Полный текст (404 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الدرس الحادي عشر:
٩٨ - وَعَن يَحْيَى بن أبي كثير عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِذا تغوط الرّجلَانِ فليتوار كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه وَلَا يتحدثان عَلَى طوفيهما فَإِن الله يمقت عَلَى ذَلِك " أخرجه ابْن السكن (وَقَالَ ابْن الْقطَّان: (هُوَ حَدِيث صَحِيح)، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن ثِقَة)، والطوف: الْغَائِط - قَالَه الْجَوْهَرِي.
فهذا الحديث من الأحاديث المتعلقة بآداب قضاء الحاجة وقد مر في الدرس الماضي ذكر بعض الأحاديث التي أوردها ابن عبدالهادي في هذا الباب وهذا الحديث الذي معنا هو أول الأحاديث التي بقيت من هذا الباب الذي هو باب آداب قضاء الحاجة ذكر حديث جابر بن عبدالله ﵄ أن النبي ﷺ قال إذا خرج الرجلان لقضاء حاجتهما فيتوارى كل واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك، هذا الحديث فيه بيان أن من آداب قضاء الحاجة أن الناس يتباعد بعضهم عن بعض عند قضاء الحاجة فإذا كانوا في الفلات ما يكونوا متقاربين وإنما يكونوا متباعدين وأيضا كذلك لا يتحدث بعضهم لبعض ولا يتكلم بعضهم مع بعض وإنما عليهم الإمساك عن التحدث والكلام لكن إذا كان الإنسان في قضاء الحاجة واحتاج إلى من يساعده في شيء وطلب منه أن يحضره فإن هذا لا بأس به لأن هذا ليس من التحدث وإنما هو من طلب شيء يحتاج إليه وكذلك إذا كان الإنسان في محل قضاء الحاجة في دورة المياه فإنه لا يتكلم مع غيره ولا يتحدث مع غيره ممن هو خارج هذه الدورة دورة المياه وإنما عليه أن يصمت وإن احتاج إلى شيء من أجل مساعدته فله ذلك أما الحديث وكأنهم في مجلس يتحدثون فإن هذا مما يمقت الله عليه كما جاء في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ وهذا الحديث صحيح وهذا من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان لا يتحدث مع غيره ولا يكون قريبا من غيره ولا يرى عورة غيره وإنما يتباعدون بعضهم عن بعض وإذا احتاج إلى أمر يحتاج إليه فله أن يطلبه على مقدار الحاجة والحديث صحيح.
стр. 107
٩٩ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " مَا بَال رَسُول الله ﷺ َ مُنْذُ أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن قَائِما " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو عوَانَة فِي " مُسْنده الصَّحِيح " بِهَذَا اللَّفْظ. وَعند التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَابْن حبَان، وَالْحَاكِم نَحوه. (وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: (هُوَ أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وَأَصَح)).
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ وهو أنه من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان يقضي حاجته عن جلوس لأنه أستر ولأنه أمكن من عدم تطاير البول على شيء من جسده، عائشة ﵂ تحكي عن رسول الله ﷺ أنه ما بال قائما منذ أنزل عليه القرآن يعني معناه أن الأصل عنده أنه لا يبول إلا جالسا ﷺ فهذا يدل على أن السنة المعروفة عن رسول الله ﷺ أنه كان يقضي حاجته عن جلوس لكن سيأتي ما يدل على أنه جاء أنه يقضي حاجته وهو قائم ولكن هذا كما هو معلوم عند الحاجة إليه كما سيأتي.
стр. 108
١٠٠ - وَعَن ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لَا تبل قَائِما " رَوَاهُ ابْن حبَان وَقَالَ: (أَخَاف أَن ابْن جريج لم يسمع من نَافِع هَذَا الْخَبَر) وَقد ثَبت عَن ابْن عمر ﵄ أَنه بَال قَائِما.
ثم ذكر هذا الحديث أن الرسول ﷺ قال لابن عمر ﵄: «لا تبل قائما» وهذا الحديث فيه علة وهي أن ابن جريج مدلس وقد روى بالعنعنة ويكون فيه راو بينه وبين نافع وهو ابن المخارق فهذا فيه تدليس لأنه أسقط واسطة بينه وبين نافع وهذا الحديث ضعيف ولهذا ابن عمر ﵄ الذي روى هذا الحديث ثبت عنه أنه بال قائما وابن عمر ﵄ من أتبع الناس للسنة ومن أحرص الناس على اتباع السنة فلو كان صح أو ثبت عنده شيء ما كان يخالفه ما كان يبول قائما لكن لما بال قائما دل على أن ذلك الحديث الذي جاء عنه أنه لم يثبت عنده ولو كان ثابتا لما عدل عنه ولكنه لما عدل عنه وبال قائما وهو من أتبع الناس للأثر ومن أحرص الناس على اتباع السنة دل على أنه لم يثبت الحديث وأن ابن عمر ﵄ حصل منه ذلك الفعل وقد جاء عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك للحاجة كما سيأتي.
стр. 109
١٠١ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ: " أَتَى النَّبِي ﷺ َ سباطة قوم فَبَال قَائِما ثمَّ دَعَا بِمَاء فَجِئْته بِمَاء فَتَوَضَّأ " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَلَفظه للْبُخَارِيّ. وَلَيْسَ فِي مُسلم: " فَدَعَا بِمَاء فَجِئْته بِمَاء ".
ثم ذكر هذا الحديث المتفق عليه وهو أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما والسباطة هي التي تكون يعني قريبة من المنازل بحيث يكون فيها كناسة البيت وما فيه من مخلفات يضعونها فترتفع فتصير كوما وهذا الذي فعله الرسول ﷺ لا شك أنه للحاجة وأنه احتاج أن يفعل ذلك دل هذا على أنه عند الحاجة لا بأس في ذلك لأن الرسول ﷺ بال قائما ولكن الأصل كما جاء عن عائشة ﵂ منذ أنزل عليه القرآن هذا هو الأصل يعني
في فعله ﷺ ولكنه جاء عنه في هذه المرة التي جاءت في هذا الحديث عن حذيفة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه بال قائما.
стр. 110
١٠٢ - وَعَن عَاصِم بن بَهْدَلَة، وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان عَن أبي وَائِل عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة: " أَن رَسُول الله ﷺ َ أَتَى عَلَى سباطة قوم فَبَال قَائِما " قَالَ حَمَّاد: " ففحّج رجلَيْهِ " رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه، وَابْن خُزَيْمَة فِي " صَحِيحه "، (وَأعله أَحْمد بِرِوَايَة مَنْصُور وَالْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة).
ثم ذكر هذا الحديث عن المغيرة بن شعبة ﵁ وهو مثل الحديث السابق حديث حذيفة ﵁ ولكن هذا الحديث متكلم فيه وهو إن صح فإنه شاهد لحديث حذيفة ﵁ وإن لم يصح فحديث حذيفة ﵁ المتقدم والذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما يغني ويكفي عنه فهذا الحديث عن المغيرة ﵁ إن صح فهو شاهد وإن لم يصح فإن الحكم ثابت بغيره وهو حديث حذيفة ﵁ المتقدم.
стр. 111
١٠٣ - وَعَن أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لَا يمسكن أحدكُم ذكره بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُول وَلَا يتمسح من الْخَلَاء بِيَمِينِهِ وَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَهَذَا لفظ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يمسك الإنسان ذكره بيمينه وهو يبول ولا يستنجي بيمينه وهذا من آداب قضاء الحاجة أن اليمين لا تستعمل في الاستنجاء ولا في مسك الذكر في حال كونه يبول فهذا من آداب قضاء الحاجة أن الإنسان لا يفعل ذلك وكذلك أيضا لا يتنفس في الإناء ومحل الشاهد من إيراده الفقرتان الأوليان وهما كونه يمسك ذكره بيمينه وهو يبول وكذلك كونه يستنجي بيمينه وإنما هذا الاستعمال يكون من اليسار ولا يكون في اليمين وأما التنفس في الإناء فإن هذا من آداب الشرب وأن الإنسان جاء في بعض الأحاديث أنه يتنفس ثلاثة أنفاس يعني ثلاث مرات يعني يشرب ثم ينحي عندما يتنفس ينحي عن فمه ثم يعود فيشرب وهكذا ثلاث مرات هكذا جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم وإنما منع من ذلك لأن الماء إذا كان مشترك وأن الإناء كبير وأنه سيشرب منه بعده فإنه يقذزه على من يشرب بعده وأما إن كان الشرب له وحده فإن تنفسه فيه قد يحصل منه شيء يقذره على نفسه وإذًا فالسنة هي أن الإنسان يشرب ثلاثة أنفاس وإذا شرب في النفس الأول نحَّى وتنفس خارج الإناء ثم رجع وهكذا كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ .
стр. 112
١٠٤ - وَعَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ: قيل لَهُ قد علمكُم نَبِيكُم كل شَيْء حَتَّى الخراءة! قَالَ: فَقَالَ أجل: لقد " نَهَانَا أَن نستقبل الْقبْلَة لغائط أَو بَوْل أَو أَن نستنجي بِالْيَمِينِ أَو أَن نستنجي بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار أَو أَن نستنجي برجيع أَو بِعظم " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن سلمان ﵁ أنه قال: قيل له أخبركم النبي ﷺ عن كل شيء حتى الخراءة! -يعني حتى ما يتعلق بقضاء الحاجة يعني أخبركم وهذا الذي قاله بعض الكفار هم الذين قالوا له هذا الكلام- قال: أجل -يعني نعم أنه علمنا- ثم ذكر هذه الأمور التي تتعلق بقضاء الحاجة فقال: نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط -يعني عندما يقضي حاجته لا يستقبل القبلة وإنما يتجه إلى جهة غيرها فلا يستقبلها ببول أو غائط ولا يستدبرها وإنما يتجه إلى غير جهة القبلة فهذا من آداب قضاء الحاجة- أو أن نستنجي باليمين -يعني كون الإنسان يستعمل يمينه في الاستنجاء كما مر في الحديث السابق- أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار -يعني الأحجار التي للاستجمار لأن الاستجمار يكون بالحجارة والاستنجاء يكون بالماء والاستجمار يكون بثلاثة أحجار لكن إذا كان الحجر كبيرا وله ثلاث شعب فتعتبر هذه بمثابة ثلاثة أحجار ومن المعلوم أن الاستجمار يحتاج إليه لاسيما إذا كان هناك جرما خارج فإنه بدل ما تباشره اليد يباشر بالحجارة التي تزيله وتنحيه ثم بعد ذلك يأتي الماء الذي ينظف ذلك المكان الذي قد علق بالجسم بسبب انتشاره بكونه مسح بالحجارة وانتشر في مكان من جسده من دبره فيزيله بالماء فهذا كله من آداب قضاء الحاجة- أو أن نستنجي برجيع أو بعظم -العظم إما أن يكون نجسا كأن يكون عظم الميتة أو عظم ما لا يؤكل لحمه كالحمير فإنه هذا لا يجوز الاستنجاء به لنجاسته وأما إذا كان من مأكول اللحم يعني من بهيمة الأنعام التي ذبحت فإنه يكون طاهرا لكنه ينهى عنه لأنه قد جاء في الحديث الصحيح في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: أن العظام الطاهرة لا يستنجى بها لأنها طعام إخواننا من الجن وأن الله ينشئ عليها لحما فيأكلونه وكذلك أيضا الروثة الطاهرة لا يستنجى بها لأنها طعام دوابهم ثبت هذا في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ وأن هذا هو وجه يعني المنع من استعمال الأشياء الطاهرة عظاما أو روثا لأن العظام طعام إخواننا والروثة طعام دوابهم هكذا ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ يعني بيان الحكمة في المنع من ذلك وعلى هذا فهذه أمور ثبتت في هذا الحديث الصحيح عند مسلم أنه لا يستنجي بها وهي من آداب قضاء الحاجة وهذا يدل على كمال الشريعة وأنها إذا كانت آداب قضاء الحاجة قد أتت عليها وبينتها فدل هذا على أن كل شيء قد جاء مبينا عن رسول الله ﷺ إذا كانت هذه الأمور التي هي أمور من آداب قضاء الحاجة فإن الأمور الأخرى لا شك أنها مبينة يعني بيانا واضحا ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة قيمة اسمها معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول ﷺ فالرسول ﷺ بين للناس كل ما يحتاجون إليه وقد جاء عن أبي ذر ﵁ أنه قال: توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وأعطانا منه علما، وهذا يدل على كمال الشريعة وعلى شمولها وأنها مستوعبة لما يحتاجه الناس إليه وهي وإن لم تكن شاملة بنصوصها إلا أنها شاملة لكل ما يحتاجه الناس إليه بالأقيسة بالقياس وكذلك بعمومات الأحاديث وكذلك القواعد العامة في الشرع فإنها ما لم يكن في زمنه ﷺ فإنها تستوعبه بعموماتها وبأقيستها وبقواعدها العامة ولهذا جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن الباذق -والباذق نوع من الأشربة- فقال: سبق محمد ﷺ الباذق، يعني أن الرسول ﷺ جاء عنه كلام عام يدل على الباذق وعلى غير الباذق ما كان في زمنه وما سيأتي بعد زمنه قال ﷺ : كل مسكر خمر وكل خمر حرام، يعني معنى ذلك أن هذا لفظ عام إن كان هذا الباذق يسكر فإنه داخل تحت هذا الحديث العام وإن كان لا يسكر فإنه مباح وأنه يسوغ استعماله فهذا يدلنا على كمال الشريعة وعلى استيعابها لكل ما يحتاج الناس إليه ولهذا قال: سبق محمد الباذق.
стр. 113
١٠٥ - وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ: " ارتقيت فَوق بَيت حَفْصَة لبَعض حَاجَتي فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ يقْضِي حَاجته مستدبر الْقبْلَة مُسْتَقْبل الشَّام " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه يعني لما ذكر الحديث الأول الذي فيه النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في البول والغائط ذكر هذا الحديث الذي فيه أن ابن عمر ﵄ رقى على بيت أخته حفصة ﵂ بيت الرسول ﷺ فرآه يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة وهذا قال بعض أهل العلم إن هذا كان من أجل البنيان وأن ما جاء مطلقا من النهي يكون في الفضاء فإنه لا يستقبل ولكن إذا كان في البنيان فإنه يجوز وبعض أهل العلم يقول إنه يحرص على أن لا يستقبل وأن هذا الاستقبال قد يكون لحاجة ولأمر يقتضيه ولهذا فإن الذي ينبغي عندما تبنى دورات المياه أن المقاعد التي يجلس بها عند قضاء الحاجة لا تكون متجهة إلى القبلة ولا مستدبرة القبلة وإنما تكون في اتجاه آخر هذا هو الذي ينبغي وإذا ما وجد إلا أنه مستقبل القبلة أو مستدبرها فإن ذلك يجوز له للضرورة وللحاجة التي دعت إلى ذلك.
стр. 114
١٠٦ - وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ: " نهَى نَبِي الله ﷺ َ أَن نستقبل الْقبْلَة ببول، فرأيته قبل أَن يقبض بعام يستقبلها " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، (وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: (حسن غَرِيب)، وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان، وَالْحَاكِم، وَصَححهُ البُخَارِيّ. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: (وَلَيْسَ حَدِيث جَابر مِمَّا يحْتَج بِهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ)).
ثم ذكر هذا الحديث عن جابر ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول أو غائط ثم قال رأيته قبل أن يقبض بعام استقبل القبلة، يعني فعل ذلك فهذا لا يدل على النسخ وإنما المعتبر هو القول الذي قاله الرسول ﷺ والذي فيه تشريع للناس والذي فيه نهي فما فيه قول مقدم على الفعل لأن القول خطاب للأمة وأما الفعل فيه احتمالات وهذا فيه احتمال أنه كان مضطرا إلى ذلك وأنه احتاج إلى ذلك ليس معنى ذلك أن هذا ديدنه وهذه حاجته فإذًا هذا الذي حصل منه في هذه المرة لا يعني ذلك أن هذا ناسخ وإنما حصل للحاجة وأنه احتاج إلى أن يفعل هذا الفعل وإلا فإن الأصل هو أن يؤخذ بما جاء عنه ﷺ من الأمر والنهي لأن هذا خطاب للأمة وأما فعله فهي قضية خاصة تحتمل التأويل وأن يكون حصل لأمر عارض أو لأمر ألجأه إلى ذلك، وهذا الحديث تكلم فيه من جهة محمد بن إسحاق فإنه أحد رواته ولكنه جاء عنه أنه صرح بالتحديث عند بعض الكتب، بعض الأئمة نقلوا عنه أنه صرح بالتحديث فزال ما يحتمل من التدليس وابن إسحاق يعني الكلام الذي انتقد عليه التدليس ولكنه إذا صرح بالتحديث فإن حديثه حسن لأنه صدوق.
стр. 115
١٠٧ - وَعَن أبي بردة قَالَ: حَدَّثتنِي عَائِشَة " أَن النَّبِي ﷺ َ كَانَ إِذا خرج من الْغَائِط قَالَ: غفرانك " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَابْن حبَان، وَالنَّسَائِيّ، (وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: (حَدِيث حسن غَرِيب). وَعِنْده: " إِذا خرج من الْخَلَاء "، وَالْحَاكِم وَصَححهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: (هُوَ أصح حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب)).
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» وقد سبق أن مر أنه إذا دخل قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» فعند الدخول دعاء وعند الخروج دعاء وإنما ذكر هذا الدعاء الذي هو غفرانك قيل لأنه في الفترة التي كان في محل قضاء الحاجة ممتنع من ذكر الله فهو يطلب الغفران لكونه حصل منه عدم الذكر في هذا المكان في هذه الفترة أو هذه المدة التي كان فيها في محل قضاء الحاجة وقيل أيضا في تعليل ذلك أن استذكار نعمة الله وأن الله منَّ عليه بالطعام الذي أكله واستفاد منه وحصل لجسمه منه طيب والخبيث خرج فهو يشكر الله على هذه النعم وأنه لا يستطيع أن يشكره حق شكرها فهو محتمل لأن يكون لكونه ما ذكر الله وأنه ممتنع من ذكر الله في قضاء الحاجة ومن جهة أن هذه النعمة العظيمة التي يشكر الله عليها أنه لا يؤدى حقه ويشكره حق شكره لأن هذه نعمة عظيمة أنعم الله بها على الإنسان فاستفاد من
طيب هذا الطعام وخبيثه خرج منه فهو يسأله المغفرة لتقصيره في شكر نعم الله .
стр. 116
باب الاستنجاء والاستجمار
الدرس الثاني عشر:
الاستنجاء هو استعمال الماء في إزالة ما يخرج من الإنسان مأخوذ من النجو وهو القطع يعني أنه يقطع أثر الخارج والاستنجاء يكون بالماء وأما الاستجمار هو إزالة ما يخرج من الإنسان بالحجارة التي يشرع أن تكون وترا وأن تكون ثلاثا وأنه إذا لم يجد ثلاثة فإنه إذا كان حجرا كبير له ثلاث شعب فإنها تقوم مقام الثلاث الأحجار والمقصود من ذلك أن ما يخرج من الإنسان يزال أثره إما بالماء وهو الاستنجاء وإما بالاستجمار الذي هو بالحجارة وقيل له استجمار لأنه قطع له بالجمرات لأن الجمار المقصود بها الحجارة ولهذا حصى الجمار الذي في الحج التي يرمى بها ويقال لها الجمار فالمقصود من ذلك الجمار يعني الحجارة الاستجمار يعني استعمال الحجارة أو استعمال الجمرات التي هي الحجارة في قطع أثر الخارج من الإنسان ذكر هذه الترجمة وذكر تحتها أحاديث
стр. 117
١٠٨ - عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: " أَتَى النَّبِي ﷺ َ الْغَائِط فَأمرنِي أَن آتيه بِثَلَاثَة أَحْجَار فَوجدت حجرين والتمست الثَّالِث فَلم أَجِدهُ، فَأخذت رَوْثَة فَأَتَيْته بهَا فَأخذ الحجرين وَألقَى الروثة، وَقَالَ: هَذَا رِكس ". رَوَاهُ البُخَارِيّ، (وَالتِّرْمِذِيّ وَعلله ثمَّ قَالَ: (هَذَا حَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب)، وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ) وَفِي آخِره: " ائْتِنِي بِحجر "، وَفِي لفظ للدارقطني: " ائْتِنِي بغَيْرهَا ".
أولها حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: أن النبي ﷺ أتى الغائط يعني ذهب إلى الغائط فأمره أن يأتيه بثلاثة أحجار يعني ليستجمر بها فبحث فوجد حجرين ولم يجد حجرا ثالثا وأتى مكانه بروثة فالرسول ﷺ أخذ الحجرين ورمى الروثة وطلب منه أن يأتي بثالث يعني بدل الروثة وقال: «إنها ركس» أي رجس والمقصود من ذلك أن الروث لا يستنجى به لأنه إما أن يكون من غير مأكول اللحم كالحمير أو من ميتة كالحيوان الذي مثل بهيمة الأنعام وقد كانت ميتة فإن العظام نجسة فلا تستعمل لنجاستها وأما إذا كان من مأكول اللحم وقد ذكي ولم يكن ميتة فإنه لا يستعمل لأن الروث طعام دواب الجن كما جاء ذلك بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ أخبر بأنه لا يستنجى بالعظام يعني الطاهرة لأنها طعام إخواننا من الجن ولا يستنجى بالروث أي الطاهر مثل ما يؤكل لحمه مثل الإبل والبقر والغنم فإن أرواثها طاهرة ولكنها لا تستعمل لأنها طعام دواب إخواننا من الجن فإذًا الروثة التي قال أنها الركس المقصود
أنها نجسة ومعنى ذلك كأنه والله أعلم أنها من حيوان غير مأكول كالحمير أو البغال وغير ذلك مما لا يؤكل لحمه فهذا هو الذي يكون نجس وأما إذا كان من مأكول اللحم وهو مذكى وليس بميتة فإن العلة ليست النجاسة وإنما تقذيره على إخواننا من الجن الذين طعامهم هذه العظام وأنه ينشئ الله عليها لحما وكذلك ما يتعلق بالروث الذي هو من حيوان يعني مأكول اللحم فإن روثه طاهر ولكنه لا يستنجى به لما فيه من إفساده أو تقذيره على إخواننا من الجن في أكل أو طعام دوابهم، وهذا الحديث يدل على الاستجمار وأن الاستجمار يكون بثلاثة أحجار وأن الروث لا يستنجى به يعني لا يستجمر به.
стр. 118
١٠٩ - وَعَن يَعْقُوب بن كاسب، عَن سَلمَة بن رَجَاء، عَن الْحسن بن فرات، عَن أَبِيه، عَن أبي حَازِم، عَن أبي هُرَيْرَة: " أَن رَسُول الله ﷺ َ نهَى أَن يُستنجى بِعظم أَو رَوْث، وَقَالَ: إنَّهُمَا لَا يُطهران " رَوَاهُ أَبُو أَحْمد بن عدي، وَالدَّارَقُطْنِيّ، فَكل إِسْنَاد صَحِيح. (وَقَالَ ابْن عدي: (لَا أعلم من رَوَاهُ عَن فرات الْقَزاز غير ابْنه الْحسن، وَعَن الْحسن سَلمَة بن رَجَاء، وَعَن سَلمَة بن كاسب. وَسَلَمَة أَحَادِيثه أَحَادِيث أَفْرَاد وغرائب وَيحدث عَن قوم بِأَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا)).
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بعظم أو روث وقال: «إنهما لا يطهران» وهذا مثل ما تقدم من أن العظام لا يستجمر بها وكذلك الروث لا يستجمر به وذلك لأنه إن كان من غير مأكول اللحم أو من ميتة فإنه يكون نجسا والمنع في ذلك النجاسة وإن كان من مأكول اللحم فإنه لا يستعمل في الطهارة لأن فيه تقذير على الجن طعامهم وكذلك التقذير على الجن في طعام دوابهم والحديث حسن الإسناد وهو موافق لما تقدم من أن العظام لا يستجمر بها وكذلك الروث وهنا قال: «إنهما لا يطهران» إما لنجاستهما إذا كان من غير مأكول اللحم أو من ميتة أو أنهما من مأكول اللحم ولكن السبب في ذلك يعني المنع منه عدم إفساد الطعام على إخواننا من الجن لأنفسهم ولدوابهم فيما يتعلق بالاستجمار بالروث.
стр. 119
١١٠ - وَرَوَى شُعْبَة عَن أبي معَاذ - واسْمه عَطاء بن أبي مَيْمُونَة - قَالَ: سَمِعت أنس بن مَالك يَقُول: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يدْخل الْخَلَاء، فأحمل أَنا وَغُلَام نحوي، إداوة من مَاء وعنزة فيستنجي بِالْمَاءِ " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث في الاستنجاء والاستنجاء يكون بالماء وذكر حديث أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي -يعني مثلي قريب مني غلام معه يساعده- إداوة من ماء وعنزة -الإداوة من ماء الذي هو وعاء فيه ماء قال- فيستنجي بالماء، وهذا محل الشاهد من إيراد الحديث لأن فيه استنجاء بالماء وعنزة من أجل أن يتخذها سترة إذا أراد أنه يصلي تغرز في الأرض ثم يصلي إليها فهذا يحمل
العنزة وهذا يحمل الإداوة فالإداوة من أجل الاستنجاء بالماء الذي فيها والعنزة من أجل ركزها في الأرض واتخاذها سترة بحيث يصلي إليها فلا يدع أحد يمر بينه وبينها ومن أراد أن يمر يمر من ورائها من وراء السترة فهذا الحديث فيه الاستنجاء وأن الرسول ﷺ كان يستنجي وفيه الاستعانة يعني استعانة المتوضئ بغيره لأن الرسول ﷺ طلب منه ومن الغلام الذي نحوه أن هذا يحمل العنزة وهذا يحمل إداوة التي من ماء فيستنجي بالماء.
стр. 120
باب أسباب الغسل
ثم ذكر بعد هذا أسباب الغسل وأسباب الغسل ذكر عدة أسباب
стр. 121
١١١ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: " خرجت مَعَ رَسُول الله ﷺ َ يَوْم الْإِثْنَيْنِ إِلَى قبَاء حَتَّى إِذا كُنَّا فِي بني سَالم وقف رَسُول الله ﷺ َ عَلَى بَاب عتْبَان فَصَرَخَ بِهِ فَخرج يجر إزَاره، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: أعجلنا الرجل، فَقَالَ عتْبَان يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الرجل يعجل عَن امْرَأَته وَلم يمن مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ إِنَّمَا المَاء من المَاء "، وَفِي لفظ آخر: " أَن رَسُول الله ﷺ َ مر عَلَى رجل من الْأَنْصَار فَأرْسل إِلَيْهِ فَخرج وَرَأسه يقطر، فَقَالَ: لَعَلَّنَا أعجلناك؟ قَالَ: نعم يَا رَسُول الله، قَالَ: إِذا أعجلت أَو أقحطت فَلَا غسل عَلَيْك وَعَلَيْك الْوضُوء ". مُتَّفق عَلَيْهِ لَكِن لم يذكر البُخَارِيّ قَوْله: " إِنَّمَا المَاء من المَاء "، وَلَا قَالَ: " فَلَا غسل عَلَيْك ".
بدأها بالجنابة وأن الرسول ﷺ ذهب إلى قباء ومر في طريقه على عتبان ﵁ الصحابي الذي من الأنصار وخرج وقال أنه أُعجل يعني أنه خرج وكأنه جامع أهله ولكنه أعجل لكونه نودي وخرج فالرسول ﷺ ظن أنه ما تمكن من إتيان أهله فقال: «إنما الماء من الماء» يعني أن الماء الذي هو الاغتسال يكون من الماء الذي هو الإنزال يعني يكون الماء الذي يخرج من الإنسان الذي هو المني هو الذي يكون به الاغتسال بالماء وقوله: «إنما الماء من الماء» يعني الماء الذي يغتسل به يعني سببه المني أو الماء الذي يخرج من الإنسان عند الجماع وذكر في الطريقة الثانية التي ذكرها أنه إذا أعجل فليس عليه غسل وإنما عليه الوضوء ومعلوم أنه سيأتي بعد ذلك الحديث الذي فيه أن الاغتسال يكون حتى لو لم يحصل إنزال وإنما إذا حصل منه التقاء الختانين وأنه حصل منه الجماع ولكنه أخرج دون أن ينزل فإن عليه أن يغتسل كما جاء في الحديث الذي سيأتي وفي لفظ لمسلم قال: «وإن لم ينزل» إذا جلس الرجل بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وفي لفظ لمسلم وإن لم ينزل فدل هذا أن حصول الجماع وإن لم يحصل معه إنزال فإنه هو الذي يعول عليه وأما قوله: «إنما الماء من الماء» الحديث الذي سيأتي هو الذي وضح وبين وأنه إذا حصل الجماع وحصل الجهد من الإنسان من الجماع ولم ينزل فإنه يجب عليه الغسل سواء أنزل أو لم ينزل فإذًا قوله: «إنما الماء من الماء» هذا يدل على أنه لا غسل إلا مع إنزال لكن الأحاديث التي جاءت وهي واضحة وصريحة وفيها الاحتياط للدين هي التي يعول عليها ويؤخذ بها.
стр. 122
١١٢ - وَعَن أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن أم سليم حدثت: " أَنَّهَا سَأَلت نَبِي الله ﷺ َ عَن الْمَرْأَة ترَى فِي منامها مَا يرَى الرجل؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ إِذا رَأَتْ ذَلِك الْمَرْأَة فلتغتسل، فَقَالَت أم سليم: وَاسْتَحْيَيْت من ذَلِك، قَالَت: وَهل يكون هَذَا؟ فَقَالَ نَبِي الله ﷺ َ: نعم فَمن أَيْن يكون الشّبَه؟ إِن مَاء الرجل غليظ أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة رَقِيق أصفر، فَمن أَيهمَا علا أَو سبق يكون مِنْهُ الشّبَه " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن أنس بن مالك ﵁ يروي عن أمه أم سليم ﵂ أنها سألت الرسول ﷺ عن المرأة أنها ترى في منامها ما يرى الرجل يعني معناه أنها ترى أنه حصل لها جماع وأنه حصل منها إنزال فإذا وجد الإنزال وجد البلل في ثيابها فإنها تغتسل بسبب ذلك كما يغتسل الرجل وأما إذا رأى الرجل والمرأة في المنام أنه حصل جماع لكن ما وجد بللا فإنه لا يلزمه الغسل كما جاء في الأحاديث إذا رأت الماء يعني معناه أن الاغتسال إنما هو إذا وجد الماء بعد الاستيقاظ من النوم أما مجرد كونه يرى في المنام أنه جامع أو المرأة ترى أنها جومعت وأنه ما وجد أثر في الثياب أو في الجسد يعني بعد ذلك فإن هذا ما يلزم فيه اغتسال وإنما الاغتسال إذا وجد الماء الذي يكون سبب الغسل وهذا يفيد بأن الاحتلام إذا حصل في النوم سواء من الرجل أو المرأة فإنه يجب منه الغسل وإذا لم يوجد الماء ولم يوجد الأثر فإنه لا غسل وأم سلمة ﵂ استغربت هذا الشيء فقال ﷺ : فمما يكون الشبه وذكر أن الإنسان يكون من ماء الرجل وماء المرأة وذكر صفة ماء الرجل وماء المرأة وأن أي واحد منهما كان له السبق أو كان له الغلبة فإنه يكون فيه الشبه فقد يشبه الرجل أمه وقد يشبه المولود أباه وأمه وذلك لأنه مخلوق من الماءين والحاصل أن هذا في الاغتسال من الجنابة إذا كانت عن احتلام.
стр. 123
١١٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع ثمَّ جهدها فقد وَجب الْغسْل " مُتَّفق عَلَيْهِ. زَاد مُسلم: " وَإِن لم ينزل ".
ثم ذكر هذا الحديث عن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» رواه البخاري ومسلم وفي لفظ لمسلم: «وإن لم ينزل» فقوله إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها هذا يحتمل أن يكون داخل فيه سواء أنزل أو لم ينزل لكن رواية مسلم فيها زيادة إيضاح وزيادة بيان وأنه وإن لم ينزل يعني معناه أنه ما دام حصل الإيلاج وما دام حصل الجماع ولكنه ما حصل إنزال فإن عليه أن يغتسل وإن لم ينزل وهذا هو الذي يوضح أن الاغتسال أنه لا يلزم منه الإنزال وأن ما جاء في الحديث السابق: «إنما الماء من الماء» أنه ليس بلازم وإنما كما جاء في هذا الحديث الذي فيه الإيضاح والبيان وأنه إذا حصل منه الجماع ولكنه لم ينزل فإنه لا غسل عليه وقد جاء ذلك في رواية مسلم مصرحا به وإن لم
ينزل ومعنى ذلك أنه إذا وجد الجماع سواء أنزل أو لم ينزل فإن الاغتسال لازم وواجب.
стр. 124
١١٤ - وَعَن عبد الله بن عمر، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: " أَن ثُمَامَة بن أَثَال أسلم، فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى حَائِط بني فلَان فَمُرُوهُ أَن يغْتَسل " رَوَاهُ أَحْمد. وَعبد الله بن عمر الْعمريّ: تكلم فِيهِ من قبل حفظه. وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عبد الرازق عَن عبيد الله وَعبد الله ابْنا عمر عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه: " وَأمره أَن يغْتَسل، فاغتسل "، وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ: (هَذَا الحَدِيث عِنْد سُفْيَان عَن عبد الله وَعبيد الله)، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنه اغْتسل، وَلَيْسَ فِيهِ أَمر النَّبِي ﷺ َ لَهُ بذلك.
ثم ذكر هذا السبب من أسباب الاغتسال السبب الأول هو ما يتعلق بالجماع يعني سواء كان بفعل أو عن احتلام وأما هذا فإنه بسبب الإسلام وأن الإنسان إذا أسلم فإنه يغتسل وذلك أنه قبل الإسلام لا يتحرزون من النجاسات وكذلك لا يغتسلون من الجنابة فعندهم أشياء قذرة وأشياء وسخة لابد من التخلص منها والاغتسال يكون فيه تخلص من هذا الذي حصل منه في حال كفره من كونه لا يتحرز من النجاسات ولكونه لا يغتسل من الجنابة فجاءت السنة مبينة أن الاغتسال يكون بسبب الإسلام والخروج من الكفر إلى الإسلام أنه يغتسل حتى يكون جسده طاهر وحتى يكون نظيفا والأوساخ والقاذورات التي كان لا يتحرز منها في الجاهلية قبل الإسلام فإنه يتخلص منها بهذا الاغتسال وذكر هذا الحديث عن ثمامة وأن الرسول ﷺ أمره أن يذهب إلى حائط ويغتسل فدل هذا على أن الاغتسال يكون من الكافر إذا أسلم فإنه يغتسل لإزالة هذه الأشياء التي لا يتحرز منها في حال الكفر.
стр. 125
١١٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " غُسْل [يَوْم] الْجُمُعَة وَاجِب عَلَى كل محتلم " مُتَّفق عَلَيْهِ.
١١٦ - وَعَن الْحسن عَن سَمُرَة قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة فبها ونعمت، وَمن اغْتسل فالغسل أفضل " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، (وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: (حَدِيث حسن، وَرَوَى بَعضهم: قَتَادَة عَن الْحسن عَن النَّبِي ﷺ َ هَذَا الحَدِيث مُرْسلا)).
ثم ذكر هذين الحديثين وهما يتعلقان بسبب من أسباب الاغتسال وهو الاغتسال للجمعة لأنه ذكر فيما مضى الغسل من الجنابة سواء في المنام أو في اليقظة ثم ذكر بعد ذلك الاغتسال بسبب الكفر وهذا سبب من أسباب الاغتسال ثم ذكر بعد ذلك سببا وهو الغسل للجمعة وذكر هذين الحديثين الحديث الأول قوله ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» المحتلم هو البالغ وقال إنه واجب والحديث الثاني يدل على أنه ليس بواجب وأنه مستحب لقوله ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل» فهذا يدل على أن الغسل ليس بواجب وقد ذهب بعض العلماء إلى الوجوب أخذا بالحديث الأول وجمهور العلماء ذهبوا إلى أنه لا يجب وإنما هو مستحب وذلك أن الرسول ﷺ قال: «ومن اغتسل فالغسل أفضل» وأيضا جاء في بعض الأحاديث في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: من توضأ وأحسن الوضوء ثم خرج إلى الجمعة وأنصت، ولم يذكر
الاغتسال فدل على أن الاغتسال أنه متأكد يعني فيه دع ما لا يريبك إلى ما لا يريبك وفيه الاحتياط ولكن لو توضأ واكتفى ولم يحصل منه اغتسال فإن صلاته صحيحة وجمعته صحيحة ولا شيء عليه ولكن ترك الأولى والحديث الثاني فيه مقال وفيه كلام ولكن له طرق يقوي بعضها بعضا وقد ذهب جمهور العلماء على العمل فيه وأنه لا يجب الاغتسال وإنما يستحب.
стр. 126
١١٧ - وَعَن عَائِشَة ﵂: " أَن النَّبِي ﷺ َ كَانَ يغْتَسل من أَربع: من الْجَنَابَة، وَيَوْم الْجُمُعَة، وَمن الْحجامَة، وَمن غسل الْمَيِّت " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْن خُزَيْمَة، وَالْحَاكِم (وَإِسْنَاده عَلَى شَرط مُسلم، وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَلَفظه: " قَالَ يغْتَسل من أَربع "، وَقَالَ البُخَارِيّ: (رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات) (وَتَركه مُسلم فَلم يُخرجهُ، وَلَا أرَاهُ تَركه إِلَّا لطعن بعض الْحفاظ فِيهِ). وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة: (مُصعب بن شيبَة: رَوَى أَحَادِيث مَنَاكِير)).
ثم ذكر هذا الحديث عن النبي ﷺ أنه كان يغتسل من أربع من الجنابة ومن الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت، يعني هذه أربع جاءت عن الرسول ﷺ وأنه كان يغتسل منها أما الجنابة والجمعة فقد مر ما يتعلق بهما وأما الحجامة فإنها جاءت في هذا الحديث ولم تأتي في غيره والعلماء متفقون على أنه لا يجب الغسل منها والحديث مداره على مصعب بن شيبة وهو ضعيف يعني لا يحتج بحديثه لأن مداره على هذا الرجل فالحديث غير صحيح ولكن ما يتعلق بالجنابة وما يتعلق بالجمعة سبق أن مر في الأحاديث الخاصة وأما يتعلق بغسل الميت فإنه قد جاء في بعض الأحاديث وبعض العلماء حسن هذا «من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» وقالوا إن هذا على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب الذين قالوا بالعمل به قالوا إنه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب وأما يتعلق بالحجامة فقد حكى بعض أهل العلم الإجماع على أنه لا يلزم الغسل من الحجامة وكما قلت مداره على مصعب بن شيبة وهو لا يحتج بحديثه.
стр. 127
باب أحكام الحدث الأكبر
الدرس الثالث عشر:
فهذا الباب عند ابن عبدالهادي في المحرر يتعلق بأحكام الحدث الأكبر يعني أمور متعددة تتعلق بالحدث الأكبر الذي هو الغسل من الجنابة
стр. 128
١١٨ - عَن عبد الله بن سَلمَة، عَن عَلّي بن أبي طَالب ﵁: " أَن رَسُول الله ﷺ َ كَانَ يخرج من الْخَلَاء فيقرئنا الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم وَلم يكن يَحْجُبهُ - أَو قَالَ: يحجزه - عَن الْقُرْآن شَيْء، لَيْسَ الْجَنَابَة " رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه، وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يقرئنا الْقُرْآن [عَلَى كل حَال] مَا لم يكن جُنُباً) (وَقَالَ: (حَدِيث حسن صَحِيح)، وَرَوَاهُ ابْن حبَان، وَالْحَاكِم وَصَححهُ، وَذكر الْخطابِيّ (أَن أَحْمد كَانَ يوهن حَدِيث عَلّي هَذَا ويضعف أَمر عبد الله بن سَلمَة)، وَقَالَ شُعْبَة بن الْحجَّاج: (مَا أحدث بِحَدِيث أحسن مِنْهُ))
ذكر فيه حديث علي ﵁ الذي فيه أنه كان لا يحجبه شيء عن قراء القرآن إلا الجنابة يعني معنى ذلك أنه لا يقرأ القرآن وهو جنب وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان لا يقرأ القرآن وهو جنب وقد ضعف هذا الحديث كثيرون من أهل العلم وصححه بعضهم وجاء تصحيحه عن
جماعة والحافظ ابن حجر في فتح الباري قال: إن حديثه حسن، وعلى هذا فإن الجنب لا يقرأ شيئا من القرآن ولكن كونه يتمكن من القراءة وذلك لأن الجنابة التخلص منها سهل على الإنسان وذلك بأن يبادر إلى الاغتسال ويقرأ القرآن وإذا كان ما عنده ماء فهو يتيمم ويقرأ القرآن، الحاصل أن التخلص من الجنابة أنه سهل وأنه متيسر على الإنسان وأنه يمكنه التخلص منها على القول أنه لا يقرأ وأما على القول بأنه يقرأ فإن بعض العلماء صححوا هذا الحديث ومنهم من حسنه كالحافظ ابن حجر فإنه على هذا لا إشكال في ذلك.
стр. 129
١١٩ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لَا تقْرَأ الْحَائِض وَلَا الْجنب شَيْئا من الْقُرْآن " رَوَاهُ ابْن ماجة، (وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: (لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش)، وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيقه، وَضَعفه الإِمَام أَحْمد، وَالْبُخَارِيّ، وَغَيرهمَا، وَصوب أَبُو حَاتِم وَقفه، وَقَالَ: (إِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر قَوْله)).
ثم ذكر هذا الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن» وهذا الحديث ضعيف لأن في إسناده إسماعيل بن عياش وهو روايته صحيحة عن الشاميين وروايته عن غير الشاميين هي ضعيفة وهذا من روايته عن غير الشاميين وهو يدل على أن الجنب والحائض لا يقرؤون شيئا من القرآن وأما الجنب فقد عرفنا ما فيه من الحديث السابق وأما الحائض فإن الحائض والنفساء تختلف عن الجنب وذلك أن الحائض مدتها عدة أيام فلو امتنعت عن القراءة لكان في ذلك الضرر عليها لنسيانها القرآن وكذلك وأعظم منها النفساء التي تمكث أربعين يوما وفيها النفاس يعني في الغالب فلو أمسكت عن قراءة القرآن في هذه المدة أوشك أن تنسى ما حفظته ولهذا فرق بعض العلماء بين الجنابة وبين الحيض والنفاس بأن الجنابة يمكن التخلص منها بالاغتسال ويقرأ القرآن وإذا لم يكن هناك ماء يتيمم وأما بالنسبة للحيض والنفاس فإن هذا يترتب عليه نسيان المرأة ما حفظته ولكنها لكون الحديث ضعيف ولم يكن صح عن ابن عمر ﵄ فإن المرأة لها أن تقرأ القرآن وهي حائض يعني من حفظها والنفساء من باب أولى لأن مدتها تطول وعلى هذا فيفرق بين الجنابة والحيض بأن الجنابة يمكن التخلص منها ويقرأ الإنسان القرآن وأما الحيض والنفاس فلا يمكن التخلص منه لأنه ليس بيد الإنسان وعلى هذا فالقراءة من الحائض والنفساء أنه لا بأس بها وأنها سائغة لما يترتب على ذلك من نسيان القرآن لو أمسكت والحديث الذي ورد في … هذا ضعيف.
стр. 130
١٢٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِذا أَتَى أحدكُم أَهله ثمَّ أَرَادَ أَن يعاود فَليَتَوَضَّأ بَينهمَا وضُوءًا " رَوَاهُ مُسلم، (وَقد اعتل، وَزَاد الْحَاكِم بِإِسْنَاد صَحِيح: " فَإِنَّهُ أنشط للعود ". وَقَالَ الشَّافِعِي: (قد رُوِيَ فِيهِ حَدِيث، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يثبت مثله) وَأَرَادَ حَدِيث أبي سعيد هَذَا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: (لَعَلَّه أَرَادَ حَدِيث ابْن عمر فِي ذَلِك)).
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ وهو يتعلق بأنه إذا أتى أحدكم أهله وأراد أن يعاود فإنه يتوضأ يعني بينهما قال ذلك لأنه أنشط للعود ومعنى ذلك يدل على أن الإنسان يستحب له أن يتوضأ بينهما لأنه أنشط لكونه يعود يكون فيه نشاط إذا حصل الوضوء بخلاف ما إذا لم يحصل فإنه قد يكون يعني ما فيه نشاط ولكن الحديث يدل على استحباب الوضوء ولكن ليس على وجوبه.
стр. 131
١٢١ - وَعَن عبد الله بن عمر، أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سَأَلَ رَسُول الله ﷺ َ: " أيرقد أَحَدنَا وَهُوَ جنب؟ قَالَ: نعم، إِذا تَوَضَّأ أحدكُم فليرقد ". مُتَّفق عَلَيْهِ
ثم ذكر هذا الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم يعني بعد الجنابة فليرقد يعني معنى ذلك أنه لا يلزمه الاغتسال في أول الليل بل يمكن أن ينام لكن الذي يستحب له أن يكون على وضوء لأن الوضوء يخفف الجنابة ويزيل يعني آثار الجماع وما علق بالذكر من آثار الجماع فإنه يزيله ففيه تخفيف للجنابة وقد ثبت يعني هذا الحديث عن رسول الله ﷺ وهو دال على استحباب الوضوء وسيأتي الحديث الذي فيه أنه قد يحصل منه أحيانا أنه ينام حتى من غير أن يتوضأ وعلى هذا فإن الوضوء مستحب وأفضل من تركه ولكن تركه سيأتي ما يدل على أنه صحيح وأنه سائغ وجائز لكن الحديث يدل على أن الوضوء أنه مستحب قبل أن ينام لما فيه من تخفيف الجنابة.
стр. 132
١٢٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَ النَّبِي ﷺ َ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب غسل فرجه وَتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة " رَوَاهُ البُخَارِيّ. وَلمُسلم: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ إِذا كَانَ جنبا فَأَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة ".
وهذا مثل الذي قبله.
стр. 133
١٢٣ - وَعَن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن الْأسود عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ ينَام وَهُوَ جنب من غير أَن يمس مَاء " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَالنَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ، (وَقَالَ: (يرَوْنَ أَن هَذَا غلط من أبي إِسْحَاق). وَقَالَ يزِيد بن هَارُون: (هَذَا الحَدِيث وهم). وَقَالَ أَحْمد: (لَيْسَ صَحِيحا)، وَصَححهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره. وَقَالَ بعض الحذاق من الْمُتَأَخِّرين (أجمع من تقدم من الْمُحدثين وَمن تَأَخّر مِنْهُم أَن هَذَا الحَدِيث غلط مُنْذُ زمَان أبي إِسْحَاق إِلَى الْيَوْم، وَعَلَى ذَلِك تلقوهُ مِنْهُ وَحَمَلُوهُ عَنهُ وَهُوَ أول حَدِيث أَو ثَان مِمَّا ذكره مُسلم فِي كتاب التَّمْيِيز لَهُ مِمَّا حمل من الحَدِيث عَلَى الْخَطَأ)) وَرَوَى أَحْمد من حَدِيث شريك عَن مُحَمَّد عَن عبد الرَّحْمَن عَن كريب عَن عَائِشَة قَالَت: " كَانَ النَّبِي ﷺ َ يجنب ثمَّ ينَام ثمَّ ينتبه ثمَّ ينَام وَلَا يمس مَاء ". (وَإِسْنَاده غير قوي)
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : كان ينام وهو جنب دون أن يمس ماء، يعني أنه حتى الوضوء ما توضأ لأن الأحاديث التي مرت فيها أنه يتوضأ قبل أن ينام وفي هذا الحديث أنه ما كان يتوضأ وإنما ينام قبل أن يمس ماء يعني لا وضوء ولا اغتسال وهذا الحديث تكلم فيه كثيرون من جهة أبي إسحاق السبيعي ولكن أبا إسحاق السبيعي هو ثقة أخرج له أصحاب الكتب وكلامهم فيه إنما هو من حيث التدليس والمدلس إذا صرح بالسماع فإنه يقبل ما يأتي عن طريقه وقد صرح بالسماع يعني في بعض روايات هذا الحديث فيدل على أن هذا الحديث ثابت ويدل على أن الإنسان يجوز له أن ينام دون أن يتوضأ ولكنه إن توضأ يكون أحسن،
وأحسن من ذلك أن يغتسل وعلى هذا فيها درجات ثلاثة: الاغتسال ثم الوضوء ثم كونه ينام على غير وضوء فإذًا يسوغ له أن ينام على غير وضوء كما جاء في هذا الحديث وأولى من ذلك أن يتوضأ قبل أن ينام وأولى من ذلك أيضا أن يغتسل قبل أن ينام، وهذا الحديث ذكره الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود وذكر جماعة من العلماء يعني صححوه.
стр. 134
باب صفة الغسل
ثم ذكر صفة الغسل
стр. 135
١٢٤ - عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة يبْدَأ فَيغسل يَدَيْهِ ثمَّ يفرغ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَاله فَيغسل فرجه ثمَّ يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة ثمَّ يَأْخُذ المَاء فَيدْخل أَصَابِعه فِي أصُول الشّعْر حَتَّى إِذا رَأَى أَن قد اسْتَبْرَأَ حفن عَلَى رَأسه ثَلَاث حفنات ثمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جسده ثمَّ غسل رجلَيْهِ " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَهَذَا لفظ مُسلم. وَفِي لفظ: " أَن النَّبِي ﷺ َ اغْتسل من الْجَنَابَة فَبَدَأَ فَغسل كفيه ثَلَاثًا ". وَفِي لفظ لَهما: " ثمَّ يخلل بِيَدِهِ شعره "، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: " حَتَّى إِذا ظن أَنه قد أروى بَشرته أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاء ثَلَاث مَرَّات ".
وذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ في صفة غسله ﷺ وأنه كان ﷺ عندما يريد أن يغتسل فإنه يفرغ الماء على هذا ويغسل يديه خارج الإناء ثم بعد ذلك يدخل يده في الإناء يتوضأ ويغتسل لأنه قبل ذلك يغسل يديه خارج الإناء فإذا غسلهما صار يتناول بيده أو بيديه من الماء بعد أن غسل يديه خارجه ثم إنه بعد ذلك يغسل فرجه وما علق به وأول ما يبدأ به أنه يزيل ما علق بذكره وما حصل له من بقية آثار الجماع يعني يزيلها ثم إنه بعد ذلك يتوضأ ويبل يديه ويدلك بها رأسه حتى يصل إلى أصول الشعر ثم بعد ذلك يحثوا عليه ثلاث حثيات ثم إنه يفرغ الماء على جسده فيكون بذلك حصل الاغتسال من رسول الله ﷺ وكونه يفرغ على جسده يعني أنه يكفي مرة واحدة وهذه الصفة التامة التي جاءت عن رسول الله ﷺ لكن لو أن إنسانا لم يحصل منه الوضوء وإنما نوى رفع الحدث الأصغر والأكبر وصب على رأسه الماء فإنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر إذا نوى ذلك لكن في حال الوضوء لابد أنه لا يمس ذكره بعدما يغسل فرجه لأن المتوضئ إذا لمس فرجه فإنه ينتقض وضوؤه كما مر في حديث بسرة بنت صفوان ﵂ الذي: من مس فرجه فليتوضأ، فهذا فيه أنه إذا مس فرجه فأنه يتوضأ لكن إذا اغتسل ونوى رفع الحدث الأصغر والأكبر ولم يمس ذكره بعد ذلك فإن ذلك كافي والمهم أن يصل الماء إلى جميع جسده من أعلاه إلى أسفله ولكن لا يمس ذكره في أثناء اغتساله إذا نوى رفع الحدث الأصغر.
стр. 136
١٢٥ - وَعَن مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ َ قَالَت: " أدنيت لرَسُول الله ﷺ َ غسله من الْجَنَابَة فَغسل كفيه مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ثمَّ أَدخل يَده فِي الْإِنَاء ثمَّ أفرغ عَلَى فرجه وغسله بِشمَالِهِ ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ الأَرْض فدلكها دلكا شَدِيدا ثمَّ تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة ثمَّ أفرغ عَلَى رَأسه ثَلَاث حفنات ملْء كَفه ثمَّ غسل سَائِر جسده ثمَّ تنحى عَن مقَامه ذَلِك فَغسل رجلَيْهِ ثمَّ أَتَيْته بالمنديل فَرده. وَفِي رِوَايَة: وَجعل يَقُول بِالْمَاءِ هَكَذَا ينفضه " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَهَذَا لفظ مُسلم. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: " وَجعل ينفض المَاء "، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ أَيْضا: " ثمَّ غسل فرجه ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْض فمسحها بِالتُّرَابِ ثمَّ غسلهَا ثمَّ تمضمض واستنشق ثمَّ غسل وَجهه وَيَديه وأفاض عَلَى رَأسه، ثمَّ تنحى فَغسل قَدَمَيْهِ ". وَفِي رِوَايَة لَهُ: " ثمَّ أَفَاضَ المَاء عَلَى جسده ثمَّ تحول من مَكَانَهُ فَغسل قَدَمَيْهِ ".
ثم ذكر هذا الحديث عن ميمونة ﵂ وهو في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة وفيه من الزيادة أنه عندما غسل فرجه بيساره فإنه وضع يده على الأرض ودلكها يعني بحيث يذهب في التراب آثار ما علق به من إزالة ما علق به يعني فإن تحريك يده على الأرض فإنه يذهب ما بقي فيها من لزوجة أو من شيء يعني من آثار هذا الغسل لفرجه ﷺ ، وفيه أيضا أنها أتته بالمنديل وأنه لم يرده وجعل ينفض الماء بيديه والعلماء اختلفوا في هذا منهم من قال إنه يستعمل المنديل ومنهم من قال إنه لا يستعمله والذين قالوا أنه يستعمله قالوا لأنه جعل ينفض الماء بيديه وفي ذلك إزالة لما علق باليدين فكذلك إزالته بالمنديل ثم أيضا قيل إنما ناولته المنديل لأنها كانت تعرف أنه كان يستعمل المنديل ولكن لعله أحيانا يستعمله وأحيانا لا يستعمله.
стр. 137
١٢٦ - وَعَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ َ قَالَت: " يَا رَسُول الله إِنِّي امْرَأَة أَشد ضفر رَأْسِي أفأنقضه لغسل الْجَنَابَة؟ قَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تحثي عَلَى رَأسك ثَلَاث حثيات ثمَّ تفيضين عَلَيْك المَاء فتطهرين ". وَفِي رِوَايَة: " أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ فَقَالَ لَا ". رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن أم سلمة ﵂ يعني فيما يتعلق بنقض الرأس عند الاغتسال من الحيض والجنابة وقالت أنها استأذنت الرسول ﷺ هل تنقض؟ فقال: لا إنما يكفيك أن تحركي أصابعك على أصوله يعني بحيث يصل الماء إلى أصول الشعر دون أن تنقضه والنقض قد يكون فيه مضرة لاسيما عند الجنابة التي تتكرر فإن نقضه عند كل مرة يكون فيه مشقة فخفف على النساء في ذلك بأن يكتفين بأن يحركن أصابعهن المبلولة بالماء حتى يصل الماء إلى أصول الشعر ثم تفرغ الماء عليه فدل هذا على أن نقص الشعر ليس بلازم أنه يكفيها أن توصل الماء إلى أصوله وأن تتحقق أنه وصل إلى أصوله وكذلك مثلها الحيضة أنها لا تنقضه وإنما تفعل كما فعلت في حال الجنابة.
стр. 138
١٢٧ - وَعَن عَائِشَة ﵂ " أَن أَسمَاء - وَهِي بنت شكل - سَأَلت النَّبِي ﷺ َ عَن غسل الْحيض فَقَالَ: تَأْخُذ إحداكن ماءها وسدرتها فَتطهر فتحسن الطّهُور ثمَّ تصب عَلَى رَأسهَا فتدلكه دلكا شَدِيدا حَتَّى تبلغ شؤون رَأسهَا ثمَّ تصب عَلَيْهَا المَاء، ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة ممسكة فَتطهر بهَا، فَقَالَت أَسمَاء: وَكَيف تطهر بهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله تطهرين بهَا!! … فَقَالَت عَائِشَة - كَأَنَّهَا تخفي ذَلِك: تتبعين أثر الدَّم. وَسَأَلته عَن غسل الْجَنَابَة فَقَالَ: تَأْخُذ مَاء فَتطهر فتحسن الطّهُور - أَو تبلغ الطّهُور - ثمَّ تصب عَلَى رَأسهَا فتدلكه حَتَّى تبلغ شؤون رَأسهَا ثمَّ تفيض عَلَيْهَا المَاء. فَقَالَت عَائِشَة: نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار لم يكن يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدَّين " رَوَاهُ مُسلم، وَذكر البُخَارِيّ مِنْهُ ذكر الفرصة والتطهر بهَا.
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ في قصة أسماء بنت شكل ﵂ التي سألت النبي ﷺ وأخبرها أن اغتسالها يكون بأن توصل الماء إلى أصول الشعر وأنها تصب عليها الماء وأنها تستعمل الفرصة الممسكة التي فيها مسك وتتبع بها أثر الدم يعني من مكان الخارج الذي فيه الرائحة الكريهة فإنها تأتي مكانها بهذه الرائحة الطيبة التي تأتي بعد الرائحة المنتنة التي تكون من الحيض فتأتي بالفرصة الممسكة هذه
التي فيها مسك وتضعها على ذلك المكان الذي فيه آثار الدم الذي هو رائحته كريهة تأتي بعد ذلك بهذه الرائحة الطيبة.
стр. 139
باب التيمم
الدرس الرابع عشر:
لما فرغ من الطهارة الأصلية التي هي الماء أتى بما يقوم مقامها عند فقدها أو عدم القدرة على استعمالها وهو التيمم وذلك بأحاديث جاءت عن رسول الله ﷺ وجاء في القرآن ذكر التيمم ولكن يعني بيان صفته وكيفيته جاءت مبينة عن رسول الله ﷺ -
стр. 140
١٢٨ - عَن جَابر بن عبد الله ﵄ أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد قبلي، نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر، وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا، فأيما رجل من أمتِي أَدْرَكته الصَّلَاة فَليصل، وَأحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد قبلي، وَأعْطيت الشَّفَاعَة - وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة، وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَرَوَى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عَلّي: " وَجعل التُّرَاب لي طهُورا ".
وذكر حديث جابر ﵁ قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وهذا الحصر لا يدل على أنه ليس له من الخصائص إلا هذه الخمس بل هناك غيرها وقد جاء ذلك في أحاديث ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح هذا الحديث جملة من الأحاديث التي فيها الزيادة على ذلك وذلك أن قوله: «أعطيت خمسا» لا يعني ذلك الحصر فيها وإنما أُطلع على أنها أعطي خمس ثم ذكر بعد ذلك أطلع على أنه أعطي أكثر من ذلك فهذه الخمس التي جاءت في هذا الحديث أولها قوله: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» يعني أن الرسول ﷺ من خصائصه أن الله يقذف الرعب في قلوب أعدائه من هذه المسافة التي هي مسافة شهر وذلك أنه ﷺ ينصره الله بأن يقذف الرعب في قلوب أعدائه وإذا حصل الرعب في قلوب أعدائه حصل الهزيمة وحصل النصر عليهم فكان ﷺ أخبر بهذا وأن هذه المدة أنه ﷺ ينتصر على أعدائه ولو كان بينه وبينهم هذه المدة التي هي شهر وقد قيل إن التنصيص على هذه المدة لأنه لم يكن بينه وبين أعدائه مسافة أطول من هذا بل ذكرت لأن هذه هي المسافة التي تكون بينه وبين أعدائه ﷺ ، والرعب هو الخوف والذعر ومعلوم أن الرعب والذعر إذا حصل فإن القوة الحسية لا يستفاد منها ولا يحصل من ورائها شيء يعني مع حصول الرعب الذي يكون في قلوب الأعداء، «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذا الباب يعني أن الإنسان عندما يأتي وقت الصلاة فإن كان الماء موجودا فإنه يتوضأ به وإذا كان غير قادر على استعماله لمرض أو غير ذلك فإنه يتيمم ويأتي بما أوجبه الله عليه من الصلاة ولهذا قال: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» يعني بعد أن يتيمم يعني حيث كان عادما للماء أو موجودا ولكنه غير قادر على استعماله فإنه يعدل عن الأصل الذي هو استعمال الماء إلى التيمم وقد جاء في بعض الروايات «وجعلت تربتها لي طهورا» كما ذكرها عن أحمد في آخر الحديث ولكنها أيضا هذه الرواية أو هذا المعنى جاء في صحيح مسلم حيث قال ﷺ : «وجعلت تربتها لنا طهورا» فدل هذا على أن هذه الرواية التي ذكرها في الآخر عن أحمد هي موجودة في صحيح مسلم والتعبير بالتربة لا يعني ذلك أن الاستعمال لا يكون إلا للتربة وإنما الحكم هو أن الإنسان عندما يأتي وقت الصلاة وليس عنده ماء فإنه يتيمم على الأرض الذي هو عليها سواء كانت ترابية أو غير ترابية ولكنه ذكر التراب لأنه هو الغالب في الأرض الغالب في الأرض أنها ترابية لكن قد تكون يعني أرض جبلية والإنسان يكون في محل ليس فيه تراب فإنه يتيمم على الأرض التي هو فيها ولا يكون الحكم مقصورا على التراب وما جاء في بعض الروايات لا يعني الاقتصار عليه لأنه هناك قاعدة مشهورة في هذا الباب وهي أن الحكم العام إذا أطلق على بعض أفراده فإنه لا يقصر حكمه عليه يعني الحكم العام الذي هو كونه جعلت الأرض مسجدا وطهورا يعني هذا يشمل التراب وغير التراب وقد جاء التنصيص على التراب في بعض الروايات فلا يعني القصر عليه لأن القاعدة المشهورة أن الحكم العام إذا ذكر بعض أفراده فإنه لا يقتصر عليه وإنما يكون نص عليه لكونه الغالب يعني في الأرض أنها ترابية وإلا فإن الإنسان قد يكون في أرض جبلية يكون في أرض لا تراب فيها فإن عموم الحديث في قوله: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» أي بعد أن يتيمم يعني يتيمم على الأرض التي هو فيها فإذًا ذكر التربة لا يعني الاقتصار عليها وإنما ذكر التنصيص عليها لكون الغالب على الأرض أنها ترابية هذا هو وجه الاقتصار ووجه الاختصاص وذكر التربة دون غيرها، «وأحلت لي الغنائم» هذه من خصائص هذه الأمة أنها أحلت لها الغنائم بخلاف الأمم السابقة فإنها لم تحل لهم الغنائم وهذا من خصائص هذه الأمة أمة محمد ﷺ فإنها ميزت عن الأمم السابقة بأن الأمم السابقة لم تحل لهم الغنائم وإنما إذا جمعت الغنائم تأتي نار وتحرقها وأما هذه الأمة فإن الله رخص لهم في الغنائم وجعلها يستفيدون منها ويستعينون بها على الجهاد وعلى غير الجهاد، «وأعطيت الشفاعة» وهذه الشفاعة (أل) يعني الشفاعة العظمى التي فيها إراحة الناس من الموقف فإن هذه هي الشفاعة التي اختص بها رسول الله ﷺ وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون لأن الناس إذا كانوا في صعيد واحد يموج بعضهم في بعض والعرق يتفاوتون فيه بحسب أعمالهم منهم من يلجمه ومنهم من يكون إلى صدره ومنهم من يكون إلى حقوته ومنهم من يكون إلى ركبته على حسب أعمالهم فإنهم يذهبون إلى آدم ويعتذر ثم يذهبون إلى نوح ويعتذر ثم يذهبون إلى إبراهيم فيعتذر ثم يذهبون إلى موسى فيعتذر ثم يذهبون إلى عيسى فيعتذر ثم يحيلهم إلى نبينا محمد ﷺ فيقول أنا لها ويتقدم ويشفع ويشفِّعه الله ويأتي للفصل بين العباد ولهذا قيل لها المقام المحمود لأنه يحمده عليها الأولون والآخرون كلهم استفادوا من شفاعته من لدن آدم إلى لدن الذين قامت عليهم الساعة كلهم استفادوا من شفاعة النبي ﷺ وقيل أيضا مما اختص به ﷺ أنه يشفع في الخروج من النار لمن لم يكن عنده إلا أصل التوحيد يعني ليس عنده أعمال وإنما عنده التوحيد فقط وعنده شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإنه الله تعالى يشفعه ولهذا يأتي كثيرا بعد ذكر حديث الشفاعة العظمى حديث المقام المحمود أنه يذكر بعد ذلك الشفاعة في الإخراج من النار وقد بين ﷺ أنه قال: «كل نبي أعطي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة لمن كان لا يشرك بالله شيئا»، «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» كل رسول بعث إلى قومه وأما نبينا محمد ﷺ فأرسل إلى الثقلين الجن والإنس فرسالته وشريعته اتصفت بصفات ثلاث الكمال، والبقاء والخلود، والعموم والشمول فهي شاملة لكل أحد شاملة للجن والإنس كل إنسي وجني من حين بعثته ﷺ إلى قيام الساعة فهو من أمة محمد -صلى الله عليه
وسلم- كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار» فرسالته عامة للثقلين الجن والإنس ولا يخرج أحد من رسالته من حين بعثه الله إلى قيام الساعة فكل من لم يؤمن به ومات غير مؤمن به فليس أمامه إلا النار.
стр. 141
١٢٩ - وَعَن عمار بن يَاسر قَالَ: " بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ َ فِي حَاجَة فأجنبت فَلم أجد المَاء فتمرغت فِي الصَّعِيد كَمَا تمرغ الدَّابَّة ثمَّ أتيت النَّبِي ﷺ َ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تَقول بيديك هَكَذَا، ثمَّ ضرب بيدَيْهِ الأَرْض ضَرْبَة وَاحِدَة ثمَّ مسح الشمَال عَلَى الْيَمين وَظَاهر كفيه وَوَجهه " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ لمُسلم، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: " وَضرب ﷺ َ بكفيه الأَرْض وَنفخ فيهمَا ثمَّ مسح بهما وَجه وكفيه ".
ثم ذكر كيفية التيمم وذكر عمار بن ياسر ﵁ أن الرسول ﷺ بعثه في حاجة فأجنب قال فتمرغت كما تمرغ الدابة في الصعيد -يعني
تمرغ في الأرض وكأنه فهم القياس لأنه لما علم بأن التيمم يكون بدل الماء والماء غير موجود فظن أن الطريقة التي يتطهر بها من الجنابة في التيمم أنها موافقة للطريقة التي يكون بها الاغتسال لأن الاغتسال يكون لجميع الجسد ففهم منه أن التيمم شامل لجميع الجسد ولهذا تمرغ بالتراب كما تمرغ الدابة يعني حتى يصيب التراب جميع جسده فاجتهد والرسول ﷺ أقره على ذلك وقال- إنما كان يكفيك -يعني بدل أن تفعل هذا بجسدك كله- يكفيك أن تضرب بيديك الأرض وتمسح وجهك وظاهر كفيك- فالرسول ﷺ أقره على هذا ولم يقل أعد فدل هذا على الاجتهاد وأن الصحابة ﵃ كانوا يجتهدون في زمانه ﷺ وأنه إذا بلغه حالهم فإنه يبين لهم ﷺ والرسول ﷺ بين له قال- إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا -وهذا فيه دليل على القياس وعلى أن القياس معتبر وأن الصحابة كانوا يستعملون القياس لأن عمار ﵁ تمرغ كما تمرغ الدابة قياسا للتيمم على الاغتسال بالماء وأقره الرسول ﷺ على ذلك لكن في المستقبل ليس لأحد أنه يفعل مثل هذا الفعل لأنه عرف بيان ذلك بسنة الرسول ﷺ وعرف الحكم الشرعي بسنة الرسول ﷺ وأنه يكفيه أن يضرب بكفيه الأرض ويمسح ظاهر كفيه ووجهه هذه هي الصفة التي تكون للتيمم من الحدث الأصغر والأكبر، الحدث الأصغر والأكبر الطريقة فيه واحدة وهي أنه يتيمم بهذه الطريقة لكن ليس لأحد في المستقبل أن يفعل كما فعل عمار ﵁ لأنه اجتهد ولم يكن يعرف التفصيل ولم يعرف السنة من رسول الله ﷺ فبعد معرفتها ليس لأحد أن يفعل كما يفعل عمار ﵁ وإنما يفعل ما أرشد إليه الرسول ﷺ عمارا رضي الله بأن قال: إنما يكفيك أن تفعل هكذا، ثم ذكر رواية البخاري التي فيها ذكر النفخ ولعل النفخ سببه من أجل أنه علق بيده شيء من التراب أو يعني أنه غبار كثير إذا مسح بوجهه يظهر أثره على وجهه فنفخ حتى يخفف أو حتى يزول هذا في يده مما علق بها مما قد يكون يقع على وجهه عند مسح الوجه فالرسول ﷺ نفخ يعني حتى يخف الغبار أو حتى يذهب التراب الذي … علق بيديه ﷺ .
стр. 142
١٣٠ - وَعَن هِشَام بن حسان، عَن مُحَمَّد [بن] سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَإِن لم يجد المَاء عشر سِنِين، فَإِذا وجد المَاء فليتق الله وليمسه بَشرته فَإِن ذَلِك خير لَهُ " رَوَاهُ الْبَزَّار، (وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِسْنَاده صَحِيح، وَأرَى الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: (الصَّوَاب أَنه مُرْسل)، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي حَدِيث أبي ذَر: (ضَعِيف)، (وَهُوَ غَرِيب من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَله عِلّة، وَالْمَشْهُور فِي الْبَاب حَدِيث أبي ذَر الَّذِي صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره)).
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته»
وهذا حديث صحيح وهذا يدل على أن الصعيد الذي هو ما يتصاعد من الأرض إذا ضرب على الأرض أنه وضوء المسلم يعني أنه يقوم مقام وضوئه لأنه إذا عدم الماء أو وجد ولكنه لم يقدر على استعماله فإن صعيده يقوم مقام وضوئه لأن التيمم بدلا عن الوضوء فإذا عدم الماء أو وجد ولكن لم يقدر على استعماله فإن الإنسان يصير إلى التيمم وهو وضوئه ولو لم يجد الماء عشر سنين هذا مبالغة وأنه لو كثر ولو استمر فإن هذا هو الحكم يعني ليس الحكم لمدة قصيرة أو مدة محددة معينة بل لو طالت لكنه إذا وجد الماء وحصل الماء فإنه يغتسل، فليمسه بشرته فإذا وجد الماء بعد ذلك فإنه يغتسل لأنه كان بعد ذلك عليه جنابات وعليه أشياء تقع على جسده هذه المدة الطويلة يكون على جسده أشياء وأوساخ وأقذار فإن عليه أن يستعمل الماء وأن يغتسل عندما يحصل الماء ولو مكث مدد طويلة ولو مكث عشر سنين كما جاء في هذا الحديث وهذه العشر ذكرها للمبالغة وبيان أنه حتى لو حصل هذه المدة فإن عليه أن يستمر إلى هذه المدة وكذلك أيضا يحصل منه استعمال الماء والاغتسال بالماء يعني إذا وجده بعد ذلك، والحديث صحيح ذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة.
стр. 143
١٣١ - وَعَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: " خرج رجلَانِ فِي سفر فَحَضَرت الصَّلَاة وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاء فتيمما صَعِيدا طيبا فَصَليَا ثمَّ وجدا المَاء فِي الْوَقْت فَأَعَادَ أَحدهمَا الصَّلَاة وَالْوُضُوء وَلم يعد الآخر ثمَّ أَتَيَا رَسُول الله ﷺ َ فذكرا ذَلِك لَهُ، فَقَالَ للَّذي لم يعد: أصبت السّنة وأجزأتك صَلَاتك، وَقَالَ للَّذي تَوَضَّأ وَأعَاد: لَك الْأجر مرَّتَيْنِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَتكلم عَلَيْهِ، وَالْحَاكِم (وَقَالَ: (عَلَى شَرطهمَا) وَفِي قَوْله تساهل، وَقَالَ أَبُو دَاوُد (وَذكر أبي سعيد هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِمَحْفُوظ)).
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله ﷺ وهو أن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ذهبا يعني في حاجة أو في مهمة وأنهما حصل منهما أنهما صليا بالتيمم ثم وجدا الماء في الوقت فأحدهما اجتهد ولم يعد الصلاة لأنه قد أدى ما عليه والثاني اجتهد وأعاد الصلاة فالرسول ﷺ لما جاؤوا إليه وأخبروه الخبر قال للذي لم يعد الصلاة: «أصبت السنة» يعني أنك أديت ما عليك وفعلت الشيء الذي عليك وهو أنك صليت بالتيمم لأنك فقدت الماء فأنت أصبت السنة وأديت ما عليك وأبرأت ذمتك والذي عليك وهو الصلاة أديته وأما الآخر فرأى أن ذلك لا يكفي وأنه لما وجد الماء عليه أن يتوضأ فتوضأ وصلى فقال له: «لك الأجر مرتين» لاجتهاده مرة لكون الصلاة التي صلاها قبل أن يجد الماء والمرة الثانية من أجل الصلاة التي فعلها بعد ما وجد الماء فهذا يدل على أنه أُجر على عمله الأول وعلى عمله الثاني لكن تبين بهذا أن السنة هو ما قاله الرسول ﷺ للأول قال أصبت السنة وعلى هذا فإن من حصل منه ذلك في المستقبل ليس له أن يجتهد
وإنما عليه أن يفعل ما أرشد إليه الرسول ﷺ من قوله أصبت السنة ليس لأحد أن يفعل فعل هذا الذي فعله الثاني الذي صلّى مرتين وإنما عليه أن يفعل ما أقر النبي ﷺ الرجل الأول الذي لم يعد الصلاة لأنه أدى ما عليه وحصل منه أداء ما عليه والحديث صحيح وقد ذكره الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود.
стр. 144
١٣٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وآخر الحديث: «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» وأتى بهذه الجملة التي هي قوله: «إذا أمرتكم بأمر» يعني فيه الإشارة إلى أنه لما أمر الناس بأنهم يتوضؤون ويصلون فإنهم يتوضؤون ويصلون كما أمروا والصلاة إذا كان الإنسان قادر على أن يأتي بها على القيام ليس له أن يأتي بها عن جلوس وإذا كان يقدر على الجلوس ليس له أن يصلي وهو مضطجع ولهذا جاء عن النبي ﷺ في حديث عمران بن حصين ﵁: صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب، الأوامر يأتي بها الإنسان على قدر طاقته لأنه لما ذكر الوضوء وذكر الصلاة وذكر التيمم ذكر أن الإنسان على حسب طاقته يعني يفعل هذا الشيء لا يكلف الله نفسا إلا وسعها صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب، الأوامر يؤتى بها على قدر الطاقة لأنها قد تستطاع وقد لا تستطاع وأما النواهي فلم يتقيد بالاستطاعة ما قال وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه لأن الترك مستطاع كل يستطيع أن يترك لكن ليس كل يستطيع أن يفعل المأمور لأنه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه فمثلا لو قيل لإنسان احمل هذه الصخرة صخرة كبيرة إن استطاع أن يحملها يحملها وإذا ما استطاع يتركها في مكانها لكن إذا قيل لا تدخل مع هذا الباب لا يدخل مع الباب لأن الترك مستطاع ما يقول والله أنا لازم أدخل فإذا قيل لا تدخل ولا تخرج مع هذا الباب فإنه يقدم على هذا ولا يحصل منه لأن الترك مستطاع وإنما الذي قد لا يستطاع الفعل فقد يستطاع وقد لا يستطاع إذًا ذكر هذا الحديث يعني هذه القاعدة التي فيها أن كل ما أمر بأمر يأتي به على قدر طاقته لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وأما الترك فإنه مستطاع وليس لأحد أن لا يجتنب المحظور لأنه قادر عليه ولأنه متمكن منه.
стр. 145
باب الحيض
الدرس الخامس عشر:
ذكر أحاديث عديدة في هذا الباب
следующие страницы →