← Фикх общий

Фикх общий · id 37532

موسوعة الفقه الإسلامي - التويجري

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 370 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

٥ - كتاب الصيام ويشتمل على ما يلي: ١ - فقه الصيام. ٢ - حكم الصيام. ٣ - فضائل الصيام. ٤ - أقسام الصيام. ٥ - أحكام الصيام. ٦ - سنن الصيام. ٧ - ما يجب على الصائم. ٨ - ما يحرم على الصائم. ٩ - ما يكره للصائم. ١٠ - ما يجوز للصائم. ١١ - أقسام المفطرات. ١٢ - قضاء الصيام. ١٣ - صيام التطوع. ١٤ - الاعتكاف.

стр. 1647

١ - فقه الصيام - الصوم: هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني، إلى غروب الشمس، بنية الصوم. - حكمة تنويع العبادات: نوَّع الله العبادات لحكم عظيمة: ١ - لئلا تمل النفوس، ويصيبها السأم والملل من العمل الواحد، فإذا انتقلت من عبادة إلى أخرى نشطت للعمل. ٢ - نوّع الله العبادات ليختبر العبد هل يتبع هواه ويفعل ما يوافق طبعه، أم يفعل ما أمره به ربه، فجعل من الدين ما ينقسم إلى كف عن المحبوبات كالصيام، فإنه امتناع عن المحبوبات من الطعام، والشراب، والجماع ابتغاء وجه الله . ومن الدين ما هو بذل للمحبوبات كالزكاة، والصدقة، وذلك بذل للمحبوب -وهو المال- ابتغاء وجه الله . وربما يهون على بعض الناس أن يصلي ألف ركعة ولا يبذل درهماً واحداً، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم ولا يصوم يوماً واحداً. فجاءت الشريعة بالتنويع ليعرف من يطيع هواه، ومن يطيع مولاه. ٣ - العبادات أقسام: بعضها بدني محض كالصلاة، وبعضها مالي محض كالزكاة، وبعضها مركب منهما كالجهاد والحج، ولكلٍّ حكمة، وفي كلٍّ منافع؛ ليتبين المؤمن

стр. 1648

من المنافق، والكريم من البخيل، والشجاع من الجبان. - حكمة مشروعية الصيام: شرع الله الصيام لحكم عظيمة لا تحيط بها العقول، ومنها: ١ - أن الصوم عبادة عظيمة جعله الله وسيلة لتقوى الله ، والتقوى من أعظم مقامات الدين بعد الإيمان، وبها ينال المؤمن السعادة في الدنيا والآخرة. ٢ - الصوم مدرسة خلقية كبرى، يتدرب فيها المؤمن على مكارم الأخلاق، وضبط النفس، وكبح جماحها، ومقاومة الأهواء، ومحاربة نزغات الشيطان، والكرم والبذل ابتغاء وجه الله تعالى. ٣ - الصوم تزكية للنفس، وتطهير لها من الأخلاق الرذيلة، والأخلاط الرديئة، وفيه راحة للجهاز الهضمي، يستريح فيه من الامتلاء والتفريغ، فيستعيد نشاطه وقوته. ٤ - الصوم من أعظم الطاعات التي يثاب عليها المؤمن ثواباً لا حدود له؛ لأنه لله، ولأنه قائم على الصبر الذي أجره بغير حساب، ففيه الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر عن الشهوات، والصبر على أقدار الله. ٥ - الصوم يُعلِّم المؤمن الأمانة، وحسن مراقبة الله في السر والعلن، ويعوِّد النفس على الانضباط في الأكل والشرب وسائر الأحكام، وهو سر بين العبد وربه. ٦ - الصوم يقوي الإرادة، ويشد العزيمة لفعل الأوامر، واجتناب النواهي، ويساعد على صفاء الذهن للذكر والفكر.

стр. 1649

٧ - الصوم يُشعر المسلمين كافة بطعم الأخوة والوِحدة في مشارق الأرض ومغاربها؛ لأنهم جميعاً يصومون رمضان في وقت واحد، ويصومون ويفطرون في كل بلد في وقت واحد. ٨ - الصوم يبعث في الإنسان عاطفة الرحمة والشفقة والأخوة، فيدفعه إحساسه بالجوع إلى صلة الآخرين، ومواساة الفقراء والمعوزين، ويتذكر بحرمانه من الأكل والشرب في وقت محدود إباحته له طول العام، فيُكثر من الشكر لربه. ٩ - الصوم يجدد حياة الإنسان، ويريح المعدة وجهاز الهضم من العمل المستمر، ويخلِّص الجسم من الفضلات المترسبة، والأطعمة والعفونات غير المهضومة، ويضيق مجاري الشيطان الذي يؤز النفوس للمعاصي. ١٠ - الصوم جهاد للنفس، وتخليص لها مما علق بها من شوائب الدنيا وآثامها، وكسر حدة الشهوة، وعبودية النفس والهوى. ١١ - إجابة الدعاء، وحصول النصر، مرتبط بتطهير النفوس وصفائها، وخلوصها وسموها، وتعلقها بالخالق دون غيره. وفي رمضان تتوجه القلوب المخبتة، والأنفس الصائمة، والألسن الذاكرة، لرب الأرض والسماء، فيستجيب دعاءها، ويقضي حاجاتها، وينصرها على عدوها. ١٢ - في الصوم سكون النفس الأمّارة بالسوء، وكسر سورتها عن حمل الجوارح على المعاصي، فالنفس إذا جاعت سكنت جميع الأعضاء من العين واللسان والأذن والبطن والفرج عن المعاصي، وإذا شبعت تحركت للمعاصي. ١٣ - الصوم عبادة عظيمة جليلة، جمعت خصال الخير كلها بالتقوى، وتقطع

стр. 1650

دابر خصال الشر كلها، وبها يحصل كمال الإيمان والتقوى، ولهذا كتب الله الصيام علينا وعلى الأمم السابقة قبلنا. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة:١٨٣]. ٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». متفق عليه (١). - صلاح القلب: خلق الله الإنسان مركباً من الجسد والقلب، ولا صلاح للجسد مطلقاً إلا بصلاح القلب، وصلاح القلب واستقامته بإقباله بالكلية على ربه، وأنسه به. ولما كان فضول الطعام والشراب، وفضول الكلام والمنام، وفضول مخالطة الأنام، مما يقطعه عن ربه، ويعيقه عن السير إليه، ويزيده شعثاً ويشتته في كل واد، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يُذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات والشبهات التي تعيقه عن سيره إلى الله تعالى. وشرع سبحانه لعباده الاعتكاف الذي مقصوده عكوف القلب على الله، وجمعيته عليه، والخلوة به، والأنس به، والانقطاع عن غيره. وشرع لهم حبس اللسان عن اللغو وكل ما لا ينفع في الآخرة، وشرع لهم قيام الليل، وتلاوة القرآن، والإحسان إلى الناس، وفي ذلك كله صلاح

стр. 1651

القلب بالإيمان، وصلاح الجسد بالأعمال الصالحة، وصلاح الفرد والأمة، وظهور الحق، وزوال الباطل. عَنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (وَأَهْوَى النّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إلَىَ أُذُنَيْهِ) «إنّ الحَلاَلَ بَيّنٌ وَإنّ الحَرَامَ بَيّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، فَمَنِ اتّقَى الشّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلاَ وَإنّ لِكُلّ مَلِكٍ حِمىً، أَلاَ وَإِنّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلّهُ وَإذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ». متفق عليه (١). - قوة العبادات: الله ﵎ له الخلق والأمر، وقد جعل في مخلوقاته قوة من قوته، وجعل في أوامره قوة، فجعل في السماء قوة، وفي الأرض قوة، وفي الشمس قوة، وفي الجبال قوة .. وهكذا. وجعل سبحانه في أوامره قوة، فجعل في الإيمان قوة، وجعل في العبادات قوة، وجعل في الطاعات قوة. وقوة الأوامر الشرعية أعظم من قوة المخلوقات، فقوة الإيمان, وقوة الأعمال الصالحة، وقوة الأخلاق الحسنة، وقوة الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج تجمع للعبد خيري الدنيا والآخرة بحذافيره. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)

стр. 1652

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فُصِّلَت:٣٠ - ٣٢]. - قوة رمضان: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». متفق عليه (١). - قوة الصيام: ١ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللهُ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِى لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ». متفق عليه (٢). ٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ، فِيهَا باب يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ». متفق عليه (٣). - قوة صوم رمضان: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه (٤).

стр. 1653

٢ - حكم الصيام - أنواع الصوم: الصيام الذي شرعه الله قسمان: ١ - صيام واجب، وهو ثلاثة أنواع: ١ - ما يجب للزمان نفسه، وهو صوم شهر رمضان. ٢ - ما يجب لعلة وسبب، وهو صوم الكفارات. ٣ - ما يجب لإيجاب الإنسان ذلك على نفسه، وهو صوم النذر. ٢ - صيام مستحب، وهو صيام التطوع، وهو نوعان: ١ - صيام التطوع المطلق كصيام يوم وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ونحوهما. ٢ - صيام التطوع المقيد كصيام الإثنين من كل أسبوع، وصيام أيام البيض من كل شهر، وصيام يوم عرفة ويوم عاشوراء من كل عام ونحو ذلك. - حكم صوم رمضان: يجب صوم رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، مقيم، قادر على الصوم ذكراً كان أو أنثى، خالٍ من الموانع كالحيض والنفاس، وهذا خاص بالنساء. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٤].

стр. 1654

٢ - وقال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥]. ٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفق عليه (١). ٤ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِاللهِ ﵁ أنَّ أَعْرَابِيّاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ، فَقال: «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلا أنْ تَطَّوَّعَ شَيْئاً». فَقال: أخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ، فَقال: «شَهْرَ رَمَضَانَ إِلا أنْ تَطَّوَّعَ شَيْئاً». فَقال: أخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، فَقال: فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَرَائِعَ الإسْلامِ، قال: وَالَّذِي أكْرَمَكَ، لا أتَطَوَّعُ شَيْئاً، وَلا أنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئاً. فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أوْ: دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ». متفق عليه (٢). - منزلة الصيام في الإسلام: ١ - صيام رمضان ركن من أركان الإسلام العظام، فرضه الله في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وقد صام رسول الله ﷺ تسعة رمضانات في تسع سنين، ثم توفي.

стр. 1655

٢ - الصيام من أعظم العبادات التي تورث التقوى، ولهذا أضافه الله إليه تشريفاً وتعظيماً له، وهو سر بين العبد وربه. ٣ - شهر رمضان أفضل الشهور، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة؛ لأن فيها ليلة القدر، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، وليلة القدر أفضل ليالي العام. - أركان الصيام: للصيام ركنان: الأول: النية، بأن ينوي المسلم الصيام قبل الفجر. عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أوْ إلَى امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ». متفق عليه (١). الثاني: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة:١٨٧].

стр. 1656

- شروط صحة الصيام: شروط صحة الصيام ثلاثة: ١ - الإسلام؛ لأن الصيام عبادة، فلا يصح من كافر. ٢ - النية؛ لأن الصيام عبادة، فلا يصح إلا بنية. ٣ - الطهارة من الحيض والنفاس -وهذا خاص بالنساء-. - وقت الصيام: ١ - وقت الصيام يبدأ من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من أي يوم. ٢ - البلاد التي لا تطلع عليها الشمس إلا لحظات، أو لا تغيب عنها الشمس إلا لحظات، أو لا تغيب عنها الشمس صيفاً، أو لا تطلع فيها الشمس شتاءً، أو البلاد التي يستمر نهارها ستة أشهر، وليلها كذلك، أو أكثر أو أقل ونحو ذلك: فهذه البلاد يُقدَّر وقت الصلاة والصيام فيها بأقرب بلد إليهم يتميز فيه الليل من النهار، فيحددون أوقات الصلوات الخمس، وأول الشهر، ونهايته، وبدء الإمساك في رمضان، ووقت الإفطار، حسب توقيت ذلك البلد في الصيف والشتاء. - مراحل فرض الصيام: الصيام فيه نوع مشقة على النفوس، فأُخذت به على التدريج شيئاً فشيئاً لتعتاده وتألفه على ثلاث مراحل: الأولى: فرض صيام عاشوراء، وهو العاشر من محرم. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ،

стр. 1657

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، صَامَهُ وَأمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قال: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ». متفق عليه (١). الثانية: ثم نُسخ إيجاب صيام عاشوراء، وفُرض صيام رمضان على التخيير بين الصيام والفدية كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٤]. الثالثة: ثم فُرض صوم رمضان على كل مسلم بدون تخيير كما قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥]. - أقسام المسلمين في رمضان: المسلمون في رمضان على ثلاثة أقسام: قسم يجب عليه الصيام، وقسم يجب عليه الفطر، وقسم يجوز له الفطر والصوم.

стр. 1658

١ - الذين يجب عليهم الصيام: وهم: كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح غير مريض، مقيم غير مسافر، والمرأة الطاهرة من الحيض والنفاس. ٢ - الذين يجب عليهم الفطر وعليهم القضاء: ١ - الحائض والنفساء. عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَألْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أسْألُ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ. أخرجه مسلم (١). ٢ - من خشي الهلاك بصومه فيجب عليه الفطر لإنقاذ نفسه أو غيره. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩]. ٣ - الذين يجوز لهم الفطر والصوم هم: الأول: المريض: وللمريض ثلاث حالات: ١ - أن يكون مرضه يسيراً لا يتأثر بالصوم كالزكام والصداع اليسير، فهذا لا يجوز له أن يفطر. ٢ - أن يزيد مرضه بالصوم، أو يتأخر برؤه، ويشق عليه الصوم لكن لا يضره، فهذا يستحب له الفطر، ويكره له الصوم.

стр. 1659

قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥]. ٣ - أن يشق عليه الصوم، ويتسبب في ضرر قد يفضي به إلى الهلاك، فهذا يجب عليه الفطر، ويحرم عليه الصوم؛ لما فيه من تعريض نفسه للهلاك، وهو محرم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩]. الثاني: المسافر: والمسافر له ثلاث حالات: ١ - أن يشق عليه الصوم، أو يعوقه عن فعل الخير، فهذا الفطر في حقه أولى من الصيام. ١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأى زِحَاماً وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا». فَقالوا: صَائِمٌ، فَقالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ، قال: فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أكْثَرُنَا ظِلاً صَاحِبُ الكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قال: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ المُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأبْنِيَةِ وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ

стр. 1660

بِالأجْرِ». متفق عليه (١). ٢ - أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة قد تفضي به إلى الهلاك، فهذا يجب عليه الفطر؛ حفظاً للنفس من الهلاك. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩]. ٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أولَئِكَ العُصَاةُ، أولَئِكَ العُصَاةُ». أخرجه مسلم (٢). ٣ - أن لا يشق عليه الصوم، ولا يعوقه عن فعل الخير، فهذا الصوم في حقه أولى من الفطر. ١ - قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٤]. ٢ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرو الأسْلَمِيِّ ﵁ أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ». متفق عليه (٣).

стр. 1661

٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: سَألَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرو الأسْلَمِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ». متفق عليه (١). الثالث: الحامل والمرضع: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على الجنين، أو الرضيع، فيجوز لهما الفطر، وتطعمان عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليهما. الرابع: المريض الذي لا يرجى برؤه، والشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة: فهؤلاء يفطرون، ويطعمون عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليهم. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٤]. - حكم الحائض أو النفساء إذا طهرت: ١ - إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل الفجر فيجب عليها الصوم كغيرها، ويصح صومها وإن أخرت الغسل لما بعد الفجر. ٢ - إذا طهرت الحائض أو النفساء أثناء النهار فلا يلزمها الإمساك بقية اليوم، فلها أن تأكل وتشرب، ولزوجها أن يجامعها إذا قدم من سفر وهو مفطر. ٣ - يجوز للحائض أن تأكل ما يقطع الحيض من أجل رمضان أو الحج إذا لم يضرّ بها، وتأخذ -إذا انقطع الدم- حكم الطاهرات في الصيام، والصلاة، والطواف، والجماع، وفي كل ما يجوز للطاهرات. ٤ - المستحاضة، وهي التي لا ينقطع عنها الدم، لها حكم الطاهرات في كل شيء

стр. 1662

فتصوم، وتصلي كغيرها. - وقت الفطر للمسافر: ١ - إذا بدأ المسلم السفر قبل الفجر، فيجوز له الفطر؛ لأنه قد دخل في السفر. ٢ - أن يبدأ السفر بعد الفجر، فيباح له الفطر ذلك اليوم إذا فارق البلد، ولا يفطر قبل السفر؛ لأنه لا يجوز له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من البلد، فكذلك لا يجوز أن يفطر حتى يخرج من البلد. عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: لا تَعِبْ عَلَى مَنْ صَامَ وَلا عَلَى مَنْ أفْطَرَ، قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فِي السَّفَرِ وَأفْطَرَ. متفق عليه (١). ٣ - أن ينوي الصوم وهو مسافر، ثم يبدو له أن يفطر، فيجوز له الفطر؛ لأنه من رخص السفر. عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. متفق عليه (٢). - حكم تقدم رمضان بالصيام: ١ - لا يجوز لأحد تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين من أجل الاحتياط لرمضان لما يلي: تمييز فرائض العبادات عن نوافلها، وليستعد المسلم لصوم رمضان بنشاط ورغبة، ولأن صيام رمضان معلق برؤية الهلال، فمن تقدَّمه تنطَّعَ في الدين، وتجاوز الحدود التي فرضها الله.

стр. 1663

٢ - يجوز للمسلم إذا كان عليه صوم واجب كقضاء رمضان، أو صوم نذر، أو له عادة صيام كصيام الإثنين أن يصوم قبل رمضان؛ لأن صومه ليس من أجل رمضان. عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، إِلا أنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ». متفق عليه (١). - حكم من ترك صيام رمضان: من ترك صيام رمضان جاحداً لوجوبه كفر. ومن ترك صيام رمضان تهاوناً وكسلاً فليس بكافر، لكنه آثم إثماً عظيماً، فتجب عليه التوبة، وقضاء ما ترك من الصيام الواجب. عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفق عليه (٢).

стр. 1664

٣ - فضائل الصيام - فقه فضائل الأعمال: من رحمة الله بعباده أن جعل لكل عمل صالح فضائل؛ لكي ترغب النفوس فيه، وتكثر منه. وإذا عرف المسلم فضيلة العمل من صلاة، أو زكاة، أو صيام، أو حج أو غيرها، سهل عليه فعله، وزادت محبته في قلبه، ونشطت جوارحه لأدائه، وشمر لكسب الأجر الموعود عليه، وتلذذ بفعله والإكثار منه، وحفظ به أوقاته، ونافس فيه غيره. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل:٩٧]. - فضائل رمضان: ١ - قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥]. ٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ». متفق عليه (١).

стр. 1665

٣ - وَعَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لامْرَأةٍ مِنَ الأنْصَارِ (سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَنَسِيتُ اسْمَهَا): «مَا مَنَعَكِ أنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟» قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلا نَاضِحَانِ، فَحَجَّ أبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ، قالَ: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً». متفق عليه (١). ٤ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه (٢). - فضائل صيام رمضان: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة:١٨٣]. ٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه». متفق عليه (٣). ٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللهُ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِى لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ» متفق عليه (٤).

стр. 1666

- فضائل الصوم: ١ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ، هُوَ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَخُلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ». متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ، فِيهَا باب يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ». متفق عليه (٢). - فضل الصوم في سبيل الله: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللهِ، بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً». متفق عليه (٣).

стр. 1667

٤ - أقسام الصيام - أقسام الصيام: الصيام الذي شرعه الله قسمان: صيام فرض، وصيام تطوع. وصيام الفرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صوم رمضان، وصوم الكفارات، وصوم النذر. وصيام التطوع ينقسم إلى قسمين: ١ - صيام التطوع المطلق كصيام ثلاثة أيام من كل شهر ونحوها. ٢ - وصيام التطوع المقيد كصوم يوم الإثنين، وصوم عرفة، وصوم عاشوراء، وصوم أيام البيض ونحو ذلك. - أقسام الصيام من حيث الحكم: الصيام على أربعة أوجه: ١ - الصوم الواجب، وهو ثلاثة أنواع: صوم شهر رمضان، والصوم الواجب بالنذر، والصوم الواجب في كفارة الجماع في نهار رمضان، وفي كفارة قتل الخطأ، وفي كفارة الظهار، وفي كفارة اليمين. ٢ - الصوم المستحب، وهو صوم التطوع، وهو أنواع منها: صوم يوم الإثنين، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة، وصوم يوم عاشوراء ونحو ذلك.

стр. 1668

٣ - الصوم المكروه، وهو أنواع منها: صيام أيام التشريق .. صوم المريض .. صوم المسافر الذي يشق عليه السفر .. صوم الدهر ونحو ذلك. ٤ - الصوم المحرم، وهو أنواع منها: صوم الحائض، وصوم النفساء، وصوم يوم عيد الفطر، وصوم يوم عيد الأضحى، وصوم يوم الشك، والوصال ليوم أو يومين ونحو ذلك. - أنواع الصيام في الكفارات: ١ - كفارة الجماع في نهار رمضان هي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً. عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ! قالَ: «وَمَا أهْلَكَكَ؟». قال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأتِي فِي رَمَضَانَ، قال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قال: لا، قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟». قال: لا، قال: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟». قال: لا، قال: ثُمَّ جَلَسَ، فَأتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تمرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». قال: أفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ، ثُمَّ قال: «اذْهَبْ فَأطْعِمْهُ أهْلَكَ». متفق عليه (١). ٢ - كفارة قتل الخطأ، بأن يقتل مؤمناً خطأً، فيجب عليه أن يعتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين.

стр. 1669

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء:٩٢]. ٣ - كفارة الظهار، كأن يقول الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي يريد تحريمها، فيجب عليه قبل أن يمس زوجته عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة:٣، ٤]. ٤ - كفارة اليمين، بأن يحلف المسلم على شيء فيحنث فيه، فيجب عليه على التخيير: عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم. فإن لم يجد شيئاً من ذلك فيجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام. قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة:٨٩].

стр. 1670

٥ - كفارة جزاء الصيد، بأن يقتل المحرم بالحج أو العمرة صيداً برياً، فيجب عليه أن يقوِّمه بدراهم، ويطعم كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن طعام كل مسكين يوماً. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة:٩٥]. - الأشياء التي لا ينقطع بها تتابع الصيام: من وجب عليه صيام شهرين متتابعين فإنه لا يقطع التتابع ما يلي: العيدان، والسفر المبيح للفطر، والمرض المبيح للفطر، والحيض، والنفاس.

стр. 1671

٥ - أحكام الصيام - ثبوت دخول رمضان: يجب صيام رمضان إذا ثبت دخول الشهر. ويثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين: ١ - رؤية هلال رمضان. فإذا شهد بدخول رمضان مسلم، عدل، قوي البصر، رجلاً كان أو امرأة فقد ثبت دخوله، ووجب صومه. ٢ - إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً. فإذا لم ير الناس الهلال مع صحو السماء ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكذا لو حال دون رؤيته غيم أو قتر فإنه لا يصام. ١ - قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]. ٢ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ». متفق عليه (١). - أحكام رؤية الهلال: ١ - الطريق إلى معرفة دخول الشهر هو رؤية الهلال بالبصر لا بالحساب الفلكي. عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ، لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاثِينَ.

стр. 1672

متفق عليه (١). ٢ - إذا رأى هلال رمضان جمع من المسلمين العدول وجب صومه، ويجوز الاكتفاء بخبر الواحد إن كان ثقة. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الهِلاَلَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بصِيَامِهِ. أخرجه أبو داود (٢). ٣ - إذا رأى هلال شوال اثنان من المسلمين العدول وجب الإفطار، ولا يقبل في خروج رمضان أقل من شاهدين. عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ زَيْد قَالَ: أَلاَ إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَاءَلْتُهُمْ، وَإِنَّهُمْ حَدَّثونِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَانْسُكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثلاَثِينَ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا». أخرجه أحمد والنسائي (٣). ٤ - إذا صام الناس بشهادة واحدٍ ثلاثين يوماً فلم ير الهلال، لم يفطروا حتى يروا الهلال. ٥ - إذا صام الناس ثمانية وعشرين يوماً ثم رأوا هلال شوال فيجب عليهم أن يفطروا، ويصوموا يوماً بعد العيد قضاء؛ لأن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوماً. عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقالَ: «لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ

стр. 1673

فَاقْدُرُوا لَهُ». متفق عليه (١). ٦ - إذا رئي الهلال نهاراً فهو لليلة المقبلة، فإن غاب قبل الشمس فهو لليلة الماضية. - حكم من رأى الهلال ورُدّ قوله: من رأى من المسلمين الهلال وحده، ورُدَّ قوله فإنه يصوم سراً إذا رأى هلال رمضان، ويفطر سراً إذا رأى هلال شوال؛ لئلا يخالف الجماعة. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأيْتُمُوهُ فَأفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». متفق عليه (٢). - حكم صوم يوم الشك: ١ - يوم الشك: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر ونحوهما مما يمنع الرؤية. ٢ - إذا تبين أن يوم الشك من رمضان، فمن صامه بنية أنه من رمضان فصومه صحيح، ومن صامه احتياطاً لرمضان مع صحو السماء فهو آثم، وصومه غير صحيح. عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ . أخرجه أبو داود والترمذي (٣). ٣ - من أفطر يوم الشك ثم تبين في أثناء النهار أنه من رمضان وقد أكل وشرب فيجب عليه الإمساك بقية اليوم، ولا يلزمه القضاء؛ لأن النية تتبع العلم،

стр. 1674

والعلم لم يحصل إلا أثناء النهار، والله لم يكلف أحداً أن ينوي ما لم يعلم. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قَالَ: أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ: «أنْ أذِّنْ فِي النَّاسِ: أنَّ مَنْ كَانَ أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ». متفق عليه (١). - حكم إعلان رؤية الهلال: صيام رمضان من العبادات العامة العظمى، فيجب على إمام المسلمين إذا ثبتت لديه رؤية الهلال شرعاً أن يعلن للمسلمين دخول شهر رمضان وخروجه، بأوسع وسيلة مباحة، وأسرعها بلاغاً؛ ليتمكن المسلمون من فعل ما يجب، وما يسن، في وقت مبكر. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قَالَ: أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ: «أنْ أذِّنْ فِي النَّاسِ: أنَّ مَنْ كَانَ أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ». متفق عليه (٢). - اختلاف المطالع: ١ - التوقيت اليومي يختلف من بلد إلى بلد، فإذا طلع الفجر في المشرق فلا يلزم أهل المغرب أن يمسكوا في نفس الوقت؛ لأن الليل قد يكون بدأ عندهم. ولو غابت الشمس في المشرق فلا يجوز لأهل المغرب الفطر؛ لأنه عندهم قد يكون بدأ النهار، وهذا أمر معقول ومحسوس ومعلوم. ٢ - كما يختلف المسلمون في الإمساك والإفطار اليومي في كل بلد، فكذلك لا بد أن يختلفوا في الإمساك والإفطار الشهري؛ لأنه لكل بلد رؤيتهم، ولا

стр. 1675

يلزم غيرهم الصوم معهم. عَنْ كُرَيْبٍ أنَّهُ كَانَ فِيَ رَمَضَانِ بِالشَّامِ ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فَسَألَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَتَى رَأيْتُمُ الهِلالَ؟ فَقُلْتُ: رَأيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: أنْتَ رَأيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلاثِينَ، أوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أوَ لا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لا، هَكَذَا أمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . أخرجه مسلم (١). ٣ - إذا رؤي الهلال في بلد فإنه يجب الصوم على أهل البلاد التي لا تختلف مطالعها، وإذا اختلفت المطالع لم يجب. - من يلزمه الصوم بالرؤية: إذا رأى الهلال أهل بلد لزمهم الصوم، وحيث أن مطالع الهلال مختلفة، فلكل إقليم، أو قطر، أو بلد حكم يخصه في بدء الصيام ونهايته حسب رؤيتهم، وفي الإمساك والإفطار اليومي. - حكم صوم جميع المسلمين برؤية واحدة: ١ - يجوز أن يصوم المسلمون جميعاً في أقطار الأرض برؤية واحدة، ويفطرون برؤية واحدة، خاصة في هذا الزمان الذي يمكن فيه إبلاغ الخبر للعالم كله في أقل من دقيقة واحدة. وهذا أمر حسن يدل على وحدة المسلمين، واجتماع كلمتهم، وإلى أن يتحقق ذلك إن شاء الله تعالى، فعلى كل مسلم في أنحاء الأرض أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم أهل البلد على أنفسهم فيصوم بعضهم معها، وبعضهم

стр. 1676

مع غيرها؛ حسماً لمادة الفرقة التي نهى الله عنها. ٢ - ليلة القدر واحدة لا تتعدد -ولو اختلفت المطالع-، فإذا كانت ليلة القدر في ليلة سبع وعشرين في بلد، فهي ليلة القدر في العالم كله، ولو لم تكن ليلة سبع وعشرين. - حكم من لم يعلم بدخول رمضان: ١ - من لم يعلم بدخول رمضان فحكمه في وجوب الصوم من وقت علمه، فيمسك إن كان في النهار، ولا قضاء عليه. ٢ - من نام ليلة الثلاثين من شعبان وقال إن كان غداً من رمضان فأنا صائم فصام، ثم تبين أنه أول يوم من رمضان، فصومه صحيح؛ لأن تردده في ثبوت الشهر، لا في نية الصيام. - حكم نية الصيام: ١ - الصيام مركب من ركنين: النية، والإمساك عن المفطرات. فلو أمسك عن الطعام بلا نية الصيام فلا صيام له، وإذا نوى الإفطار أفطر ولو لم يأكل؛ لأنه سقط الركن الأول، الذي هو أساس الأعمال، وأعظم مقومات العبادة، وهو النية. ٢ - يجب على المسلم ليحصل على الأجر أن يصوم رمضان إيماناً واحتساباً، لا رياء ولا سمعة، ولا تقليداً للناس، ولا متابعة لأهل بلده، بل يصوم لأن الله أمره، ويحتسب الأجر عند الله. ٣ - يجب على المسلم تعيين نية الصيام من الليل قبل طلوع الفجر للصوم الواجب كصوم رمضان؛ لأن الصوم عبادة لها بداية ونهاية، فلا بد أن تسبقه

стр. 1677

النية. ٤ - السنة في صيام التطوع أن ينويه قبل الفجر، ويصح صوم التطوع بنية من النهار إن لم يفعل ما يفطِّر بعد طلوع الفجر. عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». فَقُلْنَا: لا، قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ». ثُمَّ أتَانَا يَوْماً آخَرَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أرِينِيهِ، فَلَقَدْ أصْبَحْتُ صَائِماً». فَأكَلَ. أخرجه مسلم (١). ٥ - من نوى الصوم ثم تسحر وغلبه النوم، ولم يستيقظ إلا بعد غروب الشمس، فصومه صحيح ولا قضاء عليه. - حكم صوم رمضان بنية من النهار: ١ - يجب صوم رمضان بنية من الليل، ويصح صومه بنية من النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما لو قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، فإنه يمسك بقية يومه ولا يلزمه القضاء وإن كان قد أكل؛ لأن الأحكام الشرعية لا تلزم إلا بعد العلم بها، والتمكن من العمل بها. ٢ - من وجب عليه الصوم نهاراً كالمجنون يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يسلم، هؤلاء تُجزيهم النية من النهار حين الوجوب، ولو بعد أن أكلوا وشربوا، ولا قضاء عليهم. - حكم صوم المجنون: المجنون ليس من المكلفين، فلا تجب عليه عبادة.

стр. 1678

وإذا جُن المسلم جميع النهار في رمضان من قبل الفجر أو بعد الفجر إلى غروب الشمس، فلا يصح صومه، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه ليس أهلاً للعبادة. - حكم صوم المغمى عليه: ١ - من نوى الصوم، ثم صام فأغمي عليه جميع النهار أو بعضه فصومه صحيح إن شاء الله. ٢ - من فقد شعوره بإغماء، أو مرض، أو جنون، ثم أفاق، فلا يلزمه قضاء الصوم والصلاة؛ لارتفاع التكليف عنه. ٣ - من فقد شعوره بفعله واختياره بسكر ونحوه ثم أفاق فعليه التوبة والاستغفار، ويلزمه قضاء ما تركه من صوم وصلاة. - حكم صوم النائم: إذا تسحر المسلم ثم نام ولم يستيقظ إلا بعد غروب الشمس: فإن كان معذوراً فصومه صحيح، ولا قضاء عليه. وإن كان غير معذور فصومه صحيح، لكنه آثم بالنوم عن الصلوات المفروضة .. وتعطيل وقت الطاعة والعمل .. والإسراف في النوم. فعليه التوبة والاستغفار، وقضاء ما فاته من الصلوات. - حكم صوم الصبي: العبادات لا تجب إلا على البالغ العاقل، لكن ينبغي لولي أمر الصغير أن يأمره بالصيام، ويرغبه فيه، ليعتاد عليه من الصغر ما دام مستطيعاً له. ١ - عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ ﵂ قَالتْ: أرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأنْصار: «مَنْ أصْبَحَ مُفْطِراً فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أصْبَحَ صَائِماً

стр. 1679

فَليَصُمْ». قالتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإفْطَار. متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلاَثةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». أخرجه أبو داود والترمذي (٢). - حكم صوم رمضان بنية واحدة: ١ - صوم رمضان عبادة واحدة مستقلة مركبة من أجزاء وهي الأيام، كالصلاة عبادة مستقلة مركبة من أركان وهي القيام والركوع والسجود وغيرها، فيجوز صوم رمضان بنية واحدة في أول الشهر، وكذا كل صيام متتابع كصوم كفارة الجماع في نهار رمضان، وكفارة الظهار وقتل الخطأ ونحوها، ما لم يقطعه بسفر أو مرض، أو يصيب المرأة حيض أو نفاس، فيلزم حينئذ استئناف النية. ٢ - يجب تعيين نية الصوم من واجب أو تطوع، فينوي ما يصوم له من أداء رمضان أو قضائه أو نذر أو كفارة أو تطوع. عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أوْ إلَى امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ». متفق عليه (٣).

стр. 1680

- حكم من صام في بلد ثم سافر: إذا صام المسلم في بلد ثم سافر إلى بلد آخر فحكمه في الصيام والإفطار حكم البلد الذي انتقل إليه، فيفطر معهم إذا أفطروا. وإن أفطر معهم لأقل من تسعة وعشرين يوماً قضى يوماً بعد العيد، ولو صام معهم أكثر من ثلاثين يوماً فلا يفطر إلا معهم. - حكم من صام أو أفطر خطأً: ١ - إذا أذن المؤذن قبل الوقت، ثم أفطر بعض المسلمين بأذانه، فعليهم قضاء ذلك اليوم، وهكذا لو تأخر المؤذن فلم يؤذن إلا بعد وقت طويل من طلوع الفجر، فأمسكوا بأذانه، فعليهم قضاء ذلك اليوم؛ لأن الله حد حدوداً، وجعل لكل عبادة بداية ونهاية، وأوجب على المسلم أن يصوم يوماً كاملاً من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وحق الله يجب ضمانه. وهذا الخطأ يُسقط الإثم، ولكنه لا يُسقط الحق، فالحق ثابت، ودَيْن الله أحق أن يُقضى. ٢ - إذا صام المسلمون وحال دون الشمس غيم أو قتر فأفطروا ثم طلعت الشمس، أمسكوا إلى الغروب، وصومهم صحيح، ولا قضاء عليهم. عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَتْ: أفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. أخرجه البخاري (١). - حكم الصيام في السفر: لكل مسلم في الصلاة والصيام حكم المكان الذي هو فيه، فالصائم يمسك

стр. 1681

ويفطر في المكان الذي هو فيه، سواء كان على سطح الأرض، أو كان على سفينة في البحر، أو كان على طائرة في الجو. والمسافر في رمضان له ثلاث حالات: ١ - إن كان الصيام والفطر بالنسبة له سواء فالصيام أولى. ٢ - وإن كان يشق عليه الصيام في السفر فالفطر أولى. ٣ - وإن كان يشق عليه الصيام في السفر مشقة شديدة فالفطر في حقه واجب، ويقضي فيما بعد. عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. متفق عليه (١). - حكم صيام الكبير والعاجز: ١ - العاجز عن الصيام لا يخلو من أمرين: ١ - أن يكون عجزه غير مستمر، فهذا يفطر ويقضي. ٢ - أن يكون المرض مستمراً، وعجزه مستمراً، كالمريض الذي لا يرجى برؤه، والكبير الذي لا يقدر على الصيام، فهذا يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً. ٢ - من أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، مقيماً كان أو مسافراً، أطعم عن كل يوم مسكيناً، ويكفيه ذلك عن الصيام. ٣ - من أصابه الخرف والتخليط فلا صيام عليه ولا كفارة؛ لأنه مرفوع عنه القلم. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٤].

стр. 1682

- صفة الإطعام: إذا لم يستطع المسلم الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم عن كل يوم مسكيناً، وله في الإطعام طريقان: الأول: أن يصنع طعاماً حسب طعام أوسط الناس في بلده، ويطعمه ثلاثين فقيراً عن كامل شهر رمضان. الثاني: أن يعطي الفقراء ستة أصواع من أرز أو بر أو نحوهما من طعام بلده، ويقسمها على الثلاثين، ومعها اللحم الذي يكفيها أو غيره، حسب عادة بلده، ويخرجها عن كامل شهر رمضان. - وقت الإطعام: من أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فهو بالخيار: إن شاء أطعم عن كل يوم من رمضان بيومه .. وإن شاء قدَّم الإطعام عن الشهر كله في أول رمضان .. وإن شاء أخره كله إلى آخر يوم. فالحمد للهِ على حسن التسهيل والتيسير: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥].

стр. 1683

٦ - سنن الصيام - سنن الصيام: للصيام سنن وآداب ينبغي للمسلم فعلها والحرص عليها، ليكمل صيامه، ويزيد أجره، ويحصل له كمال التقوى. وأهم سنن الصيام في رمضان ما يلي: أكل السحور .. وتأخير السحور .. وتعجيل الفطر .. والفطر على الرطب أو التمر .. والدعاء عند الفطر .. والجود بأنواع الخير .. والإكثار من الصدقة والإطعام .. وقراءة القرآن ومدارسته .. والمحافظة على صلاة التراويح في رمضان .. وقيام الليل .. وإحياء الليل في العشر الأواخر من رمضان بأنواع العبادة .. وتحري ليلة القدر .. وقيام ليلتها .. والاعتكاف. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة:١٨٣]. - فضل أكل السحور: ١ - عَنْ أنَس بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهْلِ الكِتَابِ، أكْلَةُ السَّحَرِ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 1684

- أفضل السحور: يسن للمسلم إذا أراد الصيام أن يتسحر بما تيسر من طعام حلال من تمر ونحوه. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]. ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ سَحُورُ المُؤْمِنِ التَّمْرُ». أخرجه أبو داود (١). - وقت السحور: يسن تأخير السحور إلى ما قبل أذان الفجر الثاني بمقدار خمسين آية = خمس دقائق تقريباً. ١ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. متفق عليه (٢). ٢ - وَعَنْ ابنِ عُمر ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ». ثُمَّ قال: وَكَانَ رَجُلاً أعْمَى، لا يُنَادِي حَتَّى يُقال لَهُ: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ. متفق عليه (٣). - بركة السحور: في السحور بركات حسية ومعنوية وشرعية منها:

стр. 1685

١ - امتثال أمر الله ورسوله، وهذه أعظم البركات. ٢ - أن الأكل جعله الله سبباً يقوي الصائم على طاعة الله وعبادته. ٣ - أن السحور يعطي الصائم قوة لا يمل معها من العبادة. ٤ - أن السحور يكون سبباً للقيام من النوم في وقت السحر، الذي هو وقت الدعاء والاستغفار، ووقت نزول الرب إلى السماء الدنيا. ٥ - أن السحور يكون سبباً لصلاة الفجر مع الجماعة في وقتها الفاضل. ٦ - في أكل السحور مخالفة أهل الكتاب وهي مطلوبة شرعاً. ٧ - أن المسلم إذا قام للسحور يحصل منه للمسلمين خير ينتفع به غيره من طعام، أو مال، أو علم، أو قضاء حاجة. عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: «هَلُمَّ إِلَى الغَدَاءِ المُبَارَكِ». أخرجه أحمد وأبو داود (١). - حكم من سمع النداء والإناء في يده: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلاَ يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ». أخرجه أبو داود (٢). - وقت فطر الصائم: ١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ». متفق عليه (٣).
следующие страницы →