وسد الحاجة، لا على قدر الميراث، وكل ما سوى الأصول والفروع تكون النفقة على قدر الميراث من القريب، ومن كان له ابن فقير، وأخ موسر، وعكسه، فينفق على المحتاج كأن الآخر غير موجود.
ولا نفقة مع اختلاف دين؛ لأن اختلاف الدين يمنع الإرث، ويمنع النفقة.
ويستثنى في الإنفاق نوعان:
الأول: المملوك: فتجب نفقته ولو كان كافراً.
الثاني: الوالدان: فينفق على والديه ولو كانا كافرين؛ لأنه من الإحسان إليهما، والبر بهما.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥].
٢ - وَعَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵂ قَالتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أفَأصِلُ أمِّي؟ قال: «نَعَمْ، صِلِي أمَّكِ». متفق عليه (١).
стр. 2382
١٧ - النشوز
- نشوز الزوجة: هو معصية الزوجة لزوجها فيما يجب عليها.
- نشوز الزوج: هو جفوة الزوج لزوجته، وإعراضه عنها.
- أساس النشوز:
النفوس مجبولة على الحرص على الحق الذي لها، وعدم الرغبة في بذل ما عليها، وبذلك تصعب الحياة وتفسد، ويقع النشوز، وتعلن راية العصيان، وتتمزق أواصر العلاقة بين الزوج وزوجه.
ولكي تصلح الأمور بين الزوجين لا بد من قلع هذا الخلق الدنيء، واستبداله بضده، وهو السماحة ببذل الحق الذي عليك، والقناعة ببعض الحق الذي لك.
- أمارات النشوز:
نشوز الزوجة إما أن يكون بالقول، أو الفعل، أو بهما معاً، والكل محرم.
فالنشوز بالفعل كالإعراض عن الزوج، والعبوس في وجهه، وعدم طاعته فيما يجب، والتثاقل والامتناع إذا دعاها لفراشه.
والنشوز بالقول كأن ترفع صوتها عليه، أو تجيبه بشدة، أو بكلام خشن، أو تسبه وترميه بما ليس فيه ونحو ذلك.
والكل مذموم، والجمع بينهما يجعل المرأة ناراً لا يمكن الاقتراب منها، أو الاستمتاع بها.
стр. 2383
- أقسام الزوجات:
الزوجات قسمان:
١ - المرأة الصالحة: وهي المطيعة لربها وزوجها، وهذه لا تحتاج إلى تأديب.
٢ - المرأة غير الصالحة: وهي التي تخل بحقوق الزوجية، وهي الناشز التي تعصي زوجها، فهذه تحتاج إلى تأديب لتكون صالحة.
قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء:٣٤].
- ميثاق الزواج:
الزواج في الإسلام ميثاق غليظ، وعهد متين، ربط الله به بين رجل وامرأة، فأصبح كل منهما يسمى زوجاً بعد أن كان فرداً، وقد جعل الله كل واحد من الزوجين موافقاً للآخر، ملبياً لحاجاته الفطرية والنفسية والعقلية والجسدية، بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار.
ويحصل لهما بهذا الاجتماع السكن والمودة والرحمة، وتلبية رغائب كل منهما في الآخر.
وقد عني الإسلام بهذه الرابطة الكريمة عناية فائقة، لتثمر أسرة صالحة، وحياة سعيدة، فأمرهما بحسن المعاشرة، وجميل الصبر، وحسن الخلق.
فإذا طرأ على هذه الحياة السعيدة ما يغير جوها، ويمزق شملها، فقد أرشد
стр. 2384
الإسلام إلى تصفية الجو بما يُصلح حال الزوجين.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء:٢٠ - ٢١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم:٢١].
- كيفية علاج نشوز الزوجة:
يعالج نشوز الزوجة على التدريج بأمور:
الأول: الوعظ والإرشاد:
فإذا ظهر من الزوجة أمارات النشوز كأن لا تجيبه إلى الفراش أو الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة أو متكرهة أو عابسة، فهذه يعظها ويخوفها بالله ، ويبين لها فضائل الطاعة، وحسن المعاشرة، وعقوبة المعصية؛ لئلا يستفحل الأمر.
والموعظة عمل تهذيبي مؤثر، وهو أول واجب، ولكنه قد لا ينفع مع بعض النساء لهوىً في النفس، أو استعلاء بمال، أو جمال، أو جاه ونحو ذلك مما ينسي الزوجة أنها شريكة في حياة، وليست نداً في صراع.
الثاني: الهجر في الفراش:
والهجر حركة استعلاء نفسية من الرجل على كل ما تدلي به المرأة من جمال أو افتخار، وإذا كان في المضجع فهو علاج نفسي بالغ، يفوِّت عليها السرور
стр. 2385
والاستمتاع الذي هو عندها من أصعب الأمور.
ومكان الهجر في المضجع فقط، فلا يجوز للزوج أن يهجر زوجته أمام الأطفال؛ لئلا يورث نفوسهم الشر والقلق، ولا أن يهجرها أمام الناس؛ لئلا يذلها ويهين كرامتها فتزداد نشوزاً وإصراراً، يهجرها في المضجع ما شاء، ويهجرها في الكلام مدة لا تزيد على ثلاثة أيام.
وقد لا تنفع هذه الخطوة مع بعض النساء الناشزات، فينتقل إلى ما بعدها إن أصرت على النشوز.
الثالث: الضرب غير المُبَرِّح:
والضرب إجراء ودواء يُلجأ إليه عند الضرورة، وهو وإن كان أعنف من الهجر فهو أهون وأصغر من تحطيم بيت الزوجية بالفراق بسبب النشوز، والإصرار عليه.
فإذا أصرت على النشوز ضربها ضرباً غير شديد ولا شائن، ويجتنب أثناء الضرب الوجه تكرمة له، ويجتنب أماكن الجمال؛ لئلا يشوهها، ويجتنب البطن وما يخشى منه الموت.
وهذا الضرب ضرب تأديب مصحوب بعاطفة المؤدب المربي، الذي يزاوله الوالد مع أولاده، فليس ضرب تعذيب للانتقام والتشفي، ولا ضرب إهانة للتحقير والإذلال، ولا ضرب قسر للإرغام على معيشة لا ترضاها.
ويكون الضرب غير المبرح باليد على كتفها، أو بعصاً خفيفة، أو بسواك ونحوه؛ لأن القصد التأديب لا التعذيب.
١ - قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ
الرابع: الإصلاح بينهما بواسطة الحكمين:
إذا تعذر إصلاحها بهذه الوسائل، وأصرت على نشوزها وسوء عشرتها، أو ادعى كل من الزوجين ظلم صاحبه له ولا بينة لهما، بعثنا إليهما حَكَمين، مسلمين، ذكرين، عدلين، فقيهين، حَكَماً من أهله، وحَكَماً من أهلها، ليكون أقرب للتوفيق والإصلاح بينهما، ينويان الإصلاح، ويلطِّفا القول، ويرغِّبا ويخوفا كلا الزوجين.
والحَكَمان وكيلان عن الزوجين، فلا يملكان تفريقاً إلا بإذن الزوجين، ولهما أن يفعلا ما فيه مصلحة الزوجين من جمع أو تفريق.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء:٣٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء:١١٤].
الخامس: التفريق إذا تعذر الإصلاح:
إذا لم يحصل الجمع بين الزوجين، وتعذر الإصلاح والتوفيق بينهما، أجبر الحاكم الزوج على خلعها أو فسخها أو طلاقها بعوض أو بدون عوض؛ لأنه تعذر الإصلاح، فلم يبق إلا الطلاق، فلا ضرر ولا ضرار.
١ - قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة:٢٢٩].
стр. 2388
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ امْرَأةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا أعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ». قَالَتْ: نَعَمْ، قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». أخرجه البخاري (١).
- كيفية علاج نشوز الرجل:
إذا خشيت الزوجة أن تصبح مجفوة من زوجها، وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق، أو إلى الإعراض الذي يتركها كالمعلقة، أو يهدد أمن المرأة وكرامتها وأمن الأسرة كلها، ففي هذه الأحوال لا حرج عليها ولا على زوجها أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية، أو حقوقها الزوجية، كأن تتنازل له عن نفقتها الواجبة عليه أو بعضها، أو تتنازل له عن ليلتها إن كانت له زوجة أخرى يُؤْثِرها.
تفعل ذلك كله إن رأته خيراً لها، وأكرم من طلاقها، ويحسن بالرجل تحقيق رغبتها.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء:١٢٨].
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. قَالَتْ: هِيَ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، فَيُرِيدُ طَلاقَهَا وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا، تَقُولُ لَهُ: أمْسِكْنِي وَلا تُطَلِّقْنِي، ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِي، فَأنْتَ فِي حِلٍّ مِنَ
٢ - الإيلاء
- الإيلاء: هو أن يحلف الرجل على ترك وطء زوجته أبداً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر.
- أصل الإيلاء:
الإيلاء هو الحلف، وكان هو والظهار طلاقاً في الجاهلية، يستخدمه العرب بقصد الإضرار بالزوجة.
فكان الرجل إذا كان لا يحب امرأته، ولا يريد أن يتزوج بها غيره، يحلف أن لا يمس امرأته أبداً أو السنة والسنتين بقصد الإضرار بها، فيتركها معذبة معلقة، لا هي زوجة ولا مطلقة.
فوضع الله حداً لهذا الجور، فحدده بأربعة أشهر، وأبطل ما فوقها دفعاً للضرر والظلم.
- صفة الإيلاء:
١ - إذا حلف الرجل ألا يطأ زوجته مدة دون الأربعة أشهر لسبب.
١ - فالأولى أن يكفر عن يمينه ويطأها؛ لأن ذلك خير لها وله.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النّبِيّ ﷺ ، ثُمّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لاَ يَأْكُلُ، مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ، ثُمّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ، فَأَتَى رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَىَ يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأَتِهَا، وَلْيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ». أخرجه مسلم (١).
стр. 2391
٢ - إن لم يطأها زوجها ولم يكفر، فعليها الصبر حتى ينقضي الأجل الذي سماه كما فعل النبي ﷺ حين آلى من نسائه.
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَتْ سَاقُهُ، أوْ كَتِفُهُ، وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْراً، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأتَاهُ أصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِساً وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قال: «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإنْ صَلَّى قَائِماً فَصَلُّوا قِيَاماً». وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالُوا: يَارَسُولَ اللهِ، إنَّكَ آلَيْتَ شَهْراً؟ فَقَال: «إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». متفق عليه (١).
٢ - إذا حلف ألا يطأها أبداً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر.
فإن كفّر وعاد إلى وطئها سقط الإيلاء، وإن لم يكفّر ويعود إلى وطئها انتظرت حتى تمضي أربعة أشهر، ثم طالبته بوطئها، فإن أبى طالبته بطلاقها، ولا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بمعروف، أو يعزم بالطلاق.
قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧].
- حكم الإيلاء:
الإيلاء فيه تأديب للنساء العاصيات الناشزات على أزواجهن، فأبيح منه بقدر الحاجة، وهو أربعة أشهر فما دونها.
وأما ما زاد على ذلك فهو حرام، وفاعله آثم؛ لما فيه من الظلم والجور على النساء، لأنه حلف على ترك واجب عليه.
стр. 2392
فمن آلى من زوجته أكثر من أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر طالبته بالوطء، فإن وطئ فلا شيء عليه إلا كفارة يمين.
فإن أبى طالبته بالطلاق، فإن أبى طلّق عليه الحاكم طلقة واحدة، منعاً للضرر عن الزوجة، فإن خرجت من العدة بعد الطلاق ولم يراجعها بانت منه.
- ألفاظ الإيلاء:
الإيلاء هو الحلف على ترك الوطء، وهو نوعان:
١ - الإيلاء الصريح: كأن يقول: والله لا أجامعك، أو لا أطؤك، أو لا أقربك، أو لا أغتسل منك من جنابة ونحو ذلك مما يستعمل عرفاًَ في الوطء.
٢ - ألفاظ الكناية التي لا تكون إيلاءً إلا بالنية على ترك الوطء: كأن يقول: والله لا أقرب فراشك، أو لا يجمع رأسي ورأسك شيء، أو لا أدخل عليك ونحو ذلك.
ومن ترك الوطء بغير يمين لزمه حكم الإيلاء، فيحدَّد له أربعة أشهر، ثم يُطالَب بالوطء أو الطلاق.
- أركان الإيلاء:
للإيلاء أربعة أركان:
الحالف: وهو كل زوج يمكنه الجماع، والمحلوف به: وهو الله .
والمحلوف عليه: وهو ترك الجماع، والمدة: وهي أكثر من أربعة أشهر.
فإذا حلف الزوج بالله على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر فهو مُوْلٍ يجري عليه حكم الإيلاء.
قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧].
стр. 2393
٣ - الظهار
- الظهار: هو أن يشبِّه الرجل زوجته بامرأة محرمة عليه على التأبيد أو بجزء منها يحرم عليه النظر إليه كالظهر أو البطن أو الفخذ.
كأن يقول لزوجته: أنتِ علي كأمي، أو أختي، أو بنتي ونحو ذلك.
أو يقول: أنتِ علي كظهر أمي، أو كبطن أختي، أو كفخذ بنتي ونحو ذلك.
أو يقول: أنتِ علي حرام كظهر أمي، أو كأمي، أو كبنتي ونحو ذلك.
- أصل الظهار:
كان أهل الجاهلية إذا كره أحدهم امرأته، ولم يُرِد أن تتزوج بغيره آلى منها أو ظاهر، فتبقى معلقة، لا ذات زوج، ولا خَلِيّة من الأزواج، وكان الظهار طلاقاً في الجاهلية.
فأبطل الإسلام هذا الحكم، وجعل الظهار محرماً للزوجة حتى يكفِّر زوجها كفارة الظهار؛ صيانة لعقد النكاح من العبث.
- حكمة إبطال الظهار:
أباح الإسلام نكاح الزوجة، ومن حَرَّم نكاح زوجته فقد قال منكراً من القول وزوراً، فالظهار قائم على غير أصل، فالزوجة ليست أماً حتى تكون محرمة كالأم.
وقد أبطل الإسلام حكم الظهار، فأنقذ الزوجة من الحرج والجور والظلم، وجعل عقوبة مَنْ فعله ثم عاد كفارة غليظة للزجر عنه.
стр. 2394
- حكم الظهار:
الظهار محرم؛ لأنه منكر من القول وزور.
ويجب على من ظاهر من زوجته أن يكفر كفارة الظهار قبل الوطء، فإن وطئ قبل التكفير فهو آثم وعليه الكفارة، وعليه التوبة والاستغفار من قوله وفعله.
١ - قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة:١ - ٢].
- الفرق بين الظهار واللعان والإيلاء:
الظهار يشبه الإيلاء في أن كلاً منهما يمين تمنع الوطء، ويرفع منعه الكفارة.
والظهار يشبه اللعان في أنه يمين لا شهادة.
- أركان الظهار:
للظهار أربعة أركان هي:
المظاهِر: وهو الزوج، والمظاهَر منها: وهي الزوجة.
والصيغة: وهي ما يصدر من الزوج من ألفاظ تدل على الظهار.
والمشبه به: وهي كل من يحرم وطؤها على التأبيد كالأم ونحوها.
- أحوال الظهار:
للظهار صور عديدة كما يلي:
١ - يصح الظهار منجزاً كقول الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي.
стр. 2395
٢ - ويصح الظهار معلقاً كقوله: إذا دخل رمضان فأنت علي كظهر أمي.
٣ - ويصح الظهار مطلقاً كقوله: أنت علي كظهر بنتي.
٤ - ويصح الظهار مؤقتاً كقوله: أنت على كظهري أختي في شعبان.
فإذا كان الظهار معلقاً أو منجّزاً، فلا يحل له أن يجامعها حتى يكفر كفارة الظهار، وإن كان الظهار معلقاً أو مؤقتاً، فإذا مضى الوقت زال الظهار، وحلت المرأة بلا كفارة، فإن وطئها في المدة لزمته الكفارة.
- أثر الظهار:
إذا ظاهر الرجل من امرأته ترتب عليه أمران:
الأول: حرمة وطء الزوجة حتى يكفر كفارة الظهار.
وكذلك يحرم عليه المسيس والتقبيل والمعانقة ونحو ذلك من مقدمات الجماع.
الثاني: وجوب الكفارة بالعَود وهو العزم على الوطء، فإذا وطئ المظاهر امرأته قبل أن يكفر، استغفر الله تعالى من ارتكاب الإثم، وامتنع من الاستمتاع بزوجته حتى يكفر.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾ [المجادلة:٣].
- صفة كفارة الظهار:
تجب كفارة الظهار على من ظاهر من امرأته وأراد العَود، والله رؤوف بالعباد حيث جعل إطعام الفقراء والمساكين ومواساتهم كفارة للذنوب، وماحية
للآثام.
стр. 2396
وتجب كفارة الظهار كما يلي:
١ - عتق رقبة سالمة من العيوب، صغيرة أو كبيرة، ذكراً أو أنثى.
٢ - إذا لم يجد صام شهرين متتابعين.
٣ - إذا لم يستطع أطعم ستين مسكيناً من قوت بلده، لكل مسكين نصف صاع، وهو يعادل كيلو وعشرين جراماً تقريباً. وإن غدّى المساكين أو عشّاهم كفى.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة:٣ - ٤].
- تكرار الكفارة:
إذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة لزمه كفارة واحدة، وإن ظاهر منهن بكلمات متفرقة لكل واحدة لزمه لكل واحدة كفارة.
- وجوب الكفارة:
إذا قال لزوجته إذا ذهبت إلى مكان كذا فأنت علي كظهر أمي:
فإن قصد بذلك تحريمها عليه فهو مظاهِر، ولا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار.
وإن قصد منعها من هذا الفعل، ولم يقصد تحريمها فلا تحرم عليه، لكن يجب عليه كفارة يمين، ثم ينحل يمينه.
стр. 2397
- حكم تحريم الحلال:
لا يجوز لأحد أن يحرم ما أحله الله على نفسه، ومن حرّم على نفسه حلالاً غير وطء الزوجة من طعام أو لباس ونحوهما فهو آثم، وعليه كفارة يمين.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم:١ - ٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة:٨٩].
стр. 2398
٤ - الطلاق
- الطلاق: فراق الزوجة بحل قيد النكاح أو بعضه بلفظ مخصوص.
- حكمة إباحة الطلاق:
شرع الله النكاح لإقامة الحياة الزوجية المستقرة، المبنية على المحبة والمودة بين الزوجين، وإعفاف كل منهما صاحبه، وتحصيل النسل، وقضاء الوطر.
وإذا اختلت هذه المصالح، وفسدت النوايا، وتنافرت الطباع، وساءت العشرة بين الزوجين ونحو ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى الشقاق المستمر الذي تصعب معه الحياة الزوجية، ولم ينفع الوعظ والهجر، واستُنفدت جميع وسائل الإصلاح بين الزوجين، واستعصى حل الخلافات الزوجية بسبب تباين الأخلاق، أو بسبب الإصابة بمرض لا يُحتمل، أو عقم لا علاج له ونحو ذلك مما يؤدي إلى ذهاب المودة والمحبة، ونمو الكراهية والبغضاء، وتعقُّد الحياة الزوجية، فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد فقد شرع الله رحمة بالزوجين فرجاً بالطلاق، لإزالة الضرر والمفسدة بعد تعذر الإصلاح بين الزوجين؛ لأن البقاء مع هذه الأحوال إضرار بالزواج بإلزامه النفقة والسكن، وحبس الزوجة مع سوء عشرتها.
- حكم الطلاق:
الطلاق له خمسة أحكام:
١ - مباح: إذا احتاج الزوج إليه لسوء خلق المرأة، أو كراهته لها.
٢ - مستحب: إذا احتاجت الزوجة إليه لسوء خلق الرجل، أو إذا فرطت المرأة في
стр. 2399
حقوق الله الواجبة كالصلاة ولا يمكنه إجبارها، أو إذا تضررت الزوجة ببقاء النكاح لبغض أو غيره ونحو ذلك.
٣ - واجب: إذا تعذرت العشرة بين الزوجين، ولم يمكن الإصلاح بينهما، وتضرر كل منهما ببقاء الزوجية، وإذا آلى الزوج من زوجته، ومضت المدة ولم يرجع ونحو ذلك.
٤ - مكروه: إذا لم تكن حاجة ماسة إليه، وحال استقامة الزوجين، وعدم القدرة على الصبر وتحمل الأذى من الزوجة.
٥ - محرم: إذا كان الطلاق بدعياً، كأن يطلق الزوجة في حيض أو نفاس، أو في طهر جامعها فيه، أو يطلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو كلمات، أو يطلق زوجته من غير حاجة، أو إذا كان الطلاق سبباً لوقوعه في الحرام من زنا ونحوه.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق:١].
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللهُ أنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ». متفق عليه (١).
стр. 2400
- الطلاق عند اليهود:
الطلاق مباح عند اليهود بعذر أو بغير عذر، ولكنه لا يحسن بدون عذر.
والأعذار المبيحة للطلاق عندهم نوعان:
١ - عيوب الخلقة: كالعمش، والحول، والبخر، والعرج، والعقم.
٢ - عيوب الأخلاق: كالوقاحة، والثرثرة، والعناد، والإسراف، والزنا ونحو ذلك.
وأما المرأة فليس لها أن تطلب الطلاق مهما تكن عيوب زوجها.
- الطلاق عند النصارى:
يحرم الطلاق عند النصارى، ولا يباح فصم الزواج لأي سبب مهما عظم شأنه، وحتى الخيانة الزوجية لا تعتبر مبرراً للطلاق.
وكل ما يباح حال الخيانة الزوجية هو التفرقة الجسمية، مع اعتبار الزوجية قائمة بين الزوجين، فلا يجوز لأحدهما أثناء هذه الفرقة أن يتزوج؛ لأن ذلك يعتبر تعدداً للزوجات وهو محرم عندهم.
- الطلاق في الجاهلية:
كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى جاء الإسلام وحدد الطلاق بمرتين، فإذا طلق الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
- حكم إفساد بيت الزوجية:
الصلة بين الزوجين من أعظم الصلات وأوثقها، وأي إنسان أراد أن يفسد ما بين الزوجين من علاقة فهو آثم، مستحق للعقوبة، سواء كان رجلاً أو امرأة، كما يحرم على الزوجة أن تسأل زوجها طلاق ضرتها لتنفرد به.
стр. 2401
١ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ، وَمَنْ خَبَّبَ عَلَى امْرِئٍ زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا». أخرجه أحمد وابن حبان (١).
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا». متفق عليه (٢).
٣ - وَعَنْ ثوْبَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقاً مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
- من يملك الطلاق:
الطلاق من حق الرجل وحده؛ لأنه أحرص على بقاء الزوجية التي أنفق في سبيلها المال، وهو أكثر تريثاً وصبراً وتقديراً لعواقب الأمور، وأبعد عن الطيش عند حصول الخلاف.
أما المرأة فهي أسرع غضباً، وأكثر جزعاً، وأقل احتمالاً، وأقصر رؤية، وليس عليها من تبعات الطلاق مثل ما على الرجل، فلو ملكت المرأة التطليق فربما أوقعت الطلاق لأسباب بسيطة لا تستحق هدم الحياة الزوجية، بسبب انفعالها ولو كان الطلاق بيد كل من الزوجين لتضاعفت حالات الطلاق لأتفه الأسباب.
فالطلاق بيد الرجل، وللمرأة أن تشترطه لنفسها إن رضي الزوج، ولها إن تضررت بالزوج أن تفتدي نفسها منه بمال عن طريق الخلع.
стр. 2402
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١].
- من يقع منه الطلاق:
يقع الطلاق من كل زوج بالغ عاقل مختار.
فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكرهاً فإن طلاقه يعتبر لغواً، لأن كل واحد من هؤلاء ناقص الأهلية، فلا ينفذ تصرفه.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلاَثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». أخرجه أبو داود والنسائي (١).
- أركان الطلاق:
أركان الطلاق أربعة:
المطلق .. والمطلقة .. والصيغة .. والقصد.
فالمطلق: الزوج أو نائبه .. والمطلقة: هي الزوجة .. والصيغة: هي لفظ الطلاق .. والقصد .. نية الطلاق.
- صيغ الطلاق:
ينقسم الطلاق من حيث اللفظ إلى قسمين:
الأول: الطلاق الصريح: وهو ما كان بلفظ الطلاق وحده وما تصرَّف منه كطلقتك، أو أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو علي الطلاق ونحو ذلك.
الثاني: الطلاق بالكناية: وهو كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره، كقوله أنت بائن، أو
стр. 2403
الحقي بأهلك، أو اخرجي، أو اذهبي، أو أنت خَلِيّة، أو أنت بَرِيّة، أو خلَّيت سبيلك ونحو ذلك.
فيقع الطلاق باللفظ الصريح بدون حاجة إلى نية، لأنه موضوع للطلاق.
فلو قال لزوجته أنت طالق، وقع الطلاق، ولا يُلتفت لقوله إنه لا يريد الطلاق.
ولا يقع الطلاق بالكناية إلا بالنية؛ لأنه لفظ يحتمل الطلاق وغيره، فإن نوى الطلاق لزمه، وإن لم ينوه فهو على ما نواه.
ومن قال لزوجته: أنت علي حرام، فهو على ما نواه من طلاق، أو ظهار، أو يمين.
- قيود إيقاع الطلاق:
قيد الشرع الطلاق بقيود شرعية منعاً للتسرع، وحفاظاً على الرابطة الزوجية؛ لأن النكاح جوهر ما تملكه المرأة، وبالطلاق يكون هدراً، وربما عاشت بعده أيِّماً، وفي التأيُّم غالباً مفاسد كثيرة، وهذه القيود هي:
أن يكون الطلاق لحاجة مقبولة .. وأن يكون في طهر لم يجامعها فيه .. وأن يكون مفرقاً ليس بأكثر من واحدة.
فإذا توافرت هذه الشروط كان الطلاق موافقاً للشرع لا إثم فيه، وإن فُقد واحد منها وقع، لكنه موجب للإثم والسخط الإلهي.
- أنواع الطلاق:
ينقسم الطلاق من حيث الحل والحرمة إلى قسمين:
الأول: الطلاق الحلال: وهو طلاق السنة، وذلك بأن يطلق الرجل زوجته في طهر
стр. 2404
لم يجامعها فيه، أو يطلقها حاملاً قد تبين حملها.
الثاني: الطلاق المحرم: وهو الطلاق البدعي، وذلك بأن يطلق الزوج زوجته أثناء الحيض أو النفاس، أو يطلقها في طهر جامعها فيه، أو يطلقها بالثلاث مجموعة بكلمة واحدة أو كلمات.
وهذه الأحكام بالنسبة لمن دخل بها زوجها، أما غير المدخول بها فيجوز طلاقها طاهراً وحائضاً، ولا يجوز طلاقها بالثلاث مجموعة أو مفرقة.
- وقت الطلاق:
ضيَّق الإسلام وقت الطلاق رغبة في استدامة الحياة الزوجية، وتضييقاً لباب الفرقة، وتقليلاً لفرص الطلاق الذي يهدم بيت الزوجية، ويعصف بأفراد الأسرة.
فالمرأة في كل شهر تطهر غالباً ثلاثة وعشرين يوماً، ثم تحيض سبعة أيام، فإذا جامعها في الطهر مرة، فقد ضيق وقت الطلاق، وحرم عليه طلاقها فيه، أما في أثناء الحيض والنفاس فلا يجوز طلاقها فيه مطلقاً، أما وجود الحمل فهو غالباً ينقض العزم على الطلاق، ويوهن الرغبة في الفراق.
وبهذا نعلم أن وقت الطلاق كل شهر هو بعد الطهر من الحيض، وقبل أن يجامعها زوجها، وهو وقت قصير جداً.
- أقسام المطلقين:
المطلقون أصناف، ولكل صنف حكم كما يلي:
١ - طلاق الزوج البالغ العاقل المختار:
فهذا كامل الأهلية، يجوز له أن يطلق، وطلاقه يقع.
стр. 2405
٢ - طلاق المكره:
المكره لا يقع طلاقه؛ لأنه مسلوب الإرادة، فهو غير قاصد للطلاق، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه بتنفيذ أمر المكره له، فمن أُكره على النطق بكلمة الكفر لا يكفر، ومن أُكره على الإسلام لا يصبح مسلماً، ومن أُكره على النطق بكلمة الطلاق لا يقع طلاقه.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل:١٠٦].
٣ - طلاق الغضبان:
الغضبان مكلف في حال غضبه، يحاسب على ما يصدر منه من كفر، أو قتل، أو طلاق أو غيره؛ لأنه واع يدرك ما يقول، وإذا اشتد الغضب بالإنسان بأن وصل إلى درجة لا يدري فيها ما يقول ويفعل ولا يقصده فإنه لا ينفذ تصرفه، ولا يقع طلاقه؛ لأنه مسلوب الإرادة.
٤ - طلاق الصبي:
الصبي المميز الذي لم يبلغ لا يقع طلاقه؛ لأنه ناقص الأهلية، ولأن الطلاق تصرف ضار، فلا يملكه الصبي.
٥ - طلاق المجنون:
من اختل عقله لا يقع طلاقه، كالمجنون، والمغمى عليه، والمعتوه، والمدهوش الذي أصابته مصيبة لا يدري ما يقول، ومن زال عقله لكبر أو مرض ونحوهما؛ لأن كل واحد من هؤلاء ناقص الأهلية، مسلوب الإرادة، فلا يقع طلاقه.
стр. 2406
٦ - طلاق السكران:
السكران الذي وصل إلى درجة الهذيان، وخلط الكلام، ولا يعي ما يقول أثناء سكره لا يقع طلاقه؛ لعدم توافر القصد، فهو زائل العقل كالمجنون، وعبارته ملغاة لا قيمة لها، لعدم أهليته.
وللسكر عقوبة أخرى هي الحد، فلا يُجمع عليه عقوبتان بذنب واحد، ولهذا مُنع السكران من الصلاة؛ لأنه فاقد العقل.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣].
٧ - طلاق السفيه:
السفيه: هو خفيف العقل الذي لا يحسن التصرف في ماله.
والسفيه البالغ يقع طلاقه إذا كان يعرف معناه؛ لأن الرشد ليس شرطاً في وقوع الطلاق.
٨ - طلاق الهازل:
الهازل: هو الذي يتكلم ولا يقصد الحقيقة كأن يطلق زوجته هازلاً ولاعباً، فهذا آثم، ويقع طلاقه إن قصد الطلاق، فإن لم يقصد الطلاق فلا يقع؛ لأن الطلاق عمل يفتقر إلى نية، والهازل لا عزم له ولا نية.
٩ - طلاق المخطئ:
المخطئ: هو الذي يريد أن يتكلم بشيء فيزل لسانه ويتكلم بغيره كأن يريد أن يقول لزوجته: أنت طاهر، فقال خطأ: أنت طالق.
فهذا لا يقع طلاقه؛ لعدم القصد والإرادة.
стр. 2407
١٠ - طلاق الغافل:
الغافل: من غفل عما يريد.
والغافل لا يقع طلاقه؛ لعدم القصد.
١١ - طلاق الناسي:
الناسي: من نسي ما يريد. والناسي لا يقع طلاقه؛ لعدم القصد.
١٢ - طلاق الساهي:
الساهي: هو من سهى بشيء عن شيء، والساهي لا يقع طلاقه؛ لعدم القصد.
١٣ - طلاق المرتد:
المرتد: هو من كفر بعد إسلامه.
وطلاق المرتد بعد الدخول موقوف:
فإن أسلم أثناء العدة وقع الطلاق، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة، أو ارتد قبل الدخول، فطلاقه باطل، لانفساخ النكاح قبله باختلاف الدين.
١٤ - طلاق الكافر:
الكافر: هو كل من كفر بالله.
وطلاق الكافر البالغ العاقل المختار يقع كالمسلم.
١٥ - حكم طلاق المريض مرض الموت:
مرض الموت: هو المرض الغالب فيه الهلاك عادة إذا اتصل به الموت، فإذا طلق الرجل المريض مرض الموت وقع طلاقه كالصحيح، فإن مات المطلق من ذلك المرض ورثته المطلقة ما دامت في العدة من طلاق رجعي؛ لأن
стр. 2408
الرجعية زوجة، ولا ترثه البائن.
وإن طلق امرأته في مرض الموت ثم ماتت لم يرثها وإن ماتت في العدة، وإن طلق زوجته طلاقاً بائناً، ثم مات الزوج أثناء العدة، فإن طلاقه لا يقع؛ لأنه قصد حرمانها من الإرث، وهذا ضرر محض، فعوقب بنقيض قصده فترثه، سواء مات في العدة أو بعدها.
١٦ - طلاق الشاك:
من شك في أصل الطلاق، هل طلق أم لا، لم تَطلقْ امرأته؛ لأن النكاح ثابت بيقين، فلا يزول إلا بيقين، ولا يُحكم بزواله بالشك.
ومن شك في عدد الطلاق بنى على اليقين وهو الأقل، فمن شك هل طلق ثلاثاً أم واحدة، يُحكم بوقوعه طلقة واحدة؛ لأنه المتيقَّن، وفي الزيادة شك.
ومن شك في صفة الطلاق، هل طلقها رجعية أو بائناً، يُحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقنة، واليقين لا يزول بالشك.
- أقسام المطلقات:
المطلقات أصناف، ولكل صنف حكم كما يلي:
١ - المطلقة في طهر لم يجامعها فيه:
فهذه طلاقها صحيح؛ لأنه في العدة المقررة شرعاً.
٢ - المطلقة الحامل:
فهذه طلاقها صحيح؛ لأنه في العدة المقررة شرعاً.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ
стр. 2409
بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق:١].
٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِراً أوْ حَامِلاً». متفق عليه (١).
٣ - المطلقة الحائض أو النفساء:
فهذه طلاقها محرم؛ لأنه في غير العدة الشرعية، وإذا حصل هذا الطلاق وقع، وأثم فاعله، وعليه أن يراجعها منه إن لم تكن الطلقة الثالثة، فإذا طهرت إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَألَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدُ، أوْ يُمْسِكُ». متفق عليه (٢).
٤ - المطلقة الرجعية:
وهي المطلقة طلقة واحدة أو طلقتين، وله مراجعتها ما دامت في العدة، فإذا خرجت من العدة جاز له ولغيره نكاحها بعقد ومهر جديدين.
٥ - المطلقة البائن:
وهي المطلقة ثلاثاً، وهذه لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره بنكاح صحيح، فإذا طلقها الثاني حلّت بنكاح جديد للأول.
قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
стр. 2410
يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة:٢٢٩ - ٢٣٠].
٦ - المطلقة قبل الدخول:
فهذه لا عدة عليها، ولا رجعة لزوجها فيها.
٧ - المطلقة المفسوخة:
وهي التي فسخها القاضي من زوجها بسبب منه أو منها، وهذه عدتها حيضة واحدة للاستبراء، وطلاقها بائن لا رجعة فيه.
٨ - المطلقة المختلعة:
وهي التي افتدت نفسها من زوجها بمال ليطلقها ويخلي سبيلها.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ امْرَأةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا أعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ». قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». أخرجه البخاري (١).
٩ - المطلقة ثلاثاً:
من طلق زوجته ثلاثاً بلفظ واحد، أو بكلمات متفرقة، فهذا الطلاق محرم، وفاعله آثم، ويقع، لكنه يُحسب واحدة.
١٠ - المطلقة الصغيرة:
الطلاق بيد الزوج، ويقع الطلاق على كل زوجة، سواء كانت صغيرة أو
стр. 2411
كبيرة، حرة كانت أو أمة، قبل الدخول وبعده، ويصح وقوع الطلاق من الزوج أو وكيله، ويطلِّق الوكيل واحدة ومتى شاء، إلا أن يعيِّن له وقتاً وعدداً.
- الأحوال التي يحرم فيها الطلاق:
يحرم على الزوج أن يطلق زوجته في الأحوال الآتية:
في حال الحيض والنفاس .. وفي طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها .. وأن يطلقها ثلاثاً بلفظ واحد، أو يكررها في مجلس واحد.
- الأحوال التي يجوز فيها للمرأة طلب الطلاق:
يجوز للزوجة طلب الطلاق من القاضي إذا تضررت تضرراً لا تستطيع الحياة في ظله.
ومن الأحوال التي يجوز فيها للمرأة طلب الطلاق ما يلي:
١ - إذا قصَّر الزوج في النفقة.
٢ - إذا أضر الزوج بزوجته إضراراً لا تستطيع معه دوام العشرة، مثل سبها، أو ضربها، أو إيذائها بما لا تطيقه، أو إكراهها على منكر ونحو ذلك.
٣ - إذا تضررت بغيبة زوجها وخافت على نفسها الفتنة.
٤ - إذا حُبس زوجها مدة طويلة وتضررت بفراقه.
٥ - إذا رأت المرأة بزوجها عيباً مستحكماً كالعقم، أو عدم القدرة على الوطء، أو رائحة كريهة منفرة، أو مرضاً مزمناً يمنع الوطء والاستمتاع، أو مرضاً خطيراً معدياً ونحو ذلك.
٦ - إذا كان زوجها يترك الفرائض، أو لا يبالي بارتكاب الكبائر والمحرمات، كمن لا يصلي أحياناً، أو يشرب الخمر، أو يزني، أو يتعاطى المخدرات ونحو ذلك.
стр. 2412
- وقوع الطلاق:
١ - يقع الطلاق على الزوجة إذا كانت محلاً له، بأن تكون الزوجية قائمة بينهما، أو تكون معتدة من طلاق رجعي، أو معتدة من طلاق بائن بينونة صغرى، أو تكون معتدة بفرقة تعتبر طلاقاً.
٢ - لا يقع الطلاق على المرأة إذا لم تكن محلاً له، فالمعتدة من فسخ الزواج بسبب عدم الكفاءة، أو لظهور فساد العقد، لا يقع عليها الطلاق؛ لأن العقد قد نُقض من أصله.
والمطلقة قبل الدخول لا يقع عليها الطلاق؛ لأن العلاقة الزوجية بينهما قد انتهت بمجرد التطليقة الأولى.
ولا يقع الطلاق على المعتدة من طلاق الثلاث؛ لأنها قد بانت منه.
ولا يقع الطلاق على من طُلِّقت وانتهت عدتها؛ لأنها بانتهاء العدة صارت أجنبية منه.
ولا يقع الطلاق على امرأة أجنبية ليست زوجة له؛ لأنها ليست محلاً له.
- ما يقع به الطلاق:
يقع الطلاق بكل ما يدل على إنهاء العلاقة الزوجية سواء كان ذلك باللفظ الصريح كأنت طالق ونحوه، أو كان بالكناية كالحقي بأهلك، أو أنت علي حرام ونحو ذلك إذا قصد الطلاق، أو كان الطلاق بالكتابة البينة المعلومة كأن يكتب لزوجته يا فلانة أنت طالق ونحو ذلك، أو كان الطلاق بالإشارة التي تدل على إنهاء العلاقة الزوجية كالأخرس، إشارته كلفظ الصحيح، يقع بها الطلاق.
стр. 2413
ويصح الطلاق بإرسال رسول يبلغ الزوجة الغائبة بأنها مطلقة، فيطلقها نيابة عن الزوج، ويقع الطلاق بدون إشهاد، ويستحب الإشهاد على النكاح، والطلاق، والرجعة، ولا يجب.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
- حكم تحريم المرأة:
إذا حرم الرجل امرأته كأن يقول: أنت علي حرام، فلا يخلو من ثلاثة أمور:
١ - أن يكون قصده تحريم العين، فهذه يمين يكفِّرها؛ لأنه حرَّم الحلال.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم:١ - ٢].
٢ - أن يكون قصده الطلاق، فهذا يقع طلاقه؛ لأن لفظ التحريم كناية من كنايات الطلاق.
٣ - أن يكون قصده الظهار، فهذا يكون ظهاراً، وفيه كفارة ظهار كما سبق.
- أنواع فرقة النكاح:
الفرقة بين الزوجين تكون إما بطلاق أو فسخ.
١ - الفرقة بسبب الطلاق: هي ما كانت بألفاظ الطلاق صريحاً أو كناية.
стр. 2414
٢ - الفرقة بسبب الفسخ تكون فيما يلي:
الخلع إذا كان بغير لفظ الطلاق .. ردة أحد الزوجين .. الفرقة بسبب العيب المشترك كالجنون والصرع .. أو المختص بالمرأة كالرتق والقروح السيالة، أو المختص بالرجل كالجب والعِنّة .. إسلام أحد الزوجين .. الفرقة بسبب الإيلاء .. الفرقة بسبب اللعان .. الفرقة بسبب الإعسار في المهر أو النفقة أو السكن .. فرقة إسلام الزوج على أختين أو أكثر من أربع نساء .. فرقة عدم الكفاءة بين الزوجين .. الفرقة بسبب الرضاع ونحو ذلك.
- الفرق بين الطلاق والفسخ:
الفرق بين الطلاق والفسخ من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الطلاق إنهاء لعقد النكاح، لكن لا يزول الحل إلا بعد البينونة الكبرى.
أما الفسخ فهو نقض للعقد من أساسه.
الثاني: أن الطلاق لا يكون إلا بناءً على عقد صحيح لازم، أما الفسخ فيكون بسبب حالات طارئة على العقد كردة الزوجة، أو جماع الزوج لأم زوجته أو بنتها ونحو ذلك، أو بسبب حالات مقارنة للعقد تقتضي عدم لزومه من الأصل كخيار البلوغ لأحد الزوجين، وخيار أولياء المرأة التي تزوجت من غير كفء.
الثالث: الطلاق ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل، أما الفسخ فلا ينقصها.
فكل فرقة بسبب من جانب المرأة تكون فسخاً، وكل فرقة من جانب الرجل أو بسبب منه فهي طلاق.
стр. 2415
- من يملك الفسخ:
فسخ النكاح: هو حل الرابطة التي تربط بين الزوجين.
والفسخ قد يكون بسبب خلل وقع في العقد، كما إذا تم العقد فتبين أن الزوجة أخته من الرضاع، وقد يكون بسبب طارئ عليه يمنع بقاءه، كما إذا ارتد أحد الزوجين عن الإسلام، فيفسخ العقد بسبب الردة الطارئة، فإذا كان سبب الفسخ جلياً فسخ الزوجان النكاح من تلقاء أنفسهما، كما إذا تبين للزوجين أنهما أخوان من الرضاع.
وإذا كان سبب الفسخ خفياً فلا يفسخه إلا القاضي كالفسخ بسبب الردة، أو بسبب العيب، أو بسبب النشوز ونحو ذلك.
- الحالات التي يطلق فيها القاضي:
يجوز للقاضي أن يطلق الزوجة من زوجها عند طلبها في الأحوال الآتية:
عدم نفقة الزوج عليها .. وجود العيب بالزوج .. غيبة الزوج بلا عذر .. حبس الزوج .. حصول الضرر بسبب الزوج كأن يضربها، أو بسبها، أو يؤذيها ونحو ذلك.
فيجوز في هذه الحالات وأمثالها أن تطلب المرأة الطلاق من زوجها إذا تضررت، أو خشيت الوقوع فيما حرم الله بسبب بُعد الزوج عنها، أو عدم قدرته على جماعها.
قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩].
стр. 2416
الطلاق المنَجَّز والمعلَّق
الطلاق إما أن يكون منجزاً، أو مضافاً، أو معلقاً كما يلي:
١ - الطلاق المنجز: وهو ما يُقصد به حصول الطلاق في الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق أو طلقتك ونحو ذلك، وهذا الطلاق يقع في الحال متى صدر من أهله، وصادف محلاً له.
٢ - الطلاق المضاف: وهو كل طلاق اقترن بزمن مستقبل، كأن يقول لزوجته: أنت طالق غداً، أو رأس السنة، أو بعد شهر ونحو ذلك، وهذا الطلاق لا يقع إلا عند حلول الأجل الذي حدده.
٣ - الطلاق المعلق: وهو كل طلاق جعل الزوج حصول الطلاق فيه معلقاً على شرط.
كأن يقول لزوجته إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق، فإذا ذهبت إلى السوق طلقت.
ويشترط لصحة وقوع الطلاق المعلق ثلاثة شروط هي:
أن يكون التعليق على أمر معدوم يمكن وجوده في المستقبل .. وأن تكون المرأة في عصمته .. وأن تكون كذلك حين حصول المعلق عليه.
- أقسام الطلاق المعلق:
الطلاق المعلق قسمان:
الأول: إن كان يقصد بطلاقه المعلق الحمل على الفعل أو الترك، أو الحظر أو المنع، أو تأكيد الخبر ونحو ذلك، كأن يقول لزوجته مريداً منعها من الخروج
стр. 2417
لا إيقاع الطلاق: إن خرجت من الدار فأنت طالق، يقصد منعها من الخروج، فهذا الطلاق لا يقع، ويجب فيه كفارة يمين إذا خالفت، والكفارة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام.
الثاني: أن يقصد وقوع الطلاق عند حصول الشرط كأن يقول: إن دخلت بيت فلان فانت طالق، فهذا الطلاق يقع إذا حصل الشرط المعلق عليه.
وإذا قال لزوجته إن ولدت ذكراً فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين، فولدت ذكراً ثم أنثى، طلقت بالأول، ثم بانت بالثاني.
- حكم الطلاق قبل الزواج:
إذا علق طلاق امرأة أجنبية على نكاحه لها فقال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فهذا الطلاق لا يقع؛ لعدم وجود المحل أثناء الطلاق.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ ... [الأحزاب:٤٩].
٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ نَذرَ لاِبْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ وَلاَ عِتْقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ وَلاَ طَلاَقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
- حكم التوكيل في الطلاق:
الرجل كما يملك الطلاق بنفسه يملك إنابة غيره فيه، ويقع الطلاق من غير
стр. 2418
الزوج بإذنه إما بالتوكيل، أو التفويض، أو الرسالة.
فالتوكيل: إنابة الزوج غيره في طلاق زوجته كأن يقول لغيره: وكّلتك في طلاق زوجتي، فإذا قَبِل الوكيل الوكالة، ثم قال لزوجة موكِّله: أنت طالق، فقد وقع الطلاق، وكل من صح طلاقه صح توكيله، والوكيل في الطلاق مقيد بالعمل برأي الموكِّل، فإذا تجاوزه لم ينفذ تصرفه إلا بإجازة الموكِّل، وللموكِّل أن يعزل الوكيل متى شاء.
وإذا وكل الزوج زوجته في طلاق نفسها صح توكيلها، وطلاقها لنفسها؛ لأنه يصح توكيلها في طلاق غيرها، فكذا في طلاق نفسها.
- حكم الطلاق بالرسالة:
الطلاق بالرسالة له صورتان:
الأولى: أن يكتب الزوج رسالة بالطلاق إلى زوجته، ويرسلها محررة إليها، كأن يكتب لها حرفياً أنت طالق، أو مطلقة ونحو ذلك مما يفيد الطلاق، فإذا استلمتها صارت طالقاً.
الثانية: أن يرسل إليها رسالة شفوية بالطلاق، كأن يقول الزوج لرجل: اذهب إلى فلانة زوجتي وقل لها: إن زوجك يقول لك أنت طالق.
فإذا ذهب الرسول إليها، وبلّغها الرسالة على وجهها، وقع الطلاق، والرسول ناقل لا مطلق.
- حكم تفويض الزوجة بالطلاق:
الطلاق حق من حقوق الزوج، فله أن يطلق زوجته بنفسه .. وله أن يفوضها في طلاق نفسها .. وله أن يوكل غيره في الطلاق، وكلٌّ من التفويض
стр. 2419
والتوكيل لا يُسقط حقه في الطلاق، ولا يمنعه من استعماله متى شاء، والتفويض: إنابة الزوج زوجته في طلاق نفسها، كأن يقول لها: أمرك بيدك ونحو ذلك.
- أنواع التفويض بالطلاق:
التفويض بالطلاق ثلاثة أنواع:
١ - التوكيل: وهو أن يوكل الرجل زوجته في طلاق نفسها، فلها أن تطلق نفسها واحدة أو أكثر حسب ما وكلها فيه، وله أن يعزلها ما لم تفعل الموكَّل فيه.
٢ - التمليك: وهو أن يُمَلِّك الرجل زوجته أمر نفسها كأن يقول لها: جعلت أمرك بيدك، أو جعلت طلاقك بيدك ونحو ذلك.
ولها بهذا التمليك أن تطلق نفسها واحدة أو أكثر حسب ما ملَّكها زوجها من الوقت والعدد.
٣ - التخيير: وهو أن يخيرها زوجها بين البقاء معه أو الفراق كأن يقول لها: اختاريني أو اختاري نفسك، فلها أن تفعل من الأمرين ما أحبت، فإن اختارت الفراق طلقت نفسها واحدة أو أكثر حسب ما فوضه إليها من الوقت والعدد.
فإذا قال لزوجته اختاري البقاء أو الطلاق، فقالت: طلقت نفسي، وقع الطلاق حسب تفويض الزوج بائناً أو رجعياً.
عَن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً، فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ». قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ،
قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ