يدفع بذلك واجباً عليه من النفقة فتحرم عليهم.
٣ - إذا تحمل أحد الأولاد ديناً أو دية فيجوز لوالده أن يقضي عنه دينه من الزكاة، وهو أحق به.
٤ - إذا كان الوالد أو الولد غنياً، وكان من الغزاة، أو من العاملين في جباية الزكاة، أو كان غارماً، فإنه يجوز للولد دفع الزكاة لوالده وعكسه.
والسبب: أن استحقاق الزكاة مقيد بوصف الفقر، والمسكنة، والعمالة، والتأليف، والغرم وهكذا، وكل من انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة:٦٠].
- حكم دفع الزكاة للأغنياء:
١ - الغني هو من يجد كفاف عيشه وعيش من يعولهم طول العام، إما من مال موجود، أو من تجارة، أو من صنعة ونحو ذلك.
٢ - لا يجوز أن تُدفع الزكاة إلى غني إلا لخمسة:
إذا كان من العاملين عليها، أو من المؤلفة قلوبهم، أو من المجاهدين في سبيل الله، أو من الغارمين لإصلاح ذات البين، أو ابن سبيل منقطع.
٣ - يجوز للغني أن يأكل من الزكاة إذا أهدى إليه الفقير منها، أو اشتراها الغني بماله.
١ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ تَحِلُّ
стр. 1612
الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبيلِ اللهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى المِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا المِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ». أخرجه أحمد وأبو داود (١).
٢ - وَعَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلاَنِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلاَهُ مِنْهَا فَرَفَعَ فِينَا البَصَرَ وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢).
- حكم دفع الزكاة للزوج:
١ - يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها إلى زوجها إذا كان من أهل الزكاة؛ لأنه لا يجب على المرأة الإنفاق على زوجها، فيجوز لها دفع الزكاة له كالأجنبي؛ بل هو أحق.
١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ زَيْنَبَ امْرَأةُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أنَّهُ وَوَلَدَهُ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقال النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». متفق عليه (٣).
٢ - وَعَنْ بِلالٍ ﵁ أنَّ زَيْنَبَ امْرَأةِ عَبْدِاللهِ قَالتْ لهُ: سَلِ النَّبِيّ َ ﷺ : أيَجْزِي عَنِّي أنْ أنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي، فَقالَ: «نَعَمْ لَهَا
أجْرَانِ، أجْرُ القَرَابَةِ وَأجْرُ الصَّدَقَةِ». متفق عليه (٤).
стр. 1613
- حكم دفع الزكاة للزوجة:
١ - زكاة الرجل لا يجوز أن تدفع إلى زوجته؛ لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة.
٢ - إذا كانت الزوجة عليها دين لا تستطيع سداده فيجوز لزوجها أن يعطيها من الزكاة من سهم الغارمين ما تسدد به ما عليها من الدين، وهي أحق من الأجنبي؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة.
قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال:٧٥].
- حكم صرف الزكاة في القُرَب:
فرض الله الزكاة في ثمانية أصناف فقط، فلا يجوز صرفها فيما سواها كبناء المساجد، والمدارس، والسدود، والربط، وإصلاح الطرق ونحو ذلك من أعمال البر والخير؛ لأن الله عين مصارف الزكاة، وهذه ليست منها.
- حكم الخطأ في الزكاة:
إذا أعطى المسلم الزكاة الواجبة أو صدقة التطوع لأحد يظنه أهلاً فبان أنه غير أهل للزكاة كأن يعطيها لغني يظنه فقيراً بعد الاجتهاد والتحري فإنها تجزئه، وتُقبل عند الله، وتنفع من أخذها؛ لأنه اتقى الله ما استطاع، واجتهد في التحري، والمجتهد إذا أخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قال رَجُلٌ: لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ
стр. 1614
عَلَى سَارِقٍ، فَقال: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقال: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ؟ لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقال: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأتِيَ: فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ: فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأمَّا الزَّانِيَةُ: فَلَعَلَّهَا أنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأمَّا الغَنِيُّ: فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أعْطَاهُ اللهُ». متفق عليه (١).
- حكم تنمية أموال الزكاة:
١ - ما وجب من الزكاة يصرف فوراً لأهل الزكاة، ولا يجوز تأخيره عند الغني من أجل تنيمته والتجارة فيه لصالح فرد أو جميعة ونحوهما؛ لأنه حق لأهل الزكاة، فلا يجوز حبسه عنهم.
٢ - إذا ملك الفقير الزكاة فله أن ينفقها على نفسه، أو يهديها، أو يبيعها، أو ينميها كما يفعل بسائر أمواله.
٣ - إذا استلمت جمعية البر أو أي صندوق خيري أموال الزكاة فلا يجوز حبسها عن أهلها لتنميتها، بل تؤدى لأهلها فوراً.
٤ - إذا جُمعت الصدقات من غير الزكاة لمصالح المسلمين فلا مانع من تنميتها، والتجارة فيها، وصرفها فيما بعد في أبواب البر على شكل رواتب، أو قروض، أو إعانات، أو بناء مساجد، أو طباعة كتب نافعة ونحو ذلك.
стр. 1615
٢ - زكاة الفطر
- زكاة الفطر: هي الصدقة التي تجب بالفطر من رمضان.
- وقت فرضها:
فرضت زكاة الفطر في السنة التي فُرض فيها صيام شهر رمضان، وهي السنة الثانية من الهجرة.
- حكمة مشروعية زكاة الفطر:
فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائمين مما أصاب صيامهم من النقص والخلل، وشكراً لله على إكمال عدة الصيام، وإشاعة السرور والفرح بين الأغنياء والفقراء في يوم العيد، بإطعام الجائعين، ومواساة المحتاجين.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
- حكم زكاة الفطر:
تجب زكاة الفطر على كل مسلم، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، حراً أو عبداً، إذا ملك صاعاً من طعام، فاضلاً عن قوته وقوت من تلزمه نفقته.
ويستحب إخراجها عن الجنين في بطن أمه.
١ - قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥].
стр. 1616
٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأمَرَ بِهَا أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ. متفق عليه (١).
- أنواع زكاة الفطر:
١ - السنة إخراج زكاة الفطر من كل طعام يقتاته الناس كالبر، أو الشعير، أو التمر، أو الزبيب، أو الأقط، أو الأرز، أو الذرة، أو الدخن، أو غيرها من كل حب وثمر يقتات، ولا يجوز إخراج القيمة بدل الطعام إلا عند الحاجة.
٢ - إذا كان قوت أهل البلد من غير الحبوب والثمار كاللبن، واللحم، والسمك، ونحوها فيُخرجون زكاة الفطر من قوتهم الحلال كائناً ما كان؛ لأن المقصود سد حاجة المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم.
٣ - أفضل أنواع هذه الأطعمة أنفعها للمتصدَّق عليه، وأحبها إليه؛ لأنه الذي يحصل به الإغناء المطلوب للمساكين في ذلك اليوم.
١ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أوْ صَاعاً مِنْ أقِطٍ، أوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ. متفق عليه (٢).
٢ - وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ، وَالأقِطُ وَالتَّمْرُ. متفق عليه (٣).
стр. 1617
- مقدار زكاة الفطر:
الواجب في زكاة الفطر صاع من أي صنف من الطعام عن كل إنسان.
الصاع = ٤ أمداد، ويعادل بالوزن (٢.٤٠) كيلو جرام.
١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ، وَالأقِطُ وَالتَّمْرُ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأمَرَ بِهَا أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ. متفق عليه (٢).
- وقت وجوب زكاة الفطر:
تجب زكاة الفطر على كل مسلم بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ لأنه وقت الفطر من جميع رمضان.
فمن مات بعد غروب الشمس وجبت عليه زكاة الفطر، ومن وُلِد أو أسلم بعد غروب الشمس فلا تجب عليه؛ لعدم وجود سبب الوجوب في حقه.
ويُخرج الأب زكاة الفطر عن أهله وأولاده، وإن أخرجها كل واحد عن نفسه جاز.
стр. 1618
- مصرف زكاة الفطر:
زكاة الفطر تصرف للفقراء والمساكين؛ لأنها طعمة لهم، وهي أشبه بالكفارة، فلا تعطى إلا لمن يستحق الكفارة.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
- وقت إخراج زكاة الفطر:
١ - يبدأ وقت إخراج زكاة الفطر من غروب الشمس ليلة عيد الفطر، إلى ما قبل صلاة العيد.
٢ - الأفضل إخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن صلاة العيد إلا لعذر.
٣ - زكاة الفطر عبادة من العبادات، من أداها في وقتها فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد صلاة العيد وأخرها من غير عذر، فهي عبادة قد فات محلها، وهو آثم بتأخيرها، فتكون صدقة من الصدقات، وإن كان معذوراً قضاها، ولا إثم عليه.
عَنِ ابْنِ عُمَررَضِي اللهُ عَنْهُمَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ، قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ. متفق عليه (٢).
стр. 1619
٤ - يجوز تقديم زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين؛ لأن بعض الصحابة ﵃ كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين.
- حكم إخراج زكاة الفطر بعد خروج وقتها:
١ - زكاة الفطر عبادة من العبادات، ولها وقت يجب أداؤها فيه، ويحرم تأخيرها عن وقتها إلا لعذر.
٢ - زكاة الفطر لا تسقط بعد خروج وقتها؛ لأنها حق واجب للفقراء في ذمته، فلا يسقط عنه إلا بالأداء.
أما حق الله في التأخير عن وقتها فلا يسقط إلا بالتوبة والاستغفار.
- مكان إخراج زكاة الفطر:
زكاة المال تُخرج في بلد المال، وزكاة الفطر تُخرج حيثما كان الإنسان، ولا يُعدل عن ذلك إلا لحاجة ومصلحة.
стр. 1620
٣ - صدقة التطوع
- صدقة التطوع: هي التعبد لله بإنفاق مال، أو عمل غير واجب فيما يحبه الله.
- حكمة مشروعية الصدقة:
١ - دعا الإسلام إلى البذل وحض عليه؛ رحمة بالضعفاء، ومواساة للفقراء، إلى جانب ما فيه من كسب الأجر ومضاعفته، وتطهير النفوس من آفة البخل والشح، والتخلق بأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من البذل، والإحسان، والعطاء ونحو ذلك مما يجلب المحبة والمودة.
٢ - الصلوات منها الواجب، والتطوع، والصدقات منها الواجب، والتطوع، والتطوع تكمَّل به الفرائض يوم القيامة، وباب مفتوح لكسب الأجر وزيادة الحسنات.
- حكم صدقة التطوع:
١ - صدقة التطوع مستحبة في كل وقت، وفي كل مكان، وفي كل حال.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة:٢٧٤].
٢ - صدقة التطوع تتأكد في زمان وأحوال:
فالزمان: كرمضان، والعشر الأُوَل من ذي الحجة، وهي أفضل.
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ
٢ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبِيّ ﷺ فَقَالَ: إنّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَدُلّهُ عَلَىَ مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ دَلّ علىَ خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». أخرجه مسلم (١).
- أفضل أحوال الصدقة:
١ - الصدقة في رمضان وعشر ذي الحجة أفضل من غيرهما؛ لشرف الزمان، والصدقة في الجهاد وحالات الشدة والحاجة أفضل من غيرهما؛ لأهمية الحال.
٢ - إذا تعارض شرف الزمان، وشرف المكان، وشرف الحال، فإنه يقدم شرف الحال؛ لأن الصدقة عبادة شرعت لدفع الحاجة، وإذا كان الفضل يتعلق بذات العبادة كانت مراعاته أولى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة:٢٧٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ [البلد:١١ - ١٧].
стр. 1630
- مقدار صدقة التطوع:
١ - تسن صدقة التطوع بما زاد عن حاجة الإنسان وحاجة من يمونه ممن تجب عليه نفقته.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [البقرة:٢١٩].
٢ - إذا تصدق المسلم بما يُنقص مؤنة من يعول فهو آثم؛ لأنه نَفَع الأجنبي، وحَرَم وأضاع من تلزمه مؤنته.
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ». أخرجه مسلم (١).
٣ - إذا علم المسلم من نفسه قوة الصبر والتوكل فلا حرج عليه أن يتصدق بكل ما يملك إذا لم يتضرر هو أو من يعول، ومن تصدق بما يملك وخرج يتكفف الناس فقد ظلم نفسه.
- أولى الناس بالصدقة:
أولى الناس بالصدقة أهل المتصدق، وأولاده، وأقاربه، وجيرانه، وذو الحاجة الماسة.
ولا يجوز للمسلم أن يتصدق على البعيد وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته ونفقة عياله.
عَنْ جَابِر بنِ عَبدِاللهِ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ
فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي
«المُسْبِلُ وَالمَنَّانُ وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ». أخرجه مسلم (١).
- حكم صدقات المشرك قبل إسلامه:
إذا أسلم المشرك فله أجر صدقته قبل الإسلام.
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أرَأيْتَ أشْيَاءَ كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ، أوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أجْرٍ؟ فَقال النَّبِيُّ ﷺ : «أسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». متفق عليه (٢).
- حكم الأكل من الصدقة:
إذا وصلت الصدقة إلى مستحقها مَلَكها، إن شاء باعها، وإن شاء صرفها على نفسه، أو أكرم بها غيره.
١ - عَنْ أنَسٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتِيَ بِلَحْمٍ، تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ». متفق عليه (٣).
٢ - وَعَنْ أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَت: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصاريَّةِ بِشَاةٍ، فَأرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ مِنْهَا، فَقال: النَّبِيُّ ﷺ : «عِنْدَكُمْ شَيْءٌ». فَقُلْتُ: لا، إِلا مَا أرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فَقال: «هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». متفق
عليه (٤).
- حكم شراء الصدقة:
لا يجوز لأحد تَصَدَّق بصدقة على إنسان أن يشتريها منه؛ لأنه أخرجها من
стр. 1638
ملكه لله، فلا يحل له الرجوع فيما أعطاه لله ولو كانت بقيمة، أما غيره فيجوز له شراؤها.
عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأرَدْتُ أنْ أشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لا تَشْتَرِه، وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». متفق عليه (١).
- حكم الصدقة على الكافر:
تسن الصدقة على المسلم، وتشرع الصدقة على الكافر؛ تأليفاً لقلبه، وسداً لجوعته، وتفريجاً لكربته، ويثاب على ذلك المسلم المتصدق.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة:٨].
٢ - وَعَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدِمَتْ عَلَيَّ أمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أفَأصِلُ أمِّي؟ قال: «نَعَمْ صِلِي
أمَّكِ». متفق عليه (٢).
- حكم الصدقة على بني هاشم:
النبي ﷺ لا تحل له الزكاة الواجبة، ولا صدقة التطوع، وبنو هاشم ومواليهم لا تحل لهم الزكاة الواجبة، ولا تحل لهم صدقة التطوع؛ لشرف النبوة،
стр. 1639
ولأنها أوساخ لا تليق بذلك المقام.
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: أخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تمْرَةً مِنْ تمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كِخْ كِخْ، ارْمِ بِهَا، أمَا عَلِمْتَ أنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟». متفق عليه (١).
- حكم الهدية لبني هاشم:
بنو هاشم جميعاً ومواليهم تجوز الهدية لهم لا الصدقة.
١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أتِيَ بِطَعَامٍ سَألَ عَنْهُ: «أهَدِيَّةٌ أمْ صَدَقَةٌ». فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ، قال لأَصْحَابِهِ: «كُلُوا» وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ ﷺ فَأكَلَ مَعَهُمْ. متفق عليه (٢).
٢ - وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، قال: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». متفق عليه (٣).
- حكم صدقة المرأة من بيت زوجها:
١ - يجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها بإذنه غير مُفسدة، فلزوجها الأجر،
ولها من الأجر مثله.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أجْرَ بَعْضٍ شَيْئاً». متفق عليه (٤).
стр. 1640
٢ - إذا أنفقت من بيته عن غير أمره، وهي تعلم أنه يرضى، غير مُفسدة، فلها نصف الأجر، ولزوجها نصف الأجر.
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا، عَنْ غَيْرِ أمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أجْرِهِ». متفق عليه (١).
٣ - لا يجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها إذا علمت أنه لا يرضى، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه.
- حكم إعطاء من سأل بالله:
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذ باللهِ فَأَعِيذوهُ وَمَنْ سَأَلَ باللهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِؤهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِؤنَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢).
- حكم إعطاء السائل:
يسن إعطاء السائل ولو صغرت العطية.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
٢ - وَعَنْ أُمِّ بُجَيْدٍ ﵂ قالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ، إِنَّ المِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابي فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئاً أُعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنْ لَمْ تَجِدِي لَهُ شَيْئاً تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ إِلاَّ ظِلْفاً مُحْرَقاً فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
стр. 1641
- حكم السؤال من غير حاجة:
١ - يحرم على الإنسان سؤال الناس الزكاة، أو الصدقة وعنده ما يكفيه، ومن سأل الناس تكثراً فإنما يجمع جمراً يوقد عليه في نار جهنم.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَألَ النَّاسَ أمْوَالَهُمْ تَكَثُّراً، فَإِنَّمَا يَسْألُ جَمْراً، فَلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِر». أخرجه مسلم (١).
٢ - من أبيح له شيء من الزكاة أو الصدقة أبيح له سؤاله وطلبه؛ لأنه يطلب حقه الذي أبيح له، والأولى التعفف والسكوت، وعدم السؤال.
١ - عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأنْ يَأخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ النَّاسَ، أعْطَوْهُ أوْ مَنَعُوهُ». أخرجه البخاري (٢).
٢ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثاً: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». متفق عليه (٣).
- مفاسد السؤال من غير حاجة:
١ - سؤال غير الله عند الحاجة ظلم في حق الله؛ لأن الله أمر بسؤاله وحده، لأنه قاضي الحاجات وحده، وظلم في حق السائل؛ لأنه أذل نفسه لغير الله، وظلم في حق المسؤل؛ لأنه قد يعطي وهو كاره.
٢ - سؤال غير الله من غير حاجة فيه ذل للسائل، وتعطيل للقوى والمواهب، وجحد لنعمة الله بالتشبه بالفقراء، وخداع للناس، وكذب عليهم، وأكل
стр. 1642
لأموال الناس بالباطل، وكل ذلك محرم.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْألُ النَّاسَ، حَتَّى يَأتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». متفق عليه (١).
- حكم أخذ ما جاء من غير سؤال:
من أعطاه الله شيئاً من غير سؤال ولا إشراف نفس فليأخذه فإنما هو رزق ساقه الله إليه، فإن شاء تموّله، وإن شاء تصدق به.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأقُولُ: أعْطِهِ أفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أعْطَانِي مَرَّةً مَالاً، فَقُلْتُ: أعْطِهِ أفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». متفق عليه (٢).
- فضل التعفف عن السؤال:
١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ إِنَّ نَاساً مِنَ الأَنْصار سَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقال: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ وَمَا أعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». متفق عليه (٣).
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
стр. 1643
لَأنْ يَأخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأتِيَ رَجُلاً فَيَسْألَهُ، أعْطَاهُ أوْ مَنَعَهُ». متفق عليه (١).
- حكم سؤال السلطان:
١ - يستحب للمسلم أن يعف نفسه عن السؤال، فإن احتاج سأل السلطان؛ لأنه أمين المسلمين على بيت مالهم، وكل مسلم له حق في بيت المال.
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِ المَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إِلاَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَاناً أَوْ فِي أَمْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ». أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
٢ - يستحب للمسلم أن لا يكثر من سؤال السلطان، لا سيما أهل العلم والفضل؛ لأنه إسقاط لوقارهم، وجلال العلم فيهم، وانهماك في جمع المال.
١ - عَنْ حَكِيم بن حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأعْطَانِي، ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطَانِي، ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطَانِي ثُمَّ، قال: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ
حُلْوَةٌ، فَمَنْ أخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأكُلُ وَلا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى». قال: حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لا أرْزَأ أحَداً بَعْدَكَ شَيْئاً، حَتَّى أفَارِقَ الدُّنْيَا. متفق عليه (٣).
٢ - وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ إِنَّ نَاساً مِنَ الأَنْصار سَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ،
رَسُولَ اللهِ ﷺ أسْألُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا». قال: ثُمَّ قال: «يَا قَبِيصَةُ! إِنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ (أوْ قال سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ). وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أصَابَتْ فُلاناً فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ (أوْ قال سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ) فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْألَةِ، يَا قَبِيصَةُ سُحْتاً يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتاً». أخرجه مسلم (١).
- فضل شكر المعروف:
السنة لمن صُنع إليه معروف أن يكافئه، فإن لم يجد دعا له.
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالََ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللهُ خَيْراً فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثنَاءِ». أخرجه الترمذي (٢).
- مراتب المواساة بالمال:
المواساة بالمال لها ثلاث درجات:
الأولى: أن تُؤْثر الفقير على نفسك، وهذه مرتبة الصديقين، وهي أعلاها.
الثانية: أن تُنْزله منزلة نفسك، وترضى بمشاركته لك في مالك.
الثالثة: أن تُنْزله منزلة عبدك، فتعطيه ابتداء، ولا تُحوجه للسؤال، وهذه أدناها.
стр. 1646
٥ - كتاب الصيام
ويشتمل على ما يلي:
١ - فقه الصيام.
٢ - حكم الصيام.
٣ - فضائل الصيام.
٤ - أقسام الصيام.
٥ - أحكام الصيام.
٦ - سنن الصيام.
٧ - ما يجب على الصائم.
٨ - ما يحرم على الصائم.
٩ - ما يكره للصائم.
١٠ - ما يجوز للصائم.
١١ - أقسام المفطرات.
١٢ - قضاء الصيام.
١٣ - صيام التطوع.
١٤ - الاعتكاف.
стр. 1647
١ - فقه الصيام
- الصوم: هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني، إلى غروب الشمس، بنية الصوم.
- حكمة تنويع العبادات:
نوَّع الله العبادات لحكم عظيمة:
١ - لئلا تمل النفوس، ويصيبها السأم والملل من العمل الواحد، فإذا انتقلت من عبادة إلى أخرى نشطت للعمل.
٢ - نوّع الله العبادات ليختبر العبد هل يتبع هواه ويفعل ما يوافق طبعه، أم يفعل ما أمره به ربه، فجعل من الدين ما ينقسم إلى كف عن المحبوبات كالصيام، فإنه امتناع عن المحبوبات من الطعام، والشراب، والجماع ابتغاء وجه الله .
ومن الدين ما هو بذل للمحبوبات كالزكاة، والصدقة، وذلك بذل للمحبوب -وهو المال- ابتغاء وجه الله .
وربما يهون على بعض الناس أن يصلي ألف ركعة ولا يبذل درهماً واحداً، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم ولا يصوم يوماً واحداً.
فجاءت الشريعة بالتنويع ليعرف من يطيع هواه، ومن يطيع مولاه.
٣ - العبادات أقسام:
بعضها بدني محض كالصلاة، وبعضها مالي محض كالزكاة، وبعضها مركب منهما كالجهاد والحج، ولكلٍّ حكمة، وفي كلٍّ منافع؛ ليتبين المؤمن
стр. 1648
من المنافق، والكريم من البخيل، والشجاع من الجبان.
- حكمة مشروعية الصيام:
شرع الله الصيام لحكم عظيمة لا تحيط بها العقول، ومنها:
١ - أن الصوم عبادة عظيمة جعله الله وسيلة لتقوى الله ، والتقوى من أعظم مقامات الدين بعد الإيمان، وبها ينال المؤمن السعادة في الدنيا والآخرة.
٢ - الصوم مدرسة خلقية كبرى، يتدرب فيها المؤمن على مكارم الأخلاق، وضبط النفس، وكبح جماحها، ومقاومة الأهواء، ومحاربة نزغات الشيطان، والكرم والبذل ابتغاء وجه الله تعالى.
٣ - الصوم تزكية للنفس، وتطهير لها من الأخلاق الرذيلة، والأخلاط الرديئة، وفيه راحة للجهاز الهضمي، يستريح فيه من الامتلاء والتفريغ، فيستعيد نشاطه وقوته.
٤ - الصوم من أعظم الطاعات التي يثاب عليها المؤمن ثواباً لا حدود له؛ لأنه لله، ولأنه قائم على الصبر الذي أجره بغير حساب، ففيه الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر عن الشهوات، والصبر على أقدار الله.
٥ - الصوم يُعلِّم المؤمن الأمانة، وحسن مراقبة الله في السر والعلن، ويعوِّد النفس على الانضباط في الأكل والشرب وسائر الأحكام، وهو سر بين العبد وربه.
٦ - الصوم يقوي الإرادة، ويشد العزيمة لفعل الأوامر، واجتناب النواهي، ويساعد على صفاء الذهن للذكر والفكر.
стр. 1649
٧ - الصوم يُشعر المسلمين كافة بطعم الأخوة والوِحدة في مشارق الأرض ومغاربها؛ لأنهم جميعاً يصومون رمضان في وقت واحد، ويصومون ويفطرون في كل بلد في وقت واحد.
٨ - الصوم يبعث في الإنسان عاطفة الرحمة والشفقة والأخوة، فيدفعه إحساسه بالجوع إلى صلة الآخرين، ومواساة الفقراء والمعوزين، ويتذكر بحرمانه من الأكل والشرب في وقت محدود إباحته له طول العام، فيُكثر من الشكر لربه.
٩ - الصوم يجدد حياة الإنسان، ويريح المعدة وجهاز الهضم من العمل المستمر، ويخلِّص الجسم من الفضلات المترسبة، والأطعمة والعفونات غير المهضومة، ويضيق مجاري الشيطان الذي يؤز النفوس للمعاصي.
١٠ - الصوم جهاد للنفس، وتخليص لها مما علق بها من شوائب الدنيا وآثامها، وكسر حدة الشهوة، وعبودية النفس والهوى.
١١ - إجابة الدعاء، وحصول النصر، مرتبط بتطهير النفوس وصفائها، وخلوصها وسموها، وتعلقها بالخالق دون غيره.
وفي رمضان تتوجه القلوب المخبتة، والأنفس الصائمة، والألسن الذاكرة، لرب الأرض والسماء، فيستجيب دعاءها، ويقضي حاجاتها، وينصرها على عدوها.
١٢ - في الصوم سكون النفس الأمّارة بالسوء، وكسر سورتها عن حمل الجوارح على المعاصي، فالنفس إذا جاعت سكنت جميع الأعضاء من العين واللسان والأذن والبطن والفرج عن المعاصي، وإذا شبعت تحركت للمعاصي.
١٣ - الصوم عبادة عظيمة جليلة، جمعت خصال الخير كلها بالتقوى، وتقطع
стр. 1650
دابر خصال الشر كلها، وبها يحصل كمال الإيمان والتقوى، ولهذا كتب الله الصيام علينا وعلى الأمم السابقة قبلنا.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة:١٨٣].
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». متفق عليه (١).
- صلاح القلب:
خلق الله الإنسان مركباً من الجسد والقلب، ولا صلاح للجسد مطلقاً إلا بصلاح القلب، وصلاح القلب واستقامته بإقباله بالكلية على ربه، وأنسه به.
ولما كان فضول الطعام والشراب، وفضول الكلام والمنام، وفضول مخالطة الأنام، مما يقطعه عن ربه، ويعيقه عن السير إليه، ويزيده شعثاً ويشتته في كل واد، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات والشبهات التي تعيقه عن سيره إلى الله تعالى.
وشرع سبحانه لعباده الاعتكاف الذي مقصوده عكوف القلب على الله، وجمعيته عليه، والخلوة به، والأنس به، والانقطاع عن غيره.
وشرع لهم حبس اللسان عن اللغو وكل ما لا ينفع في الآخرة، وشرع لهم قيام الليل، وتلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، وفي ذلك كله صلاح