← Фикх общий

Фикх общий · id 37532

موسوعة الفقه الإسلامي - التويجري

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 370 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

ويصلى عليه، ثم يوجه إلى القبلة على جنبه الأيمن، ثم يجمع عليه التراب والرمل والحجارة حتى يوارى جسمه عن السباع والطير. ٣ - وإن مات المسلم في بلدٍ دُفِن في مقابر المسلمين كما سبق. - صفات الدفن: للدفن صفتان: ١ - صفة مجزئة، وهي أن يوارى الميت بالتراب. ٢ - صفة كاملة، وهي أن يُحفر له قبر، ويعمَّق، ويوسَّع، ويُلحد له كما تقدم. - حكم دفن الأموات في قبر واحد: ١ - السنة أن يدفن في القبر ميت واحد من المسلمين. ٢ - يجوز دفن اثنين فأكثر في قبر واحد عند الضرورة، كأن يكثر القتلى أو الأموات، ويقلّ من يدفنهم، ونحو ذلك من الأعذار. ٣ - إذا دُفن في القبر أكثر من واحد فيقدم إلى القبلة الأكثر حفظاً للقرآن، والأفضل، والأسن. ٤ - لا يجوز دفن المسلم مع الكافر، ولا تدفن المرأة مع الرجل في قبر واحد إلا عند الضرورة، ويجعل بينهما حاجز من تراب، ويقدم الرجل عليها إلى القبلة. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذاً لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ القِيَامَةِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. أخرجه البخاري (١).

стр. 1507

٥ - يجوز دفن الميت في قبر ميت آخر إذا صار رميماً، وتعذر مكان آخر. - حكم حفر القبر قبل الموت: لا يشرع للمسلم أن يحفر قبره قبل الموت؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله ولا أصحابه ﵃، والعبد لا يدري متى وأين يموت، وخير الهدي هدي محمد ﷺ . ويجوز حفر القبور العامة من دون تعيين مَنْ يُدفن فيها. - حكم الموعظة أثناء الدفن: يسن لكبير القوم وعالمهم أن يذكِّر الحاضرين أثناء دفن الميت أحياناً بما يناسب الحال، بذكر الموت وما بعده من الأهوال، من غير نياحة على الميت أو ذكرٍ لمآثره. ١ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ: شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ». ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ

стр. 1508

وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الجَنَّةِ». قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً، وَأَمَّا الكَافِرُ، أَوِ المُنَافِقُ: فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ». متفق عليه (١). - حكم نبش القبور: يحرم نبش قبر الميت المسلم لغير سبب شرعي؛ لأن قبره وقفٌ عليه ما دام فيه. ويجب نبش القبر في الأحوال الآتية: ١ - إذا لم يغسل الميت، أو لم يكفن، أو دفن لغير القبلة، وهذا إذا لم يتغير، أما إذا تغير فلا ينبش. ٢ - إذا دُفن المسلم في مقابر الكفار ما لم يتغير. ٣ - إذا دُفن الكافر في مقابر المسلمين حتى ولو بعد التغير؛ لأن الكافر لا حرمة له. ٤ - إذا دُفن الميت في مسجد ونحوه كمدرسة ورباط، سواء كان قبل التغير أو بعده. ٥ - إذا سقط في القبر أثناء الدفن مال أو متاع ولم يتمكن من إخراجه إلا بالنبش،

стр. 1509

فله نبش القبر لأخذ ماله. - حكم الجلوس على القبر: لا يجوز الجلوس على القبر، ومن جلس عليه فهو آثم. ١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لأَنْ يَجْلِسَ أحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ». أخرجه مسلم (١). ٢ - وَعَنْ أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا». أخرجه مسلم (٢). - حكم إخراج الميت من القبر لعلة: ١ - إذا دُفن الميت في قبره فلا يجوز إخراجه منه إلا لغرض صحيح، كأن يكون قد دُفن قبل غسله وتكفينه، أو دفن إلى غير القبلة، أو غمر قبره الماء، أو دُفن في مقابر الكفار ونحو ذلك من الأسباب. ٢ - المقابر دار الأموات ومنازلهم، ومحل زيارتهم، وهم قد سبقوا إليها، فلا يحل نبشهم من قبورهم إلا لسبب شرعي فيه مصلحة الحي والميت. ١ - عَنْ جَابِر بن عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَاللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَمَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاساً قَمِيصاً. متفق عليه (٣).

стр. 1510

٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. أخرجه البخاري (١). - حكم من دُفن ولم يغسل ولم يصل عليه: ١ - من دفن من المسلمين ولم يغسل ولم يصل عليه فإنه يُخرج ثم يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن، ما لم يتغير فيصلى عليه في قبره ولا يُخرج. ٢ - إذا لم يوجد من الميت المسلم إلا بعضه فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن، والعضو المقطوع من المسلم الحي لا يجوز إحراقه ولا يغسل ولا يصلى عليه، لكن يلف في خرقة ويدفن في المقبرة. - حكم البناء على القبر: يحرم البناء على القبر، وتجصيصه، وصبغه، وتبليطه، ونثر الورود عليه، وإيقاد السرج عليه، والكتابة عليه، وتحرم الصلاة عنده، واتخاذه مسجداً، والطواف به، والصلاة إليه واتخاذه عيداً، وذلك كله شرك، أو من وسائل الشرك. ١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأنْ يُبْنَى عَلَيْهِ. أخرجه مسلم (٢). ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ أمَّ حَبِيبَةَ وَأمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأيْنَهَا بِالحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إنَّ أولَئِكَ، إذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ،

стр. 1511

فَأولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». متفق عليه (١). - حكم دفن الميت في المسجد: ١ - السنة دفن المسلم في المقبرة، ويحرم دفن الميت في المسجد، وإذا دُفن المسلم في المسجد فإنه ينبش ويدفن في المقبرة. ٢ - يحرم على المسلم أن يصلي في مسجد فيه قبر، فإن صلى فالصلاة صحيحة مع الإثم، ويجب على المسلم أن لا يصلي في مسجد فيه قبر؛ حماية لمقام التوحيد. عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». أخرجه مسلم (٢). - حكم بناء المسجد على القبر: لا يجوز بناء مسجد على قبر، ولا يجوز دفن ميت في مسجد، وإذا حصل ذلك: فإن كان المسجد بُني قبل الدفن سُوِّي القبر، أو نبش إن كان جديداً، ودفن في المقبرة، وإن بُني المسجد على القبر، فإما أن يزال المسجد، وإما أن تزال صورة القبر. وكل مسجد بني على قبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». قَالَتْ: فَلَوْلا ذَاكَ أبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أنَّهُ خُشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً. متفق عليه (٣).

стр. 1512

- ما يقال للميت في القبر: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذا قُبرَ المَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا المُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذا، ثمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي سَبْعِينَ ثمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبرُهُمْ فَيَقُولاَنِ نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لاَ يُوقِظُهُ إِلاَّ أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقاً قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثلَهُ لاَ أَدْرِي، فَيَقُولاَنِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذلِكَ فَيُقَالُ لِلأَرْضِ التَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاَعُهُ فَلاَ يَزَالُ فِيهَا مُعَذباً حَتَّى يَبْعَثهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ». أخرجه الترمذي (١). - حكم الدفن في التابوت: التابوت: صندوق من خشب أو حجر ونحوهما يوضع فيه الميت. وللدفن في التابوت حالتان: الأولى: أن يكون لحاجة أو مصلحة، كما لو تهرى الميت لغرق أو حريق ونحوهما، وتعذر جمعة في غير التابوت، فهذا جائز. الثانية: أن يكون لغير حاجة، فهذا لا يجوز؛ لما فيه من التشبه بالنصارى، وإضاعة المال، وترك السنة.

стр. 1513

- ما يُفعل بالمسلم إذا مات في بلاد الكفر: من مات في بلاد الكفر دفن في مقابر المسلمين. فإن لم توجد نُقل إلى بلاد المسلمين إن أمكن، فإن لم يمكن دُفن في فلاة من الأرض، ويُخفى قبره؛ لئلا يتعرض له الكفار بأذى. - مكان الدفن عند اشتباه الموتى: إذا اختلط موتى المسلمين بالكفار، ولم يمكن التمييز بينهم، فإنهم يدفنون في مقابر منفردة، سواء كثر المسلمون أو قلوا. فإن لم يمكن دفنوا جميعاً مع المسلمين، احتراماً لمن فيهم من المسلمين. - حكم نقل الميت من بلد إلى آخر: نقل الميت من بلد إلى آخر له ثلاث حالات: ١ - إذا أدى النقل إلى تغير الميت أو انتهاك حرمته، فهذا يحرم. ٢ - إذا كان لنقله ضرورة كمن مات في دار حرب، أو في مكان يُخاف عليه من نبشه، أو حرقه أو المثلة به، فهذا يجب. ٣ - إذا كان لنقله غرض صحيح، ولم يكن فيه انتهاك لحرمته، أو تعرضه للتغير، أو مشقة على من يتولى نقله، فهذا يجوز. - صفة دفن الكافرة الحامل من مسلم: إذا ماتت كتابية تحت مسلم وهي حامل، ومات جنينها في جوفها، فإنها تدفن منفردة عن مقابر المسلمين ومقابر الكفار، ويكون ظهرها إلى جهة القبلة على جنبها الأيسر؛ ليكون وجه الجنين إلى القبلة.

стр. 1514

٨ - التعزية - التعزية: هي ترغيب أهل الميت بالصبر احتساباً للأجر، والدعاء للميت والمصاب. - حكم التعزية: ١ - يسن للمسلم تعزية أهل الميت بما يسليهم، ويكف من حزنهم بذكر الآيات والأحاديث التي تحملهم على الصبر والرضا بما قدر الله، واحتساب الأجر. ٢ - تجوز تعزية الكفار من غير دعاء لميتهم إن كانوا ممن لا يظهر العداء للإسلام والمسلمين، ويدعو لهم بالهداية، ويرغبهم في الإسلام. - مكان التعزية: ١ - تسن تعزية أهل الميت وأقاربه في أي مكان: في المصلى، والمسجد، والمقبرة، والبيت، والسوق. ٢ - يجوز أن يجتمع أهل الميت في بيت أو مكان فيقصدهم من أراد التعزية، ثم يعزيهم وينصرف. - وقت التعزية: تسن تعزية أهل الميت قبل الدفن أو بعده. والتعزية ليس لها حد ولا أيام محدودة، فمتى علم بالميت، ورأى الفائدة في التعزية أتى بها.

стр. 1515

- صفة التعزية: الأولى أن يعزي المسلم أهل الميت بالدعاء الوارد شرعاً، وله أن يعزيهم بما شاء من الألفاظ التي تسليهم، وتكف من حزنهم، ومن الأدعية الواردة في التعزية: ١ - «إنَّ للهِ مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأجَلٍ مُسَمّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». متفق عليه (١). ٢ - «اللهمَّ اغْفِرْ لأبِي فُلانَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». أخرجه مسلم (٢). - حكم البكاء على الميت: ١ - يجوز البكاء على الميت إن لم يكن معه ندب أو نياحة، ودمع العين من الرحمة التي يجعلها الله في قلوب عباده الرحماء. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ، وَكَانَ ظِئْراً لإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ». ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا

стр. 1516

إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». متفق عليه (١). ٢ - يحرم شق الثوب، ولطم الخد، ورفع الصوت بالندب والنَّوح. عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ: «أقَدْ قَضَى؟» قَالُوا: لا، يَا رَسُولَ اللهِ! فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا رَأى القَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ بَكَوْا. فَقَالَ: «ألا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا (وَأشَارَ إِلَى لِسَانِهِ) أوْ يَرْحَمُ». متفق عليه (٢). ٣ - يسن أن لا يزيد البكاء على الميت أكثر من ثلاثة أيام. عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثلاَثاً أَنْ يَأْتِيَهُمْ ثمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: «لاَ تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ اليَوْمِ» ثمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي» فَجِيءَ بنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ فَقَالَ: «ادْعُوا لِيَ الحَلاَّقَ» فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُؤوسَنَا. أخرجه أبو داود والنسائي (٣). ٤ - الميت يتألم ويتكدر في قبره إذا نيح عليه، وترك أهله الدعاء له، ولكنه لا يعاقب بفعلهم إلا إذا أوصاهم بالنياحة عليه. ١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ [الأنعام:١٦٤].

стр. 1517

٢ - وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». متفق عليه (١). - حكم إطعام أهل الميت: يسن لأقارب الميت وجيرانه وأصدقائه أن يصنعوا لأهل الميت طعاماً، ويبعثون به إليهم؛ لأنه أتاهم ما يشغلهم. ويكره لأهل الميت صنع طعام للناس واجتماعهم عليه، وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز كقدوم ضيف من خارج البلد. ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ». متفق عليه (٢). ٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁ قَالَ لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اصْنَعُوا لآِلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ أَوْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (٣). - حكم تعزية النساء لأهل الميت: ١ - لا يجوز لنساء أهل الميت تخصيص لباس معين للتعزية كالأسود مثلاً؛ لما في ذلك من إظهار الحزن، والتسخط على قضاء الله وقدره.

стр. 1518

٢ - يسن للرجال تعزية الرجال من أهل الميت، ويسن للنساء تعزية نساء أهل الميت. ٣ - تجوز تعزية الرجل للنساء وعكسه ما لم تكن خلوة، أو تخشى فتنة. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ». متفق عليه (١). - حكم تعزية أهل القاتل: يسن للمسلم تعزية أهل القاتل إذا اقتُص منه؛ لأنه لا ذنب لهم، والمسلم يعزَّى في مصيبته، وكونه جانٍ لا يقتضي إسقاط حق أهله. والقاتل مسلم، إذا أقيم عليه الحد طُهِّر من ذنبه، واتباعه، والصلاة عليه، ودفنه، حق من حقوقه على المسلمين. - ما ينتفع به المسلم بعد موته: ينتفع المسلم بعد موته بما يلي: ١ - دعاء المسلمين له. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر:١٠].

стр. 1519

٢ - وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخِيهِ، بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ». أخرجه مسلم (١). ٢ - ما يخلفه الميت من الأعمال الصالحة والصدقات الجارية. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (٢). ٣ - ما يفعله أولاده من الأعمال الصالحة. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبكُمْ وَإِنَّ أَوْلاَدَكُمْ مِنْ كَسْبكُمْ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣). ٤ - قضاء الدين عنه، وقضاء الصوم عنه. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». متفق عليه (٤). ٥ - أعمال البر التي كان سبباً في وجودها في حياته. عَنِ جَرِير بنِ عَبدِاللهِ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أجْرُهَا، وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ

стр. 1520

مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». أخرجه مسلم (١). ٦ - الحج عنه. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقالتْ: إِنَّ أمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أفَأحُجُّ عَنْهَا؟ قال: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أمِّكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أحَقُّ بِالوَفَاءِ». أخرجه البخاري (٢). - ما يتبع الإنسان بعد موته: عَنْ أنَس بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ». متفق عليه (٣). - سؤال الميت في القبر: كل إنسان يُسأل بعد موته، سواء قُبر أو لم يقبر، ثم يجازى بالخير خيراً، وبالشر شراً، ويقع النعيم والعذاب على النفس والبدن، والروح تبقى بعد مفارقة البدن منعّمة أو معذبة، وتتصل بالبدن أحياناً، فإذا كان يوم القيامة أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقام الناس من قبورهم للحساب والجزاء. ١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ

стр. 1521

وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الجَنَّةِ». قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً، وَأَمَّا الكَافِرُ، أَوِ المُنَافِقُ: فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ». متفق عليه (١). ٢ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ: يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. متفق عليه (٢). - حكم فعل القُرَب عن الميت: فعل القرب من مسلم لمسلم حي أو ميت لا يجوز إلا في حدود ما ورد في الشرع فعله مثل: الدعاء له، والاستغفار له، والحج والعمرة عنه، والصوم الواجب عنه، والصدقة عنه. وأما قراءة القرآن عنه، أو استئجار قوم يقرؤون القرآن، ويهدون ثوابه للميت فهي بدعة محدثة.

стр. 1522

٩ - زيارة القبور - حكمة مشروعية زيارة القبور: الدنيا دار الأحياء، والمقابر دار الأموات، ومن فضل الله أن جعل صلة المسلم بأخيه مستمرة في الحياة وبعد الموت. والمقصود من زيارة القبور أمران: الأول: انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى برؤية الجنائز والقبور، وأن يتذكر أن مآله ومآلهم إما إلى الجنة أو النار، وهذا من أعظم مقاصد الزيارة. عَن بُرَيْدَةَ الأسلمي ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ، عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا». أخرجه مسلم (١). الثاني: نفع الميت، والإحسان إليه بالسلام عليه، والدعاء له، والاستغفار له، وهذا خاص بالميت المسلم. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى البَقِيعِ، فَيَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَداً، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لاحِقُونَ، اللهمَّ! اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ». أخرجه مسلم (٢). - حكم زيارة القبور: ١ - يسن للرجال دون النساء زيارة القبور للاتعاظ بها، وتذكر الآخرة، والدعاء

стр. 1523

للميت المسلم بما ورد. ٢ - يشرع للمسلم أن يفاوت بين الزيارة، فلا يتخذ القبور أعياداً، ولا يتخذ لنفسه يوماً معيناً لا يزور القبور إلا فيه. ١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْث كُنْتُمْ». أخرجه أحمد وأبو داود (١). ٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أمِّهِ، فَبَكَى وَأبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أنْ أسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أنْ أزُورَ قَبْرَهَا فَأذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ». أخرجه مسلم (٢). - حكم زيارة النساء للقبور: ١ - زيارة النساء للقبور من كبائر الذنوب. فلا يجوز للنساء زيارة القبور؛ لأنه غالباً يجري منهن ما ينافي الصبر الواجب، ولديهن من الرقة والضعف وعدم التحمل ما يجدد لهن الحزن، والبكاء، وذكر المصائب، ولِمَا يخشى أن تجر زيارتهن للقبور إلى أن يأتين من الأقوال والأفعال ما يخرجن به إلى فعل المحرم من ندب، ونياحة، وصياح، ولطم للخدود، وشق للجيوب، لقلة صبرهن، وقوة جزعهن، ورقة قلوبهن. ١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَوَّارَاتِ القُبُورِ. أخرجه

стр. 1524

الترمذي وابن ماجه (١). ٢ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. متفق عليه (٢). ٢ - يسن للنساء إذا مررن بالقبور من دون قصد الزيارة أن يسلمن على الأموات ولا يدخلن؛ لأنهن ممنوعات من الدخول لا المرور. عَنْ عَائِشَةُ ﵂ لمَّا خَرجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِندَهَا لَيْلاً لِزِيَارةِ أهْلِ البَقِيعِ ... قَالَتْ: كَيْفَ أقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «قُولِي: السَّلامُ عَلَى أهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ». أخرجه مسلم (٣). - أنواع زيارة القبور: زيارة القبور على ثلاث مراتب: الأولى: زيارة شرعية مسنونة، وهي زيارة قبور المسلمين من أقارب وغيرهم للسلام عليهم، والدعاء لهم، وتذكر الموت والآخرة. الثانية: زيارة قبور المشركين لتذكر الآخرة، وسؤال الله العافية، والثبات على الدين، فهذه جائزة؛ لما فيها من التذكير بنعمة الإسلام. الثالثة: زيارة محرمة، وهي نوعان: ١ - زيارة شركية، وتكون بسؤال الموتى قضاء الحاجات، وكشف الكربات، وشفاء المرضى، ودعاء الأموات، والطواف حول القبور، والصلاة إلى

стр. 1525

القبور، فهذا كله شرك أكبر محبط للأعمال. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزُّمَر:٦٥]. ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». قَالَتْ: فَلَوْلا ذَاكَ أبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أنَّهُ خُشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً. متفق عليه (١). ٢ - زيارة بدعية، وتكون بزيارة المقابر بقصد دعاء الله عند قبر الميت، والصلاة لله عنده، والاستشفاع به، والتوسل به إلى الله. فهذه بدعة منكرة، ووسيلة إلى الشرك. - وقت زيارة الأموات: تسن زيارة القبور في كل وقت، وتخصيص يوم العيد أو الجمعة أو السبت أو غيرها للزيارة كل ذلك لا أصل له. ١ - عَنِ بُرَيْدَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا». أخرجه مسلم (٢). ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْث كُنْتُمْ». أخرجه أبو داود (٣).

стр. 1526

- صفة زيارة الميت: ١ - السنة إذا دخل المسلم إلى المقبرة سلم على أهلها بما ورد قائلاً: ١ - «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَداً مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ». أخرجه مسلم (١). ٢ - أو يقول: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلاحِقُونَ، أسْألُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ». أخرجه مسلم (٢). ٣ - أو يقول: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ». أخرجه مسلم (٣). يفعل هذا مرة، وهذا مرة؛ إحياءً للسنة. ٢ - إذا أراد الزائر الدعاء للميت فالأفضل له أن يستقبل القبلة. ٣ - السنة لزائر القبور أن يكون حال الزيارة قائماً، فيسلم ويدعو وهو قائم. عَنْ عَائِشَة ﵂ قالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا رَيْثَمَا ظَنَّ أنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْداً، وَانْتَعَلَ رُوَيْداً، وَفَتَحَ البَابَ فَخَرَجَ. ثُمَّ أجَافَهُ رُوَيْداً، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي. ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ البَقِيعَ فَقَامَ. فَأطَالَ القِيَامَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ. أخرجه مسلم (٤).

стр. 1527

- حكم زيارة قبور الكفار: تجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة، وسؤال الله العافية، ولا يدعو له، ولا يستغفر له، بل يبشره بالنار، ويستغفر، ويبكي حتى لا يصيبه ما أصابه، ولا يُمنع الكافر من زيارة قبر قريبه المسلم. ١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أمِّهِ، فَبَكَى وَأبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أنْ أسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أنْ أزُورَ قَبْرَهَا فَأذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ». أخرجه مسلم (١). ٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لأَصْحَابِ الحِجْرِ: «لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ القَوْمِ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ». متفق عليه (٢). ٣ - وَعَنْ سَعْدِ بن أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَكَانَ وَكَانَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: «فِي النَّارِ»، فَكَأنَّ الأَعْرَابِيَّ وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: «حَيْثُ مَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ»، قَالَ: فَأَسْلَمَ الأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، فَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَباً، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ. أخرجه الطبراني في الكبير (٣). - حكم المشي بين القبور بالنعال: يسن للمسلم المشي حافياً بين القبور؛ لما فيه من التواضع، واحترام أموات

стр. 1528

المسلمين. ويكره المشي بالنعال بين القبور، ما لم يكن هناك عذر يمنعه من خلع نعليه كشدة حرارة الأرض، أو وجود شوك يؤذيه، أما المشي في ساحة المقبرة بالنعال فجائز. عَنْ بَشِير ابن الخَصَاصِيَةِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلاَءِ شَرّاً كَثِيراً»، ثمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلاَءِ خَيْراً كَثِيراً» فَحَانَتْ مِنْهُ التِفَاتَةٌ، فَرَأَى رَجُلاً يَمْشِي بَيْنَ القُبُورِ فِي نَعْلَيْهِ فَقَالَ: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِهِمَا». أخرجه أبو داود والنسائي (١). - ما يحرم فعله عند القبور: ١ - الذبح والنحر عند القبر، فإن كان الذبح لله فهو بدعة منكرة، والذبيحة حلال، وإن كان الذبح للميت فهو شرك أكبر، وأكل المذبوح حرام وفسق؛ لأنه لم يذكر اسم الله عليه. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام:١٢١]. ٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ عَقْرَ فِي الإسْلاَمِ» قَالَ عَبْدُالرَّزَّاقِ: كَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ القَبْرِ بَقَرَةً أَوْ شَاةً. أخرجه أحمد وأبو داود (٢). ٢ - البناء على القبور، وصبغها، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والصلاة

стр. 1529

عندها، والصلاة إليها، وإيقاد السرج والمصابيح عليها. ١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأنْ يُبْنَى عَلَيْهِ. أخرجه مسلم (١). ٢ - وَعَنْ أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ ﵁ قالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا». أخرجه مسلم (٢). ٣ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَأَنْ تُوطَأَ. أخرجه أبو داود والترمذي (٣). ٣ - لا يجوز تشجير المقابر؛ لما فيه من التشبه بالنصارى، ولأنه ذريعة إلى الغلو والتبرك. ٤ - دعاء الميت، والاستغاثة به، وسؤاله قضاء الحاجات ونحو ذلك، كل ذلك من الشرك الذي حرمه الله ونهى عنه. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف:٥]. ٥ - اتخاذ القبور عيداً، يسافر إليها، وتُقصد في أوقات معينة، ومواسم معروفة، للتعبد عندها، والذبح لأهلها، ونحو ذلك. عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْث كُنْتُمْ».

стр. 1530

أخرجه أحمد وأبو داود (١). - حكم قراءة القرآن عند القبور: المقابر ليست موضعاً للقراءة، وإنما هي للسلام على الأموات، والدعاء لهم، والاتعاظ بالموت والأموات، وتذكر الآخرة. وقد علّمنا النبي ﷺ ما نقول ونفعل عند زيارة القبور، وكل ما سوى ذلك فهو بدعة مردودة على من أحدثها، ويحمل وزرها وأوزار من اتبعه عليها. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أحْدَثَ فِي أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢). - حكم سب الأموات: ١ - لا يجوز سب أموات المسلمين؛ لأنهم أفضوا إلى ما قدموا، ولأن سب الأموات يؤذي أهلهم الأحياء، وسب الأموات يجري مجرى الغيبة وهو محرم. ٢ - الأموات الكفار والمبتدعة والفساق يجوز ذكر مساوئهم للتحذير منهم، والتنفير من أعمالهم ونحو ذلك مما فيه مصلحة شرعية؛ لئلا يُقتدى بهم. وينبغي إذا سُبّ هؤلاء أن لا يُسبّ الميت في حضرة أقاربه؛ لئلا يتأذوا، ولئلا يعرض نفسه للسب أيضاً. ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا». أخرجه البخاري (٣).

стр. 1531

٢ - وَعَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرّاً، فَقَالَ: «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراً، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّاً، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ». متفق عليه (١). - حكم الاستغاثة بالأموات: ١ - الميت لا يُطلب منه شيء؛ لأنه ميت لا يقدر على شيء. فلا يجوز لأحد أن يستغيث بالأموات والغائبين كأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو اشفني، أو انصرني ونحو ذلك، وهذا كله من الشرك الأكبر. ٢ - المستغيثون بالأموات عند القبور وغيرها هم من جنس عباد الأوثان، فالشيطان يضلهم ويغويهم، ويتصور لهم بصورة المستغاث به، ويخاطبهم مكاشفة، ويقضي بعض حوائجهم، كما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلم عابديها، وتقضي بعض حاجاتهم. وهذا من أعظم الأسباب التي عُبدت بها الأوثان والأصنام. ٣ - الكهان والسحرة تقترن بهم الشياطين؛ لما فيهم من الكفر والفسوق والعصيان، وتَظهر منهم الأحوال الشيطانية وتقوى بحسب ذلك، فيطيرون في الهواء، ويأتون بالأموال والطعام، ويحدِّثون بأمور غائبة، ولهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضي الشيطان.

стр. 1532

- حكم تسوير المقابر: يجوز تسوير المقبرة بجدار قصير ونحوه؛ لأن في ذلك صيانة وحماية لها، وليعتبر المارة عند مشاهدتها، ويدعون لأهلها، ولتحمى من عبث العابثين, وأفعال المبتدعين. - حكم اتخاذ الحرس للمقابر: الغالب أن المقابر لا تحتاج إلى حراس، لكن لو وجدت حاجة إلى الحراسة كالخوف من نبش القبور، ومن لا يعلم سبب موته ونحو ذلك، فيجوز وضع حرس عليها لحمايتها، ومعرفة من يدفن فيها. - حكم الانتفاع بما في المقبرة: يجوز قطع حشيش المقبرة للانتفاع به، أما رعي البهائم بين القبور فلا يجوز؛ لما فيه من امتهان أصحاب القبور.

стр. 1533

٤ - كتاب الزكاة ويشتمل على ما يلي: ١ - الزكاة المفروضة، وتشتمل على ما يلي: ١ - الأموال التي تجب فيها الزكاة وتشمل: ١ - زكاة الذهب والفضة. ٢ - زكاة الأوراق النقدية. ٣ - زكاة عروض التجارة. ٤ - زكاة بهيمة الأنعام. ٥ - زكاة الحبوب والثمار. ٦ - زكاة الركاز. ٧ - زكاة المعادن. ٢ - إخراج الزكاة. ٣ - آداب إخراج الزكاة. ٤ - أهل الزكاة. ٢ - زكاة الفطر. ٣ - صدقة التطوع.

стр. 1534

أنواع الزكاة - الزكاة التي شرعها الله ثلاثة أنواع: ١ - الزكاة الواجبة في الأموال، وتجب في سبعة أموال: ١ - الذهب والفضة. ٢ - الأوراق المالية. ٣ - عروض التجارة. ٤ - بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم). ٥ - الخارج من الأرض من حبوب وثمار. ٦ - الركاز. ٧ - المعادن. ٢ - الزكاة الواجبة في الذمة، وهي زكاة الفطر التي تجب على كل مسلم في نهاية شهر رمضان. ٣ - صدقة التطوع، وهي ما يخرجه المسلم إحساناً إلى غيره؛ طلباً لزيادة الأجر.

стр. 1535

١ - الزكاة المفروضة - حكمة مشروعية العبادات: شرع الله سبحانه لعباده عبادات متنوعة في أوقات مختلفة. منها ما يتعلق بالبدن كالصلاة، ومنها ما يتعلق ببذل المحبوب إلى النفس كالزكاة والصدقة، ومنها ما يتعلق بالبدن وبذل المال كالحج والجهاد، ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها كالصيام. ونوَّع الله العبادات ليختبر العباد، وليعلم من يقدِّم طاعة ربه على هوى نفسه، ولئلا تمل النفوس، وتكل الأبدان، وليقوم كل واحد بما يسهل عليه، وتنشط له نفسه من واجب أو مسنون. وجعل سبحانه هذه العبادات أسباباً ينال بها العباد مرضاة ربهم، ويكسبون بها عظيم الأجر والثواب، وتطمئن بها قلوبهم، وتزكوا نفوسهم، وتنشرح صدورهم، وتطيب حياتهم، وتصلح أحوالهم. - الزكاة: هي التعبد لله تعالى بإخراج جزء واجب شرعاً، في مال معين، لطائفة أو جهة مخصوصة. والزكاة نماء وزيادة وبركة، سميت بذلك؛ لأنها تزيد إيمان من أخرجها، وتزيد المال المخرج منه وتنمِّيه، وتطهر النفوس والأموال مما يضرها، وتطهر قلب من أخذها من الحقد والحسد. وسميت الزكاة صدقة؛ لأنها دليل على صحة إيمان مؤديها وصِدْقه؛ لأن المال محبوب إلى النفس، ولا يخرجه إلا صادق الإيمان.

стр. 1536

قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة:١٠٣]. - حكمة مشروعية الزكاة: شرع الله الزكاة عبودية للرب، وطهرة للنفس، وطهرة للمال، وإحساناً إلى الخلق، وزيادة في الأجر، وشكراً للرب. ١ - فالزكاة بذل محبوب النفس -وهو المال- من أجل محبوب الرب -وهو طاعته وعبادته- التي يحصل بها رضاه. ٢ - في الزكاة تطهير للنفس من رذيلة الشح والبخل؛ ليعلو الإنسان على المال، ويكون سيداً له لا عبداً له، ومن هنا جاءت الزكاة لتزكي المعطي والآخذ وتطهرهما معاً. ٣ - الزكاة تطهر المال من الأوساخ، وتقيه من الآفات، وتثمره وتنميه وتزيده زيادة حسية ومعنوية. ٤ - الزكاة تسد حاجة الفقراء والمساكين، وترفع آفة الذل والفقر، وتقطع دابر الجرائم الخلقية والمالية كالسرقات، والنهب، والسطو. ٥ - الزكاة جسر قوي يربط بين الأغنياء والفقراء، فتصفو النفوس، وتزول الأحقاد والبغضاء، ويرتفع الذل والفقر، وينعم الجميع بالأمن والمحبة والرحمة. ٦ - الزكاة تزيد في حسنات مؤديها، وتكفر خطاياه، فهي تزيد المال كمية وبركة، وتزيد إيمان من أخرجها، وتزيد أعماله وحسناته، وتزيد أخلاقه حسناً وكمالاً وجمالاً، فيتعود السماحة، ويرتاض لأداء الأمانات، وإيصال الحقوق.

стр. 1537

فهي بذل وعطاء، وكرم وسخاء، وذلك محبوب للرب، وللنفس، وللخلق. ٧ - الزكاة سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، والأمن في الدنيا ويوم القيامة. ١ - قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة:٢٦١]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة:٢٧٤]. - حكم الزكاة: الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة. والزكاة فرض عين على كل من توفرت فيه شروط وجوبها. ولا تصح الزكاة من كافر ولا تقبل؛ لأنها عبادة، فلا تقبل إلا من مسلم. ولا تجب على مملوك؛ لأنه وماله ملك لسيده. ولا تجب في الأموال العامة كالأوقاف، وما ليس له مالك معين. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة:١١٠]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة:١٠٣]. ٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى

стр. 1538

خمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفق عليه (١). ٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذاً ﵁ إِلَى اليَمَنِ، فَقال: «ادْعُهُمْ إِلَى: شَهَادَةِ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أمْوَالِهِم، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم». متفق عليه (٢). ٥ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ». متفق عليه (٣). - قوة الزكاة: كل شيء له قوة، وقوة الزكاة الزيادة والنماء والبركة. فكل شيء زاد عدداً، أو نما حجماً، أو تبارك سعة فقد زكا. والزكاة وإن كانت في ظاهرها نقص كمية المال، لكن آثارها المحسوسة زيادة المال بركة وكثرة وكمية. فقد يفتح الله للعبد من أبواب الرزق ما لا يخطر بباله إذا قام بما أوجب الله من إخراج الزكاة والصدقات. وفي الزكاة زيادة أخرى، وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها. وهي كذلك تزيد في خلق الإنسان، فالزكاة بذل وعطاء، والبذل والعطاء

стр. 1539

والكرم من الأخلاق التي تزيد قيمة المؤمن عند الله وعند الناس. والإنفاق سواء كان واجباً أو تطوعاً يزيد في انشراح الصدر، وطمأنينة القلب. والزكاة سبب لرفعة الدرجات، ومضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات، ودخول الجنات. ١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة:٢٧٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة:٢٦١]. ٣ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَتَصَدَّقُ أحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، إِلا أخَذَهَا اللهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ قَلُوصَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ، أوْ أعْظَمَ». متفق عليه (١). - صفة المال الذي ينفع صاحبه: المال لا ينفع صاحبه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط: ١ - أن يكون حلالاً طيباً في نفسه وكسبه. ٢ - أن لا يشغل صاحبه عن طاعة الله ورسوله. ٣ - أن يؤدي حق الله فيه من زكاة وصدقات.

стр. 1540

عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّباً، وَإِنَّ اللهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟». متفق عليه (١). - المالك الحقيقي للمال: الله ﷻ خالق هذا الكون ومالكه، ويتصرف في ملكه كما يشاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. ونظام المال في الإسلام يقوم على أساس الاعتراف بأن الله وحده هو المالك الأصيل للمال، وله سبحانه وحده الحق في تنظيم قضية تملك الأموال، وإيجاب الحقوق في المال، وتحديدها وتقديرها، وبيان مصارفها، وطرق اكتسابها، وطرق إنفاقها. ١ - قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران:٢٦]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد:٧].

стр. 1541

- الحقوق المتعلقة بالمال: الحقوق المتعلقة بالمال ثلاثة: الأول: حق الله تعالى، ويقتضي هذا الحق التعبد لله باكتساب المال الحلال من طرق حلال، واستعماله في وجه حلال، وبذله في مرضاة الله . الثاني: حق الفرد، وذلك بالانتفاع بهذا المال فيما هو مباح شرعاً، والاستعانة به على طاعة الله وعبادته. الثالث: حق الأمة، وذلك بأداء الزكاة الواجبة فيه، والإحسان إلى الفقراء والمساكين منه، وتأليف قلوب الشاردين عن الإسلام به. - وقت فرض الزكاة: فرض الله سبحانه الزكاة في أول الإسلام بمكة قبل الهجرة، وكان فرضها مطلقاً، ولم يحدد فيه المال الذي تجب فيه، ولا قدر ما ينفق فيه، ولا وقته، وإنما ترك الله ذلك لشعور المسلمين وسجيتهم في الكرم والإعطاء والإحسان كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]. وفي السنة الثانية من الهجرة لما امتلأت القلوب بالإيمان، وجاء التنافس في الأعمال الصالحة فرض الله مقادير الزكاة، وبيّن الأموال التي تجب فيها، وأوقات إخراجها، وأحكامها التفصيلية النهائية. وفي السنة التاسعة من الهجرة بعث النبي ﷺ السعاة والجباة لجبايتها وتوزيعها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ

стр. 1542

قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة:٦٠]. - فضائل الزكاة: ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة:٢٧٧]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم:٣٩]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة:٢٧٤]. ٤ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا تَصَدَّقَ أحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلا الطَّيِّبَ، إِلا أخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ». متفق عليه (١). ٥ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال: إِنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِياً

стр. 1543

فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفق عليه (١). ٦ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ أعْرَابيا أتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقال: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ. قال: «تَعْبُدُ اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا أزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى، قال النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا». متفق عليه (٢). - مقادير الزكاة: جعل الله قدر الزكاة على حسب التعب في المال الذي تُخرج منه: ١ - الركاز: وهو ما وجده الإنسان مدفوناً بلا تعب، ويجب فيه الخمس = ٢٠%. ٢ - ما فيه التعب من طرف واحد، وهو ما سقي بلا مؤنة، ويجب فيه نصف الخمس، أي العشر = ١٠%. ٣ - ما فيه التعب من طرفين (البذر والسقي) وهو ما سقي بمؤنة، ويجب فيه ربع الخمس، أي نصف العشر = ٥%. ٤ - ما يكثر فيه التعب والتقليب طول العام كالنقود، وعروض التجارة، يجب فيه ثمن الخمس، أي ربع العشر = ٢.٥%. - شروط وجوب الزكاة: تجب الزكاة في الأموال بأمرين: وجود الشروط، وانتفاء الموانع.

стр. 1544

والشروط قسمان: شروط فيمن تجب في ماله الزكاة، وشروط في المال نفسه. ١ - الشروط الواجبة في صاحب المال: يشترط في صاحب المال الذي تجب فيه الزكاة شرطان: الأول: الإسلام، فلا زكاة على الكافر حتى يسلم؛ لأن الزكاة عبادة مطهرة، والكافر لا طهرة له ما دام على كفره، فلا تقبل منه، ولكنه سيحاسب عليها يوم القيامة، وعلى تركه الإسلام وشرائعه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة:٥٤]. الثاني: الحرية، فلا تجب الزكاة على العبد؛ لأنه وما عنده مال مملوك لسيده. ٢ - الشروط الواجبة في المال الذي تجب فيه الزكاة: يشترط في المال الذي تجب فيه الزكاة ما يلي: ١ - أن يكون المال من الأصناف التي تجب فيها الزكاة. ٢ - أن يبلغ النصاب المقدر شرعاً. ٣ - أن يحول الحول على المال إلا المعشرات. ٤ - أن يكون المال مملوكاً لصاحبه ملكاً تاماً مستقراً، فلا زكاة في مال لا مالك له. ... فإذا نقص من هذه الشروط شرط لم تجب الزكاة. - الذين تجب عليهم الزكاة: تجب الزكاة في مال الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والعاقل والمجنون،

стр. 1545

إذا كان المال مستقراً، وبلغ نصاباً، وحال عليه الحول، وكان المالك مسلماً حراً. قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]. - الذين لا تصح منهم الزكاة: ١ - الكافر لا تصح منه الزكاة، ولا تقبل منه؛ لأنها عبادة، لكنه سيحاسب على تركه الإسلام وشرائعه. ٢ - العبد لا تجب عليه الزكاة ولا تصح؛ لأنه وما في يده ملك لسيده. - ما لا يشترط له الحول من الأموال: ١ - الركاز، تجب الزكاة في قليله وكثيره، ولا يشترط له نصاب ولا حول. ٢ - الخارج من الأرض كالحبوب والثمار، يزكى عند وجوده، كما قال سبحانه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ... [الأنعام:١٤١]. ٣ - ربح التجارة، حوله تابع لحول أصله. ٤ - نتاج السائمة من بهيمة الأنعام، حوله تابع لحول أصله. - حكم المال المستفاد أثناء الحول: المال المستفاد في أثناء الحول ثلاثة أنواع: ١ - المال المستفاد من ربح المال الذي عنده كربح التجارة، ونتاج السائمة، فهذا يضم إلى أصله، ويعتبر حوله حول أصله. ٢ - المال المستفاد من غير جنس المال الذي عنده، فمن ماله إبلاً، واستفاد ذهباً أو عقاراً بإرث أو بيع ونحو ذلك، فهذا المال المستفاد يعتبر له حول من يوم
следующие страницы →