٢٣ - الصلح
- الصلح: هو عقد يحصل به قطع النزاع بين المتخاصمين.
- حكمة مشروعية الصلح:
شرع الله الصلح ورغَّب فيه للحفاظ على المودة والإلفة بين المسلمين، والتوفيق بين المتخاصمين، وإزالة الشقاق بينهما، ونبذ الفرقة، واستئصال أسبابها المؤدية إليها.
وبذلك تصفو النفوس، وتزول الأحقاد، وتجتمع القلوب.
- فضل الإصلاح بين الناس:
الإصلاح بين الناس من أجلِّ القربات، وأعظم الطاعات، إذا قام به المسلم ابتغاء مرضاة الله تعالى.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء:١١٤].
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاس عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ». متفق عليه (١).
- حكم الصلح:
الإصلاح بين الناس مستحب، بل هو من أعظم القربات؛ لما فيه من
стр. 2172
المحافظة على المودة والمحبة، وقطع النزاع والشقاق.
والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً، فهو باطل ومحرم.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء:١٢٨].
٢ - وَعَنْ أمِّ كُلثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ ﵂ أنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْراً أوْ يَقُولُ خَيْراً». متفق عليه (١).
٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصُّلحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ» زَادَ أَحْمَدُ: «إِلاَّ صُلحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً». وَزَادَ سُلَيْمَانُ ابْنُ دَاوُدَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». أخرجه أبو داود (٢).
٤ - وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلاَ أُخْبرُكُمْ بأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ» قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «صَلاَحُ ذاتِ البَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
- جهات الصلح:
الصلح مشروع بين المسلمين .. وبين المسلمين والكفار .. وبين أهل العدل والبغي .. وبين الزوجين عند الشقاق والعضل .. وبين الجيران .. وبين
стр. 2173
الأقارب .. وبين الأصدقاء .. وبين المتخاصمين في المال .. وبين المتخاصمين في غير مال.
قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء:١١٤].
- الصلح الجائز:
الصلح الجائز هو ما وافق الشرع، وهو كل صلح لم يحل حراماً، ولم يحرم حلالاً، ولم يكن فيه جور على أحد، وهو العادل الذي أمر الله ورسوله به، ويُقصد به رضا الله تعالى.
- شروط الصلح الجائز:
يشترط لصحة الصلح ما يلي:
١ - أهلية المتصالحين، بأن تصح منهما التصرفات الشرعية.
٢ - ألا يشتمل الصلح على تحريم حلال، أو تحليل حرام.
٣ - ألا يكون أحد المتصالحين كاذباً في دعواه.
٤ - أن يكون المصلح تقياً، عالماً بالوقائع، عارفاً بالواجب، قاصداً العدل.
٥ - أن يكون الصلح على مال متقوَّم معلوم، أو منفعة مباحة معلومة.
٦ - أن يكون الصلح في حقوق العباد لا في حق الله.
فيصح الصلح في الحقوق المالية، ولا يصح في العبادات والحدود؛ لأن حقوق العباد يجوز الاعتياض عنها بمال أو غيره بخلاف حقوق الله.
стр. 2174
- أقسام الصلح:
ينقسم الصلح إلى قسمين:
صلح على مال .. وصلح على غير مال.
فالصلح على غير المال: أن يتم الصلح بين المختلفين بلا عوض.
والصلح على المال ينقسم إلى قسمين:
الأول: الصلح على إقرار، وهو نوعان:
١ - الصلح على جنس الحق، بأن يقر الإنسان لخصمه بدين أو عين فيُسقط عنه بعضه، فيصح ذلك؛ لأنه ملكه، وقد أسقط بعضه برضاه.
٢ - الصلح عن الحق بغير جنسه، بأن يقر لخصمه بمال، أو دار، أو بستان، ثم يصطلحان على عوض ببيع أو إجارة ونحوهما، فيصح ذلك.
الثاني: صلح على إنكار:
بأن يكون للمدعي حق لا يعلمه المدعى عليه فينكره، فإذا اصطلحا على شيء صح الصلح، ومن كذب لم يصح الصلح في حقه باطناً، وما أخذه حرام.
وهذا الصلح يكون في حق المدعي معاوضة عن حقه، وفي حق المدعى عليه افتداء ليمينه، وقطعاً للنزاع والخصومة عن نفسه.
- حكم الصلح عن الدَّين المؤجل ببعضه حالاًّ:
من كان له على غيره دين أو عين لا يعلم مقداره، ثم تصالحا على شيء صح الصلح، ومن كان له على غيره دين حال، فوضع بعضه، وأجّل باقيه، صح الإسقاط والتأجيل، وإن صالح عن الدين المؤجل ببعضه حالاًّ صح.
стр. 2175
عَنْ كَعْبٍ ﵁ أنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْناً كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: «يَا كَعْبُ». قال: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا». وَأوْمَأ إلَيْهِ: أيِ الشَّطْرَ، قال: لَقَدْ فَعَلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «قُمْ فَاقْضِهِ». متفق عليه (١).
- ما يبطل به الصلح:
يبطل الصلح بما يلي:
الإقالة في غير القصاص .. الرد بخيار العيب أو الرؤية .. وإذا بطل الصلح رجع المدعي إلى أصل دعواه.
- حكم الإبراء:
الإبراء: إسقاط شخص حقاً له في ذمة غيره أو هبته له.
والإبراء مستحب، وهو نوع من الإحسان والبر، لتضمنه إسقاط الحق عن المدين ولو لم يكن معسراً.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة:٢٨٠].
- شروط الإبراء:
يشترط لصحة الإبراء ما يلي:
أن يكون المبرئ من أهل التبرع .. وأن يكون مالكاً للحق المبرأ منه، أو وكيلاً عنه، أو وصياً .. وأن يتم الإبراء عن رضا .. وأن يكون المبرأ معلوماً
стр. 2176
معيناً .. وأن يكون الإبراء بعد وجوب الحق المبرأ منه.
- حكم المقاصة:
المقاصة: سقوط أحد الدينين بمثله جنساً وصفة.
كأن يكون لعلي ألف عند محمد، ولمحمد عند علي ألف، فيتلاقى الدينان قصاصاً، ويسقط حق أحدهما في مطالبة الآخر.
وتجوز المقاصة بين دين ودين، وبين دين وعين .. وبين نقد ونقد.
- حكم الإكراه:
الإكراه: هو حمل الغير على فعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته لو تُرك ونفسه.
- شروط الإكراه:
يشترط لتحقق الإكراه ما يلي:
أن يكون الإكراه بغير حق .. قدرة المُكرِه على تنفيذ ما هَدَّد به .. عجز المستكره عن دفع الإكراه بهرب أو غيره .. أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه .. أن يكون التهديد مما يستضر به كثيراً كالقتل، والحبس الطويل، وإتلاف المال .. أن يترتب على فعل المُكرَه به الخلاص من المهدَّد به.
- أنواع الإكراه:
الإكراه على فعلٍ أو تركٍ إما أن يكون على الأمور الحسية، أو على الأمور الشرعية:
١ - الإكراه على الأمور الحسية له ثلاثة أحوال:
стр. 2177
١ - فعل مباح: فمن أُكره على أكل الميتة أو الدم، أو شرب الخمر، وخُوِّف بالقتل أو قطع العضو ونحو ذلك، فيباح له فعل ذلك؛ لأن الله أباحها عند الضرورة، ولا إثم ولا حد على من فعل ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].
٢ - فعل مرخَّص: كإجراء كلمة الكفر على اللسان، مع اطمئنان القلب بالإيمان، وكَسَبّ النبي ﷺ ، أو الصلاة إلى الصليب، أو إتلاف مال المسلم ونحو ذلك فهو مسلم مضطر للنجاة من القتل، فهذه الأمور لا تباح، وإنما يرخص في فعلها عند الإكراه التام، ومن امتنع عن فعلها حتى قُتل فهو شهيد.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل:١٠٦].
٣ - فعل محرم: كمن أُكره على قتل مسلم بغير حق، أو قطع عضو من أعضائه، أو أُكره على الزنا، أو ضرب الوالدين، فلا يجوز فعل ذلك مع الإكراه؛ لأن القتل والاعتداء حرام محض.
ومن أَكره أحداً على القتل فقَتل: فإن كان المكرَه كالآلة فالقصاص على المكرِه وحده، وإلا فعليهما معاً؛ لأنهما شريكان في الجريمة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء:٣٢ - ٣٣].
стр. 2178
٢ - الإكراه على التصرفات الشرعية، وهو نوعان:
١ - نوع لا يحتمل الفسخ كالإكراه على النكاح، أو الطلاق، أو الظهار، أو العفو عن القصاص ونحو ذلك.
٢ - نوع يحتمل الفسخ كالإكراه على البيع، أو الشراء، أو الإجارة ونحوها من العقود المالية.
فجميع هذه التصرفات مع الإكراه باطلة غير صحيحة، سواء كانت إنشاءً، أو إقراراً؛ لأن المستكره مسلوب الإرادة، ولا نية له ولا قصد فيما فعل.
стр. 2179
٢٤ - القسمة
- القسمة: هي تعيين الحصة الشائعة.
- حكمة مشروعية القسمة:
يشترك الناس في تجارة أو عقارات أو أملاك، ويرغب بعض الناس في التصرف في أمواله بنفسه، والتخلص من سوء المشاركة، وكثرة الأيدي والآراء.
فأباح الله القسمة تحقيقاً لهذه المقاصد، ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف المستقل في أمواله بنفسه.
- حكم القسمة:
القسمة جائزة، سواء كانت في الأعيان أو المنافع.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء:٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ [القمر:٢٨].
- أنواع القسمة:
المقسوم نوعان:
قسمة الأعيان .. وقسمة المنافع.
فالأعيان كالأموال، والعقارات، والآلات، والمزارع ونحو ذلك.
والمنافع كالمياه.
стр. 2180
والقسمة نوعان:
الأول: قسمة تراض: وهي التي فيها ضرر، ورد عوض من أحدهما على الآخر كالأرض الصغيرة، والدار الصغيرة ونحوهما.
فهذه لا تجوز إلا برضا الشركاء كلهم، فكل ما لا يمكن قسمته بالأجزاء أو التعديل لا يقسم بغير رضا الشركاء كلهم كالبيع.
الثاني: قسمة إجبار: وهي التي لا ضرر فيها على الشريكين، ولا على أحدهما، ولا رد عوض كالأرض الواسعة، والمحلات التجارية، والمزارع الكبيرة، والمعدودات، والموزونات ونحو ذلك، فإذا طلب أحد الشركاء القسمة فيما ذُكر وأبى الشريك الآخر، أُجبر الممتنع؛ لعدم الضرر، ولحصول النفع لكل واحد.
- شروط القسمة:
يشترط لصحة قسمة التراضي ما يلي:
أهلية المتقاسمين .. مُلك ما يُقسم .. حضور الشركاء .. رضا الشركاء بالقسمة.
ويشترط لصحة قسمة الإجبار ما يلي:
طلب الشركاء أو أحدهم من القاضي قسمة ما بينهم .. ألا يترتب على القسمة ضرر .. أن تكون القسمة عادلة غير جائرة.
- نقض القسمة:
تنقض القسمة بالإقالة .. أو بالتراضي على فسخها.
стр. 2181
ويجب نقض القسمة فيما يلي:
ظهور غبن فاحش في القسمة .. وجود خطأ في المال المقسوم .. ظهور شريك آخر في المال .. ظهور دين على الميت يحيط بالتركة المقسومة.
- حكم قسمة المنافع:
قسمة المنافع جائزة كقسمة الأعيان، وقسمة الأعيان أقوى من قسمة المنافع؛ لأن الأُوْلى جمع المنافع في زمان واحد على الدوام، والثانية جمع المنافع على التعاقب بصفة وقتية، وقد ذكر الله قسمة المنافع في ناقة صالح ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء:١٥٥].
- أنواع قسمة المنافع:
قسمة المنافع نوعان:
١ - قسمة بالتراضي: وهي أن يتفق شريكان على كيفية الانتفاع من الدار أو الماء عن طريق التعاقب زماناً أو مكاناً.
٢ - قسمة بالتقاضي: وهي أن يطلب الشركاء أو أحدهم القسمة من القاضي قسمة المنفعة:
إما بالمناوبة الزمانية مدة معينة لكل واحد كأن يزرع أحدهما هذه الأرض سنة، ويزرعها الآخر سنة أخرى، أو على سكنى الدار، هذا سنة، والآخر سنة أخرى، فهذه لا بد من تعيين المدة.
أو المناوبة المكانية أن يتم انتفاع الشريكين معاً في وقت واحد، كدار تجمع منافع، أحدهما في جزء من الدار، والآخر في جزء آخر، أو أحدهما في
стр. 2182
العلو، والآخر في الأسفل.
- محل قسمة المنافع:
تصح قسمة المنافع المكانية في المال المشترك الذي يقبل القسمة كالأرض الكبيرة، والدار الكبيرة، أمّا ما لا يقبل القسمة كالسيارة، والحيوان، والكتاب، فلا تمكن فيه القسمة المكانية؛ لأنه محل واحد، وإنما تتعين فيه القسمة الزمانية لهذا يوم، ولهذا يوم.
стр. 2183
٢٥ - الهبة
- الهبة: هي تمليك الإنسان ماله لغيره في الحياة بلا عوض.
- الهدية: هي ما يُهدي للإنسان من مال غيره في الحياة بلا عوض.
- العطية: هي التبرع بالمال بلا عوض.
- الوصية: هي التبرع بالمال بعد الوفاة.
- الصدقة: هي التبرع بالمال في الحياة طلباً للثواب من الله تعالى.
وتطلق الهبة على الهدية والعطية، والجميع داخل في باب البر والإحسان، والصلة والمعروف، فالهبة والصدقة والعطية من رأس المال، والوصية من الثلث فأقل لغير وارث، وما زاد على الثلث، وكان لوارث، فهو موقوف على إجازة الورثة بعد الموت.
- حكمة مشروعية الهبة:
شرع الله الهبة لما فيها من تأليف القلوب، وتوثيق عرى المحبة بين الناس، خاصة إذا كانت على قريب، أو جار، أو ذي عداوة، فقد تحصل الخصومات، ويقع التنافر والتدابر، وتنقطع صلة الأرحام، فشرع الله الهبة والهدية لتصفية القلوب، وإزالة كل ما يسبب الفرقة بين الناس، ويطهر النفوس من رذيلة البخل والشح والطمع، وتحصيل الأجر والثواب لمن فعلها ابتغاء وجه الله تعالى.
- حكم الهبة:
الهبة عبادة من العبادات، وهي مستحبة؛ لما فيها من تأليف القلوب،
стр. 2184
وتحصيل الأجر والثواب، وحصول المحبة والمودة.
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. أخرجه البخاري (١).
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أيِّهِمَا أهْدِي؟ قال: «إِلَى أقْرَبِهِمَا مِنْكِ باباً». أخرجه البخاري (٢).
- فضل الهبة:
١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». متفق عليه (٣).
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قالتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثَلاثَةَ أهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أوقِدَتْ فِي أبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ. فَقُلتُ: يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قالتِ الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلا أنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ ألبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا. متفق عليه (٤).
- فقه الإنفاق الشرعي:
الله كريم يحب الجود والكرم، وكان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها .. ويدعو إلى قبولها .. ويرغِّب فيها .. وكان أعظم الناس صدقة بما ملكت
стр. 2185
يده .. لا يسأله أحد شيئاً إلا أعطاه إياه قليلاً كان أو كثيراً .. يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه، وكان فرحه وسروره بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه منه، إذا عرض له محتاج آثره على نفسه.
وكان ﷺ ينوِّع في أصناف عطائه وصدقته:
تارة بالهبة .. وتارة بالصدقة .. وتارة بالهدية .. وتارة يشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه .. وتارة يقترض الشيء فيرد أكثر منه .. وتارة يشتري الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعاً.
وبذلك كان أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، فصلوات الله وسلامه عليه.
- كرم النبي ﷺ :
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الإِسْلاَمِ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَاقَوْمِ! أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطَاءً لاَ يَخْشَى الفَاقَةَ. أخرجه مسلم (٢).
стр. 2186
- ما تنعقد به الهبة:
تنعقد الهبة بكل لفظ يفيد تمليك المال بلا عوض كوهبتك، أو أهديتك، أو أعطيتك، وتنعقد بكل معاطاة دالة عليها.
- ما يصح هبته:
كل ما يجوز بيعه تجوز هبته من الأموال، والعقار، والمنقول، قليلاً كان أو كثيراً، ويستحب قبولها، ويكره ردها وإن قلّت.
- شروط الهبة:
يشترط لصحة الهبة ما يلي:
أن يكون الواهب جائز التصرف .. وأن يكون مختاراً .. وأن يكون مالكاً للموهوب .. وأن يصدر منه ما يدل على الهبة.
ويشترط في الموهوب: أن يكون موجوداً حقيقة .. وأن يكون مالاً متقوّماً .. وأن يكون مملوكاً للواهب.
- أنواع الهبة:
الهبة إن كانت من الغني لمثله فهي للمودة والمحبة، وإن كانت من الغني إلى الفقير فهي للإحسان والمواساة، وإن كانت من الفقير إلى الغني فهي غالباً يراد بها المكافأة.
فالهبة نوعان:
١ - هبة مطلقة لا يُقصد بها العوض، وإنما يُقصد بها الأجر، وحصول المودة، سواء كانت لمن دونه، أو أعلى منه، أو مثله، وهذه هي الأصل، وهي مستحبة.
стр. 2187
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَل لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». متفق عليه (١).
٢ - هبة مقيدة، وهي التي يُقصد بها ثواب الدنيا.
فهذه حكمها حكم البيع، والغالب أن المهدي يطلب بها أكثر مما أهدى، والأفضل أن يقنع بما يُعطى، ولا يجعل الهدية طريقاً لابتزاز أموال الناس.
- ما تُملك به الهبة:
الهبة والصدقة تُملك بالقبض، فإذا لم يقبض الإنسان الهبة أو الصدقة فمن حق الواهب أو المتصدق أن يرجع فيها عند وجود عارض يمنعه من الصدقة أو الهبة.
- مقدار الهبة:
من كان له صبر على الفاقة، وقلة ذات اليد، فله التصدق بكل ماله أو بأكثره.
ومن لا صبر له، ويتكفف الناس إذا احتاج، لم يحل له أن يتصدق بجميع ماله ولا بأكثره.
- الأَوْلى بالهدية:
الأولى بالإهداء إليه الأقرب فالأقرب من الأهل، والأقارب، والجيران، والأصدقاء، من الأغنياء والفقراء.
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أيِّهِمَا
стр. 2188
أهْدِي؟ قال: «إِلَى أقْرَبِهِمَا مِنْكِ باباً». أخرجه البخاري (١).
٢ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂ أنَّهَا أعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «لَوْ أعْطَيْتِهَا أخْوَالَكِ كَانَ أعْظَمَ لأَجْرِكِ». متفق عليه (٢).
- ما لا يرد من الهدايا:
١ - عَنْ أنَسٍ ﵁ أنَّهُ كَانَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ، وَزَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ. أخرجه البخاري (٣).
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلاَ يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ المَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيحِ». أخرجه مسلم (٤).
- حكم قبول الهدية:
يستحب قبول الهدية، والإثابة عليها؛ مقابلةً للجميل بمثله أو أفضل منه، فإن لم يجد دعا له.
١ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأقُولُ: أعْطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقال: «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». متفق عليه (٥).
٢ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ
عليه (١).
٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ فِي الحُكْمِ. أخرجه أحمد والترمذي (٢).
- الفرق بين الهدية والرشوة:
الراشي يقصد بالرشوة إبطال حق، أو إحقاق باطل، فهذا محرم، فإن رشا لدفع الظلم عن نفسه اختص المرتشي وحده باللعنة.
وأما المهدي فقصده استجلاب المودة والإحسان، فإنْ قَصَد المكافأة فهو معاوض، وإن قصد الربح فهو مكاثر.
- حكم العُمْرَى والرُّقْبَى:
العمرى: أن يهب الإنسان غيره شيئاً مدة عمره، فإذا مات عادت للواهب، كأن يقول: أعمرتك هذه الدار مدة عمرك، أو مدة عمري.
الرقبى: كأن يقول: أرقبتك داري مدة حياتك، فإن مت قبلي رَجَعَتْ إليّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك.
فالعمرى والرقبى نوع من الهبة، لكنه مؤقت بوقت.
وحكمها أنها جائزة، والتوقيت باطل، فتكون العمرى والرقبى لمن وهبت له حياته، ولورثته من بعده، ولا ترجع للواهب.
١ - عَنْ جَابِرِ بْن عَبْداللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «أَمْسِكُوا
عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلاَ تُفْسِدُوهَا، فَإنّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلّذِي أُعْمِرَهَا، حَيّاً
стр. 2194
وَمَيّتاً، وَلِعَقِبِهِ». أخرجه مسلم (١).
٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرَى، أنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. متفق عليه (٢).
- حكم الهبة في مرض الموت:
المريض مرض الموت إذا وهب غيره هبة فحكم هبته كحكم الوصية، فلا تصح إلا إذا أجازها الورثة بعد الموت، ولا تصح لغير وارث بأكثر من الثلث إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت.
وإن وهب في مرض الموت ثم شفي فالهبة صحيحة.
- حكم الإشهاد على الهبة:
يستحب الإشهاد على الهبة قطعاً للنزاع والخلاف.
عَنِ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: أعْطَانِي أبِي عَطِيَّةً، فَقالتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقال: إِنِّي أعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأمَرَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: «أعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا». قال: لا، قال: «فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أوْلادِكُمْ». قالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. متفق عليه (٣).
- حكم الرجوع في الهبة:
من وهب لغيره هبة فلا يجوز له الرجوع فيها، إلا الوالد إذا وهب ولده فله
الرجوع، ويجوز للأب أن يأخذ من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه.
стр. 2195
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلبِ، يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَرْفَعَانِ الحَدِيث قَالَ: لاَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إِلاَّ الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ. أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
- حكم رد الهدية:
يستحب قبول الهدية، ويجوز ردها لسبب كأن يعلم أن المهدي صاحب منّة، أو يعيّرك بها، أو يتحدث بها أمام الناس.
ويجب رد الهدية لمانع شرعي كأن تكون مسروقة، أو مغصوبة، أو محرمة.
١ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ: أنَّهُ أهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَاراً وَحْشِيّاً، وَهُوَ بِالأبْوَاءِ أوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأى مَا فِي وَجْهِهِ قال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلا أنَّا حُرُمٌ». متفق عليه (٣).
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أعْلامٌ، فَنَظَرَ إلَى أعْلامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قال: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأنْبِجَانِيَّةِ أبِي جَهْمٍ، فَإنَّهَا ألهَتْنِي آنِفاً عَنْ صَلاتِي». متفق عليه (٤).
- كيف يعطي الإنسان أولاده؟:
١ - إذا أراد الإنسان أن يعطي أولاده من ماله فيجب عليه التسوية بينهم حسب
стр. 2196
ميراثهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن فضّل بعضهم على بعض سَوَّى برجوع أو زيادة.
٢ - إذا أعطى الإنسان أحد أولاده لسبب خاص من حاجة، أو زَمَانة، أو مرض، أو عجز، أو كثرة أولاد، أو لانشغاله بالعلم ونحوه، فيجوز التخصيص من أجل ذلك، ويحرم ذلك على سبيل الأَثَرة، وكذلك يعطي الورثة حسب ميراثهم.
عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵁ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: أعْطَانِي أبِي عَطِيَّةً، فَقالتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقال: إِنِّي أعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأمَرَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «أعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا». قال: لا، قال: «فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أوْلادِكُمْ». قال: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. متفق عليه (١).
стр. 2197
٢٦ - الوصية
- الوصية: هي التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت.
- الفرق بين الوصية والهبة:
الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع.
والهبة: تمليك المال لغيره في الحال.
وكلاهما يصح من مسلم وكافر.
- حكمة مشروعية الوصية:
قد يغفل الإنسان في حياته عن أعمال البر والخير، ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم الوصية؛ زيادة في القربات والحسنات، وتداركاً لما فرط فيه الإنسان في حياته من أعمال البر.
فجعل سبحانه للمسلم نصيباً من ماله يفرضه قبل مماته في أعمال البر التي تعود على الفقراء والمحتاجين بالخير والفضل، وتعود على الموصي بالثواب والأجر، والاستزادة من العمل الصالح، ومكافأة من أسدى للمرء معروفاً، وصلة للرحم والأقارب غير الوارثين، وسد خَلّة المحتاجين.
- حكم الوصية:
الوصية لها خمسة أحكام:
١ - واجبة: كالوصية برد الودائع والديون التي لا يعلمها إلا الموصي، والوصية بقضاء الحقوق الشرعية، سواء كانت لله كالزكاة والكفارات، أو كانت لآدمي كالديون والودائع ونحوهما، والوصية برد المغصوب أو المسروق
стр. 2198
ونحوهما.
٢ - مستحبة: كالوصية للأقارب غير الوارثين، والفقراء والمساكين، وجهات البر والخير.
٣ - محرمة: كالوصية بمعصية كبناء كنيسة، أو مصنع خمر، أو دار لهو، أو نشر كتب الضلال، والوصية لأهل الفسوق والعصيان، أو كان فيها إضرار بالورثة، أو الوصية لوارث محاباة له.
٤ - مكروهة: كالوصية من فقير وارثه محتاج.
٥ - مباحة: كالوصية من غني للأغنياء من الأقارب والأجانب.
١ - قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة:١٨٠ - ١٨٢].
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». متفق عليه (١).
- حكم تعجيل الوصية:
تنفيذ الوصية يكون بعد الموت، والأفضل تعجيل الوصايا لجهات البر في الحياة، وعدم تأخيرها لما بعد الموت؛ لأنه لا يأمن الموصي أن يُفرَّط بها بعد موته.
стр. 2199
فالصدقة في حال الحياة أفضل من الوصية؛ لأن المتصدق يجد ثواب عمله أمامه، ويصرفه حال حياته.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون:١٠].
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْرًا؟ قال: «أنْ تَصَدَّقَ وَأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأمُلُ الغِنَى، وَلا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ». متفق عليه (١).
- أركان الوصية:
أركان الوصية أربعة:
الموصي: وهو من صدرت منه الوصية.
الموصى إليه: وهو محل الوصية.
والموصى فيه: وهو المال أو التصرف.
والصيغة: وهي الإيجاب من الموصي، والقبول من الموصى إليه.
- شروط الوصية:
يشترط لصحة الوصية ما يلي:
أن يكون الموصي أهلاً للتبرع .. وأن يكون راضياً مختاراً .. وأن يكون مالكاً لما يوصي فيه.
ويشترط في الموصى له: أن يكون موجوداً .. وأن يكون معلوماً بنفسه أو
стр. 2200
صفته .. وأن تكون الجهة الموصى لها جهة بر لا جهة معصية .. وأن يكون الموصى إليه في التصرف حسن التصرف .. وأن يكون الموصى له بالمال غير وارث.
ويشترط في الموصى به: أن يكون مالاً يباح الانتفاع به شرعاً .. وأن يكون مملوكاً للموصي .. وأن يكون مما يصح تملّكه شرعاً .. وألا يكون الموصى به معصية أو محرم شرعاً .. وألا يكون بأكثر من ثلث ماله إن كان له وارث .. حصول الإيجاب من الموصي بقول أو فعل أو كتابة قبل موته .. وقبول الموصى له.
- أنواع الوصايا:
الوصية المشروعة أنواع، ومنها:
الوصية بالدين .. والوصية بالمال .. والوصية على الأهل .. والوصية على الأولاد .. والوصية على الأيتام .. والوصية على الأموال .. والوصية على الإنفاق.
- أعظم الوصايا:
أعظم الوصايا وأعلاها وأهمها هي الوصية بالدِّين والإيمان والتقوى، وهي وصية الله للأولين والآخرين .. ووصية الأنبياء لأبنائهم وأتباعهم إلى يوم الدين.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ [النساء:١٣١].
стр. 2201
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣].
٣ - وَعَنْ طَلْحَة بن مُصَرِّفٍ قَالَ: سَألْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ أبِي أوْفَى ﵁، هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أوْصَى؟ فَقال: لا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ، أوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ، قال: أوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. متفق عليه (١).
- وجوه الوصية:
١ - تكون الوصية بالتبرع بالمال بعد الموت، كأن يوصي بخُمس ماله لمعين كفلان، أو لموصوف كالفقراء، أو طلبة العلم، أو المجاهدين في سبيل الله، أو لجهة كبناء مسجد، أو حفر بئر، أو جمعية خيرية ونحو ذلك.
٢ - تكون الوصية بالتصرف المعلوم بعد الموت، كأن يوصيه بأن يزوج بناته، أو ينظر لصغاره، أو يفرق ثلثه ونحو ذلك، وهذه قربة يثاب عليها من قدر عليها.
ويصح قبول الموصى إليه الوصية في حياة الموصي وبعد موته، فإن ردها بطلت.
- حكم كتابة الوصية:
تصح الوصية بلفظ مسموع من الموصي أو خطه، ويستحب للإنسان أن يكتب وصيته قبل موته، ويُشهد عليها شاهدين؛ قطعاً للنزاع.
стр. 2202
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦].
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». متفق عليه (١).
- وقت ثبوت الوصية:
يستحق الموصى له الوصية بعد موت الموصي، وبعد سداد ديونه، فإذا استغرقت الديون التركة كلها فليس للموصى له شيء؛ لأن الإنسان إذا مات أُخرج من تركته الدَّين، ثم الوصية، ثم الميراث.
والاعتبار بصحة الوصية وعدم صحتها بحال الموت، فلو أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث، كأخ حُجب بابن تجدد صحت الوصية، ولو أوصى لغير وارث فصار عند الموت وارثاً، كما لو أوصى لأخيه مع وجود ابنه حال الوصية، ثم مات ابنه، فإنها تبطل الوصية إن لم تجزها الورثة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢].
- ما يترتب على الوصية:
يترتب على ثبوت الوصية ثبوت الملك للموصى له من وقت وفاة الموصي.
وإن لم يقبل الموصى له لم يتملك الموصى به، وعاد الملك إلى الورثة.
стр. 2203
وتنفذ وصية من لا دَيْن عليه ولا وارث له بكل ماله، من غير توقف على إجازة أحد.
- الحكم إذا تزاحمت الوصايا:
إذا تزاحمت الوصايا، وضاق عنها الثلث، ولم يُجز الورثة، أو أجازوها ولم تتسع التركة لتنفيذ جميع الوصايا فنعمل ما يلي:
١ - إن كان التزاحم في الوصايا بين الأشخاص، كما لو أوصى لزيد بخمسين، ولعمر بعشرين، ولخالد بثلاثين، فيُقسم الثلث بينهم حسب ما فرض لهم الموصي بحسب نسبته.
٢ - إن كان التزاحم في حقوق الله تعالى كفرض الحج، والزكاة، وصدقة التطوع، فيقدم الفرض على التطوع، فينفِّذ الوصية بأداء الحج عنه، وإخراج الزكاة الواجبة عنه، فإن بقي من الثلث شيء أدى التطوع من صدقات، وحج تطوع ونحوهما.
٣ - إذا تزاحمت في الوصية حقوق الله وحقوق العباد قُدِّم حق الله على غيره؛ لأن دَيْن الله أحق بالوفاء.
- أقسام الأوصياء:
ينقسم الأوصياء إلى ثلاثة أقسام:
١ - وصي الخليفة: وهو من يوصي له الخليفة بالبيعة من بعده.
٢ - وصي القاضي: وهو الذي يعينه القاضي مشرفاً على أمور القصر والصغار المالية.
٣ - الوصي المختار: وهو من يوصي إليه الإنسان في حياته للنظر في شئون أولاده أو أمواله بعد موته.
стр. 2204
وقبول هذه الوصية للقادر قربة إلى الله؛ لأنها تعاون على البر والتقوى، ومن لا يقدر عليها فتركها أولى.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ [البقرة:٢٢٠].
- أنواع تصرفات الوصي:
البيع والشراء لمصلحة الموصى عليه .. التوكيل .. والإيصاء لغيره بإذن الموصي .. المضاربة بمال الموصى عليه .. وقضاء الدين .. والقسمة عن الموصى له .. دفع المال للمحجور عليه عند رشده .. الأكل من مال اليتيم وركوب دوابه بقدر الحاجة .. وإذا امتنع عن القيام بالوصية إلا بأجره .. فيجعل له القاضي أُجرة المثل.
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء:٦].
- مقدار الوصية المسنونة:
١ - من كان ماله يسيراً فالأفضل أن يتركه لورثته.
٢ - من كان له مال كثير وله وارث فالأفضل أن يوصي بالخمس أو الربع، ويجوز له أن يوصي بالثلث من ماله، ولا تنفذ وصيته بأكثر من الثلث إلا بإجازة الورثة لها بعد موت الموصي، ومن كان له مال كثير، وليس له وارث، وليس
عليه دين, فيجوز له أن يوصي بجميع ماله في كل ما فيه منفعة ومصلحة؛
стр. 2205
لأن المنع بأكثر من الثلث لحق الورثة، ولا وارث هنا.
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لاَ». فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لاَ». ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». متفق عليه (١).
- حكم الوصية بأكثر من الثلث:
من كان له وارث فلا تجوز له الوصية لغير وارث بأكثر من الثلث، فإن أوصى له بالزيادة على الثلث فلا بد من إجازة الورثة لها بعد الموت وإلا بطلت.
ولا يجوز له الوصية لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة، فإن لم يجيزوا بطلت، وإن أجاز بعضهم دون بعض نَفَذَت في حق المجيز فقط، ولا تكون الإجازة مقبولة ولا ملزمة إلا بعد موت الموصي.
ويشترط فيمن يجيز أن يكون من أهل التبرع، وأن يكون عالماً بما يجيزه.
- نص الوصية:
يستحب للموصي إن كان له مال أن يبادر لكتابة وصيته، وأن يُشهد عليها شاهدين، وأن يبينها حتى يسهل تنفيذها والعمل بها، وأن يكتب في صدرها
الوصية العظمى، وهي الوصية بتقوى الله، ثم يذكر ما يريد.
стр. 2206
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِى صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلاَنُ ابْنُ فُلاَنٍ، أَوْصَى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِى القُبُورِ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَأَنْ يُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا وَصَّى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبَ: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أخرجه البيهقي والدارقطني (١).
- حكم تبديل الوصية:
يجب أن تكون الوصية بالمعروف، فإن قصد الموصي مضارة الوارث حرم عليه ذلك، وهو آثم، ويحرم على الموصى إليه وغيره تبديل الوصية العادلة.
وينبغي لمن علم أن في الوصية جَنَفاً أو إثماً أن ينصح الموصي ويشير عليه بالأحسن والأعدل، وينهاه عن الجور والظلم.
فإن لم يستجب أصلح بين الموصى إليهم؛ ليحصل العدل والتراضي، وبراءة ذمة الميت.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة:١٨٠ - ١٨٢].
стр. 2207
- حكم الوصية لغير وارث:
تستحب الوصية للوالدين الَّذَين لا يرثان كالوالدين من الرضاع، وللأقارب الفقراء الذين لا يرثون؛ لأنها عليهم صدقة وصلة.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة:١٨٠].
- حكم الرجوع في الوصية:
يجوز للموصي الرجوع في الوصية، ونقضها، وزيادتها، سواء كتبت أم لا، فإذا مات الموصي استقرت.
- ما تبطل به الوصية:
تبطل الوصية بأسباب:
إما من الموصي كرجوعه عن الوصية، وإما من الموصى له، وهو رد الوصية، أو موته قبل الموصي، أو قتل الموصي، أو جنون الموصي له بالتصرف، وإما من الموصى به، وهو هلاك العين الموصى بها، أو استحقاقها.
وإما بانتهاء مدة الوصية.
- حكم الوصية للوالدين بأعمال البر:
يستحب للمسلم أن يوصي لوالديه، أو أقاربه بحَجَّة أو أضحية ونحوها، وينفذها لهم في حياته؛ لأنه من باب البر والإحسان إليهم بالثواب، لا من باب الوصية التي يُقصد بها التمليك بعد الموت.
стр. 2208
٢٧ - الوقف
- الوقف: هو حبس أصل المال، وتسبيل منافعه، طلباً للثواب من الله .
- حكمة مشروعية الوقف:
يرغب من وسَّع الله عليهم من أهل الغنى واليسار أن يتزودوا من الطاعات، ويُكثروا من القربات، وذلك بوقف شيء من أموالهم العينية مما يبقى أصله، وتستمر منفعته، خشية أن يؤول بعد الموت إلى من لا يحفظه ولا يصونه.
لذا شرع الله الوقف لما فيه من مصالح الدين والدنيا والآخرة، فالعبد يعظم أجره بتوقيف ماله ابتغاء وجه الله، والموقوف عليه ينتفع بذلك المال، ويدعو لصاحب الوقف.
- حكم الوقف:
الوقف مستحب؛ لما فيه من بر الأحباب، ومواساة الفقراء في الدنيا، وتحصيل الثواب في الآخرة.
والوقف الشرعي الصحيح هو ما كان على جهة بر من قريب، أو فقير، أو جهة خيرية نافعة، فهو صدقة جارية دائمة.
وهو من أفضل الصدقات التي حث الله عليها، ورغَّب فيها رسوله ﷺ ؛ لأنه صدقة دائمة ثابتة في وجوه البر والإحسان.
وهو من أجلِّ وأعظم أعمال القُرب التي لا تنقطع بعد الموت.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢].
стр. 2209
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (١).
٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أرْضاً، فَأتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أصَبْتُ أرْضًا، لَمْ أصِبْ مالاً قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا». فَتَصَدَّقَ عُمَرُ: أنَّهُ لا يُبَاعُ أصْلُهَا، وَلا يُوهَبُ، وَلا يُورَثُ، فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. متفق عليه (٢).
- أركان الوقف:
أركان الوقف أربعة:
الواقف .. والموقوف .. والموقوف عليه .. والصيغة: وهي إيجاب الواقف على نفسه الوقف بالقول أو الفعل حسب العرف.
- أقسام الوقف:
الوقف قسمان:
الأول: وقف على المصالح الدينية.
كأن يوقف الإنسان مسجداً، أو مدرسة لطلاب العلم، أو داراً للضعفاء والفقراء والأيتام والأرامل ونحو ذلك.
стр. 2210
الثاني: وقف على المصالح الدنيوية.
كأن يبني داراً ويجعلها وقفاً على ورثته، أو يوقف مزرعة ويجعل غَلَّتها لهم.
فهذا وذاك كلاهما صدقة جارية باقية للعبد بعد وفاته.
- شروط الوقف:
يشترط لصحة الوقف ما يلي:
١ - أن يكون الواقف أهلاً للتبرع، مالكاً لما سيقفه.
٢ - أن يكون الموقوف مالاً متقوَّماً، معلوماً، مملوكاً للواقف.
٣ - أن يكون الوقف عيناً معلومة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.
٤ - أن يكون الوقف على بر كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والفقراء.
٥ - أن يكون الوقف على معين من جهة كمسجد كذا، أو صنف كالفقراء، أو شخص كزيد مثلا.
٦ - أن يكون الوقف مؤبداً غير مؤقت، منجّزاً غير معلق، إلا إذا علقه بموته فيصح ويكون وصية.
- ما ينعقد به الوقف:
ينعقد الوقف ويصح بأحد أمرين:
١ - القول: كأن يقول: وقّفت، أو حبّست، أو سبّلت ونحو ذلك.
٢ - الفعل: كأن يبني مسجداً ويأذن للناس بالصلاة فيه، أو يسوِّر مقبرة ويأذن للناس بالدفن فيها، أو يقيم مدرسة ويأذن للناس بالدراسة فيها، أو يحفر بئراً ويأذن للناس بالشرب منها.