وتستحب الحجامة بعد أيام البيض؛ لما فيها من الرفق بالبدن، لأن الدم يسكن بعد فَوَرانه في أيام البيض.
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأعْطَى الحَجَّامَ أجره. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ رَافِع بن خَدِيجٍ ﵁ أنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَمَنُ الكَلبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ». أخرجه مسلم (٢).
- حكم التأجير بالنسبة:
١ - مَنْ ملك سيارة وأجّرها على غيره بنصف الدخل الذي يأتي منها، فيجوز ذلك كالمضاربة، فمن الأول العين، ومن الثاني العمل، والربح بينهما حسب الاتفاق.
٢ - إذا أعطى صاحب المحل التجاري، أو المصنع، أو المزرعة، غيره ليتقبله ويعطيه كل شهر ثلاثة آلاف مثلاً، وما زاد فهو له، فهذا النوع من الإجارة محرم؛ لما فيه من الجهالة والغرر، فإن اتفقا على نسبة من الربح كالربع مثلاً صح.
٣ - إذا تعطلت بعض منافع العين المؤجرة كالمزرعة والدار، سقط من الأجرة بقدر ما تعطل من المنفعة المستحَقَّة بالعقد.
٤ - يجوز استئجار الأجير بنسبة معلومة من عمله، كما لو استأجره على طحن كيس قمح بعشرة مثلاً.
стр. 2067
- حكم عقد الصيانة:
عقد الصيانة: هو عقد معاوضة مستقل، يلتزم فيه الإنسان أو الشركة بصيانة وإصلاح ما تحتاجه آلة أو غيرها لمدة معلومة، بعوض معلوم، وقد يلتزم فيه الصائن بالعمل وحده، أو بالعمل وقطع الصيانة، فإن كان العقد غير مقترن بعقد آخر فهو عقد إجارة جائز.
وإن كانت الصيانة مشروطة على البائع في عقد البيع لمدة معلومة. فهذا عقد اجتمع فيه بيع وشرط وهو جائز.
وإن كانت الصيانة مشروطة في عقد الإجارة على أحد الطرفين، فإن توقفت على استيفاء المنفعة فهي على مالك العين المؤجرة، وما لا يتوقف عليه استيفاء المنفعة يجوز اشتراطه على المؤجر والمستأجر.
ويشترط في جميع الصور تعيين الصيانة، وتبيين المواد إذا كانت على الصائن، وتحديد الأجرة؛ لقطع النزاع، ودفع الجهالة.
стр. 2068
١٢ - الجعالة
- الجعالة: هي جَعْل مال معلوم لمن يعمل له عملاً مباحاً.
مثل أن يقول: من رد ضالتي فله مائة ريال، أو من بنى هذا الجدار فله خمسون ريالاً.
والجعالة التزام من جانب واحد، فهي عقد جائز.
- حكمة مشروعية الجعالة:
قد يفقد الإنسان ماله أو دابته أو سيارته، ويكون عاجزاً عن معرفة مكانها، أو البحث عنها، فأباح الشرع له أن يبذل شيئاً من المال لمن يرد عليه ضالته، أو يقضي له حاجته.
- حكم الجعالة:
الجعالة من العقود الجائزة التي يجوز لأحد المتعاقدين فسخها، ويجوز أن تكون على عمل معلوم كبناء حائط، أو مجهول كحفر بئر ماء ونحو ذلك، وتجوز في مدة معلومة، أو مجهولة.
١ - قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف:٧٢].
٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَل مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْرَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلاً، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعاً مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ،
стр. 2069
وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ». متفق عليه (١).
- الفرق بين الجعالة والإجارة:
الجعالة تشبه الإجارة في بذل المال، وحصول المنفعة.
وتختلف الجعالة عن الإجارة في أمور:
١ - تصح الجعالة مع معين وغير معين، ولا تصح الإجارة إلا مع شخص أو جهة معينة.
٢ - تصح الجعالة على عمل معلوم أو مجهول، ولا تصح الإجارة إلا على عمل معلوم.
٣ - لا يشترط في الجعالة قبول العامل، أما الإجارة فلا بد فيها من إيجاب المؤجر، وقبول المستأجر.
٤ - الجعالة عقد جائز غير لازم، أما الإجارة فهي عقد لازم لا تفسخ إلا برضا الطرفين.
٥ - الجُعْل يُستحق في الجعالة بعد تمام العمل، أما الإجارة فيجوز تعجيل الأجرة وتأجيلها حسب الاتفاق.
٦ - الجعالة أوسع من الإجارة؛ لأنها تجوز على أعمال القرب، بخلاف الإجارة فلا تجوز.
стр. 2070
- شروط الجعالة:
يشترط في الجعالة ما يلي:
١ - أن يكون الجاعل أهلاً للتصرف غير محجور عليه.
٢ - أن يكون الجُعْل معلوماً.
٣ - أن يكون الجُعْل حلالاً، فلا يصح الجُعْل بخمر، أو مسروق، أو مغصوب.
٤ - أن تكون المنفعة معلومة كحفر، أو بناء، أو خياطة، أو نقل ونحو ذلك.
- حكم من بذل منفعة:
١ - من بذل منفعة من غير جُعْل، كمن رد لقطة، أو ضالة أو نحوهما لم يستحق عوضاً، ويستحب إكرامه بما يعطى مثله.
٢ - من استنقذ مال غيره من هلكة، ورده إلى صاحبه، استحق أجرة المثل، ولو بغير شرط.
- صفة الجعالة:
أن يقول الإنسان مثلاً: من بنى لي هذا الجدار، أو خاط هذا الثوب، أو رد هذا الفرس، أو نقل هذا الأثاث، فله مائة ريال.
فإذا قام بهذا العمل أحد من الناس استحق الجُعْل.
- حكم فسخ الجعالة:
الجعالة عقد جائز، فيجوز لكل من الطرفين فسخها، فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئاً، وإن كان الفسخ من الجاعل: فإن كان الفسخ قبل الشروع في العمل لم يستحق العامل شيئاًَ، وإن كان الفسخ بعد الشروع في العمل فللعامل أجرة ما عمل.
стр. 2071
- حكم اختلاف المالك والعامل:
إذا اختلف المالك والعامل في أصل الجُعْل، ولم تكن بينة، فيصدَّق المنكر مع يمينه، كأن يقول العامل: شرطتَ لي جُعلاً، فينكر المالك، فيصدَّق المالك مع يمينه؛ لأن الأصل عدم اشتراط الجُعْل، وإن اختلفا في نوع العمل كرد الجمل الضائع، أو المتاع الضائع، أو اختلفا فيمن قام بالعمل، فيصدَّق صاحب العمل مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العمل، وإن اختلفا في رد الضال، فيصدَّق المالك؛ لأن الأصل عدم الرد، وإن اختلفا في قدر الجُعْل، أو قدر المسافة، فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الزائد، أو يتحالفان فينفسخ العقد، وتجب أجرة المثل.
стр. 2072
١٣ - الوديعة
- الوديعة: هي المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض كأن يودع عند غيره ساعة، أو سيارة، أو نقوداً.
- حكمة مشروعية الوديعة:
قد تطرأ على الإنسان أحوال يكون فيها غير قادر على حفظ ماله: إما لفقد المكان، أو لعدم الإمكان لعجز، أو مرض، أو خوف، ويكون عند غيره القدرة على حفظ ماله.
لهذا أباح الله الوديعة لحفظ المال من جهة، وكسب الأجر من جهة المودَع، وحاجة الناس إلى ذلك.
- حكم الوديعة:
الوديعة عقد جائز، ولكل واحد من العاقدين فسخ الإيداع متى شاء.
وإن طلبها صاحبها وجب ردها إليه، وإن ردها المودَع لزم صاحبها قبولها، وهي من التعاون على البر والتقوى.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء:٥٨].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ
стр. 2073
يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة:٢٨٣].
- حكم قبول الوديعة:
يستحب قبول الوديعة لمن علم أنه قادر على حفظها؛ لما فيها من التعاون على البر والتقوى، وحصول الأجر والثواب في حفظها، وتكون من جائز التصرف لمثله، في مال معلوم يمكن استلامه.
- أركان الوديعة:
أركان الوديعة أربعة:
المودِع: وهو صاحب الوديعة .. والمستودَع: وهو حافظ الوديعة .. والوديعة: وهي الشيء المودع .. والصيغة: وهي الإيجاب والقبول من الطرفين حسب العرف.
- طريقة حفظ الوديعة:
يجب على من أُودع مالاً أن يحفظه في حرز مثله كما يحفظ ماله، كل مال بحسبه، وعليه أن يحفظ الوديعة بنفسه؛ لأن المالك رضي بيده لا بيد غيره، والأيدي تختلف في الأمانة، ولا يجوز حفظ الأمانة عند غير المودَع إلا بإذن من صاحب الوديعة إلا لعذر كأن يقع حريق في داره، فيسلِّمها إلى جاره.
فإن خالف الوديع طريق الحفظ فتلفت ضمن، إلا إذا كان الإيداع لعذر من مرض، أو سفر، أو خوف غرق فإنه لا يضمن.
- ضمان الوديعة:
الوديعة أمانة من الأمانات، والأمانة لا يضمنها المؤتمن عليها إلا بالتعدي عليها، أو التفريط فيها.
стр. 2074
والتعدي: فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب، والوديعة: أمانة محضة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولو شرط عليه الضمان فإنه لا يضمن، فإن تعدى أو فرط ضمن؛ لأن يده يد متعدية.
- حالات ضمان الوديعة:
يتغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان فيما يلي:
١ - ترك الوديع حفظ الوديعة.
٢ - إيداعها عند غيره بلا عذر ولا إذن.
٣ - استعمال الوديعة، أو التصرف فيها.
٤ - خلطها بغيرها خلطاً لا يتميز.
٥ - المخالفة في كيفية حفظ الوديعة.
٦ - نقلها إلى دون حرز مثلها.
- حكم رد الوديعة:
الوديعة أمانة عند المودَع، يجب ردها عندما يطلبها صاحبها، فإن لم يردها بعد طلب صاحبها من غير عذر فتلفت ضمنها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء:٥٨].
- الحكم إذا اختلف المودِع مع الوديع:
إذا اختلف المودِع مع الوديع فقال الوديع: تلفت الوديعة عندي، وأنكر المودِع، أو قال الوديع: رددتها إليك، فالقول قول الوديع مع يمينه؛ لأنه أمين في الحفظ.
стр. 2075
فإن أقام المودِع بينة على الإتلاف ضمن الوديع.
وإن أقام كل منهما بينة فبينة المودِع أولى؛ لأنها أكثر إثباتاً، لأن فيها إثبات الهلاك وزيادة وهو التعدي.
- حكم طلب الأجرة على الوديعة:
حفظ الوديعة قربة إلى الله ، فلا يأخذ عليها أجرة، إلا أن تكون مما يشغل منزله فله كراؤه، وإن احتاجت إلى غلق أو نقل فهو على صاحبها.
- انتهاء عقد الوديعة:
ينتهي عقد الإيداع بما يلي:
استرداد الوديعة أو ردها .. نقل ملكية الوديعة لغير المالك ببيع أو هبة .. الحجر على المودِع للسفه .. الحجر على الوديع للسفه .. موت المودِع أو الوديع أو جنونه.
стр. 2076
١٤ - العارية
- العارية: هي إباحة نفع عين بلا عوض؛ سميت بذلك لتعرِّيها عن العوض.
- حكمة مشروعية العارية:
قد يحتاج الإنسان إلى الانتفاع بعين من الأعيان، وهو لا يستطيع أن يتملكها، ولا يملك مالاً ليدفع أجرتها، وبعض الناس قد لا تقوى نفسه على الهدية أو الصدقة.
لهذا شرع الله العارية قضاءً لحاجة المستعير، مع حصول الأجر للمعير ببذل المنفعة لأخيه مع بقاء العين له.
- حكم العارية:
العارية عقد جائز، فيجوز لكل واحد من الطرفين فسخها، وهي قربة مستحبة؛ لما فيها من الإحسان، وقضاء الحاجات، وجلب المودة والمحبة.
وتنعقد بكل قول أو لفظ يدل عليها، وتتأكد مع استغناء المالك عنها، وحاجة الإنسان لها، وهي من التعاون على البر والتقوى.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢].
٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». أخرجه البخاري (١).
٣ - وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ فَزَعٌ بِالمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ
стр. 2077
فَرَساً مِنْ أَبِي طَلحَةَ، يُقَالُ لَهُ: المَنْدُوْبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: «مَا رَأيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً». متفق عليه (١).
- أركان العارية:
أركان العارية أربعة:
المعير: وهو صاحب العين .. والمستعير: وهو الذي ينتفع بالعين .. والعارية: وهي العين المعارة من دابة أو آلة .. والصيغة: وهي الإيجاب والقبول بين الطرفين حسب العرف.
- متى تجب العارية؟:
إذا كان المستعير مضطراً إلى العارية، ولم يكن في إعارتها ضرر على المعير، فيجب بذلها له، كما لو وُجد عريان في وقت برد شديد، ومالك الثوب غير محتاج إليه، فيجب إعارته للعريان؛ حفظاً له من الهلاك.
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون:٤ - ٧].
- شروط العارية:
يشترط لصحة العارية ما يلي:
١ - أن تكون العين منتفعاً بها مع بقائها.
٢ - أن يكون النفع مباحاً.
٣ - أن يكون المعير أهلاً للتبرع.
٤ - أن يكون المعير مالكاً لما يعيره، أو مأذوناً له فيه.
стр. 2078
٥ - أن يكون المستعير أهلاً للتصرف.
- ما تحرم إعارته:
تجوز إعارة كل عين يُنتفع بها مع بقائها كالدور، والآلات، والدواب ونحوها مما منفعته مباحة الاستعمال، فلا تجوز إعارة الأواني لشرب الخمر .. ولا الأجهزة لسماع الغناء .. ولا الدور للبغاء .. ولا الجواري للاستمتاع .. ولا المصحف للكافر .. ولا المحل لبيع المحرمات؛ لما في ذلك وغيره من التعاون على الإثم والعدوان.
- حفظ العارية:
يجب على المستعير حفظ العارية، والعناية بها، واستعمالها استعمالاً حسناً، وردها سليمة إلى صاحبها.
- ضمان العارية:
يجب على المستعير حفظ العارية، وحسن استعمالها.
وإذا تلفت العارية بيد المستعير ضمنها مطلقاً، سواء فرط أو لم يفرط؛ لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديه، والمستعير استعارها لمصلحته، ولأنها مال يجب رده لمالكه، فيضمن عند تلفه بقيمته يوم التلف، وهذا فيما لو تلفت بدون الاستعمال. أما إذا تلفت بالاستعمال المأذون فيه فلا ضمان إلا إن تعدى المستعير أو فرط.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء:٥٨].
٢ - وَعَنْ يَعْلَى ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذا أَتَتْكَ رُسُلِي
стр. 2079
فَأَعْطِهِمْ ثلاَثِينَ دِرْعاً وَثلاَثِينَ بَعِيراً» قَالَ: فَقُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَعَوَرٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ عَوَرٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: «بَل مُؤَدَّاةٌ». أخرجه أبو داود (١).
- الفرق بين العارية والوديعة:
١ - العارية مضمونة فرط المستعير أو لم يفرط، أما الوديعة فلا تضمن إلا إن تعدى أو فرط.
٢ - جاحد العارية كالسارق تقطع يده، أما الوديعة فلا.
٣ - العارية يأخذها الإنسان لحاجته فيضمنها، أما الوديعة فيأخذها الإنسان عنده قربة إلى الله فهو أمين لا ضمان عليه إلا إن تعدى أو فرط.
- حكم إعارة العارية:
يجوز للمستعير الانتفاع بالعارية بنفسه أو بمن يقوم مقامه، ولا يجوز له أن يؤجرها أو يعيرها إلا بإذن المالك، فإن أعارها بدون إذن المالك فتلفت عند الثاني ضمنها الثاني؛ لأنه قبضها على أنه ضامن لها، وتلفت في يده، فاستقر الضمان عليه، كالغاصب من الغاصب.
وللمالك مطالبة من شاء منهما ليعود إليه حقه.
- حكم الظَّفَر بالمال:
من له حق على غيره فله حالتان:
١ - إن كان سبب الحق ظاهراً كالنكاح، والنفقة، وحق الضيف، فهذا يجوز له الأخذ بالمعروف، وصاحب الحق يأخذ بقدر حقه، ويرد ما زاد عليه لصاحبه.
стр. 2080
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قالتْ هِنْدٌ أمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ أنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرّاً؟ قال: «خُذِي أنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالمَعْرُوفِ». متفق عليه (١).
٢ - إن كان سبب الحق خفياً، ويُنسب الآخذ إلى خيانة أمانته فلا يأخذ؛ لئلا يُعرِّض نفسه للتهمة والخيانة.
- حكم رد العارية:
المعير محسن إلى المستعير، فيجب على المستعير أن يرد العارية التي استعارها إذا قضى حاجته، وأن يردها سليمة كما استلمها، ولا يجوز له حبسها أو جحدها، فإن فعل فهو خائن آثم.
وللمعير أن يسترد العارية متى شاء ما لم يسبب ضرراً للمستعير، فإن كان في استردادها ضرراً بالمستعير أَجَّل قبضها حتى يزول الضرر كمن أعار أرضاً ثم زرعها المستعير، فليس للمعير استردادها حتى يحصدها المستعير.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء:٥٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال:٢٧].
- الحكم إذا اختلف المعير والمستعير:
١ - إذا اختلفا في أصل العقد كما إذا ادعى أحدهما الإعارة، وادعى الآخر الإجارة، ولم تكن بينة، فالقول قول المالك مع يمينه، لأن الأصل عدم الإذن
стр. 2081
بالانتفاع.
٢ - إن اختلفا في التلف، ولم تكن بينة، فيصدَّق المستعير مع يمينه؛ لأنه مؤتمن.
٣ - إن اختلفا في الرد، فادعى المستعير أنه ردها، وأنكر المعير ذلك، ولم تكن بينة، فيصدَّق المعير مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرد حتى يثبت، والمستعير مدّع، فعليه البينة، والمعير منكر، واليمين على من أنكر.
- انتهاء العارية:
ينتهي عقد العارية بما يلي:
١ - طلب المعير العارية.
٢ - رد المستعير العارية.
٣ - موت أحد العاقدين أو جنونه.
٤ - الحجر على المعير بسبب الإفلاس.
٥ - الحجر على أحد العاقدين بالسفه.
стр. 2082
١٥ - الشركة
- الشركة: هي اجتماع في استحقاق، أو تصرف بين اثنين فأكثر كأن يشترك اثنان في استحقاق مالي كالإرث والعطية، أو تصرف كالبيع والشراء.
- حكمة مشروعية الشركة:
يحتاج الإنسان إلى تنمية أمواله، وقد لا يستطيع الإنسان القيام بذلك إما لعدم قدرته، أو لعدم وجود رأس المال.
ولحاجة الأمة إلى المشاريع التي لا يستطيعها الإنسان بمفرده كالمشاريع الصناعية، والتجارية، والعمرانية، والزراعية ونحوها.
لهذا أباح الله الشركة لتمكين الناس من سد حاجتهم، وتنمية أموالهم، خاصة في المشاريع الكبرى التي يتعذر على الإنسان أن يقوم بها بمفرده.
والشركة سبب لحصول البركة، ونماء المال، إذا قامت على الصدق، والأمانة، والسماحة، والتراضي، والكسب الحلال.
- حكم الشركة:
الشركة عقد جائز، أباحها الله تيسيراً على العباد في تحصيل الأرزاق، وتصح مع المسلم وغيره، فتجوز مشاركة الكافر بشرط ألا ينفرد الكافر بالتصرف من دون المسلم، فيتعامل بما حرم الله كالربا والغش، والتجارة فيما حرم الله من خمر وخنزير، وصور وأصنام ونحو ذلك.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤].
стр. 2083
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢].
٣ - وَعَنِ السَّائِب ﵁ قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : كُنْتَ شَرِيكِي فِي الجَاهِلِيَّةِ فَكُنْتَ خَيْرَ شَرِيكٍ لاَ تُدَارِينِي وَلاَ تُمَارِينِي. أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
- أنواع الشركة:
تنقسم الشركة إلى قسمين:
الأول: شركة أملاك:
وهي أن يشترك اثنان فأكثر في استحقاق مالي كالاشتراك في تملك عقار، أو مصنع، أو سيارة ونحو ذلك.
وهذا القسم نوعان:
١ - شركة اختيار: وهي التي تنشأ بفعل الشريكين، مثل أن يشتريا شيئاً من عقار أو منقول، فيكون مشتركاً بينهما شركة ملك.
٢ - شركة جبر: وهي التي تثبت لشخصين فأكثر بغير فعلهما، كأن يرث اثنان شيئاً، فيكون الموروث مشتركاً بينهما شركة ملك.
وحكم هذه الشركة بنوعيها:
أن كل واحد من الشريكين كأنه أجنبي في نصيب صاحبه، فلا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه، فإن تصرف نفذ في نصيبه فقط، إلا أن يجيزه صاحبه فينفذ في الكل.
стр. 2084
الثاني: شركة عقود:
وهي اجتماع في التصرف كالاجتماع في البيع والشراء والتأجير ونحو ذلك.
وهذا القسم هو المراد هنا.
وفي شركة العقود ينفذ تصرف كل واحد من الشريكين بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه.
وتنقسم شركة العقود إلى خمسة أقسام:
شركة المضاربة .. وشركة الوجوه .. وشركة العِنان .. وشركة الأبدان .. وشركة المفاوضة.
١ - شركة المضاربة:
هي أن يدفع أحد الشريكين مالاً للآخر فيتَّجر به بجزء معلوم مشاع من ربحه كالربع، أو الثلث ونحوهما، والباقي لصاحب المال، وإن خسر المال بعد التصرف جُبر من الربح، وليس على العامل شيء، وإن تلف المال بغير تعد ولا تفريط لم يضمنه العامل المضارب.
والمضارب أمين في قبض المال .. ووكيل في التصرف .. وأجير في العمل .. وشريك في الربح.
- حكمة مشروعية المضاربة:
أباح الله المضاربة تيسيراً على الناس في كسب الرزق، فقد يملك الإنسان المال، ولا يملك القدرة على تنميته، ويملك غيره القدرة على الاستثمار، ولكنه لا يملك المال.
من أجل هذا أباح الإسلام هذه المعاملة، ليستفيد كل واحد منهما، فرب
стр. 2085
المال ينتفع بخبرة المضارب، والمضارب ينتفع بالمال، ويحصل لهما الربح معاً، هذا بماله، وهذا بجهده.
- حكم المضاربة:
المضاربة عقد جائز، وتسمى قراضاً ومعاملة.
وقد ضارب رسول الله ﷺ لخديجة ﵂ بمالها، وسافر به إلى الشام قبل أن يبعث، وربح فيه.
وقد كان معمولاً بها في الجاهلية، ولما جاء الإسلام أقرها.
- شروط المضاربة:
يشترط لصحة المضاربة ما يلي:
١ - أن يكون كلٌّ من رب المال والمضارب أهلاً للتصرف.
٢ - أن يكون رأس المال معلوم المقدار.
٣ - أن يكون رأس المال عيناً حاضرة لا ديناً.
٤ - أن يسلم رأس المال إلى العامل المضارب.
٥ - أن يكون الربح لكل منهما معلوم المقدار.
٦ - أن يكون الربح جزءاً مشاعاً من المال كالربع أو النصف مثلاً.
- حكم فسخ المضاربة:
تنفسخ المضاربة بما يلي:
١ - إذا فقدت المضاربة شرطاً من شروط الصحة، فإن اتجر المضارب بالمال، فالربح للمالك، وللمضارب أجرة مثله، وما كان من خسارة فهي على
المالك.
стр. 2086
٢ - موت العامل أو رب المال أو جنونه، فإن تصرف العامل المضارب بعد علمه بموت المالك، وبغير إذن الورثة، فهو غاصب، وعليه الضمان، وإن ربح المال فالربح بينهما.
٣ - أن يتعدى المضارب أو يقصر في حفظ المال، أو يفعل شيئاً يتنافى مع العقد.
٤ - الحجر على أحدهما لسفه أو إفلاس.
- أركان المضاربة:
أركان المضاربة أربعة:
رب المال، المضارب -وهو العامل-، المال، الصيغة -وهي الإيجاب والقبول حسب العرف-.
- حكم اختلاف المالك والمضارب:
١ - إذا اختلف المالك والمضارب في التصرفات، ولم تكن بينة فيُقبل قول من يدعي العموم؛ لأنه الذي يتفق مع عقد المضاربة.
٢ - إن اختلفا في تلف المال، ولم تكن بينة، فادعاه المضارب، وأنكره رب المال، فالقول قول المضارب؛ لأنه أمين.
٣ - إن اختلفا في رد المال، فادعاه المضارب، وأنكره رب المال، ولم تكن بينة، فالقول قول رب المال؛ لأن الأصل عدم الرد، ولأن المضارب قبض المال لنفع نفسه كالمستعير.
٤ - إن اختلفا في قدر رأس المال، ولم تكن بينة، فيقبل قول المضارب؛ لأنه القابض.
٥ - إن اختلفا في مقدار الربح، ولم تكن بيبنة، فيقبل قول المضارب؛ لأنه أمين،
стр. 2087
وإن اختلفا في أصل الربح، ولم تكن بينة صُدِّق المضارب مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الربح.
٦ - إن اختلفا في صفة رأس المال هل هو مضاربة، أو وديعة، أو بضاعة، ولم تكن بينة، فالقول قول رب المال؛ لأن الشيء المدفوع ملكه، وهو أعلم بصفة خروجه منه.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لاَدّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنّ اليَمِينَ عَلَى المُدّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١).
٢ - شركة الوجوه:
وهي أن يشترك وجيهان عند الناس، من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن يشتريا بالنسيئة، ويبيعا بالنقد، بمالهما من وجاهةٍ عند الناس، وما رَزَق الله من ربح فهو بينهما، وما حصل من خسارة فهو عليهما.
وكل واحد منهما وكيل صاحبه، وكفيل عنه في البيع والشراء والتصرف.
وسميت بشركة الوجوه؛ لأنه لا يباع بالنسيئة إلا لوجيه من الناس، وتسمى شركة الذمم، وهي مباحة.
٣ - شركة العِنَان:
هي أن يشترك اثنان فأكثر ببدنيهما وماليهما المعلوم، ولو متفاوتاً، ليعملا فيه ببدنيهما، أو يعمل فيه أحدهما، ويكون له من الربح أكثر من الآخر حسب
الاتفاق بينهما.
стр. 2088
ويشترط أن يكون رأس المال معلوماً من كلٍّ منهما، ويكون الربح والخسارة على قدر مال كل واحد منهما حسب الاشتراط والتراضي.
وهذا النوع من الشركات هو السائد بين الناس؛ لأن شركة العِنان لا يشترط فيها التساوي في المال، ولا في التصرف، وهي مباحة.
٤ - شركة الأبدان:
هي أن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبان بأبدانهما، سواء كان الاشتراك في الحِرَف والمهن كالحدادة، والنجارة ونحوهما.
أو كان في المباح كالاحتطاب والاحتشاش، وما رَزَق الله فهو بينهما حسب الاتفاق والتراضي.
وتسمى شركة الأعمال، وشركة الصنايع، وشركة التقبل.
وهي جائزة؛ لأن المقصود منها التعاون في تحصيل الربح والرزق.
والشركة تكون بالمال أو بالعمل كما في المضاربة، وهي هنا بالعمل.
٥ - شركة المفاوضة:
هي أن يفوض كل واحد من الشركاء إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني في الشركة بالبيع والشراء والتأجير ونحو ذلك.
فكل شريك في المفاوضة مطلق التصرف في رأس المال في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والضمان والتوكيل، والقرض والتبرع ونحو ذلك مما تحتاج إليه التجارة من تصرف، وتسمى الشركة المختلطة.
ويُلزم كل شريك بما يعمله شريكه، وتكون فيما تم عليه العقد من أموالهم.
والربح بينهما حسب الشرط، والخسارة على قدر ملك كل واحد منهم من
стр. 2089
الشركة.
وهذه الشركة جائزة، وهي تجمع بين الشركات الأربع السابقة، وكلها جائزة؛ لما فيها من التعاون في كسب الرزق، وقضاء حوائج الناس، وتحقق العدل والمصلحة.
- فوائد الشركات الحلال:
للشركة الحلال منافع تعود على الشريكين معاً:
١ - أن شركة المضاربة والعنان والوجوه والأبدان خير وسيلة لتنمية الأموال، ونفع الأمة، وبسط الرزق، وتحقيق العدل.
فالعِنان مال وعمل من الطرفين .. والمضاربة مال من أحدهما، وعمل من الآخر .. والأبدان عمل منهما معاً .. والوجوه بما يأخذان بجاههما من الناس.
٢ - بمثل هذه الشركات الحلال، والمعاملات المشروعة، يُستغنى عن الكسب الحرام كالربا الذي هو ظلم وأكل لأموال الناس بالباطل.
٣ - بقيام مثل هذه الشركات تتسع دائرة الاكتساب في حدود المباح.
فقد أباح الإسلام للإنسان الاكتساب منفرداً، أو مشتركاً مع غيره، حسب ما ورد في الشرع.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ
стр. 2090
فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزَّمل:٢٠].
- فقه إباحة الشركات:
أباح الشرع أنواع الشركات توسيعاً على الناس في معاملاتهم، وتنويعاً لطرق الكسب الحلال، وتحريكاً للأموال الراكدة، وتنمية لأموال العاجزين عن العمل، وتهيئة الفرصة للعاطلين عن العمل، وتحقيق مصالح الفرد والأمة، وسد أبواب الكسب المحرم.
- مبطلات عقد الشركات:
تبطل عقود الشركات بما يلي:
فسخ الشركة من أحد الشريكين .. موت أحد الشريكين .. جنون أحد الشريكين .. فقد أحد الشريكين وغَيبته مدة طويلة؛ لأن ذلك بمنزلة الموت.
- أركان الشركة:
أركان الشركة أربعة:
الشريكان، والمعقود عليه -وهو المال أو العمل-، والصيغة -وهي الإيجاب والقبول بحسب العرف-.
- شروط الشركات الحلال:
الشركات التي أباحها الشرع يشترط فيها ما يلي:
١ - أن يكون رأس المال معلوماً من كل شريك.
٢ - أن يكون الربح مقسوماً قسمة مشاعة بين الشركاء حسب أموالهم إما بالنسبة ٢٠%، ٣٠% أو أقل أو أكثر، أو لأحدهما الربع أو الثلث، وللآخر الباقي
ونحو ذلك.
стр. 2091
٣ - أن يكون عمل الشركة في الأمور والأشياء المباحة شرعاً، فلا يجوز للمسلم المشاركة في شركة تزاول أعمالاً محرمة كتصنيع الدخان، أو المخدرات، أو الخمور، أو تتاجر فيها، أو دور القمار، أو شركات الأغاني، وإنتاج الأفلام الخبيثة، أو المصارف الربوية ونحو ذلك مما حرمه الله ورسوله.
- حكم استخدام اسم الشخص في التجارة:
إذا اتفقت إحدى الشركات مع شخص تستخدم اسمه ووجاهته، ولا تطالبه بمال ولا عمل، وتعطيه مقابل ذلك مبلغاً معيناً من المال، أو نسبة معينة من الربح مثلاً.
فهذا العمل غير جائز، والعقد غير صحيح؛ لما فيه من الكذب، والخداع، والغرر، والضرر، وفي الشركات السابقة غنية عنه.
- حكم مشاركة الكفار:
تجوز مشاركة المسلم أو الكافر في كل عمل مباح شرعاً، وتجوز مشاركة الكافر في تجارة أو عمل وإن كان يرابي في غيره.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أعْطَى خَيْبَرَ اليَهُودَ، عَلَى أنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا. متفق عليه (١).
стр. 2092
الشركات المعاصرة
- أقسام الشركات المعاصرة:
تنقسم الشركات المعاصرة إلى قسمين:
شركات أشخاص .. وشركات أموال.
١ - شركات الأشخاص:
وهي الشركات التي تقوم على شخصية الشركاء، بصرف النظر عن المال الذي يقدمه كل شريك.
وهي ثلاثة أنواع:
١ - شركة التضامن:
وهي التي يعقدها اثنان فأكثر بقصد التجارة ويكون الشركاء فيها متضامنون في جميع أعمال الشركة على حد سواء.
وهي جائزة؛ لأنها تشبه شركة المفاوضة.
٢ - شركة التوصية البسيطة:
وهي التي تُعقد بين شركاء بعضهم متضامنون، وبعضهم موصون، فجميعهم يقدمون المال، لكن المتضامنين يقومون بأعمال إدارة الشركة، والموصون ليس لهم علاقة بأعمال الشركة.
وهي جائزة؛ لأنها تشبه شركة العِنان والمضاربة.
٣ - شركة المحاصة:
هي عقد يلتزم فيه شخصان فأكثر بأن يساهم كل منهما في مشروع مالي،
стр. 2093
بتقديم حصة من المال أو العمل، ويقتسمان الربح، ويتحملان الخسارة على حسب ماليهما كالمشاركة في مزاد، أو صفقة وقتية، تُصفّى الأرباح في الحال وتنتهي.
وهذه جائزة شرعاً؛ لأنها نوع من أنواع شركة العنان.
٢ - شركات الأموال:
وهي الشركات التي تعتمد في تكوينها على عنصر المال، بقطع النظر عن شخصية الشريك.
وهي ثلاثة أنواع:
١ - شركة المساهمة:
وهي أهم أنواع شركات الأموال في هذا العصر.
والشركة المساهمة: هي التي يُقسم فيها رأس المال إلى أجزاء صغيرة متساوية، يطلق على كل منها سهم، يكون قابلاً للتداول، غير قابل للتجزئة كالشركات الصناعية والتجارية والزراعية ونحوها.
ويعتبر مدير الشركة وعمالها أُجَراء عند المساهمين، وتوزع الأرباح على الأسهم حسب رأس المال.
وهذه الشركة جائزة شرعاً؛ لأنها شركة عِنان، لقيامها على أساس التراضي، ومجلس الإدارة وكيل عن الشركاء في التصرف.
٢ - شركة التوصية بالأسهم:
وهي التي تضم نوعين من الشركاء: متضامنين، ومساهمين، والمساهمون
كالشركاء الموصين في شركة التوصية البسيطة، ويختلف المساهم عن
стр. 2094
الموصي في أن الأول يملك أسهماً قابلة للتداول على عكس الثاني.
وهذه الشركة جائزة شرعاً؛ لأنها نوع من شركات العنان، وعمل المتضامنين فيها خاضع لأحكام شركة المضاربة.
٣ - الشركة ذات المسؤولية المحدودة:
وهي شركة تجارية كباقي شركات الأموال، تجمع بين شركات الأموال والأشخاص، ففيها من شركات الأموال أن مسؤولية الشريك محدودة بمقدار حصته، ومن يديرها كالأجير.
وفيها من شركات الأشخاص أن الشريك يكون صاحب حصة في الشركة وليس مساهماً، ولا تكون حصص الشركاء قابلة للتداول كالأسهم، وهذه الشركة جائزة شرعاً؛ لأنها تعتبر من شركة العِنان، وفيها بعض خصائص المضاربة.
- أنواع شركات الأموال:
الشركات التي طرحت أسهمها في الأسواق ثلاثة أنواع:
شركات حلال .. وشركات محرمة .. وشركات مختلطة.
١ - الشركات الحلال:
هي الشركات التي أصل نشاطها مباح، ولا تبيع أو تشتري المحرمات، ولا تتعامل بالربا كالشركات الزراعية، والصناعية، والتجارية ونحوها من الشركات المجازة شرعاً، فهذه تجوز المساهمة فيها، وبيع وشراء أسهمها، والاستثمار فيها.
стр. 2095
٢ - الشركات المحرمة:
وهي الشركات التي أصل نشاطها محرم، كالبنوك الربوية، والشركات التي تبيع الخمور والدخان أو تصنعها، أو التي تبيع وتشتري السلع المحرمة كالأفلام والصور ونحوها، فهذه الشركات لا تجوز المساهمة فيها، ولا البيع والشراء في أسهمها، ولا الاستثمار فيها.
٣ - الشركات المختلطة:
وهي الشركات التي أصل نشاطها مباح، لكنها قد تمارس بعض الأنشطة المحرمة.
كالاقتراض من البنوك بالربا، أو إقراض البنوك بالربا ونحو ذلك، فهذه الشركات فيها حلال وحرام، فيجب اجتنابها؛ سلامة للكسب، وتشجيعاً للشركات الحلال، وهجراً للشركات المحرمة لتعود إلى الكسب الحلال.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢].
٢ - وَعَنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ (وَأَهْوَى النّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إلَىَ أُذُنَيْهِ): «إنّ الحَلاَلَ بَيّنٌ وَإنّ الحَرَامَ بَيّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، فَمَنِ اتّقَى الشّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلاَ وَإنّ لِكُلّ مَلِكٍ حِمىً، أَلاَ وَإِنّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلّهُ وَإذَا
فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلبُ». متفق عليه (١).
стр. 2096
- حكم شراء الشركات المحرمة:
لا يجوز للمسلم شراء الأشياء المحرمة من شركات وغيرها؛ لما في ذلك من تعدي حدود الله، وتجاوز الحلال إلى الحرام.
أما شراء الشركات المحرمة بغرض تحويلها إلى شركات إسلامية مباحة، بتنقيتها من شوائب الربا، والعقود المحرمة والأشياء المحرمة لتكون الشركة أداة استثمارية مشروعة، فهذا جائز إذا أمكن التحويل في وقت قصير؛ لأن هذا من التعاون على البر والتقوى، لما فيه من تحويل الحرام إلى حلال، ولما فيه من جلب المصالح، ودفع المفاسد.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة:٢].
- أنواع الأوراق التي يتعامل بها الناس:
الأوراق التي يتعامل بها الناس اليوم ثلاثة أنواع:
الأوراق النقدية .. الأوراق التجارية .. الأوراق المالية.
١ - الأوراق النقدية:
هي كل مال وُضع بين الناس ليكون وسيطاً للتبادل في السلع كالريال، والدرهم، والدينار، والجنيه، والدولار وغيرها من العملات النقدية.
٢ - الأوراق التجارية:
وهي صكوك ثابتة قابلة للتداول بين الناس، وهي تمثل حقاً شخصياً
موضوعه: دفع مبلغ معين من النقود بموجبها لحاملها.
وهي نوعان: الشيكات .. والكمبيالات.
стр. 2097
فالشيك: أمر مكتوب يطلب به صاحبه من البنك أن يدفع مبلغاً من المال لفرد أو شركة أو جهة ونحو ذلك.
والكمبيالة: صك محرر يتضمن أمراً من الساحب إلى المسحوب عليه بدفع مبلغ مسمى لحامل الصك في وقت محدد، ويسمى السند الإذني.
٣ - الأوراق المالية: وهي نوعان:
١ - الأسهم:
وهي صكوك قابلة للتداول، تمثل الحصص التي يملكها الإنسان في الشركة، ويتكون رأس المال من هذه الأسهم، سواء كانت نقدية أو عينية.
٢ - السندات:
وهي صكوك قابلة للتداول، تمثل قرضاً، تصدرها الحكومات والشركات عندما تستدين من الناس، ويعتبر حامله دائناً للشركة، ولا يعد شريكاً فيها، وهي محرمة؛ لما فيها من الربا.
وهذه الأوراق الثلاث كثيرة الشيوع والاستعمال في عصرنا الحاضر، وهي من فقه النوازل المستجدة، فلا بد من كشف أحوالها، وبيان أحكامها، ليكون المسلم على بينة منها؛ لئلا يقع في الحرام أو المشتبه وهو لا يعلم.
- الأسواق المالية (البورصة):
هي سوق منظمة للتعامل في الأوراق المالية من أسهم وسندات الحكومات والشركات، القابلة للتداول في البورصة، وفق ضوابط محددة.
وتعقد في مكان معين .. في أوقات دورية .. للتعامل بيعاً وشراءً بمختلف الأوراق المالية.
стр. 2098
- أنواع البورصات:
١ - بورصة الأوراق المالية:
وهي التي تباع فيها الأسهم والسندات بسعر باتّ، أو بسعر البورصة.
٢ - بورصة البضاعة الحاضرة:
وهي التي يتم التعامل فيها بناء على عيِّنة من البضاعة كالسيارات، والسجاد، والآلات ونحو ذلك، ثم يُدفع غالب الثمن عند العقد، والباقي عند التسليم.
أو يجري البيع فيها على سلع حاضرة بثمن مؤجل على سعر بات أو معلق، خلال فترة معينة.
٣ - بورصة العقود:
وهي التي يتم فيها البيع لسلع غائبة بسعر بات مقرر، أو بسعر معلق على سعر البورصة، وهي بيع مقدور التسليم في المستقبل لا في الحال.
- مكان بيع الأوراق المالية:
بورصة الأوراق المالية ليست هي المكان الوحيد الذي تباع وتشترى فيه الأسهم والسندات، فقد تمت الآن مزاولة هذه التجارة من خلال شبكات الحاسب الآلي، على المستوى الإقليمي والعالمي.
- الفرق بين الأسهم والسندات:
١ - السهم نصيب من رأس مال الشركة، والسند دين على الشركة.
٢ - حامل السهم شريك في الشركة التي أصدرته، وحامل السند دائن على
الشركة التي أصدرته.
٣ - حامل السهم يحصل على ربح بحسب نسبة أرباح الشركة، ويخسر بحسب
стр. 2099
خسارتها، وحامل السند يحصل على ربح ثابت في الموعد المحدد، سواء ربحت الشركة أو خسرت.
- أوجه التشابه بين الأسهم والسندات:
كل من السهم والسند يصدر بقيم متساوية .. ولا يقبل التجزئة .. ويمثل حقاً بموجب الصك .. ويمكن تداوله في السوق .. وكل منهما يدرّ دخلاً على صاحبه .. ويصدران عن طريق الاكتتاب العام .. ولكلٍّ منهما قيمة اسمية .. وسعر في السوق اليومي.
- أنواع بيع الأوراق المالية:
العمليات التي تتم في سوق الأوراق المالية نوعان:
العمليات العاجلة الفورية .. والعمليات الآجلة.
١ - العمليات الفورية:
يتم فيها بيع السهم وقبض قيمته فوراً، وهو كالبيع المعروف لغير السهم من السلع، يجوز بيعه وشراؤه في العمليات العادية والفورية كعروض التجارة؛ لأن الأصل جواز بيع الشريك حصته لشريكه أو لآخر، وهو حاصل في بيع الأسهم.
٢ - العمليات الآجلة:
يتم فيها عقد الصفقة الآن، ولكن الدفع والتسليم يتمان فيما بعد في وقت معلوم.
فهذا البيع لا يجوز؛ لأنه من بيع الدين بالدين، لأن البائع للأسهم لا يسلمها للمشتري، والمشتري لا يدفع له الثمن، فقد تأجل الثمن والمثمن.
стр. 2100
وهم غالباً لا يريدون البيع والشراء حقيقة، بل المراد المضاربة على ارتفاع الأسعار وانخفاضها فقط، وذلك من الميسر الذي حرمه الله .
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠].
- حكم التعامل المالي بالأسهم:
١ - القرض: يجوز إقراض كل عين يجوز بيعها، والأسهم عين يجوز إقراضها؛ لأنه يجوز بيعها، فإذا اقترض الإنسان خمسين سهماً من أي شركة، فعليه أن يرد خمسين سهماً من أسهم هذه الشركة، فيكون قد رد مثل ما أخذ تماماً.
٢ - الرهن: يجوز رهن الأسهم؛ لأنه يجوز بيعها، فكل ما جاز بيعه جاز رهنه.
٣ - الحوالة: تجوز الحوالة في الأسهم، فيحيل من عليه الدين من له الدين بالأسهم التي له على المحال عليه.
٤ - المضاربة بالأسهم: الأسهم بذاتها عروض تجارة، والمضاربة بالنقد أو العروض جائزة، فيأخذ المضارب الأسهم من رب المال، ويبيع ويشتري بها بقصد الربح، والربح بينهما حسب الاتفاق، والخسارة على مالك الأسهم وهكذا في باقي المعاملات المالية الأخرى.
- خصائص الأسهم:
الأسهم صكوك مالية كالعروض قابلة للتداول والمتاجرة، فهي كعروض التجارة تزيد وتنقص حسب العرض والطلب.
وأسهم كل شركة متساوية القيمة، والمساهم لا يشارك الشركة في أنشطتها، وملكية السهم غير ملكية الشركة، فقد يرتفع نشاط الشركة وينزل سعر
стр. 2101
السهم، ولذلك رِبْح السهم لا يعود للشركة، بل يعود لمشتري السهم، والسهم يمثل حقاً في الشركة، فمن ملكه فله أرباح من الشركة.
- حكم بيع وشراء الأسهم:
الأسهم من حيث الأصل جائزة، فهي نوع من الشركات والعروض والبيوع التي الأصل فيها الحل إذا توفرت فيها شروط البيع.
وما يجري في سوق الأسهم من البيع والشراء، والربح والخسارة بشكل سريع، فيه مخاطرة لا مقامرة، والمخاطرة من أجل الكسب جائزة، وهذا جار في جميع السلع، وليس في الأدلة الشرعية ما يمنعها.
- حكم مزاولة البيع والشراء في الأسهم:
١ - يجوز لمالك الأسهم إذا كانت حلالاً أن يبيع ويشتري بها بنفسه، ويجوز له أن يوكل غيره بنسبة معلومة من الربح كالربع مثلاً، ويجوز أن يضارب بها مع غيره، بأن تكون الأسهم باسم شخص، والبيع والشراء بيد الآخر على نسبة معلومة من الربح كالربع أو النصف، أو بما تراضيا عليه.
٢ - لا يجوز للإنسان أن يشتري أسهماً من شركة باسم غيره، سواء كان ذلك بعوض أو بدون عوض؛ لما في ذلك من الكذب والحيلة، ولما يسببه من النزاع في حال الربح أو الخسارة.
٣ - يجوز أخذ المال للمتاجرة فيه بنسبة معينة من الربح كالثلث مثلاً، ولا يجوز أن يحدد مبلغاً مقطوعاً معيناً لمن أخذ منه المال، كأن يأخذ منه مائة ألف
ريال ويقول: أتاجر فيها وأعطيك كل شهر خمسة آلاف؛ لما فيه من الغرر، لأنه قد يربح وقد يخسر.
стр. 2102
٤ - إذا كانت الأسهم التي اشتراها محرمة وهو لا يعلم: فإن زادت فله أخذها؛ لأنه لا يعلم، لكن يبيعها فوراً، وإن نقصت انتظر حتى يعود إليه رأس ماله، ثم يخرج منها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة:٢٧٩].
- حكم وقف الأسهم:
يجوز وقف الأسهم؛ لأنها أجزاء مشاعة من موجودات الشركة، مع ما تمثله من القيمة السوقية.
عَنْ كَعْب بْنِ مَالِكٍ ﵁ قالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ؟ قال: «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلتُ: فَإِنِّي أمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. متفق عليه (١).
- حكم الوصية بالأسهم:
الأسهم من الأموال، ويجوز للإنسان أن يوصي بثلث ماله فأقل، فإن كانت قيمة الأسهم حين موت الموصي أكثر من ثلث ماله توقف ما زاد على الثلث على إجازة الورثة، فإن أجازوه وإلا بطل ما زاد على الثلث.
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ، وَأَنَا ذُو
مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لاَ». فَقُلتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لاَ». ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ
стр. 2103
أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». متفق عليه (١).
- كيفية زكاة الأسهم:
١ - إذا تملك الإنسان أسهماً في شركة حلال للحصول على الأرباح السنوية، ويقصد الاستمرار فيها، ولا يقصد بتملكها المتاجرة فيها بيعاً وشراءً في سوق المال، فهذا يزكي بحسب مال الشركة من حيث الحول، والنصاب، ومقدار الواجب، ففي عروض التجارة ربع العشر من المال، وفي الزراعة العشر أو نصف العشر، وفي المواشي زكاة بهيمة الأنعام.
وإن كانت الشركات الزراعية والحيوانية تبيع السلع كعروض تجارة ففيها زكاة عروض التجارة ربع العشر من رأس المال السائل وأرباحه.
٢ - إن كان المساهم اشترى الأسهم بقصد المتاجرة فيها بيعاً وشراءً في الأسواق المالية كالبضائع، فهذه فيها زكاة عروض التجارة ربع العشر من رأس المال والأرباح، والمعتبر في زكاة الأسهم هو قيمة السهم السوقية؛ لأنها عروض تجارة فتقوَّم بسعرها الحالي.
فإذا بلغت النصاب، وحال عليه الحول، أخرج زكاتها.
- حكم السندات:
السند: صك قابل للتداول، تصدره الحكومات أو الشركات عندما تستدين
من الناس، وتدفع بموجبه فائدة لمن أقرضها، مع بقاء رأس المال كاملاً، وصاحب السند يأخذ عليه فائدة معينة ثابتة كل سنة مثلاً، وهذا هو الربا
стр. 2104
المحرم، بل قد جمع أنواع الربا الثلاثة: ربا الفضل .. وربا النسيئة .. وربا القرض.
فهو في أصله قرض جر نفعاً، وهذا هو ربا القروض.
وبناءً على ذلك:
تحرم جميع السندات مهما اختلفت مسمياتها، ما دامت سنداً يلتزم المُصدر له بموجبه أن يدفع لحامله القيمة الإسمية كاملة، مع فائدة ربوية متفق عليها.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣٢].
- حكم التعامل بالسندات:
السندات سلع ربوية محرمة، لا يجوز بيعها .. ولا شراؤها .. ولا المضاربة فيها .. ولا رهنها .. ولا وقفها .. ولا الوصية بها؛ وذلك لاشتمالها على عقد ربوي محرم جر نفعاً وهو الفائدة، ولا زكاة فيها؛ لأنها كسب خبيث، لكن تجب الزكاة في أصل الدين بدون الفائدة.
стр. 2105
١٦ - الشفعة
- الشفعة: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها بالثمن الذي استقر عليه العقد.
- حكمة مشروعية الشفعة:
الشفعة من محاسن الإسلام، شرعت لنفع الشريك، ودفع الضرر عنه؛ لأنه ربما يشتري نصيب شريكه عدو له، أو ذو أخلاق سيئة، أو ممن لا يرغب في جواره، فيحدث بسبب ذلك التباغض والتقاطع، ويتأذى الجار، وتزيد الفرقة والخلاف.
لهذا شرع الله الشفعة دفعاً للأذى والضرر.
- حكم الشفعة:
تجوز الشفعة للشريك في كل ما لم يُقسم من أرض، أو دار، أو حائط.
والشفعة حق للشريك، سواء كان مسلماً أو كافراً.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ. متفق عليه (١).
- محل الشفعة:
تثبت الشفعة للشريك في كل شيء لم يُقسم من أرض، أو دار، أو حائط، أو بئر، ويأخذ الشفيع المبيع بكل الثمن، فإن عجز عنه سقطت.