عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِى صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلاَنُ ابْنُ فُلاَنٍ، أَوْصَى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِى القُبُورِ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَأَنْ يُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا وَصَّى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبَ: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أخرجه البيهقي والدارقطني (١).
- حكم تبديل الوصية:
يجب أن تكون الوصية بالمعروف، فإن قصد الموصي مضارة الوارث حرم عليه ذلك، وهو آثم، ويحرم على الموصى إليه وغيره تبديل الوصية العادلة.
وينبغي لمن علم أن في الوصية جَنَفاً أو إثماً أن ينصح الموصي ويشير عليه بالأحسن والأعدل، وينهاه عن الجور والظلم.
فإن لم يستجب أصلح بين الموصى إليهم؛ ليحصل العدل والتراضي، وبراءة ذمة الميت.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة:١٨٠ - ١٨٢].
стр. 2207
- حكم الوصية لغير وارث:
تستحب الوصية للوالدين الَّذَين لا يرثان كالوالدين من الرضاع، وللأقارب الفقراء الذين لا يرثون؛ لأنها عليهم صدقة وصلة.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة:١٨٠].
- حكم الرجوع في الوصية:
يجوز للموصي الرجوع في الوصية، ونقضها، وزيادتها، سواء كتبت أم لا، فإذا مات الموصي استقرت.
- ما تبطل به الوصية:
تبطل الوصية بأسباب:
إما من الموصي كرجوعه عن الوصية، وإما من الموصى له، وهو رد الوصية، أو موته قبل الموصي، أو قتل الموصي، أو جنون الموصي له بالتصرف، وإما من الموصى به، وهو هلاك العين الموصى بها، أو استحقاقها.
وإما بانتهاء مدة الوصية.
- حكم الوصية للوالدين بأعمال البر:
يستحب للمسلم أن يوصي لوالديه، أو أقاربه بحَجَّة أو أضحية ونحوها، وينفذها لهم في حياته؛ لأنه من باب البر والإحسان إليهم بالثواب، لا من باب الوصية التي يُقصد بها التمليك بعد الموت.
стр. 2208
٢٧ - الوقف
- الوقف: هو حبس أصل المال، وتسبيل منافعه، طلباً للثواب من الله .
- حكمة مشروعية الوقف:
يرغب من وسَّع الله عليهم من أهل الغنى واليسار أن يتزودوا من الطاعات، ويُكثروا من القربات، وذلك بوقف شيء من أموالهم العينية مما يبقى أصله، وتستمر منفعته، خشية أن يؤول بعد الموت إلى من لا يحفظه ولا يصونه.
لذا شرع الله الوقف لما فيه من مصالح الدين والدنيا والآخرة، فالعبد يعظم أجره بتوقيف ماله ابتغاء وجه الله، والموقوف عليه ينتفع بذلك المال، ويدعو لصاحب الوقف.
- حكم الوقف:
الوقف مستحب؛ لما فيه من بر الأحباب، ومواساة الفقراء في الدنيا، وتحصيل الثواب في الآخرة.
والوقف الشرعي الصحيح هو ما كان على جهة بر من قريب، أو فقير، أو جهة خيرية نافعة، فهو صدقة جارية دائمة.
وهو من أفضل الصدقات التي حث الله عليها، ورغَّب فيها رسوله ﷺ ؛ لأنه صدقة دائمة ثابتة في وجوه البر والإحسان.
وهو من أجلِّ وأعظم أعمال القُرب التي لا تنقطع بعد الموت.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢].
стр. 2209
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلاّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (١).
٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أرْضاً، فَأتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أصَبْتُ أرْضًا، لَمْ أصِبْ مالاً قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا». فَتَصَدَّقَ عُمَرُ: أنَّهُ لا يُبَاعُ أصْلُهَا، وَلا يُوهَبُ، وَلا يُورَثُ، فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. متفق عليه (٢).
- أركان الوقف:
أركان الوقف أربعة:
الواقف .. والموقوف .. والموقوف عليه .. والصيغة: وهي إيجاب الواقف على نفسه الوقف بالقول أو الفعل حسب العرف.
- أقسام الوقف:
الوقف قسمان:
الأول: وقف على المصالح الدينية.
كأن يوقف الإنسان مسجداً، أو مدرسة لطلاب العلم، أو داراً للضعفاء والفقراء والأيتام والأرامل ونحو ذلك.
стр. 2210
الثاني: وقف على المصالح الدنيوية.
كأن يبني داراً ويجعلها وقفاً على ورثته، أو يوقف مزرعة ويجعل غَلَّتها لهم.
فهذا وذاك كلاهما صدقة جارية باقية للعبد بعد وفاته.
- شروط الوقف:
يشترط لصحة الوقف ما يلي:
١ - أن يكون الواقف أهلاً للتبرع، مالكاً لما سيقفه.
٢ - أن يكون الموقوف مالاً متقوَّماً، معلوماً، مملوكاً للواقف.
٣ - أن يكون الوقف عيناً معلومة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.
٤ - أن يكون الوقف على بر كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والفقراء.
٥ - أن يكون الوقف على معين من جهة كمسجد كذا، أو صنف كالفقراء، أو شخص كزيد مثلا.
٦ - أن يكون الوقف مؤبداً غير مؤقت، منجّزاً غير معلق، إلا إذا علقه بموته فيصح ويكون وصية.
- ما ينعقد به الوقف:
ينعقد الوقف ويصح بأحد أمرين:
١ - القول: كأن يقول: وقّفت، أو حبّست، أو سبّلت ونحو ذلك.
٢ - الفعل: كأن يبني مسجداً ويأذن للناس بالصلاة فيه، أو يسوِّر مقبرة ويأذن للناس بالدفن فيها، أو يقيم مدرسة ويأذن للناس بالدراسة فيها، أو يحفر بئراً ويأذن للناس بالشرب منها.
стр. 2211
- أنواع الوقف:
الوقف إما أن يكون على شخص كزيد مثلاً .. أو يكون على جهة خيرية كمسجد أو مدرسة أو مستشفى أو بئر ماء ونحو ذلك .. أو يكون على صنف معين كالفقراء، أو المعلمين، أو طلبة العلم ونحو ذلك.
- ما يصح وقفه:
يجوز وقف كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه من عقار، ومنقول.
فالعقار كالأرض، والدار، والدكان، والبستان ونحو ذلك.
والمنقول كالحيوان، والسيارة، والسلاح، والدروع، والآلات، والكتب، والحلي، والأثاث ونحو ذلك.
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ عُمَرَ ﵁ وَجَدَ مالاً بِخَيْبَرَ، فَأتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا». فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَذِي القُرْبَى، وَالضَّيْفِ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِالمُطَّلِبِ: فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلا أنَّهُ كَانَ فَقِيراً فَأغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً، قَدِ احْتَبَسَ أدْرَاعَهُ وَأعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِالمُطَّلِبِ: فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». متفق عليه (٢).
- مقدار الوقف:
ليس للوقف مقدار محدد، لكن الوقف يختلف باختلاف أحوال الناس في
стр. 2212
الغنى والسعة، فمن كان غنياً لا وارث له، فله أن يوقف جميع ماله، ومن كان غنياً وله ورثة فله أن يوقف بعض المال، ويترك الباقي للورثة.
- مدة الوقف:
الوقف مطلق مؤبد لله .
فمن أوقف أرضاً أو داراً أو مزرعة لله فقد خرجت عن ملكه وتصرفه إلى ملك الله ، فلا تباع، ولا توهب، ولا تورث، ولا تسترد، وليس للورثة أن يبيعوها؛ لأنها خرجت عن ملكية المورِّث.
- ثبوت الوقف:
إذا نطق الإنسان بصيغة الوقف، أو فعل الواقف ما يدل على الوقف، فقد لزم الوقف، ولا يحتاج ثبوت الوقف إلى قبول الموقوف عليه، ولا يحتاج كذلك إلى إذن الحاكم، وإذا ثبت الوقف فإنه لا يجوز التصرف فيه بما يزيل وقْفِيَّته.
- اختيار الوقف:
الله ﵎ طيب لا يقبل إلا طيباً، فإذا أراد المسلم أن يوقف شيئاً طلباً لمرضاة الله ، فيحسن به أن يختار أحسن أمواله، وأنفسها عنده، وأحبها إليه، وذلك من تمام البر والإحسان.
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأَنْصار بِالمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أحَبُّ أمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قال أنَسٌ: فَلَمَّا
أُنْزِلَتْ هَذِهِ الايَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قَامَ أبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وَإِنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ،
стр. 2213
أرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أرَاكَ اللهُ. قال: فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقْرَبِينَ». فَقال أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أبُو طَلْحَةَ فِي أقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. متفق عليه (١).
- أفضل الأوقاف:
أفضل الأوقاف وأحبها إلى الله هو كل ما عمّ نفعه لعموم الناس في كل زمان ومكان، كوقف الماء، وبناء المساجد، ودور العلم، وعلى المجاهدين في سبيل الله، وطلبة العلم، والأقارب، والفقراء، والبساتين التي يطعم منها الفقراء والمساكين.
وأفضل الأوقاف ما فيه إحياء النفوس والقلوب، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأموال، والأحوال، والأشخاص.
فإذا كان الإنسان في بلد يموت فيه الناس من الجوع والعطش فالأفضل الوقف على إنقاذ الأنفس من الموت والجوع والعطش، والصدقة على القريب الفقير أفضل؛ لأنها صدقة وصلة.
وإذا كان الإنسان في بلد فيه الأرزاق متيسرة، والناس محتاجون إلى العلم، فبناء المساجد ودور العلم أفضل وأعظم ثواباً .. وهكذا.
- أنواع الأوقاف في عهد الرسول ﷺ :
١ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ أمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، وَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا». قَالُوا: لا وَاللهِ، لا
فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لا تَشْتَرِه، وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». متفق عليه (١).
- صفة قسمة ريع الوقف:
١ - إذا وقف الإنسان على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم، فإن لم يمكن جاز التفضيل والاقتصار على أحوجهم.
٢ - إذا وقف على أولاده ثم على المساكين، فهو لأولاده الذكور والإناث وإن نزلوا للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإن كان لبعضهم عيال، أو به مرض، أو كان محتاجاً أو عاجزاً عن الكسب فخصه بشيء من الوقف فحسن.
٣ - إذا قال هذا الوقف وقف على أبنائي أو بني فلان فهو للذكور دون الإناث إلا أن يكون على قبيلة كبني هاشم فيدخل النساء مع الرجال.
٤ - يجب العمل بشرط الواقف في الجمع والتقديم والترتيب ما لم يخالف الشرع، فإن أطلق ولم يشترط عمل بالعادة والعرف ما لم يخالف الشرع.
- أحكام الوقف:
١ - يصح الوقف على كل بر، على الغني والفقير، والقريب والبعيد، والجهات
والأفراد.
٢ - يجوز الوقف على أكثر من جهة كالفقراء، والعلماء، والأغنياء ونحو ذلك.
٣ - لا يصح وقف ما يَتْلف بالانتفاع به كالنقود، والطعام، والشراب، ولا ما لا يجوز بيعه كالمرهون، والمغصوب.
стр. 2216
٤ - يصح وقف المعيَّن والمشاع.
٥ - إذا وقف شيئاً ولم يبين المصرف فيُصرف في أفضل جهات البر والإحسان المتعدي نفعها كبناء المساجد، وحفر الآبار، والفقراء، وطلبة العلم وغيرها.
٦ - ما فَضُل من رَيْع الوقف يُصرف في مثله كمسجد، أو مدرسة، أو مستشفى ونحو ذلك.
٧ - إذا وقف على ما فيه معصية صح الوقف، لكن يصرفه القاضي إلى أقرب السبل خيراً من جهات البر والإحسان، كما لو وقف داراً لبناء كنيسة، أو مصنع خمر ونحو ذلك فتُصرف لبناء مسجد، أو سقي الماء ونحو ذلك.
٨ - الوقف أصل ثابت يجوز دفعه إلى آخرَ يقوم بتعميره من ماله بنسبة معينة من ريعه.
- حكم بيع الوقف:
الوقف مال أخرجه الإنسان عن ملكيته لله ، فلا يجوز التصرف فيه ببيع أو هبة ونحوهما؛ لأن البيع يفتقر إلى ملكية، والوقف لا مالك له، والقاضي له ولاية مبنية على الولاية العامة للحاكم ببيع ما لا مالك له.
فإذا خرب الوقف، وتعطلت منافعه جاز بيعه واستبداله بمثله أو أفضل منه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، أو مسجد انصرف أهل القرية عنه، أو ضاق
بأهله ولم يمكن توسيعه ونحو ذلك من الأسباب التي تُنقِص أو تَمنع الانتفاع به.
- حكم تغيير صورة الوقف:
الوقف ينفَّذ حسب أمر الواقف، ولا يجوز تبديل صورة الوقف سواء كان
стр. 2217
أرضاً، أو مزرعة، أو مسجداً، أو داراً، إلا إذا تعطلت منافعه فيُصرف في مثله.
وتجوز مخالفة نص الواقف بنظر القاضي إلى ما هو أصلح وأنفع وأحب إلى الله تعالى.
ويجوز إبدال الموقوف بخير منه في حالتين:
إحداهما: أن يكون الإبدال للحاجة كمسجد رحل الناس عنه، أو دار انهدمت، أو فرس انكسرت، فيباع ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه من مثله.
الثانية: الإبدال لمصلحة راجحة كبستان تعطلت منافعه، وقَرُب منه العمران، يُقَطَّع أراضي، ويبنى عليها مسجد، أو مدرسة، أو مستشفى، أو بيوت لسكن الفقراء والأيتام والأرامل، أو محلات تجارية تبنى وتؤجر، وتؤخذ أجرتها وتصرف في وجوه البر والإحسان ونحو ذلك.
فمع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه؛ لظهور المصلحة، وعموم المنفعة.
- الناظر على الوقف:
يجب على الواقف أن يعين ناظراً على الوقف؛ لئلا يضيع، وإذا لم يعين الواقف ناظراً فالنظر يكون للموقوف عليه إن كان معيناً، ويجوز تعدد النظَّار عند الحاجة.
وإن كان على جهة كالمساجد، والجهات الخيرية، ومن لا يمكن حصرهم كالفقراء، وطلبة العلم، والمجاهدين ونحوهم فالنظر على الوقف يكون للحاكم.
ويشترط في الناظر العدالة والكفاية، فإن لم تتوفر العدالة والكفاية نزع
стр. 2218
الحاكم الوقف منه، وأشرف عليه.
- وظيفة الناظر:
مهمة ناظر الوقف محصورة في أمرين:
الأول: المحافظة على الوقف، ورعايته، وصيانته، وتنميته.
الثاني: صرف الوقف في الجهة التي سمى الواقف، ولا يتصرف زيادة على ذلك إلا بإذن القاضي.
- عزل الناظر:
يجوز للواقف عزل الناظر متى شاء .. وللناظر عزل نفسه متى شاء بعلم القاضي.
ويجب على القاضي عزل الناظر إذا كان خائناً غير مأمون، أو كان عاجزاً، أو ظهر به فسق كشرب خمر ونحوه، أو كان يصرف مال الوقف في غير المفيد.
وإذا تم عزل الناظر عيَّن القاضي ناظراً غيره على الوقف، وتكون أجرته من ريع الوقف يقدِّرها القاضي حسب العرف.
- نفقة الوقف:
نفقة الوقف وعمارته وصيانته حيث شَرَطها الواقف إما من ماله، أو من مال الوقف، فإن لم يمكن معرفة ذلك فمن غَلَّة الوقف أو منافعه؛ لأن حفظ أصل
الوقف لا يمكن إلا بالإنفاق عليه من غَلَّته، فإن تعطلت منافع الوقف على جهة فنفقته من بيت المال؛ لأنه من المصالح العامة.
- حكم الوقف على الورثة:
يجب على الإنسان التسوية بين أولاده، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يجوز
стр. 2219
تفضيل بعضهم على بعض بدون سبب ظاهر.
وإذا كان أحد أولاده مريضاً أو عاجزاً فيجوز أن يخصه بما يسد حاجته.
ويحرم على الإنسان أن يقف وقفاً يضارّ به الورثة، فإن فعل فالوقف باطل.
وإذا خاف الرجل على بناته أن تُطَلَّق من بعده، أو ترمل بناته من بعده، فلا حرج عليه أن يوقف عليهن الدور؛ شفقة عليهن، ورحمة بهن؛ لأن الذكر يستطيع أن يتكسب، بخلاف الأنثى، خاصة إذا طُلِّقت ربما لا تجد من يرفق بها، خاصة إذا لم يكن لها أبناء، أو من يقوم عليها.
- حكم وقف الكافر:
الوقف قربة يتقرب بها العبد إلى الله .
ويصح الوقف من الكافر، لكن يثاب على صدقاته في الدنيا، ولا حظ له من الثواب في الآخرة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مُؤْمِناً حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا للهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا». أخرجه مسلم (١).
- حكم أوقاف الكفار:
أوقاف الكفار نوعان:
١ - الوقف على معين، أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها كإطعام الفقراء، وإصلاح الطرق، وحفر الآبار، والمصالح العامة.
стр. 2220
فهذا الوقف صحيح ينفع صاحبه الكافر في الدنيا لا في الآخرة.
٢ - الوقف على الكنائس والبِيَع ومواطن الشرك ونحوها.
فهذا الوقف لا يصح من مسلم ولا كافر؛ لما فيه من الإعانة على الكفر وتقويته واستمراره.
وللإمام أن يستولي على كل ذلك، ويجعله في القربات التي شرعها الله ورسوله.
- زكاة الوقف:
الوقف له حالتان:
الأولى: أن يكون الوقف على جهة تستحق الزكاة، فهذا لا زكاة فيه.
الثانية: أن يكون الوقف على جهة لا تستحق الزكاة، فهذا بمجرد صرف الأموال لكل واحد من الموقوف عليهم يستقبل به الحول، ثم يزكيه إذا حال عليه الحول، وبلغ النصاب.
وزكاة الزروع والثمار تجب بعد جَنْيه وحصاده: العشر فيما سقي بلا مؤنة، ونصف العشر فيما سقي بمؤنة.
- مبطلات الوقف:
يبطل الوقف بما يلي:
الوقف على كنيسة .. الوقف على معصية .. الوقف على كافر حربي .. الجهل بسبق الوقف على الدين .. موت الواقف قبل تسليم الوقف.
стр. 2221
٢٨ - العتق
- العتق: هو فك رقبة الآدمي من الرق.
نشأة الرق:
الإنسان إذا كفر بالله نزل عن التكريم الذي كرمه الله به، فإذا وقف في وجه الإسلام محارباً له ثم أُسِر، فالإمام مخير بين ضرب عنقه، أو استرقاقه، فإذا أسلم هذا الرقيق المملوك فتح الإسلام له أبواب العتق، ورغب في عتقه وتحريره من الرق.
- سبب الرق:
الناس كلهم أحرار، ولا يجوز استرقاق الآدميين إلا بسبب واحد، وهو أن يؤسروا وهم كفار مقاتلون.
وقد جعل الله لتخليصهم من ذل الرق عدة أسباب، فقد جعل العتق الكفارة الأولى في قتل الخطأ، وفي الظهار، وفي الوطء في نهار رمضان، كما جعله من مكفرات اليمين، ومن أفضل القُرَب.
- حكمة مشروعية العتق:
العتق من أعظم القُرَب التي رغَّب فيها الإسلام؛ لما فيه من تخليص الآدمي من ذل الرق، وتمكينه من التصرف في نفسه وماله كيف شاء.
- حكم العتق:
عتق الرقاب من ذل الرق من أعظم القُرَب المستحبة.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾
- ما يحصل به العتق:
يقع العتق من الجاد والهازل بكل لفظ يدل عليه كأنت حر أو عتيق ونحوهما.
ومن مَلَك ذا رحم محرم كأمه وأبيه ونحوهما عَتُق عليه بالملك.
وأيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته.
وإذا أُعتق بعض العبد عتق كله.
وإذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما، فإن كان موسراً قُوِّم عليه العبد كله، وإن لم يكن للمعتق مال فقد عتق من العبد ما عتق، وعلى العبد أن يسعى في عتق ما بقي منه.
١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أعْتَقَ شَقِيصاً مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ». أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
- حكم عمل المشرك:
من تصدق وهو مشرك ثم أسلم كُتب له أجر ذلك العمل الصالح.
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أرَأيْتَ أشْيَاءَ كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صَدَقَةٍ، أوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ
стр. 2224
أجْرٍ؟ فَقال النَّبِيُّ ﷺ : «أسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». متفق عليه (١).
- صفة معاملة المملوك:
عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ﵁ قَالَ: لَقِيتُ أبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلامِهِ حُلَّةٌ، فَسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بِأمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أبَا ذَرٍّ أعَيَّرْتَهُ بِأمِّهِ؟ إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأعِينُوهُمْ». متفق عليه (٢).
- حكم بيع الولاء:
الولاء: عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق.
والولاء لمن أعتق، فإذا مات ولم يكن له وارث من النسب ورثه من أعتقه.
ولا يجوز بيع الولاء ولا هبته.
عَنِ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَلاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. متفق عليه (٣).
- حكم المكاتبة:
المكاتبة: بيع السيد رقيقه لنفسه بمال في ذمته.
وتجب المكاتبة إذا علم السيد من عبده الخير، وسأله رقيقه المكاتبة، وعلم
قدرته على الكسب.
стр. 2225
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣].
- حكم بيع المكاتب:
يستحب للسيد أن يعين المكاتب بشيء من قيمته كالربع مثلاً، أو يضع عنه قدره ونحوه، ويجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه.
والمكاتب إذا أدى ما عليه عتق، وإن عجز عاد رقيقاً.
عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ أنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أمَّ المُؤْمِنِينَ ﵂ فَقالتْ لَهَا: إِنْ أحَبَّ أهْلُكِ أنْ أصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً فَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ بَرِيرَةُ ذَلِكَ لأَهْلِهَا، فَقالوا: لا، إِلا أنْ يَكُونَ وَلاؤُكِ لَنَا. فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: «اشْتَرِيهَا وَأعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ». متفق عليه (١).
- حكم التدبير:
التدبير: هو تعليق العتق بالموت. كأن يقول لرقيقه: إن مت فأنت حر بعد موتي، فإذا مات عتق إن لم يزد عن ثلث المال.
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَزّأَهُمْ أَثْلاَثاً، ثُمّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلاً شَدِيداً. أخرجه مسلم (٢).
стр. 2226
- حكم بيع المُدَبَّر:
يجوز بيع المُدَبَّر وهبته.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّ رَجُلاً مِنْ أصْحَابِهِ أعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَاعَهُ بِثَمانِ مِائَةٍ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ. متفق عليه (١).
اللهم أعتق رقابنا ورقاب المؤمنين من النار، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.
стр. 2227
الباب الثاني عشر
كتاب النكاح وتوابعه
ويشتمل على ما يلي:
١ - كتاب النكاح.
٢ - الإيلاء.
٣ - الظهار.
٤ - الطلاق.
٥ - الرجعة.
٦ - الخلع.
٧ - اللعان.
٨ - العدة: وتشمل:
١ - الإحداد.
٢ - الاستبراء.
٩ - الرضاع.
١٠ - الحضانة.
стр. 2228
١ - كتاب النكاح
ويشتمل على ما يلي:
١ - أحكام النكاح.
٢ - العيوب في النكاح.
٣ - شروط النكاح.
٤ - المحرمات في النكاح.
٥ - الشروط في النكاح.
٦ - خطبة المرأة.
٧ - عقد النكاح.
٨ - نكاح الكفار.
٩ - الصداق.
١٠ - وليمة العرس.
١١ - زينة النساء والرجال.
١٢ - آداب الزفاف.
١٣ - أحكام الحمل والولادة.
١٤ - الحقوق الزوجية.
١٥ - أحكام القسم بين الزوجات.
١٦ - أحكام النفقة.
١٧ - النشوز.
стр. 2229
النكاح
· النكاح: هو عقد شرعي يقتضي حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر.
والنكاح هو الزواج، ويطلق النكاح على العقد والوطء.
· فقه النكاح:
الزواج والزوجية سنة من سنن الله تعالى في الخلق، وهذه السنة عامة مطلقة في عالم النبات، وعالم الحيوان.
أما عالم الإنسان فإن الله لم يجعله كغيره من العوالم المطلقة الغرائز، بل كرَّمه ووضع له النظام الملائم لسيادته، والذي يحفظ شرفه، ويصون كرامته، وذلك بالنكاح الشرعي الذي يجعل اتصال الرجل بالمرأة اتصالاً كريماً، قائماً على الرضا، وعلى المحبة، وعلى الإيجاب والقبول.
وبذلك أشبع الغريزة بالطريق السليم، وحَفِظ النسل من الضياع، وصان المرأة عن أن تكون مطية لكل راكب.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء:١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات:٤٩].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يس:٣٦].
стр. 2230
· روح النكاح:
الله خلق المرأة كرامة ونعمة للرجل.
تجلب إليه الأنس والسرور .. وتقاسمه الهموم والغموم .. ويكون بوجودها بمثابة الملك المخدوم .. والسيد المحشوم.
كما جعل سبحانه الرجل كرامة ونعمة للمرأة.
يقوم عليها .. ويسعى عليها بكل ما تشتهي .. ويقضي حاجاتها .. ويرفع مستوى ضعفها .. ويجعلها سيدة بيت .. وأم أولاد .. ويستمتع كل منهما بالآخر، ويسكن إليه، ويأنس به.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم:٢١].
стр. 2231
١ - أحكام النكاح
· حكمة مشروعية النكاح:
شرع الله الزواج لما فيه من المصالح العظيمة التي أهمها:
١ - إرواء الغريزة الجنسية بأحسن وسيلة، وقضاء الوطر مع السلامة من الأمراض، وبذلك يسكن البدن عن الاضطراب، ويكف النظر عن التطلع إلى الحرام.
٢ - إعفاف النفس بالحلال، وصيانتها عن الحرام، ووقايتها من الفتن.
٣ - الزواج سكن وطمأنينة، وذلك لما يحصل به من الألفة والمودة، والانبساط بين الزوجين.
٤ - الزواج يحصل به تكوين الأسرة الصالحة التي هي نواة المجتمع.
فالزوج يكد ويكتسب، وينفق ويعول، والزوجة تدبر المنزل، وتنظم المعيشة، وتربي الأطفال.
٥ - إنجاب الأولاد، وتكثير النسل بأحسن وسيلة مع المحافظة على الأنساب التي يحصل بها التعارف والتعاون، والتآلف والتناصر.
٦ - إشباع غريزة الأبوة والأمومة التي تنمو بوجود الأطفال، ونمو مشاعر الود والعطف والحنان.
٧ - ترابط الأسر، وتقوية أواصر المحبة بين العائلات.
٨ - حفظ النوع الإنساني من الزوال والانقراض بالإنجاب والتوالد.
٩ - الزواج عبادة يستكمل بها الإنسان شطر دينه، ويستكثر به من النسل الذي
стр. 2232
يعبد الله .
· فضل الزواج:
الزواج من آكد سنن المرسلين الواجب اتباعهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾ [الرعد:٣٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ [النحل:٧٢].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور:٣٢].
٤ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَبَاباً لا نَجِدُ شَيْئاً، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». متفق عليه (١).
· حكم النكاح:
يختلف حكم النكاح بحسب اختلاف أحوال الناس كما يلي:
١ - يجب النكاح على من قدر عليه، وتاقت نفسه إليه، وخشي العنت؛ لأن إعفاف النفس بالحلال وصيانتها عن الحرام كل ذلك واجب، ولا يتم ذلك إلا بالزواج.
стр. 2233
٢ - يستحب النكاح لمن لا يخشى الوقوع في الزنا إن لم يتزوج، ولا يخشى أن يظلم زوجته إن تزوج، وكان تائقاً للنكاح، وقادراً عليه.
وهذه الحالة هي الغالبة على أكثر الناس.
٣ - يحرم النكاح على من لا تتوق نفسه إليه، وليس له قدرة عليه، بأن يعلم من نفسه عدم القدرة على الوطء، أو عدم القدرة على الإنفاق، أو عدم القدرة على أداء الحقوق الواجبة؛ لأن كل ما أدى إلى الحرام فهو حرام.
٤ - ويكره النكاح لمن خاف الوقوع في الجور والظلم، والضرر، والتقصير، كأن يخاف العجز عن الإنفاق، أو إساءة العشرة، أو فتور الرغبة في النساء، أو تشغله عن تعلم العلم وتعليمه ونحو ذلك.
٥ - ويباح النكاح إذا انتفت الدواعي إليه، وانتفت الموانع منه، بأن لا تتوق نفسه إليه، لكنه قادر عليه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء:٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور:٣٢].
٣ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». متفق عليه (١).
стр. 2234
· أركان النكاح:
أركان النكاح أربعة:
الزوج .. والزوجة .. والولي .. والإيجاب والقبول.
فإن اختل ركن من هذه الأركان لم يصح النكاح.
· حكم الإعراض عن الزواج:
الزواج نعمة وضرورة لا غنى عنها، والإعراض عن الزواج يفوِّت على الإنسان كثيراً من المنافع والمصالح، ولا يمتنع عن الزواج إلا عاجز أو فاجر.
فلما حصل التغالي في المهور، وكثرت النفقات التي ترهق الزوج، عزف الرجال عن الزواج، وقعدت النساء بلا أزواج، فسار من هؤلاء وهؤلاء في دروب الريبة، مما جعل الرجل والمرأة على حذر في اختيار من يقترن به، فكثر الشر، وعمت الفتن، فيجب على الأمة المسلمة العمل على تهيئة أسباب الزواج، وتيسير وسائله، لينعم به الرجال والنساء على حد سواء، وينقطع به دابر الشر والفساد في الأرض.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ». أخرجه الترمذي (١).
· حكم التبتل:
التبتل: هو الانقطاع للعبادة، وحرمان النفس من لذائذ الحياة المباحة.
стр. 2235
وقد جاء الإسلام بإرضاء النفوس والغرائز بطيبات الحياة المباحة، ونهى عن العنت والمشقة، وحرمان النفوس مما أحل الله، فأعطى كل ذي حق حقه، وهذا هو العدل.
فلله حقه من العبادة .. وللبدن حقه من طيبات الحياة .. وللنفس حقها من الراحة، فلا رهبانية في الإسلام، ولا حرمان ولا عنت ولا مشقة.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة:٨٧].
٢ - وَعَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُاللهِ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ، فَقُلْنَا ألا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أنْ نَنْكِحَ المَرْأةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْنَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية. متفق عليه (١).
٣ - وَعَنْ أنَس بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، يَسْألُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ، قال أحَدُهُمْ: أمَّا أنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَداً، وَقَالَ آخَرُ: أنَا أصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أنَا أعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أتَزَوَّجُ أبَداً، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أمَا وَاللهِ إِنِّي لأخْشَاكُمْ للهِ وَأتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أصُومُ وَأفْطِرُ، وأُصَلِّي وَأرْقُدُ، وَأتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفق عليه (٢).
стр. 2236
· تعدد الزوجات:
رغَّب الإسلام كل رجل بالزواج بامرأة واحدة، وهذا هو الأصل، وهو الغالب، وهو الأفضل لمن خاف عدم العدل.
أما تعدد الزوجات فهو أمر نادر، يلجأ الإنسان إليه عند الحاجة إليه، ولم توجبه الشريعة على أحد، وإنما أباحته الشريعة بشروط خاصة، ولأسباب داعية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء:٣].
· أسباب تعدد الزوجات:
أباح الله تعدد الزوجات لأسباب عامة وخاصة:
١ - أسباب التعدد العامة:
١ - معالجة حالة قلة الرجال، وكثرة النساء، صيانة للنساء من التبذل والانحراف.
٢ - تكثير النسل الذي تكثر به الأمة، ويكثر به من يعبد الله وحده، وتقوى به الأمة المسلمة.
٢ - أسباب التعدد الخاصة:
١ - زيادة القدرة الجنسية عند بعض الرجال، فلا تكفيه زوجة واحدة، إما لكبر سنها، أو لكراهيتها الجماع، أو لطول مدة حيضها.
٢ - عقم المرأة، أو مرضها، أو سوء طباعها، فقد تكون عقيمة لا تلد، أو مريضة لا تستطيع تلبية رغبات زوجها، أو سيئة الخلق لا تمكِّن نفسها من زوجها.
стр. 2237
٣ - كراهية الرجل للمرأة، إما بسبب نزاع بينه وبينها، أو بينه وبين أهلها، فيشتد الأمر، ويتصلب الطرفان، وتستعصي الحلول.
فأباح الله التعدد رحمة بالعباد تحقيقاً لهذه المصالح العظمى التي تعود على الزوجين والأمة بكل خير ومصلحة.
· شروط تعدد الزوجات:
١ - أباح الله للرجل أن يتزوج بأربع نساء فقط بشروط هي:
قدرة بدنية يتمكن بها من الجماع .. وقدرة مالية يتمكن بها من الإنفاق .. وقدرة على العدل بين الزوجات.
فإن خاف أن لا يعدل بين زوجاته، فليس له أن يتزوج إلا واحدة، أو ما ملكت يمينه؛ لأن ملك اليمين لا يجب عليه القسم لها.
٢ - لما أباح العليم الحكيم تعدد الزوجات نهى أن يكون ذلك بين الأقارب الذين تجمعهم نسب قريبة جداً كالجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها أو خالتها، لما يجره من قطيعة الرحم، وإشعال نار العداوة بين الأقارب، فإن الغيرة بين الضرات شديدة جداً.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ المَرْأةِ وَخَالَتِهَا». متفق عليه (١).
· حكم الزواج بأكثر من أربع:
لا يجوز للرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع زوجات في وقت واحد.
وفي هذا المباح غنى وكفاية، فهو يلبي حاجة الرجل للجماع في كل يوم مع
стр. 2238
مرور كل شهر، بسبب نزول الحيض بمقدار أسبوع لكل واحدة منهن.
ويسد الباب أمام الانحراف، أو ما قد يتخذه بعض الرجال من العشيقات والخدينات، ويحمي النساء من الجور عليهن بسبب العجز عن القيام بحقوقهن.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء:٣].
· حكم نكاح امرأة المفقود:
إذا تزوجت امرأة المفقود فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول.
وإن قدم بعد الوطء فله أخذها زوجة بالعقد الأول بدون طلاق الثاني، ويطؤها بعد إكمال عدتها، وللأول تركها مع الزوج الثاني، ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني.
· حكم نكاح الأَمة:
لا يجوز وطء امرأة في الشرع إلا بنكاح أو ملك يمين، وقد أباح الله للمسلم أن يتزوج المرأة الحرة، ورخص سبحانه في الزواج من غير الحرة في حالة الفقر مع مشقة الانتظار، فإذا خاف الإنسان العنت، ووجدت المشقة، حل الزواج من المؤمنات غير الحرائر اللواتي في ملك الآخرين.
ويصح هذا النكاح بثلاثة شروط:
أن تكون الأَمَة مؤمنة .. وأن يعقد عليها عقد نكاح .. وأن يدفع لها الصداق.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ
стр. 2239
الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء:٢٥].
· حكم نكاح مُلك اليمين:
لا ينكح عبد سيدته؛ لأنه مملوك لها، ولا ينكح سيد أمته؛ لأنه يملك وطأها بملك اليمين، فلا يحتاج لعقد نكاح.
ومن حَرُم وطؤها بعقد نكاح حَرُم وطؤها بملك يمين إلا أمة كتابية، فلا يجوز نكاحها، ويجوز وطؤها بملك يمين.
· حكم أم الولد:
أم الولد: هي الأمة التي حملت من سيدها وولدت له.
فهذه يجوز لسيدها وطؤها وتأجيرها كالأمة، ولا يجوز بيعها ولا هبتها ولا وقفها كالحرة.
وتعتد بحيضة واحدة يُعلم بها براءة رحمها.
· حكم نكاح المسبيات:
النساء المسبيات في الجهاد الإسلامي تستبرأ أرحامهن بحيضة واحدة، يُعلم بها خلو أرحامهن من الحمل، فإذا تم الاستبراء جاز نكاحها إن أسلمت أو كانت كتابية، فيطؤها ويباشرها من غير عقد نكاح؛ لأنها حلال له بملك اليمين.
стр. 2240
· حكم تزويج المملوك:
١ - العبد المملوك إذا طلب من سيده نكاحاً زوّجه أو باعه؛ لأنه إذا لم يزوج وقع في الحرام.
٢ - إن طلبت الأمة من سيدها النكاح وطئها، أو زوّجها، أو باعها، ليعفها عن الحرام.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور:٣٢].
стр. 2241
٢ - العيوب في النكاح
- العيب: هو آفة تَمنع أو تُنقص كمال الاستمتاع بين الزوجين.
- أقسام العيوب:
تنقسم العيوب بين الزوجين إلى ثلاثة أقسام:
الأول: عيوب خاصة بالرجل، وهي: الجَبَّ، والعِنَّة، والخصاء، فالجب قطع الذكر .. والعنة عدم القدرة على الإيلاج .. والخصاء قطع الخصية.
الثاني: عيوب خاصة بالمرأة، وهي: الرَّتَق، والقَرَن، والعَفَل.
فالرتق: انسداد الفرج بأصل الخلقة، والقَرَن: انسداد في الفرج، والعَفَل: سائل في الفرج يمنع لذة الوطء.
الثالث: عيوب مشتركة بين الرجل والمرأة كالجنون، والبرص، والجذام، وسيلان بول أو غائط، وباسور وناسور، والعمى، والخَرَس، والطَّرَش، والأمراض المعدية ونحو ذلك.
- أقسام العيوب من حيث الاستمتاع:
تنقسم العيوب من حيث الاستمتاع إلى قسمين:
١ - عيوب جنسية تمنع الاستمتاع كالجَبّ والعِنَّة والخصاء في الرجل، والرتق والقرن والعفل في المرأة.
٢ - عيوب لا تمنع الاستمتاع، ولكنها أمراض منفرة من كمال العشرة، وهي التي لا يمكن بقاء الزوجية معها إلا بضرورة كالجنون، والأمراض المعدية، والقروح السيالة ونحو ذلك.
стр. 2242
- حكم العيوب في النكاح:
١ - كل عيب ينفِّر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح فإنه يوجب الخيار لكلٍّ منهما كالبرص، والخرس، والجنون والجذام، وقروح سيالة، وعيوب في الفرج، واستطلاق بول، وسل، وأيدز، وبخر في الفم، وريح منكرة، وشلل في البدن أو الأعضاء ونحو ذلك.
٢ - من وجدت زوجها مجبوباً، أو بقي له ما لا يطأ به، أو كان مقطوع الخصية، فلها الفسخ إن شاءت، فإن علمت به ورضيت قبل العقد أو بعد الدخول سقط حقها في الفسخ، وإن بان الزوج عقيماً ثبت الخيار للزوجة؛ لأن لها حقاً في الولد.
٣ - إذا تم الفسخ لأجل أحد هذه العيوب السابقة ونحوها:
فإن كان الفسخ قبل الدخول فلا مهر للمرأة، وإن كان بعد الدخول فلها المهر المسمى في العقد، ويرجع الزوج ليأخذ المهر ممن غره.
ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبيُّن أمره.
٤ - من وجدت زوجها عنيناً أُجِّل سنة منذ الحكم عليه.
فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ، وإن رضيت به عنيناً قبل الدخول أو بعده سقط خيارها.
стр. 2243
٣ - شروط النكاح
- شروط النكاح:
يشترط لصحة النكاح ما يلي:
١ - تعيين الزوجين.
٢ - رضا الزوجين.
٣ - الولي، فلا يصح نكاح امرأة إلا بولي.
٤ - أن يكون النكاح على مهر.
٥ - خلو الزوجين من الموانع التي تمنع صحة النكاح من نسب محرم أو مصاهرة، أو رضاع، أو اختلاف دين ونحو ذلك.
٦ - الإيجاب والقبول بلفظ النكاح أو التزويج.
- حكم إكراه المرأة على الزواج:
المرأة التي تعرف مصالح النكاح لا يجوز إجبارها على النكاح، لا من أبيها ولا من غيره من الأولياء، فيكون أمرها بيدها سواء كانت بكراً أو ثيباً.
ولا يجوز لأحد إجبار ابنته البالغة العاقلة على النكاح ممن لا ترضاه، ولا يجوز إجبار المرأة على البقاء مع زوج لا ترضاه، ويجب تلبية طلبها إذا طلبت فسخ نكاحها.
١ - عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأنْصَارِيَّةِ ﵂ أنَّ أبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهُ. أخرجه البخاري (١).
стр. 2244
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ امْرَأةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا أعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ». قَالَتْ: نَعَمْ، قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». أخرجه البخاري (١).
- حكم استئذان المرأة في الزواج:
يجب على ولي المرأة المكلفة أن يستأذنها في زواجها بكراً كانت أو ثيباً، فإن عقد عليها لأحد وهي غير راضية فلها فسخ العقد.
١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قال: «أنْ تَسْكُتَ». متفق عليه (٢).
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ البِكْرَ تَسْتَحِي؟ قال: «رِضَاهَا صَمْتُهَا». متفق عليه (٣).
- حكم تزويج الصغيرة:
يستحب للأب ألا يزوج ابنته حتى تبلغ ويستأذنها.
ويجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة دون إذنها، ولها الخيار إذا بلغت.
وقد زوّج أبو بكر ﵁ ابنته عائشة أم المؤمنين من رسول اللهِ ﷺ وهي صغيرة بنت ست سنين دون إذنها.
стр. 2245
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعاً. متفق عليه (١).
- حكم تزويج المجنون والمعتوه:
يجوز للولي عقد النكاح على فاقد الأهلية من ذكر أو أنثى كالمجنون والمعتوه دون الرجوع إليهم لأخذ رأيهم؛ لأن تصرفات فاقد الأهلية أو ناقصها ترجع إلى وليه.
- الكفاءة المعتبرة في الزواج:
الكفاءة المعتبرة بين الزوجين هي في الدين، والحرية.
فإذا زوج الولي عفيفة بفاجر، أو حرة بعبد، فالنكاح صحيح، وللمرأة الخيار في البقاء أو فسخ النكاح.
والكفاءة في الزواج معتبرة في الزوج دون الزوجة، فيشترط في الرجل أن يكون كفؤاً للمرأة، ولا يشترط في المرأة أن تكون كفؤاً للرجل.
والكفاءة حق للمرأة والأولياء؛ لأن تزوجها بغير الكفء يلحق العار بها وبأوليائها.
- ولي النكاح:
الولي: هو من يتولى تزويج المرأة.
والأحق بتزويج البنت هو أبوها .. ثم وصيه في النكاح .. ثم جدها لأب .. ثم ابنها .. ثم أخوها .. ثم عمها .. ثم أقرب العصبة نسباً .. ثم الحاكم.