- حكم لعن الإنسان:
لا يجوز للمسلم لعن أحد بعينه، مسلماً كان أو كافراً أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر، كفرعون، أو يموت عليه كإبليس.
أما اللعن بالوصف فجائز، كلعن آكل الربا، والمصورين، والظالمين، والكافرين ونحو ذلك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّاناً». أخرجه مسلم (١).
- حكم التحايل على حدود الله:
يحرم التحايل على حدود الله كما يحرم انتهاك حدود الله، والتحايل أعظم، فإن بني إسرائيل لما فعلوا الحرام لم يقع عليهم المسخ، وإنما العقوبات الحسية والمعنوية، كما قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ ... [النساء: ١٦٠].
ولما وقع منهم التحايل على صيد السمك يوم السبت مسخهم الجبار ﷻ قردة وخنازير، كما قال سبحانه في عقوبة احتيالهم على ما حرم الله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ ... [الأعراف: ١٦٦].
- حكم إقامة الحدود:
يجب إقامة الحد إذا ثبت على من اقترفه؛ صيانة للأمن، ودفعاً للفساد،
وحماية للحقوق، وزجراً للمجرمين.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (قال: قَدْ فَعَلتُ) ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ (قال: قَدْ فَعَلتُ). أخرجه مسلم (١).
- من يتولى إقامة الحدود:
يتولى إقامة الحد إمام المسلمين، أو من ينيبه، بحضرة طائفة من المؤمنين، فلا يجوز لفرد أن يتولى إقامة الحد بنفسه، إلا السيد فيجوز له أن يقيم حد الجلد على مملوكه.
١ - عَنْ ابنِ عَبّاسٍ ﵄ قالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : إنّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمّداً ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرّجْمِ. قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنّاسِ زَمَانٌ، أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإنّ الرّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أَحْصَنَ، مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ أَوْ الإِعْتِرَافُ. متفق عليه (٢).
٢ - وعن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا زَنَتِ الأمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَجْلِدْهَا وَلا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَليَجْلِدْهَا وَلا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ
فَليَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». متفق عليه (٣).
- آداب إقامة الحد:
ينوي الإمام بإقامة الحد ثلاثة أمور هي:
стр. 2944
١ - امتثال أمر الله في إقامة الحدود، لا التشفي والانتقام.
٢ - دفع الفساد عن الخلق.
٣ - إصلاح الخلق.
- مكان إقامة الحدود:
يجوز إقامة الحد في أي مكان إلا المسجد؛ لئلا يتقذر.
فيقام حسب المصلحة في مكان عام، أو في مكان العمل ونحو ذلك بشرط أن يحضره طائفة من المؤمنين، ويقام في بلده سواء كانت مكة أو غيرها.
ولكن الأفضل والأولى أن تقام الحدود في الأماكن العامة التي يأتي إليها كل أحد، ليحضرها أكبر عدد من المؤمنين، وبذلك يحصل الردع للجاني وغيره.
قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ ... [النور: ٢].
- أنواع الجلد في الحدود:
أكثر الجلد في الحدود جلد الزنا .. ثم جلد القذف .. ثم جلد السكر .. ثم التعزير.
- صفة الجلد في الحدود:
١ - يُضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خَلِق، ولا يمد على الأرض، ولا يربط على جدار أو عامود، ولا يجرد من ثيابه، ويفرَّق الضرب على بدنه كالظهر والأليتين والفخذين والساقين، ولا يبالغ في الضرب بحيث
стр. 2945
يشق الجلد.
ويتقي أثناء الجلد أربعة أشياء:
الرأس .. والوجه .. والفرج .. والمقاتل.
٢ - المرأة كالرجل في الجلد، إلا أنها تُضرب جالسة، وتشد عليها ثيابها، وتُمسَك يداها عند الحاجة؛ لئلا تنكشف.
- حكم من اجتمعت عليه حدود:
إذا اجتمعت على الجاني حدود لله تعالى فلها ثلاث حالات:
١ - إذا اجتمعت عليه حدود من جنس واحد، بأن زنا مراراً، أو سرق مراراً ونحوهما، فهذه تتداخل فلا يُحدّ إلا مرة واحدة.
٢ - إن وجبت عليه حدود لله من أجناس مختلفة كبكر زنا وسرق وشرب الخمر فلا تتداخل، فتقام عليه كلها.
يُبدأ بالأخف، فيُجلد للشرب، ثم يُجلد للزنا، ثم يُقطع للسرقة.
٣ - إن وجبت عليه حدود لله، وحدود خالصة للآدمي كما لو قذف وسرق وقتل.
فهذه تستوفى كلها، ويُبدأ بالأخف فالأخف، فيُحد للقذف، ثم يُقطع، ثم يُقتل؛ لأنها حقوق لله وللآدميين فلا بد من استيفائها.
- حكم تأخير إقامة الحدود:
يجوز تأخير إقامة الحدود لعارض يترتب عليه مصلحة الإسلام كما في الغزو.
أو لعارض يترتب عليه مصلحة المحدود ذاته كما في شدة حر أو برد أو مرض، أو لمصلحةِ مَنْ تعلَّق به كالحمل والرضاع ونحوهما.
стр. 2946
عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ الغَامِدِيّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهّرْنِي. وَإِنّهُ رَدّهَا. فَلَمّا كَانَ الغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ تَرُدَّنِي؟ لَعَلّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً، فَوَاللهِ إِنّي لَحُبْلَى. قَالَ: «إِمّا لاَ، فَاذْهَبِي حَتّى تَلِدِي» فَلَمّا وَلَدَتْه أَتَتْهُ بِالصّبِيّ فِي خِرْقَةٍ. قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدَتْ. قَالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتّى تَفْطِميهِ». فَلَمّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصّبِيّ وفي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَذَا، يَا نَبِيّ الله قَدْ فَطَمْتُهُ، وأَكَلَ الطّعَامَ. فَدَفَعَ الصّبِيّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النّاسَ فَرَجَمُوهَا. أخرجه مسلم (١).
- حكم الشفاعة في الحدود:
يجب على الحاكم إقامة الحد على من وجب عليه، سواء كان رجلاً أو امرأة، وسواء كان شريفاً أو وضيعاً، وسواء كان قريباً أو بعيداً.
وإذا بلغت الحدود الحاكم حَرُم أن يشفع في إسقاطها أحد، أو يعمل على تعطيلها.
ويحرم على الحاكم قبول الشفاعة إذا بلغه الحد، ولا يجوز له أخذ المال من الجاني ليُسقط عنه الحد.
ومن أخذ المال من الزاني أو السارق أو شارب الخمر ونحوهم ليعطل حدود الله فقد جمع بين فسادين عظيمين:
أكل السحت .. وتعطيل الحد .. وترك الواجب .. وفعل المحرم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّتْهُمُ المَرْأةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ،
стр. 2947
فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فقال: «أتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ». ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قال: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا». متفق عليه (١).
- حكم توبة الجاني:
إذا تاب الجاني قبل القدرة عليه، وقبل بلوغ الحاكم الأمر، سقط عنه الحد الواجب لله، ولزمه الحق الواجب للآدمي من قصاص أو مال مسروق، أو قذف، أو دية ونحو ذلك؛ لأن التوبة تَجُبّ ما قبلها من حقوق واجبة لله تعالى.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ ... [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
٢ - وعَنْ عَمْرو بْنِ العَاصِ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لهُ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ
الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا؟ وَأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟». أخرجه مسلم (٢).
- حكم الصلاة على المقتول:
المقتول قصاصاً، أو حداً، أو تعزيراً إن كان مسلماً يغسَّل، ويكفَّن، ويُصلى
стр. 2948
عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه مسلم، وإقامة الحد كفارة لذنبه.
وإن كان المقتول كافراً كالمرتد والذمي فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، بل يلف بثيابه، ويحفر له حفرة في الأرض ويوارى فيها؛ لأنه كافر.
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيّ الله ﷺ ، وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزّنَى. فَقَالَتْ: يَا نَبِيّ الله أَصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيّ. فَدَعَا نَبِيّ الله ﷺ وَلِيّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إلَيْهَا. فَإذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا نَبِيّ الله ﷺ . فَشُكّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمّ صَلّىَ عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلّي عَلَيْهَا يَا نَبِيّ الله وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَل وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا للهِ تَعَالَىَ؟». أخرجه مسلم (١).
- حكم من مات في الحد:
من مات في حد الجلد أو القطع ونحوهما فالحق قتله؛ لأن كل ما ترتب على الحق المأذون فيه فليس بمضمون، لكن بشرط عدم التعدي في إقامة الحد على الجاني بزيادة في الكم أو الكيف.
- الفرق بين حق الله وحق الآدمي:
١ - حق الله: هو كل ما ليس للعبد إسقاطه كحد الزنا والسرقة ونحوهما.
وحق العبد: هو كل ما للعبد إسقاطه كالقصاص والدية.
٢ - حق الله: أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه وتكاليفه.
وما من حق للعبد إلى وفيه حق لله تعالى.
стр. 2949
والحقوق في الشرع ثلاثة أنواع:
١ - حق الله تعالى فقط كالإيمان والتوحيد والعبادة.
٢ - حق العباد فقط كالديون وأثمان الأشياء ونحو ذلك.
٣ - حق مشترك لله وللعبد كحد القذف.
وهذا أوان البدء في بيان أقسام الحدود وأحكامها.
стр. 2950
٢ - أقسام الحدود
١ - حد الزنا
- الزنا: هو فعل الفاحشة في قبل امرأة لا تحل له.
- حكم الزنا:
الزنا حرام، وفاحشة عظيمة، وهو من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق.
والزنا درجات متفاوتة في الشناعة والقبح.
فالزنا بامرأة عفيفة ذات زوج من أعظم الفواحش .. والزنا بحليلة الجار أعظم .. والزنا بذات محرم كالأم والأخت أشد وأعظم.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ ... [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
والزنا يجمع خلال الشر كلها، ويفتح على العبد أبواب المعاصي كلها، من ظلم الخلق، وإضاعة أهله وأمواله، وقطيعة الأرحام، وكسب الحرام، ويولِّد الأمراض النفسية والقلبية، ويورث الفقر والمسكنة.
والزنا يولِّد سيماء السواد والفساد في وجه فاعله، ويورث نفرة الناس ووحشتهم منه، وسقوطه من أعينهم.
والزنا يسبب ظلمة القلب، ويولد رائحة كريهة بغيضة في البدن.
وللزنا عقوبات شديدة:
أما في الدنيا فبالرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن، مع العار والفضيحة.
وأما في الآخرة فالزاني إن لم يتب يُجمع في تنور في نار جهنم مع الزناة والزواني عراة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ ... [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
٢ - وَعَنْ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنَّهُ أتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي» -وفيه: أنَّهُمَا قَالا- «وَأمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي». متفق عليه (١).
стр. 2953
- سبل الوقاية من الزنا:
دعا الإسلام إلى الزواج، ورغَّب فيه الرجال والنساء.
ونظم الإسلام بالنكاح الشرعي وملك اليمين أسلم طريقة لتصريف الغريزة الجنسية، وحِفظ النسل.
ومَنَع الإسلام أي تصرف في غير هذا الطريق المشروع.
فأمر بالحجاب، وغض البصر عن الحرام، ومداومة الطاعات.
ونهى عن التبرج، والسفور، والاختلاط .. وخلو الرجل بالمرأة الأجنبية .. وسفر المرأة بلا محرم .. وضرب النساء الأرض بالأرجل .. ومصافحة الرجال .. والخضوع بالقول .. وإظهار الزينة .. والرقص والصور والغناء .. ونحو ذلك من كل ما من شأنه أن يثير الغريزة، أو يدعو إلى الفحش.
وذلك كله من أجل ألا يقع الرجل والمرأة في فاحشة الزنا.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ ... [الأحزاب: ٥٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ
الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ
стр. 2954
مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ ... [النور: ٣٠ - ٣١].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٣].
٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَالعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلاَمُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالقَلبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». متفق عليه (١).
- أقسام الزناة:
الزاني إما أن يكون محصَناً، أو غير محصَن.
والمحصن: من وطئ امرأته المسلمة أو الكتابية في نكاح صحيح، وهما بالغان، عاقلان، حران، مختاران.
وغير المحصن: من فقد أحد هذه الشروط الستة.
- خصائص حد الزنا:
خص الله سبحانه حد الزنا من بين الحدود بثلاث خصائص:
الأولى: القتل فيه بأبشع القتلات، وهي الرجم بالحجارة للمحصن.
стр. 2955
وحيث خففه كما في حد غير المحصن جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
الثانية: نهي المؤمنين أن تأخذهم رأفة بالزناة تمنعهم من إقامة الحد عليهم؛ لأن الله أرحم بعباده حيث شرع هذه العقوبة.
الثالثة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ليحصل الردع والزجر.
قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
- الشبهات الدارئة لحد الزنا:
الشبهة التي تدرأ الحد ثلاثة أنواع:
١ - شبهة في الفاعل: كأن يطأ مطلقته ثلاثاً ما دامت في العدة ظاناً بقاء حلها، وكأن يطأ المطلقة البائن على مال أو المختلعة ما دامت في العدة ظاناً حلها.
٢ - شبهة في الموطوءة: كوطء الشركاء الجارية المشتركة.
٣ - شبهة في السبب المبيح للوطء: كالنكاح بلا ولي، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح الخامسة في عدة المرأة الرابعة البائن.
- حكم من أقر بالحد ولم يبينه:
من أقر بحد عند الإمام ولم يبينه، فالسنة للإمام أن يستر عليه ولا يسأله عنه، وإن صرح به عرَّض له بما يدرؤه عنه.
١ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فقال:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْهُ عَلَيَّ، قال: وَلَمْ يَسْألهُ عَنْهُ، قال:
стр. 2956
وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْ فِيَّ كتاب اللهِ، قال: «ألَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا». قال: نَعَمْ، قال: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أوْ قال: حَدَّكَ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قال لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلتَ، أو ْغَمَزْتَ، أوْ نَظَرْتَ». قال: لا يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «أنِكْتَهَا». لا يَكْنِي، قال: فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِرَجْمِهِ. متفق عليه (٢).
- عقوبة الزاني:
١ - عقوبة الزاني المحصن: هي أن يُرجم بالحجارة حتى يموت، رجلاً كان أو امرأة، مسلماً كان أو كافراً، ولا جلد مع الرجم؛ لأنه منسوخ.
٢ - عقوبة الزاني غير المحصن: هي أن يُجلد الحر مائة جلدة، ويغرَّب سنة، رجلاً كان أو امرأة، ولا تغرَّب المرأة إلا إذا وُجِد لها مَحْرم متبرع بالسفر معها، فإذا لم يوجد حُبست سنة في مكان آمن في بلدها.
٣ - الرقيق حده أن يجلد خمسين جلدة، رجلاً كان أو امرأة، ويغرَّب نصف سنة.
١ - قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى
الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ... [النساء: ٢٥].
стр. 2957
٣ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فقال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فقال: «أبِكَ جُنُونٌ». قال: لا، قال: «فَهَل أحْصَنْتَ». قال: نَعَمْ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». متفق عليه (١).
٤ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خُذُوا عَنّي، خُذُوا عَنّي، قَدْ جَعَلَ الله لَهُنّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثّيِّبُ بِالثّيِّبِ، جَلدُ مِائَةٍ وَالرّجْمُ». أخرجه مسلم (٢).
٤ - إذا مات الزاني ولم يتب حشر في جهنم في تنور الزناة مع أمثاله.
عَنْ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ -في حديث الرؤيا مع الملكين، وفيه فقال الملكان-: «وَأمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي». متفق عليه (٣).
- شروط ثبوت حد الزنا:
يشترط لثبوت حد الزنا ما يلي:
١ - أن يكون الزاني بالمرأة بالغاً، عاقلاً، حراً، مختاراً، عالماً بالتحريم، مع انتفاء الشبهة.
٢ - تغييب حشفته الأصلية كلها في قبل امرأة.
٣ - انتفاء الشبهة، فلا حد على من وطئ امرأة ظنها زوجته.
стр. 2958
٤ - ثبوت الزنا، ويثبت الزنا بما يلي:
١ - الإقرار: بأن يقر بالزنا من عُرف بالعقل مرة واحدة، ويقرّ به أربع مرات مَنْ كان متَّهماً في ضعف عقله.
وفي كليهما يصرح بحقيقة الوطء، ويستمر في إقراره إلى إقامة الحد عليه.
٢ - الشهادة: بأن يشهد عليه بالزنا أربعة رجال مسلمين عدول.
٣ - الحمل: بأن تحمل من لا زوج لها ولا سيد.
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كتاب اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللهُ، ألا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كَانَ الحَبَلُ أوِ الاعْتِرَافُ ألا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّ رَجُلا مِنْ أسْلَمَ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أبِكَ جُنُونٌ». قال: لا، قال: «آحْصَنْتَ». قال: نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ. فقال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْراً، وَصَلَّى عَلَيْهِ. أخرجه البخاري (٢).
- حكم الرجوع عن الإقرار:
إذا اعترف الزاني بالزنا عند القاضي، ثم رجع عن إقراره بعد الحكم بالحد، أو بعد إقامة بعض الحد، أو هرب، فإنه يسقط عنه الحد؛ لأن الرجوع شبهة،
стр. 2959
والحدود تُدرأ بالشبهات.
- من يقام عليه حد الزنا:
١ - يقام حد الزنا على الزاني إذا كان مكلفاً، مختاراً، عالماً بالتحريم، بعد ثبوته عند الحاكم بإقرار، أو شهادة، أو حمل، مع انتفاء الشبهة.
٢ - إذا زنا المحصن بغير المحصنة فلكلٍ حده من رجم، أو جلد وتغريب.
٣ - إذا زنا الحر بأمة، أو عكسه بأن زنت حرة بعبد فلكل واحد حكمه في الحد.
٤ - يقام حد الزنا على الزاني، سواء كان مسلماً أو كافراً؛ لأنه حد ترتب على وصف، فثبت على من قام به.
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: لَمَّا أتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قال لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلتَ، أو ْغَمَزْتَ، أوْ نَظَرْتَ». قال: لا يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «أنِكْتَهَا». لا يَكْنِي، قال: فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِرَجْمِهِ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ. متفق عليه (٢).
- حكم الزوجية بعد الزنا:
إذا زنا رجل متزوج فلا تَحرُم عليه زوجته، وإذا زنت امرأة متزوجة فلا تَحرُم
على زوجها، لكنهما ارتكبا إثماً عظيماً، فعليهما التوبة والاستغفار.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ
стр. 2960
اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
- أشد أنواع الزنا:
مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما انتهكه الزاني من الحق.
فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثماً وعقوبة من التي لا زوج لها؛ لما فيه من انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه، وتعليق نسبٍ إليه لم يكن منه.
فإن كان زوجها جاراً له فذلك أشد وأعظم البوائق.
فإن كان الجار أخاً أو قريباً من أقاربه اجتمع مع ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف الإثم عليه.
فإن كان الجار غائباً في طاعة الله كطلب العلم، أو الحج، أو الدعوة، أو الجهاد، تضاعف له الإثم.
فإن اتفق أن تكون المرأة رحماً منه، انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها.
فإن كانت خالته أو عمته، أو أخته أو بنته، فذلك أشد وأعظم وأقبح، نسأل الله السلامة والعافية.
فإن اتفق أن يكون الزاني محصناً كان الإثم والعقوبة أعظم.
فإن كان الزاني شيخاً كبيراً كان أعظم إثماً.
فإن اقترن بذلك أن يكون الزنا في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت حرام
كالصيام والحج، أو وقت معظم كأوقات الصلوات الخمس والجمعة تضاعف الإثم.
стр. 2961
ولهذه المفاسد الكبرى وأمثالها حرَّم الله الزنا، وأغلق جميع الأبواب الموصلة إليه، ونفى كمال الإيمان عمن فعله.
١ - قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قال: «أنْ تَجْعَلَ للهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أجْلِ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «أنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» .. متفق عليه (١).
٤ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ». متفق عليه (٢).
- حكم من زنا بذات محرم:
من زنا بذات محرم كأخته، وبنته، وامرأة أبيه، وهو عالم بتحريم ذلك، وجب قتله محصناً كان أو غير محصن.
عَن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ
أَبِيهِ أَنْ يَقْتُلَهُ. أخرجه أحمد وأبو داود (٣).
стр. 2962
- حكم من أُكره على الزنا:
من أَكره امرأة على الزنا فزنا بها وجب عليه الحد، والمرأة ليس عليها حد؛ لأنها مكرهة.
ومن أَكره رجلاً على الزنا بامرأة فزنا بها فلا حد عليه؛ لأنه مكره، لكن يعزَّر من أكرهه ولا يُحد؛ لأنه لم يزن.
- صفة إقامة حد الرجم على الزاني:
يقيم حد الرجم على الزاني الإمام أو نائبه في أي مكان عام إلا المسجد، بحضور طائفة من المؤمنين.
أما الحفر للمرجوم فهو راجع إلى الإمام، إن شاء حفر له، وإن شاء ترك، لكن المرأة تشد عليها ثيابها؛ لئلا تنكشف، ومن وجب عليه حد الرجم فلا جلد عليه.
يرجم الرجل قائماً، وترجم المرأة قاعدة، المسلم والكافر في ذلك سواء.
١ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ قالَ: إِنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ أنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأةً زَنَيَا، فقال لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ». فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، قال عَبْدُاللهِ ابْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فقال لَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا
آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَا، فَرَأيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى المَرْأةِ،
- ما يُفعل بالمرجوم إذا مات:
إذا مات المرجوم بعد الرجم: فإن كان مسلماً يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين.
وإن كان كافراً يلف في ثيابه، ويوارى بالتراب في مكان من الأرض.
عَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّ رَجُلا مِنْ أسْلَمَ، جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أبِكَ جُنُونٌ». قال: لا، قال: «آحْصَنْتَ». قال: نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ. فقال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ. متفق عليه (١).
- حكم تشبه الرجال بالنساء وعكسه:
المخنثون من الرجال هم الذين يتشبهون بالنساء في حركاتهم ومشيهم ولباسهم وكلامهم ونحو ذلك.
والمترجلات من النساء هن المتشبهات بالرجال في كلامهن وحركاتهن ولباسهن ونحو ذلك.
وقد برزت هذه الظاهرة من مزاحمة النساء للرجال في المكاتب والشركات.
وهذا التشبه من المحرمات، ومن كبائر الذنوب؛ لأن اللعنة لا تلحق إلا صاحب كبيرة.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ،
стр. 2965
وَالمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ». أخرجه البخاري (١).
- حكم عمل قوم لوط:
عمل قوم لوط: هو فعل الفاحشة في الدبر، والاستغناء بالرجال عن النساء.
وعمل قوم لوط من أكبر الجرائم المفسدة للخُلُق والفطرة، وعقوبته أغلظ من عقوبة الزنا؛ لغلظ حرمته، وشناعته، وقبحه.
وهو شذوذ جنسي خطير، حرمه الإسلام لما يسببه من الأمراض والأضرار النفسية والبدنية الخطيرة.
وقد خسف الله بمن فعله وهم قوم لوط، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، وطمس أعينهم، ولهم النار يوم القيامة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ ... [الأعراف: ٨٠ - ٨١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ ... [هود: ٨٢ - ٨٣].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾ ... [القمر: ٣٧].
- عقوبة عمل قوم لوط:
عمل قوم لوط من كبائر الذنوب.
стр. 2966
وعقوبته: أن يُقتل الفاعل والمفعول به، محصناً كان أو غير محصن، مسلماً كان أو كافراً، إذا كان بالغاً، عاقلاً، مختاراً، عالماً بالتحريم.
فيقتله الإمام بما يراه رادعاً له ولغيره من قتلٍ بالسيف، أو رجم بالحجارة، بمحضر من المؤمنين.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بهِ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
- مفاسد فاحشة عمل قوم لوط:
فاحشة عمل قوم لوط لها آثار سيئة على الأمة كلها.
فهو من أكبر أسباب زوال النعم، وحلول النقم.
وهو موجب للعنة الله ومقته وعقوبته، وجناية شنيعة على المفعول به وأسرته، بل على المجتمع كله.
وهو يُحدث الهم والغم وسواد الوجه في الفاعل والمفعول به، ومُذهب للغيرة والحياء، مولِّد للنفرة والبغض الشديد بين الفاعل والمفعول به، مسبب لنفرة الناس منهما.
وعمل قوم لوط يحيل الطباع عما ركبها الله إلى طبع منكوس لا يشتهيه حتى الحيوان، وإذا انتكس الطبع انتكس القلب، فاستطاب كل شر وخبيث، ويورث من المهانة والحقارة والسفال ما لا يورثه غيره، ويكسو العبد حلة المقت والبغضاء، واحتقار الناس له.
وهذا الفعل القبيح يفسد حال الفاعل والمفعول به، ويَذهب بمحاسنهما
стр. 2967
ومودتهما، ويبدلها تباغضاً وتلاعناً.
وعمل قوم لوط يسبب الإصابة بالأمراض الخطيرة كالإيدز المهلك، ويقطع النسل، ويفوِّت حق المرأة في الوطء الحلال.
وإذا كان الله قد حرم الوطء في الفرج من أجل الحيض العارض، فكيف بالحش الذي هو محل الأذى اللازم.
فالدبر محل الأذى والقذر والنجو، فكيف يشتهيه الإنسان مع نفرة الحيوان منه.
فليس من المعاصي أعظم من هذه المفسدة التي تلي مفسدة الكفر.
ولم يسبق قوم لوط في فعلها أحد من العالمين.
قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ ... [الأعراف: ٨٠ - ٨١].
- حكم الاستمناء:
الاستمناء: هو إنزال المني بشهوة من غير جماع، بيد أو نحوها، من رجل أو امرأة.
والاستمناء محرم؛ لما فيه من التعدي، وصرف الشيء في غير موضعه، وفي الصوم وقاية منه لمن لم يستطع الزواج.
وقد أمر الله بحفظ الفروج إلا في الزواج وملك اليمين، فبقي ما سواهما محرماً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا
стр. 2968
مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ ... [المؤمنون: ٥ - ٧].
٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَليَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأحْصَنُ لِلفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». متفق عليه (١).
- حكم السحاق:
السحاق: هو إتيان المرأة المرأة.
وحكم السحاق محرم، ولا حد فيه، وإنما فيه التعزير.
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلا المَرْأةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأةِ، وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفْضِي المَرْأةُ إِلَى المَرْأةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ». أخرجه مسلم (٢).
- حكم إتيان البهيمة:
إتيان البهيمة: هو فعل الفاحشة في فرج البهيمة.
ووطء البهيمة محرم، وهو جناية قبيحة؛ لأن الطبع السليم يأبى هذا الوطء.
وعقوبة هذا الوطء أن يعزَّر فاعله بما يراه الإمام رادعاً من ضربٍ، أو قتلٍ، أو سجن ونحوها.
وأما البهيمة الموطوءة فتذبح ولا تؤكل، وإن كانت لغيره ضمن قيمتها
لصاحبها.
стр. 2969
٢ - حد القذف
- القذف: هو الرمي بزنا أو لواط، أو نفي نسب، موجب للحد فيهما.
- أنواع القذف:
القذف نوعان:
الأول: قذف يُحد عليه القاذف، وهو رمي المحصن بالزنا أو اللواط، أو نفي نسبه.
الثاني: قذف يعاقب عليه بالتعزير، وهو الرمي بما ليس صريحاً في ذلك.
- حكم القذف:
القذف محرم، وهو من الكبائر الموبقة الموجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة.
فيحرم القذف إن كان كاذباً.
ويجب القذف إذا رأى امرأته تزني في طهر لم يجامعها فيه، ثم تلد ما يمكن أن يكون من الزنا، فيجب قذفها، ونفي ولدها.
والقذف مباح إذا رأى زوجته تزني، ولم تلد ما يلزمه نفيه، فهذا مخير بين فراقها وقذفها، وفراقها أولى من قذفها؛ لأنه أستر لها.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ ... [النور: ٢٣].
стр. 2970
٣ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ». قالوا: يَا رَسُولَ ا?، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِا?، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالحَقِّ، وَأكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ». متفق عليه (١).
- مقدار حد القذف:
مقدار حد القذف ثمانون جلدة، سواء كان القاذف حراً أو عبداً، وسواء كان رجلاً أو امرأة، وسواء كان مسلماً أو كافراً.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ ... [النور: ٤].
- حكمة مشروعية حد القذف:
حث الإسلام على حفظ الأعراض عما يدنِّسها ويَشِينها، وأمر بالكف عن أعراض الأبرياء، وحرَّم الوقوع في أعراضهم بغير حق؛ وذلك صيانة للأعراض من الدنس، وحماية لها من التلوث.
وبعض النفوس تُقْدم على ما حرم الله من قذفٍ وتدنيسٍ لأعراض المسلمين لنوايا مختلفة.
ولما كانت النوايا من الأمور الخفية كُلِّف القاذف أن يأتي بما يثبت قوله بأربعة شهداء، فإن لم يفعل أقيم عليه حد القذف ثمانين جلدة.
- ألفاظ القذف:
تنقسم ألفاظ القذف إلى قسمين:
الأول: القذف الصريح، وهو كل لفظ لا يحتمل غير معناه كأن يقول لغيره يا
стр. 2971
زاني، يا لوطي ونحوهما، أو يصرح بنفي نسبه.
الثاني: القذف بلفظ الكناية بما يحتمل هذا وهذا، القذف وغيره، كأن يقول يا قَحْبة، يا فاجرة، يا خبيثة ونحو ذلك.
فإن قصد الرمي بالزنا حُدّ للقذف وإن لم يأت ببينة.
وإن لم يقصده لم يُحدّ وعُزِّر.
وكذلك التعريض كأن يقول له عند المنازعة: لست بزان ولا أمي زانية ونحو ذلك.
- شروط وجوب حد القذف:
يشترط لوجوب حد القذف ما يلي:
١ - شروط القاذف:
أن يكون القاذف بالغاً، عاقلاً، مختاراً، عالماً بالتحريم، ملتزماً بأحكام الإسلام، ولم يثبت قذفه.
٢ - شروط المقذوف:
أن يكون المقذوف محصناً، وأن يكون معلوماً، وأن يطالب بالحد.
والمحصن هنا: هو الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله، ولا يشترط بلوغه.
٣ - شروط القذف:
أن يقذفه بالزنا أو اللواط، أو بنفي نسبه.
- ثبوت حد القذف:
يثبت حد القذف بواحد مما يلي:
стр. 2972
إذا أقر القاذف على نفسه بالقذف .. أو شهد عليه رجلان عدلان بالقذف.
- الآثار المترتبة على حد القذف:
إذا ثبت حد القذف ترتب عليه ما يلي:
١ - جلد القاذف ثمانين جلدة.
٢ - عدم قبول شهادته بعد جلده حتى يتوب.
٣ - الحكم عليه بأنه فاسق إلا إذا تاب.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥].
- حكم من قذف غيره بغير الزنا أو اللواط:
إذا قذف الإنسان غيره بغير الزنا أو اللواط وهو كاذب فقد ارتكب محرماً، ويعزر بما يراه الحاكم رادعاً له ولغيره، ولا يُحد حد القذف كأن يرمي شخص أحداً بالكفر أو النفاق أو السرقة أو السكر أو الخيانة ونحو ذلك.
- من يملك حد القذف:
حد القذف حق للعبيد، وفيه حق لله تعالى؛ لأن القذف جناية على عِرض المقذوف، وعِرضه حقه، وعقوبة القذف يملكها المقذوف كالقصاص.
وكذلك القذف جريمة تمس الأعراض، وفي إقامة الحد على القاذف تصان مصالح العباد، ويُدفع عنهم الفساد.
إلا أن حق المقذوف أقوى، فيصح للمقذوف ولو بعد رفع الأمر إلى الحاكم
إسقاط الحد، والعفو عن القاذف، والصلح بعوض أو بدون عوض؛ لأنه
стр. 2973
حقه فيملك التصرف فيه، فيجب على المسلم حفظ لسانه عما يضره.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ ... [الإسراء: ٣٦].
- حكم قذف الواحد للجماعة:
إذا قذف الإنسان جماعة من الناس: فإن قذفهم بكلمة واحدة كأن يقول: يا زناة، فيُحد للقذف مرة واحدة.
وإن قذف كل واحد بكلمة، كأن يقول لكل واحد: يا زاني، فهذا عليه حد لكل واحد منهم بعدد ما قذف؛ لأن الحد يتعدد بتعدد القذف، ومن أسقط حقه منهم سقط.
- حكم تكرار القذف:
إذا قذف الإنسان أحداً أكثر من مرة فعليه حد واحد إذا لم يُحد لواحد منها، فإن كان قد حُدّ وعاد إلى القذف حُدّ مرة ثانية؛ لأن الحد يتعدد بتعدد القذف.
- حكم تحليف القاذف:
إذا لم يأت المقذوف ببينة على القذف، وطلب المقذوف من القاضي أن يستحلف القاذف أنه لم يقذفه، فللقاضي أن يُحلفه، ولا ترد اليمين إذا نكل على المقذوف.
- ما يفعله القاضي لإثبات القذف:
إذا رُفعت دعوى القذف إلى القاضي فإما أن ينكر القاذف أو يقر، فإن أقر
القاذف، أو أقام المقذوف البينة على صدور القذف منه أقام حد القذف على
стр. 2974
القاذف.
وإن أنكر القاذف طلب من المقذوف أن يُحضر البينة على صحة القذف وصدوره منه، ويمهله ثلاثة أيام، فإن أحضرها أقام حد القذف على القاذف.
وإن لم يأت ببينة سقط الحد عن القاذف.
- ما يُسقط حد القذف:
يَسقط حد القذف بأحد أربعة أمور:
الأول: إثبات الزنا على المقذوف بالبينة أو بإقراره به.
الثاني: عفو المقذوف عن القاذف.
الثالث: اللعان بين الزوجين.
الرابع: تصديق المقذوف للقاذف فيما رماه به.
- صفة توبة القاذف:
من قذف غيره بالزنا أو اللواط كذباً وأقيم عليه حد القذف:
فهذا القذف يتعلق به حقان:
الأول: حق الله، وتوبته منه باستغفاره من ذنبه، وندمه على ما فعل، وعزمه ألا يعود إليه.
الثاني: حق العبد، وتوبته منه أن يكذِّب نفسه فيما رمى به غيره.
فإذا تاب من هذا وهذا قُبلت شهادته وتوبته.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ ... [النور: ٤ - ٥].
стр. 2975
٣ - حد الخمر
- الخمر: اسم لكل ما خامر العقل وغطاه من مأكول أو مشروب ونحوهما.
- حقيقة السكر:
السكر الذي يجب به الحد هو اللذة والنشوة التي يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز، فلا يعلم صاحبه ما يقول، فإذا علم ما يقول خرج عن حد السكر.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
- سبب تسمية المسكر خمراً:
سمي المسكر خمراً لأنها تُغطَّى حتى تدرك وتغلي .. ولأنها تستر العقل وتغطيه .. ولأنها تخامر العقل وتخالطه.
فالخمر تركت، وخمرت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته وسترته وغطته.
- أسباب السكر:
قد يكون سبب السكر تناول الخمر، وقد يكون سببه ألم شديد يغيب معه العقل، وقد يكون سببه أمر مَخُوف عظيم هجم عليه فغاب عقله، وقد يكون سببه فرح شديد، أو غضب شديد، أو عشق، أو يأس، أو سماع شيطاني ونحو ذلك مما يغيب به العقل.
стр. 2976
- أنواع الخمر:
الخمر هي كل ما خامر العقل وغطاه من مأكول أو مشروب أو مشموم، سواء اتُّخذ من التمر أو العنب أو العسل أو الحنطة أو الشعير أو غيرها من النباتات والمركبات الكيميائية المخدرة.
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ عُمَرُ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: أمَّا بَعْدُ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: العِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالعَسَلِ وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ، وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وَكَانَ أهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ شَرَابٍ أسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». متفق عليه (٢).
- سد الذرائع الموصلة إلى تناول الخمر:
سد الإسلام كل ذريعة توصل إلى الخمر، ومن ذلك:
تحريم القطرة من الخمر .. وإمساكها لاتخاذها خلاً .. النهي عن الانتباذ فوق ثلاث .. النهي عن شرب العصير بعد ثلاث .. النهي عن الخليطين .. النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية كالقرع ونحوه.
١ - عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جدِّه عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». أخرجه أحمد والنسائي (٣).
٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ تُتّخَذُ خَلاّ؟ فَقَالَ:
وَلَكِنّهُ دَاءٌ». أخرجه مسلم (١).
- حكم الخمر:
الخمر كله قليله وكثيره محرم، والخمر أم الخبائث، وهو من الكبائر الموجبة للعقاب في الدنيا والآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ ... [المائدة: ٩٠ - ٩١].
٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: «كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». أخرجه مسلم (٢).
٣ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (٣).
- حكمة تحريم الخمر:
الخمر أم الخبائث، وقد حرم الإسلام قليلها وكثيرها.
وتحريم المحرمات على هذه الأمة هو تحريم حفظٍ وصيانة، لا تحريم
عقوبة وحرمان.
стр. 2979
ولمَّا كانت الخمر تغطي عقل شاربها، فيتصرف تصرفات تضر البدن والروح، والمال والولد، والعرض والشرف، والفرد والمجتمع ونحو ذلك من المفاسد المترتبة على زوال العقل، ولِمَا تسببه من الأمراض والضغط والبَلَه والجنون، ولِمَا تسببه من العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله والصلاة، وتعطيل العمل، وانتهاك الحرمات والمحرمات.
ولِمَا في تناولها من الجناية على العقل الذي شرَّف الله به الإنسان على غيره، ولِمَا فيها من الخبث والضرر على القلب والعقل والدماغ والكبد.
فلهذه الأسباب وغيرها حرم الله الخمر من كل وجه تناولاً، أو تجارة فيها، أو زراعة لها، صيانة للعقول من الفساد، وحفظاً للأموال والأعراض والنفوس والأخلاق من التلف والهلاك.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ ... [المائدة: ٩٠ - ٩١].
- ثبوت حد الخمر:
يثبت حد الخمر بأحد أمرين:
الأول: إقرار الإنسان بأنه شرب الخمر.
الثاني: شهادة شاهدين عدلين.
- مقدار حد الخمر:
حد الخمر أربعون جلدة، وللإمام أن يبلغ به الثمانين تعزيراً إن رأى انهماك
стр. 2980
الناس في الشراب.
١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ، نَحْوَ أَرْبَعِينَ. أخرجه مسلم (١).
٢ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ جَلَدَ فِى الخَمْرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالقُرَى، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِى جَلدِ الخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الحُدُودِ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ. متفق عليه (٢).
- شروط إقامة حد الخمر:
يشترط لإقامة حد الخمر ما يلي:
البلوغ .. والعقل .. والاختيار .. والعلم بأنه خمر.
ويُجلد شاربها مسلماً كان أو كافراً، حراً أو عبداً.
- عقوبة شارب الخمر:
١ - إذا شرب الإنسان الخمر فحده أربعون جلدة، وللإمام أن يزيده إلى ثمانين جلدة إن رأى المصلحة.
٢ - من أصر على شرب الخمر جُلد في المرة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فإن شرب رابعة فللإمام حبسه أو قتله تعزيراً؛ قطعاً لدابر الشر وأهله.
٣ - من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها لم يشربها في الآخر.
ولا يدخل الجنة مدمن خمر، ومن شربها وسكر لم تقبل له صلاة أربعين