحٍ ... كذبتَ لتقصرنَّ يداكَ دوني
وأنشد أبو زيد:
قلتمْ له اهجُ تميماً لا أبالكمُ ... في كفَّ عبدكمُ عن ذاكمُ قصرُ
ففي البيت الأول: لتقصرن يداك دوني، وفي هذا البيت:
في كَّف عبدكمُ عن ذاكمُ قصرُ
فكما وضع الكف موضع اليد، كذلك وضع الراحة موضعها، في قوله: وراحتك الأخرى.
[ومثل قوله: وراحتك الأخرى]، في وضعه الراحة موضع اليد، قول الشاعر:
صلَّى على عزَّةّ الرحمنُ وابنتها ... ليلى وصلَّى على جارتها الأخرِ
جعل ابنتها جارة لها، كما جعل الراحة يداً، لما قال: وراحتك الأخرى.
فأما قوله: تغامره فيكون فاعله الراحة، أي تغامر الراحة الطعان، وتكون أنت أيها المخاطب تغامر الطعان.
стр. 196
والطعان: مصدر طاعن، وليس بجمع طعنة، كصفحة وصحاف.
ومثل ما وضع المفرد فيه موضع التثنية، قول امرئ القيس:
وعينٌ لها حدرةٌ بدرةٌ ... شقَّتْ مآقيهما من أخرْ
فأما قول الفرزدق:
ولكن هما ابن الأربعينَ قد التقتْ ... أنابيبه مردى حروبٍ على ثغرِ
فقال: هما ابن الأربعين، هكذا رواه أبو الحسن، ولم يقل: ابنا، وقد كان القياس.
فأما الأربعين فيكون لهما، ولا يحتاج إلى تثنية، كأنه قال: هما ابنا هذا الزمان، وهذه المدة، كما تقول، هما ابنا عم، وهما ابنا خالة، وهما أبوا زيدٍ، وآباء زيدٍ، فلا تثني المضاف إليه.
وقد يجوز أن يكون المراد في قوله: هما ابن الأربعين أي كلاهما ابن الأربعين، وكل واحد منهما ابن الأربعين، فحمل الكلام على هذا، ومثله قوله : (وَالّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) أي اجلدوا كل واحد من القاذفين، ألا ترى انه لا يجلد جميع القاذفين ثمانين.
стр. 197
وكما وضع المفرد موضع التثنية، في هذا الموضع، كذلك وضع موضع الجمع، في نحو ما انشده أبو زيد:
فأصبحَ أخداني كأنَّ عليهمُ ... ملاَء العراق والثغامَ المنزَّعا
يبَّينهمْ ذو الَّلبَّ يراهمُ ... بسيماهمُ بيضاً لحاهمْ وأصلعا
راجز:
تأمَّل القرنين وانظر ما هما ... أحجراً أم مدراً تراهما
إنَّكَ لن تذلَّ أو تغشاهما ... وتبركَ اللَّيلَ إلى ذراهما
النصب في أحجراً على: أزيداً ضربته؟ ومن قال: أزيدٌ ضربته؟ فرفع، قال: احجرٌ أم مدرٌ تراه؟
وكان القياس: احجراً أو أحجرٌ أم مدر تراه، لأنك تقول: أزيدٌ قام أم عمرو، وأزيدٌ أم عمرو قام، كما تقول: أيهما قام، ولا تقول: قاما، فيجوز أن يقال: إن هذا في
стр. 198
أم مثل قوله تعالى: (إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَىَ بِهِمَا).
ويجوز أيضاً أن يكون حمل على المعنى، لما كان الحجر والمدر المذكوران هنا، هما القرنان، فثنى، وإن كان في التقدير مفرداً، لنه في المعنى للقرنين، وهما تثنية.
وقد يجوز أن يجعل قوله: أحجرٌ أم مدرٌ بدلاً من نما، فإذا جعلته كذلك، لم يجز فيهما إلا الرفع، لن ما في موضع رفع، فقد أعدت حرف الاستفهام، ويكون تراهما على هذا صفة للنكرة، وحملت تراهما على المعنى، ولم تقل: تراه، كما حملته فيما تقدم على المعنى.
لأن ما بعد الاستفهام لا يستغنى بما قبله، وإذا كان كذلك فالخبر لا بد منه؟
فالقول انك إذا قدرته بدلاً، لم تحتج إلى الخبر، وتقدير حذفه، لأنه في التقدير موضوع موضع ما تبدله منه، وغنما كررت الهمزة في الاستفهام، ليكون البدل على حسب المبدل منه، في الاستفهام، وجاز هذا في الألف، لأنك قد تحمل متا بعدها على ما قبلها، ألا ترى انك تقول إذا قال: مررتُ بزيدٍ: أزيدٍ؟ وأزيد نية، فكما حملت هنا ما بعدها على ما قبلها، كذلك يكون في البيت، وما أشبهه.
قال جرير:
وكائنْ بالأباطحِ من صديقٍ ... يرانى لو أصبتُ هو المصابا
стр. 199
موضع هو رفع، لكونه وصفاً للضمير الذي في يرانى ولا يكون هو فصلاً، لن هو للغائب، والمفعول الأول في يراني للمتكلم، والفصل إنما يكون الأول في المعنى، كقوله جل وعز: (إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً)، ألا ترى أن أنا هو المفعول الأول المعبر عنه بني.
ومعنى يراني هو المصابا: أي يراني للصداقة المصاب، لغلظ مصيبتي عليه، لصداقته، وليس كالعدو أو الأجنبي، الذي لا يكرثه ذاك.
ويجوز أن يكون التقدير في يراني: يرى مصابى أي مصيبتي وما نزل بي، المصاب، كقولك: أنت أنت، ومصيبتي المصيبة، أي ماعداه جلل وهين، فيجوز على هذا التقدير أن يكون هو فصلا.
فأما قوله تعالى: (تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْراً)، فيجوز في (هو) أمران، يجوز أنم يكون وصفاً للمضمر الذي هو المفعول الأول، في (تجدوهُ)، ويكون (خيراً) المفعول الثاني، فإن جعلت (هو) فصلاً، لزم أن تقدر حذف من من الكلام،
стр. 200
لأن الفصل لا يكون إلا بين معرفتين، أو ما يقرب من المعرفة، وغنما يقرب من المعرفة، إذ قدر من معها، ونظير ذلك في الحذف قوله تعالى: (فَإِنّهُ يَعْلَمُ السّرّ وَأَخْفَى) أي أخفى من السر، والذي هو أخفى من السر: ما يهجس للإنسان، ويخطر له، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ومن ذلك قول الآخر:
فأضحى ولو كانت خراسانُ دونهُ ... رآها مكانَ السُّوق أو هي أقربا
لا تخلو هي في قوله: أو هي أقربا من أن تكون مبتدأ، أو وصفاً، أو فصلاً، أو ظرفاً:
فلا يكون مبتدأ، لا نتصاب ما بعده، فبقى أن يكون وصفاً، أو فصلاً، وذلك أنت قوله: رآها مكان السوق دل على: أو رآها، فحذفها من اللفظ، لدلالة ما تقدم عليها، فصار التقدير: أو رآها أقربا، أي: أو رآها أقرب من السوق، فصارت هي فصلاً بين الهاء والخبر المنتصب.
وقد يجوز أن تجعل قوله: هي وصفاً للهاء، التي هي المفعول الأول، كما جاء ذلك في: (تجِدُوهُ عِنْدَ الله هوَ خيْراً).
والأول أوجه: لأن المحذوف بحذفه يستغنى عن وصفه، وهذا مثل قوله: زيدٌ رأيت منطلق.
стр. 201
ويجوز أن يكون أقربا ظرفاً، فإذا جعلته ظرفاً، ولم تجعله وصفاً، كان هي مبتدأ، وأقرب الخبر، والتقدير: أوهي أقرب من السوق، ومثله: (وَالرّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ).
فأما خبر أضحى فمحذوف، تقديره: فأضحى مشمراً، أو مجدا، أو نحو ذلك، مما يدل عليه ما بعده.
عدى بن زيد:
من رأيتَ المنونُ عرَّينَ أم منْ ... ذا عليه من أن يضامَ خفيرُ
لا يخلو قوله: رأيت من أن تعلها أو تلغيها، لأنها قد وقعت بين المبتدأ وخبره: موضع خبر المنون، والجملة بأسرها في موضع نصب، لوقوعها موقع المفعول الثاني لرأيت.
وقال: عرين فجعل المنون جمعاً، إما لأنه ذهب بها مذهب الجنس، أو لأنه وضع الواحد موضع الجميع، كما تقدم في هذا الباب.
وإن ألغيت، كان في موضع رفع بالابتداء، والجملة التي هي المنون عرين في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ الذي هو من.
стр. 202
والهاء مرادة في عرين ليعود من الخبر ذكر إلى المبتدأ ولا بد من ذلك ألا ترى أن المنون ليست بمن في المعنى، فإذا لم تكن إياه، فلا بد من ذكر يعود من الخبر إلى المبتدأ.
ومن قال: زيداً ضربته، كان من في موضع نصب عنده، كما تقول: زيداً أبوه يضربه، إذا أردت: أبو زيد يضرب زيداً، فقدمت المفعول.
ولا يكون في المنون في كلا الوجهين، من إعمال رأيت وإلغائها إلا الرفع، لأنها ليست بمفعولة، في اللفظ، ولا في المعنى، غنما هي فاعلة في المعنى، ومرتفعة في اللفظ بالابتداء.
قال امرؤ القيس:
تنَّورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثربَ أدنى دارها نظرٌ عالِ
أدنى: ينبغي أن يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع به اقتضى خبراً، ونظرٌ لا يجوز أن يكون خبره، على ما عليه ظاهر الكلام، لنه ليس به، ألا ترى أن أدنى أفعل، وأفعل هذا لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له، وإذا كان كذلك وجب أن يكون أدنى من الدار، بعضها، وبعض الدار لا يكون النظر، فإذا كان كذلك حملناه على أحد أمرين:
стр. 203
إما أن يكون حذفت المضاف إلى الأدنى، وجعلته: نظر أدنى دارها نظر عال.
وإما أن تحذف المضاف من النظر، فيكون: أدنى دارها ذو نظر، ليكون الثاني الأول.
أبو كبير الهذلي:
في رأس مشرفةِ القذالِ كأنَّما ... أطرُ السَّحاب بها بياضُ المجدلِ
أطر السحاب: انحناؤه، والانحناء لا يكون البياض، والقول في ذلك أن الأطر العطف، فسمى المأطور أطراً، كما سمى المخلوق خلقاً، وحذف المضاف، فتقديره: كأنما بياض أطر السحاب، أي بياض مأطور السحاب به، بياض المجدل، فيكون قد شبه اللون باللون.
أنشد بعض اصحاب الأصعمي:
وضاربتَ يومَ الجسرِ والموتُ كانعٌ ... وأبناؤه بينَ الذَّراعين والنَّحرِ
يحتمل انتصاب بين ضروبا، أحدها: أن يكون ظرفاً لكانع، كانه قال: كانعٌ في هذا الموضع، فإذا كان كذلك أضمرت لقوله، أبناؤه خبراً، كأنك قلت: وأبناؤه كانعة، فدل ما تقدم من قوله: كانع عليه، كما تقول: زيدٌ منطلقٌ والعمرونَ.
стр. 204
ويحتمل أن يكون صفة لكانع، ويحتمل أن يكون حالاً مما فيه من الضمير، فإذا كان كذلك كان في الوجهين جميعاً متعلقاً بمحذوف.
ويحتمل أن يكون خبراً لقوله: أبناؤه فيكون فيه ضميرٌ من الأبناء، ويتعلق بمحذوف أيضاً.
ويحتمل أن يضمر كانعة لدلالة ما تقدم عليه، فيكون متعلقاً بهذا المحذوف.
قال شاعر:
هزيمٌ كأنَّ البلقَ في حجراته ... تحامينَ أمهاراً فهنَّ ضوارحُ
الظرف فيه يجوز أن يتعلق بالبلق، على أن يكون ظرفاً له، كقوله: طاط عن الحق كأنه قال: بعيد عنه، فكذلك البلق، فكأنه قال: ابلاقت في حجراته.
ويجوز أن يكون حالاً، فيجوز أن يتعلق بكأن، على حد قوله:
كأنَّه خارجاً من جنبِ صفحتهِ
стр. 205
وعلى أنه ظرفٌ يعمل فيه معنى الفعل.
ويجوز أن يتعلق بتحامين على هذين الوجهين.
ويجوز وجه آخر، وهو أن يكون حالاً من أمهارٍ كأنه: تحامين أمهاراً في حجراته، فلما قدم انتصب على الحال، على حد:
لعزّةَ موحشاً طللُ
ومثل ذلك في المعنى قوله:
يقولُ النَّاظرون غلى سناهُ ... نرى بلقاشمسنَ على مهارِ
طرفة:
خيرُ حيَّ لمعدَّ علموا ... لكفئ ولجارٍ وابن عمّْ
إذا جعل خير خبر مبتدأ محذوف، كان علموا صفة، لن خيرحى نكرة، وعلموا: عرفوا، ولا يحتاج إلى مفعول ثان، وإن شئت كان، علموهم، فحذفت الضمير، لنه صفة، كما تقول: مررتُ برجلٍ أكرمتُ.
стр. 206
وإن لم تجعله خبر مبتدأ محذوف، كان علموا على ضربين، أحدهما: عرفوا:
وخير حي حال مقدمة.
والآخر: علم القلب، فيكون خير حي مفعولاً مقدماً، ولكفئ بدل من لمعد.
وإن شئت جعلت علموا خبراً لمبتدأ، وتنصبت خير حي أي هم علموا خير حي.
قال الكميت، أو عيره:
وأنتَ ما أنت في غبراَء مظلمةٍ ... إذا دعتْ ألليها الكاعبُ الفضلُ
إن قلت: بم يتعلق الظرف؟
فالقول فيه انه في موضع حال، والعامل فيها ما في قوله: ما أنت من معنى المدح والتعظيم، كأنه قال: عظمت حالاً في غبراء، وليس في الكلام ما يصح أن يكون عاملاً في الظرف، غير ما ذكرنا، ألا ترى انه لا يتعلق بمظلمة بغبراء، من حيث لم تتقدم الصفة على الموصوف، فكذلك ما يتعلق به، ولا يصح في المعنى أيضاً.
стр. 207
ويدلك على كون معنى الفعل في هذا الكلام، انه استغنى به عن جواب إذا، كأنه قال، إذا دعت ألليها الكاعب الفضل، عظمت، أو أغنيت، أو كفيت، أو نحو هذا.
وإذا صح معنى الفعل من ذلك، من حيث ذكرنا، كان قول الأعشى، أيضاً:
بانتْ لطيَّتها عرارهْ ... يا جارتا ما أنتِ جارهْ
جارةٌ فيه، في موضع نصب بما في ما أنت مما ذكرنا.
وأنشد احمد بن يحيى لعلقمة:
وقد أصاحبُ فتياناً شرابهم ... خضرُ المزادِ ولحمٌ فيه تنشيمُ
المضاف قبل خضر المزاد محذوف، لأن التقدير: شرابهم شراب خضر المزاد، ألا ترى أن خضر المزاد لا يكون الشراب.
стр. 208
والمبتدأ الذي قوله: لحم فيه تنشيم خبره، محذوف تقديره: وطعامهم لحم كذا، لأنك إن لم تقدر حذف المبتدأ، كان التقدير: شرابهم شراب خضر المزاد ولحم، واللحم لا يكون شراباً فإذا كان كذلك، فلا بد من تقدير حذف المبتدأ.
وأنشد احمد بن يحيى:
من الصُّهبِ السَّخالِ بكلَّ وهدٍ ... حوارٌ وهي لازمةٌ حوارا
إن قيل: ما موضع قوله: من الصهب؟
فإنه يكون ظرفاً والعامل فيه قوله: بكل وهد ألا ترى أن الظرف يتقدم إذا عمل فيه المعنى، ولا يجوز أن يكون حالاً، لأن الحال لا يتقدم إذا عمل فيه المعنى، كما يجوز تقدم الظرف.
فقولك: بكل وهدٍ على هذا، مستقر فيه ضمير، على قول من تقدم بالابتداء، ولا شيء فيه، على قول من رفع بالظرف.
وإن جعلت: من الصهب المستقر، فقولك: بكل وهدٍ يجوز أن يكون حالاً متقدمة، وفيها ذكر من حوار.
قال عنترة:
لقد كذبتكَ نفسك فاصدقنها ... لما منَّتكَ تغريراً قطامِ
стр. 209
يجوز أن يكون ما بمنزلة الذي، ةوةضعت موضع من وقد تأول أبو الحسن، على هذا مواضع من القرآن، فيكون التقدير: لمن منتك تغريراً قطام، وأنث ما على المعنى، في قوله: لما منتك كقوله تعالى: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنّ).
فإن رفعت التعرير، فقلت: لما منتك تعرير قطام، وجعلت ما بمنزلة الذي، أو المصدر، لم يسقم، لأنك تفصل بين الصلة والموصول.
فغن قلت: أضمر في قوله: منتك شيئاً، وأجعل قطام بدلاً منه، لم يجز أيضاً، لأن البدل لا يجوز إخراجه من الصلة، كما لا يجوز ذلك في المبدل منه.
ولكن غن أضمرت في منتك فاعلاً فقلت: الذي منتك، تريد: الذي منتكه، فتعود الهاء إلى الموصول، ثم كأنه قيل لك، من الممنى؟ فقلت: قطام لم يمتنع، لأنه لا فصل حينئذ في ذلك بين صلة وموصول.
ويجوز أن تجعل ما زائدة، فيكون: لمنتك تغريراً، فعدى منت إلى مفعولين، كقوله:
. . . . . فإنَّما ... منَّتك نفسكَ في الخلاءِ ضلالا
стр. 210
أو جعله مفعول له، كقولك: منتك التغرير.
قال الأعشى:
هذا النهارُ بدالها من همَّما ... ما بالها بالَّليل زالَ زوالها
رواه أبو الحسن: هذا النهار، بالنصب، وكذلك رواه أبو عمرو الشيبانى.
فأما من رفع النهار فجعله وصفاً لهذا، وحذف الراجع من خبر المبتدأ، كأنه: هذا النهارُ بدالها فيه.
فأما فاعل بدا فيكون البداء، الظاهر في قول الآخر:
لعلَّك والموعودُ حقٌ لقاءهُ ... بدالكَ في تلك القلوصِ بداءُ
فأضمر المصدر الذي أظهره هذا الشاعر الآخر، لدلالة الفعل عليه، ومثل ذلك قوله : (ثُمّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الاَيَاتِ).
ويجوز في قياس قول أبي الحسن، في إجازته زيادة من في الواجب: هذا النهارُ بدالها فيه من همَّها، أي همَّها.
стр. 211
ومن استجار حذف الفاعل، ممن خالف سيبويه، جاز على قياس قوله: أن يكون من همها صفة للفاعل المحذوف، كأنه: بدالها بدو من همها، فتحذف الفاعل، وتقيم صفته مقامه، ولا تضمره في الفعل.
ومن أضمر في بدا الفاعل، ولم يجز زيادة من في الواجب، كما يجيزه أبو الحسن، كان قوله: من همها في موضع نصب بالحال، وفيه ضمير يعود إلى المضمر، في بدا.
ومن نصب النهار من قوله: هذا النهار جاز نصبه وجهان: أحدهما على: زيداً
مررت به، والآخر: أن يكون ظرفاً لبدا، كأنه: بدالها البداء في هذا النهار.
ويجوز أن يكون قوله: هذا في قول من نصب النهار إشارة إلى الارتحال، كأنه لما قال: رحلت قال: هذا الارتحال بدالها النهار، فيكون في بدا ذكر يعود إلى المبتدأ الذي هو هذا وكان المعنى عليه، لأن المعنى: هذا الارتحال، والمفارقة بدالها في النهار، فما بالها في الليل يعتادنا خيالها، هلا فارقتنا بالليل، كما فارقتنا بالليل، كما فارقتنا بالنهار!
فأما فاعل زال في قول من نصب زوالها فجائز أن يكون الهم، لن ذكره قد تقدم، كأنه قال: زال الهم زوالها، فدعا عليها بأن يزول زوالها، أي زال همها معها، حيث زالت، وقد حكى هذا القول عن أبي عمرو الشيباني.
ويجوز أن يكون فاعل زال اسم الله ، كأنه قال: زال الله زوالها، من قوله، زلته فلم ينزل، وعلى هذا قول ذي الرمة:
وبيضاَء لا تنحاشُ وأمُّها ... إذا ما رأتنا زيل منَّا زويلها
стр. 212
وقال الأعشى:
وما عنده مجدٌ تليدٌ ولالهُ ... من الريح فضلٌ لا الجنوبُ ولا الصَّبا
تقدير هذا: ولا له من فضب الريح فضل، ولا فضل الجنوب، ولا فضل الصبا، فحذف المضاف، والمعنى أنه لم ينل أحداً، فيكون كريح الجنوب، في مجيئها بالغيث، ولم ينفس عن أحد كربة، فيكون كريح الصبا، في طيبها وروى غيره:
وما عنده رزقٌ علمتُ زلا لهُ ... علىَّ من الرَّيح الجنوبُ ولا الصَّبا
وتقدير هذا أيضاً: ولا له على من فضل الريح، فضل الجنوب، ولا فضل الصبا.
وقال أمية:
له ما رأتْ عينُ البصيرِ وفوقه ... سماءُ الإلهِ فوقَ ستَّ سمائيا
стр. 213
المعنى: فوق ما رأت عين الضمير سماء الإله.
فأما فوق ست سمائيا فمن رفع الاسم بالظرف، كان متعلقاً بمحذوف، في موضع حالٍ، والعامل فيها الظرف الأول، وذو الحال سماء الإله، والذكر الذي في قوله: فوق ست سمائيا المرفوع يعود إليها.
ومن رفع الاسم بالابتداء، كان التقدير عنده، وسماء الإله فوقه، وكان قوله: فوق ست سمائيا حالاً من الذكر المرفوع في فوقه، والذكر الذي في قوله: فوق ست سمائيا يعود إلى هذا الذكر.
ولا يجوز أن يكون فوق ست سمائيا حالاً من سماء الإله كما كان في القول الآخر، لأنه لم يعمل فيها ما يصح أن يكون عاملاً في حال، ولا تعمل السماء في حال.
فإذا كان كذلك، علمت أن الحال التي هي فوق ست سمائيا، عن الذكر العائد إلى الابتداء العامل فيها العامل في ذي الحال الرفع.
وقال أمية أيضاً:
ومن خلفه ذاك المبينُ شعارهُ ... له أثر على البرّية عاليا
قيل: المبين، يعني الشمس، وشعاره: ما استشعر من الضوء.
стр. 214
وقوله: له أثر على البرية إن جعلت قوله: على البرية متعلقاً بالأثر، وجعلته جارياً مجرى المصدر، كقوله:
غزاتكَ بالخيل أرض العدوَّ
وقوله:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
فإن الحال، على قول من رفع بالظرف، عن النكرة، التي هي أثر والعامل في الحال التي هي عاليا الظرف الذي هو له، والذكر الذي في الحال يعود على أثر النكرة.
ومن رفع بالابتداء، كان الحال عن الذكر الذي في له، والحال للذكر، والعامل فيها الظرف.
وإن جعلت قوله: على البرية صفة للنكرة، وجب أن تعلقه بمحذوف، وتضمنه ضميراً مرفوعاً، فيصلح أن يكون عالياً حالاً عن الضمير الذي في الصفة، ولا يصح ذلك على التقدير الأول، لنه بمنزلة اسم منصوب، لا ذكر فيه فيكون عنه حالٌ.
стр. 215
فأما قوله: له أثر على البرية عاليا فإن من رفع الاسم بالظرف، يجئ على قوله أن يعمل في الجملة التي هي: له إثر واحد من ثلاثة أشياء: الظرف، أو الاسم المبهم، أو المبين.
ومن رفع بالابتداء، زاد في الكلام على قوله اسم، يجوز أن يكون الحال عنه أيضاً، وهو الذكر الذي يصير في الظرف، العائد غلى الابتداء، والعامل في الحال أيضاً أحد الأشياء الثلاثة التي يجوز عمل كل واحد منها في القول الآخر فيها، والعائد من الحال إلى ذي الحال، الذكر الذي في له المجرور.
ولا يجوز أن يكون العائد إليه مرفوعاً، لأنه قد ارتفع به الظاهر، أو المضمر، على قول من رفع بالابتداء، فإذا ارتفع به شيء ظاهرٌ أو مضمر، لم يحتمل أن يرتفع به شيء آخر، فيرتفع به شيئان، ولكن العائد إلى ذي الحال، الذكر المجرور.
وقال أمية:
رجلٌ وثورٌ تحتَ رجل يمينه ... والنَّسرُ للأخرى وليثٌ مرصدُ
قوله: للأخرى خبر للنسر، وليث مرصد معطوف على النسر، ومرصد صفة للنكرة، والخبر محذوف، تقديره: وليث مرصد للأخرى، فحذف، مثل زيد منطلق وعمرو، كان النسر والليث، في هذه الجهة، مثل الرجل والثور، في الجهة
الأخرى.
قال أمية، يعظم الله تعالى:
الحاملُ النارَ في الرطبين يحملها ... حتى تجئ من اليبسين تضطرمُ
لا يخلو قوله: الحامل من أن يكون ابتداء، أو خبر مبتدأ، فغن كان خبر مبتدأ، أمكن أن يكون جميع ما في البيت من صلة الحامل.
следующие страницы →