← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العليم ومن أسمائه الحسنى : العليم .. والعالم .. والعلام. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ [التوبة: ٧٨]. الله ﵎ هو العليم، الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، أحاط علمه بالعالم العلوي والعالم السفلي، يعلم وحده الظواهر والبواطن، ويعلم الجهر وما يخفى. وهو سبحانه العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، والعالم بالغيوب دون جميع خلقه، العليم من غير تعليم بجميع ما في الكون، عالم الغيب والشهادة فلا يخفى عليه شيء: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد: ٨ - ١٠]. وهو سبحانه العالم بما كان وما يكون قبل كونه، لم يزل عالماً، ولا يزال عالماً بما كان وما يكون وما سيكون، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، العليم الذي له وحده العلم التام الكامل الشامل الواسع كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ ... [طه: ٩٨]. وهو سبحانه العالم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء مهما كان، وفي أي مكان، العليم بكل شيء من المخلوقات والأفعال، والحركات والسكنات والأحوال.

стр. 177

فالله وحده العليم الذي يعلم مثاقيل الجبال .. ومكاييل البحار .. وعدد ورق الأشجار .. وعدد قطر الأمطار .. وعدد ذرات الرمال .. ويعلم مقادير الحبوب والثمار .. وما أظلم عليه الليل .. وما أشرق عليه النهار .. لا تواري منه سماءٌ سماءً .. ، ولا أرضٌ أرضاً. ولا جبل ما في وعره .. ولا بحر ما في قعره: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. وهو سبحانه العليم بكل شيء، المحيط بكل شيء، الذي لا يخفى عليه شيء، الذي يعلم عدد أهل السماء .. وعدد أهل الأرض .. ويعلم عدد الملائكة والروح .. وعدد الإنس والجن .. وعدد الطير والحيوان .. ويعلم عدد ذرات التراب .. وعدد النبات والأشجار .. وعدد الحبوب والثمار .. وعدد الحروف والكلمات. وهو سبحانه الذي يعلم عدد المؤمنين .. وعدد الكافرين .. ويعلم من يطيعه ومن يعصيه .. ويعلم المؤمن من المنافق .. والبر من الفاجر .. والصادق من الكاذب. وهو سبحانه الذي يعلم أهل الجنة من أهل النار .. ويعلم المفسد من المصلح .. ويعلم من يستحق الهدي فيهديه .. ومن يستحق الضلالة فيضله .. ويعلم من يستحق الإكرام فيكرمه بطاعته وجنته .. ومن يستحق الإهانة فيهينه، ويعلم الظاهر والباطن: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣، ١٤]. وهو سبحانه العليم الذي يعلم كل شيء علماً مطلقاً شاملاً كاملاً، يعلم الظاهر والباطن، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم، وهو عليم بذات الصدور، أحصى كل شيء عدداً، وأحاط بكل شيء علماً: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]. والخلق لا يحيطون علماً بالخالق ﷻ ، فلا يعلمون شيئاً عن ذاته

стр. 178

وأسمائه وصفاته وأفعاله إلا ما أطلعهم الله عليه عن طريق رسله، وكتبه المنزلة. ولا أحد من الخلق يعلم شيئاً من العلم إلا بتعليم الله لهم، ولهذا قالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢]. وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ ... [النساء: ١١٣]. وعلمُ الله ﵎ كامل لا يعتريه نقص أبداً، مطلق لا يحده شيء، واسع شامل لكل شيء، محيط بجميع المخلوقات في الأرض والسماء، لايعزب عنه مثقال ذرة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وهو سبحانه بكل خلق عليم، لا يشغله علم عن علم، كما لا يشغله سمع عن سمع، وأنى للبشر مثل هذه الصفات، فهم يولدون جهلة لا يعلمون شيئاً، ثم يتعلمون شيئاً فشيئاً: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ ... [النحل: ٧٨]. وجميع المعلومات التي علمها الله بني آدم لو أعطيت لشخص، ثم كان البشر كلهم على مثل علم ذلك الشخص، لكان هذا العلم كله كالذرة بالنسبة للعلم الإلهي الواسع الشامل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. فالخلق لا يعلمون شيئاً إلا ما أذن الله لهم أن يعلموه، وهو وحده سبحانه الذي له الكمال المطلق، والعلم المطلق، وقد وهب الله سبحانه المعرفة للإنسان منذ أراد إسناد الخلافة إليه في الأرض، وعلمه الأسماء كلها، ووعده بأن يريه آياته في الآفاق والأنفس، وكل ما يلزم له في خلافة الأرض كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ ... [فصلت: ٥٣]. والله حكيم عليم، فبقدر ما أذن الله للإنسان في شيء من العلم، وكشفه له، وأطلعه عليه، بقدر ما زوى عنه أبواباً من العلم، وأسراراً أخرى، لا حاجة له بها

стр. 179

في خلافة الأرض. فزوى عنه سر الحياة .. وسر الموت .. وسر الروح .. وسر العقل .. وسر الساعة .. وسر اللحظة القادمة .. وسر الخلق .. وكل ذلك غيب لا سبيل إليه .. والستر المسدل دونه كثيف .. لا يستطيع الإنسان رفعه أو كشفه .. فلا يعلمه إلا الله الذي أحاط بكل شيء علماً .. وعنده علم كل شيء: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ ... [لقمان: ٣٤]. والله سبحانه له مع الخلق العظيم، والهيمنة التامة، له العلم الشامل اللطيف، المحيط بكل شيء، فهو الذي: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤]. ففي كل لحظة يلج في الأرض بأمر الله ومشيئته ما لا عداد له ولا حصر من شتى أنواع الأحياء والحبوب والأشياء، ولا يعلم ذلك كله إلا الله وحده. وفي كل لحظة يخرج من الأرض ما لا عداد له ولا حصر، من خلائق لا يعلمها إلا الله وحده من النباتات والأشجار والحيوان والمعادن والمياه والغاز. وفي كل لحظة ينزل من السماء من الأمطار والأشعة والشهب والملائكة والأقدار والأسرار والأوامر وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله وحده. وفي كل لحظة يعرج فيها من المنظور والمستور، والملائكة والأرواح وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله وحده. والله سبحانه محيط بكل شيء، عليم بكل أحد، فهو مع كل أحد، مطلع على ما يعمل الخلق، بصير بالعباد، لا يخفى عليه شيء من أمرهم: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧]. إن هذه حقيقة مؤنسة من جانب .. مذهلة مرهبة من جانب آخر. مذهلة بروعة جلال الرب، مؤنسة بظلال القربى، وهي كفيلة حين يحسها

стр. 180

القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتطهره، وتدعه مشغولاً بها عن كل أعراض الأرض وزينتها، كما تدعه في حذر دائم، وخشية دائمة، مع الحياء والتحرج من كل دنس، ومن كل جهالة، ومن كل غفلة: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ [الأحزاب: ٥٤]. فمتى تؤوب هذه الأنفس الشاردة إلى ربها؟ .. ومتى تفر إليه؟ .. ومتى تستحي منه؟ .. ومتى توقره وتعظمه؟. إنها تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها، الذي يعلم ما بين أيديها وما خلفها، ويعلم سرها وجهرها، ويعلم ما يحيط بها من ماض وآت، مما لا تعلمه هي ولا تدريه. فما أجدر الإنسان الذي يقف عرياناً بكل ما في سريرته أمام الملك الديان، ويتقلب في نعمه ليله ونهاره، ويبارزه بالمعاصي في أرضه بلا حياء ولا خوف، ما أجدره أن يتوب إلى ربه الذي خلقه وصوره، وأكرمه ونعمه، وما أحراه أن يستسلم لمن يعرف ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ ... [الحديد: ١٦]. والله سبحانه أعلم بما في نفوس العالمين، وأعلم بمن ضل عن سبيله، وأعلم بمن اهتدى، وأعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بما يكتمه الناس، وأعلم بمن في السموات والأرض، وأعلم بمن هو أهدى سبيلاً، وأعلم بأقوال العباد وأفعالهم، وأعلم بأنفاسهم وكلامهم، علام الغيوب، العليم بذات الصدور. وهو سبحانه السميع العليم، الشاكر العليم، العليم الحكيم، العزيز العليم، العليم الحليم، العليم القدير، العليم الخبير. فسبحانه ما أعظم ذاته، وما أعظم أسماءه، وما أعظم صفاته، وما أوسع علمه. يعلم ما كان وما يكون وما سيكون .. ويعلم ما كان قبل أن يكون .. وكل علم علمه الخلق فمن أثار علمه .. وكل رحمة في المخلوقات فمن آثار رحمته ..

стр. 181

وكل حكمة في الكون فمن آثار حكمته. فما أسفه وأجهل الذين لا يعرفون ربهم، ويظنون أن الله لا يعلم أحوالهم وسرهم ونجواهم، ومن ثم يبارزونه بالمعاصي ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ [التوبه ٧٨]. وكل شيء من الأقوال والأعمال معلوم للرب ... مكتوب في صحائف العبد ... وكل حسنة لها مقابل من الثواب .. وكل سيئة لها مقابل من العقاب ... وكل ذلك مكتوب في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها. فما أخطر الجهل بالله ودينه والغفلة عنه. وما أعظم الحسرة والندامة، والخزي والفضيحة، حين تعرض أعمال العبد السيئة على ربه، ويرى الانسان نفسه وهو يزاول تلك الأعمال التي يسود لها وجهه، وينخلع لها قلبه يوم القيامة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨] اللهم يا عليم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع .. ومن قلب لا يخشع .. ومن دعاء لا يسمع .. ومن نفس لا تشبع.

стр. 182

السميع ومن أسمائه الحسنى : السميع. قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ ... [المجادلة: ١]. الله ﵎ هو السميع لأقوال عباده، وما ينطق به خلقه من قول، يسمع السر والنجوى، سواء عنده الجهر والخفوت، والنطق والسكوت: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ [الأعلى: ٧]. وهو سبحانه السميع، الذي له السمع الكامل الشامل المطلق، يسمع جميع الأصوات على اختلاف الألسن واللغات والحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، وسمعه ليس كسمع أحد من خلقه، لأن سمع الله مستغرق لجميع المسموعات، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخفي، وكثر وتداخل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وهو سبحانه السميع لدعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم، على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، يعلم سبحانه ما في قلب القائل قبل أن يقول، ويعجز القائل عن التعبير عن مراده، فيعلم الله ما في قلبه فيعطيه سؤله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ [الملك: ١٣]. والله ﷻ سميع بصير، سميع عليم، سميع قريب، لأنه محيط بالمخلوقات كلها، لا يفوته شيء منها، ولا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات والأرض، وجميع الخلائق تحت سمعه وبصره وعلمه، يسمع أقوالهم، ويرى أعمالهم، وهو السميع الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة.

стр. 183

أحصى أقوال العباد وأفعالهم، من الطاعات والمعاصي، والحسنات والسيئات، ثم يجازيهم على ذلك في الآخرة: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. والله سبحانه هو السميع الذي يسمع كل شيء وإن دق وخفي، يسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، السميع الذي يسمع من يدعوه ويناجيه، فيجيب الدعاء، ويكشف السوء، ويقبل الطاعة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ ... [البقرة: ١٨٦]. وقد دعا يوسف (ربه أن يصرف عنه كيد النسوة: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ ... [يوسف: ٣٤]. وإذا كان الله يسمع ما أسررنا وما أعلنا، فما أجدر العاقل أن يذكر الله بقلبه ولسانه، ويكثر من تلاوة كتابه، ويقوم بما يحبه الله من الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحمد الله وشكره على نعمه وإحسانه. ويحذر ما يبغضه الله من الغيبة والنميمة، والكذب وقول الزور، فالكل مسموع، والكل محفوظ، والكل مسؤول عنه. وكل علم في العالم فواهبه العلماء العليم سبحانه، فهو الذي خلق الانسان وعلمه وكل سميع في العالم فواهبه السمع هو السميع الذي خلق الانسان، وشق سمعه وبصرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الانسان: ٢]. والله سميع وسمعه سبحانه صفة ذاتية له، وسمع الله كامل مطلق، وهكذا سائر أسمائه وصفاته.

стр. 184

أما سمع المخلوق فهو ناقص محدود تصيبة الآفات والامراض. ولو أعطى الله واحدا من البشر مثل سمع جميع البشر، ثم جعلت المخلوقات كلها على قوة ذلك السمع، لكان ذلك بالنسبة لسمع الله كالذرة بالنسبة للجبل بل أقل. فسبحان سامع الأصوات كلها في آن واحد، لا يشغله سمع عن سمع، على اختلاف اللغات والأصوات والأشخاص والأماكن والازمان.

стр. 185

البصير ومن أسمائه الحسنى : البصير. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشورى: ١١، ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحجرات: ١٨]. الله ﵎ هو البصير، الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، يبصر ما تحت الأرضين السبع، كما يبصر ما فوق السموات السبع، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. وهو سبحانه العالم البصير بخفيات الأمور، وبالمستور والمنظور، الخبير بعباده، وبأحوالهم وأفعالهم، العليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، الذي يعلم المؤمن من الكافر، والبر من الفاجر: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ ... [آل عمران: ١٦٣]. والله بصير بأحوال العباد، وما يصلحهم، خبير بما في نفوسهم، يعطيهم ما ينفعهم، ويرزقهم ما يصلحهم ويكفيهم: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ ... [الشورى: ٢٧]. وهو سبحانه البصير الذي لا يخفى عليه شيء من ملكه في السماء والأرض، وفي الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٥، ٦]. والله بصير بكل شيء، القريب والبعيد، والكبير والصغير، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض من الأشياء والأقوال والأفعال، والحركات والسكنات: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ

стр. 186

عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ ... [يونس: ٦١]. والله ﷻ هو الخلاق العليم، خلق لعباده السمع والأبصار والأفئدة، وجعلها أمانة لديهم، فمن استعملها في طاعته أثابه الله، ومن استعملها في معصيته عاقبه عليها: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. وهو سبحانه البصير، الذي لا تدركه الأبصار، لعظمته وجلاله وكماله، والأبصار وإن كانت تراه يوم القيامة إلا أنها لا تدركه، ولا تحيط به لعظمته وكبريائه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ ... [الأنعام: ١٠٢، ١٠٣]. فحقيق بالعبد الذي خلقة الله في أحسن تقويم، وأكرمه بالسمع والبصر والعقل، وأرسل اليه رسوله بالدين الكامل، أن يعبد الله بدينه الذي شرعه، ليسعد في دنياه وآخرته. وأن يعرف كذلك أن ربه يراه، وأنه مسؤول عما قاله وفعله، وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته. فالعاقل من استعمل قلبه ولسانه بذكر الله .. واستعمل جوارحه في طاعة الله ... وكفها عن معصية الله. إن المؤمن حقاً إذا علم أن ربه مطلع عليه، استحى أن يراه على معصية، أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه كذلك أحسن عمله وعبادته، وأخلص فيها لربه وخشع، وعبد الله بأحسن ما يستطيع، وتجمل له، وناجاه كأنه يراه. فالاحسان أعلى مراتب الدين وهو «أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ» متفق عليه (١).

стр. 187

الحكيم ومن أسمائه الحسنى : الحكيم .. والحاكم .. والحكم. قال الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الحديد: ١]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾ [يونس: ١٠٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]. الله ﵎ هو الحكيم، الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، الحكيم في أقواله وأفعاله، الذي يضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله وعلمه. وهو سبحانه أحكم الحاكمين الذي لا يجور، ولا يظلم أحداً. وهو سبحانه الحكم الذي لا حكم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه، الذي سلم له الحكم، ورد إليه فيه الأمر، المحمود على حكمه بين العباد في الدنيا والآخرة. الذي له الحكم القدري على الكائنات كلها، الذي أثره جميع ما خلق وذرأ وبرأ في العالم العلوي والسفلي. وله الحكم الديني الشرعي، الذي أثره جميع الشرائع، والأوامر والنواهي الموجهة إلى الإنس والجن. وله الحكم الجزائي في الآخرة، الذي أثره الثواب والعقاب للعباد: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص: ٧٠]. والله هو الحكيم العليم، الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، والذي يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد، وتحريم ما أراد، وإيجاب ما شاء،

стр. 188

ومنع ما شاء، حكمه في الخلق نافذ، فليس لأحد أن يرده أو يبطله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾ [الرعد: ٤١]. وكلام الله حكيم ومحكم، فهو كلام رب العالمين، وأحكم الحاكمين: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]. والقرآن الكريم كتاب الله ، الكتاب الذي ليس بعده كتاب، وصفه الله سبحانه بالقرآن العظيم، والقرآن الكريم، والقرآن المجيد، والكتاب العزيز، والقرآن الحكيم، لأنه الكتاب الذي أنزله الله ليكون تشريعاً عاماً كاملاً للمجتمعات والأفراد والحكام إلى يوم القيامة: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]. فالقرآن كلام الله .. وهو كتاب عظيم جامع لأوصاف الكمال .. منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء .. حكيم في أسلوبه .. حكيم في هدايته ورحمته .. وحكيم في بيانه وتفسيره .. وحكيم في تشريعه وأحكامه .. وحكيم في وعده ووعيده .. وحكيم في كل ما اشتمل عليه. أنزله الحكيم في خلقه وأمره، الذي يضع كل شيء في موضعه، الحميد على ماله من صفات الكمال ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإنصاف. فلهذا كان كتابه مشتملاً على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وذلك يقتضي تحكيم كتاب الله ﷻ في جميع شئون الحياة، لأن ما شرعه الله في كتابه من الأحكام والمعاملات، والآداب والأخلاق، والحدود والشرائع في منتهى الحكمة والعدل، لأنه تشريع الحكيم العليم الخبير، الذي لا يدخل حكمه نقص ولا خلل ولا زلل، وقضاء من لا يخفى عليه مواضع

стр. 189

المصلحة في البدء والعاقبة. فكيف يعرض الناس عنه إلى غيره؟: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. ويجب على الحكام أن يحكموا بين الناس بما أنزل الله، ولايتعدوا حكم الله الذي شرعه لهم كما قال سبحانه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. والله حكيم عليم، يؤتي الحكمة من يشاء من عباده، والحكمة هي إصابة الحق في الأقوال والأفعال، وهي من أعظم النعم: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ ... [البقرة: ٢٦٩]. وقد امتن الله على من شاء من عباده من الأنبياء والمتقين فآتاهم الحكمة كما قال سبحانه ممتناً على محمد ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ ... [لقمان: ١٢]. وخَلقُ الله كلُّهُّ محكم متقن لا خلل فيه ولا قصور. والله ﵎ خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادته ﵎ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ ... [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وهو سبحانه الحاكم في خلقه وحده؟ قضاءً وقدراً .. خلقاً وتدبيراً .. وهو سبحانه الحاكم فيهم بأمره ونهيه .. وثوابه وعقابه.

стр. 190

فهو الحاكم وحده: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف: ٢٦]. والله ﵎ أحكم الحاكمين كما قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] وحكمه سبحانه يتضمن نصره رسوله على من كذبه ... وحكمه بين العباد في الدنيا بشرعه وأمره ... وحكمه بينهم في الاخرة بثوابه وعقابه. وأحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعدما ظهرت حكمته في خلق الانسان في أحسن تقويم، حتى بلغ أكمل الاحوال ... فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن باحسانه، والمسيء بإساءته؟.

стр. 191

اللطيف ومن أسمائه الحسنى : اللطيف. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ [الشورى: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]. الله ﵎ هو اللطيف، الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن، الذي لا تخفى عليه خافية، ووصل علمه إلى كل خفي. وهو سبحانه اللطيف، البر بعباده، الذي يلطف ويرفق بهم من حيث لا يعلمون، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، والذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى أعلى المراتب بأسباب لا تخطر على باله، حتى أنه يذيقه المكاره ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة، والمقامات النبيلة: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ [الشورى: ١٩]. وهو سبحانه العالم بكل شيء، الذي لا يفوته من العلم شيء وإن دق وصغر وخفي، حتى الخردلة التي لا وزن لها لا تخفى عليه، لأنه اللطيف الخبير كما قال سبحانه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ ... [لقمان: ١٦]. وإذا علم العبد أن ربه متصف بكمال العلم بكل صغيرة وكبيرة، حاسب نفسه على أقواله وأفعاله، وراقب ربه في حركاته وسكناته، فإن العبد مكشوف بين يدي اللطيف الخبير، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء كما قال سبحانه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣، ١٤]. والله هو اللطيف بعباده، كثير اللطف بهم، بالغ الرأفة بهم، لا يفوته من

стр. 192

أعمالهم شيء، ولا يظلمهم مثقال ذرة، بل يزيد أجور الصالحين من فضله وكرمه، ويعفو عن ذنوب المذنبين بلطفه وعفوه، ويعذب بالذنوب من يشاء من عباده بعدله، وهو بعباده خبير بصير. ومن لطفه بعباده أنه يسوق إليهم أرزاقهم وما يحتاجونه في معاشهم، ومن لطفه خلق الجنين في بطن الأم في ظلمات ثلاث، وحفظه فيها، وتغذيته بواسطة السرة إلى أن ينفصل، ثم إلهامه بعد الانفصال تناول الحليب من الثدي بالفم، ثم تأخير خلق الأسنان إلى وقت الحاجة إليها بعد الفطام. ومن لطفه سبحانه فلق البيضة عن الفرخ، وإلهامه التقاط الحب في الحال. فسبحان اللطيف الذي لطف أن يُدرك بالكيفية، اللطيف الخبير بأحوال الخلائق، اللطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم، اللطيف بهم في أرزاقهم، حيث جعل رزق العبد من الطيبات، وقدر جميع رزقه لم يدفعه اليه مرة واحدة فيبذره: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وسبحان اللطيف بمن لجأ إليه من عباده فيقبله ويقبل عليه، الذي يعطي الجزيل، ويقبل القليل، الذي لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، ولا يخيب من رجاه. فهو سبحانه اللطيف على الكمال، وكل لطف في العباد إنما هو من عند ربهم، وهو اللطيف الذي يعلم الأشياء الدقيقة، ويوصل الرحمة إلى العباد بالطرق الخفية التي لا تخطر بالبال. فما يبتلي الله به عباده من المصائب .. وما يأمرهم به من المكاره .. وما ينهاهم عنه من الشهوات .. هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل، كما ابتلى يوسف ﷺ بالسجن فصبر فأعطاه الملك .. وابتلى ابراهيم ﷺ بذبح إسماعيل فصبر وأطاع .. فجعل ذريته هم الباقين .. وجعل منهم أئمة يهدون ويدعون إلى الخير إلى يوم القيامة.

стр. 193

الخبير ومن أسمائه الحسنى : الخبير. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ: ١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ [التحريم: ٣]. الله ﵎ هو العليم الخبير، الذي لا يخفى عليه شيء، ولا تعزب عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري شيء في الملك والملكوت إلا ويعلمه، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا بعلمه، ولا يضطرب نفس ولا يطمئن إلا ويكون عنده خبره، ذلك: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ [الأنعام: ٧٣]. والله بكل شيء عليم، خبير بما كان وما يكون وما سيكون: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. وهو سبحانه العليم بسرائر العباد، وضمائر قلوبهم، الخبير بأمورهم، الذي لا يخفى عليه منهم شيء، الخبير بكل ما يعملونه من الطاعات والمعاصي، والحسنات والسيئات، الخبير بنيات العباد وأقوالهم وأفعالهم، وما يجول في صدورهم من خير وشر: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨]. والله خلق البشر كلهم من آدم وحواء .. وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء .. وفرَّقهم في الأرض .. وأرسل إليهم الرسل .. وأنزل عليهم الكتب .. ودعاهم إلى الإيمان .. وجعل أكرمهم عند الله أتقاهم كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 194

النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات ١٣]. فالله عليم خبير بمن يتقية ظاهراً وباطناً ممن يتقيه ظاهراً لا باطناً فيجازي كلاً بما يستحق.

стр. 195

الحليم ومن أسمائه الحسنى : الحليم. قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. الله ﵎ هو الغني الحليم، الذي يدر على خلقه صنوف النعم الظاهرة والباطنة مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، ويحلم عن مقابلة العصاة بمعاصيهم، يستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم، ولكنه غفور حليم، فله الحمد على حلمه وإحسانه. وهو سبحانه العزيز الحليم، ذو الصفح والأناة، الذي لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم، الحليم على من أشرك به وكفر من خلقه في تركه تعجيل عذابه، لعله يتوب إلي ربه. وهو سبحانه الحكيم الحليم، الذي يضع الأمور مواضعها، ولا يؤخرها عن وقتها، ولا يعجلها قبل أوانها. وهو سبحانه الحليم الغفور، الذي يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم ويؤخر، وينظر ويؤجل، ولا يعجل عليهم لعلهم يتوبون، ويستر آخرين ويغفر، ويفرح أشد الفرح بتوبة التائبين. وحِلم الله على عباده، وتركه معاجلتهم بالعقوبة، من صفات كماله، فحلمه ليس لعجزه عنهم، وإنما هو صفح وعفو عنهم، أو إمهال لهم مع القدرة، فإن الله قوي لا يعجزه شيء: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر: ٤٤]. وحلم المولى الكريم ليس عن عدم علمه بما يعمل العباد، بل هو العليم

стр. 196

الحليم، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾ [الأحزاب: ٥١]. وحلم الله عن خلقه ليس لحاجته إليهم، بل هو سبحانه يحلم عنهم ويصفح ويغفر مع استغنائه عنهم، وشدة حاجتهم اليه. وحلم الله ﷻ من صفات كماله، فحلمه على عباده عظيم يتجلى في صبره على خلقه مع كثرة معاصيهم، فهو الغني الكريم الحليم الذي لا يحبس إنعامه وأفضاله وإحسانه عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنه كريم يرزق العاصي كما يرزق المطيع، ويبقيه وهو منهمك في معاصيه، كما يبقي البر التقي. وقد يقيه بل وقاه الآفات والبلايا وهو غافل لا يذكره، فضلاً عن أن يدعوه ويشكره، كما يقيها الناسك الذي يؤمن به، ويسأله ويعبده. قال النبي ﷺ : «لَيْسَ أحَدٌ، أوْ لَيْسَ شَيْءٌ أصْبَرَ عَلَى أذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَداً، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» متفق عليه (١). وذنوب العباد عظيمة كبيرة كثيرة، ولو عجل الله عقوبة العصاة أولاً بأول، ما بقي على ظهر الأرض أحد، ولكن الله حليم رحيم، يؤخر عقوبة هؤلاء الظلمة إلى وقتهم الذي وقت لهم: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ [النحل: ٦١]. وتأخير العذاب عن العصاة إنما هو رحمة لهم وبهم، لعلهم يتوبون، ولكن الناس يغترون بالإمهال، وحلم الله عنهم، حتى يأخذهم سبحانه بعدله وقوته، عندما يأتي أجلهم الذي سمى لهم. ألا ما أحلم الله .. وما أجهل البشر بأسماء الله وصفاته .. وما أكثر معاصيهم. إن الله يريد للناس الرحمة والإمهال، ولكن الأجلاف والجهال منهم يرفضون

стр. 197

تلك الرحمة وذلك الإمهال، حتى يسألون الله أن يعجل لهم العذاب والنقمة، كما قال سبحانه عن كفار مكة: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢]. وتأخير العذاب عن الكفار والفجار إنما هو في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون، بل يجزون بأعمالهم، ويعاقبون على ذنوبهم، إلا أنه يُرفع العذاب عمن شاء الله من عصاة المؤمنين. والله غفور حليم، ولولا حلمه عن الجناة، ومغفرته للعصاة، لما استقرت السموات والأرض، لما يحصل من شدة الكفر وعظيم الجرائم من بعض العباد كما قالت النصارى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١]. السموات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد من الكفر والفسوق والعصيان، فيمسكهما الله بحلمه ومغفرته، فحلمه ومغفرته يمنعان زوال السموات والأرض، وبحلمه سبحانه صبر عن معاجلة أعدائه بالعقوبة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١]. إن الله حليم غفور، ولو شاء لعاجل العصاة والكفار بالعقوبة، ولأمر السماء فحصبتهم، وأذن للأرض فابتلعتهم، ولكنه سبحانه حليم يمسك بقدرته وحلمه وصبره تفطير السموات، وانشقاق الأرض، وزوال الجبال، ويحبسها عن ذلك بحلمه، فإن ما يأتي به الكفار والمشركون والفجار والعصاة في مقابلة عظمة الله وجلاله، وإكرامه وإحسانه يقتضي ذلك. ولكن الله جعل في مقابلة هذه الأسباب أسباباً يحبها ويرضاها، ويفرح بها أتم فرح وأكمله من الإيمان والتقوى، والتوبة والاستغفار، تقابل تلك الأسباب التي هي سبب زوال العالم وخرابه.

стр. 198

فدافعت تلك الأسباب وقاومتها، وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه، وغلبتها له، ورحمته سبحانه سبقت غضبه. قال النبي ﷺ : «لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» متفق عليه (١). وهو سبحانه الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء، وهو الذي حرك الأنفس والأبدان، وأعطاها قوى التأثير، وهو الذي أوجدها وأعدها، وأمرها وسلطها على من شاء، وهو الذي يمسكها إذا شاء، ويحول بينها وبين قواها إذا شاء. وهو سبحانه الحليم الذي خلق ما يصبر عليه، وما يرضى به، فإذا أغضبته معاصي الخلق وكفرهم، وشركهم وظلمهم، أرضاه تسبيح ملائكته الذين يملؤون السموات، وتسبيح عباده المؤمنين به، وحمدهم إياه، وطاعتهم له، وانكسارهم وذلهم بين يديه في الأرض. ومن عرف أن ربه حليم على من عصاه، فعليه أن يحلم هو على من خالف أمره، ويرفع الانتقام عمن أساء إليه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ ... [الشورى: ٤٣]. فسبحان ذي الجلال والكبرياء، الذي تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة، وصغرت لكبريائه السموات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، وافتقر إليه العالم العلوي والعالم السفلي، وخشعت له الأصوات، ولهجت بذكره وحمده المخلوقات: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].

стр. 199

العظيم ومن أسمائه الحسنى : العظيم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾ [الشورى: ٣، ٤]. وقال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ [الحاقة: ٥٢]. الله ﵎ هو العظيم في ذاته .. العظيم في أسمائه .. العظيم في صفاته .. العظيم في أفعاله .. العظيم في ملكه وسلطانه .. العظيم في خلقه وأمره .. العظيم في دينه وشرعه .. ذو العظمة والجلال والكبرياء .. الذي يعظمه خلقه ويهابونه. وهو سبحانه الإله العظيم، الإله الحق الذي يجب أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة له وحده لا شريك له، لكمال صفاته، وعظيم نعمه، الحي القيوم المالك لكل شيء، الخالق لكل شيء، الرازق لكل مخلوق، الذي يعلم الظواهر والبواطن، والغيب والشهادة. العظيم الذي لا أعظم منه، العلي بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته، العظيم الذي قهر جبروت الجبابرة، وصغرت في جانب عظمته وجلاله أنوف الملوك القاهرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة:٢٥٥]. وهو سبحانه العظيم الذي خلق الخلائق كلها، ودبر الأوامر كلها: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وهو سبحانه وحده العظيم الذي لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا يمكن الامتناع عليه على الإطلاق، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي لا

стр. 200

يُطاع إلا بعمله، ولا يُعصى إلا بإذنه، ولا يمكن أن يعصى كرهاً، أو يخالف أمره قهراً، المحيط بكل شيء، العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، الذي جاوز قدره وعظمته حدود العقول والتصورات. فما أسفه من عصاه .. وما أجهل من لا يخشاه .. وما أضل من أشرك معه غيره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. فعلى من عرف حق عظمة الله أن يقدره حق قدره، ولا يتكلم بكلمة يكرهها الله، ولا يرتكب معصية لا يرضاها الله، وعليه أن يعظم ربه حق تعظيمه، بوصفه بما يليق به من صفات الكمال والجلال والجمال. والإكثار من ذكره في كل وقت وحين، والبدء باسمه في جميع الأمور، والتوكل عليه على مر الدهور، والإكثار من حمده والثناء عليه، وطاعة أنبيائه ورسله، وتحكيم كتابه وشرعه وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، وتوقير رسوله ﷺ بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. ومن تعظيمه سبحانه تعظيم شعائر دينه كالصلاة والصيام، والزكاة والحج ونحوها: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. ومن تعظيمه سبحانه اجتناب نواهيه ومحارمه التي حرمها في كتابه، أو حرمها رسوله ﷺ : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. ومن أعظم ما حرمه الله الشرك بأنواعه والفواحش، والإثم والبغي بغير الحق، والقول على الله بلا علم كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. ومقابل هذا أن يعمل المسلم بأوامر الله التي أمره بها، والتي من أعظمها توحيده، وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

стр. 201

خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وهو سبحانه العظيم، وكتابه أعظم الكتب، وكلامه أعظم الكلام، فلو كانت جميع أشجار الأرض أقلاماً، وجميع البحار مداداً، لفنيت البحار والأقلام، وكلمات الرب لا تفنى ولا تنفد: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان:٢٧]. وهو سبحانه العظيم القدير الذي لا يعجزه شيء، خلقُ السماء والأرض، وخلقُ الناس جميعاً، وبعثهم جميعاً، كخلق نفس واحدة وبعثها، كل ذلك عنده سواء كما قال سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٨]. وقال النبي ﷺ : «يَقْبِضُ الله الأرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنَا الْمَلِكُ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟» متفق عليه (١). فسبحانه من إله ما أعظمه، ومن جواد ما أكرمه. «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» أخرجه أبوداود والنسائي (٢). «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» أخرجه مسلم (٣). «لا إِلَهَ إِلا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» متفق عليه (٤).

стр. 202

الشكور ومن أسمائه الحسنى : الشكور .. والشاكر. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. الله ﵎ هو الشكور، الذي يشكر اليسير من الطاعة، ويثب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعم، ويرضى باليسير من الشكر، والذي يقبل اليسير الذي لا ينفعه من الطاعة، ويبذل العظيم الذي ينتفع به كل من سواه ممن أطاعه. وهو سبحانه الشاكر، الذي يشكر القليل من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، ويشكر الشاكرين، ويذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويرحم من استرحمه. فهو الغفور الرحيم، الشكور الحليم، الذي يفعل ذلك بعباده الشاكرين: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٣٠]. ومن عظيم شكره سبحانه لعباده وفضله عليهم، أنه يضاعف لهم الأعمال الصالحة أضعافاً كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥]. أما السيئات فإنها تكتب كما هي ولا تضاعف، وتمحى بالتوبة والاستغفار. وجميع النعم التي يتنعم بها الخلق من رزق وعافية، وأمن وسرور، وأهل ومال وولد، هي من رب العالمين وحده كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ ... [النحل: ٥٣، ٥٤].

стр. 203

وواجب العباد أن يشكروا الله على كل نعمة .. فهو سبحانه المحمود على نعمه التي لا يحصيها أحد .. وهو المحمود على خلقه وأمره .. وعلى قضائه وقدره .. وعلى آلائه ونعمائه .. وعلى دينه وشرعه. أما الكافر فإنما سمي كافراً، لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقر بها كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) [النحل: ٧٢]. وقد أكثر الله من تعداد نعمه على عباده، فلم يترك لجاحد مجالاً أن ينكر نعم الله عليه، بل لو أراد الإنسان أن يحصي ما في جسده من نعم الله وأفضاله لعجز، فكيف لو أراد أن يحصي نعم الله سبحانه على الناس في حياتهم على هذه الأرض، وكيف لو أراد أن يحصي نعم الله في السموات والأرض، ونعم الله في الدنيا والآخرة، إن ذلك لا يمكن تصوره، فضلاً عن عده: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. وأكثر الناس عن شكر هذه النعم غافلون، وهم في نعم الله غارقون: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١]. وأعظم الشكر لله على نعمه هو توحيده، والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والثناء عليه، واستعمالها في طاعته، لأنه سبحانه هو الذي خلق وأوجد من العدم، ورزق الإنسان وسائر المخلوقات، ولم يشاركه في ذلك أحد، فلا يستحق العبادة معه أحد. ولكن أكثر الناس غرهم الشيطان، فأعرضوا عن ذلك، وجعلوا لله أنداداً، ونسبوا لها الضر والنفع، والتصرف في الأرزاق، ودفع الأمراض، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ ... [العنكبوت: ١٧]. وهو سبحانه الشاكر، المادح لمن يعطيه، والمثني عليه، والمثيب له بطاعته

стр. 204

فضلاً عن نعمته. وقد مدح الله الرسول ﷺ وأصحابه بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومن شكره سبحانه لعباده أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، ويخفف به عنه العذاب يوم القيامة، فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان، وهو من أبغض خلقه إليه. ومن شكره سبحانه لعباده أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من إيمان أو خير، ولا يضيع عليه هذا القدر. ومن شكره لعباده أنه لا يضيع أجر محسن، ولا يعذب غير مسيء. ومن شكره لعباده سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقاماً يرضيه بين الناس فيشكره له، وينوه بذكره، ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين. فسبحانه من غفور شكور، يغفر الكثير من الزلل، ويشكر القليل من العمل. وأحب خلق الله إليه من اتصف بموجب صفاته، وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض الله الكفور والظلوم، واللئيم والبخيل ويحب الكريم المحسن، التقي الرحيم، الشكور الغفور. والله سبحانه شكور يشكر لعباده حسن الأداء، أفلا يشكرون له حسن العطاء: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، وجزيل عطائك، وتتابع إحسانك. اللهم لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعده.

стр. 205

العلي ومن أسمائه الحسنى : العلي .. والأعلى .. والمتعال. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]. وقال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩]. الله ﵎ هو العلي الأعلى، الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: له علو الذات .. وعلو الصفات .. وعلو القدر .. وعلو القهر. فهو سبحانه ذو العلو والارتفاع على خلقه .. وهو العلي عن النظير والمثيل. وهو سبحانه العلي العالي على كل شيء، القاهر لكل شيء، العلي الذي استوى على أعلى المخلوقات وأعظمها وأوسعها وهو العرش، ذو العظمة والكبرياء، وذو الجلال والجمال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، العزيزالحكيم الذي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾ [الشورى: ٤]. وهو سبحانه الكبير المتعال، فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وهو سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، العلي الذي لا أعلى منه، فالله ﷻ عال على كل شيء، وفوق كل شيء، وقاهر لكل شيء، عال على عرشه فوق السموات كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. والله هو العلي الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص، وعلا فوق كل شيء، رفيع الدرجات، المستحق لأعظم درجات التعظيم والمدح والثناء: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ ... [الروم: ٢٧].

стр. 206

وهو سبحانه العلي الأعلى الذي ينزل متى شاء؟، في أي وقت شاء؟، كيف شاء؟. قال النبي ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُنِي فَأعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَه» متفق عليه (١). وينزِّل ما يشاء، على من شاء، في أي وقت شاء: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢]. وأنزل الكتب على أنبيائه ورسله كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٢ - ٤]. وهو سبحانه الأعلى .. ووجهه الأعلى .. وكلامه الأعلى .. وسمعه الأعلى .. وبصره الأعلى .. وعلمه الأعلى .. وخلقه الأعلى .. ودينه الأعلى .. وحكمه الأعلى .. وسائر صفاته عليا .. وله المثل الأعلى، وهو أحق به من كل ما سواه، ويستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان، فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، وليس ذلك إلا لله فـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]. فسبحان من له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وله المثل الأعلى في كل شيء .. في الخلق والأمر .. وفي الجلال والجمال .. والعلو والكمال .. والعظمة والكبرياء .. والتصريف والتدبير .. والسموات والأرض: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم ٢٦ - ٢٧]

стр. 207

الحفيظ ومن أسمائه الحسنى : الحفيظ .. والحافظ. قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ ... [سبأ: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. الله ﵎ هو الحفيظ، الذي حفظ ما خلقه، وأحاط علمه بما أوجده، وحفظ أولياءه من الوقوع في الذنوب والمهلكات، ولطف بهم في الحركات والسكنات، وأحصى على العباد أعمالهم وجزاءها. وهو سبحانه الحافظ الذي يعلم كل شيء، ولا يغيب عنه شيء. وهو سبحانه الحافظ الذي يحفظ عباده من المهالك والمعاطب، ويقيهم مصارع السوء، ويحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، الذي يعلم نياتهم وما تكن صدورهم، ولا تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عليه خافية. وهو سبحانه الحافظ لكل شيء، الحافظ للسموات السبع وما فيهن، والأرضين السبع وما فيهن، الذي يحفظ السماء أن تقع على الأرض ويمسكها بقدرته، ويمسك السموات والأرض أن تزولا، ويحفظ ذلك كله بلا مشقة ولا كلفة كما قال سبحانه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والله هو الحافظ وحده لا شريك له، فهو الذي خلق هذا الكون العظيم، وهو الذي تكفل بحفظه: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ [هود: ٥٧]. والمحفوظ هو ما حفظه الله سبحانه، وشاء له أن يُّحفظ ويبقى، وما شاء الله له أن يضيع ويهلك، فإنه ضائع هالك لا محالة. وقد تكفل الله بحفظ السموات والأرض وما فيهما، والعرش والكرسي، والجنة والنار، والقرآن، وبيته الحرام، فهي باقية وغيرها بحفظ الله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢].

стр. 208

فالله هو الذي أنزل القران، وحفظه حال إنزاله، وبعد إنزاله. ففي حال إنزاله حفظه من استراق الشياطين ... وبعد إنزاله حفظه في قلب رسول الله ( .. ثم حفظه في قلوب المؤمنين من أمته .. وحفظ حملته المؤمنين من أعدائهم .. فلا يسلط عليهم عدواً يجتاحهم ... وحفظ سبحانه ألفاظ القران من التغيير والزيادة والنقص ... وحفظ معانيه من التبديل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] والله ﵎ هو الحفيظ، الذي يحفظ الإنسان من الشرور والآفات والمهالك، ويحفظه من عقابه وعذابه وسخطه إن هو حفظ حدود الله، واجتنب محارمه وما يغضبه. قال النبي ﷺ : «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد والترمذي (١). ومن أعظم ما يجب على المسلم حفظه هو الدين، ومن أعظم ما يجب عليه حفظه من حقوق الله هو التوحيد، بأن يعبد الله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾ [الرعد: ٣٦]. فمن آمن بالله وعبده بما شرعه رسوله، وحفظ ذلك في الدنيا، حفظه الله تعالى من عذاب يوم القيامة وسلمه منه، وأدخله الجنة، وأجاره من النار، وإن عذب بسبب ذنوبه فهو محفوظ بتوحيده من الخلود في النار مع الكفار، الذين ضيعوا هذا الحق العظيم. ومن أعظم ما أمر الله بحفظه من الواجبات الصلاة كما قال سبحانه: ﴿حَافِظُوا

стр. 209

عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فمن حافظ على الصلاة، وحفظ أركانها وشروطها، حفظه الله من عذابه ونقمته، وأدخله الجنة. ومما أمر الله بحفظه السمع والبصر والفؤاد كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. والمؤمن مأمور بحفظ دينه أجمع، فلا يجوز له أن يترك منه شيئاً لتعارضه مع هواه ومصلحته. وكلما كان العبد لحفظ دين الله أكمل، كان حفظ الله له أكمل وأتم وأدوم، ومن حفظ حدود الله وراعى حقوقه، تولى الله حفظه في أمور دينه ودنياه وأخراه، وما حفظه الله لا يضيع ولو أجمعت المخلوقات كلها على إضاعته وإتلافه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ [يوسف: ٦٤]. فاحفظ سمعك فلا تسمع به إلا ما يرضيه، واحفظ بصرك فلا تنظر به إلا إلى ما يرضيه، واحفظ قلبك وعقلك من أن يتعلق بهما ما يغضبه ويسخطه، أو ينشغلا بغيره، واحفظ جميع جوارحك فلا تتحرك إلا بما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: «يَقُولُ اللهُ : أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْراً، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً، وَإِنْ أتَانِي يَمْشِي، أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» متفق عليه (١). والله هو الحافظ الذي يحفظ أعمال العباد، فلا يضيع منها شيء، ولا يخفى عليه شيء، صغيراً كان أم كبيراً، ثم يوافيهم به يوم القيامة إن خيراً فخير،

стр. 210

وإن شراً فشر: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢، ٥٣]. وقال الله في الحديث القدسي: «إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ» أخرجه مسلم (١). وقد وكل الله بحفظ جميع أعمال العباد حفظةً كراماً من الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. وحفظ الله سبحانه لخلقه نوعان: الأول: حفظ عام لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيها، ويحفظ أبدانها، وإلهامها تدبير شئونها، والسعي فيما يصلحها، كل حسب خلقته، فهو سبحانه: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠]. الثاني: حفظ خاص لأوليائه، وذلك حفظ زائد على ما تقدم، بحفظهم عما يضر إيمانهم، وحفظهم مما يزلزل يقينهم من الفتن والشبهات والشهوات، فيعافيهم منها، ويخرجهم منها بسلامة وحفظ وعافية، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس، فينصرهم عليهم، ويدفع كيدهم عنهم. وأعظم الحفظ حفظ القلوب، وحراسة الدين عن الكفر والنفاق والفتن والأهواء والبدع. فسبحان الملك العظيم، الحفيظ الذي خلق هذا الملك العظيم، وتكفل بحفظه، وأنزل القران العظيم، وتكفل بحفظه. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين ... واحفظنا بالإسلام قاعدين .. واحفظنا بالإسلام راقدين .. ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين.

стр. 211

الرقيب ومن أسمائه الحسنى : الرقيب. قال الله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ ... [المائدة: ١١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. الله ﵎ هو الرقيب المطلع على ما أكنته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الحافظ الذي لا يغفل ولا يغيب عما يحفظه، الذي حفظ جميع المخلوقات وأجراها على أحسن نظام، وأكمل تدبير. وهو سبحانه الرقيب الذي يراعي أحوال المرقوب، الحافظ له جملة وتفصيلاً، المحصي لجميع أحواله، العليم به الحافظ له، الذي لا يغفل عما خلق فيلحقه نقص أو يدخله خلل من قبل غفلته عنه. والله هو الرقيب على عباده، الذي يراقب أقوالهم وأفعالهم، وحركاتهم وسكناتهم، وما يجول في قلوبهم وخواطرهم كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وهو سبحانه وحده الرقيب على كل المخلوقات، في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، الرقيب على الأشياء كلها، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، الرقيب على المبصرات كلها ببصره، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الرقيب على المسموعات كلها بسمعه، المدرك لكل حركة وصوت وكلام في كل آن، وفي كل مكان. وهو سبحانه الرقيب على كل ما في هذا الكون العظيم، يستوي عنده الصغير والكبير، والظاهر والباطن، والقريب والبعيد، والكليات والجزئيات، والأسرار

стр. 212

والخفيات، في الأرض والسموات. وإذا علم المسلم عظمة رقابة الله المطلقة، راقب الله في تصرفاته وعباداته، ومعاملاته، وسائر أحواله، وفي ذلك صلاح دنياه وآخرته، وبلوغه أعلى درجات الإيمان وهو الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. والمراقبة: دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه، وحضور القلب بين يدي الله تعالى، وعدم الانشغال عنه، سواء في العبادة أو خارجها، وامتلاء القلب بعظمة الله ﷻ ومحبته: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤]. وهذا القرب وهذا الدنو من الله تعالى يبث في القلب سروراً عظيماً، وأنساً وفرحاً، وهذا الأنس والسرور يبعث العبد على دوام السير إلى الله ، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، والتلذذ بعبادته وطاعته. ومن لم يجد هذا السرور، ولا شيئاً منه، فليتَّهِم إيمانه وأعماله، فإن للإيمان حلاوة، من لم يذقها فليرجع وليقتبس نوراً يجد به حلاوة الإيمان. قال النبي ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُّحِبَّ الْمَرْءَ لا يُّحِبُّهُ إلا لِلَّهِ، وَأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» متفق عليه (١). والمراقبة من أجلِّ أعمال القلوب، فمتى علم العبد أنه مكشوف أمام الله، وأن حركاته الظاهرة والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنه عن كل فكر وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل فعل أو قول يسخطه الله، وعبد الله بمقام الإحسان. ومن راقب الله في سره وجهره، واتقاه في أمره ونهيه، أوصله ذلك بإذن الله إلى مرضاة ربه، والفوز بالجنة.

стр. 213

وصاحب المراقبة يدع المعاصي استحياءً من ربه وهيبةً له أكثر مما يدعها خوفاً من عقوبته. ألا ما أجهل الإنسان بربه حين يكفر به ويعصيه، ولا يكفيه ذلك حتى يزجر من يؤمن به ويطيعه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق: ٩ - ١٤]. وإن الإنسان ليرجف ويضطرب فؤاده حين يشعر أن سلطان الأرض يراقبه بجواسيسه وعيونه، مع أن سلطان الأرض مهما تكن عيونه لا يراقب إلا حركة الإنسان الظاهرة، وهو يحتمي منه إذا آوى إلى داره، أو إذا أغلق فمه. أما قبضة الجبار فهي مسلطة عليه ترقبه أينما حل وأينما سار في كل وقت. وأما رقابة الله فهي مسلطة على الأقوال والأعمال، والضمائر والأسرار. وخالق الإنسان أدرى بتركيبه وسره، فالعبد مكشوف الكنه والوصف والسر لخالقه العظيم، العليم بمنشئه وحاله ومصيره، وهو سبحانه أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد الذي يجري فيه الدم كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦]. فسبحان الله .. ما أعظم هذه القبضة المالكة، والرقابة الشديدة المباشرة لجميع ما في هذا الكون من خالقه. وإذا علم الإنسان ذلك، فهو كاف له أن يعيش في حذر دائم، وخشية دائمة، ويقظة لا تغفل عن المحاسبة، تدفعه إلى حسن العمل ودوامه. وقد أحكم الله الرقابة على هذا الإنسان .. فهو يعيش ويتحرك وينام .. ويأكل ويشرب .. ويتحدث ويصمت .. ويقطع الرحلة كلها بين يدي ملكين موكلين به عن اليمين والشمال .. يتلقيان منه كل حركة .. وكل كلمة .. ويسجلانها فور وقوعها .. لتكون في سجل حساب هذا الإنسان: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٧، ١٨].

стр. 214

المقيت ومن أسمائه الحسنى : المقيت. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ ... [النساء: ٨٥]. الله ﵎ هو المقيت، الذي خلق الأقوات كلها، وأوصل إلى كل مخلوق ما يقتات به، وأوصل إلى الكائنات أرزاقها، وصرَّفها بين هذه المخلوقات العظيمة كيف شاء بحمده وحكمته، وعلمه ورحمته. وهو سبحانه القائم على جميع المخلوقات بالتدبير والتصريف، الوهاب الرزاق، الذي يعطي كل إنسان وطير وحيوان قوته على ممر الأوقات. فهو سبحانه الذي يمد هذه الخلائق في كل وقت بما جعله قواماً لها، فإذا أراد موت شيء منها، حبس عنه ما جعله مادة لبقائه من القوت، فيهلك بإذنه. والله هو الغني الكريم، المعطي الخلق أقواتهم، الصغير والكبير، والقوي والضعيف، والناطق والصامت، والذاكر والغافل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود:٦]. وقد قدر الله سبحانه جميع الأرزاق والآجال والأعمال لجميع الخلائق .. وقدر أقوات أهل الأرض .. وما يصلح لمعايشهم من النبات والشجر والحبوب والمنافع والتجارة. وجعل في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى من المنافع والمكاسب والثمار .. ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد .. فيحصل بسبب ذلك من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يعلمه إلا الله العليم الحكيم. قال الله تعالى عن الأرض: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ [فصلت: ١٠].

стр. 215

والله خالق الأقوات كلها .. جعل سبحانه لكل مخلوق من المخلوقات قوتاً يناسبه: فالأبدان قوتها المأكول والمشروب .. والأرواح قوتها العلوم الإلهية والذكر .. والملائكة قوتها التسبيح والتقديس لله. فسبحان العليم الخبير .. المقيت لعباده .. الحافظ لهم .. الشاهد لأحوالهم. وسبحان الغني الكريم، الرقيب الشهيد، الذي خلق الخلائق، وتكفل بأرزاقهم من كانوا، وحيثما كانوا؟ علمه سبحانه محيط بكل شيء .. ورحمته وسعت كل شيء .. وخزائنه مملوءة بكل شيء .. وهو المقيت بكل شئ. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. وقال النبي ﷺ : «يَدُ اللهِ مَلأى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أرَأيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» متفق عليه (١).
следующие страницы →