لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلاَ وَإنّ لِكُلّ مَلِكٍ حِمىً، أَلاَ وَإِنّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلّهُ وَإذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ». متفق عليه (١).
- كيفية صرف الأموال المشتبهة:
المشتبهات من الأموال ينبغي صرفها في المنافع، الأبعد فالأبعد، فأقربها ما دخل في البطن .. ثم ما وَلِيَ الظاهر من اللباس .. ثم ما عرض من المراكب كالسيارة والخيل ونحوهما .. ثم في الوقود والعلف .. وهكذا.
- حكم الكسب:
الأصل في المعاملات والعادات، والبيع والشراء، الحل والإباحة، أما المعاملات والعقود المحرمة فترجع إلى ظلم الطرفين أو أحدهما.
وذلك يرجع إلى ثلاث قواعد:
قاعدة الربا .. وقاعدة الغرر والجهالة .. وقاعدة الخداع.
فهذه أساس المعاملات المحرمة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أوْ قال: حَتَّى يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ
стр. 1892
كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». متفق عليه (١).
- ما يطيب به الكسب:
المكاسب لا تطيب إلا بأمرين:
الأول: أن يكون مشروعاً مأذوناً فيه من الله ورسوله.
الثاني: أن يؤدي المسلم العمل كاملاً على أتم الوجوه؛ ليسلم من الغش والتقصير في العمل.
١ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. متفق عليه (٢).
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». أخرجه مسلم (٣).
- حكم المكاسب الخبيثة:
تحرم جميع المكاسب الخبيثة كالربا والغش، والسرقة والنهب وغيرها، وهي شؤم على صاحبها، ويظهر أثرها في عبادته، فيُسلب الخشوع، ويُسلب قبول الدعاء، ويُسلب الطمأنينة.
وكل كسب خبيث سببه عدم الإيمان أو نقصه، ومن كان مكسبه خبيثاً سلط الله عليه من يسلبه منه، وعذبه به في الدنيا، وعاقبه عليه في الآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة:٥٥].
стр. 1893
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّباً، وَإِنَّ اللهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟». أخرجه مسلم (١).
- أقسام الأموال:
الأموال ثلاثة أنواع:
الأول: الذهب والفضة: وهما قِيَم الأشياء.
الثاني: المنقولات: وهي كل شيء يمكن نقله من الأعيان مثل: الأطعمة، والملابس، والمراكب، والآلات، والأواني وغيرها.
الثالث: العقارات: وتشمل الأراضي، والدور، والمزارع.
- فضل السماحة في البيع والشراء:
ينبغي أن يكون الإنسان في معاملاته سهلاً سمحاً حتى ينال رحمة الله.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً، سَمْحاً إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى». أخرجه البخاري (٢).
стр. 1894
- آداب البيع:
للبيع آداب كثيرة منها:
١ - صدق المعاملة: بأن يصدق في وصف البضاعة، ونوعها، وجنسها، ومصدرها، وجودتها.
٢ - عدم المغالاة في الربح: فالغبن الفاحش محرم، والربح الطيب المبارك فيه ما كان يسيراً بقدر الثلث فأقل، ومن زاد فلا حرج.
٣ - السماحة في المعاملة: بأن يكون كل من البائع والمشتري سهلاً سمحاً في البيع والقيمة والتسليم.
٤ - تجنب كثرة الحلف ولو كان صادقاً: فينبغي الامتناع عن الحلف بالله مطلقاً في البيع؛ لأنه امتهان لاسم الله تعالى.
٥ - كتابة الدَّين والإشهاد عليه: فينبغي كتابة عقد البيع والإجارة، ومقدار الدين المؤجل، ووقت حلوله؛ حفظاً للأموال، واحترازاً من النسيان.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢].
٦ - الإكثار من الصدقات: يُندب للتاجر الإكثار من الصدقات؛ تكفيراً لما يقع في البيع من الحلف، أو الغش، أو كتمان عيب، أو غبن في السعر، أو سوء خلق ونحو ذلك.
٧ - أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه في كل شيء.
стр. 1895
- صور البيع:
للبيع تسع صور لا يخرج عنها أبداً وهي:
بيع عين بعين .. أو ذمة بذمة .. أوعين بذمة.
والبيع في هذه الصور الثلاث إما أن يكون ناجزاً من الطرفين، أو يكون نسيئة منهما، أو نسيئة من أحدهما ناجزاً من الآخر.
فهذه تسع صور تستغرق كل بيع على وجه الأرض.
وكلها جائزة إلا إذا كان البيع نسيئة من الطرفين معاً، فهنا يحرم البيع ولا يصح؛ لما فيه من الغرر والربا، سواء كان عيناً بعين، أو ذمة بذمة، أو ذمة بعين.
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
- أنواع البيع:
البيع على ثلاثة أوجه:
أحدها: ثَمَنان، وهذا هو الصرف كبيع الريال بالجنيه مثلاً.
الثاني: عِوَضان، وهذه هي المقايضة كبيع سلعة بأخرى.
الثالث: عوض وثمن، وهذا هو البيع المطلق المعروف.
стр. 1896
مفاتيح الرزق الحلال
- أهم مفاتيح الرزق التي يُستنزل بها الرزق من الله :
١ - تقوى الله :
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف:٩٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
٢ - الاستغفار والتوبة إلى الله:
١ - قال الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود:٥٢].
٣ - التوكل على الله :
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق:٣].
٢ - وَعَنْ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بطَاناً». أخرجه الترمذي وابن ماجه (١).
إلى الخَلق، والهجرة والإنفاق في سبيل الله ونحو ذلك.
الثاني: باب المجاهدة والتعب، كالبيع والشراء، والتجارة والصناعة والزراعة ونحو ذلك مما أحل الله.
الثالث: باب الحقوق والواجبات والمستحبات.
فيأتيه المال بلا تعب عن طريق الوصية، أو الوقف، أو الميراث، أو الزكاة، أو الصدقة، أو الهدية ونحو ذلك.
الرابع: باب المحرمات، كمن يأخذ المال بطريق الربا، أو السرقة، أو الغصب، أو الغش، أو الاحتكار، أو الميسر، أو القمار، أو الرشوة ونحو ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
الخامس: باب الذل والهوان، كمن يسأل الناس ويتذلل لهم ليعطوه.
فالأول أعلاها وأشرفها وأزكاها، وهو طريق الأنبياء والصالحين .. والثاني مباح مأمور به شرعاً .. والثالث مباح شرعاً .. والرابع أخطرها وأشدها إثماً .. والخامس أخسها وأدناها.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف:٩٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة:٦٥ - ٦٦].
стр. 1901
- الأسباب التي يحصل بها الرزق:
الأسباب التي يحصل بها الرزق كثيرة، وهي من جملة ما قدره الله وكتبه.
فإذا قدَّر الله أنه يرزق العبد بسعيه وكسبه ألهمه السعي والاكتساب.
وما قدَّر الله له من الرزق بغير اكتساب يأتيه بغير اكتساب عن طريق الميراث، أو الوصية، أو الهدية ونحوها.
وأكثر الذين يعجزون عن الأسباب يُرزقون على أيدي من يعطيهم إما هدية، أو صدقة، أو نذر، أو كفارة أو غيرها.
والتاجر يفعل السبب المأمور به، ويتوكل على الله فيما يخرج عن قدرته.
وغاية قدرته تحصيل السلعة ونقلها وعرضها.
أما إلقاء الرغبة في قلب من يطلبها، وبذل الثمن الذي يربح به، ووقت البيع، فهذا كله بيد الله وحده، وليس مقدوراً للعبد.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود:٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزُّخرُف:٣٢].
- فقه الرزق:
من جاءه المال عن طريق الكسب الحلال، أو الميراث، أو الهدية ونحو ذلك فهذا من الرزق الذي أباحه الله .
ومن سرق وأكل الحرام فليس هذا من الرزق الذي أباحه الله له، ولكن هذا
стр. 1902
الرزق الذي سبق به علم الله وقدره.
فكما أن الله كتب على العبد ما يعمله من خير وشر، وهو يثيبه على الخير، ويعاقبه على الشر، فكذلك كتب ما يرزقه العبد من حلال وحرام، وهو يثيبه على الحلال، ويعاقبه على الحرام، وكل ذلك واقع بمشيئة الله وقدره، ولا عذر لأحد بالقدر.
بل القدر نؤمن به، ولا نحتج به على ركوب المعاصي.
والرزق الحلال الذي ضمنه الله لعباده هو لمن يتقيه، بأن يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
ومن ليس من المتقين ضمن له ما يناسبه، بأن يمنحه ما يعيش به في الدنيا، ثم يعاقبه في الآخرة.
والله أباح الرزق لمن يستعين به على طاعة الله، ولم يبحه لمن يستعين به على معصيته.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف:٣٢].
стр. 1903
- هل يزيد الرزق وينقص؟:
الرزق نوعان:
أحدهما: ما كتبه الله وعلمه وقدره أنه يرزقه عبده، فهذا لا يتغير.
الثاني: ما كتبه الله وأعلم به الملائكة.
فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب، فإن الله يأمر الملك أن يكتب رزق العبد وأجله، وإن وصل رحمه زاده الله.
١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأ لَهُ فِي أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». أخرجه البخاري (١).
٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ المَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِى الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ. فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ. وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَثَرُهُ، وَأَجَلُهُ، وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلاَ يُزَادُ فِيهَا وَلاَ يُنْقَصُ». أخرجه مسلم (٢).
- كيفية التصرف في المال:
المال نعمة من نِعم الله على عباده، جعله الله سبباً لقضاء حوائج الناس.
وقد انقسم الصحابة ﵃ بعد الفتوح إلى ثلاثة أقسام:
الأول: من أعرض عن المال، وواسى به المحاويج، وبقي على عيشة الكفاف.
وهؤلاء قليل، ومنهم أبو ذر ﵁.
стр. 1904
الثاني: من تَبَسَّطَ ببعض المباح فيما يتعلق بكثرة النساء، والخدم، والملابس ونحوها ولم يستكثر.
وهؤلاء كثير، ومنهم عبد الله بن عمر ﵄.
الثالث: من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها، مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة.
وهؤلاء كثير، ومنهم عبد الرحمن بن عوف ﵁.
وفي كلٍّ خير، وكلٌّ ميسَّر لما خُلق له، واليد العليا خير من اليد السفلى.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف:٣٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة:٢٧٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة:٩ - ١٠].
- أحوال الأغنياء يوم القيامة:
الأغنياء يوم القيامة نوعان:
١ - أغنياء متقون أنفقوا أموالهم في سبيل الله ومرضاته وفيما أحل الله.
فهؤلاء في الجنة، ودرجاتهم بحسب إيمانهم وأعمالهم وإنفاقهم.
стр. 1905
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة:٢٦٢].
٢ - أغنياء فجار أنفقوا أموالهم في معصية الله، وفيما حرم الله.
فهؤلاء في النار يوم القيامة، وعذابهم بقدر فجورهم وإنفاقهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال:٣٦].
٢ - وَعَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَحَلّ اللهُ البَيْعَ؟ قال: «بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ فَيَكْذِبُونَ، وَيَحْلِفُونَ وَيَأْثَمُونَ». أخرجه أحمد (١).
стр. 1906
أركان البيع
- أركان البيع:
أركان البيع ثلاثة:
١ - العاقد: وهو البائع والمشتري.
٢ - المعقود عليه: وهو السلعة والثمن.
٣ - الصيغة: وهي الإيجاب والقبول حسب العرف.
- صور البيع:
للبيع ثلاث صور:
الأولى: بيع الثمن بالثمن، سواء كان مع اتحادهما كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، أو مع اختلافهما كبيع الذهب بالفضة أو العكس.
الثانية: بيع المثمن بالمثمن، كبيع الأرض بالأرض، والسيارة بالسيارة ونحو ذلك من العروض والسلع.
الثالثة: بيع المثمن بالثمن، وهو البيع الشائع المعروف، تدفع الذهب أو الفضة أو ما في حكمهما من الأوراق النقدية في مقابل السلعة سواء كانت عقاراً، أو منقولاً، أو غيرهما.
فالأول يسمى بيع الصرف، والثاني يسمى بيع المقايضة، والثالث هو البيع الشائع بين الناس تدفع النقد، وتأخذ السلعة، وكل ذلك جائز بشروطه الشرعية.
стр. 1907
- أصناف المال:
يطلق المال على ثلاثة أشياء:
١ - الأعيان: كالدار، والسيارة، والجمل ونحوها.
٢ - المنافع: كمنافع الدار، والسيارة، والآلة.
٣ - النقد: وهو كل مال وضع بين الناس ليكون وسيطاً للتبادل والتداول كالدرهم والدينار، والجنيه والريال وغيرها من العملات التي يُقصد بها التوصل إلى السلع.
فإذا صارت النقود سلعة تُقصد لعينها فسد أمر الناس.
فالأعيان يُنتفع بها مباشرة .. والنقود لا يُنتفع بها مباشرة، بل هي واسطة في تحصيل سلعة أو منفعة .. والانتفاع بالسلعة دون ملكها هو المنافع كآجار الدور، والآلات وغيرها.
- الفرق بين المبيع والثمن:
المبيع: هو غالباً ما يتعين بالتعيين كالدار، والسيارة ونحوهما.
والثمن: هو غالباً ما لا يتعين بالتعيين كالدرهم، والجنيه مثلاً.
والمبيع والثمن من الأسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد، ويتميز أحدهما عن الآخر في الأحكام بحرف الباء.
فتقول: بعتك هذا الثوب بدينار، فالثوب مبيع، والدينار ثمن.
والدَّين: كل ما ثبت في الذمة من الأموال بسبب بيع أو قرض أو كفالة أو غصب أو إتلاف ونحو ذلك.
стр. 1908
- أنواع المثليات:
المثليات من الأشياء أربعة:
١ - المكيلات: وهي التي تباع بالكيل، وهي نوعان:
جامدة كالقمح والشعير مثلاً .. أو سائلة كالألبان والعصير والبنزين مثلاً.
٢ - الموزونات: وهي التي تباع بالوزن، وهي نوعان:
جامدة كالسكر والأرز .. أو سائلة كالسمن والزيت مثلاً.
٣ - المذروعات: وهي التي تباع بالذرع كالأراضي، والأقمشة ونحوهما.
٤ - المعدودات: وهي التي تباع بالعدد كالمصنوعات المتماثلة من الأواني، والآلات، أو الأشياء المتقاربة كالبيض والتفاح مثلاً.
وإذا بيعت المثليات ببعضها صار كل من العوضين مبيعاً من وجه، وثمناً من وجه آخر.
- أقسام الأثمان:
ينقسم البيع بالنسبة إلى الثمن إلى أربعة أقسام:
١ - بيع المساومة: وهو مبادلة المبيع بما يتراضى عليه الطرفان.
وهو أكثر البيوع شيوعاً؛ لأن البائع يرغب عادة بكتمان رأس المال.
٢ - بيع المرابحة: وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول، وزيادة ربح معين.
٣ - بيع التولية: وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان.
٤ - بيع الوضيعة: وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه.
وهذه البيوع كلها جائزة.
стр. 1909
شروط البيع
- أنواع الشروط:
يجب أن يتوفر في عقد البيع أربعة أنواع من الشروط، حتى يكون العقد صحيحاً لازماً نافذاً.
شروط عقد البيع .. شروط صحة البيع .. شروط نفاذ البيع .. شروط لزوم البيع.
وهذه الشروط لازمة لمنع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية لمصالح المتعاقدين، ونفي الغرر والضرر، والبعد عن المخاطر بسبب الظلم والجهالة.
- شروط عقد البيع:
يشترط لصحة عقد البيع ما يلي:
١ - الشروط المتعلقة بالمتعاقدين ثلاثة:
١ - أن يكون كل من المتعاقدين جائز التصرف، وهو من جمع أربع صفات:
الحرية .. والبلوغ .. والعقل .. والرشد.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦].
٢ - وَعَنْ ابن عُمَر ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْداً وَلَهُ
стр. 1910
مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». متفق عليه (١).
٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلاَثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢).
٢ - حصول التراضي بين المتعاقدين إلا من أُكره بحق.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩].
٣ - أن يكون كل من المتعاقدين مالكاً للمعقود عليه، أو قائماً مقام مالكه.
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي مِنَ البَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثمَّ أَبيعُهُ. قَالَ: «لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
٢ - الشروط المتعلقة بالمعقود عليه ستة:
١ - أن يكون المعقود عليه موجوداً؛ لأن بيع المعدوم لا ينعقد، لما فيه من الجهالة، فلا يجوز بيع حمل في بطن، ولا لبن في ضرع، ولا ثمر لم ينعقد على الشجر.
٢ - أن يكون المعقود عليه مقدوراً على تسليمه؛ لأن ما لا يُقدر على تسليمه كالمعدوم لا يصح بيعه، فلا يصح بيع الطير في الهواء، ولا السمك في
стр. 1911
البحر، ولا الحيوان الشارد في الأرض.
٣ - أن يكون المعقود عليه مما يباح الانتفاع به مطلقاً من عقار ومنقول، فلا يصح بيع ما لا نفع فيه .. ولا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به كالخمر والخنزير، والميتة، وآلات اللهو ونحو ذلك من المحرمات.
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:٣].
٤ - أن يكون المعقود عليه معلوماً للمتعاقدين برؤية أو صفة.
٥ - أن يكون المعقود عليه مقبوضاً عنده.
عَنْ ابْن عُمَرَ ﵄ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ». متفق عليه (١).
٦ - أن يكون المعقود عليه خالياً من موانع الصحة كالبيوع الربوية، والجهالة، والغرر ونحو ذلك.
- شروط صحة البيع:
يكون البيع صحيحاً إذا خلا من ستة عيوب هي:
الجهالة .. والغرر .. والضرر .. والإكراه .. والتوقيت .. والشروط المفسدة.
١ - الجهالة: كجهالة وصف الثمن والمبيع، أو مقداره، أو أجله إن كان هناك أجل.
٢ - الغرر: وهو ما كان المبيع فيه محتملاً للوجود والعدم كبيع نتاج النتاج، وبيع
стр. 1912
الحمل الموجود.
٣ - الضرر: وهو ما كان تسليم المبيع لا يمكن إلا بإدخال ضرر على البائع، كما لو باع خشبة من سقف، أو ذراعاً من ثوب.
٤ - الإكراه: وهو حمل المكره على أمر يفعله، وهو نوعان:
١ - إكراه ملجئ: كتهديد الإنسان بالقتل أو الضرب الشديد.
٢ - إكراه غير ملجئ: كالتهديد بالحبس أو الضرب أو الحرمان.
٥ - التوقيت: وهو أن يؤقت البيع بمدة معينة كما لو قال: بعتك هذه السيارة شهراً أو سنة، فلا يصح؛ لأن ملكية العين لا تقبل التأقيت.
٦ - الشروط المفسدة: وهي كل شرط فيه نفع لأحد المتبايعين إذا لم يكن قد ورد به الشرع، أو جرى به العرف، أو يقتضيه العقد، كأن يشترط المشتري على البائع في العقد أن يقرضه ألفاً مثلاً.
- شروط نفاذ البيع:
يشترط لنفاذ البيع شرطان:
١ - الملك أو الولاية، بأن يكون العاقد مالكاً للشيء، أو نائباً عن مالكه كالوكيل والولي.
٢ - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع، فلا ينفذ بيع الراهن للمرهون.
- شروط لزوم البيع:
يشترط للزوم البيع خلوه من أحد الخيارات التي تسوِّغ لأحد العاقدين فسخ العقد مثل: خيار الشرط، والوصف، والغبن، والتعيين، والعيب، والرؤية ونحو ذلك.
стр. 1913
فإذا وُجِد في البيع شيء من هذه الخيارات منع لزومه في حق من له الخيار، فله أن يفسخ البيع أو يقبله.
- حكم الشرط في البيع:
كل بيع معلق على شرط لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً فهو صحيح، كأن يشترط البائع سكنى الدار شهراً، أو يشترط المشتري حمل البضاعة إلى داره، أو حمل الحطب إلى منزله وتكسيره.
- الشرط اللغو أو الباطل:
وهو كل شرط فيه ضرر لأحد العاقدين كأن يبيعه سيارة بشرط ألا يبيعها أو لا يهبها أو لا يوقفها، فالبيع جائز، والشرط باطل.
أو يشترط عقداً في عقد، كأن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، أو يسلفه، أو يؤجره، أو يزوجه، فالبيع فاسد؛ للنهي عن بيعتين في بيعة.
١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. أخرجه أحمد والنسائي (١).
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « ... فَمَا بَالُ أقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ». متفق عليه (٢).
стр. 1914
- بم ينعقد البيع:
ينعقد البيع إذا اكتملت شروطه بإحدى صفتين:
١ - قولية: بأن يقول البائع: بعتك، أو ملَّكتك، أو نحوهما مما جرى به العرف.
ويقول المشتري: اشتريت، أو قبلت ونحوهما مما جرى به العرف.
٢ - فعلية: وهي المعاطاة: بأن يقول أعطني بعشرة ريالات لحماً فيعطيه بلا قول، أو يعطيه المشتري ريالاً، ثم يأخذ خبزاً أو لبناً ونحو ذلك مما جرى به العرف، وحصل به التراضي.
فالأولى تكون غالباً في الأشياء النفيسة والكبيرة كالأرض والسيارة.
والثانية تكون غالباً في الأشياء الصغيرة المتكررة من الحاجات اليومية.
- ما يتناوله البيع:
إذا باع شخص داراً تناول البيع أرضها وأسفلها وأعلاها، وكل ما فيها، وإن كانت المباعة أرضاً شمل البيع كل ما فيها ما لم يستثن منها.
وإن باعه سيارة أو آلة شملها كلها، وإن باعه شقة في عمارة ذات أدوار تناول البيع كامل الشقة وما فيها، وجزء من الأرض التي أسفلها بحسبها.
وإن باعه بستاناً أو مزرعة تناول البيع أرضها وما عليها من ثابت، ومنقول، ما لم يستثن منها.
- حكم الزيادة أو النقص في البيع:
إذا باع شخص داراً أو أرضاً على أنها مائة متر مثلاً، فبانت أقل أو أكثر، فالبيع صحيح، والزيادة للبائع، والنقص عليه، ولمن جهله منهما وفات غرضه الخيار.
стр. 1915
- حكم التصرف في المبيع قبل القبض:
لا يجوز التصرف في المبيع قبل القبض سواء كان منقولاً طعاماً أو غيره، أو عقاراً كأرض ودار وبستان؛ وذلك لعدم القدرة على التسليم، ولوجود الغرر.
١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: أمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ الطَّعَامُ أنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلا أحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلا مِثْلَهُ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». زَادَ إِسْمَاعِيلُ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ». متفق عليه (٢).
- حكم استبدال الثمن:
يجوز استبدال ثمن المبيع بغيره من النقد إذا كان بسعر يومه، فيعطيه الدينار مكان الدرهم، أو الجنيه مكان الريال ونحو ذلك.
- صفة تسليم المبيع والثمن:
يسلِّم البائع السلعة إلى المشتري، ثم يقبض الثمن.
وإن اختلفا في التسليم أُجبر البائع على تسليم المبيع، ثم أُجبر المشتري على تسليم الثمن.
وللبائع حبس المبيع حتى يقبض الثمن إن خاف فوته، وللمشتري حبس الثمن حتى يقبض المبيع إن خاف فوته.
стр. 1916
- حكم هلاك المبيع:
المبيع إما أن يهلك كله أو بعضه، قبل القبض أو بعده.
١ - إذا هلك المبيع كله قبل القبض بآفة سماوية، أو بفعل المبيع نفسه كحيوان أكل ما يضره فمات، أو بفعل البائع، انفسخ عقد البيع.
وإن هلك بفعل المشتري فلا ينفسخ البيع، وعليه الثمن، أما إن هلك المبيع بفعل أجنبي فلا ينفسخ البيع، ويكون المشتري بالخيار، إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضاه ودفع الثمن, وطالب الأجنبي بالضمان.
٢ - إذا هلك المبيع كله بعد القبض لم ينفسخ البيع، وتقرر الثمن عليه، ويرجع بالضمان على الأجنبي إن كان الهلاك بسببه.
٣ - إن هلك بعض المبيع قبل القبض، فإن كان بآفة سماوية فهلك بعضه، وسلم بعضه، انفسخ العقد بقدر الهالك، وسقطت حصته من الثمن، وللمشتري الخيار في الباقي، إن شاء أخذه بحصته، وإن شاء فسخ البيع، لتفرق الصفقة عليه.
وإن كان النقصان نقصان وصف فلا ينفسخ البيع، ويلزم الثمن كله، ويكون المشتري بالخيار، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء تركه؛ لتعيُّب المبيع.
وإن كان الهلاك بفعل المبيع نفسه كحيوان جرح نفسه، فلا ينفسخ البيع، ولا يسقط شيء من الثمن، وللمشتري الخيار إن شاء أخذ الباقي بجميع الثمن، وإن شاء فسخ العقد.
وإن كان الهلاك بفعل البائع بطل البيع بقدره، ويسقط عن المشتري ثمن الهالك، وللمشتري الخيار في الباقي بحصته من الثمن.
وإن كان الهلاك بفعل المشتري فلا يبطل البيع، ويلزمه جميع الثمن.
стр. 1917
٤ - إذا هلك بعض المبيع بعد القبض بآفة سماوية، أو بفعل المشتري، أو المبيع نفسه، أو بفعل أجنبي، فالبيع لازم، والثمن لازم، ويرجع بالضمان على الأجنبي إن كان التلف بسببه.
وإن كان الهلاك بفعل البائع، وقد قبضه المشتري، ضمنه البائع كالأجنبي.
- حكم هلاك الثمن:
إذا هلك الثمن في مجلس العقد قبل القبض، فإن كان له مِثْل كالنقود فلا ينفسخ العقد؛ لأنه يمكن تسليم مثله، وإن هلك وليس له مِثْل في الحال فيخير البائع: إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ قيمة الفلوس؛ لأنها ثابتة في الذمة.
- صفة قبض السلع:
قبض المبيع يتم بعدة طرق:
الأولى: التخلية: وهي أن يتمكن المشتري من أخذ المبيع بلا مانع.
فإن كان عقاراً أو داراً أو مزرعة يكون القبض بتمكين المشتري من التصرف فيها، واستلام مفاتيحها، وصكوك الملكية.
وإن كان منقولاً كالآلات، والأمتعة، والحيوان ونحوها فيكون قبضها بحسب العرف في ذلك.
وإن كان المبيع طعاماً فقبضه يكون بكيله أو وزنه، ونقله من مكانه إن كان جزافاً، ويرجع إلى العرف فيما لا نص فيه.
الثانية: القبض السابق: بأن يكون المبيع عند المشتري بقبض سابق، ثم باعه المالك له كمؤجر، ومرهون، ومغصوب، ومودع، ومعار. فإذا كانت هذه
стр. 1918
الأشياء موجودة في يد المشتري، ثم باعها صاحبها عليه، صار بذلك قابضاً لها.
الثالثة: الإتلاف: فلو أتلف المشتري المبيع في يد البائع صار قابضاً للمبيع، ولزمه ثمنه، لأن التخلية تمكين من التصرف.
- حكم تصرفات الصبي المميز:
تصرفات الصبي المميز ثلاثة أنواع:
الأول: التصرفات النافعة نفعاً محضاً كالاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد، ونحوها.
فهذه تصرفات تصح من الصبي المميز دون إذن الولي.
الثاني: التصرفات الضارة ضرراً محضاً كالطلاق، والإقراض، والهبة ونحوها.
فهذه لا تصح من الصبي المميز ولا تنفذ.
الثالث: التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء، والإيجار والاستئجار، والمشاركة ونحو ذلك.
فهذه التصرفات غير صحيحة، لكن إذا أذن له وليه بالتصرف، فالمعتبر هنا إذن الولي، لا مجرد تصرف الصبي؛ لعدم بلوغه، وقصور عقله، وهذا في الأمور الكبيرة، أما الأمور اليسيرة فيصح تصرفه بإذن وليه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
стр. 1919
- حكم بيع السمسرة:
السمسرة: هي الوساطة بين البائع والمشتري لإجراء البيع.
ويسمى من يقوم بذلك السمسار، أو الدلال، أو الوسيط.
والسمسرة جائزة، والأجر الذي يأخذه السمسار حلال؛ لأنه أجر على عمل وجهد معقول، لكن بشرط أن يصدق وينصح للبائع والمشتري.
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قُلْنَا: لِمَنْ؟ قال: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (١).
- حكم الجمع بين البيع والإجارة:
يجوز الجمع بين البيع والإجارة في عقد واحد.
فلو قال البائع للمشتري: بعتك هذا البيت بمائة ألف، وأجرتك هذه الدار بعشرة آلاف، فقال الآخر: قبلت، صح البيع والإجارة.
وكذا لو قال: بعتك هذا البيت، وأجرتك هذه المزرعة سنة بمائة ألف لهما، فقال الآخر: قبلت، صح العقد في الجميع.
- حكم بيع العربون:
بيع العربون: هو أن يشتري الإنسان شيئاً، ثم يدفع للبائع من قيمته خمسة مثلاً، فإن نفذ البيع احتسب المدفوع من الثمن، وإن لم ينفذ فالمدفوع للبائع، فهو مبيع يثبت فيه الخيار للمشتري.
وهذا البيع صحيح، إذا قيدت فترة الخيار بمدة معلومة، دفعاً للضرر عن البائع.
стр. 1920
- حكم الاستثناء في البيع:
يجوز أن يبيع الإنسان سلعة ويستثني منها شيئاً معلوماً، كأن يبيع الشجر ويستثني منها واحدة، أو يبيع بيوتاً ويستثني منها بيتاً، أو يبيع سيارات ويستثني منها واحدة.
فإن باع أكثر من واحد، واستثنى شيئاً مجهولاً غير معلوم، لم يصح البيع؛ لما فيه من الجهالة والضرر، كأن يبيعه قطيعاً من الغنم، ويستثني واحدة غير معلومة ونحو ذلك.
عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ وَالمُعَاوَمَةِ وَالمُخَابَرَةِ. قَالَ: أَحَدُهُمَا بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ المُعَاوَمَةُ، وَعَنِ الثُّنْيَا وَرَخَّصَ فِي العَرَايَا. أخرجه مسلم (١).
- حكم الشروط في البيع:
الشروط في البيع نوعان:
الأول: صحيح لازم: وهو كل ما وافق مقتضى العقد.
وهو ثلاثة أنواع:
١ - شرط يقتضيه العقد كشرط التقابض، وحلول الثمن.
٢ - ما يكون من مصلحة العقد، مثل شرط تأجيل الثمن أو بعضه، أو شرط صفة معينة في المبيع، فإن وجد الشرط لزم البيع، وإن لم يوجد الشرط فللمشتري فسخ العقد.
٣ - ما فيه نفع معلوم للبائع أو المشتري، كما لو باع داراً واشترط أن يسكنها
стр. 1921
شهراً، أو باع دابة واشترط أن تحمله إلى مكان معين ونحو ذلك.
١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ» زَادَ أَحْمَدُ: «إِلاَّ صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً». أخرجه أبوداود (١).
٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قالَ: ... غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى نَاضِحٍ لَنَا فَأزْحَفَ الجَمَلُ، فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ، فَوَكَزَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ، قال: «بِعْنِيهِ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ». متفق عليه (٢).
الثاني: شرط فاسد: وهو أنواع:
١ - ما يبطل العقد من أصله:
كأن يشترط على صاحبه عقداً آخر، مثل أن يقول: أبيعك هذه الدار على أن تبيعني سيارتك، أو تقرضني كذا ونحو ذلك.
أو يقول بعتك هذه الأرض على أن تزوجني ابنتك.
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنَ عَمْرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
٢ - ما يصح معه البيع ويبطل الشرط: وهو الشرط المنافي لمقتضى العقد، كأن يبيعه أرضاً ويشترط عليه ألا يبيعها أو لايهبها، فالبيع صحيح، والشرط باطل.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « ... فَمَا بَالُ أقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ
стр. 1922
شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ». متفق عليه (١).
٣ - ما لا ينعقد معه البيع: مثل أن يقول: بعتك إن رضي فلان، أو إن حضر فلان أو نحو ذلك من كل بيع عُلِّق على شرط مستقبل، فهذا البيع لا ينعقد حتى يحصل الشرط.
- الآثار المترتبة على البيع:
يترتب على عقد البيع ثلاثة أمور:
١ - تسليم المبيع للمشتري.
٢ - أداء الثمن الحال للبائع، فإن كان مؤجلاً فهو إلى أجله.
٣ - انتقال الملك، فيملك المشتري المبيع، ويملك البائع الثمن.
- حكم الشرط الجزائي:
الشرط الجزائي شرط صحيح معتبر، فهو عقد جائز، يجب الأخذ به، لإتمام العقد في وقته، ولسد أبواب الفوضى والتلاعب بحقوق العباد، ما لم يكن هناك عذر شرعي، فيكون العذر مسقطاً لوجوبه.
وإن كان الشرط كثيراً عرفاً، فيجب الرجوع إلى العدل والإنصاف، حسب ما فات من منفعة، أو لحق من مضرة، يقدِّر ذلك الحاكم بواسطة أهل النظر والخبرة.
- مثال الشرط الجزائي:
أن يتفق إنسان مع آخر على أن يبني له بيتاً خلال سنة بمائة ألف ريال، وإذا
стр. 1923
تأخر عن السَّنَة بلا عذر فعليه أن يدفع عن كل شهر ألف ريال، فتأخر عن السنة أربعة أشهر بلا عذر، فهذا يلزمه أن يدفع أربعة آلاف ريال لصاحب الدار.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ» زَادَ أَحْمَدُ: إِلاَّ صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً. وَزَادَ سُلَيْمَانُ ابْنُ دَاوُدَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». أخرجه أبو داود (١).
- حكم بيع الفضولي:
الفضولي: هو من يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعي، وهو كل من لم يكن أصيلاً، ولا ولياً، ولا وكيلاً.
وبيع الفضولي وشراؤه جائز إذا كان لمصلحة، مع وقوف نفاذه على إجازة المالك.
عَنْ عُرْوَةَ البَارقي ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطَاهُ دِينَاراً يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ. أخرجه البخاري (٢).
стр. 1924
البيوع المباحة
- البيوع المباحة أنواع كثيرة، وهذه أشهرها:
١ - بيع المساومة: وهو أن يسوم السلعة بثمن، ثم يشتريها إن رضي البائع بالسوم.
٢ - بيع التولية: وهو أن يقول البائع: ولَّيتك السلعة بما اشتريتها به.
٣ - بيع المرابحة: وهو أن يذكر السلعة وثمنها ثم يقول: بعتك إياها بربح خمسة أو عشرة مثلاً.
٤ - بيع المخاسرة: وهو أن يذكر السلعة وثمنها ثم يقول: بعتك هذه السلعة بخسارة ثلاثة أو خمسة ريالات مثلاً.
٥ - بيع الشركة: وهو أن يقول المشتري بعد قبض السلعة: أشركتك فيما اشتريت على ما سمي في النصف أو الربع مثلاً.
٦ - بيع الإقالة: وهو أن يقول البائع للمشتري: أَقِلني بيعتي، فيقول: أَقَلْتك، أو يقول المشتري للبائع: أقِلْني، فيقول: أقلتك.
٧ - بيع الهبة: إذا كان على شرط العوض.
٨ - بيع الصرف: وهو بيع نقد بنقد.
٩ - بيع الصلح: إذا كان الصلح على الإقرار.
١٠ - بيع المبادلة: وهو أن يبيع سلعة بسلعة أخرى، وتسمى المقايضة.
١١ - بيع النسيئة: وهو أن يبيعه سلعة بثمن مؤجل بمدة معلومة.
١٢ - بيع المزايدة: وهو أن يبيع السلعة بين الناس بأعلى ثمن تصل إليه.
стр. 1925
١٣ - بيع التراضي والتعاطي: بأن يعطيه السلعة، ويأخذ الثمن، من غير كلام.
١٤ - البيع الموقوف: وهو أن يبيع سلعة غيره بغير إذنه، فإن أجازه صح وإلا رده.
١٥ - بيع السلم: وهو بيع موصوف في الذمة بثمن مقبوض في مجلس العقد.
١٦ - بيع الخيار: وهو إعطاء الفرصة للبائع والمشتري أن يختار ما يناسبه من إمضاء البيع أو فسخه.
وغير ذلك من البيوع التي أباحها الله وشرعها لعباده.
стр. 1926
البيوع المنهي عنها
- أنواع المحرمات:
المحرمات في الشرع نوعان:
١ - المحرمات من الأعيان: وهي كل محرم لذاته كالميتة .. والدم .. ولحم الخنزير .. والخبائث .. والنجاسات ونحوها.
٢ - المحرمات من التصرفات: وهي كل معاملة تخالف الشرع كالربا .. والميسر .. والقمار .. والغش .. والاحتكار .. والغرر ونحو ذلك مما فيه ظلم للعباد، وأكل لأموال الناس بالباطل.
فالأول تعافه النفس بطبعها، والثاني تشتهيه النفس، فاحتاج إلى رادع وزاجر، وعقوبة تمنع من الوقوع فيه.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة:١٧٣].
стр. 1927
- البيوع المنهي عنها:
البيوع المنهي عنها، أو المحرمة، أو الباطلة كثيرة، ويمكن حصرها في أربعة أقسام:
١ - البيوع الممنوعة بسبب العاقد.
٢ - البيوع الممنوعة بسبب صيغة العقد.
٣ - البيوع الممنوعة بسبب المعقود عليه.
٤ - البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي.
وإليك بيان هذه الأقسام بالتفصيل.
стр. 1928
١ - البيوع الممنوعة بسبب العاقد
البيع يصح من كل بالغ، عاقل، مختار، مطلق التصرف، مالك لما يبيع.
والبيوع الممنوعة بسبب العاقد هي:
١ - بيع المجنون أو السكران.
٢ - بيع الصبي: مميزاً كان أو غير مميز حتى يبلغ.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦].
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلاَثٍ، عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ». أخرجه أبو داود والنسائي (١).
٣ - بيع المكره: وهو من أُجبر على فعل شيء يكرهه.
والإكراه نوعان:
١ - إكراه بحق: كما لو أكرهه الحاكم على بيع أرضه لوفاء دينه، أو إجباره على بيع الدار لتوسعة المسجد، أو الطريق، أو المقبرة.
فهذا الإكراه لا يمنع صحة العقد؛ إقامة لرضا الشرع مقام رضاه.
٢ - إكراه بغير حق: فهذا الإكراه لا ينعقد به البيع، سواء كان إكراهاً ملجئاً كما لو هدده بالقتل، أو كان غير ملجئ كما لو هدده بالضرب؛ لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة العقود.
стр. 1929
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
- حكم بيع المضطر:
المضطر: هو من اضطر إلى بيع شيء من ماله، ولم يجد من يشتريه منه إلا بأقل من ثمن المثل بغبن فاحش.
فالبيع صحيح؛ لأنه تصرَّفَ في ملكه برضاه، ولم يجبره أحد على البيع، لكن يكره للمشتري شراؤه على هذا الوجه بالغبن الفاحش.
٤ - بيع المحجور عليه: المحجور عليه: هو الذي مُنِع من التصرف في ماله لحظ نفسه كالسفيه، أو لحظ غيره كالغارم.
فالسفيه المبذر لا يصح بيعه وشراؤه؛ لعدم أهليته، والمفلس الغارم تصرفه في ماله غير صحيح؛ لأنه حق الدائنين، والمريض مرض الموت لا ينفذ تصرفه بأكثر من الثلث إلا بإجازة الورثة.
٥ - بيع التلجئة: هو أن يخاف الإنسان اعتداء ظالم على بعض ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه على ثالث فراراً منه؛ ليسلم ماله.
وهذا العقد باطل غير صحيح؛ لأن العاقِدَين لم يقصدا البيع، فلم يصح منهما كالهازل، والهلاك في الكذب، والنجاة في الصدق.
стр. 1930
٢ - البيوع الممنوعة بسبب صيغة العقد
- صحة البيع:
يصح البيع بتراضي العاقدين، وحصول الإيجاب والقبول فيما يجب التراضي عليه من مبيع وثمن وغيرهما.
ولا يصح البيع فيما يلي:
١ - عدم توافق الإيجاب والقبول، بأن يقول البائع: بعتك هذه السلعة بمائة، فيقول المشتري: اشتريتها بتسعين، فإن أجازها البائع في الحال صح البيع.
٢ - البيع بالمراسلة أو بواسطة رسول، وهذا البيع يصح ما داما في المجلس، فإذا تم القبول بعد التفرق من المجلس لم ينعقد العقد.
٣ - البيع مع غائب عن مجلس العقد لا يصح؛ لأن اتحاد المجلس شرط لانعقاد البيع.
٤ - البيع غير المنجَّز كالمعلق على شرط، أو المضاف لوقت في المستقبل، فهذا البيع لا ينعقد ولا يصح.
فالمعلق على شرط أن يقول: بعتك هذه الدار بكذا إن جاء والدي من السفر.
والبيع المضاف أن يقول: بعتك هذه السيارة من أول الشهر القادم.
وهذا وهذا فيه غرر، إذ لا يدري العاقدان هل يحصل الأمر المعلق عليه أم لا، ومتى يحصل، وفي المضاف لا يدريان كيف يكون المبيع في المستقبل.