- أحكام الرخص:
الرخصة في الشرع نوعان:
أحدهما: الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع بنص شرعي صحيح.
وهذه الرخصة أنواع:
منها ما هو واجب كأكل الميتة، ولحم الخنزير، والدم، وشرب الخمر عند الضرورة.
ومنها ما هو راجح المصلحة كفطر الصائم المريض، وقصر المسافر وفطره.
ومنها ما مصلحته للمترخص وحده كصلاة المريض قاعداً.
ومنها ما مصلحته للمترخص وغيره كفطر الحامل والمرضع في رمضان ونحو ذلك.
فهذه كلها رخص شرعية يحبها الله؛ لما فيها من الرفق والتيسير على العباد، ففعلها أرجح وأفضل من تركها.
الثاني: رخص التأويلات والحيل:
مثل رخص أصحاب الحيل في المعاملات، وقول من أباح الغناء وآلات اللهو، وقول من جوز للصائم أكل البَرَد، وقول من جوز نكاح النساء في أدبارهن ونحو ذلك.
فهذه الحيل والتأويلات كلها باطلة ومحرمة؛ لما فيها من غشيان الكبائر، والقول على الله بلا علم، ولما فيها من تحليل ما حرم الله ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل:١١٦ - ١١٧].
стр. 1017
٤ - فقه الإفتاء
- الإفتاء: هو الإخبار عن حكم الله في نازلة بالدليل لمن سأل عنه.
- المفتي: هو العالم المبيِّن للأحكام الشرعية من غير إلزام بها.
- المستفتي: هو السائل عن حكم شرعي.
- منزلة المفتي:
الإفتاء منصب عظيم، وشرف كبير لمن قام به بحقه.
وأول من قام بهذا العمل العظيم، والمنصب الشريف، هو سيد الأنبياء والمرسلين، الذي كان يفتي عن الله بوحيه المبين.
- مسؤلية المفتي:
المفتي إناء للعلم الشرعي، وهو أمانة وكله الله بحفظها ونشرها.
فالمفتي موقِّع عن رب العالمين، وقائم في الأمة مقام سيد المرسلين، ونائب عنه في تبليغ الدين، وبيان الأحكام.
فجدير بمن اختاره الله وعلَّمه وأقامه في هذا المنصب أن يستعين بالله، ويُعدّ للأمر عدته، ويأخذ له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه.
فينصح للأمة بكل ما يعلمه من خير، ويحذرها من كل ما يعلمه من شر، ولا يكن في صدره حرج من قول الحق، والصدع به، مع لزوم الحكمة في الأمور، والله العزيز العليم ناصره وهاديه.
- حكم الإفتاء:
الفتوى فيها أجر عظيم، لكن لها خطر عظيم.
стр. 1018
وقد كان أصحاب النبي ﷺ يتدافعون الفتوى ما استطاعوا، إلا عند الحاجة والضرورة.
والفتوى لها خمسة أحكام:
الأول: تجب الفتوى بأمور:
إذا كان المفتي أهلاً للإفتاء .. والحاجة إليها قائمة .. والنازلة مما يسوغ الاجتهاد فيه .. ودخل وقت العمل .. ولا يوجد في البلد أو المكان مفت سواه، فهذا تجب عليه الفتوى.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ الله بلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
الثاني: تستحب الفتوى إذا كان المفتي أهلاً، وفي البلد غيره، والحاجة غير قائمة، وفي الوقت متسع.
الثالث: تحرم الفتوى إذا كان المسؤول غير عالم بالحكم، أو أريد بها عَرَض من أعراض الدنيا، أو اتباع هوى، أو تزلُّف لحاكم بإبطال حق، أو تسويغ باطل.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ
стр. 1019
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف:٣٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام:١٤٤].
الرابع: تكره الفتوى إذا كانت المسألة لم تقع، أو كانت من الأغلوطات.
الخامس: تجوز الفتوى إذا كان المفتي أهلاً للفتوى، والمسألة مما يمكن وقوعها، وكانت الوقت متسعاً.
- حكم الفتوى:
فتوى المفتي لا تبيح المحرم شرعاً، ولا تحرم المباح شرعاً.
فمن حكم له المفتي أو القاضي بحق غيره، لم يجز له أخذه وهو يعلم عدم استحقاقه له.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنَّمَا أنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أخِيهِ شَيْئاً فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». متفق عليه (١).
стр. 1020
٢ - القواعد الشرعية
- فقه القواعد الشرعية:
الإسلام دين كامل، بيَّن الله فيه علاقة العبد بربه بالعبادة، وبين علاقة العباد بعضهم ببعض بحسن المعاملات والأخلاق.
ونظراً لكثرة المسائل وتجددها وتنوعها، واختلاف عقول البشر، فقد استنبط العلماء من الكتاب والسنة الأصول الشرعية، والقواعد الفقهية؛ ليسهل على العباد فهم الدين، ومعرفة أصوله وقواعده، وليُرجع كل فرع إلى أصله، وتُلحق كل مسألة بمثلها المنصوص، ويزول اللبس، وتضبط المسائل مع مراد الشرع.
- أقسام القواعد الشرعية:
القواعد الشرعية تنقسم إلى قسمين:
١ - قواعد الفقه الكبرى الجامعة لكثير من مسائل الفقه في العبادات والمعاملات.
٢ - القواعد الفرعية، وهي قسمان:
١ - قواعد العبادات.
٢ - قواعد المعاملات.
стр. 1021
١ - القواعد الكبرى
١ - القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها .
فكل أقوال الإنسان وأفعاله لا تكون صحيحة ولا مقبولة ولا يؤجر عليها إلا بنية.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البيِّنة:٥].
٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أوْ إلَى امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ». متفق عليه (١).
٢ - القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك .
فالأصل بقاء ما كان على ما كان .. وكل ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين .. وكل شيء شككنا في وجوده فالأصل عدمه .. وكل شيء شككنا في عدده فالأصل البناء على الأقل .. والأصل في الأشياء الطهارة .. والأصل في الكلام الحقيقة .. ولا يُنسب لساكت قول .. والسكوت في مقام الحاجة إلى البيان بيان.
فاليقين لا يزول بالشك أبداً؛ لأن اليقين أقوى من الشك، فمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فهو طاهر؛ لأن الطهارة ثابتة بيقين، فلا ترتفع بالشك الطارئ.
стр. 1022
ومن تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فهو محدث؛ لأن اليقين لا يزول بالشك .. وهكذا في كل أمر.
١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا وَجَدَ أحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً فَأشْكَلَ عَلَيْهِ، أخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أمْ لا، فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدَ رِيحاً». أخرجه مسلم (١).
٢ - وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلاثاً أمْ أرْبَعاً؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً، شَفَعْنَ لَهُ صَلاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَاماً لأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ». أخرجه مسلم (٢).
٣ - القاعدة الثالثة: لا ضرر ولا ضرار .
فلا يجوز لأحد أن يضر غيره ابتداءً .. ولا يجوز له مقابلة الضرر بالضرر على وجه غير مشروع .. ويُمنع الضرر قبل وقوعه بالوسائل المناسبة لمنعه .. ويُرفع الضرر بعد وقوعه بالوسائل التي ترفع أثره، وتمنع تكراره.
فمن اشتهر بالفساد والفجور المتعدي وجب على الإمام حبسه حتى تظهر توبته؛ دفعاً لشره عن البلاد والعباد.
ويُحجر على المفلس لدفع الضرر عن الغرماء، ويُحجر على الصغير والمجنون لدفع الضرر عن أنفسهم، وأباح الله الخيار بأنواعه دفعاً للضرر عن المتبايعين.
стр. 1023
- والضرر يُدفع بقدر الإمكان:
فالجهاد في سبيل الله مشروع لإزالة الباطل، ودفع الضرر عن المسلمين، فيجب على القادر لا العاجز، وإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
وأباح الإسلام الشفعة لدفع الضرر المتوقَّع عن الشريك.
- ويُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام:
فيجب الحجر على من يفتي بغير علم، أو يتطبب بجهل، وعلى كل مشعوذ ودجال؛ حفاظاً على دين الناس، وصيانة لأبدانهم وعقولهم وأموالهم.
- ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح:
فيحرم بيع المحرمات كالدخان، والخمور، والمخدرات ونحوها؛ منعاً للمفسدة التي تُلحق الضرر بعقول الناس، وأبدانهم، وأموالهم.
ولا يجوز لأحد أن يتصرف في ملكه بما يُلحق الضرر بغيره، كأن يجعل داره ورشة أو مدبغة؛ دفعاً للضرر عن جاره.
ولا ينكر المنكر إذا ترتب على إنكاره باللسان منكر أعظم منه لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام:١٠٨].
٤ - القاعدة الرابعة: المشقة تجلب التيسير .
فكل أمر يترتب على فعله حرج أو مشقة فإن الإسلام يمنعه أو يخففه، رحمة من الله بعباده.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
стр. 1024
الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥].
٣ - وَعَنْ أنَسِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا». متفق عليه (١).
- سماحة الشريعة:
جميع أوامر الله ورسوله سهلة سمحة ميسرة.
فالصلوات خمس في اليوم والليلة .. والزكاة جزء يسير من مال العبد في كل سنة مرة .. والصيام شهر واحد في كل عام .. والحج لا يجب في العمر إلا مرة على المستطيع .. وبقية الواجبات عوارض بحسب أسبابها كالكفارات والنذور ونحوهما.
وقد شرع الله لكثير من الواجبات أسباباً تعين عليها، وتنشِّط على فعلها، كما شرع الاجتماع في الصلوات الخمس، وأوجب الصيام على الجميع في شهر واحد، وكذلك أوجب الحج في العمر مرة.
فالاجتماع يزيل مشقة العبادات، ويولِّد التنافس في أفعال الخير، وينشِّط العاملين، كما جعل الله الثواب العاجل والآجل أكبر معين على فعل الخيرات، وترك المحرمات.
ومع هذه السهولة، إذا عرض للإنسان عذر يُعجزه أو يشق عليه، خفف الله عنه تخفيفاً يناسب حاله.
стр. 1025
- أقسام المشقة:
المشقة تنقسم إلى قسمين:
الأول: المشقة المعتادة: وهي التي لا ينفك عنها العمل غالباً .. مثل مشقة الوضوء والغسل في وقت البرد .. ومشقة الحج .. ومشقة الجهاد في سبيل الله .. ومشقة الصوم في شدة الحر ونحو ذلك.
فهذه وأمثالها مشقة يسيرة لا تسبب حرجاً للإنسان.
الثاني: المشقة الجالبة للتيسير: وهي الطارئة والزائدة على الجهد المعتاد، وهي جميع رخص الشرع وتخفيفاته.
فهذه تقتضي التخفيف، وتجلب التيسير، لرفع الحرج عن الخلق، رحمة من الله بعباده، برفع الآصار والأغلال عنهم.
وهذه المشقة أنواعها كثيرة:
مثل الجمع بين الصلاتين في الحضر عند الحاجة .. والجمع والقصر في السفر .. والفطر في رمضان للمسافر والمريض .. والمسح على الخفين في الحضر والسفر .. والمسح على الجبيرة للمريض .. وصلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت .. والتيمم عند فقد الماء أو عند المشقة في استعماله .. وصلاة المريض حسب حاله وقدرته .. والتوكيل في الرمي في الحج للعاجز .. والإطعام بدل الصوم للكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه .. وهكذا.
- والضرورات تبيح المحظورات:
فيجوز للمضطر أن يأكل من الميتة أو يشرب الخمر إذا خشي الهلاك حفظاً
стр. 1026
لنفسه.
ويجوز للإنسان إذا صال عليه مجرم لأخذ ماله، أو قتله، أو انتهاك عرضه أن يدفعه بالأسهل فالأسهل، ولو أدى ذلك إلى قتله، ولا ضمان عليه، ولا إثم عليه.
- والضرورة تُقدّر بقَدْرها:
فالطبيب يجوز له النظر إلى عورة المريض بقدر الحاجة فقط، والمضطر يجوز له الأكل من الميتة والخنزير بقدر ما يدفع عنه الموت فقط، فإن زاد فهو آثم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة:١٧٣].
- وكلما ضاق الأمر اتسع، وكلما اتسع ضاق.
فالمريض وسع الله عليه بأن يصلي حسب حاله قاعداً، أو على جنب، أو إيماءً، فإذا شفاه الله صلاها قائماً كاملة كغيره.
والمعسر إذا لم يقدر على السداد يُنظر إلى ميسرة، فإذا يسر الله عليه وجب عليه أداء الدين فوراً ... وهكذا.
٥ - القاعدة الخامسة: العادة محكمة .
فكل ما تعارف عليه الناس من الأقوال والأفعال، ولم يخالف نصاً شرعياً، وليس له مدلول في الشرع أو اللغة، فإن مرجعه إلى العرف والعادة، وذلك يختلف باختلاف الزمان والمكان.
стр. 1027
١ - قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف:١٩٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء:١٩].
٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلا مَا أخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ، فَقَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ». متفق عليه (١).
- حكم العرف:
ينقسم العرف من حيث الحكم إلى قسمين:
الأول: عرف صحيح: وهو كل ما تعارف عليه الناس من الأمور التي لا تحل حراماً، ولا تحرم حلالاً كأنواع الكيل، والوزن، والمساحة.
الثاني: عرف فاسد: وهو كل ما يخالف نصوص الإسلام وقواعده كتعارف أهل بلد على شرب الخمر، أو أكل الربا، أو سفور النساء، أو سماع الغناء ونحو ذلك.
فهذا وأمثاله عرف فاسد محرم لمخالفته الشرع.
- أقسام العرف:
ينقسم العرف من حيث الصفة إلى قسمين:
الأول: العرف اللفظي: وهو أن يُستعمل اللفظ فيما وُضع له في اللغة، وفي غير ما وُضع له كلفظ الدابة، والغائط.
стр. 1028
فالدابة في اللغة: اسم لكل ما يدبّ على وجه الأرض، وفي العرف: اسم لذوات الأربع من الحيوان.
والغائط في اللغة: اسم للمكان المنخفض، وفي العرف: اسم لعذرة الإنسان.
الثاني: العرف العملي: وهو أن يعتاد الناس على عادات معينة في الأكل والشرب واللبس، وعلى معاملات ومقادير في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك.
مثل تعارف الناس على تقديم الأجرة قبل استيفاء المنفعة في إجارة الأماكن والآلات يومياً، أو أسبوعياً، أو شهرياً، أو سنوياً، وتأخيرها في بعض البلاد، أو استلام بعض الأجرة، وتأخير الباقي إلى استيفاء المنفعة.
وتعارف الناس في بعض البلاد على تقديم مهر الزواج، وفي بعضها على تأخيره، وفي بعضها على تعجيل بعضه، وتأجيل بعضه .. وهكذا.
وتعامل بعض البلاد بالكيل أو الوزن، أو بنقد معين كالريال أو الدولار، أو بمقادير المساحة كالمتر والقدم ونحو ذلك.
فيُرجع في هذا وغيره إلى العرف والعادة في كل بلد في كل حُكم حَكم فيه الشرع ولم يحدده كالكيل، والوزن، والنقد ونحوها.
- والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً:
فالزوج ينفق على زوجته بالقدر المتعارف عليه بين الناس بحسب غناه أو فقره.
وإذا استأجر عاملاً لمدة يوم، أو ركب سيارة إلى مكان كذا، ولم يشارطهما، فإن مدة العمل، ومقدار الأجرة، تتحدد بحسب ما تعارف عليه الناس.
стр. 1029
- والكتاب كالخطاب:
فإذا كتب إنسان لآخر كتاباً ببيع أو إجارة ونحوهما صح كما لو تلفظ بذلك.
وإذا كتب لزوجته بالطلاق كتاباً، فإن الطلاق يقع كالنطق به.
٦ - القاعدة السادسة: الوسائل لها أحكام المقاصد .
فإذا كان مأموراً بشيء كان مأموراً بما لا يتم إلا به.
فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .. وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون.
وإذا كان منهياً عن شيء كان منهياً عن جميع طرقه ووسائله.
فالوسيلة إلى الواجب واجبة كالمشي إلى صلاة الفريضة، وأداء الحقوق ونحوهما.
والوسيلة إلى المسنون مسنونة كالنافلة من الصلاة والصدقة والحج والعمرة ونحو ذلك.
وكذلك الوسائل إلى الشرك كلها محرمة، فيحرم كل قول وفعل يفضي إليه.
وكذلك الوسائل إلى سائر المعاصي كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر ونحوها كلها محرمة.
والوسيلة إلى المكروه مكروهة .. والوسيلة إلى المباح مباحة.
فالأشياء ثلاثة:
مقاصد: كالصلاة مثلاً .. ووسائل إليها: كالوضوء والمشي .. ومتممات لها: كرجوعه إلى محله الذي خرج منه.
فالوسائل تعطى أحكام المقاصد، وكذلك المتممات للأعمال تعطى أحكامها كالرجوع من الصلاة، والجهاد، والعمرة، والحج، وعيادة
стр. 1030
المريض، واتباع الجنازة ونحو ذلك.
فمن خرج من محله للعبادة فهو في عبادة حتى يرجع إلى مقره.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس:١٢].
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ». أخرجه مسلم (١).
٣ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قالَ: كَانَ رَجُلٌ لا أعْلَمُ رَجُلاً أبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ، قال فَقِيلَ لَهُ: أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ. قال: مَا يَسُرُّنِي أنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ المَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى المَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ». أخرجه مسلم (٢).
- وكل مباح تَوسّل به إلى ترك واجب، أو فِعْل محرم فهو محرم:
فلا يحل البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني .. أو إذا خيف فوت الصلاة المكتوبة أو صلاة الجماعة .. أو البيع على من يريد أن يعمل بالسلعة معصية كبيع العنب على من يتخذه خمراً، أو السلاح لأهل الفتنة ونحو ذلك.
стр. 1031
- وكل حيلة يتوسل بها إلى ترك واجب أو فعل محرم فهي حرام:
كالحيل على قلب الدَّين على المدين، كأن يدينه مرة أخرى ليوفيه .. وكبيع العينة .. والتحيل على إسقاط شفعة الشفيع بالوقف أو زيادة الثمن .. وقتل الوارث مورِّثه .. وقتل الموصي له وصيَّه .. وعضل الزوج لزوجته لتعطيه المال ليطلقها.
فهذه الحيل كلها حرام.
- والحيل التي يُتوسل بها إلى استخراج الحقوق مباحة بل مأمور بها:
فالإنسان مأمور باستخراج حقه والحق المتعلق به بالطرق الواضحة، والطرق الخفية كما تحيل يوسف ﷺ بوضع الصاع في رحل أخيه ليبقى عنده كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف:٧٦].
وكذلك الحيل التي تَسْلم بها الحقوق والنفوس والأموال كلها مباحة، بل مأمور بها كما خرق الخضر السفينة لتسلم من الملك الظالم الذي يغتصب كل سفينة صالحة تمر عليه ... وهكذا.
٧ - القاعدة السابعة: الله لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، ولا ينهى إلا عن ما فيه مفسدة .
وهذا الأصل شامل لجميع الشريعة، سواء تعلق بالقلوب أو الجوارح، أو بالأصول أو الفروع، أو بحقوق الله أو حقوق عباده.
فكل ما أمر الله ورسوله به كله عدل ومصلحة كالإيمان، والتوحيد، والطاعات.
وكل ما نهى الله ورسوله عنه كله ضرر ومفسدة على القلوب والأبدان، في
стр. 1032
الدنيا والآخرة كالشرك، والكفر، والمعاصي.
والعدل مصالحه خالصة، والظلم مفاسده خالصة.
والصدق مصالحه خالصة، والكذب مضاره خالصة .. وهكذا.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل:٩٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف:٣٢ - ٣٣].
٨ - القاعدة الثامنة: الوجوب يتعلق بالاستطاعة .
فلا واجب مع العجز .. ولا محرم مع الضرورة.
١ - يسقط كل واجب عند العجز عنه.
فكل من عجز عن شيء من شروط الصلاة، أو فروضها، أو واجباتها فإنه يسقط عنه، ويصلي بحسب ما يقدر عليه.
ومن عجز عن الصوم لكبر، أو مرض، ولا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، وإن أفطر لسفر، أو مرض يرجى برؤه قضاه إذا زال عذره.
والعاجز عن الحج ببدنه يقيم عنه من يحج عنه، والعاجز عن الحج بماله لا يجب عليه.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا
стр. 1033
لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن:١٦].
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». متفق عليه (١).
٢ - يباح المحظور عند الاضطرار إليه.
فيحل للعبد كل محرم اضطر إليه كالميتة، ولحم الخنزير ونحو ذلك؛ لمنع الهلاك عن نفسه، والضرورة تقدّر بقدرها، فإذا اندفعت وجب على المضطر الكف.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [الأنعام:١١٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة:١٧٣].
٩ - القاعدة التاسعة: الأصل في الأشياء الإباحة .
فكل ما خلق الله الأصل فيه الحل والإباحة ما لم يرد دليل يحرمه.
وكل ما صنع الإنسان من الآلات والأجهزة فالأصل فيه الحل والإباحة ما لم يرد فيه دليل يحرمه.
فالأصل الإباحة في كل شيء، والتحريم مستثنى.
стр. 1034
١ - قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة:٢٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام:١٤٥].
١٠ - القاعدة العاشرة: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله لازِمان في كل عمل .
فهذان الأصلان شرطان في كل عمل يبتغي به العبد وجه الله، سواء كان ظاهراً كأعمال الجوارح، أو باطناً كأعمال القلوب.
فكل عمل لا بد أن يكون خالصاً لله، مراداً به وجهه ورضوانه وثوابه، ولا بد أن يكون مأخوذاً من الكتاب والسنة.
فهذا هو العمل الصحيح المقبول عند الله، وكل ما سواه مردود.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البيِّنة:٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر:٧].
٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أحْدَثَ فِي أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
- الأعمال الصالحة إذا وقعت من المرائين فهي باطلة؛ لفقدها الإخلاص.
وكل عمل يفعله العبد لله لكنه غير مشروع فهو باطل؛ لفقده المتابعة.
стр. 1035
فالأول ميزان الأعمال الباطنة .. والثاني ميزان الأعمال الظاهرة.
وكل معاملة من بيع، أو إجارة أو غيرهما تراضى عليها الطرفان، لكنها ممنوعة شرعاً فهي باطلة ومحرمة؛ لأن الرضى إنما يشترط بعد رضى الله ورسوله.
وكل تبرع نهى الله ورسوله عنه فهو باطل ومحرم كإعطاء بعض الأولاد دون بعض، أو تفضيلهم في العطايا والوصايا والمواريث.
- جميع الأحكام مأخوذة من الكتاب والسنة، وهما الأصل.
والإجماع مستند إليهما، والقياس الذي هو العدل مستنبط منهما.
١١ - القاعدة الحادية عشرة: العدل واجب في كل شيء، والفضل مسنون في كل شيء .
والعدل: أن تعطي ما عليك كما تأخذ ما هو لك.
والفضل: هو الإحسان ابتداءً، أو الزيادة على الواجب.
فجميع العبادات والمعاملات والأخلاق العدل فيها واجب، والفضل مسنون.
فالعبادات كالطهارة، والصلاة، والصيام، والحج وغيرها.
وأداء العبادات له حالتان:
١ - أداء مجزئ: وهو ما يقتصر فيه العبد على ما يجب في العبادة، وهو العدل.
٢ - أداء كامل: وهو الإتيان بمستحبات العبادة مع الواجبات، وهو الفضل.
والمعاملات كالبيع والشراء، والأخذ والعطاء.
فالعدل أن تأخذ ما هو لك، وتعطي ما عليك.
стр. 1036
والفضل أن تعفو عن حقك أو بعضه، وتعطي أكثر مما وجب عليك.
والعدل والفضل مقامان للمنصفين والسابقين، ومن قصر دونهما فهو من الظالمين.
وقد أمر الله بالعدل، ورغّب في الفضل، وفي الجمع بينهما الثواب الجزيل، والحظ الأوفر.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل:٩٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فُصِّلَت:٣٤ - ٣٥].
١٢ - القاعدة الثانية عشرة: إذا تزاحمت المصالح قُدِّم الأعلى على الأدنى .
١ - فإذا تزاحمت المصالح نقدم الواجب على المستحب، ونقدم الفرض على النفل، والراجح على المرجوح.
٢ - وإذا تزاحمت المفاسد، واضطر الإنسان إلى واحد منها قدم الأخف منها.
فالواجب أولى من المستحب .. وأحد الواجبين أو المستحبين أحسن مما دونه .. وما نفعه عام أحسن مما نفعه خاص:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزُّمَر:١٧ - ١٨].
فيجب تقديم الواجب على المسنون في الصلاة والصدقة والصيام والحج
وغيرها.
стр. 1037
ويجب تقديم من تجب طاعته على من تستحب، وتقديم أعلى الواجبين على أدناهما، فيقدم المسلم طاعة الله ورسوله على طاعة كل أحد.
ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهذا لا يطيع الإنسان والديه في منعهما له من الحج الواجب، والجهاد المتعين.
وتقدِّم المرأة طاعة زوجها على طاعة والديها.
ويقدِّم المسلم السنن الراتبة على السنن المطلقة .. والعبادات والمعاملات المتعدية على العبادات والمعاملات القاصرة .. ويقدِّم نفل العلم على نفل الصلاة والصيام .. ويقدم الصدقة على القريب على الصدقة على البعيد؛ لأنها صدقة وصلة.
وإذا تزاحمت المفاسد، واضطر الإنسان لها قدم الأخف منها.
فمن اضطر إلى أكل المحرم ووجد شاة ميتة وصيداً وهو محرم قدَّم الصيد على الميتة .. ويقدِّم ميتة الشاة على أكل الكلب .. ومن اضطر إلى وطء إحدى زوجتيه الصائمة والحائض وطئ الصائمة؛ لأنها أخف، ولأن الفطر يجوز للضرورة كالحامل إذا خافت على الولد .. ويقدِّم ما فيه شبهة على الحرام الخالص .. وهكذا.
стр. 1038
٢ - القواعد الفرعية
١ - قواعد العبادات
١ - الأصل في العبادات الحظر إلا ما شرعه الله ورسوله.
فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله.
فكل واجب أو مستحب شرعه الله ورسوله فهو عبادة نعبد الله بها، فمن أوجب شيئاً .. أو استحب شيئاً .. أو حرم شيئاً .. أو كره شيئاً .. أو أباح شيئاً .. لم يدل عليه الكتاب والسنة .. فقد ابتدع ديناً لم يأذن به الله.
- والبدع في العبادات قسمان:
١ - إما أن يبتدع عبادة لم يشرع الله ولا رسوله جنسها أصلاً.
٢ - وإما أن يبتدع في العبادة ما يغير به ما شرعه الله ورسوله.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء:١١٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف:١١٠].
٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أحْدَثَ فِي أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
٢ - المكلف هو البالغ العاقل.
فالعقل شرط لوجوب العبادات.
стр. 1039
والتمييز شرط لصحة العبادات إلا الحج والعمرة .. والزكاة والكفارة.
والتكليف والرشد شرط لصحة التصرف.
والتكليف والرشد والملك شرط لصحة التبرع.
٣ - من ترك المأمور به لم يبرأ إلا بفعله، ومن فعل المنهي عنه جاهلاً أو ناسياً فهو معذور ولا يلزمه شيء، وعبادته تامة.
فمن صلى وهو محدث، أو ترك ركناً أو شرطاً من شروط الصلاة لغير عذر، فعليه الإعادة ولو كان جاهلاً أو ناسياً، ومن نسي النجاسة في بدنه، أو ثوبه، أو جهلها فلا إعادة عليه؛ لأن الأول مِنْ ترك المأمور .. والثاني مِنْ فعل المحظور.
ومن ترك نية الصيام لم يصح صومه، ومن فعل مفطراً جاهلاً، أو ناسياً فصومه صحيح.
ومن ترك الطواف أو السعي في الحج والعمرة فعليه الإتيان به، ومن فعل محظوراً من محظورات الإحرام كتغطية الرأس، ولبس المخيط ونحوهما وهو جاهل، أو ناسي فلا شيء عليه.
٤ - إذا خُيِّر العبد بين أمرين فأكثر قَدّم الأصلح.
١ - فإن كان التخيير لمصلحة العبد نفسه اختار ما يناسبه.
ومثاله: التخيير في كفارة اليمين بين إطعام عشرة مساكين .. أو كسوتهم .. أو تحرير رقبة.
والتخيير في فدية الأذى للمحرم بين صيام ثلاثة أيام .. أو إطعام ستة
مساكين .. أو ذبح شاة .. وهكذا.
стр. 1040
٢ - وإن كان التخيير لمصلحة الغير فهو تخيير يلزمه فيه الاجتهاد في الأصلح.
ومثاله: تخيير الإمام في أسرى الحرب بين قتلهم .. أو استرقاقهم .. أو أخذ الفدية منهم .. أو المنّ عليهم.
فيلزمه في هذا الأصلح للدين والأمة.
وناظر الوقف، وولي اليتيم، والوصي ونحوهم إذا تعارضت التصرفات، لزمه التصرف بأحسن ما يراه يحقق المصلحة.
٥ - إذا عاد التحريم إلى نفس العبادة أو شرطها فسدت، وإن عاد إلى أمر خارج لم تفسد، وإنما ينقص ثوابها.
فمن توضأ بماء محرم كمغصوب، أوصلى في ثوب محرم، وهو عالم ذاكر متعمد، فهذا بطلت طهارته وصلاته.
وإن كان الماء مباحاً، والإناء مغصوباً، حرم ذلك الفعل، وصحت الطهارة.
وإذا صلى رجل وعليه خاتم ذهب، حرم ذلك الفعل، والصلاة صحيحة، لأن التحريم في المسألتين عاد إلى أمر خارج.
والصائم إذا تناول شيئاً من المفطرات عالماً ذاكراً متعمداً فسد صومه، وإن فعل شيئاً من المحرمات في حق الصائم وغيره كالغيبة، والنميمة صح صومه مع الإثم.
٦ - يجب فعل المأمور به كله، واجتناب المنهي عنه كله.
فإن قدر على المأمور به فَعَله، وإن قدر على بعضه وعجز عن باقيه فعل ما قدر عليه، ويجتنب المنهي عنه كله.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا
стр. 1041
لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن:١٦].
٢ - وَعن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». متفق عليه (١).
٧ - إذا تعارض مندوبان، فيقدم المندوب المهجور على المندوب المشتهر، وذلك لسببين: فعله، وإحياؤه.
ويقدم المندوب المتعدي نفعه كطلب العلم وتعليمه، على المندوب القاصر نفعه على فاعله كصلاة النفل، وتلاوة القرآن ونحو ذلك.
وإذا تعارض محرمان أو مكروهان لا بد من أحدهما، كقتل النفس، وشرب الخمر، فَعَل الإنسان الأخف منهما، وقدم ما هو ضرره على نفسه، واجتنب ما يتعدى ضرره إلى غيره.
٨ - كل عبادة مركبة من أجزاء لا بد فيها من أمرين:
الترتيب .. والموالاة.
مثل الوضوء .. والصلاة .. والحج ونحوها.
٩ - إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد تداخلت أفعالهما، واكتفى عنهما بفعل واحد.
فمن دخل المسجد وصلى ركعتين، ونوى بهما ركعتي الوضوء، وتحية المسجد، والسنة الراتبة، وصلاة الاستخارة، حصل له أجر ذلك كله.
ومن حلف عدة أيمان على شيء واحد، وحنث فيه عدة مرات ولم يكفِّر،
стр. 1042
أجزأه كفارة واحدة عن الجميع.
١٠ - والواجب بالنذر كالواجب بالشرع.
فإذا نذر صلاة وأطلق فأقلها ركعتان، ويلزمه أن يصليها بشروطها وأركانها كالفرض.
ومن عليه صوم نذر لم يكن له أن يصوم نفلاً قبل أداء نذره.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ». أخرجه البخاري (١).
١١ - الأحكام لا تتم ولا يترتب عليها مقتضاها حتى تتم شروطها، وتنتفي موانعها.
فالتوحيد مثمر لكل خير في الدنيا والآخرة، ودافع لكل شر في الدنيا والآخرة.
ولكن لا تحصل هذه الأمور إلا باجتماع شروطه، وانتفاء موانعه.
فأما شروطه:
فهي نطق اللسان بالتوحيد .. وإقرار القلب بالتوحيد .. وتصديقه ومحبته للتوحيد .. وبغضه للشرك .. وانقياد الجوارح للعمل بالتوحيد بالأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة .. فهذه شروطه.
وأما موانعه ومفسداته فهي ضد هذه الشروط.
وجماع الموانع:
إما شرك .. وإما بدعة .. وإما معصية.
стр. 1043
فالشرك نوعان:
شرك أكبر يبطل التوحيد والأعمال بالكلية.
وشرك أصغر ينقص التوحيد ولا يزيله بالكلية، وكذلك البدع والمعاصي تنقصه بحسبها ولا تزيله بالكلية.
وكذلك الوضوء لا يتم إلا باجتماع شروطه وفروضه، وانتفاء موانعه ونواقضه.
وكذلك الصلاة لا تتم حتى توجد أركانها وشروطها، وتنتفي موانعها ومبطلاتها.
وكذا الزكاة والصيام والحج وسائر الأعمال لا تتم إلا بوجود الشروط، وانتفاء الموانع.
ودخول الجنة شرطه الإيمان والأعمال الصالحة، وموانعه الردة ومبطلات الأعمال، فلا بد من حصول الشرط، وانتفاء المانع.
ودخول النار سببه الكفر والمعاصي، وموانعه الإيمان والتوبة.
فإذا حصل السبب، وانتفى المانع ثبت الحكم.
فكل عبادة، أو معاملة، أو عقد من العقود إذا فسدت، فسبب ذلك أحدأمرين:
إما لفقد أحد شروطها ولوازمها .. أو لوجود مانع يبطلها.
١٢ - يقوم البدل مقام المبدَل إذا تعذر الأصل.
فالتيمم يقوم مقام الوضوء عند فقد الماء أو التضرر باستعماله، ويؤدَّى به ما
يؤدَّى بالوضوء من فرض ونفل ونحوهما.
стр. 1044
وكذلك الهدي والأضحية إذا فقدت تبدل بخير منها أو مثلها.
وكذلك الوقف إذا جاز بيعه أبدله بما يحقق المصلحة من جنسه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء:٤٣].
١٣ - الفعل ينبني بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد.
فالانقطاع اليسير بين مفردات الفعل الواحد لا يقطع الاتصال.
فإذا غسل بعض أعضاء الوضوء، وانفصل غسل الباقي عن الأول، فإن كان الفصل قصيراً لم يضر، وإن طال الفصل أعاده من أوله .. وهكذا في كل فعل تعتبر له الموالاة.
وإذا ترك شيئاً من صلاته وسلم قبل إتمامها، ثم ذكر ولم يطل الفصل، أتى بما تركه وسجد للسهو، ولو طال الفصل عرفاً أعادها كلها.
وإذا ألحق بكلامه استثناءاً أو شرطاً أو وصفاً، فإن طال الفصل عرفاً لم ينفعه، وإن اتصل لفظاً أو حكماً كانقطاعه بعطاس وشبهه لم يضر .. وهكذا في كل قول يعتبر اتصال بعضه ببعض.
стр. 1045
٢ - قواعد المعاملات
١ - الأصل في المعاملات والعادات الحل والإباحة.
فلا يحرم من المعاملات والعادات إلا ما حرمه الله ورسوله.
فالعادات كلها كالمآكل والمشارب، والملابس والمراكب، والمساكن والمصانع، الأصل فيها الإباحة والإطلاق.
والمعاملات كلها كالبيوع، والإجارات وسائر العقود، الأصل فيها الإباحة.
فمن حرم شيئاً منها لم يحرمه الله ولا رسوله فهو مبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، كمن حرم بعض أنواع اللباس، أو الأجهزة، أو المصنوعات بغير دليل شرعي يحرمه .. والمحرَّم من هذه الأشياء كل خبيث وضار.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل:١١٦ - ١١٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف:٣٢].
٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أحْدَثَ فِي أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
٢ - الصلح جائز بين المسلمين إلا ما خالف الشرع.
فالصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً.
стр. 1046
والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.
وجميع أنواع الصلح الجارية بين المسلمين جائزة ما لم تُدخلهم في حرام، أو تخرجهم من واجب.
فيصح الصلح مع الإقرار بالحق ومع إنكاره .. ويصح الصلح عن الحقوق الثابتة ليسقطها مَنْ هي له كخيار العيب، أو الغبن أو نحوهما .. ويصح الصلح عن دم العمد في النفس بمال ونحوه.
وكذا لو صالح غيره عن المجهول من الديون والحقوق بشيء معلوم جاز، وكذا لو صالحه عن الدين المؤجل ببعضه حالاً جاز.
فهذا وأمثاله من الصلح كله جائز بشرطه.
قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء:١١٤].
٣ - إذا عاد التحريم إلى نفس السلعة أو شرطها فسد البيع، وإن عاد إلى أمر خارج لم يفسد، وللآخر الخيار.
فإذا باع الإنسان ما لا يملك، أو بغير رضى معتبر، أو كان بيع رباً أو غرر ونحو ذلك فسد البيع؛ لأنه متعلق بذاته وشرطه.
وإن تلقى الجلَب، أو باع معيباً يعلمه، أو دلّس في البيع، فالعقد صحيح/ والفعل محرم، وللآخر الخيار.
٤ - ومن تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
فمن طلق زوجته في مرض موته المخوف، ترث منه ولو خرجت من العدة.
стр. 1047
ومن قتل مورِّثه حُرم من الميراث، سواء كان القتل عمداً، أو خطأً، إذا كان بغير حق.
وإذا قتل الموصى له الموصي بطلت الوصية .. ومن تعجل شهواته المحرمة في الدنيا عوقب بالحرمان منها في الآخرة إن لم يتب .. ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إن لم يتب.
٥ - البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
فكل من ادعى عيناً عند غيره، أو ديناً على غيره، أو حقاً من الحقوق، فعليه البينة.
فإن لم يأت ببينة تشهد بصحة دعواه، فعلى الآخر اليمين التي تنفي ما ادعاه المدعي.
٦ - وجوب التراضي بين الطرفين في جميع العقود.
فيجب التراضي بين الطرفين في جميع عقود المعاوضات، والتبرعات، والفسوخ الاختيارية.
فالبيوع والإجارات والمشاركات ونحوها لا بد فيها من رضى المتعاقدين.
وكذلك النكاح وغيره من العقود والفسوخ لا تصح إلا برضى المتصرف فيها.
فمن أُكره على عقد أو فسخٍ بغير حق فعقده وفسخه لاغ.
ومن امتنع من واجب عليه وأكره فإنّ إكراهه بحق، ولا يشترط رضاه، فمن أُكره على بيع ماله وحلاله لوفاء دينه، أو شراء ما يجب عليه من نفقة، فهو إكراه بحق.
стр. 1048
ومن وجب عليه طلاق زوجته لسبب فامتنع أجبر عليه بحق.
٧ - الإتلاف مضمون على من أتلفه.
فمن أتلف شيئاً ضمنه، سواء كان متعمداً، أو جاهلاً، أو ناسياً، وسواء كان صغيراً، أو كبيراً.
وهذا الضمان شامل لإتلاف النفوس المحترمة، والأموال، والحقوق، فمن أتلف شيئاً من ذلك بغير حق فعليه ضمانه.
والفرق بين المتعمد وغيره من جهة الإثم، وعقوبة الدنيا والآخرة في حقه، وعدمه في حق المعذور بخطأ، أو نسيان.
٨ - التلف في يد الأمين غير مضمون، وفي يد الظالم مضمون.
والأمين كل من كان المال بيده برضى ربه.
فيدخل فيه المودع والوكيل، والأجير والمرتهن، والوصي والولي، والشريك ونحوهم، فكل هؤلاء إذا تلف المال بأيديهم بغير تعد ولا تفريط لا يضمنون، فإن تعدوا أو فرطوا ضمنوا.
والتعدي: فعل ما لا يجوز من التصرفات.
والتفريط: ترك ما يجب من الحفظ.
ومن كان المال بيده بغير حق فإنه ضامن لما في يده، سواء تلف بتعد، أو تفريط، أو بدونهما؛ لأن يد الظالم متعدية، فيضمن مطلقاً، ويدخل في هذا الغاصب، والخائن، والسارق، والجاحد ونحوهم، فهؤلاء ضامنون مطلقاً.
فأسباب الضمان ثلاثة:
اليد المتعدية .. ومباشرة الإتلاف بغير حق .. وفعل سبب يحصل به التلف.
стр. 1049
٩ - تُضمن المثليات بمثلها، والمتقوَّمات بقيمتها.
فالمثليات: ما كان له مثل، أو مشابه، أو مقارن كالحيوانات، والآلات.
والمتقومات: ما ليس له مثل أو مشابه.
فكل من أتلف مالاً لغيره: فإن كان مثلياً ضمنه بمثله .. وإن كان متقوماً ضمنه بقيمته يوم تلفه.
ومن استقرض مثلياً رد بدله .. وإن كان متقوماً رد قيمته.
عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْراً فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاّ خِيَاراً رَبَاعِياً، فَقَالَ: «أَعْطِهِ إيّاهُ، إنّ خِيَارَ النّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». أخرجه مسلم (١).
١٠ - إذا تعذر المسمى رجعنا إلى القيمة.
فمن باع شيئاً، أو أجّره بثمن معلوم، وتعذر معرفة الثمن المسمى في العقد، نرجع إلى قيمة المبيع الذي وقع عليه العقد في وقته، وإذا تعذر معرفة الأجرة المسماة، نرجع إلى أجرة المثل في وقته، وإذا تعذر معرفة مهر المرأة المسمى، فإنه يجب لها مهر المثل.
وهكذا جميع العقود والمعاوضات، إذا تعذر معرفة المسمى رجعنا إلى القيمة.
١١ - إذا تعذر معرفة من له الحق جُعل كالمعدوم.
فإذا علمنا أن هذا المال ملك للغير، وتعذر معرفة صاحبه، فيُجعل
стр. 1050
كالمعدوم، ويُصرف المال بأنفع الأبواب لصاحبه، أو إلى أحق الناس بصرفه إليه من أقاربه.
فمن كان بيده ودائع، أو رهون، أو أمانات، أو غصوب، وجُهل ربها، وأيس من معرفته: فإن شاء دفعها لولي بيت مال المسلمين ليصرفها في المصالح النافعة.
وإن شاء تصدق بها عن صاحبها، ونوى أنه إذا جاء خيَّره: بين إمضاء التصرف، ويكون له الثواب، أو يضمنها له وله ثوابها.
ومن مات وليس له وارث معلوم، فميراثه لبيت المال، ليصرف في المصالح العامة النافعة.
١٢ - الحق لصاحبه إذا عرفناه، وتستعمل القرعة عند التزاحم والاشتباه.
فإذا جهلنا من هو المستحق، أو تزاحم عدد على شيء لا يمكن اجتماعهم فيه، ولا مميز لأحدهم، فهنا نُقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة استحق ذلك الحق.
فإذا تشاح اثنان في أذان، أو إقامة، أو سبق إلى مباح، أو سبق إلى جلوس في مسجد، أو سوق، أو رباط ونحو ذلك، ولم يكن لأحدهما مرجِّح، أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة قُدِّم .. وهكذا في كل أمر.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الاَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا». متفق عليه (١).
стр. 1051
١٣ - من سبق إلى المباحات فهو أحق بها من غيره.
والمقصود بالمباحات هنا: ما ليس له مالك، ولا هو من الاختصاصات، فيدخل في هذا:
السبق إلى إحياء الأرض الموات .. والسبق إلى صيد البر والبحر .. والسبق إلى حطب، أو حشيش ونحوهما من المباحات .. والسبق على مكان في المسجد، أو السوق ونحوهما.
فمن سبق إلى شيء من ذلك فهو أحق به من غيره.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ أعْمَرَ أرْضاً لَيْسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ». أخرجه البخاري (١).
١٤ - من أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه، وإن أتلفه لمضرته له فلا ضمان عليه.
فإذا صالت عليه بهيمة غيره فدفعها عن نفسه فأتلفها لم يضمنها.
وإن اضطُر إلى أكلها فذبحها لذلك فلا إثم عليه، لكن يضمنها؛ لأنه ذبحها لنفعه.
١٥ - من سقطت عنه العقوبة لموجب ضوعف عليه الضمان.
فمن سرق مالاً، أو ثمراً، أو ماشية من غير حرز سقط عنه القطع، وضمن المسروق بقيمته مرتين؛ لأن جنايته موجبة لعقوبته، ووجود المانع يمنع العقوبة، فيكون مقابل ذلك زيادة الغُرم، وإذا قتل مسلم ذمياً عمداً لم يُقتص منه لعدم المكافأة في الإسلام، ولكن تضاعف عليه الدية.
وإذا قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه لم يُقتص منه؛ لأنه بالقصاص
يذهب جميع بصره، ولكن يضاعف عليه الغُرم، فيلزمه دية نفس كاملة.
стр. 1052
وإذا قلع صحيح العينين عين الأعور الصحيحة وجب عليه دية كاملة، وهي دية ذهاب البصر كله .. وهكذا.
١٦ - من له حق ظاهر على الغير فله أخذه إذا منعه، وإن كان غير ظاهر فليس له ذلك.
فمن كان له حق على الغير، وكان سبب الحق ظاهراً، فله الأخذ من ماله بقدر حقه إذا امتنع، أو تعذر استئذانه، وإن كان السبب خفياً فليس له ذلك.
فإذا امتنع الزوج من النفقة الواجبة على زوجته، أو طالت غَيبته، فلها أن تأخذ من ماله بمقدار ما يكفيها وأولادها الصغار بغير علمه؛ لأن سبب الأخذ ظاهر.
وإذا امتنع الإنسان من قِرى الضيف الذي نزل به فله الأخذ من ماله بمقدار حقه .. وهكذا.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ هِنْدٌ أمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرّاً؟ قال: «خُذِي أنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالمَعْرُوفِ». متفق عليه (١).
وأما من له دين أو غيره من الحقوق التي تخفى، فهذا إذا امتنع المطلوب من الوفاء، فليس لصاحب الحق الأخذ من ماله بغير إذنه؛ لأنه وإن كان له الحق، لكنه في هذه الحال ينسب إلى الخيانة.
١٧ - إذا أدى الإنسان ما عليه وجب له ما جعل عليه.
فالموظف والأجير إذا أكمل العمل استحق الأجرة كاملة في الحال، وإن لم
يُكمل العمل: فإن كان بعذر وجب له من الأجرة بقدر العمل، وإن ترك
стр. 1053
العمل من غير عذر لم يستحق شيئاً ... وهكذا في سائر الأعمال والأعواض.
١٨ - الشركاء في الأملاك والحقوق والمنافع يلزم الممتنع منهم بما يعود على الجميع بالمصلحة، فلا ضرر ولا ضرار.
فإذا احتاجت الدار، أو الأرض، أو النهر، أو البئر إلى تعمير، وامتنع أحد الشركاء أجبر على التعمير معهم؛ لأنه حق تعلق به حق الغير فوجبت المعاونة، كما يجب عليهم جميعاً الإنفاق على البهائم المشتركة بينهم، ويشتركون في الزيادة، أو النقصان، أو الإنفاق بحسب أملاكهم.
١٩ - من لا يعتبر رضاه في عقد أو فسخ لا يعتبر علمه.
فمن له خيار شرط، أو عيب، أو غبن، أو تدليس ونحو ذلك فله الفسخ سواء رضي الآخر أو لم يرض، وسواء علم أو لم يعلم.
ومن طلق زوجته لا يعتبر علمها كما لا يعتبر رضاها.
ومن أعتق مملوكاً فلا يشترط علمه كما لا يعتبر رضاه.
وللشريك أخذ نصيب شريكه بالشفعة ولو لم يرض المشتري ويعلم ... وهكذا.
٢٠ - إذا تبين فساد العقد بطل ما بني عليه.
فإذا اشترى شيئاً أو استأجره ثم تصرف فيه، وبعد تصرفه بان أن العقد الأول باطل، فتصرفه غير نافذ؛ لأنه تصرف في شيء لا يملكه شرعاً.
وأما إذا تصرف فيه، ثم فسخ العقد الأول بخيار ونحوه، فالعقد الثاني صحيح؛ لأنه تصرف فيما يملكه، لكن يضمن للأول المثليّ بمثله، والمتقوَّم
بقيمته ... وهكذا.
стр. 1054
٢١ - العبرة في المعاملات بما في نفس الأمر.
فإذا تصرف في شيء يظنه ملكه، أو يظنه وكيلاً، ثم بعد التصرف تبين أنه ليس بمالك، وليس بوكيل فالتصرف غير صحيح.
وإن كان الأمر بالعكس بأن تصرف ظاناً أنه غير مالك ولا وكيل، ثم تبين أنه مالك أو وكيل فالتصرف صحيح.
٢٢ - إذا أقر العاقل المكلف على نفسه بحق تَرتَّب على إقراره مقتضاه.
فإذا أقر لغيره بثمن مبيع، أو بدين قرض، أو قيمة متلف، أو مغصوب أو غير ذلك وجب عليه ما أقرّ به -ولو قال غلطت أو نسيت-؛ لأن الإقرار مقبول من العدل وغيره.
٢٣ - يقوم الوارث مقام مورِّثه في كل شيء يتعلق بتركته.
فيقضي الوارث ديون مورثه من التركة، وينفذ وصاياه إن لم يكن له وصي، ولا يطالب الوارث بأكثر مما وصل إليه من التركة؛ لأنه لم يكن شريكاً للميت، وإنما هو نائب عنه في أمواله وحقوقه.
٢٤ - الحكم يدور مع علته ثبوتاً وعدماً.
فعلة الحكم هي الأمر به، أو النهي عنه، أو إباحته.
وقد ينص الشرع على الحكمة، وقد يكون للحُكم عدة علل، متى وجد واحدة منها ثبت الحكم.
وقد تكون القاعدة هي العلة كقولنا:
لا ضرر ولا ضرار .. والمشقة تجلب التيسير .. والعبادت والمعاملات تفسد
بوجود موانعها، أو بفقد شيء من شروطها ..
стр. 1055
والذي تجب عليه الأحكام هو البالغ العاقل .. ونحو ذلك من الأصول التي إذا وُجدت وُجد الحكم.
والحِل دائر مع وصف الطَّيِّب، والتحريم مع وصف الخبيث. كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
والعصير إذا تخمر صار خمراً محرماً نجساً، فإذا زال تخمره بنفسه عاد خلاً طاهراً حلالاً.
٢٥ - إذا اختلط المال الحلال بالحرام على وجه لا يتميز أَخرج الحرام منه واحتاط، ويطيب له الباقي.
فهذا النوع خبثه لمكسبه، واشتباه الميتة بالمذكاة خبثه لذاته، والفرق بينهما ظاهر.
٢٦ - الجهل بالحكم عذر، والجهل بما يترتب على الحكم ليس بعذر.
فالجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام هذا عذر.
فلو زنا وشرب الخمر أو أخذ الربا حديث عهد بالإسلام، معتقداً أن ذلك حلال، فلا إثم عليه، ولا يُحد.
والجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس بعذر.
فإذا كان يعلم أن الزنا حرام، ولا يعلم أن حده الجلد للبكر، والرجم للثيب فإنه يُحد؛ لانتهاك الحرمة، وهكذا في السرقة وشرب الخمر ونحو ذلك.