أما الأفعال فكلبس الحلق والخيط لرفع البلاء، وتعليق التمائم خوفاً من العين وغيرها.
فمن اعتقد أن هذه أسباب ترفع البلاء أو تدفعه فهذا شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعل هذه أسباباً.
ومن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر؛ لأنه تعلق بغير الله.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢].
٢ - وَعَنْ حُذيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لاَ تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلاَنٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثمَّ شَاءَ فُلاَنٌ». أخرجه أحمد وأبو داود (١).
الثاني: شرك خفي، وهو الشرك في الإرادات والنيات كالرياء والسمعة، وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، فمن نقصت محبته لله أحب غيره، إذ لو كملت محبته لم يحب سواه.
كأن يعمل عملاً يريد به ثناء الناس عليه، كأن يحسن صلاته، أو يتصدق، أو يصوم، أو يذكر الله، لأجل أن يراه الناس، أو يسمعوه، أو يمدحوه، وهذا بحر لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه، وهو إذا خالط العمل أبطله.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
стр. 2697
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزُّمَر: ٦٥ - ٦٦].
٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». أخرجه مسلم (١).
- أقسام الشرك الخفي:
الشرك الخفي قسمان:
١ - شرك خفي أكبر، كالنفاق الأكبر، وهو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله كالخلق والعبادة ونحوهما.
٢ - شرك خفي أصغر، وهو مراتب متفاوتة يعلمها علام الغيوب، فالأول مخلد في النار .. والثاني على خطر عظيم، لكنه تحت المشيئة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
- حكم الشرك الأكبر:
الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة.
وصاحبه مخلد في النار .. وهو محبط لجميع الأعمال .. مبيح للدم والمال.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
стр. 2698
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزُّمَر: ٦٥].
- حكم الشرك الأصغر:
الشرك الأصغر لا يخرج من الملة، لكنه ينقص التوحيد، ولا يخلد صاحبه في النار، بل يعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار، وقد يتوب الله عليه فلا يدخل النار.
والشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال، وإنما يحبط العمل الذي خالطه.
ولا يبيح الدم والمال كالأكبر، وحكم فاعله حكم عصاة الموحدين، وقد يكون الأصغر أكبراً بحسب ما يقوم في قلب صاحبه، فيجب على المسلم الحذر من الشرك مطلقاً.
- خطر الشرك:
١ - الشرك بالله ظلم عظيم؛ لأنه اعتداء على حق الله الخاص به وهو التوحيد.
فالتوحيد أعدل العدل، والشرك أظلم الظلم، وأقبح القبائح؛ لأنه تنقص لرب العالمين، واستكبار عن طاعته، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولعظيم خطره فإن من لقي الله مشركاً فإن الله لا يغفر له كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
٢ - الشرك بالله أعظم الذنوب، فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وذلك ظلم عظيم كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣].
стр. 2699
٣ - الشرك الأكبر مخرج من الملة، محبط لجميع الأعمال، مبيح للدم والمال .. موجب للهلاك والخسران، وهو أكبر الكبائر، وصاحبه محروم من الجنة، مخلد في النار، وكفى بذلك خيبة وخسارة وهلاكاً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزُّمَر: ٦٥ - ٦٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
٤ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَمَنْ قال: لا إِلَهَ إِلا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ». متفق عليه (١).
٥ - وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «ألا أنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ». ثَلاثاً، قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ -وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئاً، فَقال- ألا وَقَوْلُ الزُّورِ». قال: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. متفق عليه (٢).
стр. 2700
- حكم الطاغوت:
الطاغوت: هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع.
فالمعبود كالأصنام والأوثان .. والمتبوع كالكهان وعلماء السوء .. والمطاع كالرؤساء والأمراء الخارجين عن طاعة الله.
- معرفة الطواغيت:
الطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة:
إبليس أعاذنا الله منه .. ومن عُبد وهو راض .. ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه .. ومن ادعى شيئاً من علم الغيب .. ومن حكم بغير ما أنزل الله.
فيجب على المسلم اتباع ما أنزل الله، والكفر بالطاغوت.
١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزُّمَر: ١٧ - ١٨].
- أقوال وأفعال من الشرك أو من وسائله:
كل ما ورد في القرآن من لفظ الشرك فالمراد به الشرك الأكبر.
أما الأصغر فقد ورد في السنة الصحيحة.
стр. 2701
وهناك أقوال وأفعال مترددة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، بحسب ما يقوم بقلب فاعلها، وما يصدر عنه.
وهي تنافي التوحيد، أو تعكِّر صفاءه، وقد حذر الشرع منها كلها.
ومن تلك الأقوال والأفعال ما يلي:
١ - تعليق التمائم على الأولاد اتقاء للعين.
والتمائم: كل ما يعلق على الأشخاص، أو الأشياء، وذلك شرك؛ لأنه تعلق بغير الله .
عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» أخرجه أحمد وأبو داود (١).
٢ - لبس الحلقة أو الخيط ونحوهما بقصد رفع البلاء أو دفعه، وذلك شرك؛ لأنه تعلق بغير الله.
٣ - التبرك بالأشجار والأحجار والقبور والآثار ونحوها، وذلك شرك؛ لأنه تعلق بغير الله في حصول البركة.
٤ - التطير: وهو التشاؤم ببعض الطيور، أو الأشخاص، أو البقاع، أو الأشياء ونحو ذلك، وذلك شرك؛ لكونه تعلق بغير الله باعتقاد حصول الضرر من مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً، وهو من إلقاء الشيطان ووسوسته، وهو ينافي التوكل.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنّ نَبِيّ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ عَدْوَىَ وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي
الفَأْلُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَة، الكَلِمَةُ الطّيّبَةُ». متفق عليه (٢).
стр. 2702
٥ - السحر: وهو ما خفي ولَطُف سببه.
وهو عبارة عن رقى، وعزائم، وكلام يتكلم به، وأدوية، فيؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض، أو يقتل، أو يفرق بين المرء وزوجه.
والسحر كفر؛ لما فيه من التعلق بغير الله من الشياطين، ولما فيه من ادعاء علم الغيب.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
٦ - الكهانة: وهي ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع مستقبلاً في الأرض استناداً إلى الشياطين.
والعَرّاف: الذي يدعي معرفة الأمور التي وقعت وذلك شرك؛ لما فيها من التقرب إلى غير الله، ودعوى مشاركة الله في علم الغيب الذي اختص به.
فمن أتى الكاهن أو العراف لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن صدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ .
١ - عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النّبِيّ ﷺ ﵅ عَنِ النّبِيّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ أَتَىَ عَرّافاً فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». أخرجه مسلم (١).
٢ - وَعن أبي هريرة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » أخرجه أحمد والحاكم (٢).
٧ - التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية بواسطة النجوم.
стр. 2703
كأوقات هبوب الرياح .. ومجيء المطر .. وحدوث الأمراض .. والوفيات .. ومجيء الحر والبرد .. وتغير الأسعار ونحو ذلك.
وذلك شرك؛ لما فيه من نسبة الشريك لله في التدبير، وفي علم الغيب.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْماً مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ». أخرجه أحمد وأبو داود (١).
٨ - الاستسقاء بالنجوم: وهو نسبة نزول المطر إلى طلوع النجم أو غروبه.
كأن يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، فينسب نزول المطر إلى الكوكب لا إلى الله.
فهذا شرك، لأن نزول المطر بيد الله لا بيد الكوكب ولا غيره.
١ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قال رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قال: «أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأمَّا مَنْ قال: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأمَّا مَنْ قال: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ». متفق عليه (٢).
٢ - وَعَنْ أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أرْبَعٌ فِي أمَّتِي مِنْ أمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ،
وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 2704
٩ - نسبة النعم إلى غير الله: فالنعم كلها من الله، ومن نسبها إلى غيره فهو مشرك.
كمن ينسب نعمة حصول المال أو الشفاء إلى فلان أو فلان، أو ينسب نعمة السير والسلامة في البر والبحر والجو إلى السائق والملاح والطيار.
أو ينسب نعمة حصول النعم، ودفع النقم، إلى جهود الحكومة، أو الأفراد، أو العَلم ونحو ذلك.
فيجب نسبة جميع النعم إلى الله وحده.
وما يحصل على يد بعض المخلوقين إنما هي أسباب قد تثمر وقد لا تثمر، وقد تقع وقد لا تقع.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾ [النحل: ٥٣ - ٥٥].
١٠ - الذبح لغير الله: كمن ذبح للجن، أو الشياطين، أو الأولياء ونحوهم.
فهذا كله من الشرك؛ لأن الذبح عبادة لا يجوز صرفها إلا لله.
ومن ذبح لغير الله فذبيحته حرام؛ لأنها مما أُهل لغير الله به، ولأنها ذبيحة مرتد، فلا يجوز أكلها ولو سمى الله عليها.
والعبد مأمور أن يكون كل عمله لله، كما قاله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
- حكم الإتيان إلى الكهان:
الإتيان إلى الكهان وأمثالهم له ثلاث حالات:
стр. 2705
الأولى: أن يأتي إلى الكاهن فيسأله من غير أن يصدقه، أو يستمع إليه من غير أن يصدقه عن طريق القنوات أو الأشرطة ونحوها.
فهذا حرام، وعقوبته أنه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً.
عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵅ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» أخرجه مسلم (١).
الثانية: أن يأتي إليه ويسأله فيصدقه بما يقول.
فهذا كفر والعياذ بالله.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ». أخرجه أحمد والحاكم (٢).
الثالثة: أن يأتي إليه فيسأله ليبين للناس حاله ليحذروه.
فهذا لا بأس به كما فعل النبي ﷺ مع ابن صياد.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ صَيَّادٍ يَحْتَلِمُ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قال النَّبِيُّ ﷺ : «أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ الله ﷺ ». فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقال: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقال ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ :
أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللهِ؟ قال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «آمَنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ». قال النَّبِيُّ ﷺ : «مَاذَا تَرَى». قال ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، قال النَّبِيُّ ﷺ : «خُلِطَ عَلَيْكَ الأمْرُ». قال النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً». قال ابْنُ
стр. 2706
صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، قال النَّبِيُّ ﷺ : «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ». قال عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ، قال النَّبِيُّ ﷺ : «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». متفق عليه (١).
- فتنة السحرة والكهان:
الإتيان إلى السحرة والعرافين والكهان من نواقض الإيمان.
وقد ابتلى الله العباد، فجعل عند هؤلاء الإصابة في بعض الأحيان، فيغتر الناس بإصابتهم، كل ذلك فتنة وابتلاءً للعباد.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ، وَهُوَ السَّحَابُ، فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ، فَتُوحِيهِ إِلَى الكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ». متفق عليه (٢).
- حكم الاستغاثة بالأموات والغائبين:
الاستغاثة بالأموات والغائبين ودعاؤهم كله من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وهم من جنس عبّاد الأوثان، إنما يعبدون الشيطان.
يتصور لهم الشيطان بصورة المستغاث به، ويخاطبهم مكاشفة، ويقضي
بعض حوائجهم، كما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلم عابديها، وتقضي بعض حاجاتهم، فيظن الجاهل أن ذلك كرامة للشيخ.
стр. 2707
وهذا من أعظم الأسباب التي عُبدت بها الأوثان.
وكذا الكهان والسحرة تقترن بهم الشياطين؛ لما فيهم من الكفر، والفسوق، والعصيان.
فتظهر منهم الأحوال الشيطانية وتقوى بحسب ذلك، فيطيرون في الهواء، ويخبرون بأمور غائبة، وتأتيهم الشياطين بالأموال والطعام.
فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضي الشيطان.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].
- معبود المشركين:
المشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان:
قوم نوح .. وقوم إبراهيم.
فقوم نوح ﷺ كان أصل شركهم أرضي بالعكوف على قبور الصالحين، ودعاء الله عندها، ثم زين لهم الشيطان فصوروا تماثيلهم، ثم أمرهم بعبادتها.
وقوم إبراهيم ﷺ كان أصل شركهم سماوي بعبادة الكواكب، والشمس، والقمر، فزين لهم الشيطان اتخاذها شفعاء عند الله، ثم أمرهم بعبادتها.
فكل هؤلاء وهؤلاء .. وكل مشرك .. إنما يعبدون الجن والشياطين، وهم لا
стр. 2708
يُرون في صورة مخلوق يُرى.
فإن الشياطين تخاطبهم .. وتعينهم على الأشياء .. وتتصور لهم بصورة الآدميين فيرونهم بأعينهم.
والجن كالإنس فيهم المؤمن والكافر، والشياطين يوالون وينفعون مَنْ فعل ما يحبون من الشرك، والكفر، والفسوق، والعصيان.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
- حكم اتخاذ الوسائط بين الله وخلقه:
تستخدم الوسائط بين الملوك والناس على ثلاثة وجوه:
الأول: إما لإخبارهم بما لا يعرفونه من أحوال الناس.
والله ليس مثلهم؛ لأنه سميع بصير يعلم كل شيء، فلا يحتاج لأحد.
الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه، فلضعفه وعجزه
يتخذ أنصاراً يعينونه.
والله سبحانه هو الغني القوي، وكل ما سواه فقير إليه، فلا يحتاج لأحد من الخلق يعينه.
стр. 2709
الثالث: أن يكون الملك ليس مريداً لنفع رعيته إلا بمحرك يحركه، فإذا خاطبه سادة رعيته تحركت همته لنفع رعيته، وقَبِل شفاعتهم لحاجته إليهم، أو خوفه منهم، أو لإحسانهم إليه.
والله لا يرجو أحداً ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد؛ بل هو الغني سبحانه، رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يحتاج ربنا إلى من يعلِّمه؛ لأنه العليم بكل شيء .. ولا يحتاج إلى من يعينه؛ لأنه القادر على كل شيء .. ولا يحتاج من يشفع عنده ليحسن إلى خلقه؛ لأنه الغني الكريم الرحيم.
فمن اتخذ الوسائط من الأصنام والأوثان وغيرها بين الله وخلقه فهو مشرك.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [الأحقاف: ٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ
قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
- بطلان الشرك:
الكفر والشرك هو الباطل كله، وهو أظلم الظلم، ولا يبقى على الكفر
стр. 2710
والشرك إلا جاهل بنفسه، وجاهل بالله وأسمائه وصفاته، وجاهل بدينه وشرعه.
فالتوحيد هو الحق كله .. والشرك هو الباطل كله.
١ - قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾ [فاطر: ٤٠].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٣].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].
- حكم إبقاء مواطن الشرك:
يجب على المسلمين إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ونشر التوحيد، وإزالة الشرك، وإظهار معالم الدين وسننه، والقضاء على مظاهر الشرك ومواطنه.
ولا يجوز للمسلمين إبقاء مواطن الشرك والأصنام ولا يوماً واحداً متى قدروا على إبطالها وإزالتها.
وقد أرسل النبي ﷺ الرسل والسرايا لتكسير الأصنام وهدمها، وكل ما يعبد
стр. 2711
من دون الله، ليكون الدين كله لله؛ بل كسر الأصنام التي في الكعبة بنفسه ﷺ .
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وَحَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُباً، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾». متفق عليه (١).
- حكم موافقة المشركين:
إظهار الموافقة للمشركين لها ثلاث حالات:
الأولى: أن يوافقهم المسلم في الظاهر والباطن.
فهذا كافر، سواء كان مكرهاً أو مختاراً.
الثانية: أن يوافقهم في الباطن، ويخالفهم في الظاهر.
فهذا مناق أشد من الكافر.
الثالثة: أن يوافقهم في الظاهر دون الباطن.
وهذا له حالتان:
الأولى: أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم إذا ضربوه وهددوه بالقتل.
فهذا يجوز له موافقتهم في الظاهر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان.
الثانية: أن يفعل ذلك وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك الطمع في
مال، أو رئاسة، أو وطن ونحو ذلك.
فهذا مرتد قد بدل نعمة الله كفراً.
١ - قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ
стр. 2712
بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
- أحكام المشرك:
للمشرك أحكام في الدنيا والآخرة.
١ - أحكام المشرك في الدنيا:
١ - المشرك لا يُقبل منه أي عمل مع الشرك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزُّمَر: ٦٥].
٢ - المشرك لا تحل مناكحته.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
٣ - المشرك حلال الدم والمال.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا
الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].
٤ - المشرك نجس لا يحل له دخول المسجد الحرام.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا
стр. 2713
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨].
٥ - المشرك لا يرث المسلم وعكسه.
عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ». متفق عليه (١).
٦ - تحرم ذكاة المشرك، وتسقط ولايته، ويسقط حقه في الحضانة؛ لأنه كافر.
٧ - إذا مات المشرك على الشرك فإنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث؛ لأنه كافر.
٢ - أحكام المشرك في الآخرة:
١ - إذا مات المشرك على الشرك فإن الله لا يغفر له.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
٢ - إذا مات المشرك على الشرك فإنها تحرم عليه الجنة تحريماً مؤبداً.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
٣ - إذا مات المشرك على الشرك فمأواه جهنم خالداً فيها أبداً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ
٣ - النفاق
- النفاق: هو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر.
سمي بذلك؛ لأنه يدخل في الإسلام من باب، ويخرج من باب آخر.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ [المائدة: ٦١].
- خطر النفاق:
النفاق أشد وأخطر من الكفر، وأهله في الدرك الأسفل من النار؛ لعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله.
فهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أشد أعدائه.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ [المنافقون: ١ - ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].
стр. 2716
١ - أنواع النفاق:
النفاق نوعان:
الأول: النفاق الأكبر: وهو أن يظهر الإنسان الإسلام، ويبطن الكفر، ويسمى النفاق الاعتقادي، وكل نفاق ذكر في القرآن فهو من هذا النوع.
وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم خارجون من ملة الإسلام، وقد وصف الله أهله بصفات الشر كلها:
من الكفر بالله .. وعدم الإيمان .. والاستهزاء بالدين وأهله .. والسخرية بهم .. والصد عن سبيل الله .. وعداوة المؤمنين .. والكيد لهم .. وتفريق صفوفهم .. وتمزيق وحدتهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ [المنافقون: ١ - ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
- أنواع النفاق الأكبر:
النفاق الاعتقادي ثمانية أنواع:
١ - تكذيب الرسول ﷺ .
стр. 2717
٢ - تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ .
٣ - بغض الرسول ﷺ .
٤ - بغض ما جاء به الرسول ﷺ .
٥ - كراهية انتصار دين الرسول ﷺ .
٦ - المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ .
٧ - عدم اعتقاد وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به.
٨ - عدم اعتقاد وجوب طاعته ﷺ فيما أمر به.
وغير ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة على أنه من النفاق الأكبر المخرج من ملة الإسلام، الذي لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله.
فهذه الأنواع الثمانية ونحوها مما ورد في القرآن والسنة، صاحبها في الدرك الأسفل من النار.
- من صفات المنافقين في القرآن:
١ - قال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٣ - ١٥].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا
١٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾ [التوبة: ٨٦].
١٣ - وقال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ٩ - ١٠].
الثاني: النفاق الأصغر: وهو عمل شيء من أعمال المنافقين مع بقاء الإيمان في القلب، ويسمى النفاق العملي، وقد بينه النبي ﷺ .
وهذا النفاق الأصغر لا يخرج من الملة، لكنه وسيلة إلى ذلك، فصاحبه يكون فيه إيمان ونفاق، وإذا أكثر صار بسببه منافقاً خالصاً.
- أصول النفاق الأصغر:
أصول النفاق العملي خمسة:
إذا حدث كذب .. وإذا عاهد غدر .. وإذا وعد أخلف .. وإذا خاصم فجر .. وإذا اؤتمن خان.
١ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «أرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ، إذَا
حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». متفق عليه (٢).
стр. 2720
٣ - الفرق بين النفاق الأكبر والأصغر:
أهم الفروق بين النفاق الأكبر والأصغر:
١ - النفاق الأكبر يخرج من الملة، والنفاق الأصغر لا يخرج من الملة.
٢ - النفاق الأكبر صاحبه مخلد في النار، وصاحب النفاق الأصغر لا يخلد في النار.
٣ - النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن، والنفاق الأصغر قد يصدر من المؤمن.
٤ - النفاق الأكبر اختلاف السر والعلانية في النية، والنفاق الأصغر اختلاف السر والعلانية في العمل.
٥ - النفاق الأكبر في الغالب لا يتوب صاحبه، والنفاق الأصغر قد يتوب صاحبه فيتوب الله عليه.
٤ - وجود المنافقين:
المنافقون موجودون في كل زمان ومكان.
ويكثر عددهم، ويزداد ظهورهم عندما تظهر قوة الإسلام، ولا يستطيعون مقاومته في الظاهر، فيظهرون الدخول فيه، لأجل مقاومته والكيد له في الباطن، وتمزيق وحدة أهله.
وكذلك يُظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر ليعيشوا مع المسلمين، ويأمنوا على دمائهم وأموالهم.
وهم يَظهرون في كل زمان ومكان بثياب مختلفة من الرؤساء، والأمراء،
والعلماء، والعبّاد، والتجار، والأطباء وغيرهم.
ولعظيم خطرهم وضررهم هتك الله أستارهم، وكشف أسرارهم في القرآن
стр. 2721
الكريم، وجلى لعباده صفاتهم وأعمالهم؛ ليحذروهم، ويكونوا على بينة من أمرهم، فهم أشد الأعداء خطراً، وأعظمهم مكراً وكيداً، وأكثرهم تلبيساً وخداعاً.
يظهرون ويختفون .. ويكثرون ويقلون .. والله عليم بما يعملون.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾ [محمد: ٣٠].
٥ - حكم المنافقين:
١ - المنافقون الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر.
في الدنيا: لهم أحكام المسلمين.
وفي الآخرة: جميع أعمالهم باطلة، وهم في الدرك الأسفل من النار.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].
٢ - أما أهل النفاق الأصغر.
فمن تاب في الدنيا تاب الله عليه، ومن لم يتب فحكمه حكم أهل الكبائر
وعصاة الموحدين، يعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار، وقد يعفو الله عنه فلا يدخله النار.
٤ - الردة
- الردة: هي الكفر بعد الإسلام.
والمرتد: هو من كفر بعد إسلامه طوعاً.
- أقسام الردة:
نواقض الإسلام هي الموجبة للردة، والناقض إما قول، أو عمل، أو اعتقاد، أو شك.
والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام على النحو التالي:
١ - الردة بالاعتقاد: وتكون بما يلي:
اعتقاد الشريك لله .. أو يعتقد بقلبه أن الله ﷻ فقير أو ظالم .. أو يعتقد أنه لا رب ولا إله .. ولا بعث ولا حشر .. ولا جنة ولا نار .. ولا ثواب ولا عقاب.
أو يعتقد بقلبه تكذيب الرسل .. أو جحد الكتب المنزلة.
أو أن محمداً ﷺ ليس بصادق .. أو أنه ليس بخاتم النبيين .. أو يبغض شيئاً من الدين ولو عمل به.
أو يعتقد أنه يجوز أن يُدعى مع الله غيره من مَلَك، أو نبي، أو شجر، أو حجر، أو جن، أو غير ذلك مما زينه الشيطان لكثير من بني آدم.
أو يعتقد أنه يجوز الحكم بغير ما أنزل الله.
أو يعتقد أن أركان الإسلام غير واجبة.
أو يعتقد أن الكفر والشرك والنفاق والظلم جائز لمن فعله.
стр. 2724
أو يعتقد أن الربا والزنا والخمر والفواحش جائزة.
أو يعتقد أن الماء والخبز حرام ونحو ذلك مما ثبت قطعاً وجوبه .. أو حله .. أو حرمته .. ومثله لا يجهله.
فهذا كله كفر وردة عن الإسلام، وهو أعظم أنواع الردة.
فمن اعتقد شيئاً من ذلك فهو كافر مرتد، وأعماله كلها باطلة، ومصيره إلى النار إن مات ولم يتب.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾ [محمد: ٢٥].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
٢ - الردة بالشك: وتكون بما يلي:
الشك فيما سبق كله أو بعضه .. كمن شك في تحريم الشرك والظلم .. أو تحريم الربا والزنا والخمر .. أو وجوب الصلاة والزكاة .. أو إباحة الماء والخبز .. أو شك في صحة كتب الله .. أو شك في صدق رسله .. أو شك في دين الإسلام وصلاحيته لكل زمان.
والشك أن يقول مثلاً:
أنا لا أدري هل الله حق أم لا؟ .. ولا أعلم هل الرسول حق أم لا؟ .. ولا أعلم
стр. 2725
هل البعث سيقع أم لا؟ ..
ولا أدري هل الجنة والنار حق أم لا؟
ولا أدري هل الرسول ﷺ خاتم النبيين أم لا؟
أو يقول: أنا أشك في الصلاة هل هي واجبة أم لا؟
أو أنا أشك في الربا هل هو حرام أم لا؟ ونحو ذلك.
فهذه الشكوك كلها كفر أكبر، وردة عن الإسلام.
فمن شك في شيء من ذلك فهو كافر مرتد، وأعماله كلها باطلة، ومصيره إلى جهنم يوم القيامة إن مات ولم يتب.
أما الوسوسة العارضة والخطرت فإنها لا تضر إذا دفعها المسلم، ولم يسكن إليها، ولم تستقر في قلبه.
وعليه أن يستعيذ بالله .. وينتهي عما يدور في نفسه .. ويقول آمنت بالله ورسله.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة: ٤٥].
٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أوْ يَعْمَلُوا بِهِ». متفق عليه (١).
٣ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ». متفق عليه (٢).
стр. 2726
٤ - وَعَنْ أبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ ، فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ الأَْرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ» أخرجه أحمد ومسلم (١).
٣ - الردة بالقول: وتكون بما يلي:
سب الله .. أو سب رسله .. أو سب ملائكته .. أو سب كتبه .. أو دعاء غير الله .. أو الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله .. أو ادعاء النبوة .. أو تصديق من يدعيها .. أو الاستهزاء بالدين أو بشيء منه .. أو سب الصحابة أو أحداً منهم.
أو أنكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة كالربا والزنا والخمر ونحوها.
أو أنكر وجوب شيء من الواجبات الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوها ومثله لا يجهله، ونحو ذلك.
فمن قال هذه المقالات وأمثالها فهو كافر مرتد عن الإسلام، وقد حبط عمله، ومصيره إلى النار إذا مات ولم يتب.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزُّمَر: ٦٥ - ٦٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
стр. 2727
٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ [يونس: ١٧].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [الزُّمَر: ٣٢].
٥ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
٤ - الردة بالفعل: وتكون بما يلي:
السجود للأصنام من الأشجار والأحجار وغيرها، والسجود على القبور .. والطواف عليها .. والذبح لغير الله .. والاستهانة بالمصحف .. والقعود عليه مستهيناً به .. والحكم بغير ما أنزل الله .. والسحر تعلمه وتعليمه .. ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين .. والإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به .. واستباحة المحرمات .. وترك الصلاة ونحو ذلك.
فمن فعل هذه الأمور وأمثالها فهو كافر مرتد عن الإسلام، وقد حبط عمله، ومصيره إلى النار إن مات ولم يتب.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزُّمَر: ٦٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١].
стр. 2728
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
٥ - وَعَنْ جَابِر بن عَبدِاللهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ». أخرجه مسلم (١).
- أعظم أقسام الردة:
الردة تكون بالقول .. وتكون بالفعل .. وتكون بالاعتقاد .. وتكون بالشك .. وأعظمها وأخطرها ما جمع هذه المراتب، وهو أشدها جرماً، وأعظمها عقوبة.
فمن اعتقد أو زعم أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره من الأصنام ونحوها فهو كافر .. فإن نطق لسانه بذلك صار كافراً بالقول والعقيدة جميعاً .. فإن عبد غير الله صار كافراً بالقول والعمل والعقيدة جميعاً.
ومن ذلك ما يفعله عباد القبور من دعاء الأموات، وطلب المدد منهم، وما يقوله جهلة المسلمين عند قبر الرسول ﷺ كقولهم:
يا رسول الله اشف مريضي، يا رسول الله انصرنا على أعدائنا.
وبعضهم ينادي من مكان بعيد في بلاده ويقول: يا رسول الله أغثني يا رسول الله مدد .. مدد.
ورسول الله بشر لا يعلم الغيب إلا ما أعلمه الله، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، فكيف يملك لغيره.
فهذا كله من الشرك الاعتقادي، القولي، العملي، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 2729
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزُّمَر: ٦٥ - ٦٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
- ما يفعل بالمرتد:
من ارتد عن الإسلام وهو بالغ عاقل دعي إليه، ورُغِّب فيه، وعُرضت عليه التوبة لعله يتوب، فإن تاب فهو مسلم.
وإن لم يتب، وأصر على كفره وردته، فإنه يقتل بالسيف كفراً لا حداً.
١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه البخاري (١).
٢ - وَعَنْ أبي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: مَا لِهَذَا؟ قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . متفق عليه (٢).
- صفة توبة المرتد:
من كانت ردته بجحد شيء من الدين فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به، والتزامه جميع أحكام الإسلام.
стр. 2730
- أحكام المرتد:
١ - المرتد أغلظ كفراً من الكافر الأصلي؛ لأنه عرف الحق ثم تركه.
٢ - الردة كفر مخرج من الملة، ومحبط للأعمال، وموجب للخلود في النار إن لم يتب قبل الموت.
٣ - إذا قُتل المرتد أو مات ولم يتب فهو كافر لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يدعى له.
٤ - يفرق بين المرتد وزوجته المسلمة؛ لأنها لا تحل لكافر، وإذا ارتدت الزوجة فارقها؛ لأن المسلم لا يمسك بِعِصَم الكوافر.
وللمرتد مراجعة زوجته بعد التوبة ما دامت في العدة، فإن خرجت من العدة ولم يراجعها ملكت نفسها، فلا تحل له إلا برضاها بعقد ومهر جديدين.
٥ - يُمنع المرتد من التصرف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلم فهو له، وإن أصر على ردته فماله فيء يصرف في مصالح المسلمين.
٦ - المرتد كافر لا يرث أقاربه المسلمين، وهم لا يرثونه؛ لأن الكافر لا يرث المسلم.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤].
стр. 2731
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
٥ - وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ». متفق عليه (١).
- حكمة مشروعية قتل المرتد:
الإسلام منهج كامل للحياة، ونظام شامل لكل ما يحتاجه البشر، موافق للفطرة والعقل، قائم على الدليل والبرهان، وهو أكبر النعم.
ومن دخل فيه ثم ارتد عنه فقد انحط إلى أسفل الدركات، ورد ما رضيه الله لخلقه من الدين، وخان الله ورسوله، وكفر بنعمة الله، فيجب قتله؛ لأنه أنكر الحق، ورد الخير، الذي لا تستقيم الدنيا والآخرة إلا به.
- صفات المرتد:
الإنسان متى فعل ناقضاً من نواقض الإسلام .. أو بدل الشرع المجمع عليه .. أو حلل الحرام المجمع عليه .. أو حرم الحلال المجمع عليه .. أو حكم بغير ما أنزل الله .. فهو كافر مرتد ولو كان يقر بالشهادتين.
فإن المنافقين يشهدون كذباً هذه الشهادة، ويصلون ويصومون، ومع ذلك فهم في الدرك الأسفل من النار.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ
стр. 2732
الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
- حكم التكفير:
التكفير: هو الحكم على الإنسان بالكفر.
والتكفير حق لله، فلا يجوز أن نكفر أحداً إلا من كفره الله ورسوله.
ومن كَفَّرَنا فلا نكفره، فمن كذب على أحد، أو زنى بأهله، فليس له أن يكذب عليه، أو يزني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله.
وكذلك التكفير حق لله، فلا نكفِّر إلا من كفَّر الله ورسوله.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «أيُّمَا رَجُلٍ قال: لأخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أحَدُهُمَا». متفق عليه (١).
- أنواع التكفير:
التكفير له ثلاث صور:
تكفير بالعموم .. وتكفير أوصاف .. وتكفير أشخاص.
الأولى: تكفير العموم: وهو تكفير الناس كلهم عالمهم وجاهلهم، والمتأول منهم
стр. 2733
وغير المتأول، ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم.
وهذه من أكبر الكبائر، وهي طريقة أهل البدع والجهل بأحكام الله.
الثانية: تكفير أوصاف: كقول أهل العلم:
من سب الله ورسوله كفر .. ومن كذّب بالبعث كفر .. ومن ترك الصلاة كفر .. ومن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم كفر.
فهذا الفعل كفر مخرج من الملة، والتكفير بالوصف المخرج من الملة مشروع، أما فاعله فلا يكفر حتى تتوفر الشروط، وتنتفي الموانع.
فلا يلزم من كون الفعل كفراً أن يكون فاعله كافراً.
الثالثة: تكفير الأشخاص: وهو تكفير الشخص الذي وقع في أمر مخرج من الإسلام.
فهذا لا يكفر حتى تتوفر الشروط، وتنتفي الموانع.
- شروط التكفير:
يشترط للتكفير شرطان:
الأول: أن يقوم الدليل على أن هذا العمل مما يكفر به صاحبه.
الثاني: أن ينطبق الحكم على من فعل ذلك، بأن يكون عالماً بذلك، قاصداً له، مختاراً له.
فإن قام به مانع من موانع التكفير كالجهل، أو الخطأ، أو الإكراه، أو التأويل المعتبر فلا يكفر.
ولا يجوز أن نحكم على معين بالكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وإصراره على الكفر الذي وقع منه.
стр. 2734
٥ - البدعة
- البدعة: هي كل ما أُحدث في الدين من غير دليل.
فكل ما فعله الإنسان على سبيل القربة إلى الله مما لم يكن له أصل في الشرع فهو بدعة كالاحتفال بالمولد النبوي، والإسراء والمعراج ونحو ذلك.
والبدع بريد الشرك، وأول ما دخل الشرك على الناس هو بسبب الغلو في الأنبياء والصالحين.
- خطر البدع:
البدعة هي الزيادة في الدين بعد كماله.
ومن طبيعة البدعة بأنواعها التمدد والتفجر والانتشار.
تنتقل من شخص إلى شخص، ومن جماعة إلى جماعة، ومن بلد إلى بلد، على سبيل العدوى والتقليد.
وأكثر من يشيدها وينشرها علماء السوء القاصرة أفهامهم، والناقصة عقولهم وعلومهم وورعهم، مما يجعل العامة يغترون بهم، ويقتدون بفعلهم ولو كان باطلاً مردوداً.
وباستمرار فعل هؤلاء العلماء للبدع يستقر في نفوس العامة فضلها أو فرضها، حتى تصبح ديناً يواظبون عليه، ويتقربون إلى الله به.
تبدأ على سبيل الاستحسان، ثم تقود إلى ما هو شرمنها من الشرك.
وأول من ابتدع بدعة المولد النبوي هم الفاطميون في مصر لما رأوا النصارى يعظمون مولد المسيح، ويجعلون لهم عيداً يعطلون به المتاجر
стр. 2735
والأعمال، اقتدوا بهم فابتدعوا بدعة تعظيم المولد النبوي مضاهاة للنصارى.
ثم اشتهرت وانتشرت بدعة المولد في البلدان بسبب الجهل والعدوى والتقليد الأعمى.
وقد نشأ عن هذه البدعة ما هو شر منها من الغلو والإطراء والنياحة، وضرب الدفوف، وشرب الخمور، واختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك من الكبائر.
وما أحدث قوم بدعة إلا رُفع مثلها من السنَّة.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام:١٤٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف:٣٣].
٢ - أسباب ظهور البدع:
١ - الجهل بأحكام الدين:
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
٢ - التشبه بالكفار:
قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ