← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الرقيب ومن أسمائه الحسنى : الرقيب. قال الله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ ... [المائدة: ١١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. الله ﵎ هو الرقيب المطلع على ما أكنته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الحافظ الذي لا يغفل ولا يغيب عما يحفظه، الذي حفظ جميع المخلوقات وأجراها على أحسن نظام، وأكمل تدبير. وهو سبحانه الرقيب الذي يراعي أحوال المرقوب، الحافظ له جملة وتفصيلاً، المحصي لجميع أحواله، العليم به الحافظ له، الذي لا يغفل عما خلق فيلحقه نقص أو يدخله خلل من قبل غفلته عنه. والله هو الرقيب على عباده، الذي يراقب أقوالهم وأفعالهم، وحركاتهم وسكناتهم، وما يجول في قلوبهم وخواطرهم كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وهو سبحانه وحده الرقيب على كل المخلوقات، في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، الرقيب على الأشياء كلها، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، الرقيب على المبصرات كلها ببصره، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الرقيب على المسموعات كلها بسمعه، المدرك لكل حركة وصوت وكلام في كل آن، وفي كل مكان. وهو سبحانه الرقيب على كل ما في هذا الكون العظيم، يستوي عنده الصغير والكبير، والظاهر والباطن، والقريب والبعيد، والكليات والجزئيات، والأسرار

стр. 212

والخفيات، في الأرض والسموات. وإذا علم المسلم عظمة رقابة الله المطلقة، راقب الله في تصرفاته وعباداته، ومعاملاته، وسائر أحواله، وفي ذلك صلاح دنياه وآخرته، وبلوغه أعلى درجات الإيمان وهو الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. والمراقبة: دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه، وحضور القلب بين يدي الله تعالى، وعدم الانشغال عنه، سواء في العبادة أو خارجها، وامتلاء القلب بعظمة الله ﷻ ومحبته: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤]. وهذا القرب وهذا الدنو من الله تعالى يبث في القلب سروراً عظيماً، وأنساً وفرحاً، وهذا الأنس والسرور يبعث العبد على دوام السير إلى الله ، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، والتلذذ بعبادته وطاعته. ومن لم يجد هذا السرور، ولا شيئاً منه، فليتَّهِم إيمانه وأعماله، فإن للإيمان حلاوة، من لم يذقها فليرجع وليقتبس نوراً يجد به حلاوة الإيمان. قال النبي ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُّحِبَّ الْمَرْءَ لا يُّحِبُّهُ إلا لِلَّهِ، وَأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» متفق عليه (١). والمراقبة من أجلِّ أعمال القلوب، فمتى علم العبد أنه مكشوف أمام الله، وأن حركاته الظاهرة والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنه عن كل فكر وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل فعل أو قول يسخطه الله، وعبد الله بمقام الإحسان. ومن راقب الله في سره وجهره، واتقاه في أمره ونهيه، أوصله ذلك بإذن الله إلى مرضاة ربه، والفوز بالجنة.

стр. 213

وصاحب المراقبة يدع المعاصي استحياءً من ربه وهيبةً له أكثر مما يدعها خوفاً من عقوبته. ألا ما أجهل الإنسان بربه حين يكفر به ويعصيه، ولا يكفيه ذلك حتى يزجر من يؤمن به ويطيعه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق: ٩ - ١٤]. وإن الإنسان ليرجف ويضطرب فؤاده حين يشعر أن سلطان الأرض يراقبه بجواسيسه وعيونه، مع أن سلطان الأرض مهما تكن عيونه لا يراقب إلا حركة الإنسان الظاهرة، وهو يحتمي منه إذا آوى إلى داره، أو إذا أغلق فمه. أما قبضة الجبار فهي مسلطة عليه ترقبه أينما حل وأينما سار في كل وقت. وأما رقابة الله فهي مسلطة على الأقوال والأعمال، والضمائر والأسرار. وخالق الإنسان أدرى بتركيبه وسره، فالعبد مكشوف الكنه والوصف والسر لخالقه العظيم، العليم بمنشئه وحاله ومصيره، وهو سبحانه أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد الذي يجري فيه الدم كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦]. فسبحان الله .. ما أعظم هذه القبضة المالكة، والرقابة الشديدة المباشرة لجميع ما في هذا الكون من خالقه. وإذا علم الإنسان ذلك، فهو كاف له أن يعيش في حذر دائم، وخشية دائمة، ويقظة لا تغفل عن المحاسبة، تدفعه إلى حسن العمل ودوامه. وقد أحكم الله الرقابة على هذا الإنسان .. فهو يعيش ويتحرك وينام .. ويأكل ويشرب .. ويتحدث ويصمت .. ويقطع الرحلة كلها بين يدي ملكين موكلين به عن اليمين والشمال .. يتلقيان منه كل حركة .. وكل كلمة .. ويسجلانها فور وقوعها .. لتكون في سجل حساب هذا الإنسان: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٧، ١٨].

стр. 214

المقيت ومن أسمائه الحسنى : المقيت. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ ... [النساء: ٨٥]. الله ﵎ هو المقيت، الذي خلق الأقوات كلها، وأوصل إلى كل مخلوق ما يقتات به، وأوصل إلى الكائنات أرزاقها، وصرَّفها بين هذه المخلوقات العظيمة كيف شاء بحمده وحكمته، وعلمه ورحمته. وهو سبحانه القائم على جميع المخلوقات بالتدبير والتصريف، الوهاب الرزاق، الذي يعطي كل إنسان وطير وحيوان قوته على ممر الأوقات. فهو سبحانه الذي يمد هذه الخلائق في كل وقت بما جعله قواماً لها، فإذا أراد موت شيء منها، حبس عنه ما جعله مادة لبقائه من القوت، فيهلك بإذنه. والله هو الغني الكريم، المعطي الخلق أقواتهم، الصغير والكبير، والقوي والضعيف، والناطق والصامت، والذاكر والغافل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود:٦]. وقد قدر الله سبحانه جميع الأرزاق والآجال والأعمال لجميع الخلائق .. وقدر أقوات أهل الأرض .. وما يصلح لمعايشهم من النبات والشجر والحبوب والمنافع والتجارة. وجعل في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى من المنافع والمكاسب والثمار .. ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد .. فيحصل بسبب ذلك من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يعلمه إلا الله العليم الحكيم. قال الله تعالى عن الأرض: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ [فصلت: ١٠].

стр. 215

والله خالق الأقوات كلها .. جعل سبحانه لكل مخلوق من المخلوقات قوتاً يناسبه: فالأبدان قوتها المأكول والمشروب .. والأرواح قوتها العلوم الإلهية والذكر .. والملائكة قوتها التسبيح والتقديس لله. فسبحان العليم الخبير .. المقيت لعباده .. الحافظ لهم .. الشاهد لأحوالهم. وسبحان الغني الكريم، الرقيب الشهيد، الذي خلق الخلائق، وتكفل بأرزاقهم من كانوا، وحيثما كانوا؟ علمه سبحانه محيط بكل شيء .. ورحمته وسعت كل شيء .. وخزائنه مملوءة بكل شيء .. وهو المقيت بكل شئ. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. وقال النبي ﷺ : «يَدُ اللهِ مَلأى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أرَأيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» متفق عليه (١).

стр. 216

الشهيد ومن أسمائه الحسنى : الشهيد. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾ [آل عمران: ٩٨]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ ... [الفتح: ٢٨]. الله ﵎ هو الشهيد، المطلع على جميع المخلوقات، الذي يسمع جميع الأصوات خفيّها وجليّها، ويبصر جميع الموجودات صغيرها وكبيرها، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه، فهو الشهيد على أفعالهم، الحفيظ لأقوالهم، العليم بسرائرهم، وما تكن صدورهم وما يعلنون، الذي أحاط علمه بكل شيء، ولا يعزب عنه شيء. وهو سبحانه الشهيد القريب من خلقه، الذي يراهم جميعاً في آن واحد، ويسمع ما يتناجون به، ويرى ما يخوضون فيه، ويعلم ما يجول في خواطرهم، وما تهجس به ضمائرهم، لا يغيب عنه من أمرهم شيء يقولونه أو يفعلونه أو يكتمونه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. وهو سبحانه الشهيد، العليم بكل شيء، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي علم جميع أفعال العباد، وأحصاها قبل فعلها وبعد فعلها، لأنه علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾ [المجادلة: ٦]. والله عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شيء وإن دق وصغر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥].

стр. 217

والله ﷻ لا يحتاج إلى الشهود على العباد، لأنه على كل شيء شهيد. قد شهد سبحانه لنفسه بأعظم شهادة في كتابه فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ ... [آل عمران: ١٨]. فسبحان الملك الرقيب الشهيد، الذي لا يعزب عنه شيء من مخلوقاته، ظاهرها وباطنها، كبيرها وصغيرها. يرى مكانها .. ويسمع تسبيحها .. ويعلم أحوالها. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ ... [الإسراء: ٤٤]. وسبحان الشهيد الذي يرى الكون كله وهو مستو على عرشه، يرى الهباءة الطائرة .. والجبال الشاهقة .. ويرى الحيوانات، والنباتات، والذرات في قعر البحر الأسود. ويرى سبحانه كل ذرة، وكل نبتة، وكل شجرة في العالم، في ظلمة الليل الأسود. ويرى سبحانه أهل الطاعات وهم يطيعونه .. ويرى أهل المعاصي وهم يعصونه .. ويرى ويسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء. فسبحان: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ ... [البروج:٩]. واذا علم العبد أن الله هو الذي خلقه وصوره، وأسكنه في ملكه، وعافاه وأنعم عليه. وعلم كذلك أن ربه يراه، ويسمع كلامه، ويعلم سره وعلانيته، هو أقرب إليه من نفسه. إذا شهد هذا .. وهذا .. استحى من ربه أن يعصيه، وخاف من عقوبته، وأقبل على طاعته، لما يراه من عظمته، وجزيل إنعامه، وحسن إكرامه.

стр. 218

الحاسب ومن أسمائه الحسنى : الحاسب .. والحسيب. قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]. الله ﵎ هو الحاسب، الحافظ لأعمال خلقه كلها، المحاسب لهم عليها، المجازي عباده بحسب حكمته وعلمه، بدقيق أعمالهم وجليلها. وهو سبحانه الحسيب، المكافئ لعباده، المحاسب لهم. وهو سبحانه الحسيب الكافي لعباده، الذي لا غنى لهم عنه أبداً، فهو خالقهم ورازقهم وكافيهم في الدنيا والآخرة، فالله وحده حسب كل أحد وكافيه. والله هو الحاسب، الذي أحصى كل شيء عدداً، لا يفوته مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فهو الذي أحصى جميع أقوال العباد وأفعالهم، وجميع حركاتهم وسكناتهم، فهي محصاة لا يضيع منها شيء، ولا يزاد عليها شيء. فيجازي بها العباد يوم القيامة عدلاً وفضلاً، بلا ظلم ولا بخس ولا نقص: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وحساب الخلائق كلها سهل لا مشقة فيه على الخالق، بل هو يسير عليه، فكما أن خلقهم وبعثهم كنفس واحدة، فكذلك رزقهم وحسابهم كنفس واحدة كما قال سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٨]. والله ﷻ سريع الحساب، بل هو أسرع الحاسبين، فإذا رجع العباد إليه يوم القيامة حاسبهم في أسرع وقت كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ

стр. 219

الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام: ٦٢]. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، خلق الخلق كلهم، وأحصى أعدادهم، وأحصى أعمالهم وأقوالهم، وقدر آجالهم وأرزاقهم. فعلى العبد أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه ربه، ويزن أعماله قبل أن توزن، وإنما يفزع إلى ذلك أرباب القلوب، المحسون بأوجاع الذنوب، العالمون يقيناً بمحاسبة علام الغيوب، وإحصائه الطاعات والذنوب، فإن مما يهون الحساب غداً، محاسبة النفس قبل حضور الأجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨]. والله إذا جمع عباده يوم القيامه .. حكم بينهم بالحق والعدل .. فوضع لهم الموازين العادلة التي بين فيها مثاقيل الذر .. يوزن بها العامل وعمله .. وتوزن بها الحسنات والسيئات .. فلا تظلم نفس مسلمة أو كافرة شيئاً .. ولو كان مثقال حبة من خردل من خير أو شر .. فالله يظهره ويحضره ليجازي به صاحبه. ولن يفلت أحد من الموت، كما أنه لن يفلت أحد من الحساب كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. واذا كان الله قد أبقى الإنسان في بطن أمه شهوراً ليكمل خلقه، وأبقاه في الدنيا سنيناً ليكمل عمله، فهو بعد هذا .. وهذا راجع إليه بعد الموت، فيحاسبه ثم يثيبه أو يعاقبه حسب عمله يوم القيامة: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ [الحج: ٥٦ - ٥٧].

стр. 220

الكريم ومن أسمائه الحسنى : الكريم .. والأكرم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥]. الله ﵎ هو الكريم، الذي عم بعطائه وإحسانه المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، يعطي لا لعوض، مًنَّ سبحانه على عباده بوافر النعم. فهو باسم الكريم أحق من كل كريم، فهو سبحانه ما زال كريماً ولا يزال، عمّ عطاؤه الخلائق كلها. وهو سبحانه أكرم الأكرمين، لا يوازيه كريم، ولا يعادله نظير، يعطي ويثني، ويعفو ويصفح، ولا يضيع من توسل إليه، ولا يترك من التجأ إليه، ولا يهين من أقبل عليه. إذا قدر عفى، وإذا وعد وفى، كريم يعطي بلا عقاب ولا عتاب كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. وهو سبحانه الكريم، الكثير الخير دائمه، الكريم الذي يعطي ولا تنقضي خزائنه، وله خزائن السموات والأرض كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ ... [المنافقون: ٧]. وهو سبحانه دائم الخير والإحسان، فكل شيء ينقطع إلا الله وإحسانه، فإنه دائم متصل في الدنيا والآخرة، وخزائن كل شيء عند الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].

стр. 221

وهو سبحانه الكريم الذي يسهل خيره، ويقرب تناول ما عنده، فليس بينه وبين العبد حجاب، وهو قريب لمن دعاه، إذا تقرب منه العبد تقرب الله إليه أكثر كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وهو سبحانه الكريم الذي له قدر عظيم، فالكل له خلق وملك، وكرم كل كريم من كرمه، وهو الكريم الذي لا أكرم منه، العزيز الذي لا أعز منه. وهو سبحانه الكريم، المنزه عن النقائص والآفات، لأنه تقدس عن النقائص والآفات وحده على الإطلاق والتمام من كل وجه. وهو سبحانه الكريم الذي إذا وعد وفى، ولا يبالي كم أعطى؟، ولمن أعطى؟، لعموم قدرته، وعظيم ملكه، وكمال غناه، فلا يحول بينه وبين ما يريد مانع: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر: ٤٤]. وهو سبحانه الكريم الذي يكرم من شاء، ويهين من شاء، فمن أكرمه الله فهو الكريم، ومن أهانه الله فهو المهين كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. وهو سبحانه الكريم الذي يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه داعياً أن يردهما صفراً خائبتين. والله هو الكريم الذي عمَّ الجميع بعطائه وفضله، وبكرمه أمهل المكذب له، ووالى عليه نعمه. ومن كرمه أمهل إبليس وأنظره، وتركه وما اختار لنفسه، ولم يعجله ولا عاجله، كل ذلك كرم منه وفضل. وهو سبحانه الكريم الذي تفضل على العلماء بأن علمهم من علمه، وأنار قلوبهم من نوره. وتفضل على الأغنياء بأن رزقهم من رزقه، وأعان وحبب إلى من شاء منهم

стр. 222

لصرفه فيما يرضيه. وهو سبحانه الكريم الذي تفضل على المؤمنين، فحبب إليهم الإيمان، وأعانهم على الأعمال الصالحة، وأثابهم عليها. وهو سبحانه الكريم الذي خلق الناس، وعافاهم، وأطعمهم، وكساهم، وهدى من شاء منهم للإيمان. وهو سبحانه الكريم الذي عمَّ الخلق برحمته، وشملهم بكرمه، ودعاهم إلى ما يسعدهم في دنياهم وأخراهم. وهو سبحانه الكريم الذي يغفر الذنوب، ويعفو عن السيئات، ويبدل السيئات بالحسنات كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وهو الكريم الذي يضاعف الحسنات إلى أضعاف كثيرة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» متفق عليه (١). وأعظم أسباب الكرامة عند الله هي تقواه، ولهذا كان الرسل أكرم الخلق، لكمال طاعتهم، وكمال عبوديتهم لربهم، فمن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ربه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 223

وقد سمى الله كتابه كريماً بقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة: ٧٧]. فهو قرآن كريم فيه الهدى والبيان، والعلم والحكمة، والفضائل والبشائر، والسنن والآداب: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ [الأحقاف: ٣٠]. ألا ما أعظم الكريم المنان، وما أعظم فضله وجوده وإحسانه. فسبحان الكريم المنان، كثير الكرم والاحسان، واسع الجود والعطاء، الذي من كرمه خلق المخلوقات، وهيأ لها السكن والمأوى والرزق والمعاش. ومن كرمه خلق الإنسان وكرَّمه ... وعلمه القرآن .. وعلمه الحكمة .. وعلمه البيان .. وأرسل إليه الرسل .... وأنزل عليه الكتب .. ليسعده في دنياه وأخراه وإذا علم المسلم أن الكريم هو الله، فعليه أن يتوجه إليه ويعبده بكمال الإيمان والتقوى .. وإكرام كتابه باتباع ما جاء فيه .. وإكرام أنبيائه ورسله باتباعهم وحسن الاقتداء بهم .. وإكرام أوامره وشعائره بحسن أدائها .. وإكرام نعمه بوضعها في مواضعها، وشكر الله عليها .. وإكرام نفسه بكمال الإيمان والتقوى. اللهم أعطنا ولا تحرمنا .. وزدنا ولا تنقصنا .. وأكرمنا ولا تهنا .. أنت مولانا .. فنعم المولى ونعم النصير.

стр. 224

الواسع ومن أسمائه الحسنى : الواسع. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣]. الله ﵎ هو الواسع الكريم، الذي وسع خلقه كلهم بالكفاية والإحسان، الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، الرزاق الذي وسع رزقه جميع خلقه، واسع الفضل والإحسان والإنعام. وهو سبحانه الواسع العليم، الذي وسع علمه كل شيء، وأحاط بكل شيء علماً، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ [طه: ٩٨]. وهو سبحانه واسع الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، العليم بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. وهو سبحانه واسع المغفرة، فيغفر لكل من تاب وأناب، مهما بلغت ذنوبه وخطاياه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ ... [النجم: ٣٢]. فسبحان واسع العلم .. واسع الرحمة .. واسع المغفرة .. واسع الفضل .. واسع العطاء. الذي خلقه كلهم يتقلبون فيما لا يحصى من النعم .. فهو الذي يعطي ويمنع .. ويخفض ويرفع .. ويعز ويذل .. ويهدي ويضل .. بعلمه الذي وسع كل

стр. 225

شيء .. وقدرته التي قهرت كل شيء .. ورحمته التي وسعت كل شيء .. وحكمته التي بلغت كل شيء. وسبحان واسع العظمة والملك والسلطان الذي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 226

المجيد ومن أسمائه الحسنى : المجيد. قال الله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ [هود: ٧٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٤، ١٥]. الله ﵎ هو المجيد، الكبير العظيم، ذو المجد والكبرياء، والعظمة والجلال، الذي هو أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، الشريف في ذاته، الذي له المجد كله، لكثرة أسمائه وصفاته، وسعتها وعظمتها، وكمال أفعاله، وكثرة خيره ودوامه. وهو سبحانه المجيد، الذي له التعظيم والإجلال في قلوب أوليائه وأصفيائه، قد امتلأت قلوبهم من تعظيمه وإجلاله، والخضوع له والتذلل لكبريائه، الذي تمجد بفعاله، ومجده خلقه لعظمته وجلاله وكبريائه. وهو سبحانه الحميد المجيد في جميع أقواله وأفعاله، الجميل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، الذي لا يمكن إحصاء نعمه، ولا الإحاطة بجميع أسمائه وصفاته. وهو سبحانه الكريم المجيد الذي عطاؤه واسع، وفضله سابغ، قد شمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠]. وقد سمى الله كتابه بالمجيد كما قال سبحانه: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١]. ومن مجد القرآن وشرفه وعظمته أنه لا يمكن للجن والإنس أن يأتوا بمثله، بل بسورة منه، بل بآية كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].

стр. 227

الرب ومن أسمائه الحسنى : الرب. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. الله ﵎ هو الرب، المالك الذي له الخلق والأمر، السيد الذي لا شبيه له ولا مثيل في سؤدده، رب الأرباب، ومالك الملك، وخالق الخلق، الذي يدبر الأمر في السماء والأرض. وهو سبحانه الرب الذي يربي الخلائق بأصناف النعم، المصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، المنعم الذي تفضل على عباده وخلقه بوافرالنعم، المربي لأنبيائه وأوليائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وهو ﷻ الرب المربي لخلقه، المدبر لهم، القائم بأمورهم، المصلح لأحوالهم، الجابر لهم، قيوم الدنيا والآخرة، كل شيء خلقه، وكل مخلوق عبده وهو ربه، لا يصلح إلا بتدبيره، ولا يقوم إلا بأمره، ولا يبقى إلا بإذنه. وهو سبحانه الذي خلق العباد، وهو الذي يرعاهم ويربيهم في أطوارهم المختلفة، فهو الذي خلق النطفة، ثم يجعلها علقة، ثم يجعلها مضغة، ثم يجعل المضغة عظاماً، ثم يكسو العظام لحماً، ثم يخلق الروح في البدن، ويجعله خلقاً آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال سبحانه ينميه حتى يجعله آدمياً سوياً، ذكراً أو أنثى. وهكذا كل شيء خلقه الله، فهو القائم عليه، والمبلغ إياه الحد الذي قدره له: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]. والله سبحانه هو الرب الكريم، الذي يربي خلقه بالنعم المادية كما قال سبحانه:

стр. 228

﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثيه: ٣٦]. ويربي سبحانه عباده بالنعم الروحية التي تزكي قلوبهم وجوارحهم كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ ... [الجمعة: ٢]. فلله الحمد والشكر على هذه .. وهذه، وهو المستحق للحمد وحده دون سواه كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. والله ﷻ هو الرب الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، المحيط بكل شيء، القاهر لكل شيء، رب كل شيء ومليكه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبد له، وفي قبضته، وتحت قهره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣]. فاجتمع العباد من الإنس والجن لله بصفة الربوبية، فهو الذي خلقهم، وهو الذي يربيهم، وافترقوا بصفة الإلهية، فألَّهه وحده السعداء، وأقروا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنه الرب الذي لا تنبغي العبادة والطاعة إلا له، وكفر به وأشرك الأشقياء. وهنا صار الناس فريقين .. موحدين في الجنة .. ومشركين في النار كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾ [الأعراف: ٣٥، ٣٦]. فالدين والشرع، والأمر والنهي، مظهره وقيامه من صفة الإله سبحانه. والخلق والإيجاد، والتدبير والتصريف، مظهره وقيامه من صفة الرب. والجزاء بالثواب والعقاب، والجنة والنار، مظهره وقيامه من صفة الملك. فأمر الله عباده بإلهيته .. وخلقهم ورزقهم، وأعانهم ووفقهم، وهداهم وأضلهم

стр. 229

بربوبيته .. وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله .. وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى. وأما الرحمة فهي السبب الذي بين الله وبين عباده. فالتأليه منهم له .. والربوبية منه لهم .. والرحمة سبب واصل بين الله وبين عباده .. بها أرسل إليهم رسله .. وأنزل عليهم كتبه .. وبها هداهم .. وبها أسكنهم دار ثوابه .. وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم. فبينهم وبينه سبب العبودية .. وبينه وبينهم سبب الرحمة .. وسع سبحانه كل شيء بربوبيته ورحمته كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ... [الفاتحة: ٢ - ٤]. وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. ومن عرف ذلك لم يطلب غير الله رباً وإلهاً. ومن رضي بالله رباً فقد ذاق طعم الإيمان كما قال النبي ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً وَبِالإِسْلامِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا» أخرجه مسلم (١). ومن رضي أمراً سهل عليه ما يترتب عليه، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، وكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان، سهلت عليه طاعة الله تعالى ولذت له. والعالم الرباني هو الذي يحقق علم الربوبية .. فيعرف الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله .. ويعرف وعده ووعيده .. وآلاءه وإحسانه .. ثم يعرف أحكامه وشرعه. يعمل بذلك .. ويعلِّمه .. ويدعو إليه .. ويربي الناس على مقدار ما يحتملونه .. فيبذل لخواصهم جوهره ومكنونه .. ويبذل لعوامهم ما ينالون به فضل الله ويدركونه. وقد دعا الأنبياء والصالحون الله بهذا الاسم العظيم.

стр. 230

فقال آدم ﷺ : ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال نوح ﷺ : ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨]. وقال إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة .. وفي الآخرة حسنة .. وقنا عذاب النار. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران: ١٤٧]. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].

стр. 231

الودود ومن أسمائه الحسنى : الودود. قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]. الله ﵎ هو الودود، الذي يحب أنبياءه ورسله وأتباعهم وهم يحبونه، فهو أحب إليهم من كل شيء، قد امتلأت قلوبهم من محبته، ولهجت ألسنتهم بالثناء عليه، وانجذبت أفئدتهم إليه وداً ومحبة وإنابة. وهو سبحانه الودود، الذي يحب ويود من أناب إليه، وذو المغفرة لمن تاب إليه، الواد لأهل طاعته، الراضي عنهم بأعمالهم الصالحة، المحسن إليهم لأجلها، المادح لهم بها، المثيب لهم عليها. وهو سبحانه الودود، الذي يحب من أطاعه، ويبغض من عصاه، يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب المؤمنين والمتقين، ويحب الصابرين والصادقين، ويحب المحسنين والمتوكلين. ويبغض ويكره الكافرين والمشركين، والمستكبرين والمفسدين، والظالمين والفاسقين، والمسرفين والخائنين، والكاذبين والمنافقين. وهو سبحانه الودود بكثرة إحسانه، الذي يوده عباده ويحبونه، المستحق لأن يُود فيعبد ويحمد، لكماله وجماله وجلاله، وعظيم إحسانه. فعلى المسلم أن يفعل ما يحبه الله ويرضاه .. ويجتنب ما يبغضه ويسخطه .. وأن يتودد إلى ربه بامتثال أمره واجتناب نهيه .. كما تودد إليه ربه بإدرار نعمه وفضله .. وأن يحبه كما أحبه .. ويحسن إلى خلقه كما أحسن الله إليه. ومن حب العبد لله رضاه بما قدره وقضاه، وحب القرآن والعمل به، وحب الرسول وطاعته، والعمل بسنته، وحب ما جاء به.

стр. 232

وحب الله ورسوله يقوى بقوة العلم الشرعي، وكمال المعرفة بالله وآلائه، وكلما كان العبد عالماً بدين الله وأحكامه وشرعه عاملاً به، كان حبه لله أقوى من غيره من الجاهلين، وإن كانت محبة الله موجودة في الفطر، ولكنها تقوى بالذكر والعلم الشرعي، وتضعف بالجهل والغفلة، والشبهات والشهوات. والإنسان قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وقد يرحم من لا يحب. والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبه، فإنه يحب التوابين، ويفرح بهم أشد الفرح، فهو المتودد إلى عباده بنعمه، الذي يود من تاب إليه، وأقبل عليه. والله سبحانه رؤوف بالعباد، يحب لهم ويدعوهم إلى كل ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، لأنه الرحيم الودود. ومن أعظم نعم الله على عباده أن عرفهم الدين الحق، وبين لهم الحق من الباطل، والحلال من الحرام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]. والله لطيف بعباده في جميع أحوالهم، وفيما شرعه لهم من الأحكام السهلة الميسرة، يتودد إليهم بنعمه المتوالية، وقبول توبتهم إذا تابوا، ويفرح بذلك كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٧]. ومن رحمة الرحيم الودود، وإحسانه الشامل .. علمه بضعف الإنسان من جميع الوجوه .. ضعف بدنه .. وضعف إيمانه .. وضعف صبره .. وضعف إرادته .. وضعف عزيمته .. وضعف تصوره. فلعلمه سبحانه بهذا ورحمته خفف عن الإنسان ما يضعف عنه، وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته كما قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ ... [النساء: ٢٨].

стр. 233

الحق ومن أسمائه الحسنى : الحق. قال الله تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦]. الله ﵎ هو الملك الحق، الموجود حقيقة، الذي لا يسع أحدٌ إنكاره ولا جحوده، فلا ريب ولا شك في وجوده. وهو سبحانه حق في ذاته .. وحق في أسمائه وصفاته .. وحق في أقواله وأفعاله، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به .. فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفاً .. ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفاً. فهو سبحانه الحق، وكل ما يعبد من دونه باطل وعبادته باطلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]. والله هو الحق .. وقوله حق .. وفعله حق .. ولقاؤه حق .. ورسله حق .. وكتبه حق .. ودينه حق .. وعبادته وحده لا شريك له هي الحق .. وحكمة الحق .. وكل شيء ينسب إليه فهو حق. قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ .. » متفق عليه (١). وهو سبحانه الإله الحق، والرب الحق، الذي خلق السموات والأرض وما

стр. 234

فيهن، وخلق أرزاق الخلائق، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، والذي يدبر الأمر في العالم العلوي والسفلي حي قيوم لا تأخذه سِنة ولا نوم. فهذا هو الإله الحق العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، الخالق لكل شيء، الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، ذو الأسماء الحسنى، والصفات العلا، ذو العظمة والجلال والكبرياء. ألا يستحق هذا الإله الحق أن يعبد ويطاع ويشكر؟ ألا ما أجهل وأضل من انصرف عن عبادة الله إلى عبادة غيره: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣٢]. والله ﵎ هو الحق، الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل، وجعله حكما فيما تختلف فيه الامم، وفيما تختلف فيه آراء الناس، وأقام شرائعه على العدل في الحكم، وجعله الميزان الذي توزن به القيم والحقوق، وتوزن به الأعمال والتصرفات كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧]. والله سبحانه هو الحق الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق، المشتمل على العدل والإحسان والرحمة، ليظهره على الدين كله كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ ... [الفتح: ٢٨]. وما يزال دين الحق ظاهراً على الدين كله، من حيث هو دين، فهو الدين القوي بذاته، الكامل بشرائعه، المحفوظ من التحريف والتبديل، الموافق للقلوب والجوارح، المزكي للعقل والروح، الذي يزحف بذاته وحسنه إلى القلوب والبلاد والعباد كل يوم وكل لحظة. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه .. وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

стр. 235

المبين ومن أسمائه الحسنى : المبين. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٥]. الله ﵎ هو الحق المبين، البين أمره في الوحدانية، فهو الواحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وله الأسماء الحسنى والصفات العلا، وله الجلال والجمال والكمال، الواحد لا شريك له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وهو سبحانه المبين لعباده سبيل الرشاد، الذي أوضح لهم الأعمال الموجبة لثوابه، والأعمال الموجبة لعقابه، والمبين لهم ما يأتونه وما يذرونه، وما يحبه وما يكرهه، وما يرضيه وما يسخطه من الأقوال والأعمال والأشياء: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]. وهو سبحانه الحق المبين، الذي بين بمنه وكرمه سبيل المؤمنين، ورغب الناس في سلوكها، وبين سبيل المجرمين، وحذر الناس منها، وأرسل بذلك الرسل، وأنزل الكتب كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ ... [النحل: ٨٩]. وقد سمى الله كتابه بالمبين فقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. وسمى رسوله ﷺ بالمبين كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ [الحجر: ٨٩].

стр. 236

والله ﵎ هو الحق المبين .. الذي بين في القرآن والسنة كل ما تحتاجه البشرية من البداية إلى النهاية من أحكام العبادات والمعاملات .. وأحكام المعاد والبعث والنشور .. وأحكام الحساب والجزاء والعقاب .. ووصف الجنة وأهلها .. ووصف النار وأهلها .. حتى استقر أهل الجنة في النعيم .. وأهل النار في الجحيم: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨]. فسبحان الملك الحق المبين الذي بيَّن لعباده كل شيء: فبين لعباده أسماءه الحسنى، وصفاته العلا، ليدعوه بها، ويسألونه بموجبها. وبين لهم صفات جلاله ليعظموه ويكبروه. وبين لهم صفات جماله ليحمدوه ويشكروه. وبين لهم طريق العبودية المستقيم، الذي يحببهم إليه، ويوصلهم إليه فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ ... [الأنعام: ١٥٣]. وبين للخلق ما لهم بعد القدوم عليه، من نعيم دائم في الجنة، لمن آمن به وعمل بشرعه، ومن عذاب دائم في النار، لمن كفر به وأعرض عن شرعه فقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ ... [الروم: ١٤ - ١٨]. وجمع الله سبحانه العلوم الإلهية، وبين الأحكام الشرعية، وفصل أحكام الثواب والعقاب، في الدنيا والآخرة، في كتاب عظيم، فيه تبيان كل شيء، وأمرنا باتباعه لتحصل لنا رحمته فقال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].

стр. 237

الوكيل ومن أسمائه الحسنى : الوكيل. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾ [النساء: ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ ... [الزمر: ٦٢]. الله ﵎ هو الوكيل، الذي جميع المخلوقات تحت وكالته وتدبيره وتصريفه، الذي توكل ببيان دينه، وحفظه، وحفظ كتابه، وحفظ المؤمنين، وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم ودولتهم. وهو سبحانه الوكيل، الكفيل بأرزاق الخلائق كلها، القائم بكل ما يصلحهم، المتكفل بإيصال أرزاق الخلق إليهم، وله وحده الخلق والأمر، يدبر أمر الخلائق، ويقسم الأرزاق، ويصرف الأحوال، ويفعل ما يشاء. فكل ما نحتاجه، وكل ما لا بد لنا منه، فالله سبحانه هو الوكيل والكفيل المتوكل بإيصاله إلينا، إما بنفسه فيخلق الشبع والري كما يخلق لنا الهداية في القلوب، أو يوصله إلينا بواسطة سبب، ملك أو غيره يوكل بالعبد، فيوصل إليه حقه الذي قسمه الله له. فهو سبحانه الوكيل المطلق، الذي الأمور كلها موكولة إليه، وهو قادر على القيام بها، وفي بإتمامها. وهو سبحانه وحده الوكيل الذي تفرد بحفظ الخلق، وكفايتهم، والقيام عليهم، وأمرهم جميعاً بيده، فلا يكون أمر إلا بإذنه. وقد أمر الله سبحانه بالتوكل عليه، وتفويض الأمور كلها إليه فقال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣]. والتوكل على الله نوعان: أحدهما: توكل العبد على الله في جلب المنافع الدنيوية، ودفع المصائب

стр. 238

الدنيوية. الثاني: التوكل على الله في حصول ما يحبه الله ويرضاه من الإيمان واليقين، والجهاد والدعوة، والعمل الصالح. فبين النوعين من الفضل مما لايحصيه إلا الله. فمتى توكل العبد على ربه في النوع الثاني حق توكله، كفاه النوع الأول تمام الكفاية. ومن توكل عليه في الأول دون الثاني كفاه أيضاً، لكن لا يكون له عاقبة التوكل عليه فيما يحبه الله ويرضاه. فأعظم التوكل عليه سبحانه التوكل في الهداية، وتجريد التوحيد، ومتابعة الرسول، فهذا توكل الأنبياء وخاصة أتباعهم. وهو سبحانه الكافي لمن توكل عليه، وفوض أمره إليه كما قال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ [الأحزاب: ٣]. وأخبر سبحانه عن محبته لمن توكل عليه بقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ووعد الله المتوكلين عليه بالأجر العظيم فقال سبحانه: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشورى: ٣٦]. وإذا علم العبد أن وكيله غني كريم، وفيّ قادر، فليسأله وحده، ويعرض عما سواه كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ ... [هود: ١٢٣]. اللهم: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة: ٤].

стр. 239

الكفيل ومن أسمائه الحسنى : الكفيل. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١]. الله ﵎ هو الكفيل، القائم بأمر الخلائق كلهم، المتكفل بزرقهم، وإيصاله إليهم، ورعاية مصالحهم. فهو سبحانه الذي خلق الأرزاق والمرزوقين، وخلق الحاجات والمحتاجين، فليس في وسع أحد أن يرزق نفسه، وإنما الرزاق وحده هو الله الذي تكفل برزق كل حي، من الإنس والجن، والحيوان والطير كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]. وقد توكل الله وتكفل بأرزاق العباد كلهم، المؤمن والكافر، والبشر والبهائم، ومن مات منهم جوعاً أو عطشاً، فالله سبحانه لم يقبض أحداً حتى استوفى رزقه الذي قسم له، وتكفل الله بإيصاله إليه، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها وخطاها. قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ ... [المنافقون: ١١]. وقال النبي ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ» أخرجه ابن ماجه (١).

стр. 240

القوي ومن أسمائه الحسنى : القوي. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾ [الشورى: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١]. الله ﵎ هو القوي، الذي لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، الذي ينفذ أمره وقضاؤه، الكامل القدرة فلا يعجزه شيء، التام القوة فلا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، ومن قوته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم. وهو سبحانه القوي العزيز، الذي له العزة كلها، القاهر الغلاب الذي لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، الذي قهر جميع المخلوقات، ودانت له الخلائق، وخضعت له جميع الكائنات، وامتنع أن يناله أحد من المخلوقات. وهو سبحانه القوي، الذي لا يستنصره أحد إلا غلب، ولا يعجزه أمر أراده، ولا ينفع أهل القوة قوتهم إن لم يعنهم بقوته. والله هو القوي الجبار، القوي القهار، الذي له القوة جميعاً وحده لا شريك له، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، السموات والأرض بيده أصغر من الخردلة. وهو سبحانه القوي، الذي له القدرة التامة، الذي خلق العرش والكرسي، وخلق الملائكةالعِظام، والذي خلق السموات السبع الشداد، وخلق الأرضين السبع، وخلق الجبال الراسيات، والنجوم الزاهرات، والكواكب النيرات، والحيوان والنبات، والإنس والجان. وهو سبحانه القوي القاهر الجبار، الذي قهر الجبابرة، وأذل كل متكبر جبار،

стр. 241

القوي العزيز الذي: ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ [النجم: ٥٠ - ٥٥]. أهلك الله القوي الجبار قوم عاد حين كذبوا الرسل، وكفروا بالله واستكبروا في الأرض، واغتروا بقوة أبدانهم، وضخامة أجسادهم، وعظيم بطشهم في البلاد والعباد كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ [فصلت: ١٥]. فأرسل الله عليهم عقوبة لهم الهواء الذي يألفونه، ولا يستغنون عنه لحظة، ريحاً عظيمة عقيمة، لها صوت مزعج كالرعد القاصف، ما تذر شيئاً أتت عليه إلا جعلته كالرميم، ودمرهم ذو القوة والجبروت: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وهو سبحانه القوي العزيز الذي أهلك ثموداً لما كذبوا صالحاً، وكفروا بالله، أهلكهم بصوت واحد كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ [فصلت: ١٧، ١٨]. وهو سبحانه القوي الذي أغرق قوم نوح لما كذبوا نوحاً، وكفروا بالله كما قال سبحانه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾ [الفرقان: ٣٧ - ٣٩]. وقد أهلك الله القوي العزيز الجبار جميع الأمم التي كذبت الرسل، وكفرت بالله، والذين أفسدوا في أرض الله، واستكبروا فيها بغير الحق، وجحدوا ما أنعم الله عليهم به من الملك والجاه، والمال والولد، والصحة والأمن، واستعملوا

стр. 242

تلك النعم في معصية الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾ [غافر: ٢٢]. وكان عذاب الله للأمم التي كذبت الرسل مختلفاً بحسب جرمهم، أظهر الله بذلك العذاب وتلك العقوبات قدرته، وقوته، وشدة بطشه بمن عصاه. وكانت تلك العقوبات تارة بالماء .. وتارة بالريح .. وتارة بالصيحة .. وتارة بالخسف .. وتارة بالنار .. وتارة بالحصب بالحجارة .. وذلك كما حصل لقوم لوط .. وقوم شعيب .. وعاد وثمود .. وقارون وفرعون وهامان: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. ألا ما أعظم قوة الله .. وما أشد قوة بطشه بمن عصاه، وكذب رسله. إن الله قوي عزيز .. وكل قوة في هذا الكون من الله .. وكل قوة في الجبال والبحار .. وكل قوة في الحديد والنار .. وكل قوة في الملائكة والروح .. وكل قوة في الإنس والجن والحيوان .. وكل قوة في السموات والأرض .. والنجوم والكواكب .. كل قوة في هذه المخلوقات العظيمة خلقها الله .. وأودعها في هذه المخلوقات .. وجميع قوة هذه المخلوقات لا تساوي ذرة بالنسبة لقوة الله . بل قوة جميع تلك المخلوقات لو اجتمعت لواحد منهم، ثم كان جميعهم على قوة ذلك الواحد، فإن قوة أولئك كلهم لا تساوي شيئاً بالنسبة لقوة الملك القوي العزيز الجبار: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤]. فسبحان القوي العزيز، ذو القوة المتين، القوي الذي رفع السماء بغير عمد،

стр. 243

وأمسكها أن تقع على الأرض، القوي في بطشه، الذي إذا بطش بشيء أهلكه، الجبار الذي قهر المخلوقات كلها بقوته، العزيز في ملكه، الذي ذلت وخضعت له المخلوقات كلها، في العالم العلوي وفي العالم السفلي، والذي قهر المخلوقات كلها على ما أراد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ ... [هود: ٦٦]. وسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، الذي تفرد بالقوة والعزة، وله الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦، ٣٧].

стр. 244

المتين ومن أسمائه الحسنى : المتين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. الله ﵎ هو القوي المتين، الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة، ولا يمسه لغوب. القوي الذي له القوة التامة، وله القدرة المطلقة، الذي أوجد بقوته وقدرته الأجرام العظيمة العلوية والسفلية، الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. وهو سبحانه القوي المتين، الذي يتصرف في ملكوت السموات والأرض كيف شاء، وبقوته وقدرته يتصرف بالظواهر والبواطن، الذي نفذت مشيءته في جميع البريات، لا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣]. وهو سبحانه القوي المتين، شديد القوة، فلا يقف لقوته أحد، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. أهلك سبحانه الأمم التي كذبت الرسل، وعاقبهم بأشد العقوبات كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم فرعون: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾ [غافر: ٢٢]. ومن قدرته وقوته سبحانه أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في القفار ولجج البحار: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]. اللهم يا قوي .. يا متين .. انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين.

стр. 245

الولي ومن أسمائه الحسنى : الولي .. والمولى. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج:٧٨]. الله ﵎ هو الولي الذي يتولى عباده المؤمنين بعونه وتوفيقه، ويتولاهم بالعناية والحفاظة، ويحفظهم من أن يستفزهم أعداؤهم عن دينهم، أو يصدوهم عن اتباع نبيهم. وهو سبحانه الولي الذي يتولى نصر أوليائه وإرشادهم إلى ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم ويتولى يوم القيامة ثوابهم وجزاءهم. وهو سبحانه مالك الملك، ومالك التدبير في مخلوقاته، ولي الذين آمنوا، ينصرهم على أعدائهم، ويمكن لهم في الأرض، ويجيب دعاءهم، الذي يعتزون به بين أقوامهم، ويتوكلون عليه في جميع أمورهم: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾ [النساء: ٤٥]. وهو سبحانه ولي المؤمنين في الدنيا والآخرة، ولي من آمن به، وعدو من كفر به، ينصر أولياءه، ويخذل أعداءه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ ... [محمد: ١١]. وهو سبحانه ولي المؤمنين بإنعامه عليهم وإحسانه إليهم، وتوليه سائر مصالحهم: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. والله مولى الخلق أجمعين، فهو سيدهم وربهم، وخالقهم ومالكهم، وحاكمهم ومعبودهم، خلقهم ثم أمرهم بالإيمان والعمل الصالح. فهو سبحانه الذي تولى عباده بحكمه القدري، فنفذ فيهم ما شاء من أنواع

стр. 246

التدبير والتصريف، ثم تولاهم بأمره الشرعي، فأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء يوم القيامة، فيثيبهم على الطاعات، ويعاقبهم على السيئات كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام: ٦٢]. والله هو المحب لأوليائه من الأنبياء وأتباعهم كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ [الأنعام: ١٢٧]. وهو سبحانه الذي تولى المؤمنين ولطف بهم، وأعانهم على طاعته، ويسر لهم كل سبب يوصل إلى محبته، وإنما تولاهم بسبب أعمالهم الصالحة التي قصدوا بها رضا مولاهم. ومن أعرض عن مولاه واتبع هواه، فإن الله يسلط عليه الشيطان فيتولاه، ويفسد عليه دينه ودنياه، عقوبة له على معصية مولاه كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ ... [البقرة: ٢٥٧]. وأولياء الله هم محبوه وناصروا دينه، فلهم السعادة في الدنيا والآخرة، والبشرى بما يسرهم كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. ألا ما أعظم الخالق .. وما أكرم الولي الحميد .. وما أشد بطشه بالمجرمين. فهل يليق بالعاقل أن يتوجه إلى غيره، ويتخذ ولياً غير الخالق الرازق، الغني الحميد؟: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [الأنعام: ١٤، ١٥].

стр. 247

الحميد ومن أسمائه الحسنى : الحميد. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ ... [الشورى: ٢٨]. الله ﵎ هو الغني الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أعلاها، وأفعاله كلها دائرة بين العدل والإحسان .. وصفاته دائرة بين الجلال والجمال. فهو سبحانه الحميد الذي يستحق أن يحمد، لأنه بدأ فأوجد، وخلق ورزق، الذي يعفو ويصفح، ويغفر ويتوب، وينعم ويحسن، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وهو سبحانه الحميد، الذي حمد نفسه، وأثنى على ذاته، وعلَّم خلقه كيف يحمدونه فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. وهو سبحانه المحمود الذي يستحق الحمد، المحمود على جميع أقواله وأفعاله .. وعلى دينه وشرعه .. وعلى قضائه وقدره. وهو سبحانه الولي الحميد، الغني الحميد، المحمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله، المحمود بكل لسان، وعلى كل حال، الذي استحق الحمد بفعاله. وهو سبحانه الحكيم الحميد، الذي يُّحمد على السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، فهو الحكيم الذي لا يجري في أفعاله الخطأ والنسيان، ولا يعترضه الخطأ، الحميد المستحق للحمد على الإطلاق، الذي له جميع المحامد بأسرها، وله الحمد على كل حال، وفي كل زمان، وفي كل مكان.

стр. 248

وهو سبحانه الولي الحميد، الذي والى بين منحه ونعمه، وتابع بين آلائه ومننه، وأنعم على الخلائق بنعم لا تعد ولا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. فله الحمد على كماله .. وله الحمد على جماله .. وله الحمد على جلاله .. وله الحمد على آلائه وإحسانه. وله الحمد كثيراً، كما ينعم كثيراً، ويعطي كثيراً، ويعفو كثيراً، حمداً يوافي نعمه، ويكافي مزيده. وله الحمد على العطاء .. وله الحمد على منع البلاء .. وله الحمد حيث أنعم علي َّ وعلى غيري .. وله الحمد على ما أعطاني من الخير .. وله الحمد على ما صرف عني من الشر .. وله الحمد حيث لم يقطع عني رزقه مع كثرة ما أعصيه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦]. وهو سبحانه الحميد الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محموداً، وإن لم يحمده غيره فهو حميد في نفسه. والحمد كله لله رب العالمين، وحمده سبحانه نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده في الدنيا والآخرة. وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وصفات جماله وجلاله، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، وهو أحق من كل محمود بالحمد. فالله هو المحمود على ما خلقه .. وما أمر به، ونهى عنه .. وهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم .. وعلى إيمانهم وكفرهم .. وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار .. والملائكة والشياطين .. وعلى خلق الرسل وأعدائهم .. وهو المحمود على عدله في أعدائه .. كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه. وهو سبحانه الحميد، الذي كل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده، وشاهدة بمجده: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا

стр. 249

تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ ... [الإسراء: ٤٤]. وهو سبحانه الملك الذي له الملك، وقد آتى من الملك بعض خلقه، وله الحمد، وقد آتى من الحمد ما شاء من عباده، وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه سبحانه، فحمده أيضاً داخل في حمده، فما من محمود يحمد على شيء إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية. فهو سبحانه المحمود على كل حال، وعلى كل شيء، أكمل حمد وأعظمه. والملك والحمد في حق الله متلازمان، فكل ما شمله ملكه شمله حمده، وكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجها عن حمده وحكمته. ولهذا يحمد الله نفسه عند خلقه وأمره، فهو المحمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر، وحمد ثناء كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. وقال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]. والحمد أوسع الصفات، وأعم المدائح، وأفضل ما يثني به العبد على ربه ومولاه العليم الخبير. قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) [الفرقان: ٥٨]. وقال النبي ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ «أوْ تَمْلأ» مَا بَيْنَ السموات وَالأَرْضِ» أخرجه مسلم (١). والله سبحانه محمود بذاته ولو لم يقم بحمده أحد من البشر، وهو المحمود في

стр. 250

هذا الوجود الذي يسبح بحمده، ومحمود من شتى الخلائق، ولو شذ البشر عن حمده: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨]. وهو سبحانه الحميد، الذي له الكمال المطلق، والإحسان كله منه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب، وهو ﷻ أهل أن يُّحمد، وأن يُعبد، وأن يُطاع، وأهل أن يُّحب لذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله وإحسانه. فلله الحمد على مجده .. وله الحمد على عظمته وكبريائه .. وله الحمد على عزته وقدرته .. وله الحمد على غناه .. وجميل إحسانه .. وله الحمد على توليه المؤمنين بنصرته ورعايته لهم: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص: ٧٠]. فسبحان العزيز الحميد، الذي له القدرة التامة، والمشيءة النافذة، والعلم المحيط، والسمع الذي وسع الأصوات كلها، والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات، والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات. وسبحان الملك الذي له الملك الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات، وله الغنى التام المطلق من جميع الجهات، وله العزة الغالبة القاهرة لجميع المخلوقات. وسبحان الحكيم الذي له الحكمة البالغة المشهودة آثارها في جميع الكائنات، وله الكلمات التامات النافذات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات. ومن أعظم نعم الله علينا، وما استوجب حمده علينا، أن جعلنا عبيداً له خاصة، ولم يجعلنا عبيداً لإله باطل من حجر أوخشب، لا يسمع أصواتنا، ولا يبصر أفعالنا، ولا يعلم أحوالنا، ولا يملك لعابديه ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً، ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى. فهذا حمد الرب بأسمائه وصفاته: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ
следующие страницы →