للعمل، وأقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وينفر منه الشيطان، وتكثر أماكن ذكر الله، وليقتدي أهل البيت به.
فإخفاء العمل نجاة، وإخفاء العلم هلكة، والمأمور بستره من أعمال البر النوافل دون المكتوبات.
٢ - وإنما لم تستحب صلاة النافلة في المسجد لئلا يرى جاهل عالماً يصليها فيه فيراها فريضة، أو خشية أن يخلي منزله من الصلاة فيه، أو حذراً على نفسه من رياء أو عارض من خطرات الشيطان، فإذا سلم من ذلك فإن الصلاة في المسجد حسنة.
٣ - والأصل في الرواتب والنوافل أن يصليها في البيت لما سبق، وليقع الفصل بين الفرض والنوافل بما ليس من جنسها، ليكون فصلاً معتداً به يُدْرَك ببادي الرأي، يفصل بين الفرض والنفل.
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ َرَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّهُ صَلَّى الجُمُعَةَ مَعَ مُعَاوِيَةُ فِي المَقْصُورَةِ، قالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ الإمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فَلا تَصِلْهَا بِصَلاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَنَا بِذَلِكَ، أنْ لا تُوصَلَ صَلاةٌ بِصَلاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أوْ نَخْرُجَ. أخرجه مسلم (٢).
стр. 1333
- آكد صلوات التطوع:
صلاة التطوع والنوافل على أربع درجات:
١ - سنة الفجر والوتر، فهاتان آكد صلاة التطوع، أمر بهما النبي ﷺ ، ورغب فيهما، ولم يتركهما حضراً وسفراً.
وكان حرصه ﷺ على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولم ينقل عنه ﷺ أنه صلى في السفر راتبة غيرهما.
٢ - السنن الرواتب التي كان النبي ﷺ يصليها في الحضر مع المكتوبات، وصلاة التهجد في الليل.
٣ - السنن ذوات الأسباب كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الضحى، وركعتي الطواف ونحوها.
٤ - النوافل المطلقة التي يسن للمسلم الإكثار منها، ركعتين ركعتين، ليلاً أو نهاراً، في كل وقت عدا أوقات النهي.
- أوقات النهي عن الصلاة:
١ - أوقات النهي عن صلاة النفل خمسة:
١ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ ﵁ قالَ: ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً
стр. 1334
حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ. أخرجه مسلم (١).
٣ - وَعَنْ عَمْرُو بْن عَبَسَةَ السُّلَمِيّ ﵁ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللهُ وَأجْهَلُهُ، أخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاةِ؟ قال: «صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ العَصْرَ، ثُمَّ أقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ». أخرجه مسلم (٢).
٢ - تجوز صلاة النفل بعد العصر إذا كانت الشمس بيضاء نقية مرتفعة.
عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ العَصْرِ إِلاَّ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. أخرجه أبو داود والنسائي (٣).
٣ - وتجوز الصلاة في المسجد الحرام في كل وقت.
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ بهَذا البَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ». أخرجه الترمذي والنسائي (٤).
٤ - يجوز قضاء الفوائت من الفرائض والسنن الرواتب في تلك الأوقات
стр. 1335
الخمسة، وكذا ما له سبب كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وركعتي الطواف، وصلاة الكسوف ونحو ذلك.
ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، وسنة الظهر بعد العصر كما سبق.
- حكم السنن الرواتب في الحضر والسفر:
السنة فعل السنن الرواتب مع الفرائض في الحضر.
أما في السفر فالسنة ترك السنن الرواتب إلا سنة الفجر والوتر.
وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقاً مثل: صلاة التهجد بالليل .. صلاة الضحى .. جميع النوافل المطلقة .. الصلوات ذوات الأسباب كسنة الوضوء، وركعتي الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد ونحو ذلك.
- حكم ترك السنن الرواتب:
صلاة التطوع والنوافل والسنن الرواتب من فضل الله على عباده، حيث شرع لهم ما يزيد في أجورهم، ويرفع درجاتهم، ويمحو سيئاتهم، وهي تكمل الفرائض، وتجبر نقصها، فالفرائض تكمل بالنوافل، فمن لم يستكثر منها يوشك أن لا تسلم له فريضة من غير جابر.
والعبد مهما أحسن أداء الفرائض فلا يمكنه اتقانها من جميع الوجوه، فلا بد له من التطوعات لجبر نقص الفرائض.
ولا يحسن بالعبد أن يترك التطوعات اعتماداً منه على أداء الفرائض، وترك المحرمات، ولَئِنْ أفلح بفعل الواجب فَلَأَن يفلح بالواجب والتطوع أولى وأكمل، ويحرز من الخير والأجر ما لا يحصره حاصر.
أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
- حكم فعل التطوع إذا أقيمت المكتوبة:
١ - إذا سمع المسلم الإقامة فلا يحل له أن يدخل في صلاة تطوع، سواء كانت راتبة كسنة الفجر والظهر ونحوهما، وسواء كانت في المسجد أو خارجه، وسواء خاف فوات الركعة الأولى أو لم يخف؛ وذلك ليتمكن من الدخول في الفريضة من أولها، ولعدم الاختلاف على الإمام في صلاته.
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلا المَكْتُوبَةُ». أخرجه مسلم (٢).
٢ - وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، لا نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أحَطْنَا نَقُولُ: مَاذَا قال لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قال: قال لِي: «يُوشِكُ أنْ يُصَلِّيَ أحَدُكُمُ الصُّبْحَ أرْبَعاً». متفق عليه (٣).
٢ - إذا أقيمت الصلاة وهو في النافلة، أتمها خفيفة؛ ليدرك تكبيرة الإحرام.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد:٣٣].
стр. 1338
٢ - صلاة التهجد
- صلاة التهجد: هي صلاة التطوع بالليل.
- المتهجد: هو القائم إلى صلاة التطوع من النوم ليلاً.
- وقت صلاة التهجد:
يبدأ قيام الليل من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني من كل ليلة، والتهجد لا يكون إلا بعد النوم، والناشئة لا تكون إلا بعد رقدة.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء:٧٩].
- حكمة مشروعية قيام الليل:
١ - كلما زاد إيمان العبد زادت رغبته في مناجاة ربه، والوقوف بين يديه، والتلذذ بعبادته.
ولتحقيق هذا شرع الله الصلوات الخمس، وجعلها من الفرائض التي تجب على كل مسلم ومسلمة، وشرع صلاة التطوع، وجعلها من الشعائر والسنن الباطنة التي يختص بها من يشاء من عباده ممن يصلح لمناجاته.
٢ - صلاة الليل برهان صدق العبد، ودليل محبته لربه، يتلذذ بها، ويتذوق حلاوتها، فهو يعظم ربه حيناً، ويحمده حيناً، ويسأله حيناً، ويستغفره حيناً.
٣ - وعبادة الليل أشد نشاطاً، وأصفى ذهناً، وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة، وأبلغ في الثواب من عبادة النهار: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزَّمل:٦].
٤ - وقد أثبت الطب أن السهر المعتدل يساعد على الشفاء من كثير من الأمراض؛
стр. 1339
لأن المخ يفرز مادة تسكن الآلام في وقت السهر أكثر من غيره، فكيف إذا كان السهر في طاعة الله صلاة وتهجداً، وانكساراً وتضرعاً، وذكراً واستغفاراً، وتلاوة لكتاب الله.
وهؤلاء أصفياء الله، وخلاصة الخلق، وأعرفهم بالله وما يجب له: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزُّمَر:٩].
- حكم قيام الليل:
قيام الليل من النوافل المطلقة، وهو سنة مؤكدة في كل ليلة.
وقيام الليل نافلة للنبي ﷺ ؛ لأنه غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فطاعاته كلها نافلة، وهو لغيره من أمته كفارة للذنوب، ورفعة للدرجات، وهو أفضل الصلوات بعد الفريضة.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزَّمل:١ - ٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ ... [الإسراء:٧٩].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾ [الإنسان:٢٥ - ٢٦].
٤ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ». أخرجه مسلم (١).
٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ سَلاَمٍ َرَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ , قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَثبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بوَجْهِ كَذابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بهِ أَنْ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلاَمَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بسَلاَمٍ». أخرجه الترمذي وابن ماجه (١).
- أفضل أوقات قيام الليل:
وقت صلاة التطوع بالليل يبدأ من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني.
وصلاة الليل مشروعة في كل وقت:
في أول الليل، وفي وسطه، وفي آخره، حسب ما يتيسر للمسلم.
وقيام الليل على ثلاث درجات:
١ - أن يقوم الثلث الأول من الليل.
٢ - أن يقوم الثلث الأوسط.
٣ - أن يقوم الثلث الأخير.
والثلث الأخير من الليل هو أفضل أوقات قيام الليل؛ لأنه وقت النزول الإلهي إلى السماء الدنيا.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ [الطور:٤٩].
٢ - وعَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئاً، وَكَانَ لاَ
الثاني من الساعات على ثلاثة، والناتج هو الثلث.
٢ - ولمعرفة بداية نصف الليل يقسم مجموع ساعات الليل على اثنين.
٣ - ولمعرفة سدس الليل يقسم مجموع ساعات الليل على ستة.
فلو كان الليل (١٢) ساعة، يقسم على (٦)، والناتج هو السدس ساعتان، فيكون الليل ستة أجزاء.
وأفضل القيام في السدس الرابع والخامس، وهو وقت نزول الرب ، وهو بداية ثلث الليل الآخر.
- الصلوات التي ينبغي أن يحافظ عليها المسلم في اليوم والليلة:
ينبغي للمسلم أن يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة.
الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة، والسنن الرواتب اثنتا عشرة ركعة، وصلاة الليل إحدى عشرة ركعة.
فتلك أربعون ركعة كان يحافظ عليها النبي ﷺ في اليوم والليلة في الحضر.
وكلما زاد العبد من النوافل المطلقة أحبه الله وأعظم أجره.
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». أخرجه البخاري (١).
стр. 1344
٢ - عَنْ مَعْدَان بن أَبِى طَلْحَةَ اليَعْمَرِىّ ﵁ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ أَخْبِرْنِى بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِى اللهُ بِهِ الجَنَّةَ. أَوْ قَالَ: قُلْتُ بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ. فَسَكَتَ ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ للهِ فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً». أخرجه مسلم (١).
- الأسباب المعينة على قيام الليل:
١ - معرفة فضائل قيام الليل، ومنزلة أهله عند الله، وما لهم من السعادة في الدنيا والآخرة، وأن قيام الليل من أسباب دخول الجنة، ورفع الدرجات، ومحو السيئات كما تقدم.
٢ - الخوف من الله، والطمع في رحمة الله كما قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزُّمَر:٩].
٣ - معرفة قصر الأمل، وتذكر الموت، فذلك يُذهب الكسل، ويدفع إلى العمل، ويُزهِّد في الدنيا، ويُرغِّب في الآخرة.
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. أخرجه البخاري (٢).
стр. 1345
٤ - معرفة كيد الشيطان وتثبيطه عن قيام الليل، ومعرفة عقوبة وحرمان من ترك قيام الليل.
١ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أصْبَحَ، قال: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ، أوْ قال: فِي أُذُنِهِ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهِ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ». متفق عليه (٢).
٣ - وَعَنْ عَبْدُاللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَبْدَاللهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». متفق عليه (٣).
٥ - معرفة قيمة الوقت، واستغلال أوقات الصحة والفراغ بالعمل الصالح.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ». أخرجه البخاري (٤).
٦ - الاجتهاد في حال الصحة والفراغ والإقامة في الأعمال الصالحة، ومعرفة أنه يُكتب له الأجر إذا مرض، أو شُغِل، أو سافر.
عَنْ أبي مُوسَى ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ
стр. 1346
سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً». أخرجه البخاري (١).
٧ - أن ينام مبكراً ليأخذ قوة ونشاطاً يستعين به على قيام الليل وصلاة الفجر.
عَنْ أبِي بَرْزَةَ ﵁، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا. متفق عليه (٢).
٨ - الأخذ بالأسباب التي تعين على قيام الليل.
فلا يكثر الأكل، ولا يترك القيلولة بالنهار، ولا يُتعب نفسه بالنهار بما لا فائدة منه، ويجتنب الذنوب والمعاصي، ويعرض عن فضول الدنيا.
٩ - حب الله تعالى وقوة الإيمان به، وأن يكون سليم القلب للمسلمين، ويطهر قلبه وجوارحه وأعماله من البدع، وأن يعلم أن الله يراه ويسمعه، ويقضي حاجته.
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ اللهَ خَيْراً مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلا أعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ». أخرجه مسلم (٣).
١٠ - الحرص على آداب النوم، بأن ينام على طهارة، ويدعو بما ثبت من أذكار النوم.
- كيفية صلاة الليل:
صلاة الليل وردت على وجوه متنوعة:
١ - أن يصليها المسلم مثنى مثنى إلا ركعة الوتر.
صَلاَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثاً. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي». متفق عليه (١).
والأفضل أن يصلي التهجد ركعتين ركعتين؛ لأنه الأكثر من فعله ﷺ ، وأحياناً يسلم من كل أربع ركعات؛ إحياءً للسنة بوجوهها المشروعة المتنوعة.
- عدد ركعات قيام الليل:
١ - صلاة الليل ليس لها عدد مخصوص مقدر من الركعات لا تجوز الزيادة عليه، بل يصلي العبد ما شاء من التطوع.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». متفق عليه (٢).
٢ - والأفضل للمسلم أن يقتصر في صلاة الليل على ما ثبت عن النبي ﷺ ، وهو إحدى عشرة ركعة مع الوتر، أو ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، والإحدى عشرة ركعة الأكثر من فعله ﷺ .
يفعل هذا مرة، وهذا مرة؛ إحياءً للسنة، وعملاً بها بوجوهها المشروعة
المتنوعة.
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». أخرجه مسلم (١).
٧ - السنة إذا قام لصلاة الليل، ثم غلبه النعاس أن ينام حتى يذهب عنه النوم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ، حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ». متفق عليه (٢).
٨ - يستحب للمسلم إذا قام للتهجد أن يوقظ أهله لصلاة الليل، لا سيما عند آيةٍ تحدُث، ويصلي بهم أحياناً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه:١٣٢].
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ كُلَّهَا، وَأنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإِذَا أرَادَ أنْ يُوتِرَ أيْقَظَنِي فَأوْتَرْتُ. متفق عليه (٣).
٣ - وَعَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ:
«سُبْحَانَ اللهِ، مَاذَا أنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ». متفق عليه (٤).
٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قَامَ
стр. 1354
مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ». أخرجه أبو داود والنسائي (١).
٩ - يسن أن يقرأ المسلم في تهجده ما تيسر من القرآن جزءاً أو أكثر، أو أقل، مع التدبر لما يقرأ.
والمتهجد بالليل مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار بها.
لكن إنْ كان الجهر بالقراءة أنشط له، أو كان بحضرته من يستمع لقراءته، أو ينتفع بها فالجهر أفضل.
وإن كان قريباً منه من يتهجد، أو يتضرر برفع صوته من نائم، ومريض ونحوهما فَيُسِرّ؛ لئلا يشوِّش على غيره.
وإن لم يكن لا هذا ولا هذا فليفعل ما فيه الأصلح لقلبه، والأنشط له، والأيسر عليه.
١ - عَنْ عَبْداللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأطَالَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأمْرِ سَوْءٍ، قال قِيلَ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قال: هَمَمْتُ أنْ أجْلِسَ وَأدَعَهُ. متفق عليه (٢).
٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَألَ، وَإِذَا
بِنَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أيْنَ جَعَلَ أنَساً مِنْهُ؟ قال: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا، أهْلَ البَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. أخرجه مسلم (١).
١١ - وصلاة الليل قائماً أفضل من صلاتها قاعداً بلا عذر، فإن كان القعود لعذر فأجره كأجر القائم.
١ - عَنْ عِمْرَان بن حُصَيْنٍ ﵁ وَكَانَ مَبْسُوراً، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ قَاعِداً، فَقَالَ: «إِنْ صَلَّى قَائِماً فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِداً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِماً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ». أخرجه البخاري (٢).
٢ - وَعَنْ أبي مُوسَى ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحاً». أخرجه البخاري (٣).
١٢ - الأفضل في صلاة الليل طول القيام مع كثرة الركوع والسجود.
والأفضل للمسلم أن يصلي ما يستطيع حتى لا يمل، فإن ارتاحت نفسه للتطويل أطال، وإن ارتاحت نفسه للتخفيف خفف، يفعل ما فيه الأخشع له، والأصلح لقلبه، وما يجد فيه لذة العبادة، وكلما أكثر من السجود كان أفضل.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزُّمَر:٩].
٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ
стр. 1357
القُنُوتِ». أخرجه مسلم (١).
٣ - وَعَنْ رَبِيعَة بن كَعْبٍ الأسْلَمِيّ ﵁ قالَ: كُنْتُ أبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ. فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أسْألُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. قال: «أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قال: «فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». أخرجه مسلم (٢).
١٣ - والسنة لمن قام يصلي بالليل أن يختم تهجده بالوتر.
عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عُمرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً». متفق عليه (٣).
١٤ - أن يتفرغ وقت السحر للاستغفار.
قال الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
- صفة صلاة النبي ﷺ بالليل:
١ - كانت صلاة النبي ﷺ في التهجد معتدلة.
إنْ أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإن خفف القيام خفف الركوع
والسجود، وهذا أفضل ما يكون.
٢ - وكان النبي ﷺ يتحمل كثيراً في العبادة، ويتلذذ بها، ويفرح بمناجاة ربه، ولا يمل من عبادة ربه، ويطيل الصلاة حتى تفطرت قدماه، وكانت الصلاة فرضها ونفلها قرة عينه، وبها يرتاح.
عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلا فِي آخِرِهَا. أخرجه مسلم (١).
٢ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بثلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢).
الثامنة: ثلاث ركعات، يسلم من ركعتين، ثم يوتر بواحدة، وهذا هو الأفضل لمن صلى ثلاثاً، وهي أدنى الكمال.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الوَتْرِ وَالشَّفْعِ بِتَسْلِيمَةٍ وَيُسْمِعُنَاهَا. أخرجه أحمد وابن حبان (٣).
التاسعة: ثلاث ركعات سرداً، ولا يجلس إلا في آخرهن.
١ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الوِتْرِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَفِي الرَّكْعَةِ الثانِيَةِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثالِثةِ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَلاَ يُسَلِّمُ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ، وَيَقُولُ -يَعْنِي بَعْدَ التَّسْلِيمِ-: «سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ». أخرجه النسائي (٤).
٢ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الوِتْرُ حَقٌّ
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بثلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». أخرجه أبو داود والنسائي (٥).
стр. 1367
العاشرة: ركعة واحدة.
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». أخرجه مسلم (١).
٢ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «الوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بسَبْعٍ وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بخَمْسٍ وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بثلاَثٍ وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بوَاحِدَةٍ». أخرجه النسائي وابن ماجه (٢).
هذه صفات الوتر المشروعة.
يفعل هذا مرة، وهذا مرة؛ إحياءً للسنة، وعملاً بها بوجوهها المشروعة، ويداوم على الأفضل منها.
- أفضل صلاة الوتر:
أفضل صلاة الوتر أن يصلي المسلم إحدى عشرة ركعة، وهذا هو الهدي الراتب للنبي ﷺ ، وهي أصح الروايات وأقواها وأكثرها.
وأحياناً يصلي ثلاث عشرة ركعة، وأدنى الكمال ثلاث ركعات.
- ما يقرأ المسلم في صلاة الوتر:
السنة لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى بسورة (الأعلى)، وفي الثانية بسورة (الكافرون)، وفي الثالثة بسورة (الإخلاص)، وله أحياناً أن يقرأ
بغيرها مما تيسر من القرآن.
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الوِتْرِ
стр. 1368
بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَفِي الرَّكْعَةِ الثانِيَةِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثالِثةِ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَلاَ يُسَلِّمُ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ. أخرجه النسائي وابن ماجه (١).
- حكم القنوت في الوتر:
القنوت: هو الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام، قبل الركوع أو بعده.
والقنوت في صلاة الوتر مَنْ شاء فعله، ومن شاء تركه.
والقنوت في الوتر لم يثبت فيه حديث عن النبي ﷺ لا من قوله ولا من فعله، لكن له أن يقنت أحياناً لفعل بعض الصحابة ﵃، وليكن الترك أكثر من الفعل.
- محل القنوت في الصلاة:
١ - القنوت قبل الركوع هو إطالة القيام في الصلاة للقراءة، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : «أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ». أخرجه مسلم (٢).
٢ - القنوت عند النوازل يكون بعد الركوع، وأحياناً قبل الركوع، وقد قنت النبي ﷺ شهراً، يقنت في الفرائض، يدعو على قوم، ويدعو لقوم.
١ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ
الرُّكُوعِ. أخرجه النسائي وابن ماجه (٣).
стр. 1369
٢ - وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهْراً بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ، يَدْعُو عَلَى بَنِي عُصَيَّةَ. أخرجه مسلم (١).
٣ - وَعَنْ مُحَمَّدِ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ: أَقَنَتَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ: أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيراً. متفق عليه (٢).
٣ - دعاء القنوت في الوتر يجوز قبل الركوع، ويجوز بعد الركوع، والقنوت بعد الركوع أفضل وأقيس.
- ما يقال من الدعاء في قنوت الوتر:
١ - السنة أن يرفع الداعي يديه بعد الرفع من الركوع، وأحياناً قبله ثم يبدأ بحمد الله والثناء عليه وتمجيده، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يختار من الأدعية المشروعة في الكتاب والسنة.
١ - عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْراً». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
٢ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلاَتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَجِلَ هَذا». ثمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بتَمْجِيدِ
رَبهِ جَلَّ وَعَزَّ وَالثنَاءِ عَلَيْهِ ثمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبيِّ ﷺ ثمَّ يَدْعُو بَعْدُ بمَا شَاءَ».
стр. 1370
أخرجه أبو داود والترمذي (١).
٢ - السنة أن يدعو بأي دعاء مشروع، ليس فيه تكلف ولا سجع، ولا تلحين ولا اعتداء، ويدعو بما شاء مما ورد، ومنه:
«اللهمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
٣ - ويستفتح أحياناً قنوته بما ثبت عن عمر ﵁ وهو: «اللهمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّى وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالكَافِرِينَ مُلْحَقٌ، اللهمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنُثْنِى عَلَيْكَ الخَيْرَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْضَعُ لَكَ، وَنَخْلَعُ مَنْ يَكْفُرُكَ». أخرجه البيهقي (٣).
٤ - وله أن يزيد من الأدعية مما ثبت ولا يطيل، ومنها:
«اللهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ». أخرجه مسلم (٤).
«اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالبُخْل، ِ وَالهَرَمِ وَعَذَابِ
القَبْرِ، اللهمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا