٣ - خطر القضاء
- خطر القضاء:
١ - القضاء موضوعه الحكم بين الناس بالحق والعدل، فلذلك خطره عظيم جداً؛ لأنه يُخشى حصول ميل من القاضي على أحد الخصمين، فيحكم له بغير الحق، إما لكونه قريباً له، أو صديقاً له، أو صاحب جاه تُرجى منفعته، أو صاحب رئاسة تُخاف سلطته ونحو ذلك، فيجور في الحكم متأثراً بما سبق.
٢ - القاضي يبذل جهداً كبيراً في معرفة الحكم الشرعي، والبحث في الأدلة، وهذا الجهد ينهك بدنه، ويرهقه، ويضعفه.
٣ - القاضي بشر يضعف إيمانه فيجور إما لهوى، أو لعصبية، أو لعداوة، أو لمحبة، أو لانتقام، أو لطمع.
والله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وَكَلَه إلى نفسه، وعذبه في الدنيا والآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِياً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بغَيْرِ سِكِّينٍ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
стр. 3047
- أقسام القضاة:
القضاة ثلاثة أصناف:
الأول: قاض عرف الحق والحكم الشرعي فقضى به، فهذا من أهل الجنة.
الثاني: قاض عرف الحق، ولهواه حكم بغير الحق، فهذا في النار.
الثالث: قاض لم يعرف الحق، ولم يفهم الحكم الشرعي، فقضى بجهل، فهذا في النار، سواء أصاب في حكمه أو أخطأ.
عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أنَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «القُضَاةُ ثلاَثةٌ، اثنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فَقَضَى بهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
- خطر الحكم بغير ما أنزل الله:
يجب على القاضي أن يحكم بين الناس بما أنزل الله من الشريعة.
والشريعة الإسلامية جاءت بتحقيق مصالح الخلق في الدنيا والآخرة، وهي كفيلة بإصلاح أحوال البشرية في جميع المجالات.
لهذا يجب على القاضي النظر في جميع ما يرد إليه من القضايا مهما كانت، والحكم فيها بما أنزل الله، فدين الله كامل كاف شاف.
ولا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله مهما كانت الأحوال؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وظلم وفسق.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾
стр. 3048
[المائدة: ٤٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
- حكم طلب القضاء:
طلب الولايات من قضاء وغيره له حالتان:
الأولى: أن يطلب القضاء أو الولاية لأنها متعينة عليه، لكونه لا يوجد من هو أهل لها غيره، وإذا تركها تولاها من لا يحسن القيام بها، فيطلبها بهذه النية الحسنة، وفيه قوة وأمانة، كما طلبها يوسف ﷺ ، فهذا مثاب مأجور معان عليها.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٥].
٢ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قالَ: قالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْألِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وائْتِ الذي هوَ خَير». متفق عليه (١).
الثانية: أن يقصد من الحصول عليها الجاه، أو الرئاسة أو المال، أو يكون ضعيفاً
стр. 3049
لا يستطيع أن يقوم بحقها، أو ليس أهلاً لها، فهذا طلبه لها مذموم، ويجب منعه منها.
١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ». أخرجه البخاري (١).
٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَر إنّكَ ضَعِيفٌ، وَإنّهَا أَمَانَةٌ، وَإنّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدّى الّذِي عَلَيْهِ فِيهَا». أخرجه مسلم (٢).
٣ - وَعَنْ أَبي مُوسَى ﵁ قالَ: دَخَلتُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ بَنِى عَمِّى، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللهُ . وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لاَ نُوَلِّى عَلَى هَذَا العَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلاَ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ». متفق عليه (٣).
- حكم قبول القضاء:
إذا اختار إمام المسلمين أحداً للقضاء، ولم يكن في البلد أحد يصلح غيره، لزمه قبوله، فإن امتنع فهو عاص، وللحاكم إجباره؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه وحكمه ونظره.
وإن وُجد في البلد عدد يصلح للقضاء، فمن وجد في نفسه القدرة فالقبول
стр. 3050
أفضل، ومن يعرف من نفسه عدم القدرة فالترك أفضل؛ لما في القضاء من الخطورة.
ويستحب قبول وطلب القضاء لعالم يرجو به نشر علمه بين الناس، ولمن يرجو بعمله إحقاق الحق، ومنع ضياع الحقوق، وتدارك جور بعض القضاة، وعجزهم عن إيصال الحقوق لأهلها، ولمن يريد جزيل الثواب؛ لأن القضاء عبادة لمن حكم بالعدل.
ويكره قبول القضاء لمن يخاف العجز عنه، أو لا يأمن على نفسه الحيف فيه، حتى لا يعرِّض نفسه للعقوبة.
عَنْ عَبْدالله بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَىَ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». أخرجه مسلم (١).
стр. 3051
٤ - أحكام القضاء
- الفرق بين القاضي والمفتي:
١ - القاضي يبين الحكم الشرعي ويُلزِم به، والمفتي يبينه فقط.
٢ - المفتي أوسع دائرة من القاضي؛ لأنه يفتي في الخصومات وغيرها، والقاضي يختص حكمه في الأمور المتنازَع عليها بين الناس.
٣ - القاضي له ثلاث صفات:
فهو من جهة بيان الحكم مفت .. ومن جهة الإلزام بالحكم ذو سلطان .. ومن جهة الإثبات شاهد.
- محل القضاء:
القضاء يكون في جميع الحقوق والواجبات، سواء كانت حقوقاً لله كالحدود والفرائض الواجبة لله، أو كانت حقوقاً للبشر كالقصاص، والمعاملات كالبيع والإجارة والنكاح ونحو ذلك مما يجري بين الناس.
فالإسلام دين كامل شامل، وفيه وحده حل جميع المسائل والمشاكل في الدنيا والآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ
стр. 3052
يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ ... [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
- شروط القاضي:
يشترط في القاضي أن يكون رجلاً، مسلماً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً، سميعاً، متكلماً، عالماً بما يقضي به.
والأفضل أن يكون القاضي مع هذا بصيراً، كاتباً، حراً ونحو ذلك من صفات الكمال.
وعلى إمام المسلمين أن يختار لمنصب القضاء الأفضل علماً، وورعاً، وإخلاصاً، وصدقاً، وأمانة، وتقوى.
وشروط القاضي حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل.
ولا يقضي بين الناس إلا من كان عالماً بالكتاب والسنة، فقيهاً في دين الله، قادراً على معرفة الحق من الباطل، بريئاً من الجور والظلم، بعيداً عن الهوى والتعصب.
- آداب القاضي:
١ - يسن أن يكون القاضي قوياً من غير عنف؛ لئلا يطمع فيه الظالم، ليناً من غير ضعف؛ لئلا يهابه صاحب الحق.
٢ - ينبغي أن يكون حليماً؛ لئلا يغضب من كلام الخصم، فتأخذه العجلة وعدم التثبت.
٣ - ينبغي أن يكون ذا فطنة؛ لئلا يخدعه بعض الخصوم، وأن يكون بصيراً بأحكام القضاة قبله؛ ليسهل عليه الحكم.
٤ - ينبغي أن يحضر مجلسه الفقهاء والعلماء، وأن يشاورهم فيما يشكل عليه.
стр. 3053
٥ - أن يكون عفيفاً نزيهاً في نفسه وماله عن الحرام، أميناً مخلصاً في عمله لله ، يبتغي بذلك الأجر والثواب، ولا يخاف في الله لومة لائم.
٦ - أن يكون رحيماً؛ لئلا ينفر منه الناس.
٧ - يجب على القاضي أن يسوِّي بين الخصوم في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهم، والاستماع لهم، والحكم بينهم بما أنزل الله.
٨ - يجب أن يكون القاضي حين الدعوى مطمئناً هادئاً، فلا يقضي بين الخصوم وهو غضبان، أو حاقن، أو في شدة جوع أو عطش، أو هم، أو ملل، أو كسل، أو نعاس ونحو ذلك مما يشغل عن فهم الخصومة، ويصرفه عن إصابة الحق، فإن خالف وأصاب الحق نفذ حكمه.
٩ - يسن للقاضي أن يتخذ كاتباً مسلماً، مكلفاً، عدلاً، يكتب له الوقائع والأحكام والوثائق ونحو ذلك.
١٠ - يحرم على القاضي كغيره قبول رشوة، كما لا يقبل هدية من أحد الخصوم؛ لأن هدايا العمال غلول.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
٢ - وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». متفق عليه (١).
- ما يجب على القاضي معرفته:
القاضي يحتاج عند الحكم إلى معرفة ثلاثة أمور:
стр. 3054
معرفة الأدلة .. معرفة الأسباب .. معرفة البينات.
فالأدلة: معرفة الحكم الشرعي.
والأسباب: معرفة ثبوته في هذا المحل أو انتفاؤه عنه.
والبينات: معرفة طريق الحكم عند التنازع.
فمن أخطأ واحداً من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم.
- صفة حكم القاضي:
قضاء القاضي يَنْفذ ظاهراً لا باطناً، فحكم القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، فمن كسب القضية بباطل كشهادة زور، لحقه الإثم والتبعة وإن حكم له القاضي.
والقاضي مجتهد في حكمه، إن أصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ الحق الذي هو مراد الله تعالى فهو مجتهد مخطئ، وله أجر واحد، لاجتهاده في معرفة الحق وحرصه عليه.
ولا إثم عليه، فله أجر اجتهاده؛ لأن الاجتهاد في طلب الحق عبادة، وفاته أجر الإصابة.
١ - عَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إنّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإنّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقّ مُسْلِمٍ فَإنّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَليَحْمِلهَا أَوْ يَذَرْهَا». متفق عليه (١).
стр. 3055
٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ». متفق عليه (١).
- صلاحيات القاضي:
القاضي ينظر في جميع الأمور، والأحوال، والقضايا.
فيفصل بين المتخاصمين إما بصلح، أو حكم نافذ .. وقمع الظالمين والمعتدين .. ونصرة المظلومين .. وإيصال الحقوق إلى أهلها، والنظر في الدماء والجراح، والأوقاف والوصايا والمواريث، والأموال .. وإقامة الحدود .. والقيام بحقوق الله تعالى .. وعقود النكاح والفسوخ والطلاق ونحوها .. والنظر في مصالح المسلمين العامة .. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإذا ازدحمت الدعاوي، وكثرت المشاكل، فلا مانع من التخصص، فيكون لكل قاض نوع من القضايا كالحدود وأمور النكاح، والمواريث ونحوها.
- واجبات القضاة:
يجب على القضاة ما يلي:
١ - القضاء في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى، إما بدليل قطعي من القرآن والسنة، أو بدليل ظاهر موجب للعمل منهما، أو بإجماع، أو قياس.
فإن لم يجد الحكم فيما سبق من المصادر اجتهد وعمل بما أدى إليه اجتهاده، وإن لم يكن مجتهداً اختار قول الأفقه والأورع من المجتهدين.
стр. 3056
٢ - يجب على القاضي أن يحكم بما ثبت عنده بطرق الإثبات الشرعية، وهي: الإقرار، والبينة، واليمين.
٣ - يجب على القاضي نحو المقضي له ألا يكون ممن لا تجوز شهادته لهم كالأبوين، وأولاده، وزوجته، وشريكه في المال؛ لوجود التهمة.
٤ - يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لَحْظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه.
- حكم القضاء بين الكفار:
القاضي يحكم بين الناس بشرع الله .
وإذا تحاكم الكفار إلى قضاة المسلمين جاز للقاضي أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وبما يقضي به بين المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
- حكم تولي المرأة القضاء:
الولايات العامة والقضاء من مناصب الرجال دون النساء، فالرجال قوامون على النساء بالرعاية والحماية والولاية والكفاية، والرجال أقدر على الكسب والتحمل والتصرف في الأمور، ولكمال استعداد الرجال في الخَلْق والفطرة كانت فيهم النبوة والإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر كالأذان، والخطبة، وإمامة الصلاة وغيرها، فلا تصح ولاية المرأة في هذه الأمور، والأمة التي توليها لن تفلح في دينها ولا دنياها ولا أخراها؛
стр. 3057
لمصادمتها الفطرة، ولكن للمرأة من الحقوق مثل ما للرجل، وعليها من الواجبات مثل ما عليه، كل بحسبه وطاقته.
١ - قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
٣ - وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أيَّامَ الجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أنْ ألحَقَ بِأصْحَابِ الجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ، قال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنَّ أهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى، قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً». أخرجه البخاري (١).
- حكم شفاعة القاضي:
يستحب للقاضي أن يشفع الشفاعة الحسنة، فيطلب من المتخاصمين أن يصطلحوا، أو يتنازل أحدهم عن بعض حقه.
ويسن أن يرغِّبهم في الصلح والعفو والتسامح؛ لتدوم المودة بين الخصوم، وتصفو النفوس من الغل، وتسلم من التقاطع.
فإن اتضح الحكم الشرعي حكم به.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
стр. 3058
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢].
٣ - وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: «يَا كَعْبُ». قالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا». وَأوْمَأ إلَيْهِ: أيِ الشَّطْرَ، قال: لَقَدْ فَعَلتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «قُمْ فَاقْضِهِ». متفق عليه (١).
- وقت انتهاء ولاية القاضي:
كل ما تنتهي به الوكالة تنتهي به ولاية القضاء كالعزل، والموت، والجنون، وكل ما تزول به الأهلية.
ولا ينعزل القاضي بموت إمام المسلمين أو ترك منصبه، وللقاضي أن يعزل نفسه؛ لأنه كالوكيل عن الإمام.
- من يعزل القاضي:
يجوز لإمام المسلمين عزل القاضي فيما يلي:
إذا أخل القاضي بواجبه .. أو كثرت الشكاوي عليه أو منه .. أو وجد من هو أفضل منه .. أو كان في عزله مصلحة للمسلمين ونحو ذلك من الأسباب.
فإن لم يكن شيء مما سبق حرم عزله؛ لأنه عبث منهي عنه.
وينعزل القاضي بنفسه بأحد ثلاثة أسباب:
١ - الردة بخروجه عن الإسلام؛ لأنه يكون كافراً.
стр. 3059
٢ - الفسق وهو من يخل بأحكام الشريعة والآداب العامة.
٣ - زوال الأهلية بجنون أو إغماء أو تخريف ونحو ذلك.
- حكم الشفاعة:
الشفاعة قسمان:
١ - الشفاعة الحسنة:
وهي الشفاعة والتوسط للناس ابتغاء مرضاة الله في جلب نفع لهم، أو دفع ضر عنهم، في غير معصية الله، ولا حد من حدود الله، ولا إبطال حق، ولا إحقاق باطل.
فهذه الشفاعة حسنة محمودة مندوب إليها، وفيها أجر عظيم.
ومن أمثلة الشفاعة الحسنة:
التوسط لقضاء حاجات الناس، وتفريج كربات المحتاجين، وقضاء حاجات الضعفاء والعاجزين، والتوسط في تخفيف الدين عن المدينين أو إسقاطه أو قضائه، والتوسط في فعل الخير.
١ - قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ ... [النساء: ٨٥].
٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلتُؤْجَرُوا، وَليَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ». متفق عليه (١).
٢ - الشفاعة السيئة:
стр. 3060
وهي محرمة كالشفاعة مقابل رشوة، أو السعي في إسقاط حد، أو السعي في الإثم والعدوان، أو السعي في إحقاق باطل أو إبطال حق، أو تقديم من لا يستحق التقديم، أو الوساطة التي تؤدي إلى تأخير مستحق أو حرمانه ونحو ذلك مما يضر بمصلحة المسلمين.
- حكم الحِيَل:
الحيل: هي التحول من حال إلى حال بطرق خفية.
والحيل تنقسم إلى قسمين:
١ - حيل محمودة: وهي ما استُعمل للوصول إلى غرض محمود، أو النجاة من الهلاك، كمن احتال لصيد الطير أو النجاة من العدو، أو احتال لدفع مفسدة عظيمة، أو احتال لتحصيل مصلحة جائزة ونحو ذلك.
٢ - حيل مذمومة: وهي ما استُعمل للوصول إلى غرض ممنوع شرعاً، كالحيل لإفساد البيع، أو إسقاط الميراث، أو إسقاط الحدود، أو إسقاط الحقوق، أو إسقاط الزكاة، أو تحليل ما حرم الله ونحو ذلك.
وهذه الحيل كلها محرمة، بل هي من كبائر الذنوب.
- حكم التورية:
التورية: أن يأتي الإنسان بكلام يحتمل معنيين، ويقصد المعنى الخفي.
والتورية جائزة؛ للمصلحة والحاجة كأن يسألك العدو: من أين أنت؟ فتقول: من ماء، وتقصد أنك مخلوق من ماء، وهو يظن أنك من موضع يقال له ماء ونحو ذلك.
ولا ينبغي الإكثار منها؛ لئلا يظن الناس به الكذب والاحتيال.
стр. 3061
٥ - صفة الدعوى
- الدعوى: هي طلب المدعي من القاضي حقاً عند غيره بقول أو كتابة.
- البينة: هي كل ما يُبِيْن الحق من شهود، أو يمين، أو قرائن الأحوال ونحوها.
- أركان الدعوى:
أركان الدعوى ثلاثة:
الأول: المدعي: وهو الذي يطالِب بالحق.
الثاني: المدعى عليه: وهو المطالَب بالحق.
الثالث: المدعى به: وهو الشيء أو الحق المطالَب به.
فالمدعي إذا سكت عن المطالبة بالحق تُرك، والمدعى عليه إذا سكت لم يُترك.
والمدعي هو الذي يُكلَّف بإقامة الدليل والبينة على صدق دعواه؛ لأن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته.
- شروط صحة الدعوى:
يشترط لصحة الدعوى ما يلي:
١ - أن يكون كلٌّ من المدعي والمدعى عليه جائز التصرف، وهو الحر البالغ العاقل الرشيد؛ لأن الدعوى يترتب عليها حكم شرعي، فلم تصح من غير جائز التصرف.
٢ - أن يبيِّن المدعي دعواه بالتفصيل أمام القاضي، ويحررها ذاكراً جنسها
стр. 3062
وقَدْرها وصنفها وكل ما يميزها؛ لأن الحكم مرتَّب عليها.
٣ - أن تكون معلومة المدعى به، وأن يصرح المدعي بطلب الحق أو العين.
٤ - أن يكون المدعى به حالاًّ إن كان ديناً.
٥ - أن يكون المدعى عليه معلوماً، حاضراً، أو غائباً، أو ميتاً.
- إقامة الدعوى:
تقام الدعوى في بلد المدعى عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
فإذا ماطل المدعى عليه، أو هرب، أو تأخر عن الحضور، من غير عذر، ألزمه القاضي بالحضور وأدبه.
- إثبات الدعوى:
لا تثبت دعوى أحد على غيره إلا بدليل يستبين به الحق ويظهر، ويحرم على الإنسان أن يدعي ما ليس له.
١ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لاَدّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنّ اليَمِينَ عَلَى المُدّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنِ الأَشْعَث بْن قَيْسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أرْضٌ بِاليَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «هَل لَكَ بَيِّنَةٌ؟». فَقُلتُ: لا، قال: «فَيَمِينُهُ». قُلتُ: إذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
متفق
стр. 3063
عليه (١).
- أحوال المدعى به:
إذا ادعى المدعي والمدعى عليه عيناً فلا تخلو من ست حالات:
الأولى: إن كانت العين في يد أحدهما فهي له مع يمينه إن لم يكن للخصم بينة، فإن أقام كلٌّ منهما بينة فهي لمن هي في يده مع يمينه.
الثانية: أن تكون العين في يديهما ولا بينة، فيتحالفان وتقسم بينهما.
الثالثة: أن تكون العين بيد غيرهما ولا بينة لهما، فيقترعان عليها، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها.
الرابعة: ألا تكون العين بيد أحد، ولا بينة لأحدهما، فيتحالفان ويتناصفاها.
الخامسة: أن يكون لكل واحد بينة، وليست في يد واحد منهما، فهي بينهما على السوية.
السادسة: إذا تنازعا دابة أو سيارة، وأحدهما راكب عليها، والآخر آخذ بزمامها، فهي للراكب بيمينه إن لم تكن بينة.
- حكم كتاب القاضي إلى القاضي:
يُقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق لآدمي في الأموال كالبيع، والإجارة، والوصية ونحوها عند الحاجة.
وفي الحقوق كالنكاح، والطلاق، والجنايات، والقصاص ونحوها.
ولا ينبغي أن يكتب القاضي إلى القاضي في الحدود الواجبة لله كحد الزنا، والسكر ونحوهما؛ لأنها مبنية على الستر، والدرء بالشبهات.
стр. 3064
٦ - صفة الحكم
- أقسام الناس في التهم:
الناس في التهم ثلاثة أصناف:
١ - أن يكون المتَّهَم معروفاً عند الناس بالدين والورع.
فهذا لا يحبس ولا يضرب، ويؤدب من يتهمه.
٢ - أن يكون المتَّهَم مجهول الحال.
فهذا يحبس حتى تنكشف حاله، حفظاً للحقوق.
٣ - أن يكون المتَّهَم معروفاً بالفجور والإجرام، ومثله يقع في الاتهام.
فهذا يُحبس ويُمتحن بالضرب إذا قامت القرائن حتى يقر؛ حفظاً لحقوق العباد.
- صفة الحكم:
١ - إذا حضر عند القاضي خصمان قال: أيكما المدعي؟
وللقاضي أن يسكت حتى يبدأ أحدهما، فمن سبق بالدعوى قدَّمه، فإن أقر له خصمه حكم له عليه، وإن أنكر الخصم قال القاضي للمدعي: إن كان لك بينة فأحضرها، فإن أحضرها سمعها وحكم بموجبها، ولا يحكم القاضي بعلمه إلا في حالات خاصة ستأتي إن شاء الله.
٢ - إذا قال المدعي ليس لي بينة أَعْلمه القاضي أن له اليمين على خصمه، فإن طلب المدعي إحلاف خصمه أحلفه القاضي، وخلى سبيله.
٣ - إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، وأبى أن يحلف، قضى عليه بالنكول وهو
стр. 3065
الامتناع والسكوت؛ لأنه قرينة ظاهرة على صدق المدعي.
وللقاضي أن يرد اليمين على المدعي إذا امتنع عنها المدعى عليه، لا سيما إذا قوي جانب المدعي، فإذا حلف قضى له.
٤ - إذا حلف المنكِر، وخلى القاضي سبيله، ثم أحضر المدعي بينة، حكم بها القاضي؛ لأن يمين المنكِر مزيلة للخصومة، لا مزيلة للحق.
ولا يُنقض حكم القاضي إلا إذا خالف الكتاب أو السنة أو إجماعاً قطعياً.
- حكم وعظ الخصوم قبل الحكم:
يستحب للقاضي ترغيب الخصوم في الصلح والعفو.
ويستحب له كذلك وعظهم قبل الحكم، وبيان أن حكم القاضي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». متفق عليه (١).
- متى يقضي القاضي بعلمه:
لا يقضي القاضي بعلمه في القضية؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته، بل يقضي على نحو ما يسمع من البينات.
стр. 3066
ويجوز للقاضي أن يقضي بعلمه إذا لم يخف الظنون والتهمة، أو يكون الأمر قد تواتر عنده وعند غيره، وتواترت به الأخبار، واشترك في العلم به هو وغيره كزواج فلان أو وفاته، أو احتراق دار فلان ونحو ذلك مما يشتهر عادة.
- حكم القضاء على الغائب:
يجوز للمدعي أن يدعي على الغائب الذي لا وكيل له.
ويجوز للقاضي أن يحكم عليه إذا ثبتت الدعوى؛ لأن الامتناع من القضاء عليه فيه إضاعة للحقوق، وتفويت للمصالح.
فإن حضر فحجته قائمة، ويُعمل بها ولو أدى إلى نقض الحكم الأول؛ لأن الحكم يزيل الخصومة، ولا يفوِّت الحق.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ، امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ، عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لاَ يُعْطِينِي مِنَ النّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلاّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلمِهِ، فَهَل عَلَيّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ، مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ». متفق عليه (١).
- حكم التناقض:
ينقسم التناقض إلى قسمين:
١ - تناقض الشهود:
فإذا أدى الشهود الشهادة ثم رجعوا عنها، أو تناقضوا فيها:
стр. 3067
فإن كان ذلك قبل حكم القاضي تكون شهادتهم لاغية ويعزرون، وإن رجعوا عن الشهادة بعد الحكم فلا يُنقض الحكم، ويضمن الشهود ما يترتب على الحكم من ضرر؛ لأن شهادتهم شهادة زور.
٢ - تناقض المدعي:
إذا سبق من المدعي كلام مناقض لدعواه بطلت الدعوى، كأن يقر بمال لغيره، ثم يدعي أنه له، فهذا الادعاء مبطل لدعواه، ومانع من قبولها.
- حكم نقض بينة المدعي:
يحق للمدعى عليه أن يقدِّم بينة يُثبت بها براءة ذمته، ويَدفع بها دعوى المدعي.
فإن لم تكن له بينة جاز له أن يقدِّم بينة تشهد بالطعن في عدالة الشهود، وتجرح بينة المدعي.
- حكم الإكراه:
الإكراه: هو حمل الغير على ما يكره بالقوة والتهديد.
وينقسم الإكراه إلى قسمين:
١ - إكراه على الكلام:
وهذا الإكراه لا يجب به شيء؛ لأن المكرَه غير مكلف، فإذا نطق بكلمة الكفر فإنه لا يؤاخذ، وإذا أقر بشيء فإنه لا يؤخذ بإقراره، وإذا عقَد عَقْد بيع أو زواج أو طلّق فإنه لا ينعقد.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ
стр. 3068
عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ ... [النحل: ١٠٦].
٢ - إكراه على الفعل:
الإكراه على الفعل قسمان:
١ - إكراه تبيحه الضرورة:
كالإكراه على أكل الميتة، أو شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير ونحو ذلك كالإكراه على الإفطار في رمضان، أو السجود لصنم، أو أكل مال الغير.
فهذا إذا لم يكن له خلاص إلا به، ولا ضرر فيه على أحد، فله فعله ولا إثم عليه مادام مكرهاً عليه، وهو كاره له.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
٢ - إكراه لا تبيحه الضرورة:
كالإكراه على القتل، والضرب، وإفساد المال، والزنا ونحوه.
فهذا لا يجوز له الإقدام على قتل غيره ولا انتهاك حرمته، ويصبر على البلاء، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره.
- حكم الحبس:
الحبس أو السجن جائز عند الحاجة والضرورة؛ لحفظ حقوق الناس، وحمايتهم من المجرمين، وحفظ الجناة المنتهكين للمحارم، ومنعهم من الإضرار بالناس.
ولا يجوز للإمام أن يحبس أحداً إلا بحق، وإذا حبسه بحق وجب عليه المسارعة بالنظر في أمره:
стр. 3069
فإن كان مذنباً أُخذ بذنبه، وإن كان بريئاً أُطلق سراحه، ويحرم ضرب المتهم إلا إذا قامت القرائن على فجوره، فيُضرب ليقر بما فعل.
- أنواع الحبس:
الحبس نوعان:
حبس عقوبة .. وحبس استظهار.
فالعقوبة تكون في كل واجب من الحقوق مَنَعه.
والاستظهار ليستكشف به عما وراءه.
وينبغي أن يكون السجن واسعاً، وأن يعطى كل واحد من المساجين كفايته من الطعام واللباس، ويحرم إذلال السجين وإهانته بقول أو فعل؛ لما فيه من إهدار كرامته.
ومنع السجين ما يحتاج إليه من الطعام واللباس ونحوها من الحقوق جَور يعاقِب الله عليه مَنْ فَعَله حتى ولو كان حيواناً.
١ - عَنْ عَبْداللهِ بنِ عُمَر ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «عُذّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرّةٍ سَجَنَتْهَا حَتّىَ مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الاَْرْضِ». متفق عليه (١).
٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: مَرَّ هِشَام بْن حَكِيم بْنِ حِزَام بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الخَرَاجِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا». أخرجه مسلم (٢).
стр. 3070
- حكم حبس المدين:
إذا ثبت الدين على أحد فله ثلاث حالات:
١ - أن يكون المدين معسراً أو معدماً لا مال له.
فهذا لا يحكم القاضي بحبسه؛ لأن حبسه ظلم لا فائدة منه، وإنما يُترك ليسعى في الأرض ويكتسب؛ ليتمكن من سداد الدين أو بعضه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ ... [البقرة: ٢٨٠].
٢ - أن يكون مشكوكاً في أمر المدين، هل هو موسر أم معسر.
فهذا يحبسه القاضي لاختباره، بطلب غرمائه، ويفرج عنه إذا تبين عسره، أو سدد ما عليه.
٣ - إذا ثبت يسار المدين، وامتنع عن وفاء الدين أو تأخر.
فهذا يأمره القاضي بأداء الدين أو الحق المستحق عليه لصاحبه، فإن أعطاه صاحبه خلى سبيله، وإن امتنع جاز حبسه مدة بحسب المصلحة حتى يسدد ما عليه؛ لأنه مماطل.
وإذا لم يفلح الحبس في دفعه إلى الوفاء بدينه حَجَر عليه القاضي، ويباع ماله جبراً، ثم يُقسم بين غرمائه.
عَنْ الشَّرِيدِ ﵁ عَنْ أَبيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». أخرجه أبو داود والنسائي (١).
стр. 3071
٧ - طرق إثبات الدعوى
تثبت الدعوى بواحد مما يلي:
الإقرار ... الشهادة ... اليمين.
١ - الإقرار
- الإقرار: هو إظهار مكلف مختار ما وجب عليه.
والإقرار سيد الأدلة، ويسمى بالشهادة على النفس.
وهو حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غير متهم بالإقرار على نفسه كاذباً، وهو من أقوى الأدلة لإثبات دعوى المدعي عليه.
- حكم الإقرار:
الإقرار هو الاعتراف بالحق، والحكم به واجب، إذا كان المقر مكلفاً مختاراً.
والإقرار حجة قاصرة لا تتعدى غير المقر، فلو أقر على غيره لم يُقبل، بخلاف البينة فإنها حجة متعدية إلى الغير، والإقرار لا يلزم إلا من أقر، ويحكم به القاضي في الدماء، والحدود، والأموال، والحقوق.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ ... [النساء: ١٣٥].
стр. 3072
٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّ رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ أتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أعْرَضَ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: «هَل بِكَ جُنُونٌ؟ هَل أحْصَنْتَ». قال: نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ أنْ يُرْجَمَ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أُدْرِكَ بِالحَرَّةِ فَقُتِلَ. متفق عليه (١).
- شروط صحة الإقرار:
يصح الإقرار من كل بالغ، عاقل، مختار، جائز التصرف.
فلا يصح إقرار الصغير، والمجنون، والمكره، والمحجور عليه، ولا يصح الإقرار بما يحيله العقل أو العادة؛ لأنه كذب، ولا يحل الحكم بالكذب.
- أحوال الإقرار:
إقرار الإنسان على نفسه له حالتان:
١ - إقرار واجب: وهو إذا كان في ذمة الإنسان حق لله كالزكاة ونحوها، أو حق لآدمي كالدَّين ونحوه.
٢ - إقرار جائز: وهو إذا كان على المكلف حد من حدود الله تعالى كالزنا والسرقة ونحوهما، والستر على نفسه والتوبة من ذلك أولى.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحّىَ تِلقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ، فَلَمّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ الله
стр. 3073
- ﷺ . فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لاَ. قَالَ: «هَل أَحْصَنْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». متفق عليه (١).
- حكم الرجوع عن الإقرار:
إذا صح الإقرار وثبت:
فإن كان متعلقاً بحق من حقوق الآدميين فلا يجوز الرجوع عنه، ولا يُقبل منه.
وإن كان متعلقاً بحق من حقوق الله كحد الزنا، أو الخمر، أو السرقة ونحوها، فإنه يجوز الرجوع عنه؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات، وحقوق الله مبنية على التسامح والعفو.
- حكم الإقرار بالدين:
١ - إذا أقر الإنسان لأحد ورثته بدين، فإن كان في مرض موته فلا يصح الإقرار إلا إذا صدَّقه باقي الورثة؛ لاحتمال حرمان باقي الورثة، وإن كان الإقرار في حال الصحة جاز.
٢ - إذا أقر الإنسان في مرض موته لأجنبي فإقراره صحيح، سواء أقر بدين أو عين.
стр. 3074
٢ - الشهادة
- الشهادة: هي الإخبار بما علمه الإنسان بلفظ أشهد، أو رأيت، أو سمعت ونحو ذلك.
- حكم الشهادة:
الشهادة مشروعة لإثبات الحقوق وحفظها.
وتحمُّلها وأداؤها عبادة يؤجر عليها الشاهد؛ لما يضمنه من بيان الحق، وحفظ الحقوق.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢].
٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشّهَدَاءِ؛ الّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا». أخرجه مسلم (١).
- شروط من تُقبل شهادته:
يشترط فيمن تُقبل شهادته ما يلي:
١ - أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا تقبل شهادة الصبيان إلا فيما بينهم.
стр. 3075
٢ - الكلام، فلا تقبل شهادة الأخرس إلا إذا أداها بخطه.
٣ - الإسلام، فلا تجوز شهادة الكافر على المسلم إلا في الوصية أثناء السفر إذا لم يوجد مسلم.
٤ - الحفظ، فلا تقبل الشهادة من مغفل.
٥ - عدم التهمة، فلا تقبل شهادة من يجلب إلى المشهود له نفعاً، أو يدفع عنه ضرراً، أو يجلب تهمةمن زوج، أو والد، أو ولد، أو شريك.
٦ - العدالة، والعدالة في كل زمان ومكان بحسبها، ويُعتبر لها شرطان:
١ - الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض، واجتناب الكبائر.
٢ - المروءة، وهي فعل ما يجمِّله كالكرم وحسن الخلق ونحوهما، واجتناب ما يدنِّسه من الرذائل والشعوذة ونحوهما.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ... [البقرة: ٢٨٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ ... [النور: ٤].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
- حكم أداء الشهادة:
١ - تحمل الشهادة فرض كفاية إذا كانت في حقوق الآدميين، وأداؤها فرض عين
стр. 3076
على من تحمَّلها إن كانت في حقوق الآدميين، وخيف ضياع الحق بعدم أدائها، ولم يحصل بها ضرر للشهود.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢].
٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشّهَدَاءِ؛ الّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا». أخرجه مسلم (١).
٢ - أداء الشهادة مباح إذا كان في حق الله تعالى كالحدود من زنا، أو سرقة ونحوهما، وتركها أفضل وأولى؛ لاستحباب الستر على المسلم.
فإن كان الجاني مجاهراً بالفسق، معروفاً بالفساد، فأداؤها أفضل؛ لقطع دابر الفساد والمفسدين.
عَنْ عَبْداللهِ بْن عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ ن وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». متفق عليه (٢).
٣ - لا يجوز لأحد أن يشهد على شيء إلا بعلم، والعلم يحصل بالرؤية، أو السماع، أو الاستفاضة وهي الشهرة كزواج أحد أو موته ونحو ذلك.
стр. 3077
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦].
- أحوال البينة:
١ - البينة هي الشهادة، وهي تارة تكون بشاهدين، وتارة بشهادة رجل وامرأتين، وتارة بثلاثة شهداء، وتارة بأربعة شهداء، وتارة بشاهد ويمين المدعي.
٢ - يشترط في الشهادة عدالة البينة، ويحكم القاضي بموجبها، وإن علم خلاف ما شهدت به لم يجز له الحكم بها، ومن جُهلت عدالته يُسأل عنه.
وإن جرح الخصمُ الشهود كُلِّف البينة، وأُنظر مدة حسب الحال، فإن لم يأت ببينة حكم عليه القاضي.
٣ - إذا جهل القاضي حال البينة طلب من المدعي تزكيتهم بشاهدين عدلين.
- حكم قبول الشهادة على الشهادة:
تقبل الشهادة على الشهادة في كل شيء إلا في الحدود؛ لأنها مبنية على الستر.
فإذا تعذرت شهادة الأصل بموت، أو مرض، أو غَيبة، قَبِل الحاكم والقاضي شهادة الفرع إذا أنابه بقوله: اشهد على شهادتي ونحوه.
- موانع الشهادة:
الموانع التي تمنع من قبول الشهادة هي:
١ - قرابة الولادة: وهم الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا.
فلا تقبل شهادة بعضهم لبعض؛ للتهمة بقوة القرابة، وتُقبل عليهم، وأما بقية القرابة كالإخوة والأعمام ونحوهم فتقبل لهم وعليهم.
стр. 3078
٢ - الزوجية: فلا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر؛ للتهمة، وتُقبل عليه.
٣ - من يجر إلى نفسه نفعاً كشهادته لشريكه، أو رفيقه ونحوهما.
٤ - من يدفع عن نفسه ضرراً بتلك الشهادة.
٥ - العداوة الدنيوية، فلا تقبل شهادته على من يضمر له عداوة وبغضاء؛ لوجود العداوة والتهمة.
٦ - من شهد عند القاضي ثم ردت شهادته لخيانة ونحوها.
٧ - العصبية، فلا تقبل شهادة من عُرف بالعصبية على غيره؛ للتهمة.
٨ - المملوك والخادم، فلا تقبل شهادة المملوك لسيده، ولا الخادم لمن استخدمه؛ لوجود التهمة.
- أقسام الشهود:
ينقسم الشهود بالنسبة للمشهود به إلى قسمين:
الأول: الشهادة في حقوق الله تعالى، وهي ثلاثة أقسام:
١ - ما لا يُقبل فيه أقل من أربعة شهود عدول من الرجال، وهو الزنا.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].
٢ - ما يُقبل فيه اثنان من الرجال العدول، وهو كل ما سوى الزنا من الحدود.
٣ - ما يُقبل فيه شاهد واحد، وهو هلال دخول رمضان أو غيره.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الهِلاَلَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ
ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بصِيَامِهِ. أخرجه أبو داود (١).
стр. 3079
الثاني: الشهادة في حقوق الآدميين، وهي أربعة أقسام:
١ - إذا ادعى من عُرف بالغنى أنه فقير ليأخذ من الزكاة.
فهذا لا بد أن يأتي بثلاثة رجال عدول يشهدون بِصِدقه ليعطى.
عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الهِلالِيِّ ﵁ قالَ: تَحَمَّلتُ حَمَالَةً، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أسْألُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا». قال: ثُمَّ قال: «يَا قَبِيصَةُ! إِنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ (أوْ قال سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ). وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ (أوْ قال سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ) فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْألَةِ، يَا قَبِيصَةُ! سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». أخرجه مسلم (١).
٢ - ما لا يُقبل فيه إلا شهادة رجلين عدلين، وهو كل ما لا يُقصد منه المال، ويطلع عليه الرجال غالباً، كالقصاص والتعزير ونحوهما.
٣ - ما يقبل فيه شهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين المدعي، وهو كل ما كان القصد منه المال كالبيع، والإجارة، والرهن ونحو ذلك، والحقوق كالنكاح، والطلاق، والرجعة ونحو ذلك من كل ما سوى القصاص والحدود.
ويقبل في الأموال خاصة رجل ويمين المدعي إذا تعذر إتمام الشهود.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
стр. 3080
وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢].
٣ - وَعَنِ الأشْعَثِ بْنِ قَيسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ». متفق عليه (١).
٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. أخرجه مسلم (٢).
٤ - ما يقبل فيه شهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، ويجوز مع اليمين من رجل عدل أو امرأة عدل، وهو كل ما لا يطلع عليه الرجال غالباً كالحيض، والرضاع، والولادة ونحو ذلك.
- حكم الرجوع عن الشهادة:
الرجوع عن الشهادة أن يقول الشاهد: رجعت عما شهدت به.
ولا يصح الرجوع إلا في مجلس القضاء؛ لأنه فَسْخ للشهادة، وإثبات الشهادة وفسخها لا يكون إلا في المحكمة.
ولا يصح الرجوع عن الشهادة بعد صدور الحكم من القاضي، وإذا رجعوا
لم ينتقض الحكم، ويلزمهم ضمان المال أو التلف الذي تسببوا في إلحاقه بالمشهود عليه من مال، أو دية، أو قذف، ويعزرهم القاضي بما يؤدبهم.
وإن رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم ألغي، فلا حكم ولا ضمان، لكن
стр. 3081
إن رجعوا عن شهادة في زنا حُدُّوا حد القذف.
- حكم شهادة غير المسلمين:
شهادة غير المسلمين لها حالتان:
الأولى: شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض.
فتقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].
الثانية: شهادة غير المسلمين على المسلمين.
فهذه لا تقبل فيها شهادة الكفار على المسلمين إلا عند الضرورة، إذا لم يوجد غيرهم، حضراً وسفراً.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة: ١٠٦].
- حكم شهادة الزور:
شهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب.
فهي سبب في أكل أموال الناس بالباطل، وسبب لإضاعة الحقوق، وسبب
لإضلال الحكام والقضاة ليحكموا بغير الحق، فيجب اجتنابها.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠].
стр. 3082
٢ - وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ألا أنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ». ثَلاثًا، قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ -وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقال- ألا وَقَوْلُ الزُّورِ». قال: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. متفق عليه (١).
- عقوبة شاهد الزور:
إذا أقر الإنسان أنه شهد زوراً عند القاضي فهو فاسق ترد شهادته.
وللإمام تعزيره بما يردعه بالضرب، أو الحبس، أو التوبيخ، أو يشهِّر به في الأسواق أو بين قومه، ليعرفه الناس ويحذروه.
يفعل القاضي ما يحقق المصلحة، بحسب الناس، وحجم القضية.
وشاهد الزور إذا مات ولم يتب فيعذب في النار بقدر جرمه وكذبه.
عَنْ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقاً، وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّاباً». متفق عليه (٢).
- حكم الرشوة:
الرشوة: هي ما يعطيه الإنسان لحاكم أو غيره ليحكم له، أو يقدمه على غيره، أو يعطيه حق غيره.
والرشوة حرام، سواء كانت للحاكم، أو المسؤول، أو العامل، أو غيرهم.
٣ - اليمين
- اليمين: هي الحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته.
- حكم اليمين:
١ - تشرع اليمين في دعوى حقوق الآدميين خاصة، فهي التي يُستحلف فيها.
أما حقوق الله تعالى كالعبادات والحدود فلا يُستحلف فيها، فلا يُستحلف إذا قال دفعت زكاة مالي، أو صليت ونحوهما.
ولا يستحلف منكر لحد من حدود الله كالزنا وشرب الخمر؛ لأنه يستحب سترها، والتعريض بالرجوع عنها.
٢ - إذا عجز المدعي بحق على آخر عن البينة، وأنكر المدعى عليه، فليس له إلا يمين المدعى عليه، وهذا خاص في الأموال والحقوق، ولا يجوز في دعوى القصاص والحدود.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لاَدّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنّ اليَمِينَ عَلَى المُدّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١).
٣ - وَعَنِ الأشْعَثِ بْنِ قَيسٍ ﵁ قالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ
стр. 3085
فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ». متفق عليه (١).
- حقيقة اليمين:
النية في اليمين لها حالتان:
الأولى: اليمين الموجهة من القاضي لفصل الخصومة والنزاع تكون على نية المستحلِف وهو القاضي، فلا يصح فيها التورية أو الاستثناء.
الثانية: إذا حلف الإنسان باختياره، أو طلبها شخص منه دون أن يكون له عليه حق اليمين، فهذه تكون على نية الحالف في كل الأحوال، ويجوز للحالف التورية في يمينه، وله نيته.
١ - عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (٢).
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ». أخرجه مسلم (٣).
- صيغة اليمين:
صيغة اليمين أن يقول الحالف:
والله، أو وبالله، أو تالله، أو ورب العالمين، أو والحي الذي لا يموت ونحو ذلك من أسماء الله ، وهي التي يُحلف بها غالباً.
أو يحلف بصفة من صفات الله فيقول الحالف:
وعظمة الله، أو وعزة الله، أو ورحمة الله، أو وقدرة الله، أو وكبريائه، أو