فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١].
والإيمان يزيد وينقص، وكلما زاد الإيمان في القلب، ازدادت الطاعات، وزاد الخوف والخشية في قلوب المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
فهؤلاء المؤمنون مشفقون من ربهم، وهم يؤمنون بآياته، ولا يشركون به، وهم ينهضون بتكاليف الدين وواجباته، وهم يأتون من الطاعات ما استطاعوا، ولكنهم بعد هذا كله قلوبهم وجلة لإحساسهم بالتقصير في حق الله بعد أن بذلوا ما في طوقهم وهو في نظرهم قليل؛ لأن ما يجب لله أعظم.
إن قلب المؤمن يشعر بفضل الله عليه ومنته في كل آن .. ويحس آلاءه في كل نفس .. وفي كل حركة .. ومن ثم يستصغر كل عباداته .. ويستقل كل طاعاته .. إلى جانب آلاء الله ونعمائه.
كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته، ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله.
ومن ثم يشعر بالهيبة، ويشعر بالوجل، ويشعر بالحياء، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه.
لم يوف ربه حقه عبادةً وطاعةً، ولم يقارب أياديه عليه معرفةً وشكراً.
وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات، وهم الذين يسبقون لها لما عرفوا قدرها وثمنها، ومن ثم ينالونها في الطليعة بهذه اليقظة، وبهذا التطلع، وبهذا العمل، وبهذه الطاعة.
وكلما كان القلب ندياً بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة الإيمان، وأدرك من معاني القرآن وتوجيهاته ما لا يدركه منه القلب الصلد الجاف.
واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف.
стр. 737
وجميع النظم والشرائع، والآداب والسنن التي يتضمنها هذا القرآن إنما تقدم قبل كل شيء على الإيمان.
فالذي لا يؤمن بالله، ولا يتلقى القرآن على أنه وحي من الله لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي، ولا يسر بما فيه من بشارات.
إن في القرآن كنوزاً ضخمة من الهدى والمعرفة، والحركة والتوجيه، والآداب والسنن، والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز، ولا يمكن أن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩].
والذين آمنوا حق الإيمان حققوا المعجزات بهذا القرآن.
أما حين يكون القرآن كتاباً يترنم المترنمون بآياته، تستلذ بها الآذان، ولا تتعداها إلى القلوب، فحينئذ لا ينتفع به أحد، ويظل كنزاً بلا مفتاح كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
إن الإيمان أعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية فمنهم من قبلها، ومنهم من ردها، والإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال.
فلا يكفي أن يقول الناس آمنّا، بل لا بد أن يتعرضوا للفتنة، ليخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به.
وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب، وهذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية لا تتبدل في ميزان الله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢، ٣].
والله ﵎ يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مستور عن علم البشر.
стр. 738
فيحاسب الله الناس على ما يقع من عملهم، لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم.
وهذا فضل من الله في جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذون أحداً إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله، فليسوا بأعلم من الله بحقيقة ما في قلبه.
إن الإيمان بالله أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم أهل لها، وفيهم على حملها قدرة، الذين يؤثرونها على كل شيء.
وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة، فهي أمانة كريمة وهي أمانة ثقيلة، وهي من أمر الله، يضطلع بها الناس، ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على البلاء.
وما يستوي عند الله الإيمان والكفر، ولا المؤمنون والكفار، ولا الأبرار والفجار، فلكل فكر، ولكل عمل، ولكل علامة، ولكل جزاء.
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
إن بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة صلة، كما أن بين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].
إن الإيمان نور في القلب، ونور في الجوارح، ونور في الحواس، نور يكشف حقائق الأشياء والقيم، وينسبها إلى خالقها ومدبرها ومالكها وهو الله، فالمؤمن ينظر بهذا النور.
أما الكفر فهو عمى في القلب، يعمي عن رؤية دلائل الحق، وعمى عن رؤية
стр. 739
حقائق الوجود، وحقائق الأشياء والقيم.
والإيمان بصر يرى رؤية حقيقية صادقة، ويمضي بصاحبه في الطريق على نور مبين، والكفر ظلمات، وكلما أبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع، تعز فيها الرؤية لشيء من الحق.
والإيمان ظل ظليل، تستروحه النفس، ويرتاح له القلب، ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل.
والكفر هاجرة حرور تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق، وعدم الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير، ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك.
والإيمان فيه حياة القلوب والمشاعر، وهو حياة في القصد والاتجاه، وهو حركة بانية مثمرة قاصدة لا خمود فيها ولا همود.
والكفر موت في الضمير، وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل، وانفصال عن الطريق الواصل، وعجز عن الانفعال والاستجابة.
ولكل طبيعته .. ولكل عمله .. ولكل جزاؤه .. ولن يستوي عند الله هذا وهذا: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر: ٢٠].
والإيمان يذكر الإنسان دائماً بالنعم الكبرى التي سخرها الله له في هذا الكون، ويذكره بالمنعم الوهاب، ومن ثم يوجهه إلى الأدب الواجب في شكر هذه النعم، وشكر المنعم، وتذكره بالله كلما عرضت النعمة، لتبقى القلوب موصولة بالله عند كل حركة في الحياة.
فسبحان المنعم الذي خلق كل شيء، وتفضل على عباده بكل شيء: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
والمؤمن هو الذي ينسب النعم كلها للمنعم سبحانه، ويعلم أنه ليس بقادر على
стр. 740
مقابلة نعم الله بمثلها، وأنه لا يملك إلا الشكر مقابل النعم.
والأدب الواجب في حق المنعم أن المؤمن كلما استمتع بنعمة من نعم الله التي تغمره والتي يتقلب في أعطافها كل حين أن يذكر ربه حامداً له مثنياً عليه، ليبقى القلب موصولاً بربه، ذاكراً عابداً خاشعاً شاكراً في جميع أحواله.
وهذا الشعور كفيل باستبقاء القلب البشري في حالة يقظة تامة حساسة لا تغفل عن مراقبة الله، ولا تخمد ولا تتبلد بالركود والغفلة والنسيان، فمع كل نعمة ذكر للمنعم وثناء عليه: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤].
وهذا الكون مملوء بالنعم التي لا يحصيه أحد إلا الله، وكلها مسخرة للعباد، فينبغي لهم أن يملأوا جميع أوقاتهم بذكر المنعم، وحمده وشكره على نعمه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
والله غفور رحيم، فمن لم تستقر حقيقة الإيمان في قلبه، ولم تشربها روحه، فإن كرم الله اقتضى أن يجزيهم على كل عمل صالح صدر منهم لا يُنقِص منه شيئاً.
فهذا الإسلام الظاهر الذي لم يخالط القلب فيستحيل إيماناً حقيقياً.
هذا الإيمان يكفي لتحسب لهم أعمالهم الصالحة، فلا تضيع كما تضيع أعمال الكفار التي لم تُبنْ على أساس، ولا ينقص من أجرها شيء ما بقوا على الطاعة والاستسلام كما قال سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات: ١٤].
ذلك أن الله جواد كريم .. غفور رحيم .. يقبل من العبد أول خطوة .. ويرضى منه
стр. 741
الطاعة والتسليم .. إلى أن يستشعر قلبه الإيمان والطمأنينة .. إن الله غفور رحيم.
إن حقيقة الإيمان هي تصديق القلب بالله ورسوله، التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، التصديق المطمئن الثابت المستيقن، الذي لا يتزعزع، والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
إن القلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان واطمأن إليه وثبت عليه لا بد أن يندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب، في واقع الحياة، في دنيا الناس.
يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة.
ولا يطيق الصبر على التفريق بين الصورة الإيمانية التي في حسه، والصورة الواقعية من حوله، لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة.
ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس هو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن، يريد أن يحقق به الصورة الوضيئة التي في قلبه ليراها ممثلة في واقع الحياة، لتكون كما يريده الله ورسوله.
إن الخصومة بين المؤمن .. وبين الحياة الجاهلية من حوله .. إنما هي خصومة ذاتية .. ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني .. وواقعه العملي.
وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم .. في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن.
إنه لا بد للقلوب المؤمنة أن تنتبه إلى مزالق الطريق وأخطار الرحلة، لتعزم أمرها وتستقيم، ولا ترتاب عندما يدلهم الأفق، ويظلم الجو، وتعصف بها العواصف والرياح.
وموحيات الإيمان وموجباته متفاوتة في خلقه حسب أحوالهم وما يرونه، وما
стр. 742
يعلمونه من الدلائل، ومنازلهم في الآخرة متفاوتة بحسب ذلك.
والله ينادي المؤمنين ويأمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين ظاهره وباطنه، وأصوله وفروعه، ويعدهم على ذلك كفلين من رحمته لا يعلم قدرهما إلا الله تعالى، أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، وأجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد: ٢٨].
إن الإنسان إنسان مهما وهب من النور، إنسان مهما عمل، إنسان يقصر حتى لو عرف الطريق، إنسان يحتاج إلى المغفرة .. فتدركه رحمة الله .. والله غفور رحيم.
وحقيقة الإيمان الذي أرسل الله به رسله إلى عباده هو الإيمان الذي يرد كل شيء إلى الله، ويعتقد به العبد أن كل ما يصيبه من خير وشر فهو بإذن الله، وهي حقيقة لا يكون إيمانٌ بغيرها.
فهي أساس جميع المشاعر الإيمانية عند مواجهة الحياة بما فيها من خير وشر.
وهذا ما ينشئه الإسلام في ضمير المؤمن، فيحس يد الله في كل حدث، ويرى أمر الله في كل حركة، ويطمئن قلبه لما يصيبه من السراء والضراء، فيشكر للأولى، ويصبر للثانية، وينال بذلك مراتب الصابرين الشاكرين.
وقد يتسامى حسب إيمانه إلى آفاق فوق هذا .. فيشكر الله في السراء والضراء .. إذ يرى في الضراء كما في السراء فضل الله ورحمته .. بالتنبيه والتذكير له .. أو تكفير سيئاته .. أو رفعة درجاته .. أو ترجيح ميزان حسناته .. فيرى الخير في هذا وهذا.
قال النبي ﷺ : «عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ
стр. 743
خَيْراً لَهُ» أخرجه مسلم (١).
فالمؤمن يؤمن بقدر الله، ويسلم له عند المصيبة، ويتيقن أنه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
والذي يؤمن بالله يهدي قلبه هداية مطلقة، ويفتحه على الحقيقة اللدنية، ويصله بأصل الأشياء والأحداث، فيرى هناك منشأها وغايتها، ومن ثم يطمئن ويقر ويستريح، فهي هداية إلى شيء من علم الله يمنحه لمن يهديه حين يصح إيمانه، فيستحق هذا التكريم.
ومن لم يؤمن بالله عند ورود المصائب فإن الله يخذله ويكله إلى نفسه، والنفس ليس عندها إلا الجزع والهلع، الذي هو عقوبة عاجلة على العبد، قبل عقوبة الآخرة.
إن الإيمان بالله حقيقة شهد بها الوجود كله والخلائق كلها .. فكل خليقة من خلائق الله حية ذات روح من نوعها .. وكل خليقة تعرف ربها الذي فطرها وتسبح بحمده .. وتدهش حين ترى الإنسان يكفر بخالقه .. وتتغيظ لهذا الجحود المنكر .. الذي تنكره فطرتها .. وتنفر منه روحها .. فالله : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
وذلك يدل على حقيقة إيمان الوجود كله بخالقه، وتسبيح كل شيء بحمده، ودهشة الخلائق وارتياعها لشذوذ الإنسان حين يكفر، ويشذ عن هذا الموكب. وتحفز هذه الخلائق الساكنة الصامتة، للانقضاض على الإنسان الكافر في غيظ وحنق، كالذي يطعن في عزيز كريم عليه، فيغتاظ ويحنق، ويكاد من الغيظ يتمزق، كما هو حال جهنم وهي تستقبل الكفار والعصاة: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٧، ٨].
стр. 744
ونار جهنم مخلوقة حية تكظم غيظها فترتفع أنفاسها في شهيق وهي تفور، ويملأ جوانحها الغيظ فتكاد تتمزق من الغيظ لما تنطوي عليه من بغض وكره الكفار والمنافقين والعصاة.
وقد حكى الله دهشة الكائنات وغيظها للشرك بربها بقوله سبحانه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٠ - ٩٣].
ألا ما أقبح الكفر بالله، وما أنجس أهله وأقذرهم .. وما أركسهم في الغي والضلال.
إن النفس التي تكفر بالله تظل تنتكس وترتكس في كل يوم تعيشه حتى تنتهي إلى صورة بشعة مسيخة، صورة بشعة منكرة جهنمية، صورة قبيحة لا يماثلها شيء في الكون.
فكل شيء روحه مؤمنة، وكل شيء يسبح بحمد ربه، ما عدا هذه النفوس الشاذة عن موكب الإيمان، الآبدة الشريرة، الجاسية النفور.
فأي مكان في الوجود كله تنتهي إليه وهي مبتوتة الصلة بكل شيء في الوجود، إنها تتزود إلى جهنم المتغيظة المتلمظة الحارقة.
وقد كشف الله ﵎ عن صورة الإنسان عند خلو قلبه من الإيمان بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١].
فالإنسان حين يخلو قلبه من الإيمان يكون هلوعاً جزوعاً منوعاً، فهو جزوع عند مس الشر يتألم للذعته، ويجزع لوقعه، ويحسب أنه دائم لا كاشف له.
فلا يتصور أن هناك فرجاً، ولا يتوقع من الله تغييراً، ومن ثم يأكله الجزع، ويمزقه الهلع.
ذلك أنه لا يأوي إلى ركن يشد من عزمه، ويعلق به رجاءه وأمله.
стр. 745
منوعاً للخير إذا قدر عليه يحسب أنه من كده وكسبه، فيضن به على غيره، ويحتجزه لنفسه، ويصبح أسير ما ملك منه، مستعبداً للحرص عليه، لا يدرك حقيقة الرزق ولا يعرف الرازق، ولا يطلع إلى خير منه عند ربه، وهو منقطع عنه، خاوي القلب من الشعور به.
فهو هلوع في الحالتين:
هلوع من الشر .. هلوع على الخير.
وتلك صورة بائسة للإنسان حين يخلو قلبه من الإيمان، فهو دائماً في قلق وخوف.
سواء أصابه الشر فجزع، أو أصابه الخير فمنع.
فأما حين يعمر قلبه بالإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية، لأنه متصل بخالق الكون ومدبر الأحوال مطمئن إلى قدره، شاعر برحمته، مقدر لابتلائه، متطلع إلى فرجه، منتظر لإحسانه، عالم أنه ينفق مما رزقه الله، وأنه سيجزيه على ما أنفق في سبيله، معوض عنه في الدنيا والآخرة.
فالمؤمنون لا يصيبهم الجزع ولا الهلع، وقد أعطاهم الله الصلاة، فالصلاة فوق أنها ركن من أركان الإسلام وعلامة الإيمان هي وسيلة الاتصال بالله، ومظهر العبودية الخالصة، وهي صلة بالله مستمرة غير منقطعة للتعظيم والحمد، والسؤال والاستغفار، وتقديم التحيات كل يوم للعزيز الجبار.
فكلٌّ هالك خاسر: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٢، ٢٣].
وهؤلاء المؤمنون كما يؤدون الصلاة التي تصلهم بربهم، يؤدون الزكاة والصدقات المعلومة القدر، ويجعلون في أموالهم نصيباً معلوماً يشعرون أنه حق للسائل والمحروم كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥].
ومن صفاتهم أنهم يصدقون بيوم الدين شطر الإيمان، وهو ذو أثر حاكم في
стр. 746
منهج الحياة شعوراً وسلوكاً: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾ [المعارج: ٢٦].
فالذي يصدق بيوم الدين يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا، ويتقبل الأحداث خيرها وشرها، وفي حسابه أنها مقدمات نتائجها يوم القيامة.
ويقضي حياته مطيعاً لربه، منتظراً جزاءه يوم يلقاه.
أما المكذب بيوم الدين فلا يعرف إلا الدنيا، فهو يحسب كل شيء يقع له في هذه الحياة القصيرة المحدودة، فهو بائس مسكين، معذب قلق، لأن ما يقع له في هذه الحياة الدنيا قد لا يكون مطمئناً ولا مريحاً ولا عادلاً ولا معقولاً ما لم يضف إليه حساب الشطر الآخر، وهو أكبر وأطول وأهول، ومن ثم يشقى به من لا يحسب حساب الآخرة.
ومن صفاتهم أنهم يقضون أوقاتهم يراقبون ربهم، ويشعرون بالتقصير في جناب الله مع كثرة عبادتهم، والخوف من تلفت القلب، واستحقاقه للعذاب في كل لحظة، والتطلع إلى الله ليحميهم ويقيهم العذاب: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ [المعارج: ٢٧، ٢٨].
وقد كان النبي ﷺ دائم الحذر دائم الخوف، وكان على يقين أن عمله لا يعصمه ولا يدخله الجنة إلا بفضل الله ورحمته كما قال النبي ﷺ : «لَنْ يُدْخِلَ أحَداً مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» قَالُوا: وَلا أنْتَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «وَلا أنَا، إِلا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» متفق عليه (١).
إن القلب المؤمن الموصول بالله يحذر ويرجو، ويخاف ويطمع، وهو مطمئن لرحمة الله على كل حال، منتظر لكرامته في الدنيا والآخرة.
إن الإيمان بالله هو أصل الدين الذي ينبثق منه كل فرع من فروع الخير، وتتعلق به كل ثمرة من ثماره.
стр. 747
وهو المحور الذي تشد إليه جميع خيوط الحياة الرفيعة.
وهو المنهج الذي يضم شتات الأعمال لتسير في طريق واحد، لها منبع واحد، ودافع معلوم، وهدف مرسوم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
والقرآن يهدر كل عمل لا يرجع إلى هذا الأصل، ولا يشد إلى هذا المحور، ولا ينبع من هذا المنهج.
فلا قيمة لعمل مهما كان ومهما كثر ومهما ظن الناس فيه خيراً ما لم يستند إلى الإيمان كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩].
والعمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، وهو الحركة الذاتية التي تبدأ في ذات اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان في القلب.
فلا يمكن أن يظل الإيمان خامداً لا يتحرك، كامناً لا يظهر في صورة حية خارج ذات المؤمن.
فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت أو معلول.
فالإيمان يولد العمل الصالح فوراً. ويخنق كل عمل فاسد .. ويطرد كل خلق سافل.
فمثلاً إذا عرفت الله، وآمنت به، بادرت إلى فعل ما يحب واجتناب ما يكره.
وإذا دخل عليك من يعطيك مالاً، ودخل عليك من يأخذ منك صدقة فبأيهما تفرح؟.
فصاحب الدنيا يفرح بمن يعطيه مالاً، والمؤمن يفرح بمن يأخذ منه الصدقة، فالذي يعطيني مالاً يعطيني الدنيا، والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة، ويحمل زادي إلى الآخرة بغير أجر: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].
стр. 748
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالََ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قَالَتْ مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلاَّ كَتِفُهَا. قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا» أخرجه الترمذي (١).
والكلمة غير الطيبة تفسد الصدقة، فالذي يتبع الصدقة بالأذى ليست وجهته الآخرة، وليس إيمانه كاملاً.
إذ كيف يهين ويؤذي من جاء يحمل حسناته إلى الآخرة بغير أجر؟.
أيأتي إنسان يحمل زادي موفوراً إلى الآخرة فأهينه وأوذيه؟.
أيكون هذا إيماناً؟ .. هذا لا يكون أبداً.
الإيمان يدعوني لأكرمه والترحيب به، وأفرح به، لأنه سيؤدي لي خير ما في الدنيا من الحسنات بلا أجر، ولذلك أمر الله رسوله ﷺ بالإحسان إلى الأيتام والفقراء ومواساتهم بحسن الكلام وأجمل المال كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٩ - ١١].
والله لا يريد قوالب تخضع ولكنه يريد قلوباً تخشع، لأن إخضاع القالب يمكن أن يأتي بالرغم منه، فقد تكره على فعل شيء وأنت لا تحبه فتفعله.
والقلب هو المنطقة الحرة التي خلقها الله في الإنسان، ولا تستطيع قوة في الأرض مهما كانت أن تقهرها على فعل شيء من حب او بغض أو غيرهما من أعمال القلوب، فما في القلب ملك خاص بصاحبه فقط.
فقد يكرهك إنسان فتتظاهر له بالحب، ولكن قلبك يظل يكرهه ويرفضه، وقد تتظاهر لإنسان بالخضوع، ولكن قلبك يمقته، ولذلك أذن الله للجوارح بالمخالفة عند الإكراه ما دام القلب مطمئناً بالإيمان كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
стр. 749
والإكراه في هذه الحالة إكراه للقالب وليس للقلب، فلا إثم فيه ما دام القلب مطمئناً بالإيمان، فالله راضٍ ولو أجبر القالب على غير ذلك، وقد أسقط الله الحساب عن كل من أكره قالبه على شيء وقلبه يرفضه.
وكل ما في الحياة هو اختبار إيماني في العبادة، قد جعله الله اختباراً للبشر ليفضلهم على سائر مخلوقاته، ويجزيهم عليه جزاءً كبيراً.
وإذا كان الله سبحانه قال عن الإنسان: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
فتلك الخلافة هي ذلك الاختبار الإيماني .. الذي يمر به كل إنسان .. هل يتبع منهج الله في حياته أم يخالفه؟.
فالله له أوامر .. والنفس لها أوامر .. والإيمان هو الذي يدفع الإنسان لتقديم أوامر الله على محبوبات النفس.
وفي كل لحظة ينزل من ذات الله ما لا يحصيه إلا الله من الأوامر، ومن ذات الإنسان تخرج الأفعال، فإذا طابقت أفعال الإنسان مراد الله، وهو ما جاء في شرعه، سميت تلك الأعمال صالحة، يرضى به الرب، ويثيب عليها الجنة.
وإذا خالفت أفعال الإنسان مراد الرب، فتلك الأعمال غير صالحة، وهي السيئات التي تغضب الرب، ويعاقب عليها بالنار.
فالإيمان والإحسان واليقين أعلى الدرجات التي يصل إليها الإنسان في هذه الحياة.
والكفر والشرك، والظلم والفسوق، أسفل الدركات التي ينحط إليها الإنسان في هذه الحياة.
والله ﵎ يغفر كل شيء من الذنوب إلا الشرك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
ويغفر سبحانه ذنوب المؤمنين المسرفين على أنفسهم مهما كانت كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
стр. 750
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
والشرك بالله ليس ذنباً فقط .. بل هو فوق الذنوب جميعاً .. فالذنب يقتضي أن تكون مؤمناً بمنهج وخالفته، ولكن الشرك هو عدم إيمان بالمنهج أصلاً.
فلفظ الذنب لا ينطبق على المشرك، لأن المشرك ليس مؤمناً بمنهج الله.
وشرط الذنب الذي يغفره الله أن يكون هناك إيمان ومخالفة، ثم ندم وتوبة، والكافر والمشرك لا يندم ولا يتوب، لأنه لا منهج له، فإذا مات على ذلك فليس له عند الله إلا النار: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
وأساس الدين وأصله وقاعدته التي بني عليها هو الإيمان بالله ، واليقين على ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخزائنه، ووعده ووعيده.
وجميع الأعمال والعبادات مبناها وقبولها مبني على هذ الأصل العظيم.
فإذا حصل للعبد هذا الإيمان جاءت عنده قوة الطاعات، وقوة الرغبة في امتثال أوامر الله، وحلاوة مناجاة الله.
وبذلك يرضى الله ، وتصلح أحوال الأمة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وإذا ضعف هذا الإيمان ونقص، ضعفت الأعمال والعبادات، وساءت الأخلاق، فكثرت المعاصي، وقلت الطاعات، فساءت الأحوال، وجاءت المصائب نقداً: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
وحتى يأتي الإيمان في حياتنا ويزيد لا بد من العلم بأمور:
الأول: أن نعلم ونتيقن أن خالق كل شيء هو الله وحده لا شريك له: فخالق
стр. 751
العرش والكرسي هو الله .. وخالق السماء والأرض هو الله .. وخالق الشمس والقمر هو الله .. وخالق النجوم والكواكب هو الله .. وخالق البحار والجبال هو الله .. وخالق الإنسان والحيوان والجماد والنبات هو الله .. وخالق الجنة هو الله .. وخالق النار هو الله .. وخالق الدنيا والآخرة هو الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
نتكلم بذلك، ونسمعه، ونفكر به، ونذكر الخالق في كل وقت، وننظر في الآيات الكونية والآيات القرآنية نظر اعتبار وتفكر حتى يرسخ الإيمان في قلوبنا، وقد أمرنا الله بذلك كما قال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
فكما نستخدم الإنسان كله لتحصيل المال كذلك نستخدم طاقات الإنسان كلها لتحصيل الإيمان:
فكر ونظر .. وعلم وعمل .. وعبادة ودعوة.
الثاني: أن نعلم ونتيقن أن الله خلق جميع المخلوقات، وخلق فيها الأثر، فخلق العين وخلق فيها الأثر وهو البصر، وخلق الأذن وخلق فيها السمع، وخلق الشمس وخلق فيها الأثر وهو النور، وخلق النار وخلق فيها الأثر وهو الإحراق، وخلق الشجر وخلق فيها الأثر وهو الثمر، وخلق الإنسان وخلق فيه الأثر وهو العمل وهكذا .. فالله خالق كل شيء: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
الثالث: أن نعلم ونتيقن أن الذي يملك جميع المخلوقات ويتصرف فيها ويدبرها هو الذي خلقها وهو الله وحده لا شريك له.
فكل ما في العالم العلوي ومافي العالم السفلي من الخلائق كلهم عبيد لله فقراء إلى الله، لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
стр. 752
فالله مالكهم .. وهم محتاجون إليه .. وهو غني عنهم.
وهو سبحانه الذي يصرف الكون، ويدبر جميع أمور خلقه، فالذي يتصرف في السموات والأرض، وفي البحار والجبال، وفي النبات والحيوان، وفي الملائكة والإنس والجن، وفي الرؤساء والوزراء، وفي الأغنياء والفقراء، وفي الأقوياء والضعفاء وغيرهم هو الله وحده لا شريك له الذي له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وهو سبحانه الذي يتصرف بحكمته وعلمه وقدرته كيف يشاء.
فقد يخلق الشيء ويسلب أثره بقدرته، فقد توجد العين ولا تبصر، والأذن ولا تسمع، واللسان ولا يتكلم، والدماغ ولا يعقل.
والبحر يغرق بأمر الله، وقد يرفع الله عنه أمر الإغراق فلا يغرق.
كما أنجى الله موسى وقومه من الغرق، وأغرق فرعون وقومه في بحر واحد، وفي آن واحد، وبأمر واحد.
والنار تحرق بأمر الله، وقد يسلبها الله إذا شاء أمر الإحراق فتشتعل ولا تحرق كما حصل لإبراهيم ﷺ لما ألقي في النار، فجاء أمر الله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
فالله على كل شيء قدير ينجي بأسباب الهلاك كما أنجى إبراهيم وموسى، ويُهلك بأسباب النجاة كما حصل لفرعون وقارون، لأنه المالك الذي يتصرف في الخلق كيف يشاء لا إله إلا هو الواحد القهار.
والقلوب التي ضعف فيها الإيمان تتأثر بالشيء أكثر من خالق الشيء، فتتعلق بالشيء وتغفل عن خالق الشيء، وإذا قوي الإيمان تجاوزت المخلوق إلى الخالق، وتعدت الصور إلى المصور الذي خلقها وصورها.
فدانت له بالطاعة والعبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الرابع: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأشياء عند الله وحده لا عند غيره، فكل
стр. 753
شيء في الوجود خزائنه عند الله: خزائن الطعام والشراب .. وخزائن الحبوب والثمار .. وخزائن المياه والبحار .. وخزائن الجواهر والأموال .. وخزائن النبات والأشجار .. وغير ذلك مما لا يعلمه ولا يحصيه إلا الله.
فكل ما نحتاجه نطلبه من الله الذي يملك خزائنه، ونكثر من العبادات والطاعات لنحصل على رضاه، فهو سبحانه قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، وهو خير المسئولين وخير المعطين، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وخزائن الله مملوءة بكل شيء، والله غني عن كل شيء، والعباد محتاجون من الله كل شيء: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
الخامس: أن نعلم أن مصير الخلائق كلها إلى الله يوم القيامة، وأنهم سوف يعرضون على ربهم مع أعمالهم، فكل ما قالوه وكل ما فعلوه محفوظ في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
ومن ثم يصير أهل الإيمان والطاعات إلى الجنة .. ويصير أهل الكفر والمعاصي إلى النار، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فتذكر ذلك اليوم العظيم وأهواله .. ونتذكر البعث والحشر، والحساب والميزان .. والحوض والصراط .. ونتذكر عفو الله ورحمته .. ونتذكر غضبه وشدة عقوبته .. ونتصور الجنة ونعيمها .. ونتذكر النار وجحيمها.
نتكلم ونسمع .. ونتأمل ونتفكر .. حتى يكون الغيب كالشهادة، ويكون اليوم الآخر ماثلاً أمامنا.
وبذلك يزيد الإيمان وتنبعث الجوارح للطاعة والعبادة، ثم تسعد بالنعيم والرضوان: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا
стр. 754
يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
هذا بالنسبة للمخلوقات، أما بالنسبة للأحوال:
فأولاً: نعلم ونتيقن أن الله له الخلق والأمر، وأنه وحده خالق جميع الأحوال من الغنى والفقر .. والصحة والمرض .. والفرح والحزن .. والأمن والخوف .. والحياة والموت .. والنور والظلام .. والحر والبرد .. والعزة والذلة .. والهداية والضلالة .. والسعادة والشقاوة .. فهذه وغيرها من الأحوال خلقها الله وحده.
وثانياً: نعلم ونتيقن أن الذي يدبر الأمر ويصرف هذه الأحوال هو الله وحده لا شريك له.
فلا يتبدل الفقر أبدً بالغنى إلا بأمر الله .. ولا يتبدل المرض بالصحة أبداً إلا بأمر الله .. ولا يتغير الحر بالبرد إلا بأمر الله .. ولا يأتي الليل ولا النهار إلا بأمر الله .. ولا تتبدل الذلة بالعزة إلا بأمر الله .. ولا يموت حي إلا بإذن الله .. ولا تهب ريح إلا بأمر الله .. ولا تنزل قطرة من السماء إلا بأمر الله .. ولا تتبدل الضلالة بالهداية إلا بأمر الله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فتأتي جميع الأحوال بأمره .. وتزيد بأمره .. وتنقص بأمره .. وتبقى بأمره، وتنتهي بأمره: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣].
فعلينا أن نطلب تغيير الأحوال ممن يملكها بالتقرب إليه وحده بما شرع: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) [آل عمران: ٢٦، ٢٧].
ثالثاً: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأحوال السابقة وغيرها عند الله وحده لا شريك له.
فعلينا أن نطلب ما ينفعنا منها ممن يملك خزائنها وهو الله وحده لا شريك له.
وهو سبحانه الغني، فلو أعطى الصحة أو الغنى أو غيرهما كل الناس، لم ينقص
стр. 755
ما في خزائنه إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، لا إله إلا هو الغني الحميد.
عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فَلا تَظَالَمُوا.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أطْعِمْكُمْ.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ.
يَا عِبَادِي! ِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُونِي أغْفِرْ لَكُمْ.
يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا، عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شيئاً.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شيئاً.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ.
يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ» أخرجه مسلم (١).
وقد مكن الله كل إنسان من الأخذ بأسباب الفوز والفلاح، والأسباب التي ليس فيها فوز ولا فلاح كالمال والجاه أعطى منها بعض الناس دون بعض.
فالإيمان والأعمال الصالحة هي السبب الوحيد للفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وهي حق مبذول لكل أحد.
стр. 756
وكذلك مكان الإيمان وهي القلوب أعطاها الله لكل أحد، ومكان الأعمال وهي الجوارح مملوكة ومسخرة لكل أحد.
فمن في قلبه الإيمان وصدرت من جوارحه الأعمال الصالحة فاز في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
ومن كان في قلبه الكفر صدرت منه الأعمال السيئة فخسر في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦١، ١٦٢].
والقلوب مصادر الإيمان .. ولها مصرفان:
مصرف للطاعة .. ومصرف للمعصية.
والجوارح مصادر الأعمال .. ولها مصرفان:
مصرف للطاعة .. ومصرف للمعصية.
ومن لم يكن في قلبه نور الإيمان بالله يرى العزة بالأموال والأشياء لا بالإيمان والأعمال الصالحة، وبذلك يحرم من الأعمال الصالحة ويتعلق قلبه بالفانية، ويعبد غير الذي خلقه وأحياه ورزقه.
والمصيبة أن كثيراً من المسلمين بسبب ضعف الإيمان يقتدون بالكفار، والكافر أصم أبكم أعمى كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٧].
وقال سبحانه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]
وكل من سار خلف العمى ألقوه في الحفر والمزابل والمكاره. ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢].
стр. 757
والواجب أن يقتدي المسلم بأهل الإيمان والتقوى من الأنبياء والمرسلين والصديقين والصالحين: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠].
وبسبب ضعف الإيمان جاء الشك في الدعاء، فمنا من يسأل الله فإذا لم تقض حاجته توجه إلى أبواب المخلوق، ومنا من يسأل المخلوق فإذا أيس منه توجه إلى الله ليقضي حاجته .. وكل ذلك خطأ سببه ضعف الإيمان واليقين، وكلما ضعف الإيمان .. نقص الدين .. فتوجه الناس إلى غير الله.
فقاضي الحاجات واحد لا شريك له، والذي تكفل بإجابة الدعوات والسؤالات واحد لا شريك له، وخزائنه مملوءة بكل شيء مما يسعد الإنسان وينفعه في الدنيا والآخرة، وهو حي قيوم لا تأخذه سِنة ولا نوم يسمع ويرى:
يجيب الداعين .. ويعطي السائلين .. ويغفر للمستغفرين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وقال سبحانه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شيئاً يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ» أخرجه مسلم (١).
وقال النبي ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى
стр. 758
ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ! وَمَنْ يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ! وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ» متفق عليه (١).
فأين الداعون؟ .. وأين السائلون؟ .. وأين المستغفرون؟.
والله سبحانه أعلم بمن يستحق العطاء ومن يستحق المنع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وإذا أراد سبحانه أن يعطي جزيلاً أعطاه مباشرة، وإذا أراد أن يرزق أقل جعل لذلك سبباً وهو المخلوق والأسباب.
فالعطاء الجزيل لأهل الإيمان والتقوى، والعطاء العام لكافة المخلوقات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وليس الإيمان كلمة تقال .. ولا مشاعر تجيش .. ولا شعائر تقام .. بل هو مع ذلك طاعة الله ورسوله في كل أمر ونهي كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
فالإسلام ليس مجرد المعرفة فقط .. ولا المعرفة والإقرار فقط .. بل المعرفة، والإقرار، والانقياد مع المحبة .. وطاعة الله ورسوله ظاهراً وباطناً.
والمؤمن همه العلم والإيمان، وعبادة الله ومحبته، والإنابة إليه، والطمأنينة به، والسكون إليه، وإيثار ما يحبه ويرضاه، ويأخذ من الدنيا بقدر ما يستعين به على الوصول إلى فاطره، لا لينقطع به عنه.
فمن آمن بالله واستقام على دينه .. وقام بحق الله وعبد الله في حال العسر واليسر .. وفي حال الشدة والرخاء .. كفاه الله كل ما يريد .. وحفظه من كل شيطان مريد: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ [الزمر: ٣٦].
فالكفاية التامة مع الإيمان التام والعبودية التامة .. والناقصة مع الناقصة.
стр. 759
والعقود هي ضوابط الحياة التي أمر الله بها سبحانه، وفي مقدمتها عقد الإيمان بالله وتوحيده، ومعرفته بأسمائه وصفاته، والاعتراف بذلك لله ، ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة، والطاعة المطلقة، والاستسلام لله.
هذا العقد أخذه الله على آدم ﷺ ابتداء وهو يسلمه مقاليد الخلافة.
ثم تكرر هذا العقد مع ذرية آدم وهم بعد في ظهور آبائهم مع كل فرد كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].
وعلى عقد الإيمان بالله والعبودية لله تقوم سائر العقود في كل أمر، وفي كل نهي، وفي كل عبادة، وفي كل معاملة، فكلها عقود ينادي الله بها الذين آمنوا أن يوفوا بها كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١].
فالتحليل والتحريم في الذبائح .. وفي الأنواع .. وفي الأماكن .. وفي الأوقات .. كلها من العقود القائمة على عقد الإيمان بالله وحده.
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا .. وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
اللهم إنّا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وعملاً متقبلاً.
اللهم: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].
اللهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
стр. 760
١ - فقه الإحسان
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥].
الإحسان هو فعل الشيء الحسن، سواء كان المأمور به إحساناً إلى الناس، أو إحساناً إلى النفس.
وقد رغب الله عباده في هذا وهذا بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وكلما كان العبد أكثر إحساناً إلى نفسه وإلى غيره كان أقرب إلى رحمة الله، وكان ربه قريباً منه برحمته كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
وأعظم الإحسان: الإيمان بالله، وتوحيده، وطاعته، والإنابة إليه، وأن تعبد الله كأنك تراه.
قال جبريل للنبي ﷺ ما الإحسان؟، قال: «أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ» متفق عليه (١).
واختص أهل الإحسان برحمة الله، لأنها إحسان من الله، والإحسان إنما يكون لأهل الإحسان من خلقه، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم، أحسن الله إليهم برحمته كما قال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].
ومعناه: هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن إليه ربه.
стр. 761
وقد أنعم الله على العباد وأحسن إليهم بنعم لا تعد ولا تحصى، ومن أعظم أنواع الإحسان والبر أن يحسن سبحانه إلى من أساء، ويعفو عمن ظلم، ويغفر لمن أذنب، ويتوب على من تاب إليه، ويقبل عذر من اعتذر إليه.
وقد ندب الله المحسن الكريم عباده إلى هذه الشيم الفاضلة، والأفعال الحميدة، وهو أولى بها منهم وأحق.
وإذا عصم الله العباد من الذنوب فعلى من يتوب ويغفر، ويعفو ويصفح، ولو شاء الله ألا يعصى في الأرض طرفة عين لم يعصَ، ولكن حكمته تأبى ذلك.
والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، يحسن إلى من أحسن إليه وإلى من أساء إليه، فالإحسان يطفئ نار العداوة والحسد والبغي.
وكلما زاد عدوك أذىً وشراً وحسداً وبغياً ازددت إليه إحساناً، وله نصيحة، وعليه شفقة.
وقال النبي ﷺ لما ضربه المشركون حتى أدموه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» متفق عليه (١).
فقابل إساءتهم العظيمة إليه بأربع مقامات من الإحسان:
عفوه عنهم عن حقه .. استغفاره لهم .. اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون .. استعطافه لهم بقوله قومي.
وكل إنسان له ذنوب بينه وبين ربه يخاف عواقبها، ويرجوه أن يعفو عنها، ويغفرها له.
ومع هذا لا يقتصر سبحانه على مجرد المسامحة والعفو حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله.
وإذا كان الإنسان يرجو هذا من ربه فما أجدره أن يعامل به خلقه ويقابل به إساءتهم، ليعامله الله هذه المعاملة.
стр. 762
فالجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك، يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءً وفاقاً.
فانتقم بعد ذلك أو أعف، وأحسن أو اترك، فكما تدين تدان.
ومن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه، هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
هذا مع ما يتعجله المحسن من ثناء الناس عليه، وكونهم معه على خصمه، فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكراً لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه مالاً ولا طعاماً.
ولا بد للمحسن إلى عدوه وحاسده من إحدى حالتين:
الأولى: إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه.
الثانية: وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته له، فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه.
والإحسان إلى الناس ومواساتهم بالمال له ثلاث مراتب:
الأولى: أن تنزل أخاك المسلم منزلة عبدك فتقوم بحاجته من مالك، وتعطيه ابتداء، ولا تحوجه إلى السؤال.
الثانية: أن تنزله منزلة نفسك، وترضى بمشاركته إياك في مالك.
الثالثة: وهي أعلاها أن تؤثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه مرتبة الصديقين، ومنتهى درجات المتحابين.
فإن لم تصادف نفسك في مرتبة من هذه الرتب مع أخيك، فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن، وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل والدين.
стр. 763
والإحسان إلى الخلق نوعان:
الأول: إحسان عام يستطيعه كل إنسان ببذل المال، وطيب الكلام.
الثاني: إحسان خاص لا يستطيعه إلا خواص الخلق، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، خاصة من له حق كبير عليك كالأقارب والأصحاب، فمن أساء إليك منهم فقابل إساءته بالإحسان إليه.
فإن قطعك فصِلْهُ .. وإن ظلمك فاعفُ عنه .. وإن حرمك فأعطِه .. وإن هجرك فطيب له الكلام .. وابذل له السلام .. فإذا قابلت الإساءة بالإحسان .. حصلتْ فوائد عظيمة للطرفين.
ولا يستوي عند الله ولا عند الخلق فعل الحسنات والطاعات التي يحبها الله، وفعل السيئات والمعاصي التي يبغضها الله، كما لا يستوي الإحسان إلى الخلق ولا الإساءة إليهم.
بل ذلك كله مختلف في الذات والصفات والجزاء: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤].
فالنفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته، وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان إليه؟.
ولا يصل إلى هذه الرتبة العالية إلا من صبر، وعرف جزيل الثواب، وامتثل أمر ربه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥].
وكل ما خلقه الله فيه إحسان إلى عباده يشكر عليه، وله فيه حكمة تعود إليه، يستحق أن يحمد عليها لذاته.
وجميع المخلوقات فيها إنعام على عباده يحصل بها هدايتهم، وتدل على وحدانيته، وصدق أنبيائه، وهي توجب الشكر لما فيها من النعم، وتوجب التذكر لما فيها من الدلالة على عظمة الله وقدرته، وما يحصل بها من الإيمان والعلم والعمل.
стр. 764
والعبد يدعوه إلى عبادة الله داعي الشكر، وداعي العلم بربه وآياته ومخلوقاته، وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وتعظيم وإجلال من هو أكبر منها.
والله هو المنعم المحسن إلى جميع خلقه، فما بالعباد من نعمة فمنه وحده لا شريك له: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وأفضل النعم وأجلها وأعظمها نعمة الإيمان والأعمال الصالحة.
وما يصيب الإنسان نوعان:
إن كان يَسُرهُ فهو نعمة بينة كالإيمان والأعمال الصالحة، والأهل والأموال والأولاد ونحوها.
وإن كان يسوؤه فهو نعمة خفية كالمصائب والآلام، يكفر الله بها خطاياه، ويرفع بها درجاته، ويثاب بالصبر عليها، وفيها حكمة ورحمة لا يعلمها العبد.
والنعمتان كلاهما إحسان من الله، وتحتاجان مع الشكر إلى الصبر، أما الضراء فظاهر، وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها.
لكن لما كان في السراء اللذة ومن الضراء الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء، والله منعم بهذا كله، وإن كان لا يظهر ابتداءً لأكثر الناس، فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون.
وذنوب الإنسان من نفسه، ومع هذا فهي مع حسن العاقبة نعمة، وهي نعمة على غيره كذلك لما يحصل بها من الاعتبار: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
ولا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، فإذا قضى الله بأن يحسن فهو مما يسره، وإذا قضى له بسيئة فهو إنما يستحق العقوبة إذا لم يتب.
فإن تاب أبدلت حسنة، فيشكر عليها، وإن لم يتب ابتلي بمصائب تكفرها، فيصبر عليها، فيكون ذلك خيراً له.
стр. 765
قال النبي ﷺ : «عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ» أخرجه مسلم (١).
والله يحب المحسنين في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله، المحسنين إلى أنفسهم، المحسنين في جميع أعمالهم، ولمحبته لذلك أمر به فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
والله يعطي على العمل الحسن الأجر الحسن، والدار الحسنى كما قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
وأحسن الناس وأسعدهم وأفضلهم هو المؤمن الذي استسلم لربه، وأحسن عبادته باتباع شريعته التي أرسل بها رسله وأنزل بها كتبه، وجعلها طريقاً لخواص خلقه وأتباعهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
ومعية الله بالنصرة والتأييد والتمكين مع أهل الإيمان والصبر، وأهل التقوى والإحسان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
وقد وعد الله كل من أحسن في عبادة الله، وأحسن إلى عباد الله بالثواب الجزيل كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤].
ومراتب الدين ثلاث:
الإسلام .. والإيمان .. والإحسان.
وكل مرتبة لها أركان، والإحسان أعلاها.
стр. 766
فالإسلام يمثل أعمال الجوارح .. والإيمان يمثل أعمال القلوب .. والإحسان إتقان تلك الأعمال، وحسن أدائها، مع كمال التوجه بها إلى الله.
والإحسان في العبادة له مرتبتان:
الأولى: أن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه عبادة طلب وشوق، ورغبة ومحبة، وهذه أعلى المرتبتين.
الثانية: إذا لم تعبد الله كأنك تراه فاعبده كأنه هو الذي يراك عبادة خائف منه، هارب من عذابه وعقابه، معظم له ولأمره.
والناس متفاوتون في هذه الرتب.
فالحب لله يولد الشوق والطلب، والتعظيم يولد الخوف والهرب .. وفي هذا كمال العبودية لله .. وكمال الحب له .. وكمال التعظيم له .. وهذا هو الإحسان في عبادة الله سبحانه كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢].
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إلى النَّبِيِّ، فَأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «الإِسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا» قال: صَدَقْتَ. قال فَعَجِبْنَا لَهُ. يَسْألُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قال: فَأخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قال: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الاخِرِ. وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قال: صَدَقْتَ. قال فَأخْبِرْنِي عَنِ الإحْسَانِ. قال: «أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» أخرجه مسلم (١).
стр. 767
والإحسان درجات، والمحسنون درجات، أفضلهم الأنبياء ثم أتباع الأنبياء.
وكان الأغنياء من أصحاب النبي ﷺ يذهبون إلى الفقراء لإعطائهم الصدقات والزكاة، ولما فقدت الدعوة إلى الله قعد الأغنياء فجاء الفقراء إلى أبواب الأغنياء فحدث في المسلمين أربع آفات:
الكبر في الأغنياء .. والذلة في الفقراء .. وشكوى الخالق إلى المخلوق .. وانشغال الخلق بطلب ما تكفل الله به عن أداء ما أمر الله به.
وجاءت الذلة على المسلمين في أكثر بلاد الإسلام، ووقف أكثر الناس بأبواب المخلوقين ينشدون العزة والغنى عند الذليل الفقير، وتركوا باب الغني الحميد.
والناس يتفاوتون في الأنس بالله، والأنس بغير الله.
فالمؤمن أنسه بالله وطاعته وامتثال أمره ولذة مناجاته.
فمن وجد أنسه بالله في الوحدة، وفقده بين الناس فهو صادق ضعيف.
ومن وجده بين الناس، وفقده في الخلوة فهو معلول.
ومن فقده في الخلوة وبين الناس فهو ميت مطرود.
ومن وجده في الخلوة وبين الناس فهو المحب الصادق القوي في حاله.
ومن كان فتحه في الخلوة لم يكن مزيده إلا منها، ومن كان فتحه بين الناس بنصحهم وإرشادهم كان مزيده معهم.
والراغبون ثلاثة أقسام:
راغب في الله .. وراغب فيما عند الله .. وراغب عن الله.
فالمحب راغب في الله .. والعامل راغب فيما عند الله .. والراضي بالدنيا من الآخرة راغب عنه.
ولا صلاح للقلب ولا نعيم له إلا بأن تكون رغبته إلى الله وحده في جميع أحواله.
ومن كانت رغبته في الله كفاه الله كل مهم، وتولاه في جميع أموره، ودفع عنه كل شر، وصانه من جميع الآفات، ومن آثر الله على غيره آثره الله على غيره،
стр. 768
ومن كان لله كان الله له، ومن عرف الله لم يكن شيء أحب إليه منه، ولم تبق له رغبة فيما سواه إلا فيما يقربه إليه، ويعينه على سفره إليه.
وكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له، وخشيته إياه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وأعقل الخلق من آمن بالله ورسوله ورغب فيما عند الله، وأسفههم من رغب عن ذلك كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠].
ومن رغب عن الله ونسيه فعقوبته أن ينساه الله، وينسيه حظ نفسه كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩].
وهذا تمام العدل من الرب بأن نسيهم كما نسوه، وأنساهم حظوظ أنفسهم ونعيمها وكمالها، وأسباب لذتها وفرحها، عقوبة لهم على نسيان المحسن إليهم بصنوف النعم، المتحبب إليهم بآلائه وإحسانه.
فقابلوا ذلك بنسيان ذكره، والإعراض عن شكره، فعدل فيهم: بأن أنساهم مصالح أنفسهم فعطلوها .. وليس بعد تعطيل مصلحة النفس إلا الوقوع فيما تفسد به .. وتتألم بفوته غاية الألم.
وإحسان الرب إلى الخلق لا يحيط به أحد، وأعظم إحسان الرب إلى عباده إنزال الوحي عليهم، وهدايتهم إلى الإيمان والتوحيد.
وأعظم إحسان العبد إحسان العبودية لربه، بأن يعبده كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه.
وإحسان العبد له ثلاث حالات:
الأولى: إحسان إلى النفس بحملها على طاعة الله، والمسارعة إلى الخيرات، والأعمال الصالحة.
الثانية: إحسان في عبادة الله بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
стр. 769
الثالثة: إحسان إلى عباد الله تعالى، وذلك بإيصال جميع أنواع الخير لهم.
وقد وعد الله المحسنين بالثواب الجزيل كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة: ١٢٠].
ومن أعظم الإحسان إلى الخلق تعليمهم ما ينفعهم في دينهم، وما يكون سبباً لنجاتهم في الدنيا والآخرة، من العلم بالله وأسمائه وصفاته، ودينه وشرعه، وتحذيرهم مسالك الشر والهلكات.
وهي وظيفة الأنبياء والرسل وأتباع الرسل، وبهذا كانوا أعظم الناس إحساناً إلى الخلق، لما يحملونه من الخير للبشرية، ولهم عليهم من المنّة والفضل ما لا يؤدي شكره أحد كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
والله سبحانه غني كريم يحسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحساناً.
فهو لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة، ولا ليعتز بهم من ذلة، بل هو القوي العزيز، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة.
لا يوالي سبحانه من يواليه من الذل كما يوالي المخلوق المخلوق، وإنما يوالي أولياءه إحساناً ورحمةً ومحبةً لهم.
وأما العباد فهم لفقرهم وحاجتهم يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك، وانتفاعه عاجلاً أو آجلاً.
ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه.
فإنه إنما يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل، أو معاوضة إحسانه، أو لتوقع حمده وشكره.
стр. 770
وكذلك هو إنما يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة فهو أيضاً محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير ملوم على هذا القصد فإنه فقير محتاج.
فكل محسن إنما يحسن إلى نفسه في الحقيقة كما قال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
فالله سبحانه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جوداً وإحساناً ليعبدوه، فيربحوا هم عليه كل الأرباح التي مع كونها لا تخسر تضاعف لهم كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ [الروم: ٤٤].
وقال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
والله ﷻ إذا أعطى عبده مالاً فإنما يريد منه أن يمتثل أمر الله فيه، وينفقه فيما شرعه الله، ويتحرى أفضل ما عنده فينفق منه، وخير ما لديه فيشارك الآخرين فيه.
فالإنفاق تطهير للقلب، وتزكية للنفس، ثم منفعة للآخرين وعون.
أما وجوه الإنفاق والإحسان:
فقد علم الله أن الإنسان يحب ذاته فأمره أولاً بكفايتها قبل أن يأمره بالإنفاق على من سواها، وأباح له الطيبات من الرزق، وحثه على الانتفاع بها في غير إسراف ولا مخيلة.
وعلم الله أن الإنسان يحب أول ما يحب أفراد أسرته الأقربين عياله ووالديه، فسار به خطوة في الإنفاق وراء ذاته إلى هؤلاء الذين يحبهم، ليعطيهم من ماله وهو راض، ويكفل أقرب الناس إليه.
فأخذهم من القريب، أكرم لهم من أخذهم من البعيد، وفي ذلك إشاعة للحب
стр. 771
والسلام في المحضن الأول بمكافأة والديه على إحسانهم له، ورحمة صغاره وزوجه الذين هم أقرب الناس إليه.
وعلم الله كذلك أن الإنسان يمد حبه وحميته بعد ذلك إلى أهله كافة، فسار به الرحمن الرحيم خطوة أخرى في الإنفاق وراء أهله الأقربين.
تساير عواطفه الفطرية .. وتقضي حاجة هؤلاء .. وتقوي أواصر الأسرة البعيدة: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
وقال النبي ﷺ : «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» أخرجه الترمذي والنسائي (١).
وعندما يفيض ما عند المسلم عن حاجة هؤلاء وهؤلاء بعد ذاته فإن الإسلام يأخذ بيده لينفق على طوائف من البشرية، يثيرون بضعفهم، وحرج موقفهم عاطفة النخوة والرحمة فيه، وفي أولهم الفقراء من اليتامى والمساكين، ثم أبناء السبيل، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون. وهكذا، وهو في كل ذلك مأجور كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وقال النبي ﷺ : «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا». يَقُولُ: «فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ» أخرجه مسلم (٢).
ثم يربط الله هذا الإحسان وهذا الإنفاق بالأفق الأعلى فيستجيش في القلب صلته بالله فيما يعطي وفيما يفعل وفيما يضمر: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢].
стр. 772
وهؤلاء الذين أحسنوا الاعتقاد، وأحسنوا العمل، وأحسنوا القول، وأحسنوا إلى أنفسهم، وأحسنوا إلى غيرهم، وأحسنوا معرفة الصراط المستقيم المؤدي إلى دار السلام.
هؤلاء ماذا أعد الله لهم من النعيم والثواب الجزيل؟: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
فلهم الحسنى جزاء ما أحسنوا، وعليها زيادة من فضل الله غير محدودة، وهم ناجون من كربات يوم الحشر، ومن أهوال الموقف، والنجاة من هذا كله غنيمة وفضل من الله يضاف إلى ما سبق.
والوالدان يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد والإحسان إليهما، والتضحية بكل شيء من أجلهم.
وكما تمتص النابتة الخضراء كل شيء في الحبة فإذا هي فتات، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق، وكل عافية، وكل جهد، وكل هم من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية عاجزة، وهما مع ذلك سعيدان.
ولكن الأولاد سرعان ما ينسون هذا كله .. ويندفعون إلى الأمام .. إلى الزوجات والذرية .. ومن ثم يحتاج الأولاد إلى استجاشة وجدانهم بقوة .. ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف وهم الوالدان.
ومن هنا يأتي الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله، يحمل معنى الأمر المؤكد بعد الأمر المؤكد بعبادة الله كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤].
والله ﵎ هو المحسن إلى عباده بصنوف النعم، وهو الذي خلق كل شيء، وكل ما خلقه الله يتجلى فيه الإحسان والإتقان.
стр. 773
فلا تجاوز ولا قصور .. ولا زيادة عن حد الإحسان ولا نقص .. ولا إفراط ولا تفريط .. في حجم أو شكل أو وظيفة.
كل شيء مقدر بحكمة، كل شيء من الذرة الصغيرة إلى أكبر الأجرام، كلها يتجلى فيها الإحسان والإتقان.
وكذلك الأعمال والأعمار، والأطوار والحركات كلها من خلق الله، مقدرة تقديراً دقيقاً في موعدها وفي عملها وفي مآلها.
وكل مخلوق أوجده الله ليؤدي دوره المقدر له في هذا الوجود، قد أعده الله لهذا الدور، وزوده بما يؤهله لأداء هذا الدور.
هذه الخلية الواحدة المجهزة بشتى الوظائف .. هذا النبات الصاعد .. هذه الحيوانات التي تجول في هذا الكون، وهذه الأسماك التي تسبح في بحاره .. وهذا الطائر الذي يسبح في الفضاء .. وهذه الزواحف التي تدب على وجه الأرض .. وهذا الإنسان المختلف الألوان والأجناس واللغات .. وهذه الكواكب الثابتة والسيارة .. وهذه الشمس الملتهبة .. وهذا القمر الساري .. وهذه الأفلاك والعوالم، وكل شيء تبصره أو لا تبصره .. متقن الصنع .. بديع التكوين .. يتجلى فيه الإحسان والإتقان.
هذا: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨].
فسبحان: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢، ٣].
وسبحان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٧ - ٩].
إن العين المفتوحة والقلب البصير يرى الحسن والإحسان في هذا الوجود بتجمعه، ويراه في كل أجزائه وأفراده.
والنظر والتأمل في مخلوقات الله حيثما اتجه النظر أو القلب أو الذهن يمنح الإنسان رصيداً ضخماً من ذخائر الحسن والجمال المبثوث في هذا الكون،
стр. 774
فتسكب الإيمان والإجلال للرب في القلب، وهو يتجول في هذا المعرض الإلهي الكبير، ويتملى ما فيه من آيات الإحسان والإتقان، في كل ما يراه، وما يسمعه، وما يدركه.
ويتصل من وراء هذه الأشكال الحسنة الفانية بالمحسن الباقي: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٦، ٧].
ولا يدرك الإنسان شيئاً من هذا النعيم في رحلته على الأرض إلا حين يستيقظ من همود العادة، ويبصر بنور الله، فتنكشف له الأشياء عن جواهرها الثمينة الجميلة.
فيتذكر الله الخالق البارئ المصور كلما وقعت عينه أو حسه على شيء من بدائعه، فيحس الصلة بين الخالق وما خلق، والمبدع وما أبدع، فيزيد شعوره بجمال ما يرى وما يحس، لأنه يرى من ورائه جمال الله وجلاله.
والإحسان لب الإيمان وروحه وكماله بكمال الحضور مع الله ، ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه، والإخلاص له.
ويتم الإحسان ويكمل بثلاثة أمور:
الأول: الإحسان في القصد بأن يجعله تابعاً للعلم، والعلم هو اتباع أمر الله وشرعه، خالصاً لله صافياً من الأكدار.
الثاني: الإحسان في الأحوال بأن يحفظها ويصونها بدوام الوفاء، وتجنب الجفاء، والانقياد للهدى.
الثالث: الإحسان في الوقت بأن تعلق همتك بالحق وحده، ولا تعلق همتك بأحد غيره، وأن تجعل هجرتك إلى الله سرمداً.
ولله على كل عبد هجرتان:
هجرة إلى الله سبحانه بالتوحيد والإيمان، والإخلاص والإنابة، والمحبة والذل، والخوف والرجاء، والعبودية.
وهجرة إلى رسوله ﷺ بالتحكيم له، والتسليم والتفويض والانقياد لحكمه،
стр. 775
وطاعته وتلقي الأحكام من مشكاته.
والإحسان نوعان:
أحدهما: إحسان قاصر على النفس لا يتعداها إلى سواها، وأعلاه حملها على الإيمان بالله وطاعته وطاعة رسوله.
الثاني: إحسان يتعدانا إلى غيرنا وهو يتعلق بالقلوب والأبدان.
فإحسان القلوب يكون بإرادة كل نفع للعباد، والصبر على المظالم، وأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ويوقر من يستحق التوقير.
وإحسان الأبدان أقسام:
ومنه نقل الملك إلى الغير بالهبات والصدقات .. وإباحة المنافع والأعيان كالعواري والضيافات .. والإسقاط كالعتق والإبراء من الديون .. والعفو عن القصاص والحدود وسائر العقوبات.
ومنه الإعانة على الطاعات بتعليمها والمساعدة على فعلها.
ومنه الإعانة بكل نفع عاجل أو آجل فعليّ أو قوليّ كهداية الضال، وخدمة العاجز، وفك الأسير، وإرشاد الحيران.
ومنه حسن الأخلاق كإظهار البِشر، وطلاقة الوجه، والتبسم في وجوه الإخوان.
وإحسان الإحسان أن يفعل أعلى مراتبه خلياً من الشبه والأذية، والإذلال والمنّة، بالاستقامة على الدين، والدعوة إليه.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [افصلت: ٣٣].