← Фикх общий

Фикх общий · id 37532

موسوعة الفقه الإسلامي - التويجري

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 370 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

«نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلدَتِنَا، وَيَتَكَلّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا» قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا تَرَى إنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإمَامَهُمْ» فَقُلتُ: فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِل تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ». متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيّةً، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلاَ يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلاَ يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنّي وَلَسْتُ مِنْهُ». أخرجه مسلم (٢). ٩ - الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا: عَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِىءَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لاَ، مَا صَلّوْا». أخرجه مسلم (٣). ١٠ - عدم الخروج عليهم، وعدم كشف عوراتهم أمام الناس، بل يناصحهم سراً، ولا يجوز التشهير بهم على المنابر وفي الصحف ونحوها؛ لما في ذلك من الفتنة: ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].

стр. 3152

٢ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، عَلَىَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ». أخرجه مسلم (١). ١١ - البقاء في الحكم مدة صلاحيته للإمامة حتى ينتهي أجله، أو يفقد قدرته وطاقته، ليأمن المِلَق والنفاق: كما بقي رسول اللهِ ﷺ إلى أن مات، وبقي خلفاؤه الراشدون ﵃ إلى أن ماتوا. - عقوبة طاعة الخلفاء في المعصية: إذا أطاع الناس حكامهم فيما يبتدعون لهم من البدع، أو فيما يأمرونهم به من المعاصي، خوفاً على ذهاب دنياهم ومصالحهم، أخرج الله من قلوبهم الإيمان، وأسكنها الرعب، وأورثهم الفقر وشدة الأحوال. فإن تابوا ورجعوا إلى ربهم بدَّل الله أحوالهم أمناً وإيماناً، وطمأنينة وسعادة وغنى. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ [الطلاق: ٨ - ٩]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ ... [الأنعام: ٥٤]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ

стр. 3153

الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ ... [آل عمران: ٣٢]. - حكم هجر الإمام أهل المعاصي: الإمام مسؤول عن رعيته، وله تأديبهم بما يُصلحهم، وذلك يختلف باختلاف المعاصي والمعصية، وباختلاف الإيمان والعلم، والجهل والنسيان والإصرار. عَنْ عَبْدَاللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قال: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قال: لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَذَكَرَ حَدِيثَهُ، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنَا، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَآذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا. متفق عليه (١). - حكم ذي الوجهين: لا يجوز لأحد أن يثني على الحاكم في مجلسه، وإذا خرج سبه، فهذا نفاق، وشر الناس ذو الوجهين. ١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه (٢). ٢ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ أُنَاسٌ لابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلطَانِنَا، فَنَقُولُ لَهُمْ خِلافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ، قال: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا. أخرجه البخاري (٣).

стр. 3154

٨ - نظام الحكم في الإسلام - أقسام الخلفاء في الحكم: ينقسم الخلفاء إلى ثلاثة أقسام: الأول: الإمام العادل المقسط: فهذا تجب طاعته، ويحرم الخروج عليه. الثاني: الحاكم الكافر والمرتد: فهذا يجب الخروج عليه، ومنابذته، وعزله؛ لأنه لا ولاية لكافر على المسلمين. الثالث: الإمام الفاسق، فهذا له حالتان: ١ - إن تعدى فسقه إلى غيره، ونَشَر الفساد في الأمة، ودعا إليه، فهذا يجب عزله، وتولية من هو أصلح للمؤمنين منه. ٢ - إن اقتصر فسقه على نفسه، وغلب على الظن حصول الفتنة بالخروج عليه، فهذا لا يجوز الخروج عليه؛ دفعاً للفتنة وإيغار الصدور. - سياسة الإمام العادل: السياسة: هي سلوك كل ما يصلح به الخلق في الدين والدنيا. والسياسة إما داخلية ... وإما خارجية. فالداخلية: أن يَسُوس الإمام رعيته بالعدل، وعدم الجور، أما السياسة الخارجية: فهي معاملة غير المسلمين. وللإمام العادل مع غير المسلمين أربع مقامات: المعاهدون .. المستأمنون .. الذميون .. الحربيون. ١ - المعاهدون: الذين عُقد بيننا وبينهم عهد ألا يعتدوا علينا ولا نعتدي عليهم.

стр. 3155

فهؤلاء إن استقاموا على العهد وجب علينا أن نستقيم لهم، وإن خانوا ونقضوا العهد انتقض عهدهم وصاروا حربيين، وإن لم ينقضوا العهد، ولكن صرنا لا نأمنهم، فهؤلاء نَنبذ إليهم عهدهم. ٢ - المستأمنون: الذين طلبوا الأمان على أنفسهم مدة معينة. فهؤلاء لا يجوز لأحد الاعتداء عليهم. ٣ - الذميون: وهم كل من التزم بدفع الجزية. وهؤلاء لا يجوز لأحد الاعتداء عليهم، وتوفَّى لهم حقوقهم. ٤ - الحربيون: وهم الكفار المحاربون للمسلمين. وهؤلاء يجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله بأن يسلموا، أو يدفعوا الجزية. أما سياسة الخليفة الداخلية فيخْلُف رسول اللهِ ﷺ في أربعة أمور: ١ - العلم، فيكون عالماً بشرع الله، فإن عجز اتخذ بطانة ذات علم بشرع الله، عالمة بأحوال العصر. ٢ - العبادة، بأن يكون قدوة صالحة في عمله، وعبادته، وأخلاقه؛ ليكون أسوة لغيره. ٣ - الدعوة، بأن يدعو إلى الله، ويكاتب ملوك الأرض ويدعوهم إلى الإسلام، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. ٤ - السياسة، بأن يسوس الناس بالعدل.

стр. 3156

- قواعد نظام الحكم في الإسلام: مبادئ نظام الحكم في الإسلام هي: ١ - الشورى: فيشاور الإمام بطانته وأهل مشورته في القضايا الدينية والدنيوية. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ... [الشورى: ٣٨]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ ... [آل عمران: ١٥٩]. ٢ - العدل بين الناس كلهم، مسلمهم وكافرهم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. ٣ - المساواة بين الناس في الحقوق: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ أسَامَةَ كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ فِي امْرَأةٍ، فقال: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الحَدَّ عَلَى الوَضِيعِ وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». متفق عليه (١). ٤ - حماية كرامة الإنسان: فلا يجوز إهدار كرامة أحد، ولا إباحة دمه إلا بحق، سواء كان مسلماً أم كافراً؛ لأن العقاب إصلاح وزجر، لا تنكيل وإهانة.

стр. 3157

١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. ٢ - وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ في حجة الوداع: «إنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وَأعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». متفق عليه (١). ٥ - الحرية الإنسانية: فالحرية ملازمة للكرامة الإنسانية، فلا إكراه في الدين، وقد رغَّب الإسلام في حرية الفكر والقول السديد، وحرية الرأي والنقد الهادف. ١ - قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. ٦ - رقابة الأمة للحاكم، ورقابة الحاكم للولاة والرعية: فالخليفة يخضع لرقابة الأمة التي ولَّته، فإن قادهم بكتاب الله وسنة رسوله وجبت طاعته، وإن زاغ خُلع ووُلِّي غيره، والإمام راع، ومسؤول عن رعيته. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ ... [الأنفال: ٢٧].

стр. 3158

- أقسام الولايات في الإسلام: تنقسم الولايات إلى أربعة أقسام: ١ - أهل الولايات العامة في الأعمال العامة، وهم الوزراء. ٢ - أهل الولايات العامة في الأعمال الخاصة، وهم أمراء المناطق؛ لأن ولايتهم عامة، لكن تخص بلدهم فقط. ٣ - أهل الولاية الخاصة في الأعمال العامة، كرئيس القضاة، أو رئيس جباة الصدقات ونحوهم. ٤ - أهل الولاية الخاصة في الأعمال الخاصة كقاضي بلد، أو جابي صدقاته. - وظائف الولاة: تنقسم وظائف الولاة إلى قسمين: الوزارة .. وإمارة الأقاليم. ١ - الوزارة: وتنقسم إلى قسمين: ١ - وزارة تفويض: وهي من يفوِّض الإمام إليه تدبير الأمور برأيه، وهي تشبه رئاسة الوزارة اليوم، وهي أعظم منصب بعد الخلافة؛ لما فيها من كبير الصلاحيات. ٢ - وزارة التنفيذ: وهي أقل مرتبة من وزارة التفويض؛ لأن الوزير ينفذ رأي الإمام وتدبيره، وهو وسط بينه وبين الرعية والولاة. ٢ - إماراة الأقاليم: وهو من يفوِّض إليه الإمام تدبير أمور بلدٍ ما في مملكته.

стр. 3159

٩ - حكم الخروج على الأئمة - حكم الخروج على الإمام العادل: لا يجوز لفرد أو جماعة الخروج على الإمام العادل، ومن خرج عليه وجب قتاله وقمعه، ورد شره وبغيه. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ ... [الحجرات: ٩]. ٢ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، عَلَىَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ». أخرجه مسلم (١). ٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». متفق عليه (٢). - حكم الخروج على الإمام الجائر: لا يجوز الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف، ما لم يصل بهم ظلمهم

стр. 3160

وجورهم إلى الكفر البواح، وترك الصلاة، أو قيادة الأمة بغير كتاب الله تعالى، إذا كان غالب الظن القدرة عليهم. ويجب على الأمة الصبر على ظلم الحكام والبغاة، وترك الخروج عليهم، إلى أن يستريح بَرّ، أو يُستراح من فاجر، وذلك خشية الفتنة، وإراقة الدماء، وتمزيق الشمل، فيناصَحُون ويوعظون، ويطاعون في غير معصية الله، ولا تنزع الطاعة لهم. ١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ رَأى مِنْ أمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ فَليَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يُفَارِقُ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». متفق عليه (١). ٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ». متفق عليه (٢). ٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «عَلَيْكَ السّمْعُ وَالطّاعَةُ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ». أخرجه مسلم (٣). ٤ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت ﵁ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَالمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالحَقّ أَيْنَمَا كُنّا، لاَ نَخَافُ فِي الله لَوْمَةَ

стр. 3161

لاَئِمٍ. متفق عليه (١). ٥ - وَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ﵁ أَنّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَلاَ بِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلتَ فُلاَناً؟ فَقَالَ: «إنّكُمْ سَتَلقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتّى تَلقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ». متفق عليه (٢). ٦ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيّ ﵁ قالَ: يَا نَبِيّ الله أَرَأَيْتَ إنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمّ سَأَلَهُ فِي الثّانِيَةِ أَوْ فِي الثّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمّلتُمْ». أخرجه مسلم (٣). ٧ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُحِبّونَهُمْ وَيُحِبّونَكُمْ، وَيُصَلّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلعَنُونَهُمْ وَيَلعَنُونَكُمْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسّيْفِ؟ فَقَالَ: «لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلاَةَ، وَإذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلاَتِكُمْ شَيْئاً تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلاَ تَنْزِعُوا يَداً مِنْ طَاعَةٍ». أخرجه مسلم (٤). ٨ - عَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النّبِيّ ﷺ ، عَنِ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ: «إنّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِىءَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لاَ،

стр. 3162

مَا صَلّوْا». أخرجه مسلم (١). - أنواع الخروج على الأئمة: الخروج على الحاكم له أحوال متفاوتة: فقد يكون الخروج بعدم الإقرار بإمامة الخليفة، وقد يكون بالتحذير منه، ومن طاعته، ومساعدته، والدخول عليه، وقد يكون بمنابذته ومقاتلته بالسيف. وهذا الأخير هو المراد، سواء كان الخارجون على الإمام خوارج، أو بغاة، أو قطاع طريق، أو أهل عدل خرجوا على إمام جائر لم يرتكب ما يوجب الخروج عليه. فلا يجوز الخروج على الإمام المسلم، سواء كان عادلاً، أو فاسقاً، أو جائراً، ما لم يرتكب كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان. عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ الله ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: «إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ». متفق عليه (٢).

стр. 3163

١٠ - انتهاء ولاية الحاكم - انتهاء ولاية الحاكم: تنتهي ولاية الحاكم بأحد ثلاثة أمور هي: ١ - موت الخليفة؛ لأن مدة استخلافه مؤقتة بمدة حياته. ٢ - خلع الخليفة نفسه، فلا يكرَه أحد على البقاء في منصبه، ويقوم خلعه لنفسه مقام موته. ٣ - عزله لتغيُّر حاله، والذي يَخرج به عن الإمامة شيئان: جرح في عدالته، ونقص في بدنه. فجرح العدالة بالفسق، وهو ارتكاب المحرمات، والإقدام على المنكرات، والانقياد للشهوات المحرمة. وأما نقص البدن فهو نقص الحواس كزوال العقل، والإغماء والشلل ونحو ذلك مما يؤثر على الرأي أو العمل. - أسباب عزل الخليفة: يُعزل الإمام إذا اتصف بإحدى الصفات التالية: الكفر والردة عن الإسلام .. وترك الصلاة .. وترك الدعوة إليها .. ترك الحكم بما أنزل الله .. نقص الكفاءة بعجز عقلي أو جسدي له تأثير على الرأي والعمل كزوال العقل، والشلل والصمم والخرس ونحو ذلك.

стр. 3164

- طريقة عزل الإمام العاجز أو المنحرف: لعزل الإمام عدة وسائل: الأولى: إما أن يعزل الإمام نفسه إذا أحس بعدم القدرة على القيام بأعباء الخلافة، وتصريف أمور الدولة. الثانية: أن يتقدم أهل الحل والعقد إلى الإمام الذي انحرف، وينذرونه مغبة انحرافه لعله يرجع. فإن أصر على انحرافه عزلوه بكل وسيلة ممكنة، بشرط ألا يترتب على ذلك مفسدة أكبر من المفسدة المرجو إزالتها. ولا يواجَه الإمام المنحرف بالسيف والقتال؛ لما يسببه ذلك من حصول الفتن، وسفك الدماء، واضطراب حبل الأمن.

стр. 3165

الباب الحادي والعشرون كتاب الدعوة إلى الله ويشتمل على ما يلي: ١ - كمال دين الإسلام. ٢ - حكمة خلق الإنسان. ٣ - حاجة البشرية إلى الإسلام. ٤ - عموم دين الإسلام. ٥ - أحكام الدعوة إلى الله. ٦ - أحكام الدعاة إلى الله. ٧ - أحكام المدعوين. ٨ - أصول من دعوة الأنبياء والرسل.

стр. 3166

١ - كمال دين الإسلام - السنن الكونية: الله ﷻ خلق الكون بقدرته، وسيَّره بسنته، وستر قدرته بسنته. فخلق سبحانه هذا الكون العظيم، وجعل لكل مخلوق فيه سنة يسير عليها، وبها يتحقق مراد الله منه بالسمع والطاعة والمنفعة. فالشمس لها سنة .. والقمر له سنة .. والليل له سنة .. والنهار له سنة .. والنبات له سنة .. والحيوان له سنة .. والرياح لها سنة .. والمياه لها سنة .. والبحار لها سنة .. والجبال لها سنة .. والكواكب لها سنة .. والسحب لها سنة .. وهكذا كل مخلوق له سنة من ربه يسير عليها، ويعبد الله بها، ولا تتبدل إلا بأمر الله وحده. ١ - قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٦ - ٤٠]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ ... [الحج: ١٨]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ

стр. 3167

بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. ٤ - وقال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الفتح: ٢٣]. - السنن الشرعية: خلق الله الإنسان بيده، وكرَّمه وفضَّله على كثير ممن خلق. والإنسان كذلك مخلوق من مخلوقات الله، وهو محتاج إلى سنة يسير عليها في جميع أحواله، ليسعد في الدنيا والآخرة. وهذه السنة هي الدين الذي أكرمه الله به، ورضيه له، ولا يقبل منه غيره. وجعل سبحانه سعادة الإنسان وشقاءه مرتبط بمدى تمسكه بهذا الدين أو إعراضه عنه، وجعله مختاراً في قبوله أو رده. ١ - قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ... [المائدة: ٣]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ... [الكهف: ٢٩]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. - فضل الله على البشرية: لما خلق الله الإنسان، سخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه، وأنزل عليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، وزوده بآلات العلم والمعرفة

стр. 3168

كالسمع والبصر والعقل، ليتشرف مختاراً بعبادة الله وحده لا شريك له. ١ - قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ ... [النحل: ٧٨]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. - أعظم النعم: امتن الله على عباده بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى. وأصول هذه النعم ثلاث هي: نعمة الإيجاد .. ونعمة الإمداد .. ونعمة الهداية. وأعظم هذه النعم وأجلها نعمة الإسلام الذي بعث الله به رسله على مر القرون، وختمهم ببعثة سيد المرسلين إلى الناس كافة. وكل رسول، وكل نبي، أرسله الله لبيان ثلاثة مقاصد: الأول: تعريف الناس بربهم وخالقهم ورازقهم ليعبدوه ويعظموه ويشكروه. الثاني: تعريف الناس بالطريق الموصل إلى ربهم وهو الدين. الثالث: تعريف الناس بما لهم بعد القدوم عليه، الجنة لمن آمن، والنار لمن كفر. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ

стр. 3169

كَفَّارٌ (٣٤)﴾ ... [إبراهيم: ٣٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. - كمال دين الإسلام: الإسلام هو الدين الذي أرسل الله به رسله إلى خلقه. والدين الذي أرسل الله به محمداً ﷺ إلى البشرية كلها هو الإسلام الكامل، الشامل؛ العام، الدائم، الصافي. فكماله؛ لأنه جمع بين الجلال والجمال، وجمعت أحكامه بين العدل والإحسان والتمام. وشموله؛ لأنه يحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. وعمومه؛ لأنه رحمة للعالمين، وللناس كافة. ودوامه؛ لأنه باقٍ إلى يوم القيامة. وصفاؤه؛ لأن الله تكفل بحفظه، فسلم من التغيير والتبديل، ومن الزيادة والنقصان. ١ - قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ... [المائدة: ٣]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ ... [فصلت: ٣٠ - ٣٢].

стр. 3170

٣ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ ... [آل عمران: ١٦٤]. ٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ ... [سبأ: ٢٨]. ٥ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ ... [الأنبياء: ١٠٧]. ٦ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ ... [الحجر: ٩]. - مظاهر الكمال في دين الإسلام: الإسلام دين كامل يغطي جميع جوانب الحياة، ويفي بجميع الحاجات: ١ - فهو الدين الحق الذي ينظم علاقة الإنسان مع ربه بعبادته وتوحيده، وتعظيمه، وطاعته، وشكره، والتوجه إليه في جميع أموره. ٢ - وهو الدين الذي يملأ القلب بالإيمان بالله، والحب له، والتوكل عليه، والخوف منه، والرجاء له، والاستعانة به، والافتقار إليه، والذل له. ٣ - وهو الدين الذي يفتح للعقل أبواب معرفة الله بأسمائه وصفاته، ومعرفة النفس البشرية، ومعرفة الدنيا والآخرة، ومعرفة أحكام الشريعة، والعمل بموجب ذلك. ٤ - والإسلام ينظم علاقة الإنسان مع رسل الله، ويدعو الإنسان للاقتداء بهم. وينظم علاقة الإنسان بأفضل رسل الله وسيدهم وآخرهم محمد ﷺ ، فيأمر الناس بمحبته، وطاعته، وتوقيره، واتباع سنته، وتصديق ما جاء به، والاقتداء به، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

стр. 3171

٥ - وينظم الإسلام علاقة الإنسان مع غيره من مسلم وكافر، وحاكم ومحكوم، وعالم وجاهل، وغني وفقير، وصديق وعدو، وقريب وبعيد، ويعطي على ذلك الأجر الجزيل. ٦ - وينظم الإسلام معاملات الإنسان المالية بكسب الحلال، وتجنب الحرام، وعدم الغش والخداع. ويدعو إلى السماحة في البيع والشراء، والإنفاق في وجوه البر والإحسان، وتحري الصدق، وتجنب الكذب والربا، ويبين كيفية توزيع الصدقات، وقسمة المواريث ونحوها. ٧ - وينظم الإسلام حياة الرجل والمرأة في حال السراء والضراء، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والحضر والسفر، والأمن والخوف. وينظم حياة الإنسان الزوجية بالعدل والإحسان، وحسن تربية الأولاد، وصيانة الأسرة من الفساد، وحسن معاشرة الزوج والزوجة، ويعطي على ذلك الثواب العظيم. ٨ - وينظم الإسلام سائر العلاقات على جسور متينة من أحسن الأخلاق كالحب في الله، والبغض في الله، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، وجميل الصفات، كالكرم والجود، والعفو والصفح، والحلم والحياء، والصدق والبر، والعدل والإحسان، والرحمة والشفقة، واللطف واللين ونحو ذلك، ويعطي على ذلك الأجر العظيم. ٩ - وينظم الإسلام طريقة الحياة بالأمر بكل خير، والنهي عن كل شر وفساد وظلم وطغيان، كالشرك بالله، والقتل بغير حق، والزنا، والكذب والكبر، والنفاق والخداع، والمكر والكيد، والعداوة والحسد، والغيبة والنميمة،

стр. 3172

والغصب والسرقة، والسحر والخمر، وأكل أموال الناس بالباطل ونحو ذلك من الفواحش والمحرمات والكبائر التي تفسد الفرد والمجتمع، ويعاقب على ذلك بما يرفع الظلم. ١٠ - وينظم الإسلام بعد ذلك كله حياة الإنسان في الآخرة، ويجعلها مبنية على حياته في الدنيا. فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة سعد في الدنيا، ودخل الجنة في الآخرة. ويجازي الله العباد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها. ١ - قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ ... [المائدة: ١٥ - ١٦]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ ... [النساء: ١٣ - ١٤].

стр. 3173

٢ - حكمة خلق الإنسان - حكمة خلق الكائنات: خلق الله هذا الكون العظيم ليدل به عباده على كمال علمه وقدرته وعظمته، وجعل كل شيء فيه يسبح بحمد ربه. وإذا عرف الإنسان ذلك، أقبل على عبادة ربه وحده لا شريك له، وحقق مراد الله منه بطاعته وطاعة رسله، وشارك المخلوقات الأخرى في كمال العبودية والطاعة. ١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ ... [الطلاق: ١٢]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ ... [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. - المراحل والدُّور التي يمر بها الإنسان: خلق الله الإنسان وجعله يمر بمراحل وأزمنة وأمكنة وأحوال ثم ينتهي بالقرار والخلود إما في الجنة أو النار. والمراحل والدُّور التي يمر بها الإنسان أربع: الأولى: بطن الأم: وهي أول مرحلة يمر بها الإنسان، وأول دار يسكنها، وإقامته فيها تسعة أشهر، هيأ الله العليم القدير له في هذه الدار المظلمة كل ما يحتاجه من

стр. 3174

الطعام والشراب، وما يناسبه من السكن والمأوى. وهو في هذه الدار غير مكلف بعمل؛ لعجزه وضعفه. والحكمة من وجوده في هذه الدار أمران: تكميل الأعضاء الداخلية .. وتكميل الأطراف الخارجية. ثم يخرج إلى الدنيا بعد اكتمال خلقه ظاهراً وباطناً. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. الثانية: دار الدنيا: وهذه الدار أوسع من بطن الأم، وهي بالنسبة إليها كالذرة بالنسبة للجبل، والإقامة فيها أكثر مدة من بطن الأم. وقد هيأ الله للإنسان في هذه الدار كل ما يحتاجه من النعم، وزوده بالعقل والسمع والبصر، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأمره بالإيمان به وطاعته، ونهاه عن الكفر والمعاصي، ووعد المؤمنين به الجنة، وتوعد الكفار بالنار. والحكمة من وجود الإنسان في هذه الدار أمران: تكميل الإيمان .. وتكميل الأعمال الصالحة. ثم يخرج الإنسان مع عمله من هذه الدار إلى الدار التي تليها. ١ - قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ

стр. 3175

نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ ... [لقمان: ٢٠]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ ... [البقرة: ٢١ - ٢٢]. الثالثة: دار البرزخ: دار البرزخ في القبر، والقبر أول منازل الآخرة. ويبقى الإنسان فيه حتى يكتمل موت الخلائق، وتقوم الساعة. وإقامة الإنسان فيه أكثر من إقامته في دار الدنيا، والأنس والبؤس فيه أوسع وأكمل من دار الدنيا، والجزاء فيه بحسب عمل الإنسان في الدنيا، فهو إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. يبدأ فيه الجزاء، ثم ينتقل منه إلى دار الخلود إما في الجنة أو النار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. الرابعة: الدار الآخرة: وفي هذه الدار تكون الإقامة المطلقة، وهي دار القرار. فمن أكمل في الدنيا ما يحب الله من الإيمان والأعمال والأخلاق، أكمل الله

стр. 3176

له يوم القيامة ما يحب من الخلود والنعيم، مما لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر. ومن اشتغل بما يسخط الله من الكفر والشرك والمعاصي فجزاؤه جهنم خالداً فيها. والداران الأُوليان من عالم الشهادة، والأُخريان من عالم الغيب، وكلٌّ حق، وكلٌّ سيراه الإنسان ويعلمه. وكلما خرج المؤمن من دار زهد فيما كان عليه أولاً، حتى يستقر في الجنة. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ ... [التوبة: ٧٢]. - كمال نعيم القلب: خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه على كثير من خلقه، وجعل لكل عضو من أعضائه كمالاً يسعد به. فجعل كمال العين بالإبصار، وكمال الأذن بالسمع، وكمال اللسان بالنطق .. وهكذا. وإذا عدمت هذه الأعضاء كمالها حصل لها الألم والنقص والقلق. وكذلك جعل الله كمال القلب ونعيمه وسروره ولذته وطمأنينته في معرفة

стр. 3177

ربه، ومحبته، وعبادته، والأنس به، والتوكل عليه، والاستعانة به، وطاعته، والعمل بما يرضيه. وإذا عدم القلب ذلك كان أشد عذاباً واضطراباً من العين التي فقدت النور، والأذن التي فقدت السمع. ومن جهل ربه وما يجب له، فهو في عذاب دائم؛ لأنه محروم مما يشتهي ويحب، فالقلب السليم يبصر الحق كما تبصر العين الشمس، ويتلذذ بالإيمان والعمل الصالح كما يلتذ الجسم بالطعام والشراب. وقد خلق الله الإنسان ليكون عبداً، وهو مخير: فإما أن يكون عبداً لله، أو يكون عبداً للشيطان. فالله يأمر بالإيمان والطاعات والخير، والشيطان يأمر بالكفر والمعاصي والشر. فمن وجد نفسه في الإيمان والطاعات فهو عبد لله. ومن وجد نفسه في الكفر والمعاصي فهو عبد للشيطان. ١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ ... [فاطر: ٦].

стр. 3178

- فقه العبادة والعبودية: العبادة جسد، والعبودية روح. والعبادة لها بداية ونهاية كالصلاة والصوم والحج ونحوها. والعبودية عمل قلبي لا ينفك عن العبد، شعور دائم أنك عبدٌ لله. وروح العبادة العبودية، وهي الافتقار الدائم لله. وروح الكفر الطغيان الاستغناء عن الله. والله يريد منا تكميل العبودية، وكمالها بأمرين: العبودية المطلقة .. والعبادة المشروعة. وتحصل الرغبة في طاعة الله بأربعة أشياء: اليقين على الله وأسمائه وصفاته .. واليقين على خزائنه .. واليقين على وعده .. واليقين على وعيده. فإذا جاء الشك في ذلك أو بعضه أحجمت النفس عن الطاعات، وأقبلت على المعاصي، وقعدت على موائد الشيطان. ١ - قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ ... [الأنعام: ١٠٢]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].

стр. 3179

٣ - حاجة البشرية إلى الإسلام - حاجة الخلق إلى الدين: حاجة الناس إلى الدين أعظم من حاجتهم للطعام والشراب، بل لا نسبة بينهما؛ لأنهم بدون الدين يخسرون الدنيا والآخرة، وبدون الطعام يخسرون الدنيا فقط. فالدين حياة، ونور، وهدى، وشفاء، وسعادة، وأمن، وفوز، وفلاح، ونجاة. والناس بدون الدين يكونون كالأنعام، والسباع، والشياطين. فالأنعام ترتع في شهواتها، ولا تبالي بغيرها. والسباع تفترس مَنْ دونها بلا رحمة. والشياطين ليس لها عمل إلا نشر الشر والفساد. ولرفع البشرية من هذه الدركات لا بد من الدعوة إلى الله، وبها يرتفع الناس إلى الأفق السامق الذي يحبه الله ويرضاه كما في حياة الأنبياء والرسل. ١ - قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ ... [محمد: ١٢]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ

стр. 3180

حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧]. ٤ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ ... [فاطر: ٦]. - فقه الدنيا والآخرة: جعل الله لكل شيء زينة ومقصداً. فالنباتات لها زينة، وهي الأوراق والأزهار، ولكن المقصد الحبوب والثمار. والثياب لها زينة وهي الألوان، ولكن المقصد الوقاية وستر العورة. وكذلك الدنيا زينة، وكل ما عليها زينة لها، ولكن المقصود من الدنيا الإيمان، والعمل الصالح. فالدنيا زينة، والمقصد الآخرة، وكل من نسي المقصد تعلق بالزينة، واشتغل بالمخلوق عن الخالق. والأنبياء والرسل وأتباعهم يشتغلون في دنياهم بالمقاصد الكبرى، وهي الإيمان، والعمل الصالح، وأهل الدنيا يشتغلون بالزينات، واللهو، واللعب. والله سبحانه أمرنا أن نأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعمل للآخرة بقدر الطاقة، وكل ما أعان من الدنيا على الدين فهو عبادة. وإذا تعارضت في حياتنا الأشياء والزينات مع المقصد الأعظم، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعة الله ورسوله، ونشر دينه وإبلاغه، قدَّمنا ما يحبه الله ورسوله على ما تحبه النفس، وقدمنا حاجات الدين على حاجات الدنيا.

стр. 3181

ومَنْ أكمل محبوبات الرب في الدنيا من الإيمان والعمل الصالح، أكمل الله محبوباته في الآخرة بكمال النعيم والخلود في الجنة مع رؤية الرب ورضوانه. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. - قيمة الدنيا بالنسبة للآخرة: الدنيا بالنسبة للآخرة كالذرة بالنسبة للجبل، وكالقطرة بالنسبة للبحر، والدنيا فانية، والآخرة باقية. وقد بين الله ورسوله قيمة الدنيا بالنسبة إلى الآخرة بياناً شافياً كافياً كما يلي: ١ - قيمة الدنيا الذاتية: قال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ ... [العنكبوت: ٦٤].

стр. 3182

٢ - قيمة الدنيا الزمنية: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨]. ٣ - قيمة الدنيا بالكيل: عَنِ المُسْتَوْرِد أَخَا بَنِي فِهْرٍ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ -وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ- فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟». أخرجه مسلم (١). ٤ - قيمة الدنيا بالدراهم: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ العَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟» فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟» قَالُوا: وَاللهِ لَوْ كَانَ حَيّاً كَانَ عَيْباً فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ: «فَوَاللهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ». أخرجه مسلم (٢). ٥ - قيمة الدنيا بالمساحة: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». متفق عليه (٣).

стр. 3183

٦ - قيمة الدنيا المتعية: قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء:٧٧]. ٧ - قيمة الدنيا التجارية: قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ ... [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧]. - عقوبة الإعراض عن الدين: من ترك ما ينفعه ابتلي بما يضره: فسنة الله جارية على أن كل من ترك ما ينفعه، ابتلي بما يضره، وحُرِم الأول. فالكفار والمشركون لما زهدوا في عبادة الرحمن ابتلوا بعبادة الأوثان. ولما استكبروا عن الانقياد للرسل ابتلوا بالانقياد لكل مارج العقل والدين. ولما تركوا اتباع الكتب المنزلة لهداية الناس ابتلوا باتباع أرذل الكتب وأخسها وأضرها للعقول. ولما تركوا إنفاق أموالهم في طاعة الرحمن ابتلوا بإنفاقها في طاعة النفس والشيطان. والأمم السابقة لما كذبوا الرسل، وأعرضوا عن الدين، واستغنوا عنه بغيره من الأسباب، دمرهم الله وأهلكهم. وكان يقين الأمم السابقة ثمانية أنواع: يقين قوم نوح على الكثرة .. وقوم عاد على القوة .. وقوم ثمود على الصناعة .. وقوم شعيب على التجارة .. وقوم سبأ على الزراعة .. وفرعون

стр. 3184

على الملك .. وقوم عيسى على الطب .. وقارون على المال. فكلاً أخذه الله بذنبه. فأغرق الله قوم نوح وفرعون وقومه، وأهلك عاداً بالريح، وأخذ قوم ثمود بالرجفة والصيحة والصاعقة، وقَلَب الديار على قوم لوط، ورجمهم بالحجارة، وخسف بقارون الأرض، وأمطر قوم شعيب بنار من السماء. ١ - قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ ... [العنكبوت: ٤٠]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾ ... [الفرقان: ٣٧]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود: ٩٤]. ٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ ... [هود: ١٠٢ - ١٠٣]. ٥ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾ ... [هود: ٩٦ - ٩٩]. ٦ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ

стр. 3185

سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ ... [النساء: ١١٥]. - سبيل الفوز والفلاح: جعل الله سعادة الإنسان وشقاءه بحسب ما يصدر منه من الإيمان والأعمال الصالحة، أو ضدها من الكفر والأعمال السيئة. فمن آمن وعمل صالحاً سعد في الدنيا، ثم زادت سعادته عند الموت بملائكة تبشره بما يسره، ثم زادت سعادته إذا أدخل القبر، فيجده روضة من رياض الجنة، ثم تزداد سعادته عند البعث والحشر، ثم تزيد سعادته وتبلغ كمالها في الجنة. وهكذا إذا كفر الإنسان، وساءت أعماله، شقي في الدنيا، ثم ازداد هذا الشقاء عند الموت، ثم زاد في القبر حيث يجده حفرة من حفر النار، ثم زاد الشقاء والألم عند البعث والحشر، ثم زاد وبلغ كماله في النار. ومن تنوعت أعماله المرضية لله، المحبوبة له في الدنيا، تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في الجنة، وكثرت بحسب كثرة أعماله الصالحة. ومن تنوعت أعماله المسخوطة لله، المبغوضة له في هذه الدار، تنوعت الأقسام التي يتألم بها في النار، وكثرت بحسب كثرة أعماله السيئة. ١ - قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧].

стр. 3186

٢ - وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ ... [طه: ٧٤ - ٧٦].

стр. 3187

٤ - عموم دين الإسلام - الإسلام دين البشرية إلى يوم القيامة: الإسلام هو دين الله للأولين والآخرين، امتن الله به على خلقه أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، وبعث به رسله أجمعين، وأكمله على يد سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد ﷺ ، وشرَّف أمته بالعمل به، والدعوة إليه إلى يوم الدين. ١ - فالله رب الناس، وليس لهم رب سواه، والله مَلِك الناس، وليس لهم مَلِك سواه، والله إله الناس، وليس لهم إله سواه. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]. ٢ - أنزل الله القرآن هدىً للناس. قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ... [البقرة: ١٨٥]. ٣ - أرسل الله رسوله محمداً ﷺ كافة للناس. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ ... [سبأ: ٢٨]. ٤ - جعل الله الكعبة أول بيت وضع للناس. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾

стр. 3188

[آل عمران: ٩٦]. ٥ - اصطفى الله هذه الأمة وجعلها خير أمة أخرجت للناس. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ... [آل عمران: ١١٠]. ٦ - الله رب العالمين، أرسل رسوله محمداً ﷺ رحمة للعالمين. ١ - قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان:١]. ٧ - شرَّف الله هذه الأمة بالدعوة إلى هذا الدين العظيم إلى يوم القيامة. ١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ ... [يوسف: ١٠٨]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. ٨ - أول نداء في القرآن موجه لكل الناس ليؤمنوا بالله ويعبدوه وحده. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]. ٩ - هذه الأمة واحدة، وربها واحد، ودينها واحد لا يقبل الله غيره. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 3189

الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ ... [آل عمران: ١٩]. ٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. ٤ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ، إِلا كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ». أخرجه مسلم (١). ١٠ - سيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ثم يعود غريباً كما بدأ. ١ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ... ». أخرجه مسلم (٢). ٢ - وَعَن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ الله بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ الله هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِْسْلاَمَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ». أخرجه أحمد والحاكم (٣). ٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا». أخرجه مسلم (٤).

стр. 3190

- بقاء الإسلام إلى يوم القيامة: الإسلام باق إلى يوم القيامة، فقد أنزل الله القرآن، وتكفل بحفظه، تقوم به في الحياة الدنيا الطائفة المنصورة، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ ... [الحجر: ٩]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ ... [فصلت: ٤١ - ٤٢]. ٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لاَ يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتّىَ يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النّاسِ». متفق عليه (١).
следующие страницы →