← Акыда

Акыда · id 37535

التوصل إلى حقيقة التوسل

محمد نسيب الرفاعي

Полный текст (335 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

في معصية الخالق] وقال: [إنما الطاعة في المعروف] اهـ. آن لي أيها الأخ الحبيب في الله أن أضع بين يديك .. ما انتقيته لك من الأحاديث الدالة على شرعية التوسل بالأعمال الصالحة، والحض عليه من الرسول صلوات الله عليه وسلامه لا سيما ... إذا كان مما توسل به هو لنفسه - بأبي هو وأمي - أو مما علمه ﵊ لأمته فأحر بنا نحن المسلمين من بعده ... أن نقتدي بفعله ونمتثل أمره وهديه فنتوسل كما كان يتوسل وندعوا كما كان يدعو ونطبق تماماً ما كان يأمرنا به من الحق والخير والهدى. الدليل الأول فعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسوله ﷺ [علمني دعاء ادعو به في صلاتي. قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم))] أخرجه الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي. لا شك أن العلم بالذنب انه ذنب مدعاة للتذكر بأن الله أعد للمذنبين عذاباً أليماً ومن عرض نفسه للعذاب الأليم يكون قد ظلمها ظلماً كثيراً باقترافه الذنوب. فعلم ذلك ... والمعرفة به يولد في النفس شيئين: ١ - الإقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه. ٢ - الإسراع إلى التوبة إلى الله واستغفاره تعالى من الذنب. ومن أجل أن ترفع التوبة إليه تعالى لا بد قبل هذا ... أن تعترف بالذنب الذي اقترفته بأنه ذنب يقتضي التوبة إذ لولا الاعتراف بالذنب أنه وقع منك لا تسرع إلى التوبة والاستغفار وإذا كنت تظن أن هذا الذي وقع منك ليس ذنباً ... بل قربة!!! فلا تفكر بالتوبة ولا بالاستغفار حتى ولا بالإقلاع عنه ... !! وهذا ما لفت رسول الله ﷺ نظر أبي بكر إليه وهو الاعتراف باقتراف الذنب

стр. 107

وظلم النفس فقال له: [قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً .. ] وهذا تعليم منه ﷺ لأبي بكر ومن وراء أبي بكر يعلم الأمة جميعاً بالاعتراف لله تعالى فيكون حتماً ندماً ... والندم توبة ولا شك. فالاعتراف بالذنب عمل صالح أيضاً ... والتوبة إلى الله من الذنب عمل صالح كذلك. فقوله ﷺ : [قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ... ] تضمن كل هذه المعاني التي تنم عن تلك الأعمال الصالحة. وقوله: [ولا يغفر الذنوب إلا أنت] هو معرفة واعتراف أيضاً بأنه لا يوجد في الأرض ولا في السماء ولا فيما بينهما أحد يغفر الذنوب إلا الله وهذا فيه توسلان: توسل باعترافه ومعرفته اللذين هما عمل صالح ثم علمه بأنه هو وحده غافر الذنب وقابل التوب هو توسل باسمه تعالى الغفار. ولولا علمه أنه غافر الذنب وحده لا شريك له وقابل التوب وحده لا شريك له لما استغفر ولا تاب إليه فاستغفاره والتوبة إليه علم منه بأنه وحده يطلب منه ذلك لأنه وحده القادر على ذلك وهذا الإيمان والعلم كذلك عمل صالح. أرأيت يا أخي كم تجمع في قوله: [اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت ... ] من أعمال صالحة وتوحيد باسمه التواب والغفار .. ؟ فبعد أن قدم دعائه كل هذه التوسلات بالأسماء والصفات والأعمال الصالحة شرع رسول الله ﷺ يعلمه بعد ذلك الدعاء: [ ... فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم] قف يا أخي قليلاً عند هذه ((الفاء)) من قوله: ((فاغفر لي)) وأمعن النظر جيداً ... واستوضح ما فيها من معان ... تر ... إن هذه الفاء وحدها حملت كل المعاني التي تقدمت من التوسلات بالأعمال الصالحة وبالأسماء والصفات أي: فيما قدمت من اعترافي بذنوبي ومعرفتي وعلمي بها وندمي على ما فرطت وبتوبتي إليك وباستغفارك وبأنك أنت الغفار التواب ... اغفر لي بمغفرة من عندك وحدك لا شريك لك، وارحمني برحمتك التي وسعت كل شيء فإنك وحدك أنت الغفور وأنت الرحيم ولا يغفر ولا يرحم إلا

стр. 108

أنت ... ثم عاد مختتماً دعائه بتمجيده وتعظيمه بأنه وحده هو الغفور الرحيم. هكذا يعلم رسول الله ﷺ أبا بكر ومن ورائه الأمة كيف يتوسلون إلى الله بأعمالهم الصالحة حتى يغفر ذنوبهم ويرحمهم برحمته الواسعة هذا مراد رسول الله ﷺ من تعليم أمته كيف تدعو ربها وكيف تتوسل إليه جل وعلا في الملمات والشدائد لتعلم علم اليقين بأنه لا ينقذها ولا يفرج كرباتها ولا يغفر ذنوبها وزلاتها إلا هو وحده لا شريك له. هذه حقيقة مسلم بها بل هي أولى الحقائق ... فلا يعذر بالجهل بها أي مسلم ويجب أن تكون من بدهيات معلوماته الدينية ... وإلا فلا يكون إلا مسلماً تقليدياً ... لا يثبت على أمر من أمور دينه الذي هو عصمة أمره والجهل ما كان في يوم من الأيام عذراً مقبولاً عند الله تعالى لأن الجهل في العقيدة يؤدي إلى الكفر وصاحبه لا يدري إلى أين يقوده جهله. فليهرع المسلمون إذن ... إليه تعالى في كل ما يلم بهم من ملمات فلا يدعوا في الشدائد إلا الله تعالى ولا يتوكلوا إلا عليه ولا يستعينوا إلا به ولا يستغيثوا بأحد غيره ولا يصرفوا أية عبادة من سائر أنواع العبادات إلا له ﷻ وتقدست أسماؤه لأنه ﵎ هو مستحقها وحده لا شريك له ولا يتوسلوا إليه سبحانه إلا بما علمهم في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ وبما حضهم عليه من التوسلات التي شرعها وبلغنا إياها عبده ورسوله وخيرته من خلقه وصفوته من عباده أبو القاسم محمد صلوات الله وسلامه عليه وتحياته ورحمت وبركاته فإذا أردنا أن ندعوا الله تعالى فلا نتوسل إلا بها ... لتكون من الأسباب المقبولة لاستجابة الدعاء إليه وبلوغ ما نتمنى منه ... من توفيق في الدنيا والآخرة ونصر على الأعداء مع ضرورة الأخذ بالأسباب التي شرعها الله وبالعمل المأمورين به ... بعد التوكل عليه تعالى في كل ما نفكر وما نعمل (وعلى الله فليتوكل المؤمنون).

стр. 109

الدليل الثاني قوله ﷺ فيما رواه عنه البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا فلان: إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك مت على الفطرة وإن أصبحت أصبت خيراً] أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي. فقوله ﷺ : [يا فلان: إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك .. ] أي إني أسلمتك روحي التي بين جنبي وأغمض عيني وكلي بين يديك واستودعك نفسي وأنت خير مستودع فأرحمها برحمتك يا أرحم الراحمين [وجهت وجهي إليك ... ] أي وليت وجهي قبلك مسلماً أمري إليك فأنت ربي ورب العالمين [وفوضت أمري إليك] أي تبرأت من حولي وقوتي وتدبيري وأمري كله بين يديك فأنت أرحم بي مني وأعلم فأقدر لي الخير كله إنك على كل شيء قدير [وألجأت ظهري إليك] أي وإنني عذت بك أن ينالني عدوي من خلفي فإنني الجأت ظهري إليك وإلى قوتك واحتميت بك ظاهراً وباطناً وما تسليمي نفسي إليك وتوجيه وجهي

стр. 110

إليك وتفويض أمري إليك، وإسناد ظهري إليك إلا رغبة في ثوابك ورهبة من عقابك. [ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك] أي أنني مؤمن بأنك أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت المعطي وأنت المانع وأنت المهيمن وأنت الرحمن الرحيم وأنت اللطيف الخبير وأنت العفو الغفور فلا ملجأ منك إلا إليك ولا منجى منك إلا إليك ولا فرار منك إلا إليك فأنت شديد العقاب والغفور الرحيم لا إله غيرك ولا رب سواك. [آمنت بكتابك الذي أنزلت] أي أنني آمنت وصدقت بما أنزلت على عبدك ورسولك محمد من الكتاب المبين والحب المتين والصراط المستقيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد آمنت بحلاله وحرامه وبكل ما جاء فيه جملة وتفصيلاً وأنني عامل بما آمنت به صادع بالحق الذي آليت على نفسي أن أصدع به وأنشره ما استطعت إلى ذلك سبيلاً وأصبر على كل أذية تلحقني من أجل ذلك مبتغياً في كلا ما أعمل وجهك يا ذا الجلال والإكرام وأرجو منك لا من أحد سواك الثواب وأخشى منك لا من أحد غيرك أن ينزل بي أي عقاب أنت المعبود بحق السموات والأرض وحدك لا شريك لك. [وبنيك الذي أرسلت] أي آمنت وصدقت أيضاً بعبدك ورسولك محمد خير خلقك وصفوتك من عبادك آمنت بنبوته ورسالته وأنك أنت الذي أرسلته رحمة للعالمين أشهد أن طاعته من طاعتك ومحبته من محبتك وهداه من هداك ولا أتبع أحداً إلا على نور شريعته ولا أقبل حكماً إلا على هدي سنته وضياء محجته التي لا يزيغ عنها إلا هالك إنه تبيي ورسولي وقرة عيني وحبيبي أشرف الخلق وأفضل العباد عبدك ورسولك محمد اللهم أحيني على سنته وأمتني على شريعته واحشرني على ملته واسقني من حوضه تحت لوائه وتحت ظلك يوم لا ظل إلا ظلك يا رب العالمين. هذه هي معاني بل مختصر هذا الحديث الجليل هذه المعاني السامية الهادية ... يود ويرغب إليك يا أخي المسلم نبيك ورسولك وحبيبك وقرة عينك محمد أن تدعو الله تعالى بها عندما تأوي إلى فراشك وتسلم نفسك إلى

стр. 111

ربك تجني من ورائها الخير العميم والفضل العظيم واصغ يا أخي إلى صوته الحبيب وكأنه إلى الآن يهمس بأذنك: [فإن مت من ليلتك مت على الفطرة وإن أصبحت أصبت خيراً .. ] أي إن قدر الله وفاتك فتكون قد توفيت على الفطرة أي على الإسلام والإيمان وينتظرك من عطاء الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... وإن رد الله نفسك إليك وأصبحت من الأحياء أصبت رحمة وخيراً من الله ونعمة وبركة ورضا. وضعت أمامك يا أخي شرحاً وجيزاً لهذا الحديث المتقدم ولعلك تسألني: أين يكمن الدليل في هذا الحديث على التوسل فيه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة فأقول: ما قولك بتسليم نفسك إلى ربك وتوجيه وجهك إليه وتفويض كل ما أمرك إليه وإسناد ظهرك إليه رغبة إليه ورهبة منه وتبرئك من حولك وطولك إلى حوله وطوله وقوته ... فاعترفت أنه لا ملجأ ولا ومنجى منه إلا إليه ... أجل ... ما قولك بهذا كله أليس عملاً صالحاً تقدمه إلى الله تعالى وتتوسل به إليه؟ بأنه إذا قبض نفسك أن يقبضها على الإسلام والإيمان ويهبك الجنة بما فيها من لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... وإن رد إليك نفسك وأصبحت معافى أصبت من الله خيراً في دينك وديناك وروحك وبدنك إنه توسل عظيم جداً بأعمالك الصالحة المخلصة لوجهه الكريم ليعطيك الجنة إن قبضك ... أو يجعلك تصيب خيراً في دينك وديناك وهذا ما يثبت أيضاً رأفة ورحمة النبي الكريم الذي يدل أمته على الخير كله ويحذرها من الشر كله (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم /١٢٨/ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم /١٢٩/) التوبة.

стр. 112

الدليل الثالث قوله ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا رأى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخله إزاره فلينفض بها فراشه فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن وليقل: سبحانك اللهم رب بك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما حفظت به عبادك الصالحين] أخرجه البخاري ومسلم. لعل هذا الحديث توضيح لمجمل الحديث السابق فقوله ﷺ [إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه] أي ليزيل ما يؤذيه إذا كان يوجد شيء كحية أو عقرب ونحو ذلك فيمنع نفسه منه وقوله ﷺ : [فإذا أراد أن يضطجع على شقه الأيمن لأن الشق الأيمن أبرك ... ثم أهنأ في الاضطجاع عادة وكأن هذا يريح جوفه فلا يضغط على القلب مثلاً فيسبب بعض الأضرار الجسمية كالضيق في الصدر والنفس كما يريح المعدة من الضغط

стр. 113

عليها أيضاً ... وفوائد أخرى طبية ليس هنا محل ذكرها ... وقوله ﷺ : [وليقل: سبحانك اللهم رب بك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي -أي روحي - فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما حفظت به عبادك الصالحين] والمعنى: أنني أنزهك يا رب وأمجدك فإنني بك وبمعونتك وتوفيقك ومددك أضع جنبي على فراشي واضطجع مسلماً روحي إليك أنت حفيظي وحفيظها فإن أمسكتها عندك وتوفيتني اللهم فاغفر لي وأنني بك أي بمعونتك ومددك أرفع جنبي عن الفراش لأنك أنت الذي أرسلت لي روحي وأرجعتها إلي بعدما أستودعتك إياها فإن أرسلتها ... فاحفظها بمثل ما حفظت به عبادك الصالحين الذين أعنتهم على أنفسهم ووفقتهم للقول والعمل الصالح. هذا هو المعنى المجمل لهذا الحديث الكريم وإن وجه الاستشهاد به هو أن المضطجع في فراشه يختتم عمله اليومي بهذا الدعاء ... ولكنه قبل أن يدعو يوصيه النبي ﷺ أن يقدم بين يدي دعائه توسلاً إليه تعالي بتسبيح الله وتنزيهه واعتقاده بأنه لا يضع جنبه على الفراش إلا بعون من الله تعالى ومدد منه جل وعلا وقوة وكذلك يرفعه .. فهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا بإمداد وقوة من الله الصادق ومعونة وتوفيق منه فلا شك أن مخاطبة الله تعالى بهذا والاعتقاد الصادق والجازم بذلك إنما هو قربة إليه وتوسل مقدم بين يدي الدعاء. فبعد أن أطاع نبيه بوصيته بأن ينفض فراشه بداخل ثوبه وأن يضطجع على شقه الأيمن ودعا الله وسبحه ومجده وعظمه ... فكل ما تقدم ولا شك عمل صالح منه ولما كان المعصوم ﵊ أوصاه بذلك ... فهو حتماً حق وصدق وهو جزماً عمل صالح ولا شك فقرب هذا التوسل بالأعمال الصالحة قبل الدعاء ليكون وسيلة صالحة للاستجابة ثم شرع يدعو: [إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما حفظت به عبادك الصالحين] ولا شك أن الله ما علم نبيه هذا التوسل والدعاء ... إلا ليستجيب دعاءه ويكون توسله واسطة مقبولة لهذه الاستجابة. هذه وصية رسول الله ﷺ لأمته فندبهم أن يفعلوا ذلك توسلاً ودعاءً

стр. 114

وليس أدل على صحة عمل ما من قول يأمر به رسول الله أو عمل يقوم به قدوة وأسوة لأمته لتتأسى وتعمل بموجبه تقرباً إلى الله تعالى أملاً ورجاء المغفرة ودخول الجنة وعوذاً من النار ومن عمل يؤهل الدخول وليس أدل على صحة عمل ما من قول يأمر به رسول الله أو عمل يقوم به قدوة وأسوة لأمته لتتأسى وتعمل بموجبه تقرباً إلى الله تعالى أملاً ورجاء المغفرة ودخول الجنة وعوذاً من النار ومن عمل يؤهل الدخول إليها اللهم نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

стр. 115

الدليل الرابع دعاء رسول الله ﷺ إذا قام يتهجد قوله ﷺ فيما رواه طاووس عن ابن عباس ﵄ يقول: [كان رسول الله ﷺ إذا قام يتهجد قال: ((اللهم ربنا لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ... ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت)) - وفي رواية - ((وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك - وفي رواية - ((لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن)) - وفي رواية لمسلم - ((أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن))] أخرجه البخاري ومسلم. في هذا الحديث الشريف المتفق عليه يخبرنا حبر الأمة ابن عباس ﵄ عن دعاء رسول الله ﷺ وكيف كان يتوسل بالعمل الصالح بين يدي دعائه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم إن التوسل هنا جاء مزيجاً من التوسل ... بصفات الله وبأسمائه الحسنى والعمل الصالح فتمجيد الله بأسمائه وصفاته وإن كان في حد ذاته توسلاً بالأسماء والصفات فإنه لا يخرج أيضاً ... في الوقت نفسه عن أنه عمل صالح ولا شك لأن فعل التوسل بالأسماء والصفات ... هو عمل صالح كما لا يخفى إذ يخرج عمل الإنسان عن أن يكون عملاً صالحاً أو غير صالح فالعمل الذي يكون مطابقاً لأمر الله تعالى فهو ولا شك عمل صالح وما دام الله يحضنا على التوسل بأسمائه وصفاته طبق ما بلغ رسول الله ﷺ فإن تنفيذنا لذلك حرفياً ... لا شك في أن الطاعة لله ورسوله ﷺ كما لا شك

стр. 116

أن طاعتهما عمل صالح ... إذن ... فرسول الذي توسل بهذا الحديث المشتمل على التوسل بأسمائه وصفاته والعمل الصالح أصاب الأجرين وكل من يتأسى في ذلك من أمته فله الأجران أيضاً أي أجر التوسل بالأسماء والصفات وأجر التوسل بالأعمال الصالحة ... وكل حديث يماثل هذا الحديث باشتماله على الوسلين الآنفين ... فله حكم هذا الحديث من حيث أن له الأجرين ... ولعل هذا التفصيل فيه فائدة نرجو الله تعالى ألا تفوت أحداً من المسلمين ولهذا قدمناه بين يدي الكلام على هذا الحديث. يفتتح رسول الله ﷺ توسله بحمد وأنه قيم السموات والأرض أي القائمات بأمره وله الحمد ثم يقر ويؤمن بأنه تعالى هو الحق ووعده للمؤمنين بالرضا والجنة وللكافرين بالسخط والنار لا شك أنه وعد حق ولسوف يبر به الفريقين ويؤمن بأن لقاء الله لعباده يوم البعث حق وقوله الذي أنزله على أنبيائه ورسله هو حق وصدق وبأن الجنة حق في وجودها والتنعم بها وأنها مثوى المؤمنين خالدين فيها أبداً وبأن النار حق في وجودها والعذاب فيها وأنها مثوى المشركين والكافرين وأنهم خالدون فيها أبداً لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب وبأن النبيين حق أرسلهم الله واسطة تبليغ للناس أوامر الله ونواهيه وبأن خلقهم وبأن خاتمهم وأفضلهم وأكرمهم على الله محمداً حق جاء بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فمن اتبعه نجا ومن أعرض عنه هلك وبأن الساعة حق وأنها آتية لا ريب فيها إن هذه الإيمان بكل ما تقدم هو العقيدة الملزم بها كل مسلم ... لا شك بأنه عمل صالح. ثم قال ﵊ متوسلاً بإسلامه وتسليم أموره كلها لله تعالى وبإيمانه به وتوكله عليه وإثباته إليه. وأنه لا يخاصم أحداً إلا به ولا يحتكم لأحد إلا إليه تعالى. كل هذا الإيمان بالله وحده والثناء عليه ... وكل ما تقدم من التوسل المشروع بالأعمال الصالحة جعله واسطة بينه وبين قبول دعائه ... فبعد أن قدم كل ذلك شرع ﵊ بالدعاء فقال عليه أفضل الصلاة وأتم التحية: ((فاغفر

стр. 117

لي ما قدمت وما أخرت وقوله: وما أخرت .. - هذا خاص به ﷺ وما أسررت وما أعلنت - وفي رواية - وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك ... فهذا رسول الله ﷺ يتوسل بكل ما تقدم ليستجيب الله دعاءه مع أنه مستجاب الدعوة دون أن يتوسل ... ولكنه برغم ذلك ... لا نرى له دعاء إلا وسبقه توسل إلى الله تعالى ولن يخالف رسول الله ﷺ فعل ما يأمر أمته به أو فعل ما ينهاها عنه هذا أولاً ... وثانياً فإنه يعلم بفعله أمته لتتأسى به وتقتدي ما دام قد جعله الله أسوة هذه الأمة الحسنة وقدوتها الصالحة إذا فهذا فعله ﷺ ... وتعليمه ... فليكونا الباعث إلى اتباعه في ذلك والعمل بموجبه دون تبديل أو تحريف أو تأويل ... أو تعطيل الحكم بتأويلات لا داعي لها ولا موجب طالما فعله ﷺ واضح المعالم لا يحتاج إلى تأويل أو تبديل. وهذه سيرته ﷺ واضحة جلية بينة وسنته سالكة هادية غنية عن كل تأويل أو تبديل أو تعطيل والحمد لله على ذلك في الأول والختام.

стр. 118

الدليل الخامس سيد الاستغفار قوله ﷺ فيما رواه عنه شداد بن أوس الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [سيد الاستغفار أن يقول العبد: ((اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي. فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)). من قالها في أول النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة. ومن قالها من الليل موقناً بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة] أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي والنسائي. يرشدنا نبينا ومحمد عبد الله ورسوله في هذا الحديث إلى صيغة استغفار نستغفر بها الرب الجليل ﵎ وتقدس كيف لا وإن هذا الاستغفار وصفه

стр. 119

الذي ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيد الاستغفار أي أجوده وأحسنه وأقربه إلى الإجابة من الله جل وعلا ذلك لما حوى من أسباب الاستجابة من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات والعمل الصالح من معاهدة الله على البقاء على العهد والوعد بإخلاص العبادة لله والعوذ به من شر النفس وصنعها والاعتراف بنعمة الله والاعتراف بالذنب والاستغفار منه إليه لأنه ليس من أحد في الأرض ولا في السماء يستطيع أن يغفر الذنب إلا هو سبحانه جل وعلا. بدعي أن يرشدنا نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام إلى أفضل الأعمال وإلى سيد الاستغفار وإلى معالي الأمور فهو بنا الرؤوف الرحيم (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليه بالمؤمنين رؤوف رحيم) ١٢٨ - التوبة وبشرنا ﵊ بأن من قالها في أول النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة. ومن قالها في الليل موقناً بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة. بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما تركت لنا شيئاً يقربنا من الجنة من قول وعمل إلا وأمرتنا به وما تركت لنا شيئاً يقربنا من النار من قول وعمل إلا حذرتنا منه فجزاك الله عنا وعن الإسلام والمسلمين ما أنت له أهل صلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك ومن تبعك بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. على أن لنا - ولا شك - شاهداً من هذا الحديث فيما نسوقه من أدلة صحيحة على أحقية ما نعالجه من موضوع التوسل المشروع ... وخاصة في بحثنا هذا .. من التوسل بالعمل الصالح فإن الناظر في هذا الحديث يتأكد تماماً مشروعية التوسل بالأعمال الصالحة لا سيما وأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما يذكره لنا ولا يعلمنا إياه ... إلا ليلفت أنظارنا إلى ما فيه من التعليم والإرشاد إلى التوسل الذي جاء في هذا الحديث فسنوضحه لك يا أخي المسلم ... حتى يتجلى لك الدليل واضحاً والحجة ناصعة .. بأن رسول الله ﷺ لا يدعو

стр. 120

إلا ويقرب بين يدي دعائه عملاً صالحاً يتقرب به إلى الله تعالى ثم يدعو وإليك البيان من هذا الحديث: يقول ﵊: سيد الاستغفار أن يقول العبد أي أحسن ما يمكن أن يقول العبد مستغفراً ربه تعالى: [اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت] أي أنت ربي الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته لا رب لي سواك ولا إله لي غيرك أي لا معبود لي من دونك وكيف يمكن أن يكون لي معبود غيرك وأنت الذي خلقتني وأنعمت علي وتعهدت خلقي إلى أن صرت رجلاً وما زلت أتقبل بنعمتك ولا أزل فكيف أعبد سواك وهل يعبد غير الذي خلق وأنعم ... ؟ [خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي ربي الذي خلقتني من العدم وسويتني بشراً سوياً وأنا عبدك عاهدتك أن لا أعبد سواك فأنا على العهد والوعد مقيم ولا أدخر وسعاً خاقته بي إلا وأبذله في طاعتك ومرضاتك فسأفرغ كل جهدي ووسعي في تنفيذ ما أمرتني به ... وأنت المطلع على النيات والمقاصد والخفايا [أعوذ بك من شر ما صنعت] أي أعوذ بك من شر نفسي وما يوسوس لها الشيطان من سوء العمل ويزينه لها اللهم إني أعوذ بك منه لا يدفعه عني إلا أنت [أبوء بنعمتك علي] أي اعترف بنعمتك الوافرة التي لا تعد ولا تحصى فنعمتك السابغة على التي أتلمسها في نفسي في كل لحظة ونفسي ما زلت غارقاً بها [وأبوء بذنبي] أي أعود معترفاً بذنبي وما بدر مني من الخطايا بأنني أنا الذي فعلتها ولا أنسبها إلا إلى نفسي لأنني أنا الذي فعلتها واقترفت شرها فالخير كله بيديك والشر كله ليس إليك وأنا فاعله ومقترفه. كل هذا الذي مر في هذا الابتهال من توحيده تعالى بربوبيته وألوهيته وبما عمل العبد من عمل صالح من إيمانه بخالقية الله وعبودية المخلوق وإفراده لله بالعبادة وحده وإقامته على عهد ووعد العمل بأوامر الله الانتهاء عن نواهيه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً واعترافه بنعمة الله عليه واعترافه بذنوبه لديه كل هذا ... قربه توسلاً إلى الله بين يدي دعائه وابتهاله إليه ثم شرع يدعو الله تعالى قائلاً: [فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت] أي مؤمناً إيماناً جازماً بأنه لا أحد يغفر أو يعفو إلا هو فاتجه إليه وطلب المغفرة منه وأنه قد عرف الحق

стр. 121

لأهله فكان هذا سبباً في قبول الدعاء وإعطاء السؤل وإجابة الطلب: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير) (٢) غافر هكذا يا أخي المسلم الكريم فقد رأيت كيف يحرص النبي على أمته توجيهاً وتعليماً وإرشاداً فيوجهها خير وجهة ويعلمها أنفع علم ويرشدها إلى أقوم طريق وأهدى سبيل ﷺ وجزاء عنا وعن الإسلام والمسلمين ما هو أهله وسلم تسليماً كثيراً. فإذا كان حرصه ﷺ هكذا ... أفلا نكون متبعين بذلك لهديه ﷺ لا سيما والمردود ولا شك ... مردود خير على أنفسنا ... فما أحرانا نحن أن نوجهها بتوجيهه الكريم وننفذها بتعاليمه الهادية التي لا يأتيها الباطل ونرشدها إلى سبيله الأقوم فيقودنا إلى ما يجب الله لنا ويرضى. ولا يهمنا بعد رضاء الله سبحانه أحد ... أما سخط الناس وحنقهم وغضبهم فهذا ما تعهد الله جل وعلا أن يكفينا مؤونته ... فهو الذي سيحق الحق ويعلي كلمته وينصر دينه ويجعل كلمته هي العليا ويلين لها القلوب والأفئدة [اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك].

стр. 122

الدليل السادس حديث الغار قوله ﷺ فيما رواه عنه ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غار فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم: ((اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران كنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأي بي طلب شجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناماً فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر - زاد بعض الرواة - ((والصبية يتضاغون عند قدمي)) فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منها)) قال النبي ﷺ ((قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي .. فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تجلي بيني وبين نفسها ... ففعلت. حتى إذا قدرت عليها ... قالت: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها ... فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي ﷺ ((وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرتهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ... فثمرت أجره ... حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين ... فقال لي: يا عبد الله أد لي أجري. فقلت: كل

стр. 123

ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق!!! فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي؟!! فقلت إني لا أستهزئ بك. فأخذه كله ... فساقه فلم يترك منه شيئاً اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة ... فخرجوا يمشون))]. رواه البخاري ومسلم والنسائي. هذا حديث نبوي شريف متفق على صحته يرويه ﷺ عن الأمم المؤمنة السابقة وإنك لتعلم يا أخي القارئ المسلم أن من البدهي أن الإنسان لا يتكلم بكلام ... إلا ويكون له مناسبة وإن هذه المناسبة غالباً ما تلجئ المتكلم إلى إيراد شاهد يؤيد ما ذهب من رأي ... أو يورد الشاهد أولاً ... ثم يقارن به واقعاً في مجتمعه يود معالجته فيكون إيراد الشاهد عوناً له على إدخال ما يبغيه من مفاهيم في أفكار الناس حتى يؤيدوه ويتبعوا ما جاءهم به من نصح. إذاً ... فإن إيراد الشاهد إنما هو وسيلة إيضاحية يؤيد به المتكلم فكرته التي يدعو الناس إليها ... وإن إيراد رسول الله ﷺ هذا الحديث يمكننا أن نستنتج منه أحد الغرضين الآنفي الذكر ... أي إما أنه كان يبحث مع صحابته قضية التوسل أو سألوه عنها أو أنه رغب أن يعالج هذه القضية أي قضية التوسل ... ليسلك بالمؤمنين المسلمين السبيل الصحيح طالماً أن للمسلمين قرب عهد بالشرك فقد يكونون لقرب عهدهم هذا ... ما زلوا يتوسلون توسلاً جاهلياً غير مشروع فيخطئون من حيث لا يريدون ... كالحلف باللات مثلاً فقد كان المسلمون الحديثو عهد بشرك ... كانوا يحلفون بالات - سبق لسان - دونما أي تقصد ويعلم رسول الله ﷺ ذلك منهم ... فكان يقول: [من حلف باللات فليقل لا إله إلا الله] أي من حلف باللات ناسياً غير متقصد فكفارة ذلك أن يعقبها حالاً بقوله: لا إله إلا الله لأن الحلف عبادة فمن حلف بالله فقد عبد الله تعالى ومن حلف بغيره فقد عبد هذا الذي حلف به ... فلزم أن يفرد الله بالعبادة وحده فيقول: لا إله إلا الله. أي لا معبود إلا الله بمعنى أنني وجهت بقولي: (واللات) عبادة لغير الله فلا يكفر ذلك ... إلا أن أتبرأ من جديد من عبادة غير

стр. 124

الله أي قولي: (واللات) وأجدد إيماني بأنني لا أعبد إلا الله وحده لا شريك له فأقول: لا إله إلا الله أي لا معبود لي بحق في السماء والأرض إلا الله تعالى. فهمنا مما تقدم أن النبي ﷺ ما أورد هذا الحديث إلا لموجب اقتضى إيراده لأنه ﷺ حريص على أمته أن تسلك الطريق المستقيمة إلى العمل الصحيح وكل تخبط في الطريق مانع من الوصول إلى الغاية المتوخاة من العمل ولا شك في أن الأمم المؤمنة السابقة هم أسوة لنا في العمل المستقيم وليس أدل على استقامة عملهم من موافقة رسول الله ﷺ له بل وإيراده حجة له في معالجة ما يريد أن يعالجه وليكون أيضاً وسيلة إيضاح يستعين بها على إفهامهم مراده من الشاهد الذي يورده. هناك قاعدة شرعية تقول: (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا) فالتوسل إلى الله تعالى بالوسائل الشرعية هو ... من لدن آدم أول الأنبياء إلى محمد خاتمهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم تسليماً لم يتبدل ولم يتغير لصلته الوثيقة بالتوحيد كذلك هو لم يتبدل ولم يتغير إذ من غير المعقول أن يكون مطلوب الله التوحيد من أمم ... ثم يكون مطلوبه من أمم أخرى الشرك!!! فهذا مما لن يكون أبداً (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (٥٢) الأنبياء وعلى هذا الأساس الركين فإن التوسل بالعمل الصالح الذي يستشهد به رسول الله ﷺ رواية الأمم السابقة المؤمنة ... إنما كان شرعياً من قبل الله لكافة الأمم ولم ينسخه شيء ... لا سيما وإن شرعنا - القرآن والسنة - يؤكد من جديد على تحديد التوسل المشروع بأقسامه وأنواعه الثلاثة الآنفة الذكر في الأبحاث الماضية ويحث عليه المؤمنين ويجعله سبباً شرعياً لا ستجابة الدعاء. تعمدت يا أخي القارئ المسلم الكريم أن أمهد لك في بحثي المتقدم ... . تمهيداً مسهباً ولو بعض الشيء ... كيما أتعاون وإياك على فهم مراد الله ورسوله ... هذا من جهة ... ومن جهة أخرى أن أسد المنافذ على بعض الذين يودون أن يعرقلوا مسيرة الحق ... ويغطوا نوره للحؤول دون تسربه إلى القلوب

стр. 125

والأفئدة ... لعلهم يرجعون إلى الحق ويحاربون معنا عدونا إبليس لعنه الله هذا العدو الذي جاهر بعدائه بني آدم وأخذ بذلك عهداً على نفسه أمام ساعة لعنه وطرده. (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين /٣٩/ إلا عبادك منهم المخلصين /٤٠/ قال هذا صراط علي مستقيم /٤١/ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من تبعك من الغاوين /٤٢/ وإن جهنم لموعدهم أجمعين /٤٣/ ... الحجر وها أناذا اشرع بالكلام على هذا الحديث بحديث الغار وأحاول أن أتطلع إلى مقصد رسول الله ﷺ من إيراده وذكره وروايته لأصحابه ... فأقول وبالله المستعان: لعل سائلاً يسأل كيف يروي رسول الله ﷺ خبراً عن الأمم السابقة المؤمنة وهو لم يعاصرهم ولا رواه له من عاصرهم ما دام بينه وبينهم زمن سحيق يقدر بآلاف السنين ... ؟!!! الجواب: سؤال ... من الذي أخبر ﷺ عن قوم عاد وثمود وإبراهيم ولوط وغيرهم وما حل بهم ... ؟ سيقولون أخبره الله تعالى في قرآنه ... فنقول: وكذلك أخبره الله تعالى في السنة ... فالقرآن وحي والسنة وحي أيضاً ... إلا أن القرآن كلام الله والسنة ليست كلامه إنما كلاهما وحيان: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) /٣/النجم. إذاً فهذا الحديث ... إخبار عن الله تعالى كغيره من الأحاديث التي ترد في مواضيع شتى ... والغرض منه إخبار أمته بأخبار الأمم فتحصل بذلك العظة والأسوة ولفت أنظار أمته ﷺ أن يفعلوا كما فعل الثلاثة ... بعد أن أووا إلى الغار وأطبقت الصخرة فسدته عليهم ... فقالوا: لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. وقد يسأل سائل آخر: من أين علموا أنه لا ينجيهم إلا الدعاء بصالح أعمالهم؟

стр. 126

الجواب: إن مثل هذا القول الذي قالوه ... لا بد أن سمعوه من نبيهم في ذلك الحين ... أو من آبائهم الصالحين عن نبيهم .. لأن علمهم هذا لا يعرف إلا من مشكاة النبوة كما يفهم أن قائليه مؤمنون ... ولولا ذلك ما استشهد به رسول الله ﷺ وندب أمته أن يعملوا عملهم أي يتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة إما حز بهم أمر أو حلت بهم شدة أو نزل بهم كرب. أما الأول: فقد توسل إلى الله ببره لوالديه وتفضلهما على أهله وأولاده ونفسه أما الثاني: فقد توسل إلى الله بعفته عن الحرام وعن الوقوع في الفحشاء مخافة الله. أما الثالث: فقد توسل إلى الله تعالى بأمانته واستقامته وبمعاملة أجيره كما يعامل بل وزيادة وكل فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى لا خوفاً من العباد ولا طمعاً بإطراء منهم أو مديح ... أو جزاء. ولا شك أن أعمالهم من أرفع الأعمال الصالحة ... فهي أعمال صالحة مرضية مقبولة رفعت إلى الله وسيلة لاستجابته الدعاء بنجاتهم من كربهم العظيم ... وكان كل توسل يصدر من أحدهم يكرمه الله تعالى فوراً باستجابة الدعاء ... إلى أن أجاب الجميع وأنقذهم من الصخرة ... وأزاحها عنهم ... بسبب توسلهم الصالح المخلص ... وخرجوا جميعاً يمشون .. !! فعندما يذكر النبي الكريم ﷺ مثل هذا الخبر عن الأمم السابقة ... يعلم الكل ما هو مقصده من ذكره فينشط الجميع إلى التأسي بمن ذكرهم رسول الله ﷺ فيتوسلون عند الاقتضاء كما توسل أولئك الثلاثة ﵃. إذا فذكر هذا الحديث وإيراده ... إنما هو حض وتحريض منه ﷺ على العظة والأسوة والاقتداء وهكذا قد جعل أصحابه ﷺ من بعده وكذلك القرون الخيرة ... ثم ظهر اقرن البدعة من وراء قرن الشيطان فنسي الهدي المحمدي والمنهج المصطفوي والصراط النبوي ... فماتت السنة وقامت البدعة فاستبدلوا التوسل المشروع بالتوسل الممنوع وجعلوا المخاليق وذواتهم هدف الغرض فتوسلوا بهم إليه تعالى وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوها حسنة ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

стр. 127

الدليل السابع دليل من عمل الصحابة لا شك في أن نذكر الرسول ﷺ لبعض أخبار الأمم السابقة المؤمنة إنما يهدف من ذلك للعظة والتأسي. وأن الصحابة الكرام هم أول المتلقين عنه ﷺ هذه العظات وهم أول الذين يتأثرون بها ويستفيدون من العظة ويحرصون على التأسي بمن قبلهم من الأمم المؤمنة لا سيما إذا كان النبي ﷺ هو الدال والحاض على هذا التأسي. فتعود تلك العظات ليست مجرد أخبار للاطلاع فحسب ... إنما أصبحت شرعاً يقتدى به استجاباً أو وجوباً ... بحسب مكانة العظة ... أو درجة تركيز الرسول عليها وحضه على تنفيذها. ولا شك في أن الصحابة رسول الله ﷺ هم أوعية إرث النبوة الخاتمة والقلوب الواعية لهذا العلم الموروث ... وما حبسوا عن الأمة بعد نبيهم أية سنة علموها منه وكانوا في حياتهم العامة والخاصة أمثلة حية صادقة لحياة الرسول عليه أفضل الصلوات وأزكى التحية. فكانوا في حالهم وقالهم ... الهداة الصادقين الحريصين على تبليغ ما وعوه عن الرسول الكريم في كل شأن من الشؤون الدينية والدنيوية فكانوا القدوة الكاملة للأمة حملة أنفاس الرسول العطرة بالهدى والخير. وفي صدد ما نحن جادون في معالجته من بحث التوسل بالأعمال الصالحة نأتي على سبيل المثال بما كان الصحابة يفعلونه من التوسل ... .

стр. 128

وهذا خبر عن ابن مسعود ﵁ نورده كنموذج من توسلاتهم التي طبقوها في حياتهم كان ابن مسعود ﵁ يقول بعد صلاة الليل: (اللهم أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك وهذا سحر فاغفر لي). فالقيام في السحر والناس نيام من أجل الأعمال الصالحة قدمها ابن مسعود بين يدي دعائه ولم يدع قبل أن يتوسل بها إلى الله تعالى: (اللهم أمرتني فاطعتك ودعوتني فأجبتك وهذا سحر فاغفر لي). وفي هذا ... إشارة إلى الحديث: [ينزل ربكم إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فأغفر له] أو كما قال ﵊. وهذا عراك بن مالك ﵁: (كان إذا صلى الجمعة، انصرف ... فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني (١) فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين) رواه ابن أبي حاتم. وإن كلام عراك ﵁ كما هو واضح هو توسل إلى الله تعالى بإجابة دعوة الله إلى الصلاة وهي الأذان وبصلاته فريضة الجمعة وبانتشاره من بعد الصلاة كما أمره الله تعالى وسائر المسلمين في قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ... ) /١٠/الجمعة. كل هذه الأعمال الصالحة قدمها توسلاً إليه تعالى بين يدي دعائه ... ثم شرع يدعو فقال: فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. وإذا كان هذا عمل توسل به ابن مسعود وعراك بن مالك ﵄ فليس سائر الصحابة دونهما توسلاً ... وعملاً وتطبيقاً لسنة الرسول ﷺ فقد كانوا جميعاً على هذا النمط من العمل والتطبيق والحرص على اتباع الرسول

стр. 129

الأعظم ﷺ وهل تلقينا السنة المطهرة إلا عن طريقهم؟ ولكن خلف بعد القرون الخيرة خلف تسلك البدعة إلى فوفهم ثم توارثت الأجيال الجاهلة ما سول الشيطان لهم بدعة ... حتى صار لهم أعوان وأنصار ... فشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً حتى أصبح التوسل الممنوع شعاراً عاماً بين المسلمين - إلا من رحم ربك - فترى الكثرة الكثيرة عامة وخاصة عند ما يتوسلون يكاد ... أن لا يخطر على بالهم التوسل إلى الله بذات الله بأسمائه وصفاته أو بالأعمال الصالحة ... وأصبحت السنة بدعة والبدعة سنة!!! فلا حول ولا قوة إلا بالله. وإذا حاولت يا أخي تذكيرهم بالحق وبالسنة المنسية غضب أكثرهم وسمع لأنفاسهم شهيق وزفير ولأضراسهم تغيظ وصرير وتكاد أعينهم ترميك بالشرر ... كل هذا ... لأنك ذكرتهم بالسنة وإحيائها ودعوتهم إلى شميم العبق وأريحها الفواح بالحق والخير والهدى. لا تيأس يا أخي ... إن الحياة جهاد وكفاح ... وإن إصرارك في الحق ورسوخك مؤثراً في النفوس فتتفتح له القلوب والأفئدة عاجلاً أو آجلاً ويعود الحق خفاق البنود في ظل ظليل من الرعاية الإلهية والعناية الربانية فإلى ذلك المستقبل المنتظر ... أسرع الخطى وكل آت قريب إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه نتوكل وبه نستعين. وليس التوسل المشروع الذي أضاعه المسلمون هو المقصود من الجهاد فحسب لا إنما السنة النبوية في كل شيء دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها ... من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى الحكم بما أنزل الله ... إلى ... إماطة الأذى عن الطريق كل هذا يدخل في حساب الجهاد في سبيل الله حتى تعود العقيدة الصحيحة والحكم الصالح والحياة الإسلامية في كل معانيها ... في البيت وفي الشارع وفي المسجد وفي المجتمعات العامة والسوق والحانوت والمتجر وكل شأن من شؤون الحياة لأن الإسلام الشامل شمل كل الحاجات أعلاها وأدناها

стр. 130

وقعد لها قواعد وسن لها شرائع من يوم أن نزل جبريل بـ (اقرأ باسم ربك الذي خلق) /١/ العلق إلى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) /٣/المائدة. أجل ... إن المسلم من يتمثل فيه الإسلام بكامله، يأتمر يكل الأوامر وينتهي عن كل النواهي ويشعر من أعماقه أنه لو تخلى الناس عن الإسلام ما تخلى عنه ولو هجر كل الناس الدعوة إليه ما هجرها ... فيدعو إليه في نفسه وأهله وأقربائه ومجتمعه وأصدقائه ويستعين بكل وسيلة في سبيل إذاعته ونشره ولا يهولنه طول الطريق وما حوله أو على جنباته من العوائق ... وليعتمد على الله فإنه ناصره لا محالة ولو طال السبيل فلا بد واصل إلى النهاية وما النهاية إلا الوصول إلى الهدف الأسمى ... وهو عودة المسلمين إلى دينهم الحق والعودة إلى الإسلام إنما هي النجاح في كل ناحية من نواحي الحياة لأن الإسلام لم يترك شاردة ولا واردة في جميع شؤون الحياة ... إلا وطرقها وأحصاها واستقصاها .. عندما نستطيع أن نقول عن أنفسنا إننا مسلمون حقاً فتفتح لنا القلوب وتهفو الينا النفوس وتدعونا البلدان والثغور لنحل فيها الحق والعدل والهدى والخير ويهتف أهلها: أهلاً بالمنقذين. أخي المسلم ... هذا والله سيكون إذا كنت داعية مخلصاً في دعوتك للإسلام تدعو إليه لا لفتح أو تسلط أو جبروت ... إنما لتذويق القلوب الأفئدة طعم الحق والعدل وتنقذ الحيارى والتائهين وتدلهم على الصراط المستقيم. هذه مهمة في الحياة ليكون هادياً ومعلماً وداعياً إلى الحق طبق ما وصفه الله سبحانه في كتابه العزيز: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ... ) (١١٠) آل عمران.

стр. 131

٣ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له وأدلته القرآنية

стр. 132

توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له وأدلته من القرآن الكريم أخي المسلم الحبيب: لقد أنهيت لك فيما تقدم من صفحات ... بحث نوعين من الأنواع الثلاثة من التوسل المشروع وهما: التوسل إلى الله تعالى بذاته وصفاته والتوسل إليه بالأعمال الصالحة وقد دللنا على مشروعية كل نوع ... بأدلة بالغة الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأرجو أن تكون قد اقتنعت واستقرت الفكرة في نفسك إذ ليس بعد كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ شيء أوضح دليلاً وأبلغ حجة واسطع برهاناً ... وما بعد الحق إلا الضلال فالحمد الله الذي وفق وأعان. وها أناذا ... اشرع في بيان مشروعية النوع الثالث من التوسل، وهو توسل المؤمن لأخيه المؤمن وهو على نوعين: ١ - طلب المؤمن من أخيه المؤمن متوسلاً بدعائه إلى الله أن يقضي حاجته كأن يقول مثلاً: أدع الله لي أن يعافيني أو يقضي حاجتي وما أشبه ... ٢ - دعاء المؤمن لأخيه المؤمن دونما طلب المدعو له كأن يراه مثلاً في ضيق ... فيدعو الله له أن يفرج عنه إن كان ذلك في حضور المدعو له أو كان ذلك في ظهر الغيب كالدعاء في الغيبة أو كصلاة الجنازة والدعاء عند زيارة قبور المؤمنين.

стр. 133

ولا فرق في أن يدعو الأعلى للأدنى أو الأدنى للأعلى فكل ذلك جائز .. ومقبول إذا يشاء ربنا ويرضى. فالمسلمون كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء نبيهم ﵊ في حياته ... في الاستسقاء وغيره ... فكان يدعو لهم فتستجاب دعوته عاجلاً أو آجلاً كما كان هو أيضاً ... يطلب من أمته جميعاً أو أفراداً ... أن يدعوا له. كالصلاة عليه من كل من يسمع الأذان من أمته فيقول مثلماً يقول المؤذن ثم يصلي ويدعو الله أن يعطيه الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود الذي وعده كما أنه صلى عليه وسلك طلب من عمر بن الخطاب ﵁ يوم عمرته أن يدعو له. والقرآن والسنة ... فيهما أمثلة عديدة دالة على التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن ... وسأجني لك يا أخي منهما باقة عطرة فواحة زكية .. لتكون على بينة من الأمر ... وعلى علم ويقين من الحق الذي أحاول إقامة الحجة على صحته في هذه الصحائف .. لتطمئن نفسك به ويتثبت به فؤادك بإذن الله ﵎ وتقدس وهاك يا أخي الأدلة مبتدئاً بأدلة القرآن الكريم.

стр. 134

الدليل الأول قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما (٦٤) ... النساء هذه الآية الكريمة توضح بصراحة: أن الله ... هو التواب الرحيم ومهما اقترف عباده من الذنوب والخطايا ... ثم رجعوا إليه وأنابوا ... فإنه يتوب عليهم ويغفر لهم ذنوبهم على أن يعزموا على عدم العودة إلى الذنب. ومن رحمته بعباده أنه يدلهم على الطريق الذي إذا سلكوه ... يوصلهم إلى عفوه ومغفرته لأن لكل شيء سبباً ففي هذه الآية يدلهم على هذه الأسباب ... فإنه تعالى يخبر في محكم آياته أنه لم يرسل إلى الناس من رسول إلا ليطاع ويستجيبوا لرسالته التي أرسلها إليهم فمن أطاع له عند الله تعالى الدرجات العلى ومن ظلم نفسه بالإعراض ... أو المعصية ... فقد فتح له باب العودة إليه تعالى إنما هذا الطريق له سبل تؤدي إليه فدلهم عليها بقوله جل وعلا: ( ... ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً). وذلك بأن يحضروا إلى الرسول الأعظم ﷺ ويستغفروا الله في مجلسه ثم يسألوه ﷺ أن يستغفر لهم أيضاً وهكذا ... فإن استغفارهم ربهم ثم استغفار الرسول لهم ... يكونان سبباً في توبته تعالى عليهم ورحمته بهم. فثبت أن الله تعالى أرشدهم إلى توسلين يستمطرون بهما توبة الله ورحمته. الأول: استغفارهم الله لأنفسهم في مجلس رسول الله ﷺ . الثاني: سؤالهم الرسول ﷺ أن يستغفر الله لهم فالأول كان توسلاً بالأعمال

стр. 135

الصالحة ... وهو استغفارهم الله الذي هو عمل صالح والثاني كان توسلاً بدعاء المؤمن لأخيه وكلا التوسلين كانا بإرشاد من الله تعالى فهل من دليل على مشروعية هذين التوسلين أدل من دلالة الله عليهما في هذه الآية ... ؟ ولما كان توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن أحد نوعي هذين التوسلين هو الذي نحاول إثبات مشروعيته في هذا الفصل فقد أثبتنا ذلك من بيان أن الله تعالى هو الذي أرشد عباده إليه في جملة ما أرشدهم في هذه الآية الكريمة وحسبك من دليل ... إرشاد الله تعالى إليه وحض عباده عليه. ومما يجب التنبه إليه والتنويه عنه هو أن الذهاب إلى الرسول واستغفار الله تعالى في مجلسه ثم سؤالهم رسول الله الاستغفار لهم واستغفاره ﷺ لهم فعلاً .. كل هذا .. إنما ولا شك في حياته ﷺ فلا يجوز لأحد بعد وفاته أن يأتي قبره ﷺ ويسأله أن يستغفر الله له لأن استغفاره ﷺ قد انقطع بوفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى - بأبي هو وأمي - ولم يعد يستطيع الدعاء والاستغفار لانقطاع عمله بالوفاة. وبناءً على ذلك فإن كل من سؤال منه بالاستغفار بعد وفاته محرم وليس لأحد أن يحتج بالآية على فعل ذلك فالآية خاصة بحياته ﷺ لأن الله تعالى يحكي عن المنافقين الذين يصدون عن الحق وعن اتباعه (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله فاستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً). إذا هذه حكاية عن واقع حال أيام الرسول ﷺ يذكرها الله في القرآن ويرويها لنا لنتعظ بما فيها ونعمل بما نفهم منها .. ويبين لنا صحة ما إذا أردنا أن نتوسل بدعاء أحد لنا أو استغفاره الله من ذنب بدر منا أو إن نحن دعونا أو استغفرنا لغيرنا فيكون ذلك جائزاً منا أو منهم ... لا أن نذهب إلى قبر رسول الله ﷺ أو أي قبر من قبور الصالحين ونسألهم أن يستغفروا لنا الله من ذنوب اقترفناها فهذا لا يجوز لأن وفاتهم حالت دون الاستغفار ودون أي عمل آخر كانوا يعملونه حال حياتهم.

стр. 136

الدليل الثاني قال يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (٩٧) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (٩٨) ... يوسف وهذه آية كريمة توضح أن توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن له معروف عند الأمم المؤمنة قبلنا وهؤلاء أبناء يعقوب ﵇ الذين عصوا الله تعالى في معاملة أخيهم يوسف ﵇ ... ثم كذبهم على أبيهم بادعائهم أن الذئب أكل أخاهم ... وليس الأمر كذلك ... وبعد انكشاف الأمر شعروا بعبء التبعات فهرعوا إلى أبيهم يسألونه أن يستغفر الله لهم وهو النبي الكريم المستجاب الدعوة وقدموا دعاءه الله لهم بالمغفرة وسيلة مقبولة عند الله. ثم لننظر ما كان موقف أبيهم من طلبهم ... ؟ أكان يوافق طلبهم أم يرى أن فيه محذوراً فلا يفعل ... ؟ لأن من تأكدنا هذا. نستدل على جواز ذلك أو عدمه إننا نرى أنه وافق ووعدهم بذلك وقال: (سوف أستغفر لكم ربي ... ) ولا شك أنه وفى بوعده واستغفر لهم الله تعالى مما فعلوا بأخيهم ... وإننا نستنتج من استغفاره لهم صحة ومشروعية طلب الدعاء من الغير أي مشروعية توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن له وإن ذكر هذه القصة في القرآن فيه إلفات نظر للمؤمنين أن يتأسوا بهم في طلب الدعاء من الغير وإن في ذلك لدليلاً على مشروعيته لأن العقيدة التي جاءت بها الأديان السماوية واحدة لا تتبدل ولا تتغير من لدن آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولا شك أن يعقوب ﵊ بر بوعده لأبنائه فاستغفر الله لهم وأن الله تعالى استجاب دعوته فغفر لبنيه خطيآتهم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 137

وهكذا ... فإنك ترى يا أخي القارئ المسلم أن من أسباب استجابة الدعاء وقبول التوبة والمغفرة توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له. وإن هذا النوع من التوسل هو ولا شك توسل مشروع وأن التوسل به في جملة التوسلات المشروعة المارة الذكر ... مجلبة لرحمة الله ومغفرته ورضوانه. فهيا يا أمة خير نبي ورسول إلى هذه التوسلات المشروعة وإحيائها بالتوسل بها دائماً والاكتفاء بها عما سواها من التوسلات غير المشروعة ... وذلك إحياء لسنة الرسول الأعظم ﷺ التي هي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وهيا إلى هجر كل بدعة مستحدثة في الدين ما أنزل الله بها من سلطان فإن كل بدعة في الدين ضلالة وكل ضلالة في النار أي صاحب الضلالة في النار لأنه ابتدع وشرع من الدين ما لم يأذن به الله والعياذ بالله تعالى من الخذلان وسوء المنقلب.

стр. 138

الدليل الثالث قوله تعالى: سيقول المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو نفعاً بل كان الله بما تعلمون خبيراً (١١) الفتح يقول تعالى مخبراً رسوله ﷺ بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذي اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم وتركوا السير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم بذلك وسألوا الرسول ﷺ أن يستغفر لهم وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد ... بل على وجه التقية والمصانعة. إنهم وإن كانوا مصانعين في تعللهم بانشغالهم بأموالهم وأهليهم وطلبهم من رسول الله ﷺ أن يستغفر لهم ... إلا أن هذه المصانعة بطلب الاستغفار لهم تدل على أن هذا الطلب معلوم شرعيته عند رسول الله ﷺ وهذا ... ما دفعهم إلى طلبه منه ولولا علمهم بشرعية ذلك ... لما اتقوا به غضب رسول الله ﷺ . وثمة دليل آخر مستنبط من هذه الحادثة ... أن رسول الله ﷺ لم يعترض على طلبهم الاستغفار لهم ... فدل على شرعية هذا الطلب ... ولو كان غير شرعي لنهاهم عنه فقبوله طلبهم وعدم نهيهم عنه دليل على شرعيته ولا شك. وبذلك تثبت مشروعية التوسل إلى الله بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن وصحة الاستدلال بهذه الآية عليه وهذا هو المطلوب والله الموفق للصواب. وقد ثبت في القرآن توسلات أخرى من هذا التوسل المشروع ... وهي توسلات قوم موسى بدعاء موسى ﵊ لأن يرفع الله عنهم الرجز

стр. 139

الذي نزل بهم من الطوفان والجراد والضفادع والقمل والدم وما أشبه ... فقد قال الله تعالى: (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل /١٣٤/) الأعراف. نكتفي بالإشارة إليها للمناسبة ... فهي في حد ذاتها بدعاء موسى ... ولكننا التزمنا البحث في معالجة شرعية توسل المؤمن وفيما تقدم من الاستشهادات بالآيات القرآنية كفاية ... والله الموفق. تقدم معنا قبيل صفحات ... أن توسل لأخيه المؤمن على نوعين: ١ - طلب المؤمن من أخيه المؤمن متوسلاً بدعائه إلى الله تعالى أن يقضي حاجته وهذا ما دللنا على صحته بما تقدم من الآيات القرآنية فيما بحثناه آنفاً ... ونرجو الله تعالى أن يقدر النفع للمسلمين عامة. ٢ - دعاء المؤمن لأخيه المؤمن دونما طلب من المدعو له ... كأنه يراه مثلاً في ضيق ... فيدعو الله له أن يفرج عنه إن كان ذلك في حضور المدعو له أو كان ذلك في ظهر الغيب. وهذا ما سنحاول الدلالة عليه أيضاً من القرآن الكريم فإذا دل القرآن على جواز ذلك بل وحض عليه ثبتت مشروعيته فعلى المسلمين أن يزاولوا هذا النوع من التوسل المشروع في جملة أنواع التوسل المشروع المتقدم الذكر رغبة استجابة توسلاتهم ونيلهم ما يتمنون من التمنيات المشروعة.

стр. 140

الدليل الرابع قوله تعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (٧) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من ءابآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (٨) ... المؤمنون لا شك أن التوبة من الذنب تدخل التائب حضيرة القدس وينعم من بالإجابة والرحمة والمغفرة ويأمر الله ملائكته حملة العرش ومن حول العرش منهم أن يجأروا إليه تعالى متوسلين بدعائهم له أن يغفر لهذا التائب من ذنبه والراجع إلى الله نادماً على ما فرطت يداه من الخطيئة يدعون له بالمغفرة وبتثبيته على الصراط المستقيم أي على المضي في طريق الهداية ليمحو ما اقترفه من الذنوب فيبدل الله سيئآته حسنات ويتقي بذلك عذاب الجحيم لأنه لو بقي على مضيه في طرق الخطايا لكانت نهايته إلى الهلاك ودخول النار والعياذ بالله تعالى ولكنه لما تاب وأناب ورجع إلى صراط الله العزيز الحميد توسل له الملائكة أن يقيه عذاب الجحيم ثم سألوا الله له أن يدخله جنات الخلود التي وعد الله التائبين والعاملين الصالحات أن يدخلهم فيها وتأمل يا أخي كيف أن صلاح الأبناء كيف نفع الآباء والأزواج والذرية ... أجل إن صلاح الأبناء وبتوبتهم وعملهم العمل الصالح كان حافزاً للملائكة لا أن تدعوا لهم فقط بل فقد تعدى الدعاء بأسبابهم إلى الآباء والأزواج والأولاد أن يدخلهم الجنة وهذا من زيادة النعيم ومضاعفة

стр. 141

البهجة أن يجمع الله لهم في الجنة آباءهم وأزواجهم وذرياتهم لتقر أعينهم بأحبابهم وهذا ولا شك زيادة في النعيم. وهكذا ... فقد اتضح لك يا أخي كيف أن الملائكة تتوسل إلى الله دعائها أن يثبت التائبين ويغفر لهم ويرحمهم ويدخلهم جنات عدن مع آبائهم وأزواجهم وذرياتهم فقد ثبت بما تقدم دعاء الملائكة المؤمنين إلى الله بالمغفرة لإخوانهم التائبين المؤمنين من البشر أو المكلفين عامة وأن توسل الملائكة بدعائهم للمؤمنين دليل على مشروعية ذلك لأن الملائكة لا يعلمون ولا يفعلون شيئاً إلا وهو عمل صحيح بل إنه أمر من الله تعالى أن يفعلوا ذلك وإذا كان الله تعالى هو الذي أمرهم أن يدعوا لإخوانهم المؤمنين بظهر الغيب فهل هناك من دليل أدل على مشروعية ذلك من أمر الله لهم به ... ؟ وهكذا فقد اتضحت مشروعية دعاء المؤمن لأخيه وتوسله إلى الله بهذا الدعاء بظهر الغيب أن يغفر له ويرحمه إنني أعتقد أنه لم يبق في نفسك يا أخي أدنى شك بمشروعية ذلك فبادر يا أخي بفعل ذلك وأذعه بين إخوانك المؤمنين حتى يفعلوا ذلك أيضاً لأن الداعي لأخيه بالخير فإن ملكاً موكلاً بالدعاء له جزاء ما دعا لأخيه بالخير ويقول: [ولك بمثل] أي يدعو الملك بأن يكون لك أيضاً مثل ما دعوت لإخوانك المؤمنين من الخير والبركة والمغفرة والرحمة. والجزاء من نوع العمل.

стр. 142

الدليل الخامس قوله تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم (١٠) ... الحشر ذكر الله تعالى في كتابه العزيز من يستحق الفيء وهو: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب أي لم يقاتلوا الأعداء بالمبارزة والمصاولة بل نزل أولئك من الرعب ... ما ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ كما حصل لبني النضير فأفاء الله أموالهم التي تركوها ... على رسول الله خاصة. ولهذا تصرف في فيء بني النضير كما يشاء ... قد لا يكون للكلام المتقدم علاقة في البحث الذي نعالجه ((بحث التوسل)) ولكن من أجل الوصول إلى ما نبغي ... لابد لنا أن نستعرض باختصار الآيات التي سبقت هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد التركيز عليها لاعتبارها دليلاً على ما ذهبنا إليه من جواز التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن ففي تلك الآيات التي تقدمت هذه الآية حدد الله فيها مستحقي الفيء فقسم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: ١ - المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء فضل الله تعالى ونصره لله ورسوله الذين صدقوا في كل وقول صدر عنهم. ٢ - الأنصار وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا بالله ورسوله وآووا رسول الله الذين هاجروا إليهم مع إخوانهم المهاجرين فقاسموهم الأموال ويؤثرونهم على أنفسهم

стр. 143

ولو كان بهم خصاصة فقد وقوا شح أنفسهم وأفلحوا ونجحوا. ٣ - والذي جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ... هؤلاء المذكورون في هذه الآية هم المؤمنون المسلمون عامة ... والتابعون لهم أي المهاجرين والأنصار والمتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة والداعون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان في السر والعلانية. وهنا نقف قليلاً ... عند قوله تعالى: (يقولون ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) ولا شك أن الله تعالى عندما يذكر هؤلاء وهم المؤمنون والمسلمون الذين اتبعوا المهاجرين والأنصار في كل ما تلقوه عن الرسول ﷺ قولاً وعملاً وعملوا بمثل ما عملوا ... ثم يدعون لهم أن يغفر لهم أي لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان لأنهم كانوا لهم هداة ومصابيح دلالة على الحق وبأسباب هذه الهداية كانوا مؤمنين ومسلمين فجزاء ما كانوا سبباً لذلك كان دعاؤهم لهم بالمغفرة والرحمة. إذا فهؤلاء الذين جاءوا من بعدهم يتوسلون إلى الله تعالى بالدعاء لهم بالمغفرة جزاء ما أخذوا عنهم الصلاح والهدى والخير والحق وهذا دعاء بظهر الغيب من مؤمنين لمؤمنين قبلهم أخذوا عنهم الدين والإيمان وقد يكون هؤلاء بعيدين عنهم مئات السنين ولكن الدعاء يقطع عبر القرون السحيقة حاملاً لأولئك الرحمة والمغفرة من الله تعالى جزاء ما أسلفوا وخلفوا لمن بعدهم من الدين الصحيح والإيمان الحق. وإن القرآن الكريم ليذكر صنيعهم الطيب بالرضا والتأييد ويسجل دعاءهم بالمغفرة لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان ... ويهب بكل من تلقى من سلفه هدياً مماثلاً أن يدعو لهم دعاء مماثلاً بالمغفرة وهذا مما يدل دلالة قاطعة أن الله راض عن عملهم ودعائهم أيضاً سواهم على متابعة خطاهم أيضاً واتباعهم في هديهم مع سلفهم إلى أن تقوم الساعة فعمل يكون الله مؤيداً له وحاضاً عليه ... لا شك أنه يدل على مشروعيته القطعية التي لا غموض فيها.

стр. 144

ولعل هذا الوصف لموقف الذين جاءوا من بعدهم من بعد قرون الخير والهدى المتبعين هدي من كان قبلهم من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومن الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يهيب بمؤمني هذا الزمن أن يكون موقفهم موقف الذين وصفهم الله في كتابه ورضي عنهم يقولون كما قالوا: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم).

стр. 145

توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له وأدلته السنية
следующие страницы →