← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

التدبير والتصريف، ثم تولاهم بأمره الشرعي، فأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء يوم القيامة، فيثيبهم على الطاعات، ويعاقبهم على السيئات كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام: ٦٢]. والله هو المحب لأوليائه من الأنبياء وأتباعهم كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ [الأنعام: ١٢٧]. وهو سبحانه الذي تولى المؤمنين ولطف بهم، وأعانهم على طاعته، ويسر لهم كل سبب يوصل إلى محبته، وإنما تولاهم بسبب أعمالهم الصالحة التي قصدوا بها رضا مولاهم. ومن أعرض عن مولاه واتبع هواه، فإن الله يسلط عليه الشيطان فيتولاه، ويفسد عليه دينه ودنياه، عقوبة له على معصية مولاه كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ ... [البقرة: ٢٥٧]. وأولياء الله هم محبوه وناصروا دينه، فلهم السعادة في الدنيا والآخرة، والبشرى بما يسرهم كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. ألا ما أعظم الخالق .. وما أكرم الولي الحميد .. وما أشد بطشه بالمجرمين. فهل يليق بالعاقل أن يتوجه إلى غيره، ويتخذ ولياً غير الخالق الرازق، الغني الحميد؟: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [الأنعام: ١٤، ١٥].

стр. 247

الحميد ومن أسمائه الحسنى : الحميد. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ ... [الشورى: ٢٨]. الله ﵎ هو الغني الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أعلاها، وأفعاله كلها دائرة بين العدل والإحسان .. وصفاته دائرة بين الجلال والجمال. فهو سبحانه الحميد الذي يستحق أن يحمد، لأنه بدأ فأوجد، وخلق ورزق، الذي يعفو ويصفح، ويغفر ويتوب، وينعم ويحسن، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وهو سبحانه الحميد، الذي حمد نفسه، وأثنى على ذاته، وعلَّم خلقه كيف يحمدونه فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. وهو سبحانه المحمود الذي يستحق الحمد، المحمود على جميع أقواله وأفعاله .. وعلى دينه وشرعه .. وعلى قضائه وقدره. وهو سبحانه الولي الحميد، الغني الحميد، المحمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله، المحمود بكل لسان، وعلى كل حال، الذي استحق الحمد بفعاله. وهو سبحانه الحكيم الحميد، الذي يُّحمد على السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، فهو الحكيم الذي لا يجري في أفعاله الخطأ والنسيان، ولا يعترضه الخطأ، الحميد المستحق للحمد على الإطلاق، الذي له جميع المحامد بأسرها، وله الحمد على كل حال، وفي كل زمان، وفي كل مكان.

стр. 248

وهو سبحانه الولي الحميد، الذي والى بين منحه ونعمه، وتابع بين آلائه ومننه، وأنعم على الخلائق بنعم لا تعد ولا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. فله الحمد على كماله .. وله الحمد على جماله .. وله الحمد على جلاله .. وله الحمد على آلائه وإحسانه. وله الحمد كثيراً، كما ينعم كثيراً، ويعطي كثيراً، ويعفو كثيراً، حمداً يوافي نعمه، ويكافي مزيده. وله الحمد على العطاء .. وله الحمد على منع البلاء .. وله الحمد حيث أنعم علي َّ وعلى غيري .. وله الحمد على ما أعطاني من الخير .. وله الحمد على ما صرف عني من الشر .. وله الحمد حيث لم يقطع عني رزقه مع كثرة ما أعصيه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦]. وهو سبحانه الحميد الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محموداً، وإن لم يحمده غيره فهو حميد في نفسه. والحمد كله لله رب العالمين، وحمده سبحانه نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده في الدنيا والآخرة. وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وصفات جماله وجلاله، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، وهو أحق من كل محمود بالحمد. فالله هو المحمود على ما خلقه .. وما أمر به، ونهى عنه .. وهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم .. وعلى إيمانهم وكفرهم .. وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار .. والملائكة والشياطين .. وعلى خلق الرسل وأعدائهم .. وهو المحمود على عدله في أعدائه .. كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه. وهو سبحانه الحميد، الذي كل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده، وشاهدة بمجده: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا

стр. 249

تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ ... [الإسراء: ٤٤]. وهو سبحانه الملك الذي له الملك، وقد آتى من الملك بعض خلقه، وله الحمد، وقد آتى من الحمد ما شاء من عباده، وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه سبحانه، فحمده أيضاً داخل في حمده، فما من محمود يحمد على شيء إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية. فهو سبحانه المحمود على كل حال، وعلى كل شيء، أكمل حمد وأعظمه. والملك والحمد في حق الله متلازمان، فكل ما شمله ملكه شمله حمده، وكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجها عن حمده وحكمته. ولهذا يحمد الله نفسه عند خلقه وأمره، فهو المحمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر، وحمد ثناء كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. وقال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]. والحمد أوسع الصفات، وأعم المدائح، وأفضل ما يثني به العبد على ربه ومولاه العليم الخبير. قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) [الفرقان: ٥٨]. وقال النبي ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ «أوْ تَمْلأ» مَا بَيْنَ السموات وَالأَرْضِ» أخرجه مسلم (١). والله سبحانه محمود بذاته ولو لم يقم بحمده أحد من البشر، وهو المحمود في

стр. 250

هذا الوجود الذي يسبح بحمده، ومحمود من شتى الخلائق، ولو شذ البشر عن حمده: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨]. وهو سبحانه الحميد، الذي له الكمال المطلق، والإحسان كله منه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب، وهو ﷻ أهل أن يُّحمد، وأن يُعبد، وأن يُطاع، وأهل أن يُّحب لذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله وإحسانه. فلله الحمد على مجده .. وله الحمد على عظمته وكبريائه .. وله الحمد على عزته وقدرته .. وله الحمد على غناه .. وجميل إحسانه .. وله الحمد على توليه المؤمنين بنصرته ورعايته لهم: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص: ٧٠]. فسبحان العزيز الحميد، الذي له القدرة التامة، والمشيءة النافذة، والعلم المحيط، والسمع الذي وسع الأصوات كلها، والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات، والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات. وسبحان الملك الذي له الملك الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات، وله الغنى التام المطلق من جميع الجهات، وله العزة الغالبة القاهرة لجميع المخلوقات. وسبحان الحكيم الذي له الحكمة البالغة المشهودة آثارها في جميع الكائنات، وله الكلمات التامات النافذات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات. ومن أعظم نعم الله علينا، وما استوجب حمده علينا، أن جعلنا عبيداً له خاصة، ولم يجعلنا عبيداً لإله باطل من حجر أوخشب، لا يسمع أصواتنا، ولا يبصر أفعالنا، ولا يعلم أحوالنا، ولا يملك لعابديه ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً، ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى. فهذا حمد الرب بأسمائه وصفاته: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ

стр. 251

الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦]. وأما حمده سبحانه على النعم والآلاء، فإن آلاء الله ونعمه مشهودة للخلق كلهم، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وسعة رحمته لهم، وبره ولطفه بهم. اتخذ لعباده داراً وملأها من جميع الخيرات، وأرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، وفتح لهم أبواب الهداية، ويسر لهم كيفية الوصول إليها، وأماتهم على ذلك. وذلك كله يستوجب حمده وشكره على آلائه وإحسانه وإنعامه، فلله الحمد كله على ما أنعم به من غذاء الأبدان، وله الحمد على ما تفضل به من غذاء القلوب والأرواح، وله الحمد على ما أعطى، وعلى ما منع، وعلى ما قدم وأخر، وعلى ما قضى وقدر، وعلى ما شرع وأمر. وكمال حمده سبحانه يوجب ألا يُنسب إليه شر ولا سوء ولا نقص، لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. والعبد إذا فعل الشر والسوء المنهي عنهما، فقد فعل الشر والسوء بإذن الله، ولله في ذلك حكمة بالغة يحمد عليها، وإن كان وقوعه من العبد عيباً وشراً، وهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء في موضعه. فسبحان الحكيم الحميد الذي له الحمد في الأولى والآخرة: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السموات وَمِلْءُ الأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» أخرجه مسلم (١).

стр. 252

الحي ومن أسمائه الحسنى : الحي. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. الله ﵎ هو الحي القيوم، الدائم الباقي، الذي لا يجوز عليه الموت، ولا الزوال ولا الفناء، الحي الذي لا يموت ولا يبيد، الذي لم يزل موجوداً، وبالحياة موصوفاً. وهو سبحانه الحي في ذاته، الذي لا يموت أبداً، لم تحدث له الحياة بعد الموت، ولا يعترضه الموت بعد الحياة. وهو سبحانه الحي الباقي الدائم الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكل شيء هالك إلا وجهه، فلا أحد يستحق أن يؤلَّه ويعبد ويحب إلا الله الحي الباقي، الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإذا كان ما سواه هالكاً فعبادة الهالك الباطل باطلة: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ ... [القصص: ٨٨]. وإذا كان ما سوى الله باطلاً هالكاً، والله هو الحي الباقي، الذي لا إله إلا هو، وله الحكم في الدنيا والآخرة، وإليه مرجع الخلائق كلهم، فيجازيهم بأعمالهم، تعين على العاقل أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويحذر من سخطه وعقابه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ ... [الفرقان: ٥٨]. والله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، يدبر الأمر في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويثيب ويعاقب، وينصر ويخذل: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].

стр. 253

وهو سبحانه الحي: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. وفي كل لحظة يخلق الحي القيوم ما لا يحصى من الأحياء من نبات وحيوان وإنسان، ويتكفل بتدبيرهم، ويسوق إليهم أرزاقهم، وبيده بقاؤهم وفناؤهم، وفي كل لحظة يموت بأمر الله ما لا يحصى من الأحياء. والموت كالحياة سر لا يعلمه إلا الله، ولا يملك أحد أن يحدثه، لأن أحداً غير واهب الحياة لا يستطيع سلبها فسبحان الذي: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)﴾ [الحديد: ٢].

стр. 254

القيوم ومن أسمائه الحسنى : القيوم .. والقائم. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ ... [البقرة: ٢٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ [طه: ١١١]. وقال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ ... [آل عمران: ١٨]. الله ﵎ هو الحي القيوم، القائم الدائم الذي لا يزول، القائم بحفظ كل شيء ورزقه وتدبيره، القائم على كل شيء بالرعاية له، القائم بتدبير الخلائق، المتولي جميع ما يجري في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، وما يجري في الدنيا والآخرة، القائم بنفسه، القيوم لأهل السموات والأرض، القائم بقسمة أرزاقهم، وتصريف أحوالهم، وحشرهم وحسابهم. وهو سبحانه القيوم بنفسه، لا يحتاج في قيامه ودوامه إلى أحد، ولا قيام للخلائق كلها من كبير وصغير، وقوي وضعيف، إلا بإقامة الحي القيوم لهم، فجميع المخلوقات الله سبحانه القائم عليها، لأنها ليست قائمة بنفسها، بل هي محتاجة للحي القيوم الذي يخلقها ويحييها ويحفظها ويرزقها. ومن عرف ربه بذلك توكل عليه، وانقطع قلبه عن الخلق إليه. وهو سبحانه القيوم الذي قام بنفسه، فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام به غيره، فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد، والإمداد، والبقاء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].

стр. 255

والله ﷻ هو الحي القيوم، الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم، القائم بنفسه فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه. مالك السموات والأرض، الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. العالم بكل شيء، الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلق وما خلفهم، فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه. السميع لأصوات وأقوال وحركات الخلائق، الذي لكمال سمعه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. البصير بكل شيء، الذي لكمال بصره لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. وهو سبحانه القائم على هذا الكون العظيم بكلياته وجزئياته في كل وقت، في السموات والأرض، في الدنيا والآخرة، القائم على كل نفس، يعلم أحوالها، ويسمع أقوالها، ويبصر أفعالها. فهل يليق بالعاقل أن يجعل لربه الحي القيوم شريكاً في الخلق والتدبير والعبودية .. ؟. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ .. وماذا بعد النور إلا الظلام .. ؟: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ ... [الرعد: ٣٣]. اللهم اهدنا فيمن هديت .. وعافنا فيمن عافيت .. وتولنا فيمن توليت .. وقنا برحمتك واصرف عنا شر ما قضيت.

стр. 256

الواحد ومن أسمائه الحسنى : الواحد .. والأحد. قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]. الله ﵎ هو الواحد، الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر، الأحد الذي لا شبيه له ولا نظير. وهو سبحانه الإله الواحد الأحد، الذي لا إله إلا هو وحده، لا شريك له في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. والله هو الواحد الأحد، الذي توحد بجميع الكمالات، وأحسن الأسماء، وأعلى الصفات، الذي له وحده صفات الكمال والجلال، والجمال والكبرياء: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. والله ﷻ هو الواحد الأحد، الذي يجب أن تصرف العبادة له وحده لا شريك له، فهي خالص حقه سبحانه، وهو المعبود بحق، وغيره يعبد بباطل، فالعبادة خالص حقه، فلا يجوز صرفها لغيره كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. وهو سبحانه الواحد الأحد، الذي لا شبيه له في ذاته وأسمائه وصفاته، وليس له من يشاركه في ذرة من ذرات ملكه العظيم، أو يخلفه في تدبير خلقه. وقد رغب النبي ﷺ في تجديد التوحيد والإيمان، لما في ذلك من دفع المسلم للخير والعمل الصالح، وذلك بالإكثار من ذكر الله في كل الأوقات. قال النبي ﷺ : «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ،

стр. 257

وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ، مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ، يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أحَدٌ أفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا أحَدٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ، مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» متفق عليه (١). فما أجهل وما أضل من يعبد غير الله مما لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر، ويترك عبادة الله الذي تفرد بالخلق والإيجاد، والرزق والإمداد، والتصريف والتدبير، والبسط والقبض، والخفض والرفع، والنفع والضر: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ ... [المائدة: ٧٦]. حقا .. إن من عُرض عليه الحق فرده، عوقب بفساد قلبه وعقله، ورأيه وحياته، كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧]. فلينتظر العقوبة في الدنيا والآخرة كل كافر مشرك بالله كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].

стр. 258

الصّمد ومن أسمائه الحسنى : الصمد. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١، ٢]. الله ﵎ هو الصمد .. السيد المطاع الذي لا يُقضى دونه أمر .. السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج .. الذي لا أحد فوقه .. السيد الذي يُصمد إليه في الأمور .. ويُقصد في الحوائج والنوازل .. السيد العظيم الدائم الباقي الذي لا يفنى .. الذي يلجأ إليه وحده عند الشدائد والحاجات. وهو سبحانه الصمد الذي تقدس وتنزه عن صفات الخلق، الذي: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٣، ٤]. وهو سبحانه الصمد العظيم، القادر على كل شيء، وليس في الوجود صمد سواه، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد. وهو سبحانه الصمد الذي قد كمل في سؤدده .. العظيم الذي قد كمل في عظمته .. الحليم الذي قد كمل في حلمه .. الغني الذي قد كمل في غناه .. الجبار الذي قد كمل في جبروته .. العالم الذي قد كمل في علمه .. الحكيم الذي قد كمل في حكمته .. الصمد الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد. له سبحانه الأسماء الحسنى، والصفات العلا كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. والله هو الصمد الباقي الدائم الذي لا يفنى ولا يزول، الأول بلا ابتداء، الدائم بلا انتهاء كما قال سبحانه عن نفسه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. والأحد والصمد اسمان من أسماء الله ، يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال. فالأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يشعر بجميع

стр. 259

صفات الكمال، لأنه الذي كمل في سؤدده. والله سبحانه هو المستحق أن يكون هو الصمد دون سواه؛ لأن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، وليس أحد يصمد إليه كل شيء، ولا يصمد هو إلى كل شيء، إلا الله ﵎. وقد اشتملت سورة الإخلاص على اسمين من أسماء الله الحسنى (الأحد والصمد) وهما يتضمنان جميع صفات الكمال، ولم يوجدا في غيرها من السور ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن. فيجب على العبد أن يعلم أن الله هو الأحد الصمد وحده لا شريك له، فلا يقصد بعبادته غيره، ولا يلجأ في حوائجه إلا إليه. فواعجباً من غفلة العباد عمن لا يغفل عن برهم والإحسان إليهم، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤]. وواعجباً من إعراضهم عن ربهم، وتعلقهم بعبادة ما سواه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٤]. فواحسرتاه .. ماذا تفعل الشياطين ببني آدم، حتى اجتالتهم عن دينهم، وزينت لهم سوء أعمالهم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ ... [البينة: ٥].

стр. 260

القادر ومن أسمائه الحسنى : القادر .. والقدير .. والمقتدر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنعام: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ [المعارج: ٤٠، ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. الله ﵎ هو القادر، الذي له القدرة التامة الشاملة الكاملة، الذي لا يعجزه شيء، ولا يفوته مطلوب، القادر على ما يشاء، وعلى ما يريد، لا يعترضه عجز ولا فتور، ولاجهل ونسيان. وهو سبحانه القدير التام القدرة، وبقدرته أوجد الكائنات، وخلق المخلوقات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون. وهو سبحانه المقتدر التام القدرة، الذي لا يمتنع عليه شيء، القادر على كل شيء، المظهر قدرته بفعل كل شيء، فلا يعجزه شيء على الإطلاق: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر: ٤٤]. والله ﷻ هو الخالق، القادر على خلق كل شيء، خلق العرش والكرسي، وخلق السموات والأرض، وخلق الكواكب والنجوم، وخلق

стр. 261

الشمس والقمر، وخلق الملائكة والروح. وخلق سبحانه التراب والجبال، وخلق البحار والرياح، وخلق الماء والنار، وخلق النبات والحيوان، وخلق الإنس والجان، وخلق كل شيء فقدره تقديراً. وهذه المخلوقات العظيمة وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، ولا يمكن لأحد أن يعدها أو يحصيها أو يحيط بها، كلها دالة على كمال قدرة الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ ... [الزمر: ٦٧]. فسبحان العظيم كامل العظمة، القوي كامل القوة، القادر كامل القدرة الذي خلق السموات والأرض، وخلق الدنيا والآخرة، وهو على كل شيء قدير. وكل ما خلقه الله فهو إ حسان إلى عباده، ولهذا كان الله مستحقاً للحمد على كل حال، وكل المخلوقات التي خلقها الله هي من آلائه، والآلاء هي النعم. والنعم كلها من آياته الدالة على ذاته المقدسة ووحدانيته وكمال علمه وقدرته، وفيها منافع لعباده غير الاستدلال كما في خلق الشمس والقمر، والليل والنهار، والنبات والحيوان، فإن هذه كلها من آياته، وفيها نعم عظيمة على عباده غير الاستدلال. فهي توجب الشكر لما فيها من النعم، وتوجب التذكر لما فيها من الدلائل على عظمة البارئ وقدرته كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢]. وكل عبد يدعوه إلى عبادة الله داعيان: داعي الشكر .. وداعي العلم. فإنه يشهد نعم الله التي لا تحصى مبذولة لكل مخلوق، وذلك داع إلى شكرها، وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، والله تعالى هو المنعم المحسن، الذي كل ما بالعباد من نعمة فمنه وحده لا شريك له.

стр. 262

ويشهد كذلك كمال قدرة الله وعظمته، وجلاله وكبريائه. فينشأ من هذا التعظيم لله، ومن ذاك الشكر له، ومحبته، والذل له. وهذه هي العبودية التي أرادها الله من عباده، وخلقهم من أجلها كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ ... [الذاريات: ٥٦]. فوا عجباً كيف يعصى من هذا خلقه، وهذا إحسانه، وهذه قدرته؟. وكيف لا يشكر وهذا فضله وإنعامه وإحسانه لعموم عباده؟. وكيف لا يعبد ويطاع، وهو الكبير الذي بيده الملك، وله الكمال والجلال والجمال، وله الكبرياء في السموات والأرض؟. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].

стр. 263

الأول ومن أسمائه الحسنى : الأول. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد:٣]. وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ! أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأغْنِنَا مِنَ الْفَقْر» أخرجه مسلم (١). الله ﵎ هو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، السابق للمخلوقات كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية إذ كان موجوداً ولا شيء قبله ولا معه. قال النبي ﷺ : «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ» أخرجه البخاري (٢). والله هو الأول، وكل نعمة في الكون فهو الذي ابتدأها، فبفضله ورحمته خلق الإنسان وهداه، ووفقه وأعانه، وبفضله ورحمته وصل إلى رضاه ورحمته، وقربه وكرامته. فهو سبحانه الأول في ذلك كله، كما أنه الأول في كل شيء. وعبوديته سبحانه باسمه الأول، تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب، والوقوف معها، والالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد. فمنه سبحانه الإيجاد، والإعداد، والإمداد، والهداية، وفضله سابق على الوسائل والأسباب، والوسائل من مجرد فضله وجوده، لم تكن بوسائل أخرى. فهو سبحانه الأول قبل كل شيء، له المنة والفضل، وله العزة والكبرياء، وهو

стр. 264

أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، لا إله غيره، ولا رب سواه. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، ووجه قلوبنا إليه سبحانه دون سواه، وعصمنا من عبادة العبيد، وحفظنا من السجود للأصنام والأوثان. والحمد لله الذي أسبغ علينا وافر النعم، ونسأله أن يتم علينا نعماً هو ابتدأها، وكانت أوليتها منه بلا سبب منا، فله الحمد كثيراً كما ينعم كثيراً. وسبحان الرحيم، الذي من أقبل إليه تلقاه من بعيد، ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد، ومن شكره وترك لأجله أعطاه فوق المزيد. فتوكل عليه وحده، وعامله وحده واقصر حبك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشورى: ١٠ - ١٢].

стр. 265

الآخر ومن أسمائه الحسنى : الآخر. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. الله ﵎ هو الآخر، الذي لا انتهاء لوجوده، الباقي بعد فناء الخلق. وليس معنى الآخر ما له الانتهاء، كما ليس معنى الأول ما له الابتداء. فهو ﷻ الأول والآخر، وليس لكونه ووجوده أول ولا آخر. وهو سبحانه الأول والآخر، وإليه يرجع الأمر كله، فهو سبحانه أول كل شيء وآخره، وله الأمر من قبل ومن بعد، وكما أنه رب كل شيء وفاعله، وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح إلا بعبادته. فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها ومحبتها. فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ. وعبادة الله باسمه الآخر تقتضي عدم ركون العبد إلى الأسباب، والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي، ويبقى الدائم الباقي بعدها. فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق بالمولى الكريم حقيق أن لا يشقى ولا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به. فهو سبحانه الأول الذي كان قبل الأسباب والمخلوقات كلها، وهو الآخر الذي يبقى بعد الأسباب والمخلوقات كلها، فكان الله ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلا وجهه كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو

стр. 266

الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. وهو سبحانه الآخر، الذي تنتهي إليه الأمور، وإليه تصير الأشياء والخلائق بالبعث والنشور، وإلى الله المنتهى في كل حال، فإليه ينتهي العلم والحكمة، والرحمة والقدرة، وسائر صفات الكمال: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].

стр. 267

الظاهر ومن أسمائه الحسنى : الظاهر. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. الله ﵎ هو الظاهر على كل شيء، العالي فوق كل شيء، الظاهر القادر الذي ظهر فوق كل شيء. وهو سبحانه الظاهر الذي ظهر بالدلائل الدالة عليه، وأفعاله المؤدية إلى العلم به ومعرفته في الظاهر. وهو سبحانه الظاهر القوي، الذي ظهر وغلب وقهر جميع المخلوقات في العالم العلوي وفي العالم السفلي. وهو سبحانه الظاهر القادر، الذي ظهر فوق كل شيء، فلا يعلوه سبحانه شيء من مخلوقاته أبداً، فمع نزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، لا يزال فوق العرش، لا يكون تحت المخلوقات أبداً، ولا تكون المخلوقات والسموات محيطة به أبداً. فهو العلي الأعلى، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، المحيط بكل شيء، العلي في دنوه، القريب في علوه. فهو سبحانه ينزل ويجيء ويأتي، ولكن ينزل نزولاً لا يماثل نزول المخلوقين، نزولاً يختص به وحده لا شريك له، فليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وعبودية الله باسمه الظاهر تقتضي علم العبد بعلوه المطلق على كل شيء بذاته، وأنه ليس فوقه شيء البتة، وأنه قاهر فوق عباده، يسمع ويرى، ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض.

стр. 268

فإذا علم العبد ذلك توجه إليه وأقبل عليه، وأعرض عمن سواه، واجتمع قلبه عليه، وصار له رباً يقصده، ومعبوداً يصمد إليه في حوائجه. فإذا استقر ذلك في قلبه، وعرف ربه باسمه الظاهر، استقامت له عبوديته، وصار له موئلاً يلجأ إليه، وملاذاً يفر إليه. فيا سعادة من آثر رضاه وحده، وتوكل عليه وحده، واستغنى به عمن سواه، فأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة، وزكِّ له باطنك فإنه عنده ظاهر: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].

стр. 269

الباطن ومن أسمائه الحسنى : الباطن. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. الله ﵎ هو الباطن، المحتجب عن أبصار الخلق، الذي لا يراه أحد في الدنيا، ولا تدركه الأبصار في الآخرة، ولا تحيط به سبحانه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]. فالمؤمنون في الآخرة وإن كانوا يرونه سبحانه إلا أنهم لا يدركونه ولا يحيطون به، لكمال عظمته وجلال كبريائه. فالخالق ﷻ ذو الملكوت، والجبروت، والكبرياء، والعظمة، له العزة والعظمة، وله الجلال والكبرياء، وهو أعظم وأجل وأكبر من أن يحيط به أحد من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل هو المحيط بكل شيء: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. أما الكفار فلا يرون الرب مطلقاً لا في الدنيا ولا في الآخرة عقوبة لهم كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥، ١٦]. وهو سبحانه العليم ببواطن الأمور وظواهرها، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره. يعلم السر وأخفى، ويستوي عنده من هو مستخف في قعر بيته في ظلام الليل، ومن هو سائر في طريقه في بياض النهار، يستوي عنده في العلم به هذا .. وهذا: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد: ١٠].

стр. 270

وعبادة الله باسمه الباطن تستوجب معرفة العبد بإحاطة الرب ﷻ بالعالم العلوي والسفلي، ومعرفته بعظمته وكبريائه، وأن الخلائق كلها في قبضته، وأن السموات السبع والأرضين السبع في يده أصغر من الخردلة في يد الإنسان، وأنه اللطيف الذي يعلم السر وأخفى. الباطن الذي ليس دونه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه، وله قرب خاص من عابديه كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ ... [البقرة: ١٨٦]. وقال النبي ﷺ : «يَا أيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غَائِباً، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتعالى جَدُّه» متفق عليه (١). وقال النبي ﷺ : «أقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأكْثِرُوا الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم (٢). وهذا القرب من لوازم المحبة .. فكلما كان الحب أعظم كان القرب أكثر .. فتستولي محبة المحبوب على قلب العبد .. ويغلب محبوبه على قلبه حتى كأنه يراه ويشاهده .. فيرى الإله أقرب إليه من كل شيء مع كونه ظاهراً ليس فوقه شيء. فسبحان الذي يعلم السر وأخفى، وملأ قلوب من شاء بالإيمان والتقوى.

стр. 271

البر ومن أسمائه الحسنى : البر. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٨]. الله ﵎ هو البر، اللطيف بعباده، الذي عم ببره جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه وإحسانه. وهو سبحانه البر الرحيم بعباده، العطوف عليهم، المحسن إليهم، البر بالمحسن في مضاعفة الثواب له، والبر بالمسيء في الصفح والتجاوز عنه. وهو سبحانه البر الرحيم الكريم، الذي عمّ جميع خلقه بعطائه، المحسن إليهم، المصلح لأحوالهم في الدنيا والدين. أما في الدنيا فبما قسم لهم من الأرزاق، وأعطاهم من الصحة والقوة، والمال والأولاد، والجاه والرياسة، ونحو ذلك من النعم التي لا يمكن إحصاؤها. ويشترك في هذا المؤمن والكافر، والبر والفاجر. وأما في الدين فبما منَّ الله به على المؤمنين من التوفيق للإيمان والطاعات، ثم إعطاؤهم الثواب الجزيل على ذلك في الدنيا والآخرة. وهو سبحانه الذي هدى ووفق وأعان أولاً، وأثاب وأعطى آخراً. فمنه الإيجاد .. ومنه الإعداد .. ومنه الإمداد .. ومنه الهداية. فله الحمد في الأولى والآخرة. وهو سبحانه البر الرفيق بعباده، الذي يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر، فلا يكلفهم ما لا يطيقون، ويعفو عن كثير من سيئاتهم، ويجزيهم بالحسنة عشر أمثالها، ولا يجزيهم بالسيئة إلا واحدة. الذي طلب من العباد القليل من العمل، وأعطى لهم الجزيل من الأجر، وهو

стр. 272

الغني عن العباد وما يعملون. وهو سبحانه البر الرحيم، الذي يمهل المسيء من عباده، ويعطيه المهلة بعد المهلة للتوبة، مع قدرته على المعاجلة بالعقوبة: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾ [الكهف: ٥٨]. والله ﷻ هو البر، الذي يحب البر، ويأمر به، ويحب من يتخلق به من عباده الأبرار. والبر اسم جامع للخيرات كلها، ولا ينال العبد بر الله تعالى إلا باتباع ما يفضي إلى بره ومرضاته ورحمته، وذلك بالاستقامة على عبادته وطاعته كما قال سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]. وهو سبحانه البر الذي أنعم على عموم عباده بعطائه، لأنه لا رازق غيره، وجميع الأرزاق ملكه. فأعطى الكفار من النعم التي يتمتعون بها قليلاً في الدنيا، ويعذبون عليها طويلاً في الآخرة، وهذه أعلى حالة تكون للكافر في الدنيا. فلا يغترُالمؤمن بهذا المتاع الذي ليس له ثبوت ولا بقاء كما قال سبحانه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧]. أما المؤمنون بالله المتقون له، فلهم مع عز الدنيا ونعيمها، جنات في الآخرة تجري من تحتها الأنهار، نزلاً لعباده الأبرار، وهم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم البر الرحيم من بره أجراً عظيماً، وعطاءً جسيماً، وفوزاً دائماً، وما يحصل لهم في الدنيا من الشدة والعناء، فهو بالنسبة إلى النعيم المقيم في الآخرة نزر يسير، ومنحة في صورة محنة، والله حكيم عليم. فلله ماذا ينتظر هؤلاء الأبرار من النعيم والبهجة والسرور؟:

стр. 273

﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران: ١٩٨]. وكتاب هؤلاء الأبرار في أعلى الأمكنة وأوسعها وأفسحها، وهم في أعلى الجنة، وكتابهم يشهده المقربون من الملائكة الكرام، والأنبياء والأبرار: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١]. فما أكرم هذا الرب العظيم، الذي أنعم على عباده في الجنة بأعلى أنواع النعيم، نعيم القلب، ونعيم الروح، ونعيم البدن، ولقاهم نضرةً وسروراً، وبهجةً وحبوراً: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٦]. اللهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ [آل عمران: ١٩٣].

стр. 274

التواب ومن أسمائه الحسنى : التواب. قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة: ١٠٤]. الله ﵎ هو التواب، الذي يتوب على من يشاء من عباده، ويقبل توبته، الذي كلما تكررت توبة العبد تكررمنه القبول، المعيد إلى عبده فضله ورحمته إذا هو رجع إلى طاعته، وندم على معصيته، الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفق من أحب منهم إلى ما يرضيه عنه. وهو سبحانه التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين، التارك مجازاته بعد توبته بما سلف من ذنبه. وهو التواب الرحيم، الذي يسر أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى، بما يظهر لهم من آياته، ويسوق إليهم من تنبيهاته، وما يطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته، حتى إذا اطلعوا وعرفوا غوائل الذنوب، استشعروا الخوف بتخويفه، فرجعوا إلى التوبة، فرجع إليهم فضل الله التواب بالقبول. فالعبد تائب، والله تواب، وإذا تاب الله على العبد وفقه للتوبة، فتاب العبد، ثم قبل الله توبته، وغفر ذنبه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وهو سبحانه التواب، الذي من رأفته ورحمته أن مَنَّ على من شاء من عباده بالتوبة، وحببها لهم، وقبلها منهم، وثبتهم عليها، وأثابهم عليها، وتاب عليهم قبل أن يتوبوا كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ

стр. 275

عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨]. وهو سبحانه التواب، الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، وسمى الله نفسه تواباً، لأنه خالق التوبة في قلوب عباده، الذي يسر لهم أسبابها، والراجع بهم من الطريق الذي يكره إلى الطريق الذي يرضى. ولما كانت المعاصي متكررة من العباد، جاء بصيغة المبالغة (توّاب) ليقابل الخطايا الكثيرة، والذنوب العظيمة، بالتوبة الواسعة الدائمة. ووصف ﵎ نفسه بالتواب مبالغة، لكثرة من يتوب عليه من العباد في مشارق الأرض ومغاربها، ولتكرره ذلك في الشخص الواحد، وتنوع الذنوب واختلافها: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [النور: ١٠]. وهو سبحانه التواب، الذي تفرد بقبول توبة التائبين من عباده، لا يشركه في ذلك أحد من خلقه، ولا يغفر الذنوب والخطايا إلا هو، وليس لأحد غير الله قدرة على خلق التوبة في قلب أحد من الناس. وليس لأحد كذلك أن يقبل توبة من أسرف على نفسه، ولا أن يعفو عنه ذنوبه وآثامه، سوى الرب التواب وحده. وقد كفر إليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وجعلوا لمن أذنب من العباد أن يأتي الحبر أو الراهب فيعترف أمامه بالذنب، ويعطيه شيءاً من المال فيحط عنه ذنوبه. وهذا من ضلالاتهم الكثيرة التي أضلوا بها الناس، وأكلوا بها أموال الناس بالباطل دهوراً طويلة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. فما أعظم افتراء هؤلاء على ربهم، وما أشد ضلالهم عن الصراط المستقيم.

стр. 276

فلله كم لعب الشيطان بعقول هؤلاء فكذبوا؟، وبعقول أولئك فقبلوا؟، وكيف سفّه عقل الإنسان إلى هذه الدرجة؟. وكيف أضل هؤلاء وهؤلاء بمكره وكيده؟: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النحل: ٦٣]. ألا إن التوبة بيد الله وحده، ومغفرة الذنوب بيد الله وحده، فهو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. فكم تاب على التائبين؟ وكم غفر من ذنوب المستغفرين؟: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ ... [آل عمران: ١٣٥]. وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّك أنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» متفق عليه (١). وهو سبحانه التواب الرحيم، الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة فلا يتوب عليه. وهو سبحانه التواب الحكيم، الذي لا يعاجل أهل المعاصي بالعقوبة، بل يمهلهم ليتوبوا إليه، ويرجعوا عن معاصيهم إليه، الحكيم الذي لا يفضح أهل الذنوب ابتداءً، بل يسترهم ليكون ذلك عوناً لهم على توبتهم، ولولا فضل الله ورحمته وحكمته لعاجل من عصاه بالعقوبة، وفضح أهل الذنوب بذنوبهم، ولكنه المولى الكريم، التواب الرحيم، ستر أهل الذنوب والمعاصي فضلاً منه ورحمة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [النور: ١٠]. فسبحانه من تواب ما أكرمه .. ومن كريم ما أجوده .. ومن عظيم ما أرحمه. والتوبة واجبة على كل عبد من جميع الذنوب، وهي ترك الذنب لقبحه، والندم

стр. 277

على ما فرط منه، والعزم على ترك العود إليه، وتدارك ما فاته من الأعمال بالإعادة، ورد المظالم والحقوق لأهلها، وأفضل الناس أحسنهم قياماً بها، وتكرارها والإكثار منها، فإذا تخلى العبد عنها صار ظالماً لنفسه، فالناس رجلان، تائب وظالم لا ثالث لهما: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١]. وقد أمرنا الله بالتوبة، وعلق بها الفلاح فقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. والتوبة لا يستغني عنها أحد من الخلق، لأنها ليست نقصاً، بل هي من الكمال الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر به. فالله يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه، ليحصل له بذلك تكميل العبودية والتضرع، والخشوع لله، والإنابة إليه، فلا يكمل أحد ويحصل له كمال القرب من الله، ويزول عنه ما يكره إلا بها، والله يحب التوابين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقد أخبر الله عن عامة الأنبياء بالتوبة والاستغفار: فقال آدم ﷺ : ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال نوح ﷺ : ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ، مِائَةَ مَرَّةٍ» أخرجه مسلم (١). ومحمد (أكمل الخلق، وأكرمهم على الله، والمقدم على الخلق كلهم في جميع أنواع الطاعات، وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد مائة مرة من

стр. 278

قبل أن يقوم: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ» أخرجه أبو داود والترمذي (١). فهو أفضل المحبين لله، وأفضل المتوكلين على الله، وأفضل العابدين له، وأفضل التائبين إليه، وتوبته أكمل من توبة غيره، ولهذا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبهذه العبودية التامة نال الشفاعة الكبرى في الخلق يوم القيامة. فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله، الذين هم أعرف الخلق بربهم، وأكملهم عبادة له، خاصة سيدهم وأشرفهم محمد ﷺ . فما أجهل الإنسان بربه .. وما أظلمه لنفسه .. وما أشد إعراضه عن مولاه .. مع تواتر إحسان ربه إليه على مدى الأنفاس. فسبحان التواب الرحيم، ذي الجود والإحسان، وذي العفو والصفح، الذي يخلق ويعبد غيره، ويرزق ويشكر سواه، الذي يتحبب إلى عباده بالنعم وهو الغني عنهم، ويتبغضون إليه بالمعاصي وهم أفقر شيء إليه. فسبحانه ما أعظمه .. وسبحانه ما أكرمه .. وسبحانه ما أحلمه. من تاب إليه تاب عليه، ومن تقرب إليه تلقاه من بعيد، ومن أعرض عنه ناداه من بعيد، ومن تصرف بحوله ألان له الحديد. يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، رحمته سبقت غضبه، وحلمه سبق مؤاخذته، وعفوه سبق عقوبته، يحب توبة عبده، ويفرح بها أشد الفرح، ويدعوه إليها، ويعينه عليها، ويثيبه عليها: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]. وقال النبي ﷺ : «لَلَّهُ أشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ

стр. 279

أضَلَّهُ بِأرْضِ فَلاةٍ» متفق عليه (١). وهذه فرحة إحسان وبر ولطف، لا فرحة محتاج إلى توبة عبده، منتفع بها، وكذلك موالاته لعبده إحساناً إليه، ومحبة له، وبراً به، لا يتكثر به من قلة، ولا يتعزز به من ذلة، ولا ينتصر به من غلبة، ولا يستعين به في أمر، بل له سبحانه الملك وله الحمد، وله الخلق والأمر: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]. فاللهم: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران: ١٤٧].

стр. 280

العفو ومن أسمائه الحسنى : العفو. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ ... [الحج: ٦٠]. الله ﵎ هو العفو الذي له العفو الشامل، الذي وسع عفوه الورى، ووسع ما يصدر عن عباده من الذنوب، لا سيما إذا أتوا بما يوجب العفو عنهم من الاستغفار والتوبة والإيمان والأعمال الصالحة. فهو سبحانه العفو: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ [الشورى: ٢٥]. وهو سبحانه العفو الغفور، الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، وكل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، الواضع عن عباده تبعة خطاياهم وآثامهم، فلا يستوفيها منهم إذا تابوا وأنابوا. والله عفو كريم يحب العفو، ويحب من عباده أن يسعوا في فعل الأسباب التي ينالون بها عفوه، من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه. ومن كمال عفوه سبحانه أنه مهما أسرف العبد على نفسه، ثم تاب إليه ورجع، غفر له جميع جرمه كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وهو سبحانه الحليم، الذي لولا كمال عفوه، وسعة حلمه، ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرف: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١].

стр. 281

والله هو العفو الغفور، الذي كما أنه يحب العفو ويعفو ويغفر لعباده، فقد حثهم على العفو والصفح عن العباد، وقبول الأعذار من سائر الناس، والجزاء من جنس العمل، فمن عفا لله عفا الله عنه، ومن أحسن لله أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة، ومن غفر غفر الله له كما قال سبحانه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]. وهو سبحانه العفو القدير، الذي لم يزل ولا يزال ينعم على جميع الخلق، ويعفو عن المذنبين والمجرمين، مع قدرته على عقابهم والانتقام منهم. فسبحان المولى الكريم الذي يعفو عن زلات العباد، وذنوبهم العظيمة، ويسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام، الصادر عن قدرته، وقد تكفل الله بأجر من عفا عن غيره من الناس، فيعطيه أجراً عظيماً، ويجزيه ثواباً جزيلاً: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ ... [الشورى: ٤٠]. وقال النبي ﷺ : «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ» أخرجه مسلم (١). وهو سبحانه العفو، الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبي عن الستر، والعفو ينبي عن المحو، والمحو أبلغ من الستر: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ ... [التغابن: ١٤]. اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.

стр. 282

الرؤوف ومن أسمائه الحسنى : الرؤوف. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]. الله ﵎ هو الرؤوف الرحيم، ذو الرأفة والرحمة، والرأفة شدة الرحمة وأبلغها وأرقها، فهو العاطف برأفته على عباده، ورأفته عامة لجميع الخلق في الدنيا، خاصة بالمؤمنين في الآخرة. فهو سبحانه الرؤوف بعباده، المتساهل على عباده، الميسر أحوالهم، القاضي حاجاتهم، الذي يقبل منهم القليل من العمل، ويعطيهم الجزيل من الأجر كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ومن رأفته سبحانه أن لا يضيع لعباده طاعة أطاعوه بها، فلا يثيبهم عليها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. وهو سبحانه الرؤوف الرحيم، الذي حذرنا نفسه، وخوفنا من عقوبته، ونهانا عن معصيته، لنستعد للقائه، ونجتنب سخطه، ونعمل بما يرضيه. ومن أجل ذلك أرسل الله رسله، وأنزل كتبه التي تبين شرعه، ليخرج الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٩]. ومن رأفته سبحانه أن سخر لعباده ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليهم نعمه الوافرة السابغة كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي

стр. 283

السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. ومن رأفته سبحانه بعباده، أنه يقبل توبة التائبين، ولا يرد عن بابه العاصين المنيبين مهما كثرت سيئاتهم، فوفقهم للتوبة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧]. والأنبياء والرسل أرأف الناس بالخلق، خاصة سيدهم محمد ﷺ الذي كان أحسن الناس خَلقاً وخُلُقاً، وكان خلقه القرآن، والذي ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكمن إثماً، وما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله . فما أحسن خَلقه وخُلُقه، وما أرحمه وأرأفه بأمته، وما أحسن الاقتداء به، وما أكرم الباري الذي أرسله رحمة لأمته: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 284

الغني ومن أسمائه الحسنى : الغني. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ [الأنعام: ١٣٣]. الله ﵎ هو الغني، الذي استغنى عن الخلق كلهم بقدرته وعز سلطانه، الكامل سبحانه بما له وعنده، فلا يحتاج معه إلى غيره، الذي لا حاجة له إلى أحد أصلاً، والخلق كلهم فقراء إليه، وإلى فضله وإحسانه. وهو سبحانه الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق من جميع الوجوه، لكماله سبحانه، وكمال أسمائه وصفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه. والله هو الغني، الذي له خزائن السموات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، وعنده خزائن كل شيء، وله كل شيء، وبيده كل شيء: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ ... [الحجر: ٢١]. وهو سبحانه الغني، المغني جميع الخلائق غنىً عاماً، فكما أنه لا خالق غيره، فلا رازق غيره، فالله وحده هو الذي يرزق الخلق، وهو الذي أنعم عليهم بنعمه التي لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. وهو سبحانه الغني الذي أغنى جميع الخلق غنىً مطلقاً، المغني لخواص خلقه بما أفاض على قلوبهم من الإيمان، ومعرفة جلاله وجماله وآلائه. وهو سبحانه الغني بذاته، والعبد فقير لذاته، وهو محتاج إلى ربه، لا غنى له عنه ولو طرفة عين، وحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما

стр. 285

أن غنى الرب سبحانه لذاته، لا لأمر أوجب غناه، والفقير بذاته محتاج على الدوام إلى الغني بذاته كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وفقر العالم كله إلى الله أمر ذاتي لا يعلل، فهو فقير إلى ربه في إيجاده .. وفي بقائه .. وفي حياته .. وفي إمداده .. وفي تدبيره. فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته، ويستحيل أن يكون العبد إلا فقيراً، كما يستحيل أن يكون الرب إلا غنياً، فإن غناه من لوازم ذاته . وفقر العباد إلى ربهم نوعان: الأول: فقر إلى ربوبيته، وهو فقر المخلوقات بأسرها إلى خالقها، فهي مفتقرة إلى ربها في خلقها وبقائها وحفظها ونفعها وضرها ورزقها وتدبيرها. الثاني: فقر إلى ألوهيته سبحانه، وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، وهذا هو الفقر النافع، ولبه دوام الافتقار إلى الله في كل حال: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. والله غني عن عباده، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم مع كثرة معاصيهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته، فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، بل رحمة منه وإحساناً إليه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ ... [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. ومن قصد إلى الله تعالى، ثم رجع عند حوائجه إلى غير الله، ابتلاه الله سبحانه بالحاجة إلى الخلق، ثم ينزع الرحمة من قلوبهم عليه. ومن شهد كل افتقاره إلى الله ، ورجع إليه بحسن العرفان أغناه ورزقه من حيث لا يحتسب، وأعطاه من حيث لا يرتقب كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ ... [الطلاق: ٢، ٣].
следующие страницы →