فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ ... [النساء: ٩٢].
٢ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى أنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبْدٌ أوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا. متفق عليه (١).
- عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأً:
عقوبة الجناية بقطع أو جرح خطأً هي الدية أو الأرش، فإن كان القطع لِمَا في الإنسان منه شيء واحد كاللسان والذَّكَر ونحوهما ففيه الدية كاملة مائة من الإبل.
وإن كان القطع لِمَا في الإنسان منه اثنان كالعين أو الأذن فأرشه نصف الدية وهكذا ..
وتتحمل العاقلة الدية في الخطأ وشبه العمد إذا بلغت ثلث الدية فأكثر.
- حكم نقل الدم من إنسان لآخر:
١ - يجوز عند الضرورة نقل الدم من إنسان لآخر، إذا قام به طبيب ماهر، ولم يوجد بديل مباح عنه، وغلب على الظن نفع التغذية به، ورضي المأخوذ منه مع عدم تضرره، وقَبِل ذلك المضطر إليه.
فيجوز التغذية به بقدر ما ينقذ المريض من الهلكة.
أما نقل الأعضاء من إنسان حي لآخر حي فلا يجوز، بخلاف الدم فإنه
стр. 2907
متجدد يمكن تعويض بدله بالتغذية.
٢ - يجوز جمع الدم في (بنوك الدم) تحسباً لوجود المضطر، ومفاجأة الأحوال من حوادث، وحالات ولادة، وحالات نزيف الدم ونحو ذلك.
٣ - لا يجوز بيع الدم ولا شراؤه إلا لمضطر لم يجد من يبذله له.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
стр. 2908
٣ - أقسام الديات
١ - دية النفس
- الدية: هي المال المؤدى إلى المجني عليه أو ورثته بسبب الجناية.
- أقسام الدية:
تنقسم الدية إلى قسمين:
دية النفس ... دية ما دون النفس.
- حكمة مشروعية الدية:
الدية جزاء يجمع بين العقوبة والتعويض.
ففيها من الزجر والردع ما يكف الجناة، ويحمي الأنفس.
وفيها من جهة أخرى تعويض لما فات من الأنفس أو الأعضاء بالمال الذي يأخذه المجني عليه أو ورثته.
- حكم الدية:
١ - الدية واجبة في قتل الخطأ وشبه العمد إلا أن يعفو عنها أولياء المقتول.
وتجب في قتل العمد إذا مات الجاني أو عفا الأولياء عن القصاص إلى الدية.
٢ - تجب الدية على كل من أتلف إنساناً بمباشرة أو سبب، سواء كان الجاني صغيراً أو كبيراً، عاقلاً أو مجنوناً، متعمداً أو مخطئاً.
وسواء كان التالف مسلماً أو كافراً ذمياً، مستأمناً أو معاهداً.
٣ - إن كانت الجناية عمداً، ولم يكن قصاص، وجبت الدية حالَّة من مال الجاني.
وإن كانت الجناية شبه عمد أو خطأ وجبت على عاقلة الجاني مؤجلة ثلاث
سنين.
стр. 2909
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ ... [النساء: ٩٢].
٢ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأحَدٍ بَعْدِي، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أنْ يُفْدَى وَإِمَّا أنْ يُقْتَلَ». متفق عليه (١).
- شروط وجوب الدية:
يشترط لوجب الدية ما يلي:
أن يكون المجني عليه معصوم الدم، سواء كان مسلماً أو ذمياً، فلا دية في قتل الحربي، ولا المرتد، ولا الباغي؛ لفقد العصمة.
ولا يشترط الإسلام، ولا البلوغ، ولا العقل في إيجاب الدية، لا في جانب القاتل، ولا في جانب المقتول، فإذا قتل صبي أو مجنون معصومَ الدم وجبت الدية.
وإذا قتل بالغ عاقل صبياً أو مجنوناً وجبت عليه الدية.
- أصناف الدية:
الأصل في الدية هو الإبل، ويجوز أخذها من الأجناس الأخرى إذا غلت الإبل أو عُدمت.
وأجناس الدية ستة:
مائة من الإبل وهي الأصل .. ألف مثقال من الذهب .. اثنا عشر ألف درهم من الفضة .. مئتا بقرة .. ألفا شاة .. مئتا حلة (إزار ورداء).
فالأصل الإبل، فإذا أحضر ما سواها فلا بد من موافقة من هي له.
ولولي الأمر أن يجعل الديات من أي صنفٍ من هذه الأصناف إذا رأى فيه المصلحة واليسر على الناس.
مثقال الذهب = ٤.٢٥ غرام، فتكون الدية بالغرام = ١٠٠٠ × ٤.٢٥ = ٤٢٥٠ غرام ذهب.
وجنيه الفضة = ٨ مثاقيل، فتكون الدية بالجنيه =١٢٠٠٠ ÷ ٨ = ١٥٠٠ جنيه فضة.
- أقسام دية النفس:
تنقسم دية النفس إلى قسمين:
الأول: الدية المغلظة: في قتل العمد وشبه العمد.
الثاني: الدية المخففة: في قتل الخطأ.
فالدية المغلظة نوعان، والتغليظ في الإبل فقط كما يلي:
١ - تجب أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض .. وخمس وعشرون بنت لبون .. وخمس وعشرون حقة .. وخمس وعشرون جذعة.
стр. 2912
٢ - تجب أثلاثاً: ثلاثون حقة .. وثلاثون جذعة .. وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وللإمام أن يعيِّن منهما ما يحقق المصلحة.
والدية المخففة تجب أخماساً:
عشرون بنت مخاض .. وعشرون بنت لبون .. وعشرون حقة .. وعشرون جذعة .. وعشرون ابن مخاض.
ولا تعتبر القيمة في ذلك، بل تعتبر الصحة والسلامة.
- مقادير ديات النفوس:
١ - دية الرجل المسلم الحر: مائة من الإبل.
٢ - دية المرأة المسلمة الحرة نصف دية الرجل: خمسون من الإبل.
٣ - دية الكافر سواء كان كتابياً كاليهود والنصارى، أو غير كتابي كالمجوس وعباد الأصنام، وسواء كان ذمياً مستأمناً أو معاهداً نصف دية المسلم: خمسون من الإبل.
٤ - دية نساء الكفار نصف دية رجالهم: خمس وعشرون من الإبل.
٥ - دية العبد الرقيق قيمته، سواء كان ذكراً أو أنثى، وسواء كان كبيراً أو صغيراً.
٦ - دية الجنين عشر دية أمه: خمس من الإبل، سواء كان ذكراً أم أنثى، فإن سقط الجنين حياً ثم مات ففيه الدية كاملة.
١ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى أنَّ
دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبْدٌ أوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا. متفق عليه (١).
стр. 2913
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ، قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: «لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ». أخرجه أحمد والترمذي (١).
- حكم الدية إذا مات الجاني:
من قتل شخصاً عمداً ثم مات الجاني سقط القصاص، وبقي حق أولياء المقتول في الدية، فتؤخذ من ماله، فإن لم يكن له مال فعلى ورثته، فإن لم يكن له ورثة أخذت من بيت مال المسلمين.
- موجب دية النفس:
تجب الدية بما يلي:
١ - القتل عمداً إذا عفا ولي الدم عن القصاص.
٢ - القتل خطأ أو شبه عمد.
- من تجب عليه الدية:
الدية يتحملها أحد ثلاثة، وهم:
١ - القاتل: وتجب في ماله خاصة في قتل العمد إذا تنازل أولياء المقتول عن القصاص.
٢ - العاقلة: وتجب عليهم الدية في قتل شبه العمد والخطأ.
٣ - بيت المال: وتجب الدية من بيت المال إذا لم يكن للقاتل مال ولا عاقلة موسرة ونحو ذلك.
- الحقوق التي يتحملها بيت المال:
يتحمل بيت المال الديون والديات في الأحوال الآتية:
стр. 2914
١ - إذا مات أحد المسلمين وعليه دين، ولم يكن له مال ولا وارث يؤدي عنه.
٢ - إذا قتل أحد خطأ أو شبه عمد ولم تكن له عاقلة موسرة أخذت الدية من الجاني، فإن كان معسراً أخذت من بيت المال.
٣ - كل مقتول لم يُعلم قاتله كمن مات في زحام، أو طواف أو نحوهما فديته من بيت المال.
٤ - إذا وجبت الدية في خطأ ولي الأمر فيما هو من اختصاص وظيفته.
٥ - إذا حكم القاضي بالقسامة، ونكل الورثة عن حلف الأيمان، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، فداه الإمام من بيت المال.
- من تلزمه الدية في الحوادث:
١ - إذا انقلبت سيارة، أو اصطدمت مع غيرها، وكان ذلك ناتجاً عن تعد أو تفريط من السائق، فإنه يضمن كل ما نتج عن ذلك، وإن مات أحد في ذلك الحادث لزمته الدية والكفارة بعدد من مات.
٢ - وإن وقع الحادث بغير تعد منه ولا تفريط، كما لو كانت عجلة السيارة سليمة ثم انفجرت فلا دية عليه ولا كفارة.
- وقت أداء الدية:
١ - دية قتل العمد عند العفو عن القصاص تجب معجلة في مال الجاني، والواجب غير محدود، بل ما يتم التراضي عليه بين الجاني وولي الدم، سواء كان مائة من الإبل أو أكثر أو أقل.
٢ - تجب دية قتل شبه العمد والخطأ على العاقلة مؤجلة على ثلاث سنين،
تخفيفاً على العاقلة.
стр. 2915
- حكم أخذ الدية:
يجوز أخذ الدية بدل القصاص في قتل العمد.
ويجوز لولي الدم أخذها في قتل شبه العمد والخطأ، فتؤخذ وتوزع على الورثة.
والقصاص، وأخذ الدية، والعفو، يكون بحسب ما يحقق المصلحة العامة والخاصة، وذلك هو الأفضل.
- حكم من قتل بعد أخذه الدية:
إذا أخذ ولي الدم الدية فلا يحل له أن يقتل القاتل.
وإذا قتله فهو ظالم، وأمره إلى الحاكم يصنع فيه ما يرى، مما يحقق المصلحة، ويقطع دابر الشر.
- أسباب نقص الدية:
دية الرجل الحر المسلم مائة من الإبل.
ولنقص الدية أربعة أسباب:
الكفر .. والرق .. والجنين .. والأنوثة.
فالكفر يردها إلى النصف .. والأنوثة تردها إلى النصف .. والرق يردها إلى القيمة .. وقتل الجنين يردها إلى غرة عبد أو أمة؛ لأنه غير مكتمل.
- الأحوال التي تسقط فيها الدية:
هي كل حالة أذن الشرع فيها لجلب مصلحة، أو درء مفسدة، فلا إثم ولا دية فيما يترتب على التأديب المأذون فيه؛ لأن الإذن بالشيء يسقط تبعته.
ومن التأديب المشروع:
стр. 2916
تأديب الحاكم رعيته .. وتأديب المعلم طلابه .. وتأديب الرجل ولده .. وتأديب الزوج زوجته.
فهؤلاء وأمثالهم يريدون الخير لمن يؤدبونه، ويسعون في مصلحته، ولذلك لا ضمان عليهم، فالتعليم والتأديب مقصود شرعاً.
- شروط التأديب الذي لا يضمن ما تلف به:
يشترط للتأديب المشروع خمسة شروط:
أن يكون المؤدَّب قابلاً للتأديب .. وأن يكون مستحقاً له .. وأن يكون المؤدِّب له ولاية التأديب .. وأن يكون قصده التأديب لا الانتقام .. وأن لا يسرف في الضرب والتأديب.
- حكمة مشروعية الكفارة:
الكفارة هي: عمل صالح يمحو أثر الذنب عن فاعله.
والغرض من الكفارة: إزالة إثم المعصية بتكليف المسلم بما يزيل إثم معصيته عنه بإلزامه بأشياء، وهي بذاتها قربة وعبادة كعتق رقبة مؤمنة، أو صيام، أو إطعام.
وكفارة قتل الخطأ وشبه العمد عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين.
- القتل الذي تجب فيه الكفارة:
الكفارة عبادة تجب على القاتل المسلم في قتل الخطأ وشبه العمد، سواء قتل مسلماً أو كافراً معصوم الدم، ولا كفارة في قتل العمد.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا
стр. 2917
خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].
- أنواع الكفارات:
الكفارات خمسة أنواع:
١ - كفارة قتل الخطأ:
وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع يصوم شهرين متتابعين.
٢ - كفارة الجماع في نهار رمضان متعمداً من غير عذر:
وهي عتق رقبة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً.
٣ - كفارة الظهار:
وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يستطع يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، فإذا كفَّر حلت له امرأته.
٤ - كفارة اليمين:
وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام متتابعة.
٥ - كفارة جزاء الصيد:
عليه أن يكفِّر عن إثمه بالصيد: بمثله، أو يقوِّمه بمال، أو عدل ذلك صياماً.
стр. 2918
٢ - الدية فيما دون النفس
- الدية فيما دون النفس: هي المال الذي يلزم الجاني أو عاقلته دفعه إلى المجني عليه مقابل الاعتداء عليه.
ويسمى بالأرش أحياناً.
فإن كان الشرع قد حدد مقداره ابتداء فهو الأرش المقدر، وإن ترك الشرع تقديره للقاضي عن طريق حكومة العدل، فهو الأرش غير المقدر.
- أنواع الجنايات على ما دون النفس:
الجناية على ما دون النفس أربعة أنواع:
الأول: قطع الأطراف كاليد والرجل والأصبع واللسان ونحوها.
الثاني: إذهاب منافع الأطراف كإذهاب البصر مع بقاء العين، وإذهاب السمع مع بقاء الأذن، وشل الرجل مع بقائها.
الثالث: جرح البدن كجرح اليد أو الصدر أو البطن.
الرابع: كسر العظام ككسر عظم اليد أو الساق ونحوهما.
عقوبة الخطأ وشبه العمد الدية، وعقوبة جناية العمد القصاص، أو الدية إذا عفا المجني عليه.
- حكم الدية فيما دون النفس:
١ - إذا كانت الجناية فيما دون النفس عمداً ففيها القصاص، وإن عفا المجني عليه إلى الدية أو أكثر منها، أو عفا مطلقاً فله ذلك.
стр. 2919
٢ - إن كانت الجناية خطأ أو شبه عمد ففيها الدية ولا قصاص.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ ... [المائدة: ٤٥].
٢ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ أنَّ الرُّبَيِّعَ -وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا العَفْوَ فَأبَوْا، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَهُمْ بِالقِصَاصِ، فَقال أنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقال: «يَا أنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ». فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا، فَقال النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ». متفق عليه (١).
- أقسام الدية فيما دون النفس:
تنقسم الدية فيما دون النفس إلى ثلاثة أقسام:
الأول: دية الأعضاء ومنافعها:
١ - ما كان في الإنسان منه شيء واحد ففيه دية النفس كاملة، وهو الأنف، واللسان، واللحية، والذكر، والصلب، والجلد.
وتجب الدية كاملة في ذهاب منفعة العضو كالسمع، والبصر، والكلام، والعقل، وشل العضو كاليد والرجل كما لو ضرب عينه فذهب بصره، أو ضرب يده فشلَّت ونحو ذلك.
٢ - ما كان في الإنسان منه شيئان، ففي كل واحد منهما نصف الدية، وفيهما معاً
стр. 2920
الدية كاملة.
وما في الإنسان منه شيئان هو:
العينان، والأذنان، والشفتان، واليدان، والرجلان، والحاجبان، واللَّحْيان، والأليتان، والخصيتان، والثديان، وأسكتا المرأة ونحو ذلك.
ومن كان له عضو واحد من هذه الأعضاء كفاقد إحدى عينيه أو يديه أو رجليه، فإنه يستحق الدية الكاملة بإتلاف العضو الباقي.
وإذا ذهبت منفعة أحد العضوين ففيه نصف الدية، وإن ذهبت منفعتهما معاً وجبت الدية كاملة.
٣ - ما كان في الإنسان منه أربعة أشياء كأجفان العينين، ففي كل واحد إذا قطع ربع الدية، وفي جميعها الدية كاملة.
٤ - ما كان في الإنسان منه عشرة كأصابع اليدين، وأصابع الرجلين.
ففي كل أصبع عُشر الدية: عَشر من الإبل، وفي العشرة جميعاً الدية كاملة.
وفي أنملة كل أصبع ثلث دية الأصبع، وفي أنملة الإبهام نصف ديته.
وإذا ذهبت منفعة الأصابع ففيها الدية كاملة، وإذا ذهبت منفعة أصبع ففيه عشر الدية.
٥ - الأسنان:
أسنان الإنسان اثنان وثلاثون سناً:
أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربع أنياب، وعشرون ضرساً، في كل جانب عشرة، خمسة أعلى، وخمسة أسفل.
فيجب في إتلاف كل سن من هذه الأسنان خمس من الإبل، وإذا أتلف
стр. 2921
الأسنان كلها وجب عليه أكثر من دية النفس، مائة وستون من الإبل.
٦ - تجب الدية كاملة في كل واحد من الشعور الأربعة إذا ذهبت، وهي:
شعر الرأس .. وشعر اللحية .. وشعر الحاجبين .. وأهداب العينين، وفي الحاجب الواحد نصف الدية، وفي الهدب الواحد ربع الدية.
- كل عضو أشل فليس فيه دية، بل فيه حكومة إلا الأنف والأذن.
وكل من جنى على عضو فأشله فعليه دية ذلك العضو إلا الأنف والأذن؛ لأن جمالهما باق ولو شُلّا.
- في قطع اليد نصف الدية، سواء قطعها من الكف، أو المرفق، أو الكتف.
- في قطع الرجل نصف الدية سواء قطعها من الكعبين، أو الركبة، أو الورك.
- العضو الباطن كالعضو الظاهر في وجوب الدية ففي الكبد الدية كاملة، وفي الكليتين الدية كاملة، وفي الكلية الواحدة نصف الدية.
- في المنخرين ثلثا الدية، وفي الحاجز بينهما ثلث الدية.
- في كل حاسة دية كاملة، وهي:
السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس.
فإذا جنى على أحد فصار لا يسمع، أو لا يبصر، أو لا يشم، أو لا يذوق، أو لا يحس باللمس فعليه دية كاملة.
- تجب في عين الأعور الدية كاملة؛ لذهاب منفعة البصر، وإذا قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص، وإن قلع الصحيح عين الأعور الصحيحة عمداً فعليه القصاص، وإن كان خطأ أو شبه عمد فعليه الدية كاملة.
стр. 2922
- إذا سرت الجناية فمات المجني عليه، ففيه دية النفس مائة من الإبل.
الثاني: دية الشجاج والجروح:
الشجة: اسم لجرح الرأس والوجه خاصة.
والجروح سواء كانت في البدن أو الرأس عشر:
خمس فيها دية شرعية مقدرة .. وخمس فيها حكومة.
١ - الخمس التي فيها حكومة، هي على الترتيب:
١ - الحارصة: وهي التي تحرص الجلد وتشقه ولا يظهر منه دم.
٢ - البازلة: وهي التي يسيل منها الدم القليل.
٣ - الباضعة: وهي التي تشق اللحم.
٤ - المتلاحمة: وهي الغائصة في اللحم.
٥ - السمحاق: وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة تسمى السمحاق.
فهذه الشجاج الخمس ليس فيها دية مقدرة شرعاً، بل فيها حكومة.
والحكومة: كل ما لا قصاص فيه من الجناية فيما دون النفس، وليس له أرش مقدر مثل كسر السن إلا العظم.
والحكومة: أن يُقوِّم أهل الخبرة والمعرفة المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوَّم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية.
كأن تكون قيمته قبل الجناية عشرة آلاف، وقيمته بعد البرء من الجناية تسعة آلاف، فديته العشر من كامل ديته.
٢ - أما الخمس التي فيها مقدر شرعي فهي على الترتيب:
١ - الموضحة: وهي التي وصلت إلى العظم وأوضحته.
стр. 2923
وديتها المقدرة شرعاً خمس من الإبل.
٢ - الهاشمة: وهي التي توضح العظم وتهشمه، وفيها عشر من الإبل.
٣ - المنقِّلة: وهي التي تهشم العظم وتنقله، وفيها خمس عشرة من الإبل.
٤ - المأمومة: وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية.
٥ - الدامغة: وهي التي تخزق جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية أيضاً.
والجرح إذا وصل إلى باطن الجوف أو الظهر أو الصدر أو الحلق ففيه ثلث الدية، ويسمى الجائفة، وإن لم يصل الجرح إلى الباطن ففيه حكومة.
الثالث: دية العظام:
تجب الدية في كسر العظام كما يلي:
١ - الضلع: إذا كُسر ثم جُبر مستقيماً، فديته بعير.
٢ - الترقوة: إذا كسرت ثم جبرت مستقيمة، ففيها بعير، وفي الترقوتين بعيران.
٣ - الذراع، أو العضد، أو الساق، أو الفخذ: إذا كُسر ثم جَبر مستقيماً بعيران، وإذا لم تنجبر العظام السابقة مستقيمة ففيها حكومة.
٤ - الصلب: إذا كسر ثم جبر مستقيماً فيه حكومة، وإذا لم ينجبر ففيه الدية كاملة.
٥ - بقية العظام ليس فيها شيء مقدر بل فيها حكومة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
٢ - وَعَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ
- ما تحمله العاقلة من الدية فيما دون النفس:
إذا بلغ أرش الجناية فيما دون النفس ثلث الدية الكاملة حملته العاقلة، ويكون مؤجلاً على ثلاث سنين كما في دية النفس، وإن كان الأرش أقل من ثلث الدية فيحمله الجاني وحده.
- مقدار الدية فيما دون النفس:
دية الأطراف والجراح تقدَّر من دية الرجل أو المرأة، والمسلم وغير المسلم.
فالمرأة ديتها نصف الرجل، ودية الكافر نصف دية المسلم، ونساء الكفار ديتهن نصف دية رجالهم.
ويتساوى الرجال والنساء فيما دون الثلث في دية ما دون النفس، وتقدَّر الدية حسب المجني عليه.
стр. 2926
الباب الثامن عشر
كتاب الحدود
ويشتمل على ما يلي:
١ - أحكام الحدود.
٢ - أقسام الحدود: وتشمل:
١ - حد الزنا.
٢ - حد القذف.
٣ - حد الخمر.
٤ - حد السرقة.
٥ - حد قطاع الطريق.
٦ - حد البغاة.
٣ - حكم المرتد.
٤ - حكم التعزير.
كتاب الحدود
١ - أحكام الحدود
- الحدود: جمع حد.
والحد: عقوبة مقدرة شرعاً على معصية لأجل حق الله تعالى، لتمنع من الوقوع في مثلها.
- أقسام الذنوب من حيث الكفارة وعدمها:
الذنوب ثلاثة أقسام:
١ - قسم فيه الحد فقط بلا كفارة:
فهذا لم تشرع فيه الكفارة؛ اكتفاء بالحد الشرعي وهي الحدود كحد الزنا، والسرقة ونحوهما.
٢ - قسم فيه الكفارة ولا حد فيه:
كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين ونحو ذلك.
٣ - قسم لم يرتب عليه حد ولا كفارة، وهو نوعان:
أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعياً كأكل العذرة، وشرب البول ونحوهما.
الثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رُتب عليه الحد كالنظر، والقبلة، واللمس، والمحادثة المُريبة للمرأة الأجنبية ونحو ذلك، فهذا فيه التعزير.
стр. 2929
- أنواع الكفارات:
شرع الله الكفارات في ثلاثة أنواع:
الأول: ما كان مباح الأصل، ثم فُرض تحريمه بسبب، فَفَعله في الحالة التي عَرَض فيها التحريم كالوطء في الإحرام والصيام، والوطء حال الحيض والنفاس.
الثاني: ما عقد لله من نذر، أو بالله من يمين، أو حرمه الله ثم أراد حله، فشرع الله حله بالكفارة، وسماها تَحِلّة.
الثالث: ما تكون فيه الكفارة جابرة لما فات ككفارة قتل الخطأ، وإن لم يكن هناك إثم، وكفارة قتل الصيد.
فالأول من باب الزواجر، والثالث من باب الجوابر، والأوسط من باب التحِلَّة لما منعه العقد.
ولا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتفي به، وإلا اكتفي بالتعزير.
ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد، فلا كفارة فيها، وما فهي كفارة لا حد فيه.
- أقسام العقوبات:
تنقسم العقوبات على الذنوب إلى قسمين:
عقوبات قدرية .. وعقوبات شرعية.
١ - العقوبات القدرية: هي الآثار المذمومة والمؤلمة التي تحصل للعبد بسبب انتهاك حرمات الله، وارتكاب معاصيه، والعقوبات القدرية نوعان:
стр. 2930
الأول: عقوبات على القلوب والنفوس، كظلمة القلب وضعفه وضيقه وحزنه، وزوال أنسه بالله، والوحشة منه، والطبع والرَّيْن على قلبه، وحرمان حلاوة الطاعة، وبغض وكره الله وملائكته وعباده له، والغفلة عن الله والآخرة ونحو ذلك، وهذا أشد العقوبات.
الثاني: عقوبات على الأبدان والأموال، كنقصان الرزق، وارتفاع النعم، وحلول النقم، وحدوث الآفات والأمراض في الأبدان والثمار، وتسلط الرعاة والظلمة على الناس ونحو ذلك، وهذه العقوبات تصيب العاصي وحده إذا لم يجاهر بها.
فإذا جاهر المذنبون بمعاصيهم، ولم ينكر المسلمون عليهم، عمت العقوبة العاصي وغيره.
وعقوبة القلب أشد العقوبتين، وهي أصل عقوبة الأبدان.
وترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار، والغرق على الماء، وفساد البدن على السموم.
والعقوبة قد تقارن الذنب .. وقد تتأخر عنه إما يسيراً أو مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه.
٢ - العقوبات الشرعية، وهي نوعان:
١ - عقوبات مقدرة: وهي القصاص .. والديات .. والحدود .. والكفارات التي نص عليها الشرع.
٢ - عقوبات غير مقدرة: وهي التعازير التي يقدرها القاضي في كل جناية لا قصاص فيها ولا حد.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
стр. 2931
يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].
- أقسام الحدود:
تنقسم الحدود في الإسلام إلى ستة أقسام هي:
حد الزنا .. حد القذف .. حد الخمر .. حد السرقة .. حد قطاع الطريق .. حد البغاة.
ولكل جريمة من هذه الجرائم عقوبة مقدرة شرعاً.
- حكمة مشروعية الحدود:
أمر الله بعبادته وطاعته، وفِعْل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وحد حدوداً لمصالح عباده، ووعد من أطاعه السعادة في الدنيا، والجنة في الآخرة.
وتوعد من عصاه بالشقاء في الدنيا، والنار في الآخرة.
فمن قارف الذنب فقد فتح الله له باب التوبة والاستغفار، فإن أصر على معصية الله، وأبى إلا أن يغشى حماه، ويتجاوز حدوده بالتعدي على أعراض الناس وأموالهم وأنفسهم، فهذا لا بد من كبح جماحه بإقامة حدود الله التي تردعه وتردع غيره، وتحفظ الأمة من الشر والفساد في الأرض.
والحدود كلها رحمة من الله، ونعمة على الجميع.
فهي للمحدود طهرة من إثم المعصية، وكفارة عن عقابها الأخروي، وهي له
ولغيره رادعة عن الوقوع في المعاصي، وهي ضمان وأمان للأمة على
стр. 2932
دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وبإقامتها يصلح الكون، ويسود الأمن والعدل، وتحصل الطمأنينة.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧].
٢ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النّسَاءِ: أَنْ لاَ نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئاً، وَلاَ نَسْرِقَ، وَلاَ نَزْنِيَ، وَلاَ نَقْتُلَ أَوْلاَدَنَا، وَلاَ يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضاً. «فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدّاً فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفّارَتُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إلَى اللهِ، إنْ شَاءَ عَذّبَهُ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ». متفق عليه (١).
- أنواع حدود الله:
حدود الله تعالى ثلاثة أنواع:
الأول: حدود الله التي نهى عن تعديها.
وهي كل ما أذن الله تعالى بفعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، والاعتداء فيها يكون بتجاوزها ومخالفتها، وهي التي أشار الله إليها بقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾
[البقرة: ٢٢٩].
стр. 2933
الثاني: المحارم التي نهى الله عنها وهي المحرمات التي نهى الله عن فعلها كالزنا وهي التي أشار الله إليه بقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
الثالث: الحدود المقدرة الرادعة عن محارم الله كعقوبة الرجم والجلد والقطع ونحوها.
فهذه يجب الوقوف عندما قدر فيها بلا زيادة ولا نقصان، وهي المقصودة هنا.
- الفرق بين القصاص والحدود:
١ - جرائم القصاص الحق فيها لأولياء القتيل، أو المجني عليه إن كان حياً .. وذلك من حيث استيفاء القصاص، والحاكم منفذ لطلبهم.
أما الحدود فأمرها إلى الحاكم، فلا يجوز إسقاطها بعد أن تصل إليه.
٢ - جرائم القصاص قد يُعفى عنها إلى بدل كالدية، أو يعفى عنها بلا مقابل؛ لأنها حق آدمي.
أما الحدود فلا يجوز العفو عنها، ولا الشفاعة فيها مطلقاً، بعوض أو بدون عوض؛ لأنها حق لله تعالى.
- الفرق بين الحدود والتعازير:
١ - عقوبات جرائم القصاص والحدود مقدرة ابتداء في الشرع.
أما عقوبات التعزير فيقدرها القاضي بما يحقق المصلحة حسب حجم الجريمة ونوعها.
٢ - يجب على الإمام تنفيذ الحدود، والقصاص إذا لم يكن عفو من ولي الدم.
أما التعزير فإن كان حقاً لله تعالى وجب تنفيذه، ويجوز العفو والشفاعة إن
стр. 2934
رُئي في ذلك مصلحة، وإن كان حقاً للأفراد فلصاحب الحق أن يتركه بعفو أو غيره.
٣ - عقوبة القصاص والحدود محددة معينة، أما التعزير فيختلف بحسب اختلاف الجريمة، واختلاف الجاني والمجني عليه.
- أهداف العقوبة في الإسلام:
العقوبات على الجرائم في الإسلام شرعت لتحقق ما يلي:
١ - زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها.
٢ - صيانة المجتمع من الفساد، ومنع وقوع الجريمة أو تكرارها.
٣ - زجر المتهم عن الوقوع في الجريمة مرة أخرى.
٤ - إصلاح الجاني وتهذيبه لا تعذيبه.
٥ - قطع دابر الجريمة، وعدم إشاعة الفاحشة.
٦ - منع عادة الأخذ بالثأر التي تُوسِّع رقعة انتشار الجريمة.
٧ - إطفاء نار الحقد والغيظ المضطرمة لدى المعتدى عليه أو أقاربه.
٨ - حصول الأمن وتحقيق العدل في شعب الحياة كلها.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ ... [البقرة: ١٧٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾
[المائدة: ١٥ - ١٦].
стр. 2935
- مبادئ العقاب في الإسلام:
اشتملت الشريعة الإسلامية على أحسن المبادئ والعقوبات التي تكفل سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وهي:
رحمة الجاني والمجتمع الذي يعيش فيه .. والعدل بين الناس حتى لا تضطرب الأمور .. وحماية الكرامة الإنسانية .. ورعاية المصالح العامة والخاصة حفظاً للأمن .. والمساواة بين الجريمة والعقوبة .. ولا يعاقب أحد بجرم لم يصدر منه .. وعدم الحرص على إيقاع العقوبة؛ ليتمكن المخطئ من إصلاح عيوب نفسه .. والستر على المخطئ غير المجاهر ونصحه .. وتجوز الشفاعة في الحدود قبل بلوغها الحاكم، وتحرم الشفاعة وقبولها بعد بلوغها الحاكم .. ولا تُوْقع عقوبة إلا بعد انتفاء الشبهات .. ولصاحب الحق الخاص كالقصاص العفو عن القاتل أو المخطئ .. والعفو يكون بالاختيار والرضا لا بالإكراه.
١ - قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ ... [الأنعام: ٥٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ ... [النحل: ٩٠].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ ... [الشوى: ٤٠].
- حفظ الضرورات الخمس:
مقاصد الإسلام الكبرى محصورة في خمسة أمور هي:
стр. 2936
حفظ الدين .. وحفظ النفوس .. وحفظ النسل .. وحفظ المال .. وحفظ العقل.
فإذا حفظت الأمة هذه الأصول سعدت في الدنيا والآخرة، وإذا ضيعت هذه الأصول شقيت في الدنيا والآخرة.
وبإقامة الحدود والقصاص يتم حفظ هذه الضرورات وحمايتها، فبالقصاص تصان الأنفس .. وبإقامة حد الزنا والقذف تصان الأعراض .. وبإقامة حد السرقة تصان الأموال .. وبإقامة حد الخمر تصان العقول .. وبإقامة حد الحرابة يصان الأمن.
وبإقامة الحدود كلها يصان الدين كله، والحياة كلها.
- كيفية حفظ الضرورات الخمس:
حفظ الضرورات الخمس هي مقومات بقاء وسعادة الأمم وهي:
١ - حفظ الدين: فالدين عماد صلاح أمر الدنيا والآخرة.
والدين مبني على أمرين:
فعل الأوامر .. واجتناب المناهي.
٢ - حفظ النفوس: وحفظ النفس أمر مقصود لذاته؛ لأن الله خلق الإنسان لعبادته سبحانه، فيجب المحافظة على هذه النفس التي تعبد الله، وتقوم بالخلافة في الأرض.
٣ - حفظ النسل: وحفظ النسل من أعظم أسباب البقاء، ومن أسباب عمارة
الأرض.
وحفظ النسل يتم بأمرين:
стр. 2937
الأول: وجودي: وذلك بالترغيب بما يحصل به استمرار النسل وبقاؤه، وهو النكاح الشرعي.
الثاني: عدمي: وذلك بتحريم الزنا والمعاقبة عليه، وتحريم مقدماته من النظر والخلوة، وتحريم القذف بالزنا أو فاحشة اللواط، والمعاقبة على ذلك، وتحريم السفور والتبرج، وعدم سفر المرأة بلا محرم، وعدم اختلاطها بالرجال الأجانب، والأمر للرجال والنساء بغض البصر صيانة للعرض.
٤ - حفظ العقل: العقل من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فلولا العقل لصار الإنسان كالبهيمة.
والعقل مناط التكليف؛ لأن الإنسان يميز به بين المصالح والمفاسد، لذلك كله حرم الله كل ما يفسد العقل أو يضره.
ومفسدات العقل نوعان:
الأول: مفسدات حسية: كالخمور والمخدرات التي هي مفتاح كل شر وبلاء.
الثاني: مفسدات معنوية: كالأفكار والتصورات والمبادئ الفاسدة التي تجر الإنسان إلى المعاصي والردة والكفر.
٥ - حفظ المال: المال من الضروريات التي لا تتم مصالح الناس إلا بها، فقد جعله الله سبباً لحصول المنافع للعباد.
وحفظ المال في الإسلام بأمرين:
الأول: وجودي: وذلك بالحث على الكسب الحلال، والإنفاق في الوجه
الحلال.
الثاني: عدمي: وذلك بتحريم الاعتداء على المال أو إضاعته، ومعاقبة سارقه،
стр. 2938
وتحريم الغش والظلم والخيانة في كل معاملة.
١ - قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
- فقه اجتناب المحرمات:
الكف عن المحرمات، واجتناب قربها، ينشأ من أمور هي:
علم العبد بأن الله يراه .. وأنه يعلم نيته وأفعاله .. وعلم العبد بقبح المحرمات .. وأن الله حرمها صيانة للعبد من الرذائل .. والعلم بعقوبتها القاسية.
ومنها الحياء ممن تتقلب في نعمه .. والخوف من العزيز الجبار الذي لا يعجزه شيء.
ومنها محبة الله، فالمحب يصبِّر نفسه على مراد محبوبه ونحو ذلك مما يحمل العاقل على تركها ولو لم يَرِد على فعلها وعيد.
- فضل الستر على النفس والغير:
يستحب لمن أتى ذنباً، أو اقترف إثماً، أن يستر نفسه، ويتوب إلى الله.
ويستحب لمن علم به أن يستر عليه ما لم يعلن بفجوره، حتى لا تشيع الفاحشة في الأمة، وعليه أن ينصحه ويرغبه في التوبة.
١ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ
стр. 2939
يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلانُ، عَمِلتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ». متفق عليه (١).
٢ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أخرجه مسلم (٢).
- حكم التثبت في الأمور:
يجب على الإنسان أن يحسن الظن، ولا يصدق بكل ما يسمع حتى يثبت؛ لئلا يضر نفسه، ويضر غيره، ويتعرض لسخط الله.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ... [الحجرات: ١٢].
- ما يفعله المسلم عند سماع الشائعات:
يجب على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، ويستر زلاتهم، ويقيل عثراتهم، فإذا رُميت أمامه عفيفة بالزنا، أو أمين بالسرقة، أو تقي بفجور، أو عالم بمسبة، أو عادل بمظلمة، ونحو ذلك من قالة السوء.
فإذا سمع بذلك أحسن الظن بإخوانه وستر عليهم.
стр. 2940
١ - قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النور: ١٦].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩].
- حكم من آوى محدثاً:
من آوى قاتلاً أو سارقاً أو محارباً أو غيرهم ممن وجب عليه حد أو حق لله تعالى أو لآدمي، ومَنَعه أن يستوفى منه الواجب، فهو شريكه في الجرم والإثم، وقد لعنه الله ور سوله، وللإمام عقوبته بما يردعه.
أما لو كان الإنسان أو المال مطلوباً بباطل فإنه لا يجوز الإعلام به.
بل يجب الدفاع عنه، ونصره على من ظلمه.
١ - عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَىَ مُحْدِثاً، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيّرَ مَنَارَ الأَرْضِ». أخرجه مسلم (١).
٢ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْصُرْ أخَاكَ ظَالِمًا أوْ مَظْلُومًا». فقال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أفَرَأيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أنْصُرُهُ؟ قال: «تَحْجُزُهُ، أوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ».
أخرجه البخاري (٢).
стр. 2941
- حكم لعن الإنسان:
لا يجوز للمسلم لعن أحد بعينه، مسلماً كان أو كافراً أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر، كفرعون، أو يموت عليه كإبليس.
أما اللعن بالوصف فجائز، كلعن آكل الربا، والمصورين، والظالمين، والكافرين ونحو ذلك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّاناً». أخرجه مسلم (١).
- حكم التحايل على حدود الله:
يحرم التحايل على حدود الله كما يحرم انتهاك حدود الله، والتحايل أعظم، فإن بني إسرائيل لما فعلوا الحرام لم يقع عليهم المسخ، وإنما العقوبات الحسية والمعنوية، كما قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ ... [النساء: ١٦٠].
ولما وقع منهم التحايل على صيد السمك يوم السبت مسخهم الجبار ﷻ قردة وخنازير، كما قال سبحانه في عقوبة احتيالهم على ما حرم الله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ ... [الأعراف: ١٦٦].
- حكم إقامة الحدود:
يجب إقامة الحد إذا ثبت على من اقترفه؛ صيانة للأمن، ودفعاً للفساد،
وحماية للحقوق، وزجراً للمجرمين.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (قال: قَدْ فَعَلتُ) ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ (قال: قَدْ فَعَلتُ). أخرجه مسلم (١).
- من يتولى إقامة الحدود:
يتولى إقامة الحد إمام المسلمين، أو من ينيبه، بحضرة طائفة من المؤمنين، فلا يجوز لفرد أن يتولى إقامة الحد بنفسه، إلا السيد فيجوز له أن يقيم حد الجلد على مملوكه.
١ - عَنْ ابنِ عَبّاسٍ ﵄ قالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : إنّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمّداً ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرّجْمِ. قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنّاسِ زَمَانٌ، أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإنّ الرّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أَحْصَنَ، مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ أَوْ الإِعْتِرَافُ. متفق عليه (٢).
٢ - وعن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا زَنَتِ الأمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَجْلِدْهَا وَلا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَليَجْلِدْهَا وَلا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ
فَليَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». متفق عليه (٣).
- آداب إقامة الحد:
ينوي الإمام بإقامة الحد ثلاثة أمور هي:
стр. 2944
١ - امتثال أمر الله في إقامة الحدود، لا التشفي والانتقام.
٢ - دفع الفساد عن الخلق.
٣ - إصلاح الخلق.
- مكان إقامة الحدود:
يجوز إقامة الحد في أي مكان إلا المسجد؛ لئلا يتقذر.
فيقام حسب المصلحة في مكان عام، أو في مكان العمل ونحو ذلك بشرط أن يحضره طائفة من المؤمنين، ويقام في بلده سواء كانت مكة أو غيرها.
ولكن الأفضل والأولى أن تقام الحدود في الأماكن العامة التي يأتي إليها كل أحد، ليحضرها أكبر عدد من المؤمنين، وبذلك يحصل الردع للجاني وغيره.
قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ ... [النور: ٢].
- أنواع الجلد في الحدود:
أكثر الجلد في الحدود جلد الزنا .. ثم جلد القذف .. ثم جلد السكر .. ثم التعزير.
- صفة الجلد في الحدود:
١ - يُضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خَلِق، ولا يمد على الأرض، ولا يربط على جدار أو عامود، ولا يجرد من ثيابه، ويفرَّق الضرب على بدنه كالظهر والأليتين والفخذين والساقين، ولا يبالغ في الضرب بحيث
стр. 2945
يشق الجلد.
ويتقي أثناء الجلد أربعة أشياء:
الرأس .. والوجه .. والفرج .. والمقاتل.
٢ - المرأة كالرجل في الجلد، إلا أنها تُضرب جالسة، وتشد عليها ثيابها، وتُمسَك يداها عند الحاجة؛ لئلا تنكشف.
- حكم من اجتمعت عليه حدود:
إذا اجتمعت على الجاني حدود لله تعالى فلها ثلاث حالات:
١ - إذا اجتمعت عليه حدود من جنس واحد، بأن زنا مراراً، أو سرق مراراً ونحوهما، فهذه تتداخل فلا يُحدّ إلا مرة واحدة.
٢ - إن وجبت عليه حدود لله من أجناس مختلفة كبكر زنا وسرق وشرب الخمر فلا تتداخل، فتقام عليه كلها.
يُبدأ بالأخف، فيُجلد للشرب، ثم يُجلد للزنا، ثم يُقطع للسرقة.
٣ - إن وجبت عليه حدود لله، وحدود خالصة للآدمي كما لو قذف وسرق وقتل.
فهذه تستوفى كلها، ويُبدأ بالأخف فالأخف، فيُحد للقذف، ثم يُقطع، ثم يُقتل؛ لأنها حقوق لله وللآدميين فلا بد من استيفائها.
- حكم تأخير إقامة الحدود:
يجوز تأخير إقامة الحدود لعارض يترتب عليه مصلحة الإسلام كما في الغزو.
أو لعارض يترتب عليه مصلحة المحدود ذاته كما في شدة حر أو برد أو مرض، أو لمصلحةِ مَنْ تعلَّق به كالحمل والرضاع ونحوهما.