← Фикх общий

Фикх общий · id 37532

موسوعة الفقه الإسلامي - التويجري

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 370 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

٦ - حد البغاة - البغاة: هم قوم لهم شوكة ومَنَعة يخرجون على إمام المسلمين بتأويل سائغ، فيشقون عصا الطاعة له. - أصناف البغاة: البغاة هم كل طائفة منعت الحق الذي عليها .. أو تميزت عن إمام المسلمين بحال أو مكان .. أو خلعت طاعته .. أو خرجت عليه تريد خلعه .. ولهم شوكة ومنعة. فهؤلاء وأمثالهم بغاة ظلمة. والخارجون عن طاعة إمام المسلمين ثلاثة أصناف: إما أن يكونوا قطاع طريق .. أو يكونوا بغاة .. أو يكونوا خوارج. فهؤلاء من مات منهم فحكمه حكم عصاة الموحدين. - صفة الخوارج: الخوارج قوم خرجوا على الإمام علي ﵁، واستحلوا دمه ودماء المسلمين وأموالهم، وسبيَ نسائهم، وكفَّروا أصحاب رسول اللهِ ﷺ . وهؤلاء يكفِّرون مرتكب الكبيرة، ويرون أنه مخلد في النار. ويسمّون الحَرُوريّة، وقد ظهروا بالعراق، وكانوا متشددين في الدين بلا فقه، فقاتلهم الإمام علي ﵁. ١ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلأنْ أخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ، أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُل، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي

стр. 3012

وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أجْرًا، لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الفُوقِ». متفق عليه (٢). - حكم الخروج على إمام المسلمين: نَصْب الإمام من أعظم واجبات الدين، وبوجوده يتحقق الأمن، وتأمن السبل، ويطمئن الناس على أنفسهم وأموالهم. فتحرم معصيته والخروج عليه ولو جار وظلم، ما لم يرتكب كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، سواء ثبتت إمامته بإجماع المسلمين .. أو بعهدٍ من الإمام الذي قبله، أو باجتهاد أهل الحل والعقد .. أو بقهره للناس حتى أذعنوا له ودَعَوه إماماً. ولا يُعزل بفسقه حتى يرتكب كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، ومن خرج

стр. 3013

عليه فيجب قتاله. عَنْ عَرْفَجَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمّةِ، وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسّيْفِ، كَائِناً مَنْ كَانَ». أخرجه مسلم (١). - ما يجب على إمام المسلمين: إمام المسلمين يجب أن يكون رجلاً مسلماً. ويلزم الإمام الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. وحفظ الدين .. وتنفيذ أحكام الله .. وإقامة الحدود .. وجباية الصدقات .. والحكم بالعدل .. وحماية بلاد الإسلام .. وتحصين الثغور .. وجهاد الأعداء .. وتعليم أحكام الإسلام .. والدعوة إلى الله .. ونشر الإسلام .. والنصح للرعية .. والرفق بهم .. وعدم غشهم. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. ٢ - وَعن مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». متفق عليه (٢). ٣ - وَعن مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ

стр. 3014

اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ». متفق عليه (١). - ما يجب على الأمة: يجب على الأمة أن تطيع إمام المسلمين في غير معصية الله، ولا تنزع يداً من طاعة، وتناصحه بالمعروف، وتصبر على جَوره. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ ... [النساء: ٥٩]. ٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السّمْعُ وَالطّاعَةُ، فِيمَا أَحَبّ وَكَرِهَ، إلاّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ». متفق عليه (٢). ٣ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قُلنَا: لِمَنْ؟ قال: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٣). - موانع التكفير: لا يجوز لأحد أن يكفِّر أحداً قام به مانع من موانع التكفير. وموانع التكفير أربعة، وهي: ١ - الجهل: كحديث عهد بالإسلام، أو كان في مكان يُعذر فيه كبعض الأماكن النائية في البر والبحر. ٢ - الخطأ: كمن حكم بغير ما أنزل الله وهو لا يدري، أو فعل شيئاً من الشرك أو

стр. 3015

المحرمات يظنه جائزاً. فهذا مخطئ لا يكفر حتى تقام عليه الحجة، ويصر على فعله. ٣ - التأويل المعتبر: وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى ما يخالفه لدليل منفصل عنه، وهو كل ما كان مبنياً على شبهة، وخلصت نية صاحبه لله. ٤ - الإكراه: من أُكره على الكفر، بأن ضُرب وعُذب ليرتد عن الإسلام، أو يسب الإسلام. فهذا لا يكفر إذا فعل ذلك؛ لأنه مكره. ١ - قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. - كيفية معاملة البغاة: ١ - إذا لم يكن للبغاة منعة فللإمام أن يأخذهم ويحبسهم حتى يتوبوا. ٢ - إن تأهب البغاة للقتال، وكان لهم شوكة ومنعة، فعلى الإمام أن يراسلهم، ويسألهم ما ينقمون منه، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، وإن طالبوا بحق أعطاهم إياه. ٣ - ثم يدعوهم إلى التزام الطاعة، ولزوم جماعة المسلمين، فإن رجعوا وتابوا فقد انتهى الأمر. ٤ - إن لم يرجعوا وعظهم وخوَّفهم القتال، فإن أصروا استعان بالله وقاتلهم، وعلى الرعية أن يعينوا الإمام عليهم حتى يندفع شرهم، وتطفأ فتنتهم.

стр. 3016

٥ - إذا قاتلهم الإمام فلا يقتلهم بما يعمّ كالقذائف المدمرة، والقنابل المحرقة. ولا يجوز قتل مُدْبرهم، وذريتهم، ومن ترك القتال منهم، ولا الإجهاز على جريحهم، ومن أُسر منهم حُبس حتى تخمد الفتنة، ولا تُغنم أموالهم، ولا تُسبى ذراريهم؛ لأنهم مسلمون. ٦ - بعد انقضاء القتال، وخمود الفتنة، ما تلف من أموالهم حال الحرب فهو هدر، ومن قُتل منهم فهو غير مضمون، وهم لا يضمنون أنفساً ولاأموالاً تلفت حال الحرب. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف: ١٥٣]. - ما يجب فعله عند اقتتال طائفتين من المؤمنين: إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين لعصبية أو رياسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى. ولا تكفران بهذا القتال؛ لأن قتال المؤمن أو قتله ليس كفراً مخرجاً من الملة. ويجب الإصلاح بينهم؛ حقناً لدمائهم، وحفظاً لأموالهم وذرياتهم، مع مراعاة العدل والإحسان في الصلح. فإن لم يستجيبوا قاتل الإمام الباغية منهما حتى تفيء إلى أمر الله؛ قطعاً لدابر الشر، وإخماداً لنار الفتنة. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا

стр. 3017

بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ ... [الحجرات: ٩]. ٢ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، عَلَىَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ». أخرجه مسلم (١). - الحكم إذا لم يستجب الإمام لمطالب البغاة: للبغاة مع الإمام ثلاث حالات: ١ - أن يكف البغاة عن القتال إذا بيَّن لهم الإمام الأمر، فنكف عنهم. ٢ - أن يستمروا في القتال والخروج بعد بيان الأمر لهم. فهؤلاء يجب قتالهم؛ لإخماد فتنتهم. ٣ - إذا لم يكشف لهم الإمام الشبهة، ولم يُزل المظلمة، فليس لهم الخروج عليه، ولا يجوز لهم قتاله، وعليهم أن يصبروا. ١ - عن حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ ﵁ قالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله إِنّا كُنّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَل مِنْ وَرَاءِ هَذَا الخَيْر شَرّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلتُ: هَل وَرَاءَ ذَلِكَ الشّرّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلتُ: فَهَل وَرَاءَ ذَلِكَ الخَيْرِ شَرّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلاَ يَسْتَنّونَ بِسُنّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إنْسٍ» قَالَ قُلتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطعْ». أخرجه مسلم (٢). ٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أمِيرِهِ شَيْئًا

стр. 3018

فَليَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». متفق عليه (١). - الفرق بين البغاة والمحاربين: ١ - المحارب أو قاطع الطريق يخرج فسقاً وعصياناً على غير تأويل، بل فساداً في الأرض. أما الباغي فهو الذي يحارب على تأويل فيَقتل ويأخذ المال. ٢ - إذا أُخذ قاطع الطريق ولم يتب فإنه يقام عليه حد الحرابة، ويَرد ما أَخذ من مال. أما الباغي إذا أُخذ ولم يتب فلا يقام عليه حد الحرابة، ولا يؤخذ منه ما أَخذ من مال إلا إن كان موجوداً بعينه فيرده إلى صاحبه. ٣ - البغاة جماعة لهم شوكة ومنعة، وأما قطاع الطريق فليس لهم شوكة فقد يكونوا واحداً أو أكثر. - الفرق بين قتال البغاة وقتال المشركين: أن يقصد الإمام بقتال البغاة ردعهم لا قتلهم .. ويكف عن مُدْبرهم .. ولا يُجْهز على جريحهم .. ولا يقتل أسراهم .. ولا يَغْنم أموالهم .. ولا تُسْبى ذراريهم .. ولا يُقذفون بما يهلكهم .. ولا تُحرق بيوتهم ومزارعهم إلا إن فعلوا ذلك بالمسلمين. أما المشركون فللإمام أن يقاتلهم بمثل ما قاتلوه به؛ لأن البغاة مسلمون بخلاف الكفار. قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا

стр. 3019

يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ ... [البقرة: ١٩٠]. - حكم الصلاة على مَنْ قُتل من البغاة: البغاة من المسلمين خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، فمن قُتل منهم فهو مسلم، يغسّل، ويكفّن، ويصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين.

стр. 3020

٣ - حكم المرتد - الردة: هي الرجوع من الإسلام إلى الكفر. والمرتد: هو من كفر بعد إسلامه طوعاً. - أقسام الردة: الردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام. وتنقسم الردة إلى أربعة أقسام، وهي: ردة بالاعتقاد .. وردة بالشك .. وردة بالقول .. وردة بالفعل. ١ - الردة بالاعتقاد: كأن يعتقد الإنسان وجود شريك مع الله في ربوبيته، أو ألوهيته، أو يجحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة من صفاته. أو يعتقد تكذيب رسل الله، أو جحد كتب الله المنزلة، أو ينكر البعث، أو الجنة، أو النار، أو يبغض شيئاً من الدين ولو عمل به. أو يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتقد أن الربا والزنا ونحوهما من محرمات الدين الظاهرة حلال، أو يعتقد أن الصلاة والزكاة ونحوهما من واجبات الدين الظاهر غير واجبة ونحو ذلك مما ثبت وجوبه أو حِلّه أو حُرْمته قطعياً، ومثله لا يجهله، فإنْ جَهِله فلا يكفر، وإن كان يجهله وعرَّفناه حكمه وأصر على اعتقاده كَفَر. ٢ - الردة بالشك: وتكون بالشك فيما سبق، كمن شك في تحريم الكفر والشرك، أو شك في

стр. 3021

تحريم الربا والزنا، أو شك في حل الماء والخبز، أو شك في الرسل، أو الكتب، أو دين الإسلام ونحو ذلك. ٣ - الردة بالقول: كأن يسب الله، أو رسله، أو ملائكته، أو كتبه المنزلة. وكأن يدعي النبوة، أو يدعو مع الله غيره، أو قال إن لله زوجة وولداً. وكأن ينكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة كالزنا وشرب الخمر ونحوهما. وكأن ينكر وجوب الصلاة والزكاة ونحوهما من الواجبات الظاهرة. أو يستهزئ بالدين أو شيء منه كوعد الله ووعيده والجنة والنار. أو يسب الصحابة ﵃ أو أحداً منهم من أجل دينهم، أو قَذَف أم المؤمنين عائشة ﵂؛ لأنه كذَّب بصريح القرآن. ٤ - الردة بالفعل: كأن يسجد لصنم من شجر أو حجر، أو يسجد لغير الله، أو يسجد على القبور، أو يذبح لأهلها. أو يُعرض عن دين الإسلام لا يتعلمه، ولا يعلِّمه، ولا يعمل به، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يتعلم السحر ويعلِّمه، أو يظاهر المشركين ويعاونهم على المسلمين ونحو ذلك. - أسباب الردة: يمكن حصر أسباب الردة في ثلاثة أمور: الأول: الكفر بالله والتحلل من الإسلام بسب الله، أو سب نبي، أو سب كتب الله،

стр. 3022

أو سب الدين، أو الاستهزاء بشيء من ذلك. الثاني: إنكار حكم مجمع عليه في الإسلام، كإنكار وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، وإنكار تحريم الخمر والربا ونحوهما. الثالث: فعل بعض أفعال الكفر كإلقاء مصحف في القاذورات، وكالسجود لصنم ونحو ذلك. - حكم المرتد: الردة كفر مخرج من الإسلام، وموجب للخلود في النار إن مات ولم يتب منها. والمرتد أغلظ كفراً من الكافر الأصلي؛ لأن الكافر لم يعرف الحق، والمرتد عرف الحق وخرج عنه إلى الباطل. وإذا قُتل المرتد أو مات قبل أن يتوب فهو كافر لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. فالردة أفحش الكفر، وأغلظه حكماً، ومحبطة للعمل إن مات ولم يتب منها. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. ٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه البخاري (١).

стр. 3023

- حكمة مشروعية قتل المرتد: الإسلام هو الدين الكامل، والنظام الشامل لكل ما يحتاجه البشر، موافق للفطرة والعقل، قائم على الدليل والبرهان. والإسلام من أكبر نعم الله على خلقه، وبه تحقق سعادة الدنيا والآخرة. ومن دخل فيه ثم ارتد عنه فقد انحط إلى أسفل الدركات، وردّ ما رضيه الله لنا من الدين، وخان الله ورسوله. فهذا يجب قتله؛ لأنه أنكر الحق الذي لا تستقيم الدنيا والآخرة إلا به، وصرف غيره عن الدخول فيه. ١ - قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ... [المائدة: ٣]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. - ما يُفعل بالمرتد: من ارتد عن الإسلام وهو بالغ عاقل مختار دُعي إليه، ورُغِّب فيه، وعُرضت عليه التوبة لعله يتوب، فإن تاب فهو مسلم، وإن لم يتب وأصر على ردته قُتل بالسيف كفراً لا حداً. عَنْ أبِي مُوسَى ﵁ أنَّ رَجُلاً أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهُوَ عِنْدَ أبِي مُوسَى، فَقَالَ: مَا لِهَذَا؟ قالَ: أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قالَ: لا أجْلِسُ حَتَّى أقْتُلَهُ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . متفق عليه (١).

стр. 3024

- أحكام المرتد: ١ - المرتد عن الإسلام يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب قُبل منه، وإن أبى وجب على إمام المسلمين قتله. ٢ - يُمنع المرتد من التصرف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلم فهو له، وإن أصر على ردته فماله فيء لبيت مال المسلمين. ٣ - يُفرّق بين المرتد وزوجته المسلمة؛ لأنها لا تحل لكافر. ٤ - المرتد كافر لا يرث أقاربه المسلمين ولا يرثونه. ٥ - المرتد كافر، إذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، فيوارى في التراب في أي مكان. - حكم زوجة المرتد: إذا ارتد الزوج فلا تحل له زوجته المسلمة، ويجوز له مراجعتها بعد التوبة مادامت في العدة، فإن خرجت من العدة ولم يراجعها مَلَكت نفسها، فإن رضيت به تزوجها بعقد ومهر جديدين، وإن شاءت تزوجت غيره. وإن ارتدت الزوجة، فإن تابت فهي زوجته، وإن أصرت على ردتها فهي كافرة لا تحل له. - صفة توبة المرتد: توبة المرتد وكل كافر هي أن يسلم، والإسلام أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، نطقاً باللسان، واعترافاً بالقلب، وعملاً بالجوارح. ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به.

стр. 3025

فالكافر الأصلي إسلامه يكون بالشهادتين. والمرتد إسلامه بالشهادتين، وأن يتوب مما كان سبباً في الحكم عليه بالردة، سواء كان جحد فرض، أو جحد محرم مجمع على تحريمه، أو جحد مُحَلَّل مجمع على حله ونحو ذلك. ١ - قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ ... [التوبة: ٥]. ٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلا بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ». متفق عليه (١). - حكم توبة من سب الله ورسوله ﷺ : من سب الله بأن طعن في حكمته، أو في صفة من صفاته، أو في شرعه، أو قال إن الله مفتقر للزوجة والولد ونحو ذلك من النقائص التي ينزَّه الله عنها فهو مرتد يجب قتله إن لم يتب، فإن تاب قُبلت توبته، وحكمنا بإسلامه. ومن سب رسول اللهِ محمداً ﷺ بأن وصفه بما هو نقص في حقه بأن قال إنه كاذب، أو ساحر، أو يخدع الناس ونحو ذلك، فهو مرتد يجب قتله إن لم يتب، فإن تاب قُبلت توبته، وحكمنا بإسلامه. وكذا من سب الصحابة أو أحداً منهم طاعناً في إيمانهم، فإنه يجب قتله إن لم يتب، فإن تاب قُبلت توبته وحكمنا بإسلامه.

стр. 3026

١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ ... [التوبة: ١٠٠]. ٤ - وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَسُبُّوا أصْحَابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ». متفق عليه (١). - حكم من تكررت ردته: من تكررت ردته إذا علمنا صدق توبته قبلناها ولو تكررت؛ لأن الله يقبل التوبة من كل تائب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْباً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ ﵎: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ

стр. 3027

بِالذَّنْبِ اعْمَل مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ». متفق عليه (١). - حكم السحر: السحر: عُقد ورقى يُتوصل بها إلى إيقاع الضرر بالمسحور. ويحرم تعلم السحر، وتعليمه، وفعله، والدلالة عليه. والسحر من الكبائر، ولا يمكن أن يحصل إلا بمعونة الشياطين، فإن الساحر يطيعهم في الكفر، فيقضون حاجته، والساحر كافر مرتد، فيستتاب، فإن تاب وإلا قُتل مرتداً؛ قطعاً لدابر الشر والمشعوذين والدجالين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].

стр. 3028

٤ - حكم التعزير - التعزير: هو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة. فالتعزير كل ما يحصل به الأدب، والأدب هو تقويم الأخلاق، أو فِعل ما يحصل به التقويم. - الفرق بين الحد والتعزير: ١ - الحد يختص بما يلي: أنه مقدر .. والناس فيه سواء .. وإقامته واجبة .. وتنفيذه مختص بالإمام .. ويُدرأ بالشبهة .. ولا تجوز الشفاعة فيه بعد بلوغه الإمام. ٢ - التعزير يختص بما يلي: أنه غير مقدر .. ويختلف باختلاف الفاعل .. ويقام مع وجود الشبهة .. ومقداره ونوعه حسب اجتهاد الإمام .. ويقيمه الإمام أو غيره ممن له حق التأديب كالوالد والزوج والمعلم .. وتجوز الشفاعة فيه ولو بلغ الإمام. وكلٌّ من الحد والتعزير عقوبة على معصية أو جناية. - أنواع العقوبات على المعاصي: العقوبات على المعاصي ثلاثة أنواع: الأول: ما فيه حد مقدر كالزنا والسرقة، فهذا لا كفارة فيه ولا تعزير. الثاني: ما فيه كفارة ولا حد فيه كالجماع حال الإحرام، وفي نهار رمضان، والقتل خطأ. الثالث: ما ليس فيه حد ولا كفارة، فهذا فيه التعزير.

стр. 3029

- حكم التعزير: التعزير يكون على كل معصية لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة. ويقام بحسب اجتهاد الإمام بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة، سواء كان على ترك الطاعات، أو على فعل المحرمات، وسواء كان حقاً لله كاستمتاع لا حد فيه، وسرقة لا قطع فيها، أو كان حقاً للآدمي كجناية لا قود فيها، لكن ما ورد به النص من التعزير فلا بد من تنفيذه، ومن ارتكب جناية لا حد فيها، ثم جاء تائباً نادماً فإنه لا يعزر. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ ... [الأعراف: ١٥٣]. ٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرُو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ». أخرجه أبو داود والترمذي (١). ٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «ضَالَّةُ الإبلِ المَكْتُومَةُ غَرَامَتُهَا وَمِثلُهَا مَعَهَا». أخرجه أبو داود (٢). ٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أنَّ رَجُلاً أصَابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةً، فَأتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ فَأنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألِي هَذَا؟ قال: «لِجَمِيعِ أمَّتِي كُلِّهِمْ». متفق عليه (٣).

стр. 3030

- حكمة مشروعية التعزير: شرع الله عقوبات مقدرة لا يزاد عليها ولا يُنقص منها، على جميع الجرائم المخلة بمقومات الأمة من حفظ الدين، والنفس، والعِرض، والعقل، والمال. وشَرع من أجل حِفظ ذلك عقوبات وحدوداً زاجرة لتنعم الأمة بالأمن والطمأنينة. ولهذه الحدود شروط وضوابط قد لا يثبت بعضها، فتتحول العقوبة من عقوبة محددة إلى عقوبة غير محددة يراها الإمام، تحقق المصلحة، وتدرأ المفسدة، وهي التعزير. - أقسام التعزير: التعزير ينقسم إلى قسمين: الأول: تعزير التأديب والتربية، كتأديب الوالد لولده، وتأديب الزوج لزوجته، وتأديب السيد لعبده، وتأديب المعلم لتلاميذه، فهذا لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط. عَنْ أبِي بُرْدَةَ الأنْصَارِيَّ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرَةِ أسْوَاطٍ إِلا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ». متفق عليه (١). الثاني: تعزير على المعاصي، إما ترك واجب، أو فعل محرم. فهذا تجوز فيه الزيادة للحاكم بحسب المصلحة والحاجة، وبحسب حجم المعصية وفحشها، وقلتها وكثرتها وضررها، وليس لها حد معين.

стр. 3031

لكن إن كانت المعصية في عقوبتها مقدرة من الشارع كالزنا والسرقة ونحوهما، فلا يبلغ بالتعزير الحد المقدر، وإن لم تكن مقدرة اجتهد الحاكم في عقوبة تحقق المصلحة وتدفع المفسدة عن العباد والبلاد. - شروط وجوب التعزير: من ارتكب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع فيعزر، ويشترط العقل فقط لوجوب التعزير، فيعزر كل إنسان عاقل، ذكراً كان أو أنثى، مسلماً كان أو كافراً، بالغاً أو صبياً عاقلاً، لأن هؤلاء غير الصبي من أهل العقوبة، أما الصبي فيعزر تأديباً لا عقوبة بما يصلحه. فكل من ارتكب منكراً أو آذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة فللإمام تعزيره بما يصلحه ويردع غيره. - صفة التعزير: التعزير حق واجب لله تعالى إذا رآه الإمام؛ لأنه زاجر عن المعاصي. فإن تعلق به حق لآدمي وجب على الإمام إقامته؛ لأن حقوق العباد ليس للحاكم إسقاطها إلا عند العفو، وإن كان حقاً لله تعالى فهو موكول إلى اجتهاد الإمام، إن ظهرت له المصلحة أقامه، وإن ظهر له عدم المصلحة تركه. ١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ، قَالَ: «هَل حَضَرْتَ الصَّلاَةَ مَعَنَا؟». قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَكَ». متفق عليه (١).

стр. 3032

٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أثْقَلَ صَلاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلاةُ العِشَاءِ وَصَلاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». متفق عليه (١). - أنواع العقوبات التعزيرية: التعزير عقوبة تختلف باختلاف الناس، واختلاف المعصية، واختلاف الزمان، واختلاف المكان. والعقوبات التعزيرية أنواع منها: ١ - ما يتعلق بالجاه كالتوبيخ، والتشهير، والعزل عن المنصب. ٢ - ما يتعلق بتقييد الإرادة كالحبس والنفي. ٣ - ما يتعلق بالأموال كالإتلاف والغرامة ومنع التصرف. ٤ - ما يتعلق بالأبدان كالقيد والجلد والقتل. ٥ - ما يتعلق بالأبدان والأموال كجلد السارق من غير حرز مع إضعاف الغُرْم عليه. والتعزير يكون بحسب المصلحة، وعلى قدر الجريمة، ولكل شخص تعزير يؤدبه ويردعه. ويجوز التعزير بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به، مثل قَتْل المفرِّق لجماعة المسلمين، والداعي إلى غير الكتاب والسنة، والداعي للبدعة، والجاسوس

стр. 3033

مسلماً كان أو كافراً. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قالَ: أتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقال النَّبِيُّ ﷺ : «اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ». فَقَتَلَهُ فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ. متفق عليه (١). - اختيار العقوبة التعزيرية: التعزير مجموعة من العقوبات تختلف باختلاف الأشخاص، وجنس المعصية، وحجمها، وتكرارها. وهي على وجه العموم تبدأ بالنصح، والوعظ، والهجر، والتوبيخ، والتهديد، والإنذار، والعزل عن العمل، والتشهير، والغرامة، والنفي ونحو ذلك. وتنتهي بأشد العقوبات كالحبس والجلد، وقد تصل إلى حد القتل إذا رأى الإمام ذلك كأصحاب الجرائم الخطيرة. - مقدار عقوبة التعزير: عقوبة التعزير غير مقدرة. وللحاكم أن يختار العقوبة التي تناسب الجاني وحجم الجناية، بشرط ألا تخرج عما أمر الله به، أو نهى الله عنه، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والجرائم والأماكن والأزمان. ولا حد لأقل التعزير، ولا لأكثر التعزير، بل هو مفوَّض إلى رأي الحاكم حسب المصلحة، وحسب حجم الجريمة. لكن ما ورد به النص من التعزير يجب تنفيذه، ولا خيار للحاكم فيه كتحريق

стр. 3034

رحل الغال، وكتم الضالة ونحوهما. - أسباب التعزير: أسباب التعزير كثيرة، يجمعها فِعل كل معصية لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة. وأسباب التعزير نوعان: ١ - أسباب التعزير على فعل المحرمات. كالجناية التي لا قود فيها .. والسرقة التي لا قطع فيها .. واستمتاع محرم لا حد فيه .. والغصب والانتهاب والاختلاس .. وبيع المحرمات كالخمور والمخدرات ونحوهما .. والرشوة .. وشهادة الزور .. وتزوير الأوراق والصكوك والوثائق والتوقيعات ونحوها .. وإتيان المرأة المرأة .. والقذف بغير الزنا واللواط كقوله: ياحمار يا كلب ونحوهما .. ولعب الميسر والقمار .. ومشاهدة وتداول الأشرطة والأفلام الخبيثة ونحو ذلك من منكرات الأقوال والأفعال والأخلاق. ٢ - أسباب التعزير على ترك الواجبات. كالإخلال بالواجبات الشرعية .. والتهاون في أداء الصلاة .. وتأخير الصلاة المفروضة عن وقتها .. وعدم سداد الغني الدَّين .. وترك الأمر بالمعروف .. وترك النهي عن المنكر .. وحلق اللحى .. وعدم طاعة الوالدين .. وعدم طاعة الزوجة لزوجها ونحو ذلك. - من يملك حق التعزير: التعزير كالحدود والقصاص منوط بالإمام أو نائبه، وليس لأحد حق التعزير

стр. 3035

إلا لمن له ولاية التأديب مطلقاً كالأب .. والزوج .. والسيد .. والحاكم .. والمعلم. فالأب له تأديب ولده الصغير، وتعزيره للتعلم والتخلق بأحسن الأخلاق، وزجره عن سيئها، وأمره بالصلاة، وضربه عند الحاجة، والأم كالأب في أثناء الحضانة. وللزوج تأديب زوجته وتعزيرها في أمر النشوز وأداء حق الله تعالى كإقامة الصلاة، وأداء الصيام، والبعد عن المحرمات، أداء لواجب القوامة عليها، ونصحاً لها. والسيد يعزر رقيقه في حق نفسه وفي حق الله تعالى مِنْ تركِ واجب، أو فِعل محرم. والمعلم يؤدب تلاميذه بما يصلح أحوالهم، ويحسِّن أخلاقهم. ١ - قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤]. ٢ - وَعَنِ عَبْدَاللهِ بن عُمَرَ ﵄ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». قال: وَحَسِبْتُ أنْ قَدْ قال: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أبِيه وَمَسْئولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ

стр. 3036

رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه (١). - الأحوال التي يشرع فيها الحبس: يشرع الحبس فيما يلي: ١ - حبس الجاني لغَيْبة المجني عليه حفظاً لمحل القصاص. ٢ - حبس الممتنع عن دفع الحق إلجاءً إليه. ٣ - حبس الآبق سَنَة رجاء أن يُعرف صاحبه. ٤ - حبس من أشكل أمره في العسر واليسر ليتبين أمره. ٥ - حسب الجاني تعزيراً وردعاً عن المعاصي. ٦ - حبس من أقر بمجهول حتى يعيِّنه. ٧ - حبس من امتنع من التصرف الواجب في حقوق العباد كحبس من أسلم وتحته أختان، أو امرأة وابنتها، وامتنع من تعيين واحدة، ونحو ذلك من الحالات التي فيها حفظ الحقوق. ١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢). ٢ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلاً فِي تُهْمَةٍ ثمَّ خَلَّى عَنْهُ. أخرجه الترمذي والنسائي (٣).

стр. 3037

- أقسام العقوبات المالية: تنقسم العقوبات المالية إلى ثلاثة أقسام: الإتلاف .. والتغيير .. والتمليك. ١ - الإتلاف: كإتلاف محل المنكرات، كتكسير الأصنام وتحريقها، وتحطيم آلات اللهو، وتكسير وإحراق وإراقة أوعية الخمر، وإتلاف البضاعة المغشوشة من أي نوع. وهذا التعزير يقوم به الإمام؛ لأنه يحتاج إلى قوة وسلطة. ٢ - التغيير: ويكون بتغيير صورة الشيء المحرم. كقطع رأس التمثال حتى يكون كالشجرة، وقطع الستر الذي فيه صورة ليكون وسائد توطأ، وفك آلات اللهو وما يستعمل في محرم لاستعماله في مباح بعد تغيير صورته. وهذا التعزير يقوم به الإمام أو نائبه. ٣ - التمليك: كمن سرق من التمر المعلق، عليه جلدات نكال، وغُرْمه مرتين، ومن سرق من الماشية قبل أن تُؤوى إلى المراح، عليه جلدات نكال، وغُرْمه مرتين، ومصادرة الأموال المأخوذة من كسب غير مشروع، ويصرفها الإمام فيما فيه مصلحة. وهذا التعزير يقوم به الإمام أو نائبه. ١ - عَنْ عَبْدِاللهِ ﵁ قالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وَثَلاثُ مِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ

стр. 3038

وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾. ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾. متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَشَدّ النّاسِ عَذَاباً عِنْد اللهِ يَوْمَ القيَامَةِ، الّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلقِ اللهِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ. متفق عليه (٢). - طرق إثبات جرائم التعزير: تثبت الجريمة الموجبة للتعزير بواحد مما يلي: الإقرار ... أو البينة. فالإقرار أن يقر على نفسه بالجناية والمعصية. والبينة أن يشهد عليه رجلان عدلان، وتُقبل فيه شهادة النساء مع الرجال. - حكم من مات في التعزير: إذا عزر الإمام أحداً أو حَدَّه فمات بسبب التعزير أو الحد فلا ضمان عليه؛ لأن التعزير عقوبة مشروعة للردع والزجر والتأديب فلم يضمن مَنْ تلف بها كالحد، ولأن الإمام مأذون له في التعزير، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، لكن بشرط عدم التعدي. - صفة الجلد في التعزير: أشد الجلد جلد التعزير، ثم يليه جلد الزنا، ثم يليه جلد السكر، ثم يليه جلد القذف.

стр. 3039

فالتعزير أشد الضرب؛ لأنه جرى فيه التخفيف من حيث العدد، فلا يخفف من حيث الوصف، وذلك لئلا يؤدي إلى فوات المقصود منه وهو التأديب والردع والزجر.

стр. 3040

الباب التاسع عشر كتاب القضاء ويشتمل على ما يلي: ١ - معنى القضاء وحكمه ٢ - فضل القضاء ٣ - خطر القضاء ٤ - أحكام القضاء ٥ - صفة الدعوى ٦ - صفة الحكم ٧ - طرق إثبات الدعوى ١ - الإقرار ٢ - الشهادة ٣ - اليمين ٨ - الأيمان ١ - معنى اليمين وحكمها ٢ - أقسام اليمين ٣ - أحكام اليمين ٩ - النذر ١ - معنى النذر وحكمه ٢ - أقسام النذر ٣ - أحكام النذر

стр. 3041

كتاب القضاء ١ - معنى القضاء وحكمه - القضاء: هو تبيين الحكم الشرعي الذي يفصل الخصومة، والإلزام به. وسمي القضاء حكماً؛ لما فيه من الإحكام، ولما فيه من الحكمة لكونه يكف الظالم عن ظلمه. - حكم القضاء: القضاء فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. ولمّا كان الظلم متأصلاً في النفس البشرية، فلا بد من حاكم يُنصف المظلوم من الظالم. لذا يجب على إمام المسلمين أن ينصب للناس قاضياً أو أكثر في كل إقليم أو بلد، حسب الحاجة، لفصل الخصومات، وإقامة الحدود، والحكم بالحق والعدل بين الناس. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ ... [ص: ٢٦]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ

стр. 3042

يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]. ٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ ا? ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ». متفق عليه (١). - حكمة مشروعية القضاء: شرع الله القضاء لحفظ الحقوق، وإقامة العدل، وفصل الخصومات والمنازعات، وصيانة الأنفس والأعراض والأموال. ولما كانت تجري بين الناس كثير من المعاملات كالبيع والشراء والإجارة ونحوها كالنكاح والطلاق ونحوها من العقود والحقوق، فقد وضع الشرع لذلك قواعد وشروطاً تحكم التعامل بين الناس؛ ليسود العدل والأمن بينهم. ولكن قد تحدث بعض المخالفات لتلك الشروط والقواعد إما عمداً، أو جهلاً، أو نسياناً، أو إكراهاً، فتحدث المشاكل، ويحصل النزاع والشقاق والعداوة. وقد تصل الحال إلى إزهاق الأرواح، ونهب الأموال، وتخريب الديار، واضطراب الأمن. فشرع الله الحكيم العليم بمصالح عباده القضاء بشرع الله، لإزالة تلك الخصومات، وحل المشكلات، والقضاء بين العباد بالحق والعدل. قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].

стр. 3043

- كمال الشريعة الإسلامية: الله أنزل إلينا الدين الكامل. فأنزل الكتاب الذي فصّل فيه الأحكام والشرائع. وأنزل الميزان وهو العدل الذي يمثل القوة القضائية. وأنزل الحديد الذي يمثل القوة التنفيذية المؤيد للأحكام الشرعية. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].

стр. 3044

٢ - فضل القضاء - فضل القضاء: القضاء بين الناس وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. وحسن القضاء نعمة من الله، وله فضل عظيم لمن قوي عليه، وأمن على نفسه من الظلم والحَيف. والقضاء عبادة لله ، وهو من أفضل القربات؛ لما فيه من الإصلاح بين الناس، وإنصاف المظلوم، ورد الظالم، وإقامة الحدود، وأداء الحقوق إلى أهلها، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحكم بالقسط والعدل. فلهذه الأمور العظيمة جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط إثم الخطأ إذا وقع باجتهاد، فإذا أصاب القاضي فله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد، ولا إثم عليه. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ ... [المائدة: ٤٢]. ٢ - وَعَنْ عَبْداللهِ بن مَسْعُودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». متفق عليه (١). ٣ - وَعَنْ عَبْداللهِ بْنِ عَمْرو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنّ المُقْسِطِينَ عِنْد اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ،

стр. 3045

الّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». أخرجه مسلم (١). ٤ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقالَ: إِنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفق عليه (٢). ٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ». متفق عليه (٣). - منزلة القضاء: القضاء بين الناس والحكم بينهم بالعدل منصب شريف، ومقام رفيع؛ لما فيه من النفع العام والخاص، والإحسان إلى الخلق، وإقامة الحق والعدل. ولهذا تولاه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. وأول من تولاه في الإسلام رسولنا محمد ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.

стр. 3046

٣ - خطر القضاء - خطر القضاء: ١ - القضاء موضوعه الحكم بين الناس بالحق والعدل، فلذلك خطره عظيم جداً؛ لأنه يُخشى حصول ميل من القاضي على أحد الخصمين، فيحكم له بغير الحق، إما لكونه قريباً له، أو صديقاً له، أو صاحب جاه تُرجى منفعته، أو صاحب رئاسة تُخاف سلطته ونحو ذلك، فيجور في الحكم متأثراً بما سبق. ٢ - القاضي يبذل جهداً كبيراً في معرفة الحكم الشرعي، والبحث في الأدلة، وهذا الجهد ينهك بدنه، ويرهقه، ويضعفه. ٣ - القاضي بشر يضعف إيمانه فيجور إما لهوى، أو لعصبية، أو لعداوة، أو لمحبة، أو لانتقام، أو لطمع. والله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وَكَلَه إلى نفسه، وعذبه في الدنيا والآخرة. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. ٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِياً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بغَيْرِ سِكِّينٍ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).

стр. 3047

- أقسام القضاة: القضاة ثلاثة أصناف: الأول: قاض عرف الحق والحكم الشرعي فقضى به، فهذا من أهل الجنة. الثاني: قاض عرف الحق، ولهواه حكم بغير الحق، فهذا في النار. الثالث: قاض لم يعرف الحق، ولم يفهم الحكم الشرعي، فقضى بجهل، فهذا في النار، سواء أصاب في حكمه أو أخطأ. عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «القُضَاةُ ثلاَثةٌ، اثنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فَقَضَى بهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (١). - خطر الحكم بغير ما أنزل الله: يجب على القاضي أن يحكم بين الناس بما أنزل الله من الشريعة. والشريعة الإسلامية جاءت بتحقيق مصالح الخلق في الدنيا والآخرة، وهي كفيلة بإصلاح أحوال البشرية في جميع المجالات. لهذا يجب على القاضي النظر في جميع ما يرد إليه من القضايا مهما كانت، والحكم فيها بما أنزل الله، فدين الله كامل كاف شاف. ولا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله مهما كانت الأحوال؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وظلم وفسق. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾

стр. 3048

[المائدة: ٤٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]. - حكم طلب القضاء: طلب الولايات من قضاء وغيره له حالتان: الأولى: أن يطلب القضاء أو الولاية لأنها متعينة عليه، لكونه لا يوجد من هو أهل لها غيره، وإذا تركها تولاها من لا يحسن القيام بها، فيطلبها بهذه النية الحسنة، وفيه قوة وأمانة، كما طلبها يوسف ﷺ ، فهذا مثاب مأجور معان عليها. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٥]. ٢ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قالَ: قالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْألِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وائْتِ الذي هوَ خَير». متفق عليه (١). الثانية: أن يقصد من الحصول عليها الجاه، أو الرئاسة أو المال، أو يكون ضعيفاً

стр. 3049

لا يستطيع أن يقوم بحقها، أو ليس أهلاً لها، فهذا طلبه لها مذموم، ويجب منعه منها. ١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ». أخرجه البخاري (١). ٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَر إنّكَ ضَعِيفٌ، وَإنّهَا أَمَانَةٌ، وَإنّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدّى الّذِي عَلَيْهِ فِيهَا». أخرجه مسلم (٢). ٣ - وَعَنْ أَبي مُوسَى ﵁ قالَ: دَخَلتُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ بَنِى عَمِّى، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللهُ . وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لاَ نُوَلِّى عَلَى هَذَا العَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلاَ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ». متفق عليه (٣). - حكم قبول القضاء: إذا اختار إمام المسلمين أحداً للقضاء، ولم يكن في البلد أحد يصلح غيره، لزمه قبوله، فإن امتنع فهو عاص، وللحاكم إجباره؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه وحكمه ونظره. وإن وُجد في البلد عدد يصلح للقضاء، فمن وجد في نفسه القدرة فالقبول

стр. 3050

أفضل، ومن يعرف من نفسه عدم القدرة فالترك أفضل؛ لما في القضاء من الخطورة. ويستحب قبول وطلب القضاء لعالم يرجو به نشر علمه بين الناس، ولمن يرجو بعمله إحقاق الحق، ومنع ضياع الحقوق، وتدارك جور بعض القضاة، وعجزهم عن إيصال الحقوق لأهلها، ولمن يريد جزيل الثواب؛ لأن القضاء عبادة لمن حكم بالعدل. ويكره قبول القضاء لمن يخاف العجز عنه، أو لا يأمن على نفسه الحيف فيه، حتى لا يعرِّض نفسه للعقوبة. عَنْ عَبْدالله بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَىَ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». أخرجه مسلم (١).
следующие страницы →