البيوع المنهي عنها
- أنواع المحرمات:
المحرمات في الشرع نوعان:
١ - المحرمات من الأعيان: وهي كل محرم لذاته كالميتة .. والدم .. ولحم الخنزير .. والخبائث .. والنجاسات ونحوها.
٢ - المحرمات من التصرفات: وهي كل معاملة تخالف الشرع كالربا .. والميسر .. والقمار .. والغش .. والاحتكار .. والغرر ونحو ذلك مما فيه ظلم للعباد، وأكل لأموال الناس بالباطل.
فالأول تعافه النفس بطبعها، والثاني تشتهيه النفس، فاحتاج إلى رادع وزاجر، وعقوبة تمنع من الوقوع فيه.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة:١٧٣].
стр. 1927
- البيوع المنهي عنها:
البيوع المنهي عنها، أو المحرمة، أو الباطلة كثيرة، ويمكن حصرها في أربعة أقسام:
١ - البيوع الممنوعة بسبب العاقد.
٢ - البيوع الممنوعة بسبب صيغة العقد.
٣ - البيوع الممنوعة بسبب المعقود عليه.
٤ - البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي.
وإليك بيان هذه الأقسام بالتفصيل.
стр. 1928
١ - البيوع الممنوعة بسبب العاقد
البيع يصح من كل بالغ، عاقل، مختار، مطلق التصرف، مالك لما يبيع.
والبيوع الممنوعة بسبب العاقد هي:
١ - بيع المجنون أو السكران.
٢ - بيع الصبي: مميزاً كان أو غير مميز حتى يبلغ.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦].
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلاَثٍ، عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ». أخرجه أبو داود والنسائي (١).
٣ - بيع المكره: وهو من أُجبر على فعل شيء يكرهه.
والإكراه نوعان:
١ - إكراه بحق: كما لو أكرهه الحاكم على بيع أرضه لوفاء دينه، أو إجباره على بيع الدار لتوسعة المسجد، أو الطريق، أو المقبرة.
فهذا الإكراه لا يمنع صحة العقد؛ إقامة لرضا الشرع مقام رضاه.
٢ - إكراه بغير حق: فهذا الإكراه لا ينعقد به البيع، سواء كان إكراهاً ملجئاً كما لو هدده بالقتل، أو كان غير ملجئ كما لو هدده بالضرب؛ لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة العقود.
стр. 1929
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
- حكم بيع المضطر:
المضطر: هو من اضطر إلى بيع شيء من ماله، ولم يجد من يشتريه منه إلا بأقل من ثمن المثل بغبن فاحش.
فالبيع صحيح؛ لأنه تصرَّفَ في ملكه برضاه، ولم يجبره أحد على البيع، لكن يكره للمشتري شراؤه على هذا الوجه بالغبن الفاحش.
٤ - بيع المحجور عليه: المحجور عليه: هو الذي مُنِع من التصرف في ماله لحظ نفسه كالسفيه، أو لحظ غيره كالغارم.
فالسفيه المبذر لا يصح بيعه وشراؤه؛ لعدم أهليته، والمفلس الغارم تصرفه في ماله غير صحيح؛ لأنه حق الدائنين، والمريض مرض الموت لا ينفذ تصرفه بأكثر من الثلث إلا بإجازة الورثة.
٥ - بيع التلجئة: هو أن يخاف الإنسان اعتداء ظالم على بعض ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه على ثالث فراراً منه؛ ليسلم ماله.
وهذا العقد باطل غير صحيح؛ لأن العاقِدَين لم يقصدا البيع، فلم يصح منهما كالهازل، والهلاك في الكذب، والنجاة في الصدق.
стр. 1930
٢ - البيوع الممنوعة بسبب صيغة العقد
- صحة البيع:
يصح البيع بتراضي العاقدين، وحصول الإيجاب والقبول فيما يجب التراضي عليه من مبيع وثمن وغيرهما.
ولا يصح البيع فيما يلي:
١ - عدم توافق الإيجاب والقبول، بأن يقول البائع: بعتك هذه السلعة بمائة، فيقول المشتري: اشتريتها بتسعين، فإن أجازها البائع في الحال صح البيع.
٢ - البيع بالمراسلة أو بواسطة رسول، وهذا البيع يصح ما داما في المجلس، فإذا تم القبول بعد التفرق من المجلس لم ينعقد العقد.
٣ - البيع مع غائب عن مجلس العقد لا يصح؛ لأن اتحاد المجلس شرط لانعقاد البيع.
٤ - البيع غير المنجَّز كالمعلق على شرط، أو المضاف لوقت في المستقبل، فهذا البيع لا ينعقد ولا يصح.
فالمعلق على شرط أن يقول: بعتك هذه الدار بكذا إن جاء والدي من السفر.
والبيع المضاف أن يقول: بعتك هذه السيارة من أول الشهر القادم.
وهذا وهذا فيه غرر، إذ لا يدري العاقدان هل يحصل الأمر المعلق عليه أم لا، ومتى يحصل، وفي المضاف لا يدريان كيف يكون المبيع في المستقبل.
стр. 1931
٣ - البيوع الممنوعة بسبب المعقود عليه
- المعقود عليه: هو السلعة المباعة، والثمن.
- البيوع المنهي عنها بسبب المعقود عليه خمسة أقسام:
الأول: البيوع المحرمة بسبب الغرر والجهالة.
الثاني: البيوع المحرمة بسبب الربا.
الثالث: البيوع المحرمة بسبب الضرر والخداع.
الرابع: البيوع المحرمة لذاتها.
الخامس: البيوع المحرمة لغيرها.
وإليك بيان هذه الأقسام بالتفصيل.
стр. 1932
١ - البيوع المحرمة بسبب الغرر والجهالة
الغرر: هو كل ما كان مجهول العاقبة، لا يُدرى أيحصل أم لا يحصل.
الجهالة: هي الجهالة الفاحشة التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله كأن يبيع شاة من قطيع، وقد نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع؛ تحصيناً للأموال أن تضيع .. وقطعاً للخصومة والنزاع بين الناس .. وحفظاً للمودة والأخوة بين المسلمين.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. أخرجه مسلم (١).
ومن البيوع المحرمة بسبب الغرر والجهالة ما يلي:
١ - بيع الملامسة: وهو أن يلمس الإنسان الثوب ولا ينشره، أو يشتريه في الظلام ولا يعلم ما فيه، فهذا البيع لا يجوز؛ لوجود الجهالة والغرر.
٢ - بيع المنابذة: وهو أن ينبذ كل واحد ثوبه إلى الآخر من غير تأمل، ويقول كل واحد هذا بهذا، أو يقول البائع أو المشتري: أي ثوب نبذته فهو بكذا، فهذا بيع محرم؛ للنهي عنه، ولوجود الجهالة والغرر.
عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُنَابَذَةِ -وَهِيَ: طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أنْ يُقَلِّبَهُ أوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ- وَنَهَى عَنِ المُلامَسَةِ- وَالمُلامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِ. متفق عليه (٢).
стр. 1933
٣ - بيع الحصاة: وهو أن يقذف البائع أو المشتري بحصاة، فأي ثوب وقعت عليه كان هو المبيع بلا تأمل، ولا رويّة، ولا خيار، وهذا البيع باطل؛ لوجود الجهالة والغرر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. أخرجه مسلم (١).
٤ - بيع حَبَل الحَبَلَة: وهو بيع ولد ولد الناقة بثمن مؤجل، فإذا ولدت الناقة مولودة، انتظر حتى تحبل ثم تلد، وهذا البيع باطل؛ لأنه بيع معدوم ومجهول، وغير مملوك للبائع، وغير مقدور على تسليمه إلى أجل مجهول، وكل هذا غرر محرم.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لُحُومَ الجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ. قال: وَحَبَلُ الحَبَلَةِ أنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. متفق عليه (٢).
٥ - بيع المضامين: وهو بيع ما في أصلاب الإناث من الأجنة.
٦ - بيع الملاقيح: وهو بيع ما في أصلاب الفحول.
وبيع المضامين والملاقيح باطل؛ لأنه بيع معدوم ومجهول وغرر، وغير مقدور على تسليمه.
٧ - بيع عَسْب الفحل: وهو بيع ضراب الذكر من كل حيوان فرساً أو جملاً أو تيساً أو غير ذلك.
فأخذ الأجرة على ضراب هذه الفحول محرم لا يجوز؛ لما فيه من الغرر،
стр. 1934
لأنه غير معلوم وغير مقدور على تسليمه، فقد تلقح منه الأنثى وقد لا تلقح.
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ. أخرجه البخاري (١).
٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الجَمَلِ. أخرجه مسلم (٢).
- حكم إعارة عَسْب الفحل:
إعارة عسب الفحل وإطراقه للناس جائزة بدون عوض، فإن أكرمه المستعير بشيء جاز له قبول كرامته.
١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ، لا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَطَؤُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ القَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ وَلا مَكْسُورَةُ القَرْنِ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا حَقُّهَا؟ قال: «إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى المَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ». أخرجه مسلم (٣).
٢ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلاً مِنْ كِلاَبٍ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ عَنْ عَسْب الفَحْلِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نُطْرِقُ الفَحْلَ فَنُكْرَمُ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي الكَرَامَةِ. أخرجه الترمذي (٤).
стр. 1935
٨ - بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وهي على وجهين:
١ - المخاضرة: هي بيع الثمار والحبوب قبل بدو صلاحها.
٢ - المعاومة: هي بيع الثمار سنين، بأن يبيع ثمر الشجر عامين أو أكثر في المستقبل.
وبيع المخاضرة والمعاومة كله باطل محرم؛ لأنه بيع غرر، والمعاومة بيع معدوم غير مقدور على تسليمه، وغير مملوك للعاقد.
وكلاهما بيع للثمرة قبل بدو صلاحها، وهو منهي عنه؛ لما فيه من الغرر.
١ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ. أخرجه البخاري (٢).
٣ - وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أرَأيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ». متفق عليه (٣).
٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ. أخرجه مسلم (٤).
стр. 1936
- حكم بيع الثمار:
بيع الثمار والحبوب بعد بدو صلاحها جائز مطلقاً، وأما بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والحبوب قبل اشتدادها فلا يجوز مطلقاً إلا في حالتين:
١ - أن يبيع الثمر مع الشجر، أو يبيع الثمر والحب مع الأرض.
٢ - أن يبيع الثمر والحب بشرط القطع في الحال.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهُ وَتَذْهَبَ عَنْهُ الآفَةُ». قَالَ: يَبْدُوَ صَلاحُهُ حُمْرَتُهُ وَصُفْرَتُهُ. متفق عليه (١).
٩ - بيع المجهول: وهو كل بيع اشتمل على جهالة فاحشة في المبيع، أو الثمن، أو المقدار، أو الأجل، وكل ما تعذر تسليمه كالسمك في البحر، والطير في الهواء، والسمن في اللبن.
وكأن يقول: بعتك ما في جيبي، أو بعتك ثوباً من دكاني، أو بعتك خمساً من قطيع الغنم، أو يقول: بعتك بما يبيع به الناس، أو بما يقوله فلان، أو يقول: بعتك الدار إذا قدم فلان، أو مات فلان، فكل هذا بيع باطل؛ لوجود الجهالة والغرر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. أخرجه مسلم (٢).
١٠ - بيع الثنيا: وهي استثناء المجهول في البيع.
كأن يبيع طعاماً أو ثياباً ويستثني بعضها بلا تحديد، فهذا البيع باطل لا يجوز؛
стр. 1937
لما فيه من الجهالة والغرر، وأكل أموال الناس بالباطل.
فإن كان الاستثناء معلوماً صح البيع، كأن يبيع الثياب ويستثني قميصاً معلوماً، أو يبيع أشجاراً ويستثني شجرة معلومة، فهذا البيع جائز؛ لانتفاء الجهالة والغرر.
عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ وَالمُعَاوَمَةِ وَالمُخَابَرَةِ. قَالَ: أَحَدُهُمَا بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ المُعَاوَمَةُ، وَعَنِ الثُّنْيَا وَرَخَّصَ فِي العَرَايَا. متفق عليه (١).
١١ - بيع ما ليس عنده: وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، مثل أن يبيع ما لا يملك، أو يبيع سلعة قبل أن يقبضها، أو يبيع العبد الآبق، أو الجمل الشارد ونحو ذلك مما لا يقدر على تسليمه، فهذا كله بيع باطل لا يصح؛ لما فيه من الجهالة والغرر والضرر، ولما يسببه من الخصومة والنزاع.
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي مِنَ البَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي أَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ ثمَّ أَبيعُهُ. قَالَ: «لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ». أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
- مفاسد الغرر والميسر:
١ - الغرر: هو كل ما طوي عن الإنسان علمه، وخفي عليه باطنه من معدوم، أو مجهول، أو معجوز عنه، أو غير مقدور على تسليمه كما سبق.
٢ - الميسر: هو القمار: وهو المال الذي يحصل عليه الإنسان بلا جهد، وقد
حرمه الله ورسوله، وهو من عمل الشيطان، ويسمى القمار.
стр. 1938
والقمار مؤسَّس لجلب الأموال من حلال أو حرام .. وقائم على أكل أموال الناس بالباطل .. واستنزاف الأموال بطرق ماكرة، وحيل ملتوية.
سبب ثراء قوم بلا جهد .. وفقر آخرين بالباطل .. وأفقر بيوتاً تجارية كبرى.
ومن أنواعه: اللعب بالنرد والشطرنج على عوض، والتأمين على النفس، والرخصة، والسيارة، والبضاعة ونحو ذلك، وجوائز السحب في المحلات التجارية، وكل ذلك محرم؛ لما فيه من الغرر، والمفاسد العظيمة.
وبيوع الغرر والميسر تجر مفسدتين كبيرتين:
الأولى: أكل أموال الناس بالباطل، فأحد الطرفين إما غارم بلا غُنْم، أو غانم بلا غُرْم؛ لأنها رهان ومقامرة، وذلك محرم ومدمر.
الثانية: وقوع العداوة والبغضاء بين المتبايعين، ثم حصول التناحر؛ لأن أحدهما غانم، والآخر غارم، وهذا كله محرم، ومن عمل الشيطان.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
стр. 1939
٢ - البيوع المحرمة بسبب الربا
١ - بيع العينة:
وهو أن يبيعه سلعة إلى أجل، ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها نقداً.
فاجتمع فيه بيعتان في بيعة، وهذا البيع حرام وباطل؛ لأنه ذريعة إلى الربا، ولأنه حيلة ظاهرة، فإن اشتراها البائع بعد قبض ثمنها، أو بعد تغير صفتها، أو من غير مشتريها، جاز البيع.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذا تَبَايَعْتُمْ بالعِينَةِ وَأَخَذتُمْ أَذنَابَ البَقَرِ وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ». أخرجه أبو داود (١).
- أنواع بيع العينة:
من أنواع بيع العينة ما يلي:
١ - أن يحتاج رجل سيارة، فيقول للتاجر أنا أحتاج تلك السيارة في معرض فلان، فيذهب التاجر إليه، ويشتريها بعشرين ألفاً نقداً، ثم يبيعها عليه بثلاثين ألفاً مؤجلة، ثم يشتريها التاجر منه بعشرين ألفاً نقداً.
فهذه حيلة ظاهرة على أكل الربا.
٢ - أن يحتاج فقير إلى ألف ريال، فيأتي إلى التاجر، ثم يذهب التاجر إلى صاحب دكان ويشتري منه أكياس أرز بألف ريال مثلاً، ثم يبيعها على الفقير وهي في مكانها بألف وثلاثمائة ريال مؤجلة، ولم يقبضها هذا ولا هذا، ثم
стр. 1940
يبيعها الفقير على صاحب الدكان بأقل مما اشتراها منه التاجر، أو هو من التاجر.
فيؤكل الفقير من جهتين:
من جانب التاجر الأول، ومن صاحب الدكان، وهذه حيلة ثلاثية ماكرة كادهم بها الشيطان.
٣ - أن يقوم شخص ببناء بيت لفقير، فيكلفه مائة ألف، ثم يبدأ يقبض من صاحب البيت مائة وثلاثين ألف مؤجلة، فهذه كلها حيل باطلة محرمة.
وكلما احتال الإنسان على محرم لم يزدد إلا خبثاً، فالمحرم خبيث، فإذا احتلت عليه صار أخبث؛ لأنه جمع بين حقيقة المحرم، وبين خداع الرب ، وكلما احتال صارت الزيادة عليه أكثر.
٢ - بيع المزابنة:
هو بيع كل شيء من الجزاف الذي لا يُعلم كيله ولا وزنه ولا عدده بشيء من الكيل أو الوزن أو العدد، ظناً وتقديراً.
كأن يقدر الرطب على النخل بألف كيلو، ثم يبيعه بقدره من التمر، وهذا البيع باطل ومحرم؛ لأنه ربا، فهو بيع مكيل بمكيل، أو موزون بموزون، أو معدود بمعدود، مع التفاضل وعدم المساواة.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنَةِ: أنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلاً بِتَمْرٍ كَيْلا، وَإِنْ كَانَ كَرْماً أنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلا، وَإِنْ كَانَ زَرْعاً، أنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. متفق عليه (١).
стр. 1941
- حكم بيع العرايا:
العرايا: هي بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض.
والعرايا جزء من المزابنة، إلا أنه رُخِّص فيها بالشيء اليسير للحاجة، كحاجة صاحب الحائط إلى البيع، أو حاجة المشتري إلى الرطب.
١ - عَنْ سَهْل بن أَبِي حَثْمَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ: «ذَلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ المُزَابَنَةُ». إِلا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرِيَّةِ النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْراً، يَأْكُلُونَهَا رُطَباً. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ. متفق عليه (٢).
٣ - بيع المحاقلة:
هو بيع حب في سنبله بحب صاف بالظن والتقدير، كأن يبيع حنطة في سنبلها بحنطة صافية مثلاً، وهذا البيع باطل، لأنه ربا، فهو بيع مكيل بمكيل من جنسه، مع عدم التساوي، فلا يجوز خرصاً.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ وَالمُخَابَرَةِ وَأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ -وَالإِشْقَاهُ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَىْءٌ- وَالمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ وَالمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ وَالمُخَابَرَةُ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَأَشْبَاهُ
стр. 1942
ذَلِكَ. متفق عليه (١).
٤ - بيع اللحم بالحيوان:
فلا يجوز بيع اللحم بالحيوان؛ لما فيه من التفاضل، ولما فيه من الغرر، ولما فيه من المزابنة، ولما فيه من الربا.
وكذلك لا يجوز بيع اللحم باللحم متفاضلاً من جنس واحد.
٥ - بيع الأشياء بجنسها مع التفاضل، أو بغير جنسها نسيئة:
كالبر مع زيادة أحدهما، أو الذهب بالفضة نسيئة، فهذا كله ربا محرم.
١ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الذّهَبُ بِالذّهَبِ، وَالفِضّةُ بِالفِضّةِ، وَالبُرّ بِالبُرّ، وَالشّعِيرُ بِالشّعِيرِ، وَالتّمْرُ بِالتّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ». أخرجه مسلم (٢).
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الدّينَارُ بِالدّينَارِ لاَ فَضْلَ بَيْنَهُمَا، وَالدّرْهَمُ بِالدّرْهَمِ لاَ فَضْلَ بَيْنَهُمَا». أخرجه مسلم (٣).
٦ - بيع الدين بالدين:
كأن يشتري الرجل شيئاً إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول لصاحب الدين: بعنيه إلى أجل آخَر بزيادة مائة مثلاً، فيبيعه.
وهذا البيع باطل ومحرم؛ لأنه ربا مضاعف.
стр. 1943
- حكم بيع الدين على الغير:
الأصل عدم جواز بيع الدين في الصرف؛ لأنه يؤدي إلى الربا، وأما في غير الصرف والسلم فبيع الدين على المدين نفسه جائز؛ لحصول القبض من قبل، وأن يبيعه بسعر وقته.
وإن باعه على غير المدين، فإن كان بثمن عين فيجوز إن كان الدين مستقراً، والمدين ملياً، ومقراً به؛ لعدم الغرر والضرر، وإمكان التسليم والقبض.
وأما بيع الدين لغير المدين بالدين، فإنه لا يجوز غالباً؛ لما فيه من الجهالة والغرر، وعدم القدرة على التسليم.
٧ - بيع بيعتين في بيعة:
وصورته: أن يقول بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة، ونسيئة بخمسة عشر، ثم يفترقان وهو لم يختر أحدهما، أو يبيعه السلعة بمائة مؤجلة، ثم يشتريها منه بثمانين حالة.
فهذه صورة البيعتان في بيعة.
فهذا البيع باطل؛ لما فيه من الربا، وحيلة الربا، والجهالة والغرر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. أخرجه أحمد والترمذي (١).
- بيع التقسيط:
بيع التقسيط: هو أن يبيعه سلعة حاضرة بثمن مؤجل يدفعه المشتري على دفعات معلومة المقدار والوقت.
стр. 1944
- حكم بيع التقسيط:
١ - بيع التقسيط صورة من بيع النسيئة، وهو عقد جائز.
فبيع النسيئة مؤجل لأجل واحد، وبيع التقسيط مؤجل لآجال متعددة.
٢ - تجوز الزيادة في ثمن السلعة لأجل التأجيل أو التقسيط، كأن يبيعه سلعة قيمتها مائة حالَّة بمائة وعشرين مؤجلة لأجل واحد، أو آجال محددة، بشرط ألا تكون الزيادة فاحشة، أو يستغل حاجة المضطرين.
٣ - البيع إلى أجل، أو بالتقسيط، يكون مستحباً إذا قصد به الرفق بالمشتري، والإحسان إليه، وبذلك يثاب فيه البائع على إحسانه، إذا لم يزد في الثمن من أجْل الأجَل.
ويكون مباحاً إذا قصد به الربح والمعاوضة، فيزيد في الثمن لأجْل الأجَل، ليسدد له المشتري بالتقسيط المؤجل.
٤ - لا يجوز للبائع أن يأخذ من المشتري زيادة على الدين إذا تأخر في دفع الأقساط؛ لأن ذلك ربا محرم، لكن له رهن المبيع حتى يستوفي دينه من المشتري.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ» زَادَ أَحْمَدُ: إِلاَّ صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً، وَزَادَ سُلَيْمَانُ ابْنُ دَاوُدَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». أخرجه أبو داود (١).
стр. 1945
٣ - البيوع المحرمة بسبب الضرر والخداع
١ - بيع النجش:
وهو أن يزيد الإنسان في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، بل ليوقع غيره فيها، أو يمدح المبيع بما ليس فيه ليروِّجه.
ويقع ذلك غالباً بمواطأة مع البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك أحياناً بغير علم البائع فيأثم الناجش وحده.
وبيع النجش باطل وحرام؛ لما فيه من خديعة المسلم، وأكل المال بالباطل.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجْشِ. متفق عليه (١).
٢ - بيع الرجل على بيع أخيه:
وهو أن يقول الإنسان لمن اشترى سلعة في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله أو أجود منه بأرخص من ثمنه.
أو يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن، أو يسوم بأكثر بعد استقرار البيع.
وهذا البيع والشراء باطل وحرام؛ لما فيه من الضرر والإفساد على المسلم، ولما يسببه من التدابر والتحاسد.
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أخِيهِ، وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ، إِلا أنْ يَأْذَنَ لَهُ». متفق عليه (٢).
стр. 1946
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَسُمِ المُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ». متفق عليه (١).
٣ - بيع الصفقة:
هو البيع المشتمل على حلال وحرام، أو معلوم ومجهول، أو مملوك وغير مملوك، أو صحيح وفاسد، أو طيب وخبيث.
وهذا البيع باطل ومحرم؛ لما فيه من الضرر والخداع، وأكل أموال الناس بالباطل.
٤ - بيع الاحتكار:
وهو أن يشتري ما يحتاجه الناس كالطعام في وقت الغلاء للتجارة، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه أكثر ثم يبيعه، فهذا الاحتكار محرم؛ دفعاً للضرر عن الناس.
عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْداللهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَحْتَكِرُ إلاّ خَاطِىءٌ». أخرجه مسلم (٢).
٥ - بيع تَلَقِّي الجَلَب أو الركبان أو السلع:
وهو أن يقوم بعض الناس بالخروج لتَلَقِّي السلع قبل ورودها إلى السوق، وقبل أن يعرف أصحابها الأسعار، فيخبروهم أن السعر ساقط، والسوق كاسدة، فيخدعونهم ويشترون بضاعتهم بأقل مما تستحق.
وهذا البيع باطل ومحرم؛ لما فيه من الضرر والخداع لأصحاب السلع.
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ
стр. 1947
عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ». متفق عليه (١).
٦ - بيع الحاضر للباد:
هو أن يخرج السمسار -وهو متولي البيع والشراء لغيره- إلى جالب السلعة، ويقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر، فيضر بالناس، ويستغل حاجتهم.
وهذا البيع محرم وباطل؛ للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، ولما فيه من الإضرار بالمسلمين.
١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ». أخرجه مسلم (٢).
٢ - وعَنْ طَاوس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قالَ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: «لا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قال: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً. متفق عليه (٣).
٧ - بيع فضل الماء:
وهو أن يكون للإنسان بئر في الفلاة، وفيها ماء فاضل عن حاجته، فيمنعه من احتاج إليه من الناس والمواشي إلا بعوض، ولا يكون هناك سوى هذه البئر، أو يمنع الناس من ماء العين أو النهر من الشرب إلا بعوض.
فهذا البيع محرم؛ لما فيه من الضرر على الناس والمواشي.
١ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللهُ
стр. 1948
إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لا يُبَايِعُهُ إِلا لِدُنْيَا، فَإِنْ أعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ فَقال: وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ أعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ». ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. متفق عليه (١).
٨ - بيع الغش والمكر والكذب:
وهذا النوع يكون بالقول والفعل، وله صور كثيرة:
١ - إخفاء العيب عن الناس:
بوضع الجيد في الأعلى والرديء في الأسفل، وطلاء الأثاث والآلات القديمة لتظهر أنها حديثة، وتغيير عدّاد السيارة ليظهر أنها قليلة الاستعمال، وبيع المصراة بحبس لبنها في ضرعها ليوهم المشتري أنها غزيرة اللبن ونحو ذلك.
وكل هذا البيع باطل ومحرم؛ لأنه غش وخداع وإضرار بالناس.
١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أصَابِعُهُ بَلَلا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قال: أصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ! قال: «أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». أخرجه مسلم (٢).
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا
يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تُصَرُّوا
стр. 1949
الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ رَضِيَهَا أمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ». متفق عليه (١).
٢ - كتمان الحقيقة والكذب:
كأن يمدح السلعة بما ليس فيها، ويكتم البائع ما فيها من عيب، كتصدع في جدران المنزل، وكسر في محرك الآلة، ومرض في الدابة المباعة ونحو ذلك.
وكل ذلك محرم؛ لما فيه من الغش والكذب.
أو يمدح السلعة بما ليس فيها ليغري الناس بشرائها، كأن يقول: هذه السيارة أو الدار تساوي أكثر، أو لا مثيل لهذه البضاعة في السوق، أو دُفِع لي بها أكثر فلم أقبل ونحو ذلك من المغريات الكاذبة.
وكل ذلك محرم؛ لما فيه من الكذب والغش وأكل أموال الناس بالباطل.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
٩ - بيع الإكراه والاضطرار:
كأن يهدده شخص بقتله، أو قطع أحد أعضائه، أو ضربه إذا لم يفعل ما يطلبه منه، أو يضطر إلى البيع لتهريب أمواله من وجه ظالم يريد أخذها، أو يكتب عقداً ويتظاهر بالبيع كذباً من غير نية.
فهذا البيع كله باطل لا يصح؛ لوجود الإكراه، وفقد التراضي والكذب، وهو
محرم.
стр. 1950
أما الإكراه بحق فجائز كما لو أكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة:١٨٨].
٥ - البيوع المحرمة لغيرها
١ - البيع عند أذان الجمعة الثاني:
يحرم على من تلزمه الجمعة البيع والشراء عند أذان الجمعة الثاني؛ لما في ذلك من التشاغل عن الخطبة والصلاة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة:٩ - ١٠].
٢ - البيع في المسجد:
يحرم البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد، وكل أمر لم تُبْن له المساجد؛ لأنها بيوت الله، بنيت لعبادته، وتعلم شرعه، ولم تبن للبيع والشراء وما يلهي.
١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لاَ رَدَّ اللهُ عَلَيْكَ». أخرجه الترمذي والنسائي في الكبرى (١).
٢ - وَعَنْ عَبدِاللهِ بْنِ عَمْرو ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ فِي المَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ، وَنَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ قَبْلَ
стр. 1957
الصَّلاَةِ. أخرجه أبو داود والترمذي (١).
٣ - بيع السلاح في الفتنة:
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢].
٤ - بيع العصير ممن يتخذه خمراً:
بيع السلاح في فتنة بين المسلمين محرم؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، وزيادة ضرر الفتنة.
وبيع العصير ممن يتخذه خمراً يحرم؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، وغش المسلم، وكذلك أواني الخمر.
وكل بيع أعان على معصية الله فهو باطل ومحرم؛ لأن فيه تعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عن ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢].
٥ - بيع المصحف للكافر:
لا يجوز بيع ولا إهداء المصحف للكافر؛ خشية إهانته له، وانتهاكه لحرمته.
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَر َرَضيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إِلَى أرْضِ العَدُوِّ. متفق عليه (٢).
стр. 1958
٤ - البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي شرعي
١ - بيع الربا:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ آكِلَ الرّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ». أخرجه مسلم (١).
٢ - البيع بثمن محرم:
لا يجوز ولا يصح البيع بثمن محرم كالخمر والخنزير ونحوهما.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكّةَ: «إنّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ». متفق عليه (٢).
وغير ذلك مما سبق من البيوع المحرمة.
- حكم القات:
القات شجرة من الأشجار المتوسطة، تمضغ أوراقها اللينة التي في أطرافها، فتسبب الفتور أحياناً، والنشاط أحياناً.
وفي أكلها إضاعة للأوقات التي هي أهم رأس مال المسلم، وإضاعة الأموال فيما لا نفع فيه، وتعطيل المسلم عن أداء الصلوات في أوقاتها، وإهدار للطاقات والأوقات والأموال، وذلك كله من التبذير الذي نهى الله ورسوله عنه.
стр. 1959
لهذا يحرم على المسلم إضاعة أمواله وأوقاته في تعاطيها.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف:٣١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧].
- حكم التجارة في الأجهزة المحرمة:
أجهزة التلفزيون ونحوها يعرض فيها الخير والشر، وأغلب ما تنقله للناس كله شر، وكل ما يغلب شره خيره فحرام على المسلم بيعه وشراؤه واقتناؤه، والنظر إليه، ولا ينخدع المسلم بما فيه من الخير؛ فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، كيف وقد تضاعفت آثاره السيئة على الدين والأخلاق، وعلى الرجال والنساء والأولاد، ولا ينكر ذلك إلا مكابر معاند، مريض القلب والعقل، بل فاقد الإحساس والمروءة والغيرة.
فعلى من يملك أجهزة التلفزيون والفيديو إتلافها والتوبة إلى الله؛ ولا يبيعها على الناس، لما في ذلك من غش المسلم، وإفساد الناس.
١ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أصَابِعُهُ بَلَلا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قال: أصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ! قال: «أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ
فَلَيْسَ مِنِّي». أخرجه مسلم (٢).
стр. 1960
أحكام البيع
- حكم التسعير:
التسعير: هو وضع ثمن محدد للسلع.
والتسعير نوعان:
الأول: تسعير جائز: وهو أن يسعِّر التاجر معروضاته؛ ليسهل على المشتري معرفة القيمة بسهولة.
فهذا جائز إذا سعَّرها بربح يسير ينفع البائع، ولا يرهق المشتري.
الثاني: التسعير من الحاكم، وهذا له حكمان:
١ - تسعير محرم: وهو الذي يتضمن ظلم الناس، وإكراههم بغير حق، ومنعهم مما أباح الله لهم.
وهذا التسعير محرم؛ لأنه يؤدي إلى اختفاء السلع، وذلك يؤدي إلى ارتفاع أسعارها، وارتفاع الأسعار يضر بالأغنياء والفقراء، ويسبب الضيق والجرائم.
٢ - تسعير جائز: وهو الذي لا يُظلم فيه البائع، ولا يُرهَق فيه المشتري، فيرخَّص فيه عند الحاجة فقط كأن يمتنع أصحاب السلع من بيعها إلا بزيادة فاحشة، مع حاجة الناس إليها، أو عند الكوارث والنكبات، فتضطرب الأسعار، ويتضرر الناس.
فهنا يجب على الحاكم التسعير بالمثل، صيانة لحقوق الناس، ومنعاً للاحتكار، ودفعاً لجشع التجار.
стр. 1961
١ - قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢].
٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ غَلاَ السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ القَابضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
- أسباب الغلاء والرُّخْص:
الغلاء: هو ارتفاع أسعار السلع، والرخص: انخفاضها. وكل ذلك من جملة الحوادث التي لا خالق لها إلا الله، ولا يكون منها شيء إلا بمشيئة الله، لكن الله قد جعل بعض أفعال العباد سبباً في بعض الحوادث.
فارتفاع الأسعار قد يكون ابتلاءً .. وقد يكون بسبب ظلم بعض العباد .. وقد يكون بسبب كثرة المعاصي.
كما أن انخفاض الأسعار قد يكون ابتلاءً .. وقد يكون بسبب طاعات العباد .. وقد يكون بسبب إحسان بعض الناس.
وقد يكون الغلاء والرخص بسبب قلة أو كثرة الأموال والأشياء .. وقد يكون بسبب الرغبة في الشيء أو عدم الرغبة.
فإذا زادت الرغبة في شيء، وقَلَّ المرغوب فيه، ارتفع سعره، وإذا كثر وقَلَّت الرغبة فيه انخفض سعره.
ولله في ذلك حِكَم ومنافع للعباد تعجز العقول عن إدراكها.
стр. 1962
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف:٩٦].
- حكم الاحتكار:
الاحتكار: هو شراء السلع التي يحتاجها الناس، وحبسها لتقل بين الناس، فإذا تضاعف سعرها باعها.
والاحتكار محرم؛ لما فيه من الجشع والطمع، والتضييق على الناس في حاجاتهم، والتحكم في أرزاقهم بغير حق.
عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ أنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَحْتَكِرُ إلاّ خَاطِىءٌ». أخرجه مسلم (١).
- حكم المزايدة:
عقد المزايدة: هو عقد معاوضة يُدعى الناس للمشاركة فيه، ثم تباع السلع بأعلى سعر وصلت إليه برضا البائع.
وبيع المزايد جائز بشروط البيع المعلومة، سواء كان المالك فرداً، أو جهة حكومية، أو شركة معتبرة.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أنَّ رَجُلاً أعْتَقَ غُلاماً لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ، فَأخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقال: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي». فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِاللهِ بِكَذَا وَكَذَا، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. متفق عليه (٢).
стр. 1963
- حكم بيع التورق:
التورق: هو أن يحتاج الإنسان إلى نقد، ولا يجد من يقرضه، فيشتري سلعة إلى أجل، ثم يبيعها نقداً على غير بائعها، ثم ينتفع بثمنها.
وبيع التورق يجوز بثلاثة شروط:
الأول: أن يتعذر عليه الحصول على المال بطريق مباح كالقرض أو السلم.
الثاني: أن يكون محتاجاً للمال حاجة ماسة.
الثالث: أن تكون السلعة عند البائع.
- حكم الإقالة:
الإقالة: هي فسخ العقد ورجوع كل من المتعاقدين بما كان له.
وتجوز الإقالة للنادم من بائع ومشتر، بعوض وبدون عوض، وهي مستحبة في حق المُقيل، مباحة في حق المستقيل.
وتشرع إذا ندم أحد الطرفين، أو زالت حاجته، أو لم يقدر على الثمن ونحو ذلك.
والإقالة مستحبة، وهي من معروف المسلم على أخيه عند الحاجة إليها.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً أَقَالَهُ اللهُ عَثرَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
- حكم بيع المرابحة:
بيع المرابحة: هو أن يشتري الإنسان سلعة بمائة مثلاً، ثم يقول للمشتري: أنا
اشتريتها بمائة فكم تربحني؟ أو من يربحني فيها خمسة أو أقل أو أكثر.
стр. 1964
فهذا البيع جائز وينفذ إذا صدق البائع، وحصل التراضي.
- حكم بيع الميتة:
الميت: كل من فارق الحياة من إنسان أو حيوان.
والميت من الحيوان: من مات حنف نفسه، أو بغير ذكاة شرعية.
١ - ميتة الحيوان نوعان:
١ - ميتة البحر: كالسمك والحوت وغيرهما مما في البحر.
فهذه يجوز أكلها وبيعها وشراؤها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بمَاءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
٢ - ميتة البر: كالدواب والحيوانات والطيور وغيرها.
فهذه لا يجوز بيع الميت منها، سواء كانت محنطة أو غير محنطة.
ويستثنى من ميتة البر الجراد، فيجوز أكله وبيعه وشراؤه.
٢ - ميتة الإنسان:
ميتة الآدمي سواء كان مسلماً أم كافراً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، وكذلك أعضاؤه؛ لأن الإنسان كله ملك لله ، وقد خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكرمه على غيره.
ولذلك إذا مات الإنسان، يُدفن المسلم في القبر، ويوارى الكافر بالتراب؛
стр. 1965
تكريماً لجثته.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء:٧٠].
- حكم بيع أعضاء الإنسان:
١ - لا يجوز بيع العضو أو الجزء من الإنسان قبل الموت أو بعده، وإذا لم يحصل عليه المضطر إلا بثمن جاز الدفع للضرورة، وحَرُم على الآخذ.
وإن وهب العضو أو الجزء بعد الموت لأي مضطر، وأُعطي مكافأة عليها قبل الموت جاز له أخذها.
ولا يجوز للإنسان حال الحياة أن يبيع أو يهب عضواً من أعضائه لغيره؛ لما في ذلك من إفساد البدن، وتعطيله عن القيام بما فرض الله عليه، وتصرفه في ملك الغير بغير إذنه.
- حكم بيع الدم:
لا يجوز بيع الدم لعلاج ولا غيره، ويستحب للإنسان إسعاف أخيه بالدم إن احتاج إليه.
وإن احتاج المريض للدم، ولم يتمكن من الحصول عليه إلا بثمن، جاز له أخذه بثمن، وحَرُم أخذ العوض على من باعه.
أما دم الحيوان فكله نجس لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به، ويُغتفر لليسير منه كالدم الباقي في الذبيحة بعد تذكيتها.
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ﴾ [المائدة:٣].