← Фикх общий

Фикх общий · id 37532

موسوعة الفقه الإسلامي - التويجري

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 370 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

- أنواع الخمر: الخمر هي كل ما خامر العقل وغطاه من مأكول أو مشروب أو مشموم، سواء اتُّخذ من التمر أو العنب أو العسل أو الحنطة أو الشعير أو غيرها من النباتات والمركبات الكيميائية المخدرة. ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ عُمَرُ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: أمَّا بَعْدُ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: العِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالعَسَلِ وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ، وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وَكَانَ أهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ شَرَابٍ أسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». متفق عليه (٢). - سد الذرائع الموصلة إلى تناول الخمر: سد الإسلام كل ذريعة توصل إلى الخمر، ومن ذلك: تحريم القطرة من الخمر .. وإمساكها لاتخاذها خلاً .. النهي عن الانتباذ فوق ثلاث .. النهي عن شرب العصير بعد ثلاث .. النهي عن الخليطين .. النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية كالقرع ونحوه. ١ - عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جدِّه عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». أخرجه أحمد والنسائي (٣). ٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ تُتّخَذُ خَلاّ؟ فَقَالَ:

стр. 2977

«لاَ». أخرجه مسلم (١). ٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، ثُمّ رَجَعَ وَقَدْ نَبَذَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَنَاتِمَ وَنَقِيرٍ وَدُبّاءٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُهَرِيقَ، ثُمّ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ، فَجُعِلَ مِنَ اللّيْلِ فَأَصْبَحَ، فَشَرِبَ مِنْهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَيْلَتَهُ المُسْتَقْبِلَةَ، وَمِنَ الغَدِ حَتّىَ أَمْسَى، فَشَرِبَ وَسَقَى، فَلَمّا أَصْبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ فَأُهَرِيقَ. أخرجه مسلم (٢). ٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدالله ﵄ أَنَّ النّبِيّ ﷺ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ الزّبِيبُ وَالتّمْرُ، وَالبُسْرُ وَالتّمْرُ. متفق عليه (٣). ٥ - وَعَنْ زَاذَان قَالَ: قُلتُ لاِبْنِ عُمَرَ: حَدِّثنِي بِمَا نَهَى عَنْهُ النّبِيّ ﷺ مِنَ الأَشْرِبَةِ بِلُغَتِكَ، وَفَسّرْهُ لِي بِلُغَتِنَا، فَإِنّ لَكُمْ لُغَةً سِوَى لُغَتِنَا، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الحَنْتَمِ، وَهِيَ الجَرّةُ، وَعَنِ الدّبّاءِ، وَهِيَ القَرْعَةُ، وعَنِ المُزَفّتِ، وَهُوَ المُقَيّرُ، وَعَنِ النّقِيرِ، وَهِيَ النّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحاً، وَتُنْقَرُ نَقْراً، وَأَمَرَ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الأَسْقِيَةِ. أخرجه مسلم (٤). - حكم شرب الخمر للدواء: يحرم التداوي بشرب الخمر؛ لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها، فهي داء وليست بدواء. عَنْ وَائِلٍ الحَضْرَمِيّ أَنّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الجُعَفِيّ سَأَلَ النّبِيّ ﷺ عَنِ الخَمْرِ؟ فَنَهَاهُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنّمَا أَصْنَعُهَا لِلدّوَاءِ، فَقَالَ: «إِنّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ،

стр. 2978

وَلَكِنّهُ دَاءٌ». أخرجه مسلم (١). - حكم الخمر: الخمر كله قليله وكثيره محرم، والخمر أم الخبائث، وهو من الكبائر الموجبة للعقاب في الدنيا والآخرة. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ ... [المائدة: ٩٠ - ٩١]. ٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: «كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». أخرجه مسلم (٢). ٣ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (٣). - حكمة تحريم الخمر: الخمر أم الخبائث، وقد حرم الإسلام قليلها وكثيرها. وتحريم المحرمات على هذه الأمة هو تحريم حفظٍ وصيانة، لا تحريم عقوبة وحرمان.

стр. 2979

ولمَّا كانت الخمر تغطي عقل شاربها، فيتصرف تصرفات تضر البدن والروح، والمال والولد، والعرض والشرف، والفرد والمجتمع ونحو ذلك من المفاسد المترتبة على زوال العقل، ولِمَا تسببه من الأمراض والضغط والبَلَه والجنون، ولِمَا تسببه من العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله والصلاة، وتعطيل العمل، وانتهاك الحرمات والمحرمات. ولِمَا في تناولها من الجناية على العقل الذي شرَّف الله به الإنسان على غيره، ولِمَا فيها من الخبث والضرر على القلب والعقل والدماغ والكبد. فلهذه الأسباب وغيرها حرم الله الخمر من كل وجه تناولاً، أو تجارة فيها، أو زراعة لها، صيانة للعقول من الفساد، وحفظاً للأموال والأعراض والنفوس والأخلاق من التلف والهلاك. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ ... [المائدة: ٩٠ - ٩١]. - ثبوت حد الخمر: يثبت حد الخمر بأحد أمرين: الأول: إقرار الإنسان بأنه شرب الخمر. الثاني: شهادة شاهدين عدلين. - مقدار حد الخمر: حد الخمر أربعون جلدة، وللإمام أن يبلغ به الثمانين تعزيراً إن رأى انهماك

стр. 2980

الناس في الشراب. ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ، نَحْوَ أَرْبَعِينَ. أخرجه مسلم (١). ٢ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ جَلَدَ فِى الخَمْرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالقُرَى، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِى جَلدِ الخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الحُدُودِ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ. متفق عليه (٢). - شروط إقامة حد الخمر: يشترط لإقامة حد الخمر ما يلي: البلوغ .. والعقل .. والاختيار .. والعلم بأنه خمر. ويُجلد شاربها مسلماً كان أو كافراً، حراً أو عبداً. - عقوبة شارب الخمر: ١ - إذا شرب الإنسان الخمر فحده أربعون جلدة، وللإمام أن يزيده إلى ثمانين جلدة إن رأى المصلحة. ٢ - من أصر على شرب الخمر جُلد في المرة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فإن شرب رابعة فللإمام حبسه أو قتله تعزيراً؛ قطعاً لدابر الشر وأهله. ٣ - من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها لم يشربها في الآخر. ولا يدخل الجنة مدمن خمر، ومن شربها وسكر لم تقبل له صلاة أربعين

стр. 2981

يوماً، ومن كرر شربها سقاه الله يوم القيامة من عصارة أهل النار، ومن تاب تاب الله عليه. ٤ - للإمام كسر أواني الخمر، وتحريق أماكن الخمَّارين، بحسب المصلحة التي تردع عن شربها. ١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ ... [الزمر: ٥٣]. ٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ». متفق عليه (١). ٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنّ رَجُلاً قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ (وَجَيْشَانُ مِنَ اليَمَنِ) فَسَأَلَ النّبِيّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذّرَةِ يُقَالُ لَهُ المِزْرُ؟ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ : «أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «كُلّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنّ عَلَى الله، عَهْداً لِمَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ؟ قَالَ: «عَرَقُ أَهْلِ النّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النّارِ». أخرجه مسلم (٢). ٤ - وَعَنِ عَليٍّ ﵁ أَنَّه أمَرَ عَبدَاللهِ بن جَعفَرٍ أنْ يَجْلِدَ الوَليد بن عُقبةَ فِي الخَمرِ، فلمَّا جَلدَهُ أرْبَعِينَ، قَالَ عَلِيٌ: أمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النّبِيّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ. أخرجه مسلم (٣).

стр. 2982

٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَنَفَرٍ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّدٍ ﷺ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ ثمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ ثمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه النسائي (١). ٦ - وَعَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ». أخرجه أحمد والترمذي (٢). - أنواع العقوبات التعزيرية لشارب الخمر: يجوز للإمام أن يزيد في حد الخمر تعزيراً إذا رأى تهالك الناس، واستهانتهم بحدها. ومن تلك العقوبات التعزيرية: ١ - مضاعفة الحد من أربعين إلى ثمانين تعزيراً. ٢ - القتل لمدمن الخمر المصر عليها. ٣ - التعزير بالنفي. ٤ - التعزير بالحبس. ٥ - التعزير بالتشهير. ٦ - تكسير دِنَان الخمر. ٧ - إحراق محلات بيع الخمر. ونحو ذلك مما يراه الإمام محققاً للمصلحة، ودافعاً للمفسدة، وذلك

стр. 2983

يختلف في كل زمان ومكان، ويختلف بحسب أرباب الجرائم. - حكم الدعاء على من أقيم عليه حد الخمر: لا يجوز الدعاء على من أقيم عليه حد الخمر، وإنما يناصح ويدعى له بالهداية. ١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَاللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فقال رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللهُمَّ العَنْهُ، مَا أكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَلعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ». أخرجه البخاري (١). ٢ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: أتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَكْرَانَ، فَأمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قال رَجُلٌ: مَا لَهُ أخْزَاهُ اللهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أخِيكُمْ». أخرجه البخاري (٢). - حكم إقامة حد الخمر بالقرينة الظاهرة: لا يقام حد الخمر بالرائحة إلا إذا انضم إليها ما ينفي الشبهة، فيقام الحد بالرائحة والقيء في الأحوال الآتية: ١ - أن يكون من وجدت منه الرائحة مشهوراً بإدمان شرب الخمر. ٢ - أن يوجد مع الرائحة عوارض السكر والقيء.

стр. 2984

٣ - أن يوجد جماعة بعضهم قد سكر، وبعضهم تنبعث منه الرائحة ونحو ذلك. - الأحكام المتعلقة بالخمر: يتعلق بالخمر الأحكام الآتية: ١ - يحرم شرب قليل الخمر وكثيرها إلا عند الضرورة لزوال عطش وغصة. ٢ - لا يجوز التداوي بالخمر؛ لأنها داء. ٣ - يحرم بيعها وشراؤها والتجارة فيها. ٤ - يجب على ولي الأمر إتلافها. ٥ - يُحد شاربها حَد الخمر. - حكم المخدرات: المخدرات: مواد مركبة تفسد الجسم، وتورثه الخدر والفتور، وتؤثر على العقل بالتغطية أو الإزالة. والمخدرات داء عضال تسبب الشرور والأمراض المهلكة، فيحرم تعاطيها، وتهريبها، وترويجها، والتجارة فيها؛ لعظيم ضررها وإثمها. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. - عقوبة أهل المخدرات: يجب على إمام المسلمين عقوبة كل من يتعاطى أو يتاجر في المخدرات بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة من سجن، أو جلد، أو قتل، أو غرامة. وذلك لخطرها العظيم، وشرها المستطير، قطعاً لدابر الشر والفساد، وحفظاً للأنفس والأموال والأعراض والعقول.

стр. 2985

وتختلف عقوبة أهل المخدرات بحسب شدة جرمهم كما يلي: ١ - مهرب المخدرات عقوبته القتل؛ لعظيم شره وضرره. ٢ - مروِّج المخدرات بالبيع والشراء، أو الإهداء، أو التصنيع، أو الاستيراد: في المرة الأولى يعزر تعزيراً بليغاً بالحبس، أو الجلد، أو الغرامة المالية، أو بها كلها حسب رأي الحاكم بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة. وإن تكرر منه ذلك يعزر بما يقطع شره عن الأمة، حتى ولو كان ذلك بالقتل؛ لأنه بفعله هذا من المفسدين في الأرض. - أنواع المخدرات: المخدرات والمسكرات أنواع متعددة، وكلها تغطي العقل، وتفسد الجسم. وكلها محرمة؛ لما فيها من الضرر المؤكد الحصول. ومن أشهر أنواع المخدرات: الحشيش، والأفيون، والكوكايين، والمورفين، والبرش، ونحو ذلك مما يغطي العقل، ويخدر البدن، ويورث الفتور والكسل، ويفسد الجسم. ١ - عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». أخرجه أبو داود والترمذي (١). ٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُخْمِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِراً بُخِسَتْ صَلاَتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ فَإِنْ عَادَ الرَّابعَةَ كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ». قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيراً لاَ

стр. 2986

يَعْرِفُ حَلاَلَهُ مِنْ حَرَامِهِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ». أخرجه أبو داود (١). - حكم المفتِّرات: المفترات: هي كل ما يورث الفتور في البدن، والخدر في الأطراف. والمفترات سواء كانت نباتية كالقات، أو مصنَّعة كالجراك ونحو ذلك مما لا يصل إلى حد الإسكار، ولا يغيب العقل، كل ذلك محرم، ولا يجوز تعاطيه ولا شربه، لعظيم ضرره. فالمسكرت والمخدرات والمفترات كلها محرمة؛ لمخامرتها العقل، وتغطيتها له. وفي المخدرات والمفترات مفاسد الخمر ومضاره، بل هي أكثر ضرراً، وأعظم فساداً من الخمر؛ لأنها تضر الأمة ضرراً بليغاً، أفراداً وجماعات، وتضر دينهم وأبدانهم وصحتهم وعقولهم، وتعطل أعمالهم، وتفسد أموالهم، وتمزق شملهم، وتأكل أوقاتهم، وتفسد حياتهم. وكل ما يزعمونه في تلك المحرمات من مصالح ومنافع فهي وهمية خادعة. والإسلام يحرم المفاسد والمضار، ويبيح المصالح والمنافع. ١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].

стр. 2987

- عقوبة المفترات: المفترات بأنواعها كلها ضارة ومفترة، وكثيرها مخدر. فيحرم تناولها أو التجارة فيها؛ لأن كل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وكل ما يؤدي إلى المعصية فهو معصية، والوسائل لها أحكام المقاصد. والمفترات كالمخدرات لها عقوبات تعزيرية يقدرها الإمام بما يحقق المصلحة، ويقطع دابر الشر والفساد. - حكم الدخان: التبغ: شجرة خبيثة يدخنها الإنسان زاعماً أنها تريح بدنه وأعصابه. وحكم الدخان محرم؛ لأنه من الخبائث الضارة .. مضر بالأبدان .. مؤذ برائحته المدخن ومن حوله من الملائكة والناس .. مضر بالمال لما فيه من التبذير .. مفسد لأعضاء الإنسان كالقلب والحلق والفم .. مفسد لطبيعة الإنسان ومزاجه. وأعظم من ذلك أنه مضر بدين صاحبه، قاطع له عن الطاعات، محرك له إلى المعاصي، مفسد لأخلاقه، موجب لسخط الله، وبغض عباده وكراهيتهم له. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

стр. 2988

٤ - حد السرقة - السرقة: هي أخذ مال محترم لغيره، لا شبهة فيه، من موضع مخصوص، بقدر مخصوص، على وجه الخفية. - أنواع الاعتداء على الأموال: الاعتداء على الأموال له حالات هي: السرقة .. أو الغصب .. أو الاختلاس .. أو النهب .. أو الطَّر .. أو الخيانة .. أو الجحد. فالسرقة: أخذ مال الغير المحترم خفية من حرزه. والغصب: أخذ المال علانية قهراً بغير حق. والاختلاس: أخذ المال بصفة لا يشعر بها المسروق منه. والنهب: أخذ المال مغالبة والناس ينظرون. والطَّرَّار: هو النَّشَّال الذي يسرق من جيب الإنسان أو كمه. والنَّبَّاش: هو من ينبش القبر لأخذ ما فيه. والخائن: هو الغادر الجاحد للمال. والجاحد: هو المنكِر ما عنده لغيره. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. ٢ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ

стр. 2989

مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ». أخرجه أبو داود والترمذي (١). - أنواع السرقة: السرقة نوعان هي: ١ - ما يوجب الحد: وهي السرقة التي توفرت لها شروط إقامة الحد. ٢ - ما يوجب التعزير: وهي كل سرقة لم تكتمل فيها شروط إقامة الحد. والسرقة التي عقوبتها الحد نوعان: الأول: سرقة كبرى: وهي أخذ المال على سبيل المغالبة وتسمى الحِرَابة، ويجب فيها قطع اليد والرجل من خِلاَف. الثاني: سرقة صغرى: وهي السرقة التي يجب فيها قطع اليد، وهذه هي المقصودة في هذا الباب. - صفة العمل مع المتهمين في السرقة: المتهمون في السرقة أو غيرها ثلاثة أصناف: الأول: معروف بالدين والورع، وليس من أهل التهم، فهذا يخلَّى سبيله. الثاني: مجهول الحال، فهذا يحبس حتى ينكشف أمره. الثالث: معروف بالفجور والفسق، فهذا يُمتحن بالضرب حتى يقر بالجناية. - حكم السرقة: السرقة محرمة، وهي من كبائر الذنوب؛ لأنها أكل لأموال الناس بالباطل، واعتداء على أموالهم بغير حق.

стр. 2990

١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ ... [البقرة: ١٨٨]. ٢ - وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا». متفق عليه (١). ٣ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (٢). - عقوبة السارق: ١ - إذا ثبتت السرقة على أحد قُطعت يده اليمنى من مفصل الكف، فإن سرق ثانية قُطعت رجله اليسرى. فإن سرق بعد ذلك فلا قطع، بل يكون التعزير والنكال بما يراه الحاكم رادعاً لعدوانه من حبسٍ، أو جلدٍ، أو بهما معاً. ٢ - السارق آخذ لمال غيره بغير حق، ولهذا لعنه الله، وتوعده بالنار يوم القيامة إن لم يتب ويردّ ما أخذ. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٨ - ٣٩].

стр. 2991

٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ ... [النساء: ١٤]. ٣ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». متفق عليه (١). - حكمة مشروعية حد السرقة: صان الله الأموال بإيجاب قطع يد السارق، فإن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم. وفي قطع يد السارق التي من شأنها أن تباشر السرقة عبرة لمن تحدثه نفسه بسرقة أموال الناس، وتطهير للسارق من ذنبه، وحفظ لأموال الأمة، وإرساء لقواعد الأمن والطمأنينة في المجتمع. وقطع يد السارق كفيل بقطع دابر السرقة وتقليلها، وحفظ للسارق أن ينال كسبه من السحت الحرام، ورسالة مكشوفة تردع الصائل، وتكف الباغي. والسارق هو الذي جلب الشر لنفسه، فقُطع لمصلحة نفسه ومصلحة غيره. - شروط إقامة حد السرقة: يجب القطع في حد السرقة إذا توفرت الشروط الآتية: ١ - أن يكون السارق بالغاً، عاقلاً، مختاراً، مسلماً كان أو كافراً. ٢ - أن يكون المسروق مالاً محترماً، فلا قطع بسرقة آلة لهو، أو خمر ونحوهما. ٣ - أن يبلغ المال المسروق نصاباً، وهو ربع دينار من الذهب فصاعداً. ٤ - أن يأخذ المال على وجه الخفية، فإن لم يكن كذلك فلا قطع كالاغتصاب،

стр. 2992

والاختلاس، والانتهاب ونحوها، وإنما فيها التعزير. ٥ - أن يأخذ المال من حرزه كالدكان والدار ونحوهما. ٦ - انتفاء الشبهة، فلا قطع على الأب والأم، والابن والبنت، ولا على من وجبت عليه نفقته، ولا على من سرق في المجاعة. ٧ - ثبوت السرقة. وتثبت السرقة بأحد أمرين: ١ - الإقرار: بأن يقر السارق على نفسه بالسرقة. ٢ - الشهادة: بأن يشهد عليه رجلان عدلان بأنه سرق، ولا تقبل شهادة النساء في الحدود. فإذا تمت هذه الشروط وجب القطع، وإن اختل شرط منها سقط القطع، وللإمام التعزير بما يراه مناسباً. - من لا قطع عليه في السرقة: ١ - الأصول كالأب والأم، والفروع كالابن والبنت؛ لشبهة الإنفاق والتبسط. ٢ - لا يُقطع أحد الزوجين بسرقته من مال الآخر؛ لشبهة النفقة والتبسط. ٣ - سرقة العبد من مال سيده، والسيد من مال مالكه؛ لشبهة النفقة والتبسط. ٤ - السرقة من بيت المال؛ لشبهة حقه في بيت المال. ٥ - الفقير إذا سرق من غَلَّة وقفٍ على الفقراء؛ لشبهة استحقاقه منها. ٦ - السرقة من مال له فيه شراكة؛ لأن له نصيباً فيه. وللإمام أن يعزر من شاء بما يكف شر هذه الجريمة، ويردع السارق وغيره.

стр. 2993

- مقدار نصاب السرقة: نصاب السرقة الذي تقطع فيه اليد ربع دينار من الذهب فصاعداً، أو عرض يساويه. والدينار يساوي مثقال، والمثقال يساوي أربعة غرامات تقريباً، فيكون ربع الدينار يساوي غراماً واحداً. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». متفق عليه (١). - حِرْز الأموال والأشياء: حرز المال: هو المكان الذي يُحفظ فيه عادة بقفل ونحوه. والحرز يختلف باختلاف الأموال، والأشياء، والبلدان، وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه. فحرز الأموال والجواهر في المصارف، والدكاكين، والبيوت، والصناديق ونحو ذلك مما جرى به العرف. وحرز الأقمشة والأواني والآلات في الدكاكين، والمستودعات، والبيوت، وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة. وحرز ما يباع في السوق من الفواكه والخضار ونحوها وراء الشبك أو القماش إذا كان للسوق حارس. وحرز الخشب والحطب في الحظائر والمستودعات. وحرز البهائم والمواشي والطيور في أماكن تربيتها في البيوت أو المشاريع،

стр. 2994

وحرزها في المرعى بالراعي المكلف، ونظره إليها غالباً ونحو ذلك مما جرت به عادة الناس. فمن سرق من هذه الحروز قطع، ومن سرق من غير حرز لم يقطع، ويعزر ويرد ما أخذ أو قيمته أو بدله. - صفة حد السرقة: حد السرقة حق خالص لله تعالى. فإذا ثبت الحد عند الحاكم لم يجز العفو عنه، ولا الإبراء منه، ولا الشفاعة فيه؛ لأنه حق لله، فيجب تنفيذه على من سرق. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ ... [المائدة: ٣٨ - ٣٩]. ٢ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ نَائِماً فِي المَسْجِدِ عَلَيَّ خَمِيصَةٌ لِي ثمَنُ ثلاَثِينَ دِرْهَماً فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي فَأُخِذ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بهِ لِيُقْطَعَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلتُ: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثلاَثِينَ دِرْهَماً أَنَا أَبيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثمَنَهَا. قَالَ: «فَهَلاَّ كَانَ هَذا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بهِ». أخرجه أبو داود والنسائي (١). - مكان القطع في حد السرقة: مكان القطع في حد السرقة في اليد اليمنى إن وجدت، من مفصل الكف، من الكوع الذي يلي إبهام اليد؛ لأنها آلة الأخذ غالباً.

стр. 2995

وإن تكررت منه السرقة قُطع من مفصل القدم اليسرى، من مفصل العقب، ويبقى العقب وهو العرقوب مؤخر القدم الذي تحت الكعب. ولا يجوز أن يُخَدَّر مكان القطع؛ لأن تأديبه وإيلامه مطلوب. فإذا تم القطع وجب حسم مكان القطع؛ لئلا ينزف الدم فيموت. ويكون الحسم بما يوقف الدم بغمسها بزيت يغلي، أو جراحة، أو كيّ بنار ونحو ذلك مما يوقف نزيف الدم. ويجوز للإمام أن يعلق يده على صدره، أو على خشبة؛ تعزيراً، حسب حجم السرقة، وجناية السارق، وردعاً لغيره. - ما يترتب على ثبوت السرقة: يترتب على ثبوت السرقة ما يلي: ١ - رد المسروق إن وُجد، أو مثله إن فُقد، أو قيمته إن كان تالفاً. ٢ - قطع اليد اليمنى من مفصل الكف وحسمها. ٣ - إذا عاد السارق مرة أخرى قُطعت رجله اليسرى من مفصل القدم. ٤ - إن عاد مرة ثالثة حُبس وعُزِّر ولا يُقطع. - حكم إعادة العضو المقطوع: ١ - يجوز إعادة العضو المقطوع في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو التنفيذ. ٢ - لا يجوز شرعاً إعادة العضو المقطوع حداً؛ لأن في بقاء أثر الحد تحقيقاً للعقوبة المقررة، وزجراً عن الجريمة، وحذراً من مصادمة حكم الشرع في الظاهر.

стр. 2996

- حكم المال المسروق: إذا كان المال المسروق موجوداً رده السارق لصاحبه، وإن كان تالفاً ضمن بدله، فإن لم يوجد ضمن قيمته، فإن كان معسراً فنظرة إلى ميسرة. وقَطْع اليد لا يمنع ضمان رد المسروق؛ لأن الضمان حق الآدمي، والقطع يجب لحق الله، فلا يمنع أحدهما الآخر كالدية والكفارة. - حكم من سرق من بيت المال: بيت المال فيه حق لعموم المسلمين، والسرقة منه أعظم إثماً من غيره. والسارق من بيت المال يعزر بما يراه الإمام، ويُلزم برد ما أخذه، ولا يُقطع؛ لأن له نصيباً منه، ومثله في الحكم من سرق من الغنيمة أو الخمس. - حكم أخذ الثمر من مال الغير: أخذ الثمر من ملك الغير له ثلاث حالات: الأولى: أن يمر الإنسان المحتاج بالثمر على رؤوس النخل، أو الثمر في الشجر، أو بماشية فيها لبن، فهذا له أن يأكل ويشرب بقدر حاجته فقط بعد أن يستأذن صاحبه، فإن لم يجده أكل حاجته من غير أن يحمل شيئاً. الثانية: أن يأخذ من ذلك ويذهب به معه من دون إذن، فهذا محرم؛ لأنه أخذ مال غيره بدون إذنه ولا رضاه، فعليه الغرامة بالمثل أو القيمة، وعليه التعزير بدون قطع؛ لأنه لم يأخذ مالاً من حرزه. الثالثة: أن يأخذ الطعام من الجَرِين أو البَيْدر أو مستودع الطعام. فهذا إن بلغ ما أخذ نصاباً فعليه حد القطع؛ لأنه أخذ المال من حرزه. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا

стр. 2997

مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. - حكم الاشتراك في السرقة: إذا اشترك جماعة في سرقة، فإن بلغ لكل واحد منهم نصاب، فعلى كل واحد منهم القطع. وإن كان المسروق كله نصاباً، واشترك جماعة في سرقته، فلا يُقطع كل واحد منهم، لكن يعزرهم الحاكم، لأن كل واحد منهم لم يسرق نصاباً يوجب القطع. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْطَعُ السّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً. متفق عليه (١). - حكم جاحد العارية: العارية: أن تعطي أحداً شيئاً لينتفع به لمدة شهر أو سنة مثلاً ثم يرده لك. والوديعة: أن تعطي أحداً مالاً ليحفظه لك مدة معلومة وليست الخيانة في العارية كالخيانة في الوديعة. فيُقطع جاحد العارية؛ لأنه قبضها لمصلحة نفسه، ولا يُقطع جاحد الوديعة؛ لأنه قبضها لمصلحة مالكها. وإذا قُطع جاحد العارية امتنع الناس من جحدها، وإذا لم تقطع تجرأ الناس على جحدها، وفي هذا سد لباب المعروف بين الناس. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنّ قُرَيْشاً أَهَمّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيّةِ الّتِي سَرَقَتْ. فَقَالُوا: مَنْ يُكَلّمُ فِيهَا رَسُولَ الله ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ إلاّ

стр. 2998

أُسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَكَلّمَهُ أُسَامَةُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُود اللهِ؟». ثُمّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النّاسُ إنّمَا أَهْلَكَ الّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». متفق عليه (١). - حكم توبة السارق: لتوبة السارق ثلاث حالات: ١ - أن يتوب مَنْ عليه حد السرقة أو غيرها قبل القدرة عليه. فهذا يسقط عنه الحد، ولا يشرع له كشف نفسه بعد أن ستره الله، لكن يجب عليه رد ما أخذ من مال، وضمانه إن كان تالفاً. ٢ - أن يتوب بعد القدرة عليه. فهذا لا يسقط عنه الحد بالتوبة؛ لأن الحد تجب إقامته بعد بلوغه الإمام. ٣ - أن يتوب بعد إقامة حد القطع عليه. فهذا من شرط صحة توبته رد ما سرق إن كان موجوداً، وضمانه لربه إن كان تالفاً. والله يقبل التوبة النصوح، لكن لا بد من إقامة الحدود إذا بلغت الحاكم، ورد ما أخذ لمالكه. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ

стр. 2999

عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ ... [المائدة: ٣٨ - ٣٩]. - ما يسقط به حد السرقة بعد وجوبه: يسقط الحد بعد وجوبه بواحد مما يلي: تكذيب المسروق منه السارق .. تكذيب المسروق منه من شهد معه .. رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة؛ لأن الرجوع عن الإقرار يُقبل في الحدود، ولا يُقبل في المال؛ لأن الحد يسقط بالشبهة.

стр. 3000

٥ - حد قطاع الطريق - قطاع الطريق: هم الذين يَعْرِضون للناس بالسلاح، ويقطعون الطريق عليهم جهراً بنهب أو قتل. وقطاع الطريق يسمون مُحَارِبين؛ لأنهم محاربون للناس والدين. - أقسام قطاع الطريق: قطاع الطريق: هم كل من أشهر السلاح، وأخاف الطريق، وله قوة بنفسه أو بغيره. وقطاع الطرق عصابات مختلفة كعصابة القتل .. وعصابة خطف الطائرات .. وعصابة اللصوص التي تسطو على البيوت والمتاجر والبنوك .. وعصابة خطف البنات للفجور بهن .. وعصابة خطف الأطفال لبيعهم أو فعل الفاحشة بهم .. وعصابة قتل الدواب والمواشي أو أخذها .. وعصابة خطف الوجهاء والأغنياء. فهؤلاء وأمثالهم يسمون قطاع الطريق؛ لإخافتهم الناس في طرقهم جهاراً بالسلاح. - صفة قطاع الطريق: ١ - قطاع الطريق يشبهون البغاة، فقطاع الطريق محاربون بغير تأويل، والبغاة محاربون بتأويل. ٢ - قطع الطريق يشبه السرقة، فقطع الطريق أخذ المال جهراً من الناس، سراً عن الإمام، ويسمى سرقة كبرى؛ لأن فيه ضرراً على أصحاب الأموال والناس، ولهذا غُلِّظ فيه الحد.

стр. 3001

والسرقة أخذ المال خفية، وتسمى سرقة صغرى؛ لأن ضررها يخص أهل الأموال، ولهذا كانت عقوبتها أخف، وقطع الطريق أخذ المال أو غيره جهراً بتهديد، والسرقة أخذ المال خفية بلا تهديد. - حكم قطع الطريق: الحرابة: هي التعرض للناس وتهديدهم بالسلاح في الصحراء أو البنيان، في البيوت أو وسائل النقل، من أجل سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو غصب أموالهم ونحو ذلك. ويدخل في حكم الحرابة كل ما يقع من ذلك في الطرق والمنازل، والسيارات والقطارات، والسفن والطائرات، سواء كان تهديداً بالسلاح، أو زرعاً للمتفجرات، أو نسفاً للمباني، أو حرقاً بالنار، أو أخذاً لرهائن. وكل ذلك محرم، ومن أعظم الجرائم؛ لما فيه من ترويع الناس، والاعتداء على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم بغير حق. ولهذا كانت عقوبتها من أقسى العقوبات. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. ٢ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ، فَأسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَهُمْ أنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وَألبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى

стр. 3002

مَاتُوا. متفق عليه (١). ٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». متفق عليه (٢). - شروط وجوب الحد على قطاع الطريق: ١ - أن يكون قاطع الطريق بالغاً عاقلاً، سواء كان مسلماً أو كافراً، ذكراً أو أنثى. ٢ - أن يكون المال المأخوذ محترماً مملوكاً لغيره. ٣ - أن يأخذ المال من حرز، قليلاً كان أو كثيراً. ٤ - ثبوت قطع الطريق بإقرار أو شهادة رجلين عدلين. ٥ - انتفاء الشبهة كما ذكر في السرقة. ٦ - التهديد بالسلاح جهراً في الصحراء أو العمران. فإذا تمت هذه الشروط أقيم عليه حد الحرابة. وإن اختل شرط منها عزرهم الإمام بما شاء مما يحقق المصلحة، ويدفع شرهم عن الناس. - عقوبة قطاع الطريق: عقوبة قطاع الطريق لها أربع حالات: ١ - إذا قَتلوا وأخذوا المال، قُتلوا وصُلبوا. ٢ - إذا قَتلوا ولم يأخذوا المال، قُتلوا ولم يُصلبوا. ٣ - إذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قُطع من كل واحد يده اليمنى من مفصل الكف،

стр. 3003

ورجله اليسرى من مفصل العقب. ٤ - إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا المال، لكن أخافوا السبيل، فهؤلاء يُنفون من الأرض. وللإمام أن يجتهد في شأنهم بما يراه رادعاً لهم ولغيرهم؛ قطعاً لدابر الشر والفساد. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ ... [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. ٢ - وعَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ، فَأسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَهُمْ أنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وَألبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. متفق عليه (١). - ما يُفعل بقطاع الطريق بعد القتل: إذا جمع قطاع الطريق بين القتل وأَخْذ المال قُتلوا ثم صُلبوا على جدار أو عامود، وللإمام إن رأى المصلحة صَلْب قاطع الطريق، ثم قَتْله وهو مصلوب. وكيفية الصلب: أن يعلَّق الجاني، وتربط يديه بالعامود من أعلى، ويترك بقدر ما يشتهر أمره.

стр. 3004

والقتل يكون بالسيف ونحوه مما يسرع في إزهاق الروح. وقطاع الطريق إذا قتلوا يُغسَّلون، ويكفنون، ويصلى عليهم، ويدفنون مع المسلمين؛ لأنهم مسلمون. أما الكافر فلا يغسل، ولا يصلى عليه، فيوارى بثيابه في حفرة من الأرض. - كيفية نفي قطاع الطريق: قطاع الطريق إذا أخافوا الناس ولم يقتلوا ولم يأخذوا المال فإنهم يُنفون من الأرض؛ إتقاء لشرهم، حتى تظهر توبتهم، فإن لم يندفع شرهم حبسهم الإمام؛ لأن هذا أقرب إلى دفع شرهم، لأن الحبس هو سجن الدنيا، فالمسجون ليس في الدنيا مع الناس، وليس في الآخرة مع الأموات، فهو منفي من الأرض. - حكم حد قطاع الطريق: حد قطاع الطريق من حقوق الله الخالصة له، فإذا بلغ الحاكم أمرهم وجب تنفيذ الحد فيهم، ولا يجوز العفو عنهم ولا الإبراء، ولا الصلح ولا الشفاعة لإسقاط الحد عنهم. وما أخذوه من المال إن كان موجوداً رُدَّ إلى مالكه، وإن كان مفقوداً رُدَّ مثله، فإن لم يوجد مثله رد قيمته إن كان موسراً، فإن كان معسراً فنظرة إلى ميسرة. لأن الحد والغُرْم حقان واجبان، الحد لله، والغُرْم للآدمي، فيجب أداؤهما معاً كالصيد المملوك في الحرم يجب فيه الجزاء للفقراء، والقيمة لمالكه. - حكم توبة قطاع الطريق: التوبة: هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته.

стр. 3005

١ - من تاب من قطاع الطريق قبل القدرة عليه فإن الله يغفر له ما قد سلف، ويسقط عنه ما وجب لله من نفي، وقطع، وصلب، وتحتم قتل. ويؤخذ بما للآدميين من قتل نفس، أو قطع طرف، أو أخْذ مال، إلا أن يُعفى له عنها؛ لأن هذا من باب القصاص، لا من باب الحرابة، وللمجني عليه حق في القصاص أو الدية أو العفو. ٢ - إن قُبض على قطاع الطريق قبل التوبة أقيم عليهم حد قطاع الطريق، ووجب عليهم رد ما أخذوه لمالكه؛ لئلا تُتخذ التوبة ذريعة لتعطيل حدود الله، ولأن توبتهم بعد القدرة عليهم خوفاً من النكال والعقوبة، فلهذا لا تقبل توبتهم. ٣ - أما الكافر فتقبل توبته وإسلامه ولو بعد القدرة عليه، فيُرفع عنه القتل، ويلزمه رد ما أخذ لغيره من مال. ٤ - جميع الحدود إذا تاب الإنسان منها قبل القدرة عليه سقطت عنه؛ لأن جميع حقوق الله مبنية على المسامحة، فتسقط بالتوبة، فإن طالب الجاني بإقامتها عليه، فللإمام أن يقيمها عليه، وإن رجع عن طلب الإقامة بالقول أو الفعل ارتفعت عنه العقوبة. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ ... [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨].

стр. 3006

٣ - وَعَنْ أسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ قالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا القَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قال: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَكَفَّ الأنْصَارِيُّ عنه، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أُسَامَةُ، أقَتَلتَهُ بَعْدَ مَا قال: لا إِلَهَ إِلا اللهُ». قُلتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. متفق عليه (١). - صفة توبة قطاع الطريق: تقوم توبة قطاع الطريق على أمرين: الأول: أن يتوبوا توبة نصوحاً فيما بينهم وبين الله . بأن تكون توبتهم خالصة لله تعالى .. وأن يندم الواحد على ما فعل .. ويقلع عن الذنب بتركه .. ورد ما أخذ لصاحبه أو استحلاله .. والعزم على ألا يعود إلى ذلك الذنب .. وأن تكون التوبة قبل حضور الأجل .. وقبل طلوع الشمس من مغربها، فهذه الخمسة شروط التوبة النصوح. الثاني: أن يُلقي قطاع الطريق السلاح، ويجيئوا إلى الإمام تائبين معتذرين، إما جميعاً، أو يرسلوا رسولاً منهم معه تعهد منهم بتوبتهم، وندمهم على ما فعلوا. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ

стр. 3007

أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. - ما يسقط به حد قطاع الطريق: يسقط حد قطاع الطريق بعد وجوبه بواحد مما يلي: ١ - تكذيب المقطوع عليه القاطع في إقراره. ٢ - رجوع القاطع عن إقراره. ٣ - تكذيب المقطوع عليه البينة. ٤ - توبة القاطع قبل القدرة عليه. - ما يترتب على سقوط الحد: إذا سقط حد قطاع الطريق بتوبة أو فوات شرط: فإن كان ما أخذوه من مال موجوداً وجب رده إلى صاحبه، وإن كان تالفاً وجب ضمانه. وإن قتلوا أحداً بسلاح وجب القصاص إلا أن يعفوا أولياء القتيل، أو يأخذوا الدية. وإن جرحوا وجب القصاص في الطرف إلا أن يعفو المجني عليه، أو يأخذ الدية. - حكم توبة الزنديق: الزنديق: هو من يظهر الإسلام، ويبطن الكفر.

стр. 3008

والزنديق محارب لله ورسوله ودينه، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه، فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان؛ لأنه منافق. فإن تاب الزنديق قبل القدرة عليه فتُقبل توبته، ويُحقن دمه، وأما بعد القدرة عليه فلا تقبل توبته، بل يقتل حداً من غير استتابة، إلا إن علمنا صدق توبته فتقبل توبته ولا نقتله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦]. - حكم الصائل: الصائل: هو من وثب على غيره واستطال عليه بغير حق في نفسه، أو عرضه، أو ماله. والصائل معتد على غيره بغير حق، والاعتداء على الغير بغير حق محرم. فيجب دفع الصائل حفظاً للنفوس من الهلاك، والأعراض من الانتهاك، والأموال من التلف. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ ... [البقرة: ١٩٠]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 3009

- كيفية دفع الصائل: من صال على نفسه وأهله أو ماله آدمي أو بهيمة دَفَعه بأسهل ما يغلب على الظن اندفاعه به. فإن كان يندفع بالتهديد فلا يضربه .. وإن لم يندفع إلا بالضرب باليد فليضربه .. وإن لم يندفع إلا بالضرب بالعصا فليضربه بالعصا .. يضربه بالأسهل فالأسهل. وإن لم يندفع إلا بالقتل فليقتله، ولا ضمان عليه؛ لأنه مأذون له بذلك، وكل ما ترتب على المأذون فليس بمضمون. وإن كان يمكنه دفعه بلا قتل فقتله فإنه يضمنه؛ لأنه دفعه بأكثر مما يجب. وكذلك يجب دفع الصائل على غيره مع ظن السلامة. ١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أرَأيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مَالِي؟ قال: «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ». قال: أرَأيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قال: «قَاتِلهُ». قال: أرَأيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قال: «فَأنْتَ شَهِيدٌ». قال: أرَأيْتَ إنْ قَتَلتُهُ؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ». أخرجه مسلم (١). ٢ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْصُرْ أخَاكَ ظَالِمًا أوْ مَظْلُومًا». فقال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أفَرَأيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أنْصُرُهُ؟ قال: «تَحْجُزُهُ، أوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ». أخرجه البخاري (٢). - حكم قتل الصائل: إذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل فللمجني عليه قتله، فإن طالب أولياء المقتول

стр. 3010

بالقصاص نظرنا في الأمر والقرائن: فإن كان المقتول معروفاً بالشر والفساد، والقاتل معروفاً بالخير والصلاح، فالقول قول القاتل، ولا ضمان عليه، ولكن لا بد أن يحلف؛ لأن اليمين تكون في جانب أقوى المدَّعين، ولا يصلح أمر الناس إلا بهذا؛ لأن إقامة البينة متعسر بل متعذر. وأما إذا كان المصول عليه غير معروف بالصلاح فقتله فعليه القصاص إن لم يُقم البينة على أن المقتول صال عليه. أما البهيمة كجمل أو أسد أو ذئب: فإذا صال عليه، ولم يندفع إلا بالقتل فله قتله، ولا ضمان عليه؛ لأن الصائل مؤذ لا حرمة له. والمؤذي إن كانت طبيعته الأذى قُتل وإن لم يَصُلْ كالحية والأسد، وإن لم تكن طبيعته الأذى قُتل حال أذىته كالجمل والفرس ونحوهما. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 3011

٦ - حد البغاة - البغاة: هم قوم لهم شوكة ومَنَعة يخرجون على إمام المسلمين بتأويل سائغ، فيشقون عصا الطاعة له. - أصناف البغاة: البغاة هم كل طائفة منعت الحق الذي عليها .. أو تميزت عن إمام المسلمين بحال أو مكان .. أو خلعت طاعته .. أو خرجت عليه تريد خلعه .. ولهم شوكة ومنعة. فهؤلاء وأمثالهم بغاة ظلمة. والخارجون عن طاعة إمام المسلمين ثلاثة أصناف: إما أن يكونوا قطاع طريق .. أو يكونوا بغاة .. أو يكونوا خوارج. فهؤلاء من مات منهم فحكمه حكم عصاة الموحدين. - صفة الخوارج: الخوارج قوم خرجوا على الإمام علي ﵁، واستحلوا دمه ودماء المسلمين وأموالهم، وسبيَ نسائهم، وكفَّروا أصحاب رسول اللهِ ﷺ . وهؤلاء يكفِّرون مرتكب الكبيرة، ويرون أنه مخلد في النار. ويسمّون الحَرُوريّة، وقد ظهروا بالعراق، وكانوا متشددين في الدين بلا فقه، فقاتلهم الإمام علي ﵁. ١ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلأنْ أخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ، أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُل، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي

стр. 3012

وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أجْرًا، لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الفُوقِ». متفق عليه (٢). - حكم الخروج على إمام المسلمين: نَصْب الإمام من أعظم واجبات الدين، وبوجوده يتحقق الأمن، وتأمن السبل، ويطمئن الناس على أنفسهم وأموالهم. فتحرم معصيته والخروج عليه ولو جار وظلم، ما لم يرتكب كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، سواء ثبتت إمامته بإجماع المسلمين .. أو بعهدٍ من الإمام الذي قبله، أو باجتهاد أهل الحل والعقد .. أو بقهره للناس حتى أذعنوا له ودَعَوه إماماً. ولا يُعزل بفسقه حتى يرتكب كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، ومن خرج

стр. 3013

عليه فيجب قتاله. عَنْ عَرْفَجَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمّةِ، وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسّيْفِ، كَائِناً مَنْ كَانَ». أخرجه مسلم (١). - ما يجب على إمام المسلمين: إمام المسلمين يجب أن يكون رجلاً مسلماً. ويلزم الإمام الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. وحفظ الدين .. وتنفيذ أحكام الله .. وإقامة الحدود .. وجباية الصدقات .. والحكم بالعدل .. وحماية بلاد الإسلام .. وتحصين الثغور .. وجهاد الأعداء .. وتعليم أحكام الإسلام .. والدعوة إلى الله .. ونشر الإسلام .. والنصح للرعية .. والرفق بهم .. وعدم غشهم. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. ٢ - وَعن مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». متفق عليه (٢). ٣ - وَعن مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ

стр. 3014

اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ». متفق عليه (١). - ما يجب على الأمة: يجب على الأمة أن تطيع إمام المسلمين في غير معصية الله، ولا تنزع يداً من طاعة، وتناصحه بالمعروف، وتصبر على جَوره. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ ... [النساء: ٥٩]. ٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السّمْعُ وَالطّاعَةُ، فِيمَا أَحَبّ وَكَرِهَ، إلاّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ». متفق عليه (٢). ٣ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قُلنَا: لِمَنْ؟ قال: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٣). - موانع التكفير: لا يجوز لأحد أن يكفِّر أحداً قام به مانع من موانع التكفير. وموانع التكفير أربعة، وهي: ١ - الجهل: كحديث عهد بالإسلام، أو كان في مكان يُعذر فيه كبعض الأماكن النائية في البر والبحر. ٢ - الخطأ: كمن حكم بغير ما أنزل الله وهو لا يدري، أو فعل شيئاً من الشرك أو

стр. 3015

المحرمات يظنه جائزاً. فهذا مخطئ لا يكفر حتى تقام عليه الحجة، ويصر على فعله. ٣ - التأويل المعتبر: وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى ما يخالفه لدليل منفصل عنه، وهو كل ما كان مبنياً على شبهة، وخلصت نية صاحبه لله. ٤ - الإكراه: من أُكره على الكفر، بأن ضُرب وعُذب ليرتد عن الإسلام، أو يسب الإسلام. فهذا لا يكفر إذا فعل ذلك؛ لأنه مكره. ١ - قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. - كيفية معاملة البغاة: ١ - إذا لم يكن للبغاة منعة فللإمام أن يأخذهم ويحبسهم حتى يتوبوا. ٢ - إن تأهب البغاة للقتال، وكان لهم شوكة ومنعة، فعلى الإمام أن يراسلهم، ويسألهم ما ينقمون منه، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، وإن طالبوا بحق أعطاهم إياه. ٣ - ثم يدعوهم إلى التزام الطاعة، ولزوم جماعة المسلمين، فإن رجعوا وتابوا فقد انتهى الأمر. ٤ - إن لم يرجعوا وعظهم وخوَّفهم القتال، فإن أصروا استعان بالله وقاتلهم، وعلى الرعية أن يعينوا الإمام عليهم حتى يندفع شرهم، وتطفأ فتنتهم.
следующие страницы →