← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

والسلام في المحضن الأول بمكافأة والديه على إحسانهم له، ورحمة صغاره وزوجه الذين هم أقرب الناس إليه. وعلم الله كذلك أن الإنسان يمد حبه وحميته بعد ذلك إلى أهله كافة، فسار به الرحمن الرحيم خطوة أخرى في الإنفاق وراء أهله الأقربين. تساير عواطفه الفطرية .. وتقضي حاجة هؤلاء .. وتقوي أواصر الأسرة البعيدة: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥]. وقال النبي ﷺ : «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» أخرجه الترمذي والنسائي (١). وعندما يفيض ما عند المسلم عن حاجة هؤلاء وهؤلاء بعد ذاته فإن الإسلام يأخذ بيده لينفق على طوائف من البشرية، يثيرون بضعفهم، وحرج موقفهم عاطفة النخوة والرحمة فيه، وفي أولهم الفقراء من اليتامى والمساكين، ثم أبناء السبيل، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون. وهكذا، وهو في كل ذلك مأجور كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وقال النبي ﷺ : «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا». يَقُولُ: «فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ» أخرجه مسلم (٢). ثم يربط الله هذا الإحسان وهذا الإنفاق بالأفق الأعلى فيستجيش في القلب صلته بالله فيما يعطي وفيما يفعل وفيما يضمر: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢].

стр. 772

وهؤلاء الذين أحسنوا الاعتقاد، وأحسنوا العمل، وأحسنوا القول، وأحسنوا إلى أنفسهم، وأحسنوا إلى غيرهم، وأحسنوا معرفة الصراط المستقيم المؤدي إلى دار السلام. هؤلاء ماذا أعد الله لهم من النعيم والثواب الجزيل؟: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦]. فلهم الحسنى جزاء ما أحسنوا، وعليها زيادة من فضل الله غير محدودة، وهم ناجون من كربات يوم الحشر، ومن أهوال الموقف، والنجاة من هذا كله غنيمة وفضل من الله يضاف إلى ما سبق. والوالدان يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد والإحسان إليهما، والتضحية بكل شيء من أجلهم. وكما تمتص النابتة الخضراء كل شيء في الحبة فإذا هي فتات، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق، وكل عافية، وكل جهد، وكل هم من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية عاجزة، وهما مع ذلك سعيدان. ولكن الأولاد سرعان ما ينسون هذا كله .. ويندفعون إلى الأمام .. إلى الزوجات والذرية .. ومن ثم يحتاج الأولاد إلى استجاشة وجدانهم بقوة .. ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف وهم الوالدان. ومن هنا يأتي الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله، يحمل معنى الأمر المؤكد بعد الأمر المؤكد بعبادة الله كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣، ٢٤]. والله ﵎ هو المحسن إلى عباده بصنوف النعم، وهو الذي خلق كل شيء، وكل ما خلقه الله يتجلى فيه الإحسان والإتقان.

стр. 773

فلا تجاوز ولا قصور .. ولا زيادة عن حد الإحسان ولا نقص .. ولا إفراط ولا تفريط .. في حجم أو شكل أو وظيفة. كل شيء مقدر بحكمة، كل شيء من الذرة الصغيرة إلى أكبر الأجرام، كلها يتجلى فيها الإحسان والإتقان. وكذلك الأعمال والأعمار، والأطوار والحركات كلها من خلق الله، مقدرة تقديراً دقيقاً في موعدها وفي عملها وفي مآلها. وكل مخلوق أوجده الله ليؤدي دوره المقدر له في هذا الوجود، قد أعده الله لهذا الدور، وزوده بما يؤهله لأداء هذا الدور. هذه الخلية الواحدة المجهزة بشتى الوظائف .. هذا النبات الصاعد .. هذه الحيوانات التي تجول في هذا الكون، وهذه الأسماك التي تسبح في بحاره .. وهذا الطائر الذي يسبح في الفضاء .. وهذه الزواحف التي تدب على وجه الأرض .. وهذا الإنسان المختلف الألوان والأجناس واللغات .. وهذه الكواكب الثابتة والسيارة .. وهذه الشمس الملتهبة .. وهذا القمر الساري .. وهذه الأفلاك والعوالم، وكل شيء تبصره أو لا تبصره .. متقن الصنع .. بديع التكوين .. يتجلى فيه الإحسان والإتقان. هذا: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨]. فسبحان: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢، ٣]. وسبحان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٧ - ٩]. إن العين المفتوحة والقلب البصير يرى الحسن والإحسان في هذا الوجود بتجمعه، ويراه في كل أجزائه وأفراده. والنظر والتأمل في مخلوقات الله حيثما اتجه النظر أو القلب أو الذهن يمنح الإنسان رصيداً ضخماً من ذخائر الحسن والجمال المبثوث في هذا الكون،

стр. 774

فتسكب الإيمان والإجلال للرب في القلب، وهو يتجول في هذا المعرض الإلهي الكبير، ويتملى ما فيه من آيات الإحسان والإتقان، في كل ما يراه، وما يسمعه، وما يدركه. ويتصل من وراء هذه الأشكال الحسنة الفانية بالمحسن الباقي: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٦، ٧]. ولا يدرك الإنسان شيئاً من هذا النعيم في رحلته على الأرض إلا حين يستيقظ من همود العادة، ويبصر بنور الله، فتنكشف له الأشياء عن جواهرها الثمينة الجميلة. فيتذكر الله الخالق البارئ المصور كلما وقعت عينه أو حسه على شيء من بدائعه، فيحس الصلة بين الخالق وما خلق، والمبدع وما أبدع، فيزيد شعوره بجمال ما يرى وما يحس، لأنه يرى من ورائه جمال الله وجلاله. والإحسان لب الإيمان وروحه وكماله بكمال الحضور مع الله ، ومراقبته الجامعة لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه، والإخلاص له. ويتم الإحسان ويكمل بثلاثة أمور: الأول: الإحسان في القصد بأن يجعله تابعاً للعلم، والعلم هو اتباع أمر الله وشرعه، خالصاً لله صافياً من الأكدار. الثاني: الإحسان في الأحوال بأن يحفظها ويصونها بدوام الوفاء، وتجنب الجفاء، والانقياد للهدى. الثالث: الإحسان في الوقت بأن تعلق همتك بالحق وحده، ولا تعلق همتك بأحد غيره، وأن تجعل هجرتك إلى الله سرمداً. ولله على كل عبد هجرتان: هجرة إلى الله سبحانه بالتوحيد والإيمان، والإخلاص والإنابة، والمحبة والذل، والخوف والرجاء، والعبودية. وهجرة إلى رسوله ﷺ بالتحكيم له، والتسليم والتفويض والانقياد لحكمه،

стр. 775

وطاعته وتلقي الأحكام من مشكاته. والإحسان نوعان: أحدهما: إحسان قاصر على النفس لا يتعداها إلى سواها، وأعلاه حملها على الإيمان بالله وطاعته وطاعة رسوله. الثاني: إحسان يتعدانا إلى غيرنا وهو يتعلق بالقلوب والأبدان. فإحسان القلوب يكون بإرادة كل نفع للعباد، والصبر على المظالم، وأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ويوقر من يستحق التوقير. وإحسان الأبدان أقسام: ومنه نقل الملك إلى الغير بالهبات والصدقات .. وإباحة المنافع والأعيان كالعواري والضيافات .. والإسقاط كالعتق والإبراء من الديون .. والعفو عن القصاص والحدود وسائر العقوبات. ومنه الإعانة على الطاعات بتعليمها والمساعدة على فعلها. ومنه الإعانة بكل نفع عاجل أو آجل فعليّ أو قوليّ كهداية الضال، وخدمة العاجز، وفك الأسير، وإرشاد الحيران. ومنه حسن الأخلاق كإظهار البِشر، وطلاقة الوجه، والتبسم في وجوه الإخوان. وإحسان الإحسان أن يفعل أعلى مراتبه خلياً من الشبه والأذية، والإذلال والمنّة، بالاستقامة على الدين، والدعوة إليه. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [افصلت: ٣٣].

стр. 776

٢ - فقه اليقين قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢]. اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، فاليقين روح أعمال القلوب، التي هي روح أعمال الجوارح. ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نوراً وإشراقاً، وانتفى عنه كل ريب وشك، وكل سخط وحيرة، وكل هم وغم. وإذا وصل اليقين إلى القلب امتلأ بمحبة الله .. والخوف منه .. والرضا به .. والشكر له .. والتوكل عليه .. والإنابة إليه .. والتوجه إليه .. والأنس به .. وعدم الالتفات إلى غيره. واليقين لا يساكن قلباً فيه سكون لغير الله. واليقين: هو ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين .. فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلاً .. وهذا نهاية الإيمان وهو مقام الإحسان. ومن علامات اليقين: النظر إلى الله في كل شيء .. والرجوع إليه في كل أمر .. والاستعانة به في كل حال .. والالفتات إليه في كل نازلة .. والإنس به في كل وقت .. وإرادة وجهه في كل حركة وسكون .. وعدم الالتفات عنه إلى غيره في كل حال. وإذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة، والرخاء عنده مصيبة؛ لأن البلاء يرده إلى معبوده، والرخاء يشغله عن معبوده غالباً.

стр. 777

واليقين على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: علم اليقين، وهو قبول ما ظهر من الحق سبحانه من أوامره ونواهيه ودينه وشرعه الذي ظهر لنا منه، وعلمناه بواسطة رسله، فنتلقاه بالقبول والتسليم والانقياد. وقبول ما غاب للحق، وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الله سبحانه على لسان رسوله ﷺ من أمور المعاد كالجنة والنار، وما قبل ذلك من الصراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك من تشقق السماء وانفطارها، وانتثار الكواكب، ورج الأرض، ونسف الجبال، وطي العالم، وما قبل ذلك من أمور البرزخ، وعذاب القبر ونعيمه. فقبول هذا كله إيماناً وتصديقاً هو علم اليقين، بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة ولا شك ولا ريب. والوقوف على ما قام بالحق سبحانه من أسمائه وصفاته وأفعاله، ونعوت كماله، وتوحديه. وهذه الثلاثة أشرف العلوم: علم الأسماء والصفات والتوحيد .. وعلم الأمر والنهي .. وعلم المعاد واليوم الآخر. الدرجة الثانية: عين اليقين، وهو رؤية الشيء عياناً، فعلمنا الآن بالجنة والنار علم يقين، فإذا أزلفت الجنة للمتقين، وشاهدها الخلائق، وبرزت الجحيم للغاوين، وعاينها الخلائق، فذلك عين اليقين. الدرجة الثالثة: حق اليقين، وهي أعلى درجات اليقين، وهي مباشرة الشيء والإحساس به، كما إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وتمتعوا بما فيها من ألوان النعيم، وأدخل أهل النار النار، وذاقوا ما فيها من ألوان العذاب، فذلك حينئذ حق اليقين. فعلم اليقين بالقلب، وعين اليقين بالبصر، وحق اليقين بالمباشرة والتذوق

стр. 778

والإحساس، ومعرفة القلب، ورؤية البصر. وقد شبهت المراتب الثلاث بمن أخبرك أن عنده عسلاً وأنت لا تشك في صدقه، ثم أراك إياه فازددت يقيناً، ثم ذقت منه. فالأول علم اليقين، والثاني عين اليقين، والثالث حق اليقين. ويحصل اليقين للإنسان من أربعة أبواب: السمع .. والبصر .. والكلام .. والفكر. فإذا سمع الإنسان كلام الله ورسوله تأثر بذلك. وإذا نظر إلى آيات الله الكونية وآياته الشرعية تأثر بذلك. وإذا تفكر في عظمة الله وكبريائه، وعظمه مخلوقاته وأفعاله تأثر بذلك. وإذا تكلم في عظمة الله، وعظمه أسمائه وصفاته، وتحدث بنعمه وآلائه جاء عنده اليقين، وتأثر بذلك. فإذا استعمل الإنسان هذه القوى في معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله تأثر القلب فجاء عنده اليقين على ربه، ولم يلتفت لغيره. فاليقين يورث التأثر .. ثم يأتي التوجه إلى الله .. ثم تأتي الرغبة في الأعمال الصالحة .. ثم تأتي السعادة في الدنيا والآخرة. واليقين لا يحصل إلا بالمجاهدة، فالقائم على النار يخاف منها ولا يلتفت إلى سواها، فكيف إذا وقف أمام الخالق الجبار كيف لا يخافه هيبةً وإجلالاً وتعظيماً. والطفل الصغير إذا أراد شيئاً من أمه أو أبيه سأله بيقين، لأنه لا يعرف غيرهما، فكذلك المسلم إذا سأل ربه باليقين، ولم يلتفت إلى غيره أجابه كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. والبكاء سبب لحصول المراد، فالطفل يبكي كلما أراد شيئاً من أمه أو أبيه، ولا يزال يبكي حتى يحصل على ما يريد.

стр. 779

وكذلك المسلم يبكي أمام الله خاشعاً ذليلاً، مستغفراً متضرعاً حتى يستجاب له كما قال سبحانه عن عباده المؤمنين: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩]. ويقين البشر على قسمين: أحدها: يقين على الله، وهذا يقين المؤمنين، وهذا اليقين يولد الطاعة والمحبة لله ورسوله ﷺ ، والإقبال على الله، والتوجه إليه في جميع الأحوال. الثاني: يقين على الأسباب والأشياء، وهذا يقين الكفار، وهذا اليقين يولد عند الإنسان الاعتماد على الأسباب، والدعوة إلى الأسباب، والتوجه إليها في جميع الأحوال. وبسبب هذا اليقين يغفل الإنسان عن مراد الله منه، وعن مراده من الله، ويشغل بدنياه عن آخرته، فيشقى في دنياه، ويخسر آخرته. واليقين على شيء بجعل الإنسان يتوجه إليه، ويعتمد عليه، سواء كان مالاً، أو جاهاً، أو علماً، أو قوة، أو طعاماً، أو صنماً، أو دواءً. ولما كان الاعتماد على هذه الأشياء من دون الله في قضاء الحاجات شركاً بالله. لذا يجب نفي تأثير جميع المخلوقات والأشياء، وإثبات اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته ودينه، فهو الفعّال لما يشاء، وغيره لا يفعل شيئاً إلا بإذنه، فهو سبحانه الذي ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢]. ولهذا لا ينتفع بالقرآن حقاً إلا من نفى تأثير هذه الأشياء النفي الكامل، وجاء عنده اليقين على الله وحده، وتكل عليه وحده، وفوض الأمور كلها إلى الله وحده، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ [الجاثية: ٢٠]. فمن آمن بالله وحده .. وسلم نفسه لله وحده .. وتوكل على الله وحده .. وصبر على ذلك .. نصره الله .. وسخر له الكائنات .. واستخلفه في الأرض .. وأسعده في الدنيا والآخرة .. وجعله داعياً إلى الله وإلى دينه .. كما قال سبحانه:

стр. 780

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. فبطاعة الله ورسوله، وامتثال الأوامر الشرعية، تقضى الحاجات، وتحل مشاكل الدنيا والآخرة، لا بالأموال والأسباب. وأهل الجاهلية كان عندهم مرضان خطيران: الأول: اليقين على الأسباب والأصنام، فاجتهد عليهم الرسول ﷺ حتى خرج من قلوبهم يقين الأسباب، ويقين الأصنام، إلى اليقين على الله وحده لا شريك له. الثاني: كان عندهم مرض آخر، وهو أن قاضي الحاجات هو الأسباب. فالله أعطاهم الأوامر لقضاء حاجاتهم، فأخرج لهم الحوت العظيم من البحر .. وأنزل لهم بصلاة الاستسقاء الماء من السماء .. وأخرج لهم الماء في الحديبية من بين أصابع الرسول ﷺ .. ورأوا البركة في الطعام والماء واللبن بسبب امتثال أوامر الله ، وقضى الله حاجاتهم ونصرهم مع قلة الأسباب أو عدمها. وبسبب الدعوة إلى الله يزيد الإيمان، ويخرج اليقين من على الأسباب إلى اليقين على الأعمال والأوامر كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. ويسهل خروج اليقين على الأصنام، لكن يقين الأسباب لا يخرج إلا بالمجاهدة المستمرة، والتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله. والله جعل القلوب مكان الإيمان واليقين والتوحيد، وأعطى الأجسام لامتثال أوامر الله في جميع الأحوال. وحتى يمشي الإنسان على أوامر الله أنزل الله القرآن الذي فيه أوامر الدين، وأوامر جهد الدين.

стр. 781

ولكي يمشي المسلم على أوامر الله ويؤديها على ما يحب الله، أرسل الله رسوله محمداً ﷺ قدوة للناس كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وإذا كان يقين المسلم على ربه قوياً فلن يقف له شيء، لأن الله معه، وإذا كان الله معه فمن ذا يقف له؟ .. ومن ذا يستهين به؟. وإذا نزعنا من قلوبنا اليقين على المخلوقات سلب الله قوتها وسخرها لنا، فماذا قال أصحاب موسى، وماذا قال موسى .. ؟، حين رأوا البحر وفرعون وقومه: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. فلما سلب موسى اليقين على الماء والعدو وتوكل على الله وحده، جاءته نصرة الله فوراً، فانفلق له البحر، فأنجى الله موسى ومن آمن معه، وأهلك عدوه بهذا البحر في آن واحد، أمر بالنجاة، وأمر بالهلاك كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٨]. ومن كان يقينه على غير الله سلطه الله عليه وأذله به وخذله من جهته كما أذل الله قوم نوح مع كثرتهم، وعاداً مع قوتهم، وفرعون مع ملكه، وقارون مع ماله. والمؤمن في يقينه على ربه كالطير، فما دام الطير في الأرض، يرى كل شيء كبيراً، ويخاف من أي شيء، فإذا حلق في السماء، رأى كل شيء صغيراً، ولا يخاف من أحد لأنه ترقى في علو السماء. فكذلك المسلم ما دام متأثراً بالمخلوق فهو دائماً في خوف، فإذا تعلق بالله وتوكل عليه وحده سقط من عينه المخلوق مهما كان، ومهما كانت قوته. فالمؤمن إذا جاء عنده اليقين، وعرف حقيقة الإيمان رأى الدنيا ومن فيها صغيراً حقيراً فانياً، واستغنى بربه عما سواه، الذي هو خالق كل شيء، وهو على كل

стр. 782

شيء قدير، وبيده الأمر كله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]. وإذا جاء اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخزائنه، ووعده ووعيده، أقبل المسلم على ربه، وتلذذ بطاعته، ونفر من معصيته، وسارع إلى ما يرضيه، وجفل مما يغضبه، واستغنى بربه عما سواه. والفرق بين يقين المؤمن، ويقين الكافر: أن المؤمن يقينه أن كل شيء بأمر الله .. وجوده بأمر الله .. وزواله بأمر الله .. وزيادته بأمر الله .. ونقصه بأمر الله، ونفعه بأمر الله .. وضرره بأمر الله .. وكثرته بأمر الله .. وقلته بأمر الله. أما الكافر فيقينه على ما يراه من الأسباب فقط. وقد فسد يقين كثير من المسلمين من ثلاثة وجوه: الأول: إذا سألت المسلم، كيف نحصل على المال؟. قال بالعمل أو التجارة، وكذلك يقول اليهودي والنصراني وكل كافر، فصار يقين هؤلاء كيقين الكفار على الأسباب. الثاني: إذا سألت المسلم كيف نحصل على الأشياء كالطعام واللباس ونحوهما؟، قال بالمال، وهذا ما يقوله اليهودي والنصراني وكل كافر. الثالث: إذا سألت المسلم كيف تصلح أحوالنا؟، وكيف يذهب عنا الخوف والذلة والجوع؟. قال: إذا كانت عندنا القوة والمال والأشياء، وهذا ما يقوله اليهودي والنصراني، وكل كافر. ولكن مقتضى الإيمان أن يقول المؤمن: المال لا يأتي إلا بإرادة الله .. والعمل والتجارة سبب. والأشياء لا تأتي إلا بإرادة الله .. والأحوال لا تصلح إلا بإرادة الله .. فهو الذي يفعل ما يشاء .. ويغير إذا شاء .. ويبدل إذا شاء، فما شاء الله كان .. وما لم يشأ لم

стр. 783

يكن .. وبيده كل شيء كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. فالله يفعل ما يشاء .. ويخلق ما يشاء .. تارة بالأسباب .. وتارة بضد الأسباب .. وتارة بدون الأسباب. واليقين يقوم على أصلين: الأول: يقين على المشاهدات، ويتركز في القلوب بمشاهدة المخلوقات والكائنات والنظر إليها نظر اعتبار وتفكر، فنرى المخلوقات ونذكر الخالق، ونرى الصور ونذكر المصور، ونرى الأرزاق ونذكر الرازق .. وهكذا. الثاني: يقين على الغيبيات كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار، ويثبت في القلوب بكثرة المذاكرة حولها. وإذا جاء اليقين على ذات الله، وعلى عظمة الله وقدرته، فالله يسخر الكائنات لخدمة أوليائه، وإهلاك أعدائه، حتى يكون الغائب كالشاهد. وإذا جاء اليقين على ذات الله، وعلى عظمة الله وقدرته، فالله يسخر الكائنات لخدمة أوليائه، وإهلاك أعدائه. كما سخر الماء لتدمير كفار قوم نوح، وإهلاك فرعون وقومهم. وكما أرسل الريح لتدمير كفار قوم عاد .. وهكذا النار سخرها الله لحفظ إبراهيم ﷺ .. وهكذا النار أرسلها الله على قوم شعيب فأهلكتهم .. وهكذا جبريل أرسله الله إلى قوم لوط فقلب ديارهم عليهم .. وهكذا قوم ثمود أهلكهم الله بالصيحة .. ولكن الكفار اجتهدوا لإفساد يقين المسلمين على ربهم، فصرفوهم عن الاستفادة من قدرة الله إلى اليقين على الأسباب والأشياء، لأنهم يعرفون أن المسلمين لو رجعوا للاستفادة من قدرة الله بالإيمان والأعمال الصالحة لنصرهم الله وأعزهم فهزموهم، وكسروا دولتهم.

стр. 784

فلذلك جرُّوا المسلمين إلى يقينهم ليكونوا وراءهم ولا يسبقونهم. والله أطلع إبراهيم ﷺ على ما في ملكوت السموات والأرض من المخلوقات، فلما علم أنه ليس بيدها شيء، وأن أمرها بيد الله وحده، صرف وجهه عن هذه الأشياء إلى خالق هذه الأشياء، وتوكل عليه وحده في جميع أموره فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]. وبهذا اليقين العظيم واجه الباطل، وأنجاه الله من ظلم الطغاة، فلما ألقوه في النار، أنجاه الله من النار، وانتصر التوحيد على الشرك. وكثير من الناس يقينه في الظاهر على الله، وفي الباطن على الأموال والأشخاص والأشياء، وهذا ليس بصحيح، فإن قاضي الحاجات واحد لا شريك له، وإن كان الله يقضي ببعض الأسباب حاجات بعض الناس امتحاناً وابتلاء، فالأسباب يبتلي بها المسلم، ويطمئن بها الكافر. فالمؤمن يقينه على الله وحده، والكافر يقينه على الأسباب وحدها. وكلما دخل حب الدنيا في القلب ضعف اليقين، ثم ضعف الإيمان، ثم ضعفت العبادة، ثم ضعف امتثال أوامر الله في جميع شعب الحياة، ثم جاء غضب الله وسخطه، ثم حلت العقوبات بالأمة. وكلما استعملت الأمة النفس والمال والوقت على مراد النفس لا على مراد الله جاءت العقوبات والمصائب في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤]. وثمرة الإيمان بالله وإخلاص العمل له حصول اليقين على ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه ووعده ووعيده، وعدم الالتفات إلى ما سواه. وبكمال الإيمان، وكمال اليقين، وكمال التقوى تحصل الخيرات .. وتنزل

стр. 785

البركات .. وتقضى الحاجات في الدنيا والآخرة. وكلما زاد الجهد لدين الله زاد الإيمان، ثم زاد اليقين، ثم زادت التقوى. واليقين الكامل يحصل للعبد بأربعة أمور هي: اليقين الأول: أن يعلم العبد بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا تصريف ولا تدبير لجميع المخلوقات إلا بأمر الله وحده، فكل المخلوقات والموجودات ليس بيدها شيء. والأشكال والأسباب، والبواعث والنتائج، لا تأتي ولا تحصل ولا تفعل إلا بأمر الله وإذنه وإرادته سبحانه، ولا ينفع شيء في الكون ولا يضر إلا بإذن الله، وهذا هو معنى (لا إله). اليقين الثاني: أن يتيقن العبد أن الله هو القادر وحده لا شريك له، وأن قدرته مطلقة، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يحتاج لغيره في إرادته وأفعاله، وأنه خالق كل شيء، وبيده الأمر كله، وهو المعبود الذي يستحق العبادة وحده دون سواه، وهذا هو معنى (إلا الله). اليقين الثالث: أن السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة هي بالإيمان والتقوى، ولا يمكن أن ينالها الإنسان في حياته إلا باقتدائه بالأسوة الحسنة محمد ﷺ في جميع أحواله، وعدم الاقتداء بشخصية أحد سواه كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. فقد علمنا محمد ﷺ كيفية الاستفادة من خزائن الله بالإيمان والتقوى، وإن كاننت الأسباب طريقاً آخر. فعلمنا كيفية العبادة وأوقاتها، وكيفية المعاشرات والمعاملات، وأداء الحقوق، والحلال والحرام، وكل ما تحتاج الإنسانية لسعادة الدارين. اليقين الرابع: أن جميع الأجسام والأشكال، والأسباب والأعمال لا تفيد بغير طريق ومنهج الرسول ﷺ .

стр. 786

فالتجارة والصناعة والزراعة، والوظائف والمعاملات، والحكم والولايات هي وأصحابها في خطر دائم إن لم يكونوا جميعاً على طريق محمد ﷺ . ويقيننا على أي قوة غير قوة الله يسلطها الله علينا، وإذا نزعنا من قلوبنا اليقين على المخلوقات ولم نتأثر بها ولا منها سلب الله قوتها فوراً، وسخرها لنا. فإبراهيم ﷺ حينما ألقي في النار، لم يتوجه إلى أي مخلوق، وإنما توجه إلى الله طالباً منه النجاة وحده. فسلب الله الإحراق من النار فوراً، وجعلها برداً وسلاماً عليه. وموسى ﷺ لما تبعه فرعون وجنوده، ووقف أمام البحر: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. فسلب اليقين على ضر الماء والعدو فجاءته نصرة الله، وأنجاه الله ومن آمن معه، وفتح له البحر فعبره ونجا، وعبره فرعون ومن معه فأغرقهم الله. ويحصل اليقين وكمال الطاعة والعبودية بأمور أهمها: التوحيد، فيرى الأشياء والأحوال كلها من مسبب الأسباب سبحانه، ولا يلتفت إلى الوسائط، بل يرى الوسائط مسخرة لا حكم لها. فينزل الوسائط في قلبه منزلة القلم في حق المنعم بالتوقيع، فإنه لا يشكر القلم ولا يغضب عليه، بل يشكر المنعم بالتوقيع. ومنها الثقة بضمان الله له بالرزق، ومهما غلب على ظنه كان مجملاً في الطلب، ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على ما فاته. ومنها أن يغلب على قلبه أن من يعلم مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، فيقبل على الطاعات، ويجتنب المعاصي. وذلك يثمر صدق مراقبة الله في الحركات والسكنات، والتحرز من السيئات. ومنها اليقين بأن الله مطلع عليك في كل حال، ومشاهد لهواجس ضميرك. وثمرة ذلك أن يكون الإنسان في خلوته متأدباً في جميع أحواله، كالجالس بمشهد ملك معظم، ينظر إليه محترزاً من كل هيئة تخالف هيئة الأدب والوقار،

стр. 787

وكذا في فكره. وهذا يورث الحياء والخوف، وذلك يورث فعل الطاعات، واجتناب المعاصي والسيئات: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. والقلب إذا زاد نور الإيمان فيه أناب إلى الله، وتوكل عليه وحده، وأحب الطاعات، وكره المعاصي. وبامتثال أوامر الله وفعل كل سنة يزداد نور القلب، وبمخالفة السنن يزيد ظلام القلب، وتحصل العقوبات. والإيمان يزيد بالطاعات والدعوة، والنظر في الآيات الكونية، والآيات الشرعية، ولكن الباطل لا يزول إلا بالتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمةالله. والتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله .. والمخلوق كله أوله وآخره .. صغيره وكبيره .. فقيره وغنيه .. أميره ومأموره .. تدبيره وتصريفه .. كله بيد الله وحده لا شريك له .. فهو خالقه ومالكه ومصرفه .. فكما أن أعضاء الإنسان تتحرك كلها بوجود روحه .. فكذلك هذا العالم وما فيه من المخلوقات لا يتحرك إلا بأمره سبحانه. وجميع المخلوقات نواصيها بيد الله وحده، فالأحوال الشديدة لما حصلت في غزوة بدر، النبي ﷺ والصحابة لم يتفكروا من سيكون معهم الفرس أو الروم، ومن يستعينون به منهما؟. بل هم اجتهدوا كيف يكون الله معنا، فتوجهوا إليه، فدعا النبي ﷺ وما زالوا في الدعاء والبكاء حتى نزلت عليهم نصرة الله كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩، ١٠]. ورحمة الناس تكون بتوجيه الناس إلى الله، وإلى عبادة الله، وإلى امتثال أوامر

стр. 788

الله، ليفوزوا برضاه، ويستفيدوا من خزائنه، ويسعدوا بجنته. وباليقين يحصل المسلم على نور التوحيد .. ويستفيد من خزائن الله. وبالرحمة يحصل على روح الرسالة .. وينفع الخلق .. لأنه يحب لهم ما يحب لنفسه. وقد أعطى الله كل نبي سلاحين: سلاح الدعوة .. وسلاح الدعاء. فبالأول تنزل الهداية، وبالثاني تقضى الحاجات. والشيطان أول من أفسد يقين آدم على ربه وعلى أوامره، حين أغراه بالأكل من الشجرة، ليحصل له الملك والخلد، فلما خالف أمر الله بالأكل من الشجرة، أخرجه الله من الجنة، وأهبطه والشيطان إلى الأرض بعد أن تاب عليه، وحذره وذريته من الشيطان بقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧]. ولا يزال الشيطان يفسد يقين الخلق، فاتبعوه إلا قليل منهم: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. فهل من داعٍ إلى الله؟ .. وهل من مذكر بالله .. وهل من ناصح لعباده؟. ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إراهيم: ٥٢].

стр. 789

٣ - فقه الإيمان بالغيب قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. الله ﵎ وصف عباده المتقين بأنهم الذين يؤمنون بالغيب، وجعلها أول صفة لهم كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢، ٣]. والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه الحواس إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير الذي تدركه الحواس. ويدرك ما وراء الكون من قدرة وقوة وتدبير وتصريف. ويدرك أن هذا الكون ظاهره وخفيه لا يساوي ذرة في ملك خالقه، الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به العقول. فالغيب لا تدركه العقول ولا تحيط به، لأن العقل أداة لم تخلق لمعرفة ذلك، فالمحدود لا يدرك المطلق. وعدم إدراك المجهول لا ينفي وجوده في الغيب المكنون. فعلى الإنسان أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، ويعلم الغيب والشهادة. والله وحده عالم الغيب والشهادة، أم الإنسان فمجال نشاطه عالم الشهادة، لكن الله تعالى أطلعه على قدر من عالم الغيب، يوسع دائرة وعيه وعلمه، ويميزه به عن غيره، ويحتاجه في مصالح دينه ودنياه وأخراه. فأرسل الله الرسل يأمرون الناس بعبادة الله وحده لا شرك له، وترك عبادة ما

стр. 790

سواه، ونقل القدر المناسب من عالم الغيب وفق ما حدده الله، وإخبار العباد به. وليس للإنسان أن يطلب علم الغيب خارج دائرة الوحي الإلهي وإلا ضل وأضل. فهو سبحانه وحده: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]. وإذا كنا في العلم البشري لا نأخذ إلا عن مصادر موثوقة يعول عليها، ففي علم الغيب لا ينبغي أن نأخذ إلا ممن يملكون حق الحديث عن الله، وهم الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله، وأطلعهم على شيء من الغيب، وجعل مصدر علمهم الوحي، وهم أعلم الخلق بالله. أما غيرهم فمصدر علمهم العقل، والعقل البشري وحده قاصر عن إدراك المعرفة المتصلة برب العالمين. وتكليف العقل بالبحث في عالم الغيب يشبه سؤال الكبد عن المشاهد التي تختص برؤيتها العين. ومن الظلم لعضو خلقه الله لعمل محدد أن نكلفه فوق طاقته، ونحاول استخدامه في غير محله، فنظلم أنفسنا، ونظلم غيرنا. ومن الحكمة والأدب وضع الشيء في موضعه، واستخدام الشيء فيما خلق له، وعدم تجاوز المعلوم إلى المجهول المحجوب إلا بعلم ويقين. والإيمان بالله هو إيمان بالغيب .. فذات الله سبحانه غيب بالنسبة للبشر في هذه الحياة .. فإذا آمنوا به سبحانه فإنما يؤمنون بغيب، يجدون آثار فعله .. ولا يدركون ذاته .. ولا كيفية صفاته وأفعاله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢، ١٠٣]. والإيمان بالآخرة كذلك هو إيمان بالغيب، فكل ما في الآخرة موجود كالصراط والميزان، والجنة والنار، لكن لا يمكن للأبصار أن تراه في الدنيا.

стр. 791

فالساعة بالنسبة للبشر غيب، وما يكون فيها من بعث وحساب، وثواب وعقاب، والجنة والنار، والصراط والميزان، كله غيب يؤمن به المؤمن تصديقاً لخبر الله ورسوله. والإيمان بالملائكة كذلك هو إيمان بالغيب، فهذا الخلق العظيم من خلق الله لا يعرف البشر عنه شيئاً إلا ما أخبرهم الله به، فنؤمن بهم تصديقاً لخبر الله ورسوله عنهم. والإيمان بالكتب التي أنزلها الله على رسله من الإيمان بالغيب، يؤمن بها المؤمن تصديقاً لخبر الله ورسوله. والإيمان بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده بدينه وشرعه هو من الإيمان بالغيب، يؤمن به المؤمن تصديقاً لخبر الله سبحانه. والإيمان بالقدر هو من الغيب الذي لا يتم الإيمان إلا بالتصديق به، وهو غيب لا يعلمه الإنسان حتى يقع. والغيب عالم كبير، يحيط بالإنسان من كل جانب. غيب في الماضي .. وغيب في الحاضر .. وغيب في المستقبل .. وغيب في نفس الإنسان .. وغيب في عالم الجماد .. وغيب في عالم النبات .. وغيب في عالم الحيوان .. وغيب في العالم العلوي .. وغيب في العالم السفلي .. وغيب في الدنيا .. وغيب في الآخرة. وكل ذلك لا يعلمه إلا الله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]. وعالم الغيب أوسع من العالم المشهود، والإنسان يسبح في بحر من المعلوم والمجهول، وبحر من الغيب والشهادة، والإنسان مخلوق ضعيف يجهل ما يجري في كيان نفسه فضلاً عما يجري في الكون كله. والله وحده عالم الغيب والشهادة، يعلم كل شيء، ويرى كل شيء: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ

стр. 792

طِينٍ (٧)﴾ [السجدة:٦، ٧]. فكل ذرة في هذا الكون، وكل خلية في أعماق الأرض، وقعر البحار، وجو السماء، هي من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [سبأ: ٣]. وسر الحياة في النبات والحيوان والإنسان ونشأتها غيب من غيب الله كنشأة الكون وحركته لا يعلمه إلا الله وحده كما قال سبحانه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١]. وخلق الإنسان من ماء الرجل، وكيفية خلقه، وكونه ذكراً أو أنثى أو توءماً من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولا علم للبشر به: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٨، ٩]. إن الناس في الدنيا لا يرون الله، ولكنهم يجدونه في نفوسهم حين يؤمنون به، وقلوبهم تعرفه بالغيب وتخافه. واستقرار حقيقة الإيمان بالله بالغيب ومخافته، والاستغناء عن رؤية الحس والمشاهدة، والشعور بهذا الغيب شعورٌا يوازي بل يرجح الشهادة، حتى ليؤدي المؤمن شهادة أن (لا إله إلا الله) وهو لم ير الله. تلك نقلة كبرى لهذا الإنسان من عالم المحسوس إلى عالم الغيب .. من عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب إلى عالم أفضل وأعلى وأجل، وهو عالم الإنسان الذي يؤمن بالغيب. وهذا الكون العظيم مركب من عالمين: عالم الغيب .. وعالم الشهادة. وفي هذا الكون سنن ثابتة، وقد مكن الله الإنسان أن يعرف منها القدر اللازم له حسب طاقته وحسب حاجته للقيام بالخلافة في هذه الأرض.

стр. 793

وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية، وتسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة، وتعمير الأرض، والانتفاع بأرزاقها وأقواتها. وإلى جانب هذه السنن الثابتة مشيئة الله المطلقة التي لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها. وهناك قدر الله الذي لا يخرج عنه أحد، الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها، فهي ليست آلية، وإنما هي مأمورة مدبرة. والقدر هو المسيطر على كل حركة فيها، وإن جرت وفق السنة التي أودعها الله إياها. وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها غيب لا يعلمه أحد علم يقين، وإنما أقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون. وملايين العمليات تتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة، وكلها غيب بالنسبة له، وهي تجري في كيانه. ومثلها مليارات الملايين من العمليات التي تتم في هذا الكون الهائل من حوله وهو لا يعلمها، وفي كل لحظة تتم هذه العمليات بإذن الله، وبأمر الله، وبعلم الله، في زمن معلوم، ومكان معلوم، وقدر معلوم، وذلك كله مما اختص الله بعلمه وحده. فمن هذه قدرته .. وهذا علمه .. وهذا خلقه. أيليق بالخلق أن يشركوا به؟ .. أتقبل عقولهم أن يعبدوا معه غيره؟. ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢]. ومفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا

стр. 794

يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. فسبحان من اختص بعلم الغيب وحده، وطوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، وغيرهم من العالمين: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦]. والله ﵎ أحاط علمه بالغيب والشهادة .. والظواهر والبواطن .. والخفايا والسرائر .. والأوائل والأواخر. وقد يطلع الله من شاء من رسله، على بعض الأمور الغيبية، لكن هناك من أمور الغيب ما طوى علمه عن جميع المخلوقات، فلا يعلمها نبي مرسل ولا ملَك مقرب فضلاً عن غيرهما، وهي الخمسة المذكورة في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. ومن حكمته التامة إخفاء علم هذه الخمسة عن العباد، لأن في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يخفى على مَن تدبر وتأمل. وإذا كان الله هو المتفرد بعلم الغيب والشهادة، وبالظاهر والباطن، وبالسر والعلن، فهو الذي لا ينبغي العبادة إلا له، ولا يجوز لأحد أن يشرك معه غيره: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف: ١٩١]. فيا ويل هذا الإنسان .. وما أجهله بربه .. وما أجهله بشرعه .. وما أجهله بنفسه .. وما أجسره على مجاوزة الحدود .. وما أجرأه على غشيان المحرمات. ماذا علم الإنسان؟ .. وماذا جهل؟ .. وماذا بيده؟ .. وماذا يملك؟. وماذا قدم لنفسه وماذا أخر؟. والساعة غيب من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، ولكن المشركين يسألون الرسول ﷺ عن موعدها، والرسول بشر لا يعلم الغيب، وهو مأمور أن يكل الغيب إلى من خلقه، وهو بشر لا يعلم إلا ما علمه

стр. 795

ربه. الله سبحانه الذي يعلم بها وحده، ولا يكشف عنها إلا في حينها، ولا يكشف غيره عنها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧]. فما أعجب هؤلاء القوم الذين لا يعرفون حقيقة الرسالة، ولا يدركون أدب الرسول في جانب ربه العظيم، الذي لا يسأل ربه عما هو مختص بعلمه، وهؤلاء يسألونه كأنه دائم السؤال عنها، مكلف أن يكشف عن موعدها. إن الرسول ﷺ وهو سيد الأولين والآخرين، وأعرف الخلق بربه وأفضلهم عنده مكلف أن يعلن للناس أنه أمام غيب الله كله بشر من البشر، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، لأنه لا يطلع على الغيب، ولا يعلم الغايات قبل المذاهب، فما أحسن أدبه، وما أعظم خلقه. وعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشري: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. إن أمور الغيب كلها لله .. يكشفها الله إذا شاء .. ويعلم بها من شاء من خلقه .. وليست من شأن العقل. والجدل حول الغيب عبث عقلي، وإقحام للعقل في غير ميدانه، وذلك سفر في إنفاق الطاقة العقلية في غير ما خلقت له، فمجال إثبات الأمور الغيبية .. ورود النص الشرعي بإثباتها فقط. فالعين لها طاقة .. والأذن لها طاقة .. والعقل له طاقة. وما أسفه العقل الذي ينفق طاقته في غير مجاله المأمون، فليكف العقل عما ليس من مجاله، وفوق طاقته، وحينئذ يستريح العقل، بالتسليم لله فيما يعلمه، وما لا يعلمه.

стр. 796

ويستريح القلب بالإيمان باله القادر على كل شيء العالم بكل شيء. والقرآن يجيب الناس إذا سألوا عما هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته، ولا يبدد الطاقة العقلية فيما لا ثمرة فيه ولا في غير مجالها الذي لا تملك وسائله ولا تحيط به. ولذلك لما سأل الكفار رسول الله ﷺ عن الروح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله، اختص بعلمه دون سواه كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل، ولكن فيه توجيهاً لهذا العقل أن يعمل في حدوده ومجاله الذي يدركه. فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه، لأنه لا يملك وسائل إدراكه، فالعقل محدود، وإدراكه محدود. والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسر من أسراره، أودعه هذا المخلوق البشري، وكل ذي روح، وعلم الإنسان محدود بالنبة لعلم الله المطلق، بل علوم الإنسانية كلها التي علمها الله لا تساوي ذرة بالنسبة إلى علم الله. وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود. والإنسان عاجز ضعيف لا يدبر هذا الكون، فطاقاته ليست شاملة، وإنما وهب منها بقدر محيطه، وبقدر حاجته، ليقوم بالخلافة في الأرض. ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض وفي هذه الحياة ما أبدع، ولكنه وقف حسيراً أمام الروح، وأمام العقل، وأمام القلب، ذلك السر اللطيف المودع في الإنسان. لا يدري ما هو .. ولا يدري كيف جاء .. ولا كيف يذهب .. ولا أين يكون، لا يدري عن ذلك شيء إلا ما أعلمه به العليم الخبير. إن النفس البشرية خلق ضعيف لا تستطيع أن تعيش بلا مجهول مغيب تكل إليه ما لا تعرفه، وما لا تقدر عليه، فإذا لم تكل المجهول المغيب إلى الإيمان بعلام

стр. 797

الغيوب وكلته إلى الأوهام والخرافات التي لا تقف عند حد، ولا تخضع لعقل. والذين يهربون من الإيمان بالله، ويستنكفون أن يكلوا الغيب إليه، لأنهم قد انتهوا إلى حد من العلم لا يليق معه بزعمهم أن يركعوا ويركنوا إلى الدين. هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا بدينه ولا بغيبه إنما يعاندون حقيقة الفطرة، وهي جوعتها إلى الإيمان، وعدم استغنائها عنه، وركونها إليه في تفسير كثير من حقائق هذا الكون التي لم يصل إليها علم البشر، وبعضه لن يصل إليه، لأنه أكبر من الطاقة البشرية، وخارج عن اختصاص الإنسان. فعلم البشرية كلها لا يساوي ذرة بالنسبة للعلم الإلهي: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. وسر الحياة كان وما يزال مغلقاً على الناس كلهم، سواء كان في النبات أو الحيوان أو الإنسان، فما يملك أحد حتى اللحظة أن يقول كيف جاءت هذه الحياة؟، ولا كيف تلبست بتلك الخلائق؟. ولا بد من الرجوع فيها إلى مصدر وراء هذا الكون المنظور وهو الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [التغابن: ١٨]. وليس الإنسان وحده هو المحجوب عن غيب الله، بل كل من في السموات والأرض من خلق الله من ملائكة وأرواح، وإنس وجن، كلهم موكلون بأمور لا تستدعي انكشاف ستر الغيب لهم، فيبقى سره عند الله دون سواه. فالحياة غيب .. والموت غيب .. والروح غيب .. والعقل غيب .. والآخرة غيب .. والجنة غيب .. والنار غيب .. والملائكة غيب .. والجن غيب .. والأقدار غيب .. ونزول الغيث غيب .. وما في الأرحام غيب. ولا يعلم هذه الغيوب إلا الله وحده: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحجرات: ١٨]. والعلماء قسمان: علماء الدنيا .. وعلماء الدين.

стр. 798

فعلماء الدنيا يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم غافلون عن الآخرة، يقفون عند هذا الظاهر ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه. ينظرون إلى الأسباب، ويجزمون بوقوع الأمر الذي انعقدت أسباب وجوده غير ناظرين إلى قضاء الله وقدره. ومن العجيب أن هؤلاء بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب، وأعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزاً عما أقدرهم الله عليه، فنظروا إليهم بعين الازدراء والاحتقار، وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم، وأشدهم غفلة عن آخرتهم، وأقلهم معرفة بالعواقب. وهذه العلوم التي أعطاهم الله، لو بنيت على الإيمان، لأثمرت الرقي العالي، والحياة الطيبة. ولكن لما بني كثير منها على الإلحاد والمقاصد السيئة لم تثمر إلا هبوط الأخلاق، وأسباب الفناء والتدمير، فما أتعسهم وأشقاهم في الدنيا والآخرة. فهؤلاء الذين: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]. وظاهر الحياة الدنيا محدود صغير مهما بدا للناس واسعاً شاملاً، والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل العظيم. والذي لا يتصل قلبه بخالق هذا الوجود، ولا يتصل حسه بالسنن الإلهية التي تصرفه يظل ينظر وكأنه لا يرى، ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة ولكنه لا يدرك حكمته، ولا يرى مصرفه، وينشغل بالمخلوق عن الخالق، وأكثر الناس كذلك: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨]. لأن الإيمان الحق هو وحده الي يصل ظاهر الحياة بأسرار الوجود، وهو الذي يمنح العلم روحه الذي به يدرك ويعرف خالق الوجود. والمؤمنون هذا الإيمان قلة في مجموع الناس، ومن ثم تظل الأكثرية محجوبة عن معرفة الحق: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٦، ٧].

стр. 799

فالدنيا صفحة من صفحات الكون الكثيرة، والآخرة حلقة في سلسلة النشأة، وصفحة أخرى من الوجود، والذين لا يدركون حكمة النشأة ولا يعلمون صفحات الوجود، يغفلون عن الآخرة، ولا يحسبون حسابها ولا يعرفون أنها صفحة في كتاب الوجود ونقطة في خط سير الوجود لا بد أن يمر بها الإنسان. والغفلة عن الآخرة تجعل كل المقاييس والموازين، والأفكار والأعمال تختل عند هؤلاء الغافلين، فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصوراً صحيحاً، ويظل علمهم بها ظاهراً سطحياً ناقصاً، لأن حساب الآخرة في نظر الإنسان، يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض. فحياة الإنسان في الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون، حيث كان في صلب أبيه، ثم خرج إلى بطن أمه، ثم خرج إلى الأرض، ثم ينزل إلى القبر، ثم يخرج في النهاية إلى دار القرار في الجنة أو النار .. ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود، والأحداث التي تحصل في هذه الأرض إن هي إلا فصل قصير من كتاب كبير. إن المسلم والكافر كلاهما قادم إلى تلك الدار الآخرة، ولكن المؤمن مستعد لها لمعرفته بها، والكافر غير مستعد لها، لأنه لا يؤمن بها. ومن هنا لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينظر ما وراءها. فلكل منهما ميزان، ولكل منها خط، ولكل منهما اتجاه، ولكل منهما جزاء. هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا، وذاك يدرك ما وراء الظاهر: يرى المخلوق ويتجاوزه إلى الخالق .. ويرى الصور ويتجاوزها إلى المصور .. ويدرك أن هذا الكون يسير بسنن لا تتبدل بأمر وإذن من رب العالمين .. سنن شاملة للظاهر والباطن .. والغيب والشهادة .. والدنيا والآخرة .. والحياة والموت .. والثواب والعقاب. وهذا هو الأفق البعيد الواسع الشامل الذي ينقل الإسلام البشرية إليه، ويرفعها

стр. 800

به إلى المكان الكريم اللائق بها في الدنيا والآخرة. فهذا الكون كله قائم على الحق، يسير وفق السنن الربانية. ومن مقتضيات هذا الحق الذي يقوم عليه الوجود أن تكون هناك آخرة يتم فيها الجزاء على العمل، ويلقى أهل الخير والشر عاقبتهما فيها كاملة، وإنما كل شيء له أجل مرسوم يسير وفق حكمة مدبرة، وكل شيء يجيء في موعده لا يتقدم لحظة ولا يتأخر. وإذا لم يعلم البشر متى تقوم الساعة فإن هذا ليس معناه أنها لا تكون، ولكن تأجيلها يغري الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ويخدعهم. فماذا ينتظر هؤلاء من العذاب والعقاب؟. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ [يونس: ٧، ٨]. وماذا ينتظر المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان ومقتضاه من الأعمال الصالحة المشتملة على أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، على وجه الإخلاص والمتابعة؟. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ٩، ١٠]. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. «اللَّهُمَّ! رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أخرجه مسلم (١).

стр. 801

٤ - فقه الاستفادة من الإيمان قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. الله ﵎ هو الغني وحده لا شريك له، وخزائن كل شيء عنده، وخزائنه مملوءة بكل شيء، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ويطعم من يطيعه ومن يعصيه، ويرحم من استرحمه، ويغفر لمن استغفره، ويعطي من سأله، ويجيب من دعاه، ويغيث من استغاثه، ويتقرب إلى من تقرب إليه، وهو الغني الحميد. غافر الذنوب، وساتر العورات، وكاشف الكربات، وفارج الهموم، وشافي الأمراض، وهادي الضال، ومعافي كل مبتلى، وميسر كل عسير، وواهب كل نعمة، ودافع كل نقمة. وهو سبحانه الذي خلق الخلائق، وخلق الأرزاق، وخلق الأحوال، وقسم الأرزاق، وقدر الآجال، وله خزائن السموات والأرض كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون: ٧]. وجميع المخلوقات والكائنات، وكل الأرزاق والنعم، وكل شيء في هذا الكون خزائنه عند الله كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. فكل شيء خزائنه عند الله: خزائن الأرزاق .. خزائن النعم .. خزائن الطعام .. خزائن المياه .. خزائن الحبوب .. خزائن الثمار .. خزائن النبات .. خزائن الأشجار .. خزائن الحيوان .. خزائن الرياح .. خزائن النجوم .. خزائن المعادن .. خزائن الذهب .. خزائن

стр. 802

الفضة .. خزائن الحديد. خزائن العزة .. خزائن الرحمة .. خزائن الهداية .. خزائن النعيم .. خزائن العذاب .. خزائن الحكمة .. خزائن العلم .. خزائن القوة .. خزائن النور .. خزائن السمع .. خزائن البصر .. خزائن العقول .. وخزائن كافة المخلوقات في العالم العلوي والسفلي .. وفي الدنيا والآخرة .. كلها في قبضة الله .. وبيد الله وحده لا شريك له. وللاستفادة من خزائن الله هناك طريقان: طريق الأموال والأسباب .. وطريق الإيمان والأعمال الصالحة. فالأول لعموم البشر، والثاني خاص بالمؤمنين. فكل مسلم بقدر إيمانه وأعماله الصالحة يستفيد من خزائن الله. وأكثر المسلمين اليوم يستفيدون من خزائن الله بواسطة الأسباب، لا بواسطة الأعمال. وبسبب ضعف الإيمان نقدم الأسباب على الأعمال، وهذا بسبب الخسارة في الدنيا والآخرة، فالواسطة بين المؤمنين وربهم هي الأعمال لا الأسباب كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وجميع الأنبياء جاءوا ليدلوا الناس على الاستفادة من قدرة الله بالإيمان والأعمال الصالحة. والله أعطانا الأسباب التي نستفيد بها من قدرة الله وهي الإيمان والأعمال. وأعطانا الأسباب الظاهرية ابتلاء من الله، ليعلم من يعتمد عليها ممن يعتمد على الله في حصول المطلوب. فأحياناً تفعل، وأحياناً لا تفعل، حسب أمر الله الذي خلقها. فيحصل الشفاء بالدواء، والشبع بالأكل، والري بالشرب، والنبات بالماء

стр. 803

وهكذا. وهذا كله ابتلاء من الله يحصل أمام العبد، والمطلوب نفي هذه الأشياء، وإثبات اليقين على الله وحده. وإذا جاء اليقين على الأسباب والأشياء، اعتمد عليها الإنسان، فكانت سبباً لهلاكه كما حصل لفرعون الذي اعتمد على ملكه، وكما حصل لقارون الذي اغتر بماله. وكما حصل لقوم نوح الذين اغتروا بكثرتهم، وكما حصل لقوم عاد الذين اغتروا بقوتهم، وكما حصل لقوم ثمود الذين اغتروا بصناعتهم، وغيرهم ممن طغى وتجبر وأفسد في الأرض. وإذا كان اليقين على الله وحده لم يلتفت الإنسان إلى الأسباب، لأن الله معه، وإذا كان الله معه فلا يحتاج إلى أحد، سواء كانت عنده الأسباب، أم ليست عنده الأسباب. فالله يعطي وينصر ويعز بالأسباب .. وبدون الأسباب .. وبضد الأسباب .. وهو على كل شيء قدير. فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله؟. وكم من نبي نصره الله على أعدائه مع كثرتهم وقوتهم؟. وكم من ذليل فقير أعزه الله بالإيمان وليس معه من الأسباب شيء؟. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وكلما تبدل اليقين وصار على الأسباب لا على الله أرسل الله نبياً يرد الناس إلى (لا إله إلا الله). فإذا جاء اليقين الصحيح على الله الذي بيده كل شيء، لم يلتفت الإنسان إلى الأسباب، بل يؤمن بها، ويفعلها ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على الله وحده. فيذهب إلى العمل .. ويأكل الطعام .. ويشرب الدواء .. ويعد القوة .. ويبذر الحب .. امتثالاً لأمر الله في هذه الأشياء .. فالأسباب نفعلها .. ولا نتوكل إلا

стр. 804

على الله وحده. فكل المخلوقات محتاجة في وجودها إلى الله .. ومحتاجة في بقائها إلى الله .. ومحتاجة في تأثيرها إلى الله .. فهي لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله. وكل ما في الكون ملك لله يعطي منه من يشاء، ويسلبه إذا شاء كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. والماء والنار والرياح مخلوقات عظيمة ولكن ليس بيدها شيء، وهي في قبضة الله، يصرفها كيف يشاء هي وجميع الكائنات في السماء والأرض. إن أمرها الله بالنفع نفذت أمر الله .. وإن أمرها بالضر نفذت أمر الله .. وهي عبيد من عبيده سبحانه، لا تعصي له أمراً .. ولا تملك إلا الطاعة لفاطرها ومبدعها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٣، ٩٤]. فالخلق كله والأمر كله لله وحده لا شريك له: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فالله على كل شيء قدير .. إن شاء أنزل الماء بالسنة الجارية، كما ينزل من السحاب .. وإن شاء أخرجه بضد الأسباب .. كما فجره عيوناً من الحجارة اليابسة لموسى ﷺ وقومه. وقد جعل الله في الدنيا حياة الأسباب موجودة، وحياة الأعمال موجودة. فمن اجتهد على الأسباب، جاء عنده اليقين على الأسباب، ومن اجتهد على الإيمان والأعمال، جاء عنده اليقين على قدرة الله . والله يقضي الحاجات بالإيمان والأعمال قطعاً، ويقضيها بالأسباب امتحاناً وابتلاءً للمؤمن، واطمئناناً للكافر. وأحياناً نفعل الأسباب ولا تظهر النتائج لتذكير العباد بالخالق. والله سبحانه يقضي حاجات العباد بهذا وهذا، بقدرته من الأرض أو من

стр. 805

السماء، بالأسباب وبدون الأسباب، وبضد الأسباب، فقد أعطى الله بني إسرائيل مع موسى ﷺ الماء من الحجر من الأرض، وأعطاهم المن والسلوى من السماء، ورزق مريم طعاماً بلا شجر، وابناً بلا ذكر، وأخرج النبات من الأرض، وأظهر الثمر من الشجر، وأخرج الحليب من الضرع، والنور من الشمس، والكلام من اللسان. وهذا كله من الله وحده لا شريك له، وهذه المخلوقات مظاهر لقدرة الله، فلا الأرض تعطي، ولا السماء تعطي، وإنما المعطي والرازق واحد لا شريك له. فالخالق واحد، والمعطي واحد، وأماكن التسليم والنفع متعددة، ومظاهر القدرة مختلفة: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. فالمعطي والمانع، والنافع والضار، والمعز والمذل هو الله وحده لا شريك له. فالطعام مخلوق وقد أمر الله بأكله، وجعله سبباً للحياة، ولكن ليس بيده شيء فهو لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، يأكله الصغير فيكبر وينمو، ويأكله الكبير فيضعف وينقص. والماء مخلوق وقد أمرنا الله بشربه، وجعله سبباً للحياة، ولكن ليس بيده شيء فهو لا ينفع ولا يضر إلا بأمر الله، يشربه الإنسان فيحيا، وأحياناً يشربه فيموت، ومن طبيعته الإغراق، ولكنه مملوك لله أمره الله فانفتح لموسى ومن آمن معه، وأغرق فرعون وقومه في آن واحد، وحمل موسى وليداً حتى أدخله في قصر فرعون، وأغرق كفار قوم نوح قاطبة. والنار مخلوقة وقد جعلها الله سبباً لمصالح العباد، ومن طبيعتها الإحراق، ولكنها لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله، فهي مملوكة مدبرة. إن جاءها أمر الإحراق أحرقت، وإن جاءها أمر الحفاظة أطاعت وحفظت، كما جعل الله النار برداً وسلاماً على إبراهيم ﷺ : ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].

стр. 806

فسبحان مالك الملك، وسبحان من نواصي الخلائق كلها بيده يفعل بها ما يشاء: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢]. وإذا جاءت مصيبة على الإنسان فحلها بيد الإنسان بأن يمتثل أوامر الله على طريقة رسول الله ﷺ ، فإذا غير ما في قلبه وجاء عنده اليقين على ربه غير الله بدنه وحاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. وإذا جاءت علينا أحوال شديدة نشكوها أمام الخالق وحده، ونتضرع إليه في كشفها، ولا نذكرها أمام المخلوق العاجز الضعيف، بل نشكو أحوالنا فقط إلى الله، ونفعل الأسباب التي أمر الله بها في حدود الاستطاعة. فالله أعطانا بمنه وكرمه الإيمان والأعمال، لجميع الأحوال، فإذا قمنا بالأعمال التي يرضى الله بها أصلح الله الأحوال بقدرته. كما سأل النبي ﷺ في بدر النصر على الكفار، فنصره الله بقدرته، ولم يتوجه إلى الفرس ولا إلى الروم، ولا لبشر ولا لسبب، بل توجه إلى الناصر الذي يملك النصر وحده كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وإبراهيم ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان فأبوا وأرادوا إحراقه بالنار توجه إلى ربه في طلب النجاة، ولم يتوجه لأحد سواه، فأنجاه الله وخذلهم كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠]. ونوح ﷺ لما دعا قومه إلى الإسلام فأبوا واستكبروا، وعادوه، دعا عليه ربه فأغرقهم بالماء، وأنجاه ومن آمن معه كما قال سبحانه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر: ١٠ - ١٥]. وقال سبحانه: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ

стр. 807

الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٦، ٧٧]. وأيوب ﷺ حين ابتلاه الله ببلاء شديد، فقد سلط الشيطان على جسده ابتلاء من الله، فنفخ في جسده فتقرح قروحاً عظيمة، ومكث مدة طويلة، واشتد به البلاء، ومات أهله، وذهب ماله فوجده الله صابراً راضياً عن ربه. فدعا ربه، فكشف ضره، ومنحه مع العافية من الأهل والمال شيئاً كثيراً كما قال سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤]. فمتى يستفيد المؤمنون من قدرة الله، بالتوجه إليه وحده في كشف الكربات والأمراض، ودعائه، وحسن الصبر على بلائه، والله سميع مجيب. ويونس ﷺ أرسله الله إلى قومه فلم يؤمنوا، فوعدهم بنزول العذاب بأن سماه لهم، فلما جاءهم العذاب عجوا إلى الله وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب كما قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: ٩٨]. ولكنه ﷺ ذهب مغاضباً لقومه، وخرج من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، وظن أن الله لا يقدر عليه، وعرض له هذا الظن فركب السفينة فأوشكت على الغرق، فاقترعوا من يلقى في البحر، لئلا تغرق السفينة، فأصابت القرعة يونس، فألقي في البحر، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات ربه ومولاه فأنجاه كما قال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨]. فأقر لربه بكمال الألوهية، ونزهه عن كل عيب وآفة ونقص، واعترف بظلم نفسه

стр. 808

وجنايته فكشف الله ضره وأنجاه، وكذلك ينجي الله المؤمنين. وفي هذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه ضرها لإيمانه كما فعل بيونس ﷺ . وزكريا ﷺ من رحمته للخلق، ونصحه لهم لما قرب أجله خاف ألا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى الله والنصح لعباده، وأن يكون في وقته فرداً ولا يخلف من يشفعه ويعينه على ما قام به. فاستجاب الله له، ووهب له ابناً سماه يحيى، وأصلح رحم زوجته للولادة كما قال سبحانه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠]. ومريم ابنة عمران التي حفظت فرجها من الحرام، بل ومن الحلال فلم تتزوج لاشتغالها بالعبادة، واستغراق وقتها في طاعة ربها، وخدمة بيت المقدس، رزقها الله ولداً من غير أب، فنفخ فيها جبريل بأمر الله، فحملت بإذن الله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢]. فهؤلاء الأنبياء والمرسلون وصفهم الله بالصبر: الصبر على طاعة الله .. والصبر عن معصية الله .. والصبر على أقدار الله المؤلمة. فهذه أقسام الصبر الثلاثة، ولا يستحق العبد اسم الصابر حتى يوفيها حقها. وهؤلاء الأنبياء قد وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي. ووصف الله الأنبياء كذلك بالصلاح، وهو يشمل: صلاح القلوب بمعرفة الله ومحبته والإنابة اليه كل وقت. وصلاح الجوارح باشتغالها بطاعة الله وكفها عن المعاصي، والتحلي بمكارم الأخلاق.

стр. 809

فبصبرهم وصلاحهم أدخلهم الله في رحمته، وجعلهم من المرسلين، وأثابهم الثواب العاجل والآجل، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين. وهؤلاء الأنبياء والرسل كانوا على خلق عظيم وعمل لله مستديم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فكل مخلوق لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، والأشياء ومعية الأشياء لا تنفع، بل الذي ينفع هو الله وحده لا شريك له. فنجتهد حتى يكون الله معنا، وإذا كان الله معنا فما نحتاج إلى غيره أبداً. ومعية الله تكون معنا بثلاثة أشياء: اجتماع القلوب .. العمل لوجه الله .. وأن يكون العمل على طريقة رسول الله ﷺ . وبحسب اليقين على الله، وعلى قدرته ونصرته، تكون معيته معنا، كما قال النبي ﷺ لأبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. فحفظه الله سبحانه حتى بلغ الدين للأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ثم توفاه بعدما بلغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه. وإذا تغير اليقين جاءت المصائب، ونقصت الطاعات، فقد يصلي المرء ويرى أن الصلاة تحجبه عن طلب الرزق. فلو قيل له تصلي وتدخل الجنة قال نعم. ولو قيل له تصلي والله يرزقك، قال هذا مشكل، ولذلك يترك الصلاة، ويشتغل بطلب الرزق، وهو يتلو: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. فما أحرى المؤمنين بالاستفادة من قدرة الله، ومن خزائن الله بالإيمان والأعمال الصالحة، في الدنيا والآخرة. ألا من مشمر إلى الجنة؟ .. ألا من منافس في الفضائل والأعمال؟ .. ألا من

стр. 810

مسارع إلى الخيرات؟ .. ألا من مشتاق إلى القصور والحور؟. يا حسرة على العباد ماذا علموا وماذا جهلوا؟ وماذا ضيعوا؟. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. إن كل ذهب في العالم أجمع لو جمعناه لكان أدنى أهل الجنة عنده مثله عشر مرات، وكل شجر وثمر في العالم أجمع لو جمعناه لكان أدنى أهل الجنة عنده مثله عشر مرات. وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام على الجواد المضمر السريع ولا يقطعها. فسبحان من بيده ملك الخلائق أولها وآخرها، وملك المسافات بدايتها ونهايتها. ومن قال (سبحان الله) غرست له نخلة في الجنة، وجميع أشجار الجنة من ذهب، فكم تكون أشجار الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين؟. وقصور الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وعرضه وطوله مد البصر. ومن صلى كل يوم اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة، فإذا صلى سنة كاملة كم يكون له قصر من ذهب؟. فكم تكون قصور الأنبياء؟، وكم تكون قصور المؤمنين في الجنة؟. ولو جمعنا جميع الذهب في الدنيا، وجميع الذهب الذي في جنات الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وجمعنا ما يعطى لمحمد ﷺ من الذهب، فكل ذلك بالنسبة لما في خزائن الله كالذرة بالنسبة للجبل، لأن ما في الدنيا والآخرة مهما يكن فهو محدود، وما في خزائن الله غير محدود. ولو أن الإنس والجن جميعاً سألوا الله، فالله يعطيهم كل ما طلبوا، ولا ينقص ذلك مما في خزائنه، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، لأن ما سألوه محدود، وما عند الله غير محدود.
следующие страницы →