السهم، ولذلك رِبْح السهم لا يعود للشركة، بل يعود لمشتري السهم، والسهم يمثل حقاً في الشركة، فمن ملكه فله أرباح من الشركة.
- حكم بيع وشراء الأسهم:
الأسهم من حيث الأصل جائزة، فهي نوع من الشركات والعروض والبيوع التي الأصل فيها الحل إذا توفرت فيها شروط البيع.
وما يجري في سوق الأسهم من البيع والشراء، والربح والخسارة بشكل سريع، فيه مخاطرة لا مقامرة، والمخاطرة من أجل الكسب جائزة، وهذا جار في جميع السلع، وليس في الأدلة الشرعية ما يمنعها.
- حكم مزاولة البيع والشراء في الأسهم:
١ - يجوز لمالك الأسهم إذا كانت حلالاً أن يبيع ويشتري بها بنفسه، ويجوز له أن يوكل غيره بنسبة معلومة من الربح كالربع مثلاً، ويجوز أن يضارب بها مع غيره، بأن تكون الأسهم باسم شخص، والبيع والشراء بيد الآخر على نسبة معلومة من الربح كالربع أو النصف، أو بما تراضيا عليه.
٢ - لا يجوز للإنسان أن يشتري أسهماً من شركة باسم غيره، سواء كان ذلك بعوض أو بدون عوض؛ لما في ذلك من الكذب والحيلة، ولما يسببه من النزاع في حال الربح أو الخسارة.
٣ - يجوز أخذ المال للمتاجرة فيه بنسبة معينة من الربح كالثلث مثلاً، ولا يجوز أن يحدد مبلغاً مقطوعاً معيناً لمن أخذ منه المال، كأن يأخذ منه مائة ألف
ريال ويقول: أتاجر فيها وأعطيك كل شهر خمسة آلاف؛ لما فيه من الغرر، لأنه قد يربح وقد يخسر.
стр. 2102
٤ - إذا كانت الأسهم التي اشتراها محرمة وهو لا يعلم: فإن زادت فله أخذها؛ لأنه لا يعلم، لكن يبيعها فوراً، وإن نقصت انتظر حتى يعود إليه رأس ماله، ثم يخرج منها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة:٢٧٩].
- حكم وقف الأسهم:
يجوز وقف الأسهم؛ لأنها أجزاء مشاعة من موجودات الشركة، مع ما تمثله من القيمة السوقية.
عَنْ كَعْب بْنِ مَالِكٍ ﵁ قالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ؟ قال: «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلتُ: فَإِنِّي أمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. متفق عليه (١).
- حكم الوصية بالأسهم:
الأسهم من الأموال، ويجوز للإنسان أن يوصي بثلث ماله فأقل، فإن كانت قيمة الأسهم حين موت الموصي أكثر من ثلث ماله توقف ما زاد على الثلث على إجازة الورثة، فإن أجازوه وإلا بطل ما زاد على الثلث.
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ، وَأَنَا ذُو
مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لاَ». فَقُلتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لاَ». ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ
стр. 2103
أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». متفق عليه (١).
- كيفية زكاة الأسهم:
١ - إذا تملك الإنسان أسهماً في شركة حلال للحصول على الأرباح السنوية، ويقصد الاستمرار فيها، ولا يقصد بتملكها المتاجرة فيها بيعاً وشراءً في سوق المال، فهذا يزكي بحسب مال الشركة من حيث الحول، والنصاب، ومقدار الواجب، ففي عروض التجارة ربع العشر من المال، وفي الزراعة العشر أو نصف العشر، وفي المواشي زكاة بهيمة الأنعام.
وإن كانت الشركات الزراعية والحيوانية تبيع السلع كعروض تجارة ففيها زكاة عروض التجارة ربع العشر من رأس المال السائل وأرباحه.
٢ - إن كان المساهم اشترى الأسهم بقصد المتاجرة فيها بيعاً وشراءً في الأسواق المالية كالبضائع، فهذه فيها زكاة عروض التجارة ربع العشر من رأس المال والأرباح، والمعتبر في زكاة الأسهم هو قيمة السهم السوقية؛ لأنها عروض تجارة فتقوَّم بسعرها الحالي.
فإذا بلغت النصاب، وحال عليه الحول، أخرج زكاتها.
- حكم السندات:
السند: صك قابل للتداول، تصدره الحكومات أو الشركات عندما تستدين
من الناس، وتدفع بموجبه فائدة لمن أقرضها، مع بقاء رأس المال كاملاً، وصاحب السند يأخذ عليه فائدة معينة ثابتة كل سنة مثلاً، وهذا هو الربا
стр. 2104
المحرم، بل قد جمع أنواع الربا الثلاثة: ربا الفضل .. وربا النسيئة .. وربا القرض.
فهو في أصله قرض جر نفعاً، وهذا هو ربا القروض.
وبناءً على ذلك:
تحرم جميع السندات مهما اختلفت مسمياتها، ما دامت سنداً يلتزم المُصدر له بموجبه أن يدفع لحامله القيمة الإسمية كاملة، مع فائدة ربوية متفق عليها.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣٢].
- حكم التعامل بالسندات:
السندات سلع ربوية محرمة، لا يجوز بيعها .. ولا شراؤها .. ولا المضاربة فيها .. ولا رهنها .. ولا وقفها .. ولا الوصية بها؛ وذلك لاشتمالها على عقد ربوي محرم جر نفعاً وهو الفائدة، ولا زكاة فيها؛ لأنها كسب خبيث، لكن تجب الزكاة في أصل الدين بدون الفائدة.
стр. 2105
١٦ - الشفعة
- الشفعة: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها بالثمن الذي استقر عليه العقد.
- حكمة مشروعية الشفعة:
الشفعة من محاسن الإسلام، شرعت لنفع الشريك، ودفع الضرر عنه؛ لأنه ربما يشتري نصيب شريكه عدو له، أو ذو أخلاق سيئة، أو ممن لا يرغب في جواره، فيحدث بسبب ذلك التباغض والتقاطع، ويتأذى الجار، وتزيد الفرقة والخلاف.
لهذا شرع الله الشفعة دفعاً للأذى والضرر.
- حكم الشفعة:
تجوز الشفعة للشريك في كل ما لم يُقسم من أرض، أو دار، أو حائط.
والشفعة حق للشريك، سواء كان مسلماً أو كافراً.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ. متفق عليه (١).
- محل الشفعة:
تثبت الشفعة للشريك في كل شيء لم يُقسم من أرض، أو دار، أو حائط، أو بئر، ويأخذ الشفيع المبيع بكل الثمن، فإن عجز عنه سقطت.
стр. 2106
- أركان الشفعة:
أركان الشفعة أربعة:
شافع: وهو الآخذ .. ومشفوع عليه: وهو المأخوذ منه .. ومشفوع فيه: وهو العين المباعة .. والصيغة: وهي ما يدل من الشفيع على الأخذ.
- وقت الشفعة:
الشفعة حق للشريك تثبت له متى علم بالبيع، فإن أخرها بعد علمه بطلت شفعته؛ إلا أن يكون غائباً أو معذوراً فيكون على شفعته متى قدر عليها، وإن أمكنه الإشهاد على المطالبة بها ولم يشهد بطلت شفعته، وإذا مات الشفيع ثبتت الشفعة لورثته.
- شروط الشفعة:
يشترط لصحة الشفعة ما يلي:
١ - أن يكون المشفوع فيه لم يُقسم.
٢ - أن يكون الشفيع شريكاً في المشفوع فيه.
٣ - أن يُخرِج المشفوع فيه من ملك صاحبه بعوض مالي كالبيع.
٤ - أن يطلب الشفيع الشفعة متى علم على الفور.
٥ - أن يأخذ الشفيع جميع الصفقة بثمنها كله.
- حكم الحيلة لإسقاط الشفعة:
يحسن بالشريك إذا أراد بيع نصيبه أن يعرضه على شريكه.
ولا تجوز الحيلة لإسقاط الشفعة، كأن يقر لإنسان ببعض الملك، ثم يبيعه
الباقي.
стр. 2107
ومن أسقط الشفعة بطرق كاذبة، وتمويهات باطلة فقد ظلم نفسه بارتكاب المعصية، وظلم الشفيع لحرمانه من حقه الذي أوجبه الله له، سواء كان ذلك قبل حصول البيع أو بعده.
ولو احتال لم تسقط؛ لأنها شرعت لدفع الضرر، وإذا أسقطها بالاحتيال حصل الضرر.
- ما تسقط به الشفعة:
تسقط الشفعة بواحد مما يلي:
إذا عجز الشفيع عن دفع الثمن كله أو بعضه .. إذا تأخر الشفيع عن المطالبة بالشفعة بلا عذر .. بيع الشفيع ما يشفع به قبل العلم بالشفعة .. إذا انتقل نصيب الشريك إلى غيره بغير عوض كالإرث والهبة ونحوهما .. إذا مات الشفيع قبل أن يطلب الشفعة .. إذا أسقط الشفيع حقه في الشفعة.
- الحكم عند تزاحم الشفعاء:
إذا كان الشفعاء أكثر من واحد، وكل منهم يطلب الشفعة:
فإن كانوا من مرتبة واحدة كالشركاء في المبيع، يقسم العقار المشفوع فيه بين الشفعاء على قدر حصصهم منه؛ لأن الضرر داخل على كل واحد من الشركاء بحسب ما يملكه.
وإن لم يكن الشفعاء من مرتبة واحدة، فيقدم الشريك في المبيع أولاً، ثم الشريك في حق الارتفاق، ثم الجار الملاصق.
- حكم شفعة الجار:
الجار أحق بشفعة جاره، فإذا كان بين الجارين حق مشترك من طريق، أو ماء،
стр. 2108
أو مسيل، تثبت الشفعة لكل منهما.
فلا يبيع أحدهما حتى يستأذن جاره، وإن باع من غير إذنه كان أولى بالمبيع من المشتري؛ لدفع الضرر والمفسدة.
١ - عَنْ أبِي رَافِعٍ ﵁ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الجَارُ أحَقُّ بِسَقَبِهِ». أخرجه البخاري (١).
٢ - وَعَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الجَارُ أَحَقُّ بشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بهَا وَإِنْ كَانَ غَائِباً إِذا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِداً». أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢).
- حكم اختلاف الشفيع والمشتري:
إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن، ولم تكن بينة، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه أعلم بما اشتراه من الشفيع، وإن اختلفا في صفة الثمن، بأن قال المشتري: اشتريته بثمن معجل، وقال الشفيع: بل بثمن مؤجل، ولم تكن بينة، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الحلول في الثمن أصل، ولأن العاقد أعرف بصفة الثمن من غيره، فكان القول قوله.
- حكم ما يطرأ على المشفوع فيه:
قد يطرأ على المشفوع فيه وهو في يد المشتري قبل القضاء بالشفعة للشفيع بعض التغيرات، كعقودٍ وتصرفاتٍ ناقلة للملكية كالبيع والهبة، أو مرتبة لحق انتفاع كالإجارة والإعارة ونحوهما، أو حصول زيادة كالبناء في الأرض
والغرس، أو حصول نقص كهلاك، وهدم، واحتراق.
стр. 2109
فكل العقود والتصرفات بعد طلب الشفيع الشفعة لا تصح؛ لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب، ولتعلق حق الغير بالمبيع.
وإذا نما المبيع عند المشتري، كأن أثمر الشجر، فإن كان النماء متصلاً كالشجر يكبر، فهو للشفيع؛ لأنه تبع للأصل.
وإن كان النماء منفصلاً كالثمرة، والأجرة، فهي للمشتري؛ لأنها حدثت في ملك المشتري، وإن كانت الزيادة محدَثة كالغرس، أو الزرع، أو البناء، ففي حالة الزرع تثبت الشفعة للشفيع، والزرع للمشتري، وعليه أجرة المثل إن تصرف بعد طلب الشفيع الشفعة، وأما في حالة البناء والغرس فللشفيع الأخذ بالشفعة، وللمشتري الحق في قلع الغرس، ونقض البناء.
وإن لم يختر المشتري القلع فالشفيع بالخيار بين ترك الشفعة، وبين دفع قيمة البناء والغرس وأخذ المشفوع فيه.
وإن نقص المشفوع فيه، فإن كان النقص جزءاً من توابع الأرض كقطف الثمرة، وهلاك الآلة، فإنه يُسقط من الثمن قيمة ما نقص، وإن كان النقص متصلاً بالأرض مثل يبس الشجر واحتراقه، وتهدم البناء، فإن كان بصنع المشتري نقص من الثمن بقيمة ما زال.
وإن حصل الضرر بآفة سماوية، فعلى الشفيع دفع الثمن كله؛ لأن النقص ليس بجناية أحد، وإن كان النقص في الأرض نفسها كأن أغرقها السيل، فللشفيع الخيار بين ترك الشفعة، وبين أخذ الباقي بحصته من الثمن.
стр. 2110
- حكم الشفاعة:
الشفاعة: هي سؤال العون للغير، وتستعمل غالباً في سؤال الخير للغير.
- أقسام الشفاعة:
تنقسم الشفاعة إلى قسمين:
١ - الشفاعة الحسنة: وهي ما كانت في كل ما استحسنه الشرع.
كأن يشفع الإنسان لإزالة ضرر، أو تحصيل منفعة لمستحق، أو رفع مظلمة عن مظلوم ونحو ذلك.
فهذه الشفاعة محمودة، وصاحبها مأجور.
٢ - الشفاعة السيئة: وهي ما كانت فيما حرمه الشرع.
كأن يشفع الإنسان في إسقاط حد شرعي، أو هضم حق لأحد، أو إعطاء حق لغير مستحقه ونحو ذلك.
فهذه مذمومة، وصاحبها آثم.
١ - قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء:٨٥].
٢ - وَعَنْ أبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قال: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ». متفق عليه (١).
стр. 2111
١٧ - المساقاة والمزارعة
- المساقاة: هي دفع شجر له ثمر إلى آخر ليقوم بسقيه بجزء معلوم مشاع من ثمره كالربع أو النصف ونحوهما، والباقي للمالك.
- المزارعة: هي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مشاع مما يخرج منها كالنصف أو الربع ونحوهما، والباقي لمالك الأرض.
- فضل المساقاة والمزارعة:
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً أوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أوْ إِنْسَانٌ، أوْ بَهِيمَةٌ، إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». متفق عليه (١).
- حكمة مشروعية المساقاة والمزارعة:
الله قسّم الأرزاق والطاقات بين الناس، فمن الناس من يملك الأرض والشجر، أو يملك الأرض والحب، ولكنه لا يستطيع سقيها والعناية بها، إما لعدم معرفته، أو لانشغاله، أو لعدم قدرته، ومن الناس من يملك القدرة على العمل، لكنه لا يملك الأرض والشجر.
فلمصلحة الطرفين أباح الإسلام المساقاة والمزارعة؛ عمارة للأرض، وتنمية للثروة، وتشغيلاً للأيدي العاملة التي تملك القدرة على العمل، ولا تملك المال والشجر.
стр. 2112
- حكم المساقاة والمزارعة:
١ - تجوز المساقاة والمزارعة بجزء مشاع معلوم مما يخرج من الزرع والثمر كالنصف أو الربع ونحوهما.
والمساقاة والمزارعة عقد لازم، لا يجوز فسخهما إلا برضاهما.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. متفق عليه (١).
٢ - لا تجوز المساقاة والمزارعة إذا كان النصيب معيناً من الثمر أو الزرع كالذي على الجداول أو السواقي، أو يحدد بقعة معينة من الزرع، أو نخلاً أو شجراً معيناً، أو يقول المالك هذه الجهة لي، وهذه الجهة لك، فهذه مزارعة ومساقاة مجهولة؛ لأنه لا يعلم عاقبة الأمر، فربما صح هذا، وتلف هذا، فمُنع من أجل جهالته وخطره، وهذه المزارعة تسمى المخابرة.
عَنْ حَنْظَلَة بن قَيْسٍ الأَنْصَارِيّ قَالَ: سَأَلتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ؟ فَقَالَ: لا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلا بَأْسَ بِهِ. أخرجه مسلم (٢).
وهذه المزارعة فاسدة ممنوعة، منهي عنها.
عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ.
أخرجه مسلم (٣).
стр. 2113
- حكم الجمع بين المساقاة والمزارعة:
يجوز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستان واحد، بأن يساقيه على الشجر بجزء معلوم مشاع من الثمرة، ويزرعه الأرض بجزء معلوم مشاع من المزروع.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أوْ زَرْعٍ. متفق عليه (١).
- شروط المزارعة:
يشترط لصحة المزارعة ما يلي:
١ - أهلية العاقدين ورضاهما.
٢ - صلاحية الأرض للزراعة.
٣ - تسليم الأرض للعامل.
٤ - بيان مَنْ عليه البذر منعاً للنزاع.
٥ - بيان نصيب كل من العاقدين بجزء مشاع كالنصف أو الربع ونحوهما.
٦ - معرفة جنس البذر وقدره.
- أحوال المزارعة:
للمزارعة أربعة أحوال هي:
١ - أن تكون الأرض والبذر من واحد، والعمل وآلة العمل من واحد.
٢ - أن تكون الأرض لواحد، والبذر والعمل وآلة العمل من واحد.
٣ - أن تكون الأرض والبذر وآلة العمل لواحد، والعمل من واحد.
стр. 2114
٤ - أن تكون الأرض وآلة العمل كالحراثة لواحد، والعمل والبذر من واحد.
وكل هذه الصور جائزة بين الطرفين متى حصل التراضي، وانتفى الجهل والغرر والضرر.
- ما يجوز به إجارة الأرض:
تجوز إجارة الأرض بالنقود .. وبالذهب والفضة .. وبجزء معلوم مشاع مما يخرج منها من ثمر، أو زرع كالنصف، أو الربع ونحوهما .. وبكل ما يعد مالاً.
١ - عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ؟ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، ِ قَالَ: فَقُلتُ أَبِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ فَلا بَأْسَ بِهِ. أخرجه مسلم (١).
٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أعْطَى خَيْبَرَ اليَهُودَ، عَلَى أنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا. متفق عليه (٢).
- حكم المساقاة والمزارعة مع الكفار:
المساقاة والمزارعة من عقود المعاوضة التي تجوز مع المسلم والكافر بشروطها الشرعية المعتبرة.
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ
شَطْرُ ثَمَرِهَا. متفق عليه (٣).
فَإِنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ». أخرجه البخاري (١).
- حكم المغارسة:
المغارسة: هي أن يدفع الرجل أرضه لمن يغرس فيها شجراً أو نخلاً، ويكون للعامل نصيب مقدر من الأرض والشجر كالربع والنصف ونحوهما.
وهي جائزة إذا حصل التراضي، وانتفى الجهل والغرر.
- حكم بيع المحاقلة والمخاضرة والمخابرة:
١ - المحاقلة: بيع الحب بعد اشتداده في سنبله بحب من جنسه مُصفى.
وهذه الصورة محرمة؛ لما فيها من الجهالة والربا.
٢ - المخاضرة: هي بيع الثمار والحبوب قبل بدو صلاحها مع عدم القطع في الحال.
وهذه الصورة محرمة؛ لما فيها من الجهالة والغرر.
٣ - المخابرة: هي أن يكري الأرض، ويكون لصاحب الأرض جانب معين من الزرع، وللمزارع الجانب الآخر.
وهذه هي المزارعة الفاسدة، وهي محرمة؛ لما فيها من الجهالة والضرر.
١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المُخَابَرَةِ وَالمُحَاقَلَةِ، وَعَنِ المُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأنْ لا تُبَاعَ
إِلا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلا العَرَايَا. متفق عليه (٢).
٢ - وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّهُ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُحَاقَلَةِ،
١٨ - إحياء الموات
- الأرض الموات: هي الأرض التي لا مالك لها، وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم.
فالاختصاصات كالطرق، والمقابر، والحدائق، ومسايل المياه ونحو ذلك من المرافق العامة.
والإنسان المعصوم: هو المسلم أو الكافر المالك للأرض بسبب شرعي من شراء، أو إرث ونحوهما.
- أقسام الملك:
ينقسم الملك إلى قسمين:
الأول: الملك التام: وهو ملك رقبة الشيء ومنفعته كملك الأرض، ولصاحبه مطلق التصرف فيه بالبيع، أو الهبة، أو الوقف ونحو ذلك.
الثاني: الملك الناقص: وهو ملك العين وحدها، أو المنفعة وحدها.
- أقسام الملك الناقص:
الملك الناقص ثلاثة أنواع:
١ - ملك العين فقط: وهو أن تكون العين مملوكة لشخص، ومنافعها مملوكة لشخص آخر كأن يوصي أحد لآخر بسكنى داره مدة حياته، أو مدة خمس سنوات مثلاً، فإذا مات الموصي عادت الدار للورثة بعد انتهاء المدة.
٢ - ملك المنفعة الشخصية: كالإعارة .. والإجارة .. والوقف .. والوصية .. والإباحة.
стр. 2119
وحق الانتفاع حق مؤقت ينتهي بانتهاء مدة الانتفاع، أو هلاك العين المنتفع بها، أو تعيبها بعيب يعطل المنفعة منها.
٣ - ملك المنفعة العيني: وهو حق مقرر لمنفعة عقار آخر مملوك لغير مالك العقار الأول، وهو حق دائم ما بقي العقاران مثل: حق الشرب .. وحق المجرى .. وحق المسيل .. وحق المرور .. وحق الجوار .. وحق العلو.
وهذه الحقوق تبقى ما لم يترتب على بقائها ضرر بالغير، فإن ترتب عليها ضرر أو أذى وجب إزالتها.
- أسباب الملك التام:
مصادر التملك في الإسلام أربعة، وهي:
تملك المباح .. والعقود الناقلة للملكية .. والخلفية كالإرث والتضمين .. والتولد من الشيء المملوك كالثمر في الشجر، والزرع في الأرض، وتكاثر الأشجار.
- صور تملُّك المباح:
تملُّك المباح له أربع حالات هي:
١ - إحياء الموات:
الموات: كل ما ليس بمملوك من الأرض لا يُنتفع به، وإحياء الأرض الموات بجعلها صالحة للانتفاع بها كالبناء، والغرس، والزرع ونحو ذلك.
٢ - الاصطياد:
الصيد: هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لأحد، بصيد الطيور، أو الحيوانات، أو السمك.
стр. 2120
٣ - الاستيلاء على الكلأ والأشجار:
الكلأ: هو الحشيش الذي ينبت في الأرض بغير زرع ترعاه البهائم، والكلأ لا يُملك وإن نبت في أرض مملوكة، والناس شركاء فيه.
وأما الأشجار الكثيفة فإن كانت في أرض غير مملوكة فلا يجوز لأحد منع الناس منها، وإن كانت في أرض مملوكة فهي ملك لصاحب الأرض.
٤ - الاستيلاء على المعادن والكنوز:
المعادن: هي ما خلقه الله في باطن الأرض كالحديد والنحاس، والذهب والفضة وغير ذلك من المعادن.
والمعادن تُملك بملك الأرض، فمن ملك أرضاً فله جميع ما فيها وما عليها.
والكنز: ما دفنه الناس وأودعوه في باطن الأرض من الأموال، سواء كان في الجاهلية أو في الإسلام، ويسمى الركاز.
فالكنز الإسلامي: يجوز تملُّكه، فإن ظهر صاحبه وجب ضمانه.
والكنز الجاهلي: خُمسه لبيت المال، والباقي لواجده.
- العقود الناقلة للْمِلْكِيَّة:
أهم أسباب التملك: هي العقود الناقلة للملكية كالبيع، والهبة، والوصية.
وهذه أهم مصادر التملك، وأكثرها وقوعاً في التعامل بين الناس.
- أنواع التملك الخلفية:
الخلفية: هي أن يَخْلف الإنسان غيره فيما كان يملكه، وهي نوعان:
١ - الإرث: وهو ما يتركه الميت من أموال لورثته.
٢ - التضمين: وهو ما يجب على من أتلف شيئاً لغيره كمن غصب شيئاً فتلف، أو
стр. 2121
ألحق ضرراً بغيره كالدية في النفس والأعضاء، فيضمن ذلك كله، ويتملكه من له الحق.
- أقسام الأرض الموات:
الأرض الموات قسمان:
الأول: ما كان من الأرض من المرافق العامة تستعمل مرعى للمواشي .. أو محتطباً لأهل البلد .. أو مقبرة لموتاهم .. أو مصلى لعيدهم .. أو مكاناً لنزهتهم .. أو مكان الملح، أو القار، أو الطين ونحو ذلك مما لا يستغني عنه المسلمون في كل بلد، فهذه المرافق لا يجوز لأحد تملكها، ولا يجوز إقطاعها؛ لما يترتب على ذلك من الإضرار بالمسلمين.
الثاني: ما لا يملكه أحد ولا ينتفع به من الأراضي البور، فهذه يجوز إحياؤها ببناء، أو غرس، أو زرع، أو حفر بئر، أو تفجير ماء، لتكون صالحة ينتفع بها الناس.
- فضل إحياء الموات:
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً أوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أوْ إِنْسَانٌ، أوْ بَهِيمَةٌ، إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». متفق عليه (١).
- حكمة مشروعية إحياء الموات:
إحياء الموات فيه مصالح كثيرة.
فيه تتسع دائرة الرزق .. وينتفع المسلمون بما يخرج منه من طعام وغيره ..
стр. 2122
ومن زكاة تفرق على المساكين.
والله يحب من عباده أن يتوسعوا في العمران، وينتشروا في الأرض، ويُحيوا مواتها، ويستثمروا خيراتها، وينتفعوا ببركاتها، وبذلك تكثر ثرواتهم، ويستغنوا عما سواهم، وتسهل عليهم مواساة فقرائهم، والإنفاق على أعمال البر.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة:١٠].
- ما يصح إحياؤه:
يباح إحياء كل موات ليس لأحد قليلاً كان أو كثيراً، ويباح إحياء موات الحرم المكي، كما يملك عامره بالبيع وغيره، لكن لا يجوز إحياء مشاعر الحج منى ومزدلفة وعرفات؛ لأنها مشاعر كالمساجد لا يجوز تملكها.
- حكم إحياء الموات:
يجوز إحياء الأرض الميتة التي ليست لأحد، ولا ينتفع بها أحد.
فمن أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد فهي له، سواء كان مسلماً أو ذمياً، وسواء كان بإذن الإمام أو عدمه، وسواء كانت في دار الإسلام أو غيرها، وسواء كانت كبيرة أو صغيرة، ما لم تتعلق بمصالح المسلمين كمكان الرعي والاحتطاب، والمقبرة ونحو ذلك فلا تملك بالإحياء.
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أعْمَرَ أرْضاً لَيْسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ». أخرجه البخاري (١).
стр. 2123
٢ - وَعَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْيَى أَرْضاً مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ». أخرجه أحمد والترمذي (١).
- شروط إحياء الموات:
يشترط لصحة إحياء الموات ما يلي:
١ - أن يكون الموات ليس ملكاً لأحد، وليس من اختصاص أحد.
٢ - ألا تكون أرض الموات مرتفقاً لأهل البلد كمرعى، ومحتطب، ومناخ إبل، ومطرح رماد، فلا يجوز إحياؤها.
- كيفية إحياء الأرض الموات:
الإحياء الذي يملك به الإنسان الأرض يختلف بحسب المقصود من الأرض، وبحسب اختلاف أعراف البلدان، فيرجع فيه إلى العرف والمقصود، فإحياء كل شيء بحسبه وعرف بلده.
فإحياء الموات للسكن يكون بتحويط البقعة باللبِن، وسقف بعض الأرض، وإكمال ما يلزم للسكن عادة.
وإحياء الموات مزرعة يكون بتحويط الأرض، وتسويتها، وإيجاد الماء، والغرس ونحو ذلك، ولا يحصل الإحياء بمجرد الحرث والزرع؛ لأنه لا يراد للبقاء بخلاف الغرس، وإحياء الموات المغمور بالماء بكون بحبسه ونزحه، لتكون صالحة للبناء أو الزراعة.
وإحياء الموات المملوء بالحجارة أو الحفر يكون بنقل الحجارة منه، وتسوية الأرض، لتكون صالحة للبناء أو الزراعة.
стр. 2124
ومن حفر بئراً، فوصل ماءها فقد أحياها، وله حماها ومرافقها المعتادة إذا كان ما حولها مواتاً .. وهكذا.
ويُرجع في ذلك كله إلى العرف، فما عده الناس إحياءً فإنه تُملك به الأرض الموات، فمن أحياها إحياءً شرعياً ملكها بجميع ما فيها، كبيرة كانت أو صغيرة.
وإن عجز عن إحيائها فللإمام أخذها وإعطاؤها لمن يقدر على إحيائها، واستثمار منافعها.
- حكم استئذان الإمام في الإحياء:
يجوز تملُّك الأرض الموات بالإحياء وإن لم يأذن فيه الإمام؛ لأن إحياء الأرض مباح كالصيد والكلأ والماء، فلا يشترط فيه إذن الإمام، لكن إن كثر النهب وخُشي الفساد والنزاع فللإمام تنظيمه بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة، فلا ضرر ولا ضرار.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أعْمَرَ أرْضاً لَيْسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ». أخرجه البخاري (١).
- حكم من أحيا أرض غيره دون علمه:
إذا أحيا الإنسان أرضاً فبان أنها مملوكة لأحد خُيِّر مالكها، فإما أن يسترد ممن أحياها أرضه، بعد أن يؤدي إليه أجرة عمله، وإما أن يحيل إليه حق الملكية بعد أخذ ثمنها منه.
стр. 2125
- حكم تحجير الأرض الموات:
التحجر لا يفيد التملك، وإنما يفيد الاختصاص والأحقية من غيره كأن يحيط الأرض بأحجار، أو شبك، أو خندق، أو بحاجز ترابي، أو بجدار ليس بمنيع .. أو يحفر بئراً ولا يصل إلى الماء .. أو يبني الجدار من جهة دون الجهات الأخرى ونحو ذلك، فهذه التحجرات لا تفيد التملك، وإنما تفيد اختصاصه بها دون غيره؛ لأن الملك بالإحياء، وهذا ليس بإحياء، لكن يصير أحق الناس به، فمن فعل ذلك ضرب له ولي الأمر مدة لإحيائها، فإن أحياها إحياءً شرعياً وإلا نزعها من يده، وسلمها لمتشوِّف لإحيائها.
- حكم ما ينحدر سيله إلى أرض مملوكة:
الأرض الموات التي ينحدر سيلها إلى أرض مملوكة هي تبع لها على وجه الاختصاص، لا يسوغ إحياؤها ولا إقطاعها لغير أهل الأرض المملوكة إلا بإذنهم؛ رعاية للمصلحة، ودفعاً للضرر.
- ما لا يصح إحياؤه:
يشترط لصحة إحياء الموات أن تكون الأرض مواتاً، لم يجر عليها ملك معصوم، ومنفكة عن الاختصاصات.
فلا يصح إحياء الأرض المملوكة .. ولا الأرض المختصة بتحجير .. ولا مصالح ومرافق المكان العامر المجاور .. ولا ما يتعلق بمصالح البلد من طرق وشوارع، وحدائق ومقابر، ومسايل المياه ونحو ذلك.
فلا يصح إحياء ذلك كله، قَلَّ أو كثر؛ لفقده شرط الإحياء.
стр. 2126
- ما لا يصح الاختصاص به:
الماء والكلأ والنار من الأشياء الضرورية للناس، فيجب أن تبقى مشاعة مباحة مبذولة لعامة المنتفعين منها، ولا يجوز لأحد أن يختص بها، ويَمنع منها المحتاج إليها.
١ - الماء: فلا يصح تملك ماء السماء، وماء العيون، وماء الأنهار، ولا يجوز ولا يصح بيعه؛ لأن الناس شركاء فيه.
فإذا حازه الإنسان في بِرْكته، أو قِرْبته، أو في خزان، أو إناء، فيجوز بيعه.
٢ - الكلأ: وهو الحشيش، سواء كان رطباً أو يابساً، وهو نبات البر، وعلف البهائم، فلا يصح بيعه، ولا يجوز منع الناس منه؛ لأن الناس شركاء فيه.
فإذا جمعه وحصده تملَّكه، وجاز بيعه.
٣ - النار: وهي من الأشياء المشاعة بين الناس، فلا يجوز بيعها، وإنما يجب بذلها لمحتاجها، سواء في ذلك وقودها كالحطب، أو جذوتها كالقَبَس.
فهذه الثلاثة من المرافق العامة التي يجب بذلها، ويحرم منعها؛ لأن الله أشاعها بين خلقه، والضرورة تدعو إليها.
- حكم التعدي على حق الغير:
يحرم على الإنسان الاعتداء على حق غيره بأي وجه.
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ عَبداللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أخَذَ مِنَ
стр. 2127
الأَرْضِ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أرَضِينَ». أخرجه البخاري (١).
- حكم الإقطاع:
الإقطاع: هو إعطاء الإمام أرضاً مواتاً لمن يراه أهلاً لذلك.
والإقطاع ثلاثة أقسام:
١ - إقطاع يُقصد به تمليك الشخص أرضاً، أو عيناً، أو معدناً.
٢ - إقطاع استغلال بأن يُقطِع الإمام من يرى في إقطاعه مصلحة لمدة معلومة.
٣ - إقطاع إرفاق، كأن يُقطِع الإمام الباعة الجلوس في الطرق الواسعة، والأسواق المزدحمة بأهل البيع والشراء.
فكل هذه الأقسام جائزة، ولا يُقطِع الإمام كل فرد إلا الشيء الذي يقدر على إحيائه؛ لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقاً على الناس في حق مشترك بينهم، ولا يُقطِع ما تعلقت به مصالح المسلمين كالملح، والنهر ونحوهما.
١ - عَنْ وَائِلٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضاً بحَضْرَمُوتَ. أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
٢ - وَعَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵂ قالتْ: كُنْتُ أنْقُلُ النَّوَى مِنْ أرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ. وَقال أبُو ضَمْرَةَ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أبِيهِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقْطَعَ الزُّبَيْرَ أرْضاً مِنْ أمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ. متفق عليه (٣).
стр. 2128
- حكم الحِمَى:
الحمى: أن يحمي الإمام مكاناً خاصاً لمصلحة المسلمين.
كأن يحمي مرعىً لخيل المجاهدين، وإبل الصدقة، والماشية الضعيفة، ومكان الملح، ويجوز للإمام حمى ما فيه مصلحة المسلمين، ولا يجوز الحمى لأحد سواه، ولا حمى الإمام لنفسه.
وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه، ولا تغييره، ومن أحيا منه شيئاً لم يملكه، وما حماه غيره من الأئمة لمصلحة المسلمين فلا يجوز نقضه إلا إذا زالت الحاجة إليه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب:٣٦].
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا حِمَى إِلا للهِ وَلِرَسُولِهِ». وَقال: بَلَغَنَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ. أخرجه البخاري (١).
- حكم الحريم:
الحريم: هو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور من الأرض. وهو كل ما يحتاج إليه لمصلحة العامر من المرافق.
كحريم البئر، وفناء الدار، والطريق، ومسيل الماء، والمحتطب، والمرعى، ومطرح الرماد ونحو ذلك من المرافق.
ومقدار الحريم: يكون بحسب العرف والحاجة، وذلك يختلف باختلاف
стр. 2129
العين المملوكة من أرض، أو بئر، أو شجر، أو نهر أو سوق ونحو ذلك.
- حكم إحياء الحريم:
لا يجوز إحياء حريم الأرض العامرة قبل الإحياء؛ لأنه تابع للعامر فلا يُملك، وكل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه، ولصاحب العامر أن يمنع غيره من إحياء حريم ملكه، فإن كانت الأرض المملوكة محاطة من جميع الجوانب بأملاك وطرق فهذه ليس لها حريم، بل كلٌّ يتصرف بملكه فقط.
وإن كان ما حول ملكه موات فله إحياء حريم أرضه، وهو أحق به من غيره؛ لتعلق مصالح أرضه به.
- حق الارتفاق:
حق الارتفاق: هو حق عيني في عقار لمنفعة عقار آخر لغيره كإجراء الماء مع أرض الجار، أو المرور في أرض الغير ونحو ذلك، ويجب ألا يؤدي استعمال حق الارتفاق إلى الإضرار بالغير، فلا يجوز للمار بأرض غيره إلحاق الأذى به.
وحقوق الارتفاق نوعان:
١ - الأملاك العامة كالأنهار، والطرق، والجسور ونحوها مما لا يختص به أحد، فحق الارتفاق ثابت للناس جميعاً.
٢ - الأملاك الخاصة بفرد لا يثبت حق الارتفاق عليها إلا بإذن المالك.
стр. 2130
- أنواع حقوق الارتفاق:
حقوق الارتفاق تختلف بحسب حاجات الناس، وأشهرها:
حق الشرب، حق الطريق، حق المسيل، حق التعلي، حق الجوار، حق المجرى، فهذه الأشياء يثبت لكل أحد حق الارتفاق بها كل بحسبه.
ويجب على الإمام الإنفاق على المرافق العامة من خزانة الدولة، تحقيقاً لمصلحة الناس، ودفعاً للضرر عنهم.
فإن لم يكن في بيت المال ما يُصلح به ما فسد منها أجبر الإمام الناس على إصلاحها؛ دفعاً للضرر، على القادرين النفقة، وعلى غير القادرين العمل بأنفسهم، ونفقتهم على الأغنياء.
وتجب نفقات إصلاح المسيل والمجرى على المنتفع به إذا كان في ملكه أو ملك غيره، فإن كان في أرض عامة فإصلاحه من بيت المال.
والمجرى مكان جلب الماء الصالح، والمسيل مكان تصريف الماء غير الصالح.
- مقدار الطريق عند الاختلاف:
تختلف سعة الطرق بحسب الحاجة إليها، ومن يمر بها من الناس، والسيارات، والبهائم، وإذا اختلف الناس في الطريق فأقله سبعة أذرع.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أذْرُعٍ. متفق عليه (١).
стр. 2131
١٩ - المسابقة
- المسابقة: هي السباق بين اثنين أو أكثر.
والسَّبْق: بلوغ الغاية قبل غيره.
- حكمة مشروعية المسابقة:
شرع الإسلام المسابقة لما فيها من المرونة، والتدرب على الكر والفر، وتقوية الأجسام، والصبر والجلد، وتهيئة الأبدان والأعضاء للجهاد في سبيل الله.
- حكم المسابقة:
المسابقات ثلاثة أقسام:
١ - المسابقة في الإبل والخيل والرمي.
فهذه تجوز بعوض؛ لما فيها من مصلحة الاستعداد للجهاد في سبيل الله.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
٢ - المسابقة بالمحرمات كالقمار والنرد والشطرنج ونحوها.
وهذه لا تجوز سواء كانت بعوض، أو بغير عوض.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة:٩٠].
стр. 2132
٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ». أخرجه مسلم (١).
٣ - المسابقة على الأقدام والدراجات ونحوها.
كالمصارعة والسباحة وغيرها مما لا يشغل عن طاعة، ولا يجر إلى مفسدة، ولا يترتب عليه ضرر، فهذه جائزة بلا عوض؛ ترويحاً للنفس.
ويجوز أن يعطى الفائز جائزة أو عوضاً غير محدد ولا مسمى؛ تشجيعاً له.
- شروط المسابقة:
١ - أن تكون الوسيلة التي يسابق عليها من نوع واحد.
٢ - أن تكون المسافة معلومة.
٣ - أن يكون العوض مباحاً معلوماً.
- حكم المصارعة والسباحة:
١ - تباح المصارعة والسباحة، وكل ما يقوي الجسم ويبعث على القوة والصبر، ويروِّح عن النفس وذلك إذا لم يشغل عن واجب، أو عن ما هو أهم منه، أو يؤدي إلى ارتكاب محظور.
٢ - المصارعة والملاكمة التي تمارس اليوم في حلبات الرياضة محرمة؛ لما فيها من الخطر والضرر، وكشف العورات، وإهدار الكرامات، وتحكيم القوانين، وارتكاب المحرمات.
- حكم التحريش بين الحيوانات:
لا يجوز التحريش بين الحيوانات والطيور، وإغراء بعضها ببعض، وتسليط
стр. 2133
بعضها على بعض في مكان مغلق، فكل هذا محرم؛ لأن الحيوانات لم تخلق لهذا، وإنما خُلقت للأكل والركوب والانتفاع.
- أنواع المسابقات:
المسابقات ثلاثة أنواع:
١ - المسابقة في الأعمال الصالحة، الواجبة والمستحبة، للحصول على مرضاة الله، والفوز بالجنة، وهذه هي المسابقة العالية التي أمر الله بها.
قال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد:٢١].
٢ - المسابقة في الأمور المباحة:
كالسباق على الخيل والإبل، والسباق على الأقدام، والرمي، والسباحة والمصارعة المباحة.
فهذه كلها جائزة، وقد تكون مستحبة بحسب نية من يسابق.
١ - قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ [يوسف:١٧].
٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَابَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ، فَأَرْسَلَهَا مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكَانَ أمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ، فَأرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَكَانَ أمَدُهَا مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا. متفق عليه (١).
стр. 2134
٣ - المسابقة في الأمور المحرمة:
كالمسابقة في النرد والشطرنج، ومسابقات الميسر والقمار، ومسابقات الجمال، ومسابقات عرض الأزياء وغيرها من المسابقات المحرمة التي يحصل بها الصد عن ذكر الله، وترك الواجبات، واقتراف المحرمات، وإضاعة الأوقات.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم:٥٩].
٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ». أخرجه مسلم (١).
- صور من القمار والميسر:
القمار: هو الميسر، وهو كل معاملة مالية يحصل بها الغُنْم أو الغُرْم بلا جهد.
ومن صور الميسر:
١ - البيع عن طريق سحب الأرقام:
بأن تكون البضاعة مرقّمة، فيدفع المشتري مبلغاً محدداً، أو يأخذ رقماً يستلم به بضاعة أعلى مما دفع أو أقل مما دفع، كأن يدفع عشرة، ويأخذ سلعة بمائة، أو بريال.
٢ - بيع اليانصيب:
وهو أن تباع أوراق كثيرة، وكل واحدة تحمل رقماً، فتباع بثمن قليل كريال مثلاً، وفي يوم السحب يختار البائع بعض الأوراق عشوائياً، فيفوز من اختير
стр. 2135
رقمه، ويخسر الباقون، وبذلك يكسب البائع أو الشركة الملايين، ويدفع جوائز بمائة ألف مثلاً.
٣ - كسب المراهنة:
كأن يقول إنسان: إن فاز الفريق الفلاني فَعَلَيَّ كذا، ويقول الآخر: إن فاز الفريق الآخر فَعَلَيَّ كذا.
٤ - أن يلعب أو يتسابق اثنان فأكثر، ويدفعون مالاً على أن من فاز أخذ المال.
٥ - كل بيع مجهول العاقبة كبيع الطير في السماء، والسمك في البحر، فهذه الصور من الميسر، وكلها محرمة؛ لما فيها من الغرر والجهالة، وأكل أموال الناس بالباطل.
- حكم الجوائز التي تقدمها الأسواق:
الهدايا والجوائز التي تقدم في الأسواق التجارية على كمية المبيعات .. وفي المسابقات والعروض .. وفي المهرجانات التجارية والرياضية والفنية .. ومسابقات الرسم والتصوير لذوات الأرواح .. ومسابقات عرض الأزياء .. ومسابقات ملكات الجمال ونحو ذلك مما يوقع فيما حرم الله ورسوله، كل ذلك من اللعب بعقول الأمة .. وأكل أموال الناس بالباطل .. وإضاعة الأوقات .. وإفساد الدين والأخلاق .. وإشغال الناس بذلك عما خُلقوا من أجله.
فيحرم ذلك كله، على البائع بذلاً، وعلى المشتري أخذاً.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩].
стр. 2136
- حكم المسابقات الرياضية:
١ - اللعب بالكرة إذا لم يكن على عوض، ولم يشغل عن واجب، ولم يؤد إلى ارتكاب محرم، أو حصول ضرر فهو جائز.
٢ - لعب الفرق الرياضية بالكرة المعاصرة مهما اختلف اللعب بها من اللهو الباطل الذي لا يجوز لما يلي:
ما فيه من التشبه بالكفار .. والتحاكم إلى الطاغوت .. وإضاعة الأوقات والأموال .. وكشف العورات .. والصد عن ذكر الله وطلب العلم وإضاعة الصلوات أو تأخيرها .. وحصول العداوة بين اللاعبين والمشجعين .. وإثارة الفتن .. ونشأة التحزبات .. وحصول السب والشتم .. وحدوث الكسور والتصادم بين اللاعبين.
ويحصل ذلك جلياً في المباريات الرياضية على طول العام، فهي من اللهو الباطل الذي شغل به الأعداء الناس عما خُلقوا من أجله، وهو عبادة الله ، والدعوة إليه، وتعليم شرعه.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ [الأعراف:٥١ - ٥٢].
стр. 2137
٢٠ - اللقطة
- اللقطة: هي كل مال ضل عنه ربه والتقطه غيره.
والشيء الذي لا يُعرف صاحبه إن كان آدمياً فهو لقيط، وإن كان حيواناً فهو ضالة .. وإن كان غير ذلك فهو لقطة.
- حكمة مشروعية اللقطة:
التقاط اللقطة وتعريفها قربة وطاعة؛ لما يحصل بها من الأجر، ولما فيها من حفظ مال الغير، والإحسان إليه.
- أقسام اللقطة:
المال الضائع ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا تَتْبعه همة أوساط الناس كالسوط، والعصا، والرغيف، والثمرة ونحوها.
فهذا يملكه من أخذه إن لم يجد صاحبه، ولا يجب تعريفه، والأَوْلى لمن استغنى عنه أن يتصدق به.
الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع كالإبل، والبقر، والخيل، والغزال من الحيوان، والطيور في السماء، فهذه لا تُلتقط، ومن أخذها لزمه ضمانها، وتعريفها أبداً.
الثالث: سائر الأموال كالنقود، والأمتعة، والحقائب، والحيوانات التي لا تمتنع من السباع كالغنم والفصلان ونحو ذلك.
فهذه يجوز أخذها إن أمن نفسه عليها، وقوي على تعريفها.
стр. 2138
- حكم اللقطة:
١ - يستحب لمن أمن نفسه على اللقطة، وقوي على تعريفها، أن يأخذها ويعرِّفها؛ لما في ذلك من حصول الأجر بحفظ مال الغير من الضياع، وحفظه ممن لا يؤمن عليه إن وقع في يده.
٢ - يحرم أخذها على من عرف من نفسه الطمع فيها، وعدم أداء الأمانة، والعجز عن التعريف؛ لأنه يعرِّض نفسه لأكل الحرام، ويَحْرم صاحبها من العثور عليها.
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَألَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقال: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَشَأْنَكَ بِهَا». قال: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قال: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الإبِلِ؟ قال: «مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلقَاهَا رَبُّهَا». متفق عليه (١).
- أنواع اللقطة:
اللقطة نوعان:
أحدها: ما يجوز التقاطه لحفظه لصاحبه، وتملّكه إن لم يعرف صاحبه، وهي غالب الأموال من النقد، والمتاع، والحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع.
الثاني: ما لا يجوز التقاطه لعدم حاجته إلى الحفظ كالإبل، ويقاس عليها البقر لقوتها، والغزلان لِعَدْوها، والطير لطيرانها.
فهذه الأموال الممتنعة من السباع تُترك ولا تُلتقط حتى يجدها ربها، ومن
стр. 2139
أخذها فيجب عليه تعريفها أبداً.
- شروط أخذ اللقطة:
يجوز أخذ اللقطة بشرطين هما:
الأمانة في حفظها .. والقوة على تعريفها.
- حكم الإشهاد على اللقطة:
اللقطة أمانةٌ في يد الملتقط، لا يضمنها إلا بالتعدي عليها، أو بمنع تسليمها لصاحبها إذا طلبها.
ويستحب الإشهاد على اللقطة؛ لئلا تضيع في ماله، فيجحدها وارثه، أو ينساها، أو ينسى أوصافها.
عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَليُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَليَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلاَ يَكْتُمْ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَإِنَّهُ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». أخرجه أحمد والنسائي في «الكبرى» (١).
- ما يفعل باللقطة:
١ - إذا أخذ الإنسان اللقطة حفظ عفاصها -وهو الوعاء- ووكاءها، ويسن أن يُشهد عليها عدلين، ثم يعرِّفها سنة كاملة، والسفيه والصغير يُعرِّف لقطتهما وليهما، فإن وجد صاحبها سلمها إليه، وإن لم يجده تملَّكها، ومتى جاء صاحبها فوصفها دفعها إليه، أو مثلها إن كانت قد نفقت.
٢ - إن كانت اللقطة من الحيوان كالشاة والفصيل ونحوهما، أو مما يخشى
стр. 2140
فساده، فللملتقط أن يفعل الأحظ لمالكه، من أكله وعليه قيمته، أو بيعه وحفظ ثمنه، أو حفظه مدة التعريف، ويرجع بما أنفق عليه على مالكه.
٣ - إن هلكت اللقطة أو تلفت في حول التعريف بغير تعد منه ولا تفريط، فلا ضمان عليه، فإن تعدى أو فرط ضمن اللقطة.
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ ﵁ أَنّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمّ اسْتَنْفِقْ بِهَا. فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَضَالّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «خُذْهَا، فَإنّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذّئْبِ». متفق عليه (١).
- كيفية تعريف اللقطة:
تعريف اللقطة هو المناداة عليها في المجامع العامة حول مكانها كالأسواق، وأبواب المساجد، والمدارس ونحو ذلك، أو الإعلان عنها في وسائل الإعلام المباحة.
وللملتقط أن يعرِّفها بنفسه، أو ينيب غيره مكانه.
- مدة تعريف اللقطة:
١ - ما كان له قيمة وشأن من اللقطة يعرِّفه سنة، وأما الشيء اليسير القليل فلواجده الانتفاع به من غير تعريف كالسوط والعصا، والكسرة والثمرة ونحو ذلك مما لا تُقطع به يد السارق.
عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: «لَوْلا أنِّي