البهجة أن يجمع الله لهم في الجنة آباءهم وأزواجهم وذرياتهم لتقر أعينهم بأحبابهم وهذا ولا شك زيادة في النعيم.
وهكذا ... فقد اتضح لك يا أخي كيف أن الملائكة تتوسل إلى الله دعائها أن يثبت التائبين ويغفر لهم ويرحمهم ويدخلهم جنات عدن مع آبائهم وأزواجهم وذرياتهم فقد ثبت بما تقدم دعاء الملائكة المؤمنين إلى الله بالمغفرة لإخوانهم التائبين المؤمنين من البشر أو المكلفين عامة وأن توسل الملائكة بدعائهم للمؤمنين دليل على مشروعية ذلك لأن الملائكة لا يعلمون ولا يفعلون شيئاً إلا وهو عمل صحيح بل إنه أمر من الله تعالى أن يفعلوا ذلك وإذا كان الله تعالى هو الذي أمرهم أن يدعوا لإخوانهم المؤمنين بظهر الغيب فهل هناك من دليل أدل على مشروعية ذلك من أمر الله لهم به ... ؟ وهكذا فقد اتضحت مشروعية دعاء المؤمن لأخيه وتوسله إلى الله بهذا الدعاء بظهر الغيب أن يغفر له ويرحمه إنني أعتقد أنه لم يبق في نفسك يا أخي أدنى شك بمشروعية ذلك فبادر يا أخي بفعل ذلك وأذعه بين إخوانك المؤمنين حتى يفعلوا ذلك أيضاً لأن الداعي لأخيه بالخير فإن ملكاً موكلاً بالدعاء له جزاء ما دعا لأخيه بالخير ويقول: [ولك بمثل] أي يدعو الملك بأن يكون لك أيضاً مثل ما دعوت لإخوانك المؤمنين من الخير والبركة والمغفرة والرحمة. والجزاء من نوع العمل.
стр. 142
الدليل الخامس
قوله تعالى:
والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم (١٠) ... الحشر
ذكر الله تعالى في كتابه العزيز من يستحق الفيء وهو: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب أي لم يقاتلوا الأعداء بالمبارزة والمصاولة بل نزل أولئك من الرعب ... ما ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ كما حصل لبني النضير فأفاء الله أموالهم التي تركوها ... على رسول الله خاصة. ولهذا تصرف في فيء بني النضير كما يشاء ...
قد لا يكون للكلام المتقدم علاقة في البحث الذي نعالجه ((بحث التوسل)) ولكن من أجل الوصول إلى ما نبغي ... لابد لنا أن نستعرض باختصار الآيات التي سبقت هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد التركيز عليها لاعتبارها دليلاً على ما ذهبنا إليه من جواز التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن ففي تلك الآيات التي تقدمت هذه الآية حدد الله فيها مستحقي الفيء فقسم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: ١ - المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء فضل الله تعالى ونصره لله ورسوله الذين صدقوا في كل وقول صدر عنهم.
٢ - الأنصار وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا بالله ورسوله وآووا رسول الله الذين هاجروا إليهم مع إخوانهم المهاجرين فقاسموهم الأموال ويؤثرونهم على أنفسهم
стр. 143
ولو كان بهم خصاصة فقد وقوا شح أنفسهم وأفلحوا ونجحوا.
٣ - والذي جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ... هؤلاء المذكورون في هذه الآية هم المؤمنون المسلمون عامة ... والتابعون لهم أي المهاجرين والأنصار والمتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة والداعون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان في السر والعلانية.
وهنا نقف قليلاً ... عند قوله تعالى: (يقولون ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) ولا شك أن الله تعالى عندما يذكر هؤلاء وهم المؤمنون والمسلمون الذين اتبعوا المهاجرين والأنصار في كل ما تلقوه عن الرسول ﷺ قولاً وعملاً وعملوا بمثل ما عملوا ... ثم يدعون لهم أن يغفر لهم أي لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان لأنهم كانوا لهم هداة ومصابيح دلالة على الحق وبأسباب هذه الهداية كانوا مؤمنين ومسلمين فجزاء ما كانوا سبباً لذلك كان دعاؤهم لهم بالمغفرة والرحمة.
إذا فهؤلاء الذين جاءوا من بعدهم يتوسلون إلى الله تعالى بالدعاء لهم بالمغفرة جزاء ما أخذوا عنهم الصلاح والهدى والخير والحق وهذا دعاء بظهر الغيب من مؤمنين لمؤمنين قبلهم أخذوا عنهم الدين والإيمان وقد يكون هؤلاء بعيدين عنهم مئات السنين ولكن الدعاء يقطع عبر القرون السحيقة حاملاً لأولئك الرحمة والمغفرة من الله تعالى جزاء ما أسلفوا وخلفوا لمن بعدهم من الدين الصحيح والإيمان الحق.
وإن القرآن الكريم ليذكر صنيعهم الطيب بالرضا والتأييد ويسجل دعاءهم بالمغفرة لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان ... ويهب بكل من تلقى من سلفه هدياً مماثلاً أن يدعو لهم دعاء مماثلاً بالمغفرة وهذا مما يدل دلالة قاطعة أن الله راض عن عملهم ودعائهم أيضاً سواهم على متابعة خطاهم أيضاً واتباعهم في هديهم مع سلفهم إلى أن تقوم الساعة فعمل يكون الله مؤيداً له وحاضاً عليه ... لا شك أنه يدل على مشروعيته القطعية التي لا غموض فيها.
стр. 144
ولعل هذا الوصف لموقف الذين جاءوا من بعدهم من بعد قرون الخير والهدى المتبعين هدي من كان قبلهم من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومن الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يهيب بمؤمني هذا الزمن أن يكون موقفهم موقف الذين وصفهم الله في كتابه ورضي عنهم يقولون كما قالوا: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم).
стр. 145
توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له وأدلته السنية
стр. 146
توسل المؤمن إلى الله تعالى
بدعاء أخيه المؤمن له
وأدلته من السنة الصحيحة
أخي القارئ المسلم الكريم
ذكرت لك آنفاً ... شرعية توسل المؤمن إلى ربه تعالى بدعاء أخيه له وذلك بأنه بأدلة من كلام الله تعالى ... وها أناذا أثبت لك ذلك أيضاً من السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلوات وأتم التسليم فكما أن في القرآن أمثلة وأدلة على كل أمر مشروع كذلك فإن في السنة السنية أمثلة وأدلة على ذلك وليس خافياً عليك أن السنة شارحة للقرآن فما أجمل فيه فصل فيها.
وهناك أحاديث عديدة في هذا الباب إنما نقتطف لك قطوفاً دانية منها فواحة بعبق للنبوة الكريمة وتشرق منها دفقات من سنا الحق والهدى تلك هي سنة رسول الله ﷺ وكلامه الشريف ومن ذلك:
الدليل الأول
قوله ﷺ فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
[إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة
стр. 147
لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة] رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
هذا الحديث الكريم يبين لك ما هو فضل من يجيب المؤذن مثلما يقول ثم يصلي عليه ثم يسأل له من الله الوسيلة وهي المنزلة الرفيعة في الجنة التي لا تنبغي إلا لرجل أو عبد من عباد الله ويأمل رسول الله أن يكون هو ذلك العبد إن فضل ومكافأة من يجيب المؤذن ثم يصلي ﵊ ... أن يصلي الله عليه بها عشراً أي عشر مرات في الملإ الأعلى وإن مكافأة من يسأل له الله والوسيلة هي أن تحل له شفاعته ﷺ يوم القيامة.
هذا ملخص لمعنى هذا الحديث الشريف إنما الشاهد من إيراده هو قوله ﷺ [ ... ثم سلوا الله لي الوسيلة ... ] أي: إن رسول الله ﷺ يطلب من جميع أفراد أمته أن يسألوا له الله الوسيلة التي هي المنزلة الرفيعة في الجنة وهذا دليل على صحة ما قلناه قبل صفحات: أن يجوز توسل الأعلى بدعاء الأدنى وهذا منه. فإن رسول الله ﷺ وهو أشرف مخلوق وأكرمهم على الله وهو أعلى أنواع المخلوقات رتبة ومنزلة عند ربه يطلب ممن دونه منزلة .. ! أن يدعوا الله له يعطيه تلك المنزلة الرفيعة السامية ومن فعل ذلك وعده رسول الله ﷺ أن يشفع له يوم القيامة.
فهذا رسول الله وأفضل خلقه وأشرفهم وأعلاهم منزلة يتوسل إلى الله تعالى بدعاء أمته له أن يعطيه الوسيلة والمقام المحمود في الجنة وكافأ من يعينه على ذلك بالدعاء ... أن تحل له شفاعته فيفوز بالجنة معه عليه أفضل الصلاة والسلام.
فهل من دليل دل على مشروعية التوسل إلى الله بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن من قول الله ورسوله؟ ومن سؤاله؟ ومن سؤاله بذاته ﵊ من أفراد أمته أن يسألوا الله له أن يعطيه تلك المنزلة السامية والمقام العظيم.
إنك معي يا أخي القارئ الكريم إذا قلت: إن قليلاً ما هم يتوسلون إلى الله بتلك التوسلات المشروعة! وإنك لترى غالبية الأمة بما فيها الخاصة ...
стр. 148
إلا من رحم ربك ... يتوسلون إلى الله بالتوسلات الممنوعة التي أمرنا بها الله تعالى، ولا رسوله ﷺ فلماذا يفضلون بل يلتزمون التوسلات الممنوعة ويعزفون عن تلك التوسلات المشروعة ... ؟!! نعم لماذا لا يتوسلون بها .. وهم يعلمون أنها واسطة استجابة الدعاء ونوال المبتغى من الرضوان والرحمة والمغفرة ... ؟ أقول لماذا ... وألف ألف لماذا لا تفعلون ... ولا تأتمرون ... ؟!! وأنتم الورثة والقدوة ... ورثة نور النبوة وورثة علم المرسلين الذين لم يخلفوا درهماً ولا ديناراً بل أورثوكم العلم وحملوكم الأمانة .. أمانة تبليغه إلى الأمة ... ولكنكم لم تحملوها ... ولم تؤدوها ... !! لماذا .. ؟! لماذا إذاً أنتم الوارثون؟ ولهذا الإرث محتكرون .. ؟ وما أنتم للعلم مبلغون ... ولا للأمانة مؤدون.
وعلى كل سوف نفرد لهذه المعالجة والمناقشة - بل المحاكمة - فصلاً خاصاً إن شاء الله ونكتفي الآن بهذا القدر ... لنترك المجال للراوي الكريم .. يروي لنا نص الدعاء الذي يدعونا نبينا ﵊ أن نسأل به الله له أن يعطيه المنزلة الرفيعة والمقام المحمود وتعالوا يا قراءنا المسلمين الأعزاء نصغ جميعاً إلى الأئمة الأجلاء وهم يروون لنا عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول ﷺ قال:
[من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة (١) والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي] رواه: البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
стр. 149
وهذا ترغيب بشفاعة رسول الله ﷺ . . فمن أحب أن يكون رسول الله ﷺ شفيعاً له يوم القيامة فليواظب على الدعاء لرسول الله ﷺ بهذا الدعاء بعد كل أذان.
كل هذا الترغيب حتى ينال منك رسول الله ﷺ هذا التوسل له إلى الله أن ينيله الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود ويعطيه هذا الفضل العظيم وإنه سينيله حتماً ويعطيه بلا شك ولا ريب ذلك المقام الرفيع العظيم المحمود ولكن لا بد من السبب المشروع لنوال ذلك وهو توسل أفراد أمته جميعاً عقب كل أذان ولا شك أن رسول الله ﷺ قد اختار الوقت الذي فيه الدعوة لا ترد وهو وقت إستجابة الدعاء.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
[الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد] رواه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وزاد: [فادعوا] وزاد الترمذي في رواية: [قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: ((سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة))].
فتأمل يا أخي القارئ المسلم ... كم لتوسل المؤمن إلى الله بدعاء أخيه المؤمن له من الفضل والاستجابة وخاصة بعد الأذان وعند حضور الجهاد في سبيل الله تعالى.
إذاً ... فهذا النوع من التوسل المشروع توسل عظيم مستجاب: كيف لا والرسول الأعظم يطلبه من أمته وذلك دليل على أنه من الخير العميم الذي دل أمته عليه ولم يترك خيراً يعود على أمته إلا وأمرها به ولم يترك شراً يعود أمته إلا وحذرها منه جزى الله عنا نبينا محمداً ﷺ ما هو أهله.
الدليل الثاني
وهذا هو ﷺ يطلب من عمر ﵁ أن يدعو له وهذا دليل آخر على شرعية التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن وكل ذلك ولا شك تعليم لنا حتى نقتدي به ﷺ وإليك لفظ الحديث ...
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
стр. 150
[إستأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن وقال: ((لا تنسنا يا أخي من دعائك)) فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا] وفي رواية: [قال: أشركنا يا أخي في دعائك))] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
إن كل ما يتلفظ به رسول الله ﷺ من أمور هذا الدين الكريم إنما هو تشريع ومكلف به هو وأمته ﵊ فقوله ﵇: [لا تنسنا يا أخي من دعائك] حرص منه ﷺ على ما سيلقاه من إجابة دعاء عمر من الخير من الله تعالى واستكثار من هذا الخير لأن أمته ستتأسى به في ذلك فيكون له أيضاً مثل أجورهم ولا يخفى في نصل طلب الرسول ... بدعاء عمر له ما فيه من التأكيد عليه بذلك بقوله ﷺ : [لا تنسنا ... ] فهذا ولا شك تأكيد منه بالدعاء وتوصية بعدم النسيان ففي حرصه ﷺ على الخير من وراء هذا الدعاء وفي ما سيؤجر به من تأسي أمته به وفي هذا التأكيد منه على عمر بأن لا ينساه من الدعاء دليل قاطع على مشروعية طلب المؤمن من أخيه أن يدعو له ويتوسل بدعائه هذا إلى الله تعالى. وهذا مصداق ما ذهبنا إليه قبل صفحات من جواز توسل الأعلى بدعاء الأدنى له ... ولا شك في أن توسل الأدنى بدعاء الأعلى جائز من باب أولى.
ثم تأمل يا أخي القارئ المسلم ... مبلغ فرح عمر ﵁ بهذا التكليف الكريم يصدر من رسول الله ﷺ بأن يدعو له .. ! أجل تأمل يا أخي عمر وسروره العظيمين بهذا التكليف من قوله ﵁: ((كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا)) أي أن هذه الرعاية والعناية والتلطف من رسول الله ﷺ بتخصيصه بهذا التكليف الكريم وتحميله هذه الأمانة ما يستدل لو أنه بدل بها الدنيا وما فيها أي لو أعطي ما في الدنيا جميعاً بدل هذا التكليف لما قبل عمر بذلك ... بل فضل أن يحمل أمانة رسول الله ﷺ بالدعاء له ... هذه الأمانة التي شرفه بها. وخصه بفضلها دون سائر المعتمرين ذلك العام ...
стр. 151
فداك أبي وأمي يا رسول الله نعم النبي أنت ونعم الرسول أنت ونعم المربي والموجه والمعلم أنت ونعم الهادي إلى سواء السبيل أنت ونعم الأب الحاني والأخ الرفيق أنت لا أحصي لك وصفاً يكافئ ما وهبك الله من الخلق الكريم أنت كما أثنى الله عليك: (وإنك لعلى خلق عظيم) وكما أنزلك عباده: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين صلى الله عليك وعلى آلك والأطهار وصحبك الأبرار وعلى من تبعك على سنتك واهتدى بنور محجتك إلى ما شاء الله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 152
الدليل الثالث
الصحابة الكرام يطلبون منه ويتوسلون بدعائه ﷺ
حديث عكاشة
كما أن رسول الله ﷺ كان يطلب من أصحابه وأمته أن يدعوا له أي يتوسل إلى الله بدعائهم له كذلك كان الصحابة ﵃ يطلبون منه أن يدعو لهم أي يتوسلون إلى الله تعالى بدعائه لهم وهناك أمثلة عديدة على ذلك ... ولكننا نقتطف منها ونختار ما ييسرنا الله تعالى إليه مبتدئين بحديث عكاشة ﵁.
عن حصين بن عبد الرحمن (١) قال: [كنت عند سعيد بن جبير (٢) فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدعت. قال: فما
صنعت؟ قلت استرقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت حدثنا الشعبي. قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة عن الخصيب أنه قال: ((لا رقية إلا من عين أو حمة)) قال:
стр. 153
قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: ((عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب)) ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً وذكروا أشياء ... فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه فقال: ((هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)) فقام عكاشة بن محصن فقال: أدع الله أن يجعلني منهم. قال: ((أنت منهم)) ثم قام رجل آخر فقال: أدع الله أن يجعلني منهم. فقال: ((سبقك بها عكاشة))].
وقد رواه البخاري مختصراً ومطولاً ومسلم واللفظ له والترمذي والنسائي.
إن هذا الحديث مؤلف من حديثين اثنين .. الأول: عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: [أيكم رأى الكوكب البارحة - إلى قوله - قد أحسن من انتهى إلى ما سمع]. والحديث الثاني: قوله أي سعيد بن جبير: ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: [عرضت علي الأمم ... إلى قوله ﷺ ... ((سبقك بها عكاشة))].
وفي كلا الحديثين من المسائل والفوائد في الدين من عقيدة التوحيد ما ينفع المسلمين نفعاً عظيماً وقد لا يكون هذا الكتاب موضع تفصيلهما على عظم ما تضمنت من الفوائد الجليلة فلتراجع كتب السلفية التي شرحت هذا شرحاً مفيداً مفصلاً (١) إنما شاهدنا مما جاء في الحديث الثاني ... هو قول عكاشة:
стр. 154
[ادع الله أن يجعلني منهم. قال: ((أنت منهم)) ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم قال: ((سبقك بها عكاشة)) عكاشة.
نعم ... إن شاهدنا قول عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم قال: ((أنت منهم)) وللبخاري في رواية فقال: ((اللهم اجعله منهم)) ففيه طلب الدعاء من رسول الله ﷺ أي توسل عكاشة بدعاء رسول الله أن يجعله الله من السبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب فدعا له الرسول ﷺ فقال: ((اللهم أجعله منهم)) وكذلك قيام الرجل الآخر الذي قال: ادع الله أن يجعلني
منهم فقال له الرسول ﷺ ((سبقك بها عكاشة)) سداً للباب حتى لا يتلاحق الناس بسؤال ذلك منه هذا من جهة ومن جهة أخرى كما قال القرطبي: لم يكن عند الثاني من الأحوال ما كان عند عكاشة فلذلك لم يجبه وقال: ((سبقك بها عكاشة)) وكأن الدعوة لواحد فلما سبق إليها عكاشة كانت له وهذا حسن جواب وحسن خلق منه ﷺ فإن عكاشة هذا كان من السابقين إلى الإسلام هاجر وشهد بدراً وقاتل فيها واستشهد في قتال أهل الردة بقيادة خالد بن الوليد بيد طليحة الأسدي سنة اثنتي عشرة ثم أسلم طليحة الأسدي وجاهد الفرس يوم القادسية مع سعد بن أبي وقاص واستشهد في وقعة الجسر المشهورة.
فقوله ﷺ ((أنت منهم)) أو ((اللهم اجعله منهم)) فضيلة لعكاشة. هذه الفضيلة التي كانت سبباً في أن يكون منهم أو بدعاء رسول الله له كان منهم فعلى كلا الحالين فهم من طلب عكاشة الدعاء ... جواز التوسل بدعاء المؤمن إلى أخيه المؤمن وشرعية ذلك وهذا شيء معروف شرعيته عند الصحابة. فكثيراً ما توسل الصحابة بدعاء رسول الله ﷺ وكان ﵊ يدعو لهم ملبياً توسلهم بدعائه وكان القصد من توسل الصحابة بدعائه توقع الاستجابة لدعائه ﷺ فهو ولا شك مستجاب الدعوة ... فقد سأله الأعمى أن يدعو له ليرد الله عليه بصره ففعل ورد بصره وسألته المرأة التي كانت تصرع أن يدعو لها بأن لا تتكشف حين تصرع فدعا لها
стр. 155
أيضاً وسأله بعض الصحابة السقيا فاستسقى لهم أي دعا لهم أن يسقوا فسقوا والأمثلة كثيرة على هذا النوع من التوسل المشروع نكتفي منها بما سنورده إن شاء الله وبه المستعان.
стр. 156
الدليل الرابع
حديث توسل الأعمى بدعائه ﷺ -
عن عثمان بن حنيف ﵁:
[أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير)) قال: فادعه. فأمر أن يتوضأ وضوءه ويدعو بهذا الدعاء:
((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى. اللهم شفعه في)).
فعاد وقد أبصر] وفي رواية قال ابن حنيف: [فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر] رواه النسائي والبيهقي والطبراني وقد روى الترمذي والحاكم في مستدركه زيادة جملة في آخر الحديث وهي [وشفعني فيه].
لا شك أن هذا الحديث صحيح ومشهور ... وقد ثبت فيه بلا شك ولا ريب ارتداء بصر الأعمى بدعاء رسول الله ﷺ له.
إن هذا الأعمى جاء النبي ﷺ وطلب أن يدعو الله ليعافيه من ضره. فخيره رسول ﷺ بين الدعاء له بالشفاء وبين أن يصبر على ضره وذلك خير له عند الله تعالى ولكن الأعمى أصر على التوسل إلى الله تعالى بدعاء رسول الله له فقال: فادعه. فلما رأى النبي إصرار الأعمى على طلب الدعاء منه عندها أمره عليه صلوات الله وسلامه ... أن يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يدعو: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة)). ولنقف قليلاً عند قوله: ... . وأتوجه إليك بنبيك لنرى من خلاله قوله ..
стр. 157
ماذا يريد ويبغي منه أيقصد ذات النبي ﷺ أم يريد منه الدعاء إلى الله تعالى أن يعافيه .. ؟
لا شك أن الأعمى قدم إلى النبي ﷺ من داره من أجل شيء يحرص عليه كل حرص وهو إعادة بصره إليه وإنه أي الأعمى ليعلم علم اليقين أن الرسول ﷺ إذا دعا له الله تعالى أن يعافيه من الضر ... تقبل الله دعاءه وأذن سبحانه بمعافاته في بصره هذا هو الدافع الوحيد الذي دفع بالأعمى للقدوم على رسول الله ﷺ كما أن دليلاً آخر يؤيد ذلك أنه لما وصل إليه ﷺ بادره حالاً قائلاً أدع الله أن يعافيني. إذاً فقد تعين من كلام الأعمى مراده من قدومه على رسول الله ﷺ وإنه ليريد دعاء رسول الله له ... ليعافيه الله من الضر.
ثم فلننظر إلى أثر هذا الطلب - أي طلب الأعمى - في نفس رسول الله ﷺ من حيث حله أو حرمته أو إمكانه أو عدمه ... فمن أجل التثبيت من ذلك فلنستعد ما أجابه به رسول الله ﷺ ... أجابه بقوله: ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير)) أي خيره بين أمرين اثنين وتركه في ذلك إلى مشيئته فإن شاء دعا له وإن شاء صبر على الضر وهذا خير له.
إذاً فهم من جواب رسول الله ﷺ له أن توسله بطلب الدعاء إلى الله أن يعافيه طلب صحيح ولا غبار عليه وأنه أيضاً في مكنة رسول الله ﷺ تحقيقه له أي بدعائه الله له أن يعافيه ... إنما نبهه إلى شيء خير من ذلك ... وهو صبره على ما قدر الله عليه ... لأن الله أعد للصابرين على قدره في الآخرة أجراً يفوق عودة بصره في الدنيا لكن الأعمى فضل المعافاة وعودة بصره في الدنيا - ما دام ذلك لا يطعن في دينه بشيء - على ما سيكون له في الآخرة إن صبر .. وقال: ((فادعه ... )) أي أدع الله أن يعافيني.
ترى ... ما كان موقف رسول الله ﷺ من طلب الأعمى .. ؟ وبخاصة بعد أن خيره بين الدعاء له أو الصبر على العمى ... ؟ لا سيما وبعد أن
стр. 158
اختار الأعمى الدعاء على الصبر ... لا شك أن المجزوم به قطعاً ... أن رسول الله ﷺ إذا وعد وفى ... وقد وعد الأعمى بالدعاء ... إنما أراد أن يكون للأعمى عمل أيضاً ... وإن أنفع عمل له في هذا الوطن هو دعاؤه الله تعالى بمعافاته من ضره ... بالإضافة إلى دعاء رسول الله ﷺ له على أن الرسول ﵊ لم يترك الأعمى يدعو بما يشاء دون أن يعلمه دعاء معيناً يدعو به ... فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ... وهذا عمل صالح يدعو بهذا الدعاء:
((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى. اللهم شفعه في)) - وفي رواية الترمذي - ((وشفعني فيه)).
هذا هو الدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ للأعمى فذهب وتوضأ وأحسن وضوءه ثم دعا بهذا الدعاء ... كما علمه إياه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وبينما كان الأعمى يتوضأ ويحسن وضوءه ... دعا له رسول الله ﷺ وشفع له عند الله تعالى: أن يعيد له بصره كما وعده.
ولعل سائلاً يسأل: من أين علمت أن رسول الله قد دعا له ... ؟ بينما الحديث خلو من هذا العلم ... ولم يقل دعا له رسول الله ﷺ الجواب.
نعم أن الحديث لم يخبرنا نصاً بأن رسول الله ﷺ قد دعا له ... ولكن هذا مفهوم ولا شك من الحديث نفسه.
١ - إن الرسول ﷺ قد وعده بالدعاء ووعده حق وصدق.
٢ - قول الأعمى في آخر الدعاء: اللهم شفعه في أي يدعو الله تعالى أن يقبل شفاعة رسول الله فيه فلولا أن يكون قد شفع فيه لما دعا الأعمى أن يتقبل شفاعته ﷺ فلا بد إذن من أن رسول الله دعا له وشفع له عند الله تعالى أن يرد عليه بصره وإلا فأي شفاعة يدعو الأعمى أن يتقبلها الله ... وممن يتقبلها ... ؟
٣ - وفي رواية الترمذي: ((وشفعني فيه)) أي وأقبل شفاعتي بقبولك
стр. 159
شفاعة رسول الله في أي كمن يقول آمين عندما ينتهي الإمام من قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة. أي استجب دعاء الإمام فينا بقوله: (اهدنا الصراط المستقيم).
وكذلك الأعمى يقول: شفعني في قبول شفاعة رسول الله في ... فإذا كان رسول الله ﷺ لم يدع له فكيف يقول: شفعني في قبول الله في لأن الهاء من قوله ((وشفعني فيه)) ضمير متصل تقديره هو عائد على الرسول ﷺ .
كل هذا ... يدل دلالة قاطعة جازمة على أن رسول الله ﷺ قد دعا للأعمى وشفع فيه عند الله أن يرد إليه بصره ولا شك أن دعاء رسول الله مستجاب وقد استجاب الله له في الأعمى فرد إليه بصره وهو على كل شيء قدير.
وهذا عثمان بن حنيف ﵁ يحدثنا: ((فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأنه لم يكن به ضر)).
هذه قصة توسل الأعمى بدعاء النبي ﷺ ليعافيه ... ويرد إليه بصره وإنها - كما رأيت - قصة صحيحة وفيها الدليل الواضح على مشروعية التوسل إلى الله تعالى بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن ... إن كان الأعلى للأدنى أو الأدنى للأعلى وهكذا فقد ثبت بهذا الحديث ما أردنا إثباته من مشروعية توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له وفهم أن معنى نبيك أي بدعاء نبيك.
أما الرد على من يتخذ هذا الحديث حجة في إثبات مشروعية التوسل الممنوع ... !! أي التوسل إلى الله بذوات المخلوقين (١) فسيكون ردنا على ذلك بعد قليل ي- إن شاء الله - رداً يستند إلى قواعد علم الحديث والمناقشة العلمية بالحجة الشرعية والبرهان المؤيد بشاهدين عدلين أعظم بهما من شاهدين عدلين: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هذا ما نرجو أن يوفقنا الله إليه
стр. 160
من نصرة الحق على الباطل والعلم على الجهل (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).
الدليل الخامس
استسقاء الصحابة بدعاء النبي ﷺ
في حال حياته
فعن ابن عباس ﵄ قال:
١ - [خرج النبي ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً متضرعاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه]. رواه الخمسة وأبو عوانة وابن حبان وعن عائشة ﵂ قالت:
٢ - [شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد.
اللهم لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغاً إلى حين)). ثم رفع يديه فلم يزل يدعو حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى بالت السيول. فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله.))] رواه الحاكم وصححه، وأبو داود وقال: هذا حديث غريب وإسناده جيد.
وعن عبد الله بن زيد قال:
٣ - رأيت رسول الله ﷺ حين استسقى لنا أطال الدعاء
стр. 161
وأكثر المسألة قال: ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهراً لبطن وتحول الناس معه] أخرجه أحمد بسند قوي.
وعن أنس ﵁:
٤ - [أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السب (١) فادع الله يغيثنا فرفع رسول الله يديه، ثم قال: ((اللهم أغثنا. اللهم أغثنا. اللهم أغثنا)). قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة (٢) وما بيننا وبين ((سلع)) (٣) من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً (٤) ثم دخل رجل من ذلك الباب
في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب (٥) وبطون الأودية ومنابت الشجر)) فأقلعت (٦) وخرجنا نمشي في الشمس))] رواه البخاري ومسلم.
سجلت لك يا أخي أحاديث أربعة صحيحة تثبت لك أن الصحابة طلبوا من الرسول ﷺ أن يستسقي لهم فماذا فعل ... ؟ لقد علمت من نص هذه الأحاديث أنه رفع يديه وسأل الله تعالى الغيث فاستجاب الله سؤله في كل طلب من مطالب الناس منه بالاستسقاء لهم ... فسقوا بإذن الله تعالى. هذه عملية الاستسقاء كما وردت في الأحاديث المتقدمة ... ومعنى ذلك أنهم توسلوا إلى الله تعالى بدعائه ﷺ ... فدعا لهم فسقاهم الله ... فهل فعل الرسول ﷺ أكثر من ذلك وهل طلب أن يتوسلوا بذاته إلى الله أو بذوات الأنبياء والمرسلين قبله؟! لا ما يكون له أن يقل لهم ذلك على أن التوسل
стр. 162
في ذلك الزمن ... كان له معناه الحقيقي فكان بدهياً عند الجميع أن معناه طلب الدعاء فإذا قالوا: توسلنا مثلاً أي طلبنا منه الدعاء. ولم يكن التوسل بالذوات من مفاهيم المسلمين إذ ذاك بل هو من البدع المحدثة. على هذا الأساس من الفهم الصحيح كان معنى التوسل عندهم والاستسقاء الذي حصل كان توسلاً بدعاء رسول الله وكان مبنياً على أساس هذا الفهم. والأحاديث المتقدمة تشهد لهذا الفهم أيضاً ... بأنه هو المتبادر إلى الأذهان بل هو المقصود وليس من معنى آخر محتمل يخالف هذا المفهوم المقرر.
إذا فهم هذا ... علم أن توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن له هو توسل مشروع متقبل وهو المطلوب أن يتخذه المؤمنون في جملة الوسائل المشروعة لقبول الدعاء. أما المفاهيم المخالفة التي تأبى أن تقر بهذه النتيجة وتصر على أن التوسل ليس له هذا المفهوم فحسب ... إنما يعني أيضاً التوسل بذات المتوسل به لقربه من الله لأنه عند الله مقدم وعظيم المكانة ... فمن أجل هذا يستجيب الله الدعاء!!! لا دعاء المتوسل به بل دعاء المتوسل بجاه أو بذات هذا المقرب إلى الله لمجرد قربه ومكانته كما هي حال الوزير عند الملك مثلاً!!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وشأن الله أجل من ذلك. وهذه المفاهيم مفاهيم جاهلية ...
هذه المفاهيم الجاهلية ... ليست جديدة إنما هي مفاهيم أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف بل هي أيضاً مفاهيم المشركين منذ أن كان الشرك على الأرض إنما سولها الشيطان وزينها لحزبه في كل زمان ... ليحول دون هداية رسالات السماء ...
стр. 163
الدليل السادس
حديث الاستسقاء بدعاء العباس ﵁
بعد وفاة رسول الله ﷺ
ثبت لك يا أخي أن الصحابة كانوا يتوسلون إلى الله بالاستسقاء بدعاء رسول الله ﷺ لهم وذلك من الأحاديث الواردة في البحث الماضي ... نعم ... كانوا يفعلون ذلك في حال حياته ﷺ ولما قبض الله نبيه إليه وألحق بالرفيق الأعلى فإذا أجذب الصحابة وقحطوا استسقوا وتوسلوا بغيره من الأحياء الذين تكون فيهم مظنة التقى والورع وبخاصة إذا كانت له وشائج قربى تربطه بالنبي ﷺ .
ولعلك تسأل يا أخي المسلم ولم يعدلون عن النبي ﷺ إلى غيره من الناس ... ؟ إذ مهما كان فيه ورع وتقى وصلاح لم يكن هذا شيئاً مذكوراً بجانب رسول الله ﷺ ... وإليك الجواب:
إن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء رسول الله حال حياته ولما توفي رسول الله ﷺ لم يعد يستطيع الدعاء بسبب وفاته وإذا مات ابن آدم انقطع عمله والدعاء ولا شك فانقطع بالموت.
ولهذا استسقى عمر بن الخطاب ﵁ إبان خلافته بالعباس ﵁ عم رسول الله ﷺ فعن أنس ﵁ قال:
[إن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: ((اللهم كما نتوسل بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)) قال فيسقون] رواه البخاري في صحيحه.
وإذاً ثبت لديك ثبوتاً قطعياً أن عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين ﵁ استسقى بالعباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ من الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه ولم يعترض أحد من الصحابة على عمل عمر بن الخطاب إذ ليس من المعقول أن يعترض أحد لعلم الناس جميعاً أن عملية
стр. 164
الاستسقاء عملية توسل بدعاء المستسقي فلما توفي رسول الله ﷺ الذي استسقوا بدعائه حالة حياته ولم يعد بالإمكان أن يدعو ... كان بدهياً وجوب التفتيش عن غيره ليستسقي لهم ... فاختار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العباس بن عبد المطلب ... ثم علل اختياره له بقوله: ((اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)).
أجل ... إنه علل اختياره: أولاً: لأن الرسول ﷺ قد قضى، ولم يعد يدعو. ثانياً: لأن العباس عم النبي ﷺ أما الفضل والسابقة والروع فيوجد في المسلمين من هو أفضل من العباس إنما قرابته من رسول الله كانت السبب باختياره للدعاء ولم يعلم أحد من الصحابة خالف عمر أو اعترض عليه فكان ذلك إجماعاً والإجماع أحد أصول الشريعة الأربعة الذي تقوم به الحجة إذاً فاختيار عمر للعباس للاستقاء بدعائه كان عملاً صحيحاً ومشروعاً وهو من نوع توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن.
فبعد أن كلف عمر العباس بالاستسقاء قال: ((أدع يا عباس ... )) وهنا نترك المجال ونتخلى عن موقف الكلام في الاسترسال بهذا البحث للحافظ ابن حجر العسقلاني ((أمير المؤمنين)) في الحديث ليروي لنا في كتابه: ((فتح الباري شرح صحيح البخاري)) صيغة الدعاء الذي دعا به العباس ﵁.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه ((فتح الباري)): ((وقد بين الزبير بن بكار في [الأنساب] صفة ما دعا به العباس لما استسقى به عمر. قال:
[اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك ... وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث] فأرخت كالجبال)).
هذا هو دعاء العباس ... وإنك يا أخي لترى أن العباس توسل إلى الله بالاعتراف باقتراف الذنوب ثم التوبة منها وهذا من أجل الأعمال الصالحة. وكان العباس ﵁ يدعو ... والمسلمون يؤمنون ... فلم يضعوا أيهديهم حتى أرخت السماء مطراً كالجبال بإذن الله.
стр. 165
هذا هو هدي السلف في الاستسقاء ... وهكذا كان المسلمون كلما قحطوا أو أجدبوا يظهرون إلى خارج مدينتهم ويستسقون بدعاء صالحيهم فقد استسقى المسلمون في عهد معاوية ﵁ بيزيد بن الأسود. وهكذا إلى زمننا هذا يستسقون بصالحيهم أي بدعائهم كما فعل رسول الله ﷺ وكما فعل العباس بن عبد المطلب ويزيد بن الأسود وسواهم إلى يومنا هذا ...
على أن (البعض.!!؟) قد بدل هدي السلف الصالح في الاستسقاء المنوه عنه إلى قراءة كتاب صحيح البخاري بتمامه ... فتوزع أجزاؤه على الحاضرين فيقرأ كل شخص جزء وهكذا ... زاعمين أن بقراءة حديث صحيح البخاري يكون الاستسقاء ويمطرون متجاهلين سنة الرسول الأعظم والسلف الصالح في ذلك وهي كما تقدم خروج المسلمين إلى المصلى خارج البلد حين تعلو الشمس متواضعين متبذلين متخشعين مترسلين متضرعين فيصلون ركعتين بإمامهم ثم يدعو أحد صالحيهم على النحو المتقدم الذكر ... وعندما يعودون يقلبون أرديتهم ظهراً لبطن إشارة للتبذل والخضوع لله تعالى.
على أن هذا الحديث نفسه يحتج به (البعض .. ؟.) أي حديث استسقاء العباس على جواز التوسل بذوات المخلوقين كأنهم فهموا أن المسلمين أن المسلمين توسلوا إلى الله بشخص لا بدعائه وسنفرد المرد على ذلك صفحات قادمة إن شاء الله (١) ... فتظهر الحقيقة واضحة ويتضح أن الدعاوى المجردة لا تنفع.
أما الحقائق العلمية القاطعة التي يتألق منها الحق بهياً أبلج ساطعاً وتتفتح على نوره العيون التي أغمضها الباطل ردحاً من الزمن وتستنير به القلوب التي كانت ترتقب دفق دم الحياة لتخفق به أبداً وتتخذ من الأيدي الأمينة التي قصر بها ضعف الأنصار وقلة المحبين وندرة السالكين أنصاراً وأحباباً نعم هذه الحقائق العليمة سينفذ نورها إلى كل قلب إن شاء الله فيولي الباطل مهزوماُ مرذولاً ... ويحل الحق في هذه القلوب يملأها هدى
стр. 166
وخيراً ونعمى.
نحن نرجو من إخواننا المسلمين عامة أن ينظروا إلى ما نقدمه من حجج شرعية بعين التأمل على الأقل ... ثم يدعوا الله تعالى أن يوفقهم إلى رؤية الحق أنه هو الحق بعينه ويحببهم فيه وإلى أن يروا الباطل أنه هو الباطل بذاته ويكرههم فيه ... وما أحد التجأ إلى الله بالدعاء المخلص إلا أجاب سؤله لا إله غيره ولا رب سواه.
عندها نلتقي جميعاً على الحق الذي ما بعده إلا الضلال ... ونعقد الأيدي على نصرته ... والحق ليس في قضية معينة فحسب ... بل في جميع القضايا وسائر الأمور التي جاء بها هذا الدين الكريم.
فإذا توافقت القلوب وتحابت الأفئدة وتجاوبت النفوس على نصرة الحق أينما كان وتضافرت الجهود على الاستماتة في هذه النصرة فإن الظفر كائن لا محالة .. والمجد عائد ولا بد والسيادة للإسلام يهتف بها في كل بلد وإنقاذ أمم الأرض يتحقق على أيدي هؤلاء الأبناء والأحفاد كما تحققت في الزمن الأول على أيدي الآباء والأجداد ... ويملأ دين الإسلام الدنيا عدلاً بعد أن ملئت جوراً وترف راية لا إله إلى الله محمد رسول الله على كل جبل وسهل وكل بر وبحر وجو إلى أن يقضي الله أمره ويهتف الجميع بأنشودة الحق: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهز الأحزاب وحده لا شيء قبله ولا شيء بعده.
стр. 167
الدليل السابع
عن أبي الزبير عن بن صفوان بن عبد الله بن صفوان، قال:
[قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام ... فقلت: نعم. فقالت: ادع لنا بخير ... فإن رسول الله ﷺ كان يقول: ((دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجابة. عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل: آمين ولك بمثل)) قال: فخرجت إلى السوق ... فلقيت أبا الدرداء. فقال لي مثل لك يرويه عن النبي ﷺ ] أخرجه مسلم.
هذا الحديث يحثنا على أن نتوسل إلى الله تعالى لإخواننا بالدعاء ويرغبنا في الثواب الذي أعده الله لمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فهذه أم الدرداء ﵂ تقول لصفوان: أدع لنا بخير وتعني أن يدعو لهم بخير في الحج عند المشاعر ... وهذا ولا شك دعاء بظهر الغيب فالداعي في مكة والمشاعر ... والمدعو لهم في الشام ... ثم ترغبه بأن لا ينسى ... ولا يفوت الثواب عليهم ولا على نفسه بقولها: فإن رسول الله ﷺ كان يقول: ((دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجابة. عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل: آمين ولك بمثل)).
فهذه أم الدرداء توسلت إلى الله تعالى بدعاء صفوان في الحج ... كيما تستجاب الدعوة فتصيب خيراً عظيماً واستجابة متحققة وصفوان توسل إلى الله تعالى بدعائه لأم الدرداء بالخير حتى يدعو له الملك: ((، ولك بمثل)). فأم الدرداء توسلت بدعاء صفوان لها ... وصفوان توسل إلى الله بدعاء الملك له وكلاً التوسلين
стр. 168
توسل بدعاء المؤمن لأخيه.
أليس في هذا الحديث حض من رسول الله ﷺ على توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن .. ؟ ألا يدل حض رسول الله وحثه على هذا التوسل ... على مشروعيته ... ؟ لا شك ولا ريب أن يدل على ذلك فيها يا أخي فإن دعاءك لأخيك بظهر الغيب توسل منك إلى الله كي يستجيب دعاءك فيه. فإذا كان رسول الله ﷺ الله عليه وسلم يحضنا على الخير ... من خلال حياته مع أصحابه فما ذاك إلا من أجل أنه عمل مشروع ... ومن أجل التأسي بهم والعمل بمثل ما كانوا يعملون. وهذه أم سليم ﵂ تتوسل إلى الله تعالى بدعاء رسول الله ﷺ لأنس وتقول: (يا رسول الله خادمك أنس أدع الله له) وهذه المرأة التي كانت تصرع وتتكشف حين صرعها. تقول: يا رسول الله: ادع الله لي فأمرها بالصبر .. وآخر الأمر سألته الدعاء لها بأن لا تنكشف عندما لا تصرع ... أنها تتوسل إلى الله تعالى بدعاء رسول الله لها ألا تتكشف حينما يقدر الله صرعها فدعا لها .. فلم تتكشف بعد ذلك.
وهذا رسول الله ﷺ يرشد أصحابه ﵃ أن يطلبوا الدعاء من ((أويس القرني)) إذا ما أدركوه ... أي أن يتوسلوا إلى الله تعالى بدعاء أويس لهم لأنه رجل - كما أخبرهم رسول الله - مستجاب الدعوة.
إن الأدلة والأمثلة على ذلك ... كثيرة لا تحصى ولا تستقصى إنما قدمت لك يا أخي يالقارئ المسلم - كما ذكرت لك آنفاً - قدمت لك باقة فواحة جنيتها من حديقة عبقة بالشذى النبوي العطر مكتظة بأفانين لا تعد من الزهر الزكي الذي يضوع أريجه على الدنيا فيضمخها بعرف زكي شذي ..
تنتعش به النفوس المؤمنة والأفئدة المطمئنة وترتاح له العقول السليمة والأفهام الصحيحة فتمتليء جميعاً هدى يقودها إلى الطريق القويم وسيسلك بها الصراط المستقيم إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين اللهم اجعلنا منهم وجنبنا مواطن الزلل واهدنا وأهد بنا إنك على كل شيء قدير وبالإجابة
стр. 169
جدير وصلى الله على محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أخي القارئ المسلم الكريم:
وهكذا فإنني على نهاية بحث التوسل المشروع بأقسامه الثلاثة:
١ - توسل المؤمن إلى الله بذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
٢ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بعمله الصالح.
٣ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له.
وقد جهدت - كما رأيت - وبقدر المستطاع ... أن أقرب هذا البحث لإخواني المسلمين المؤمنين بالدلائل المشرقة والأمثلة المتلألئة بنور الوحيين الأزهرين كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ بأسلوب كتابي بسيط وتعابير هينة لينة ... يفهمها العالم والمتعلم والمبتدئ بطلب العلم حتى يفهمها العامة إن قرأوها .. ، أو قرئت عليهم .. مبتغياً في ذلك وجه الله في ذي الجلال والإكرام ثم لتكون واسطة لإذاعة الحق الذي بان لي هداه.
وقد لا أكون أول من بحث هذا البحث فلا شك أني مسبوق إليه من أئمة الأمة الأعلام المجتهدين إنما قد يكون في تعابيرهم الراقية الفائقة وأسلوبهم الكتابي العميق وإنشائهم الرائع الرفيع ... ما لا يستطيع كل قارئ أن يغوص في هذا البحر الزخار اللآليء والجواهر فيحصل على ما يتمنى منها من الكنوز فقد عمدت إلى تقريبها وتبسيطها بأسلوب متواضع وإنشاء لين وعرض مبسط آملاً أن أكون قد قمت بهذه الخدمة على النحو المطلوب والنمط المرغوب سائلاً ربي سبحانه أن يتقبله لوجهه الكريم متوسلاً إليه بذاته العلية وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى وبكل عمل مني صالح يرضى عنه ويجبي لسيد رسله وبإيماني بجاه سيد خلقه وبحبي لأوليائه الصالحين من أمة محمد ﷺ أن يجعله عملاً نافعاً ووسيلة مقبولة لولوج رحاب رحمته ومغفرته ورضاه. وصلى الله على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم على هداه إلى ما شاء الله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 170
التوسل الممنوع:
стр. 171
التوسل الممنوع
لعل التوسل الممنوع وتعريفه وبيانه ... هو المقصود من تأليف هذا الكتاب بل هو المراد الأكيد من ذلك إنما وددت أن أسبقه ببحث التوسل المشروع بأنواعه ... وآتي بالأدلة الساطعة والحجج الدامغة على صحته وأذكر بالشارع الحكيم به وحض المؤمنين عليه وأنه سبحانه لا يقبل توسلاً ولا زلفى إلا بما شرع ... ولا شك أن التوسل المشروع لم يسم مشروعاً إلا لأنه تشريع من الله سبحانه.
ذلك لألفت أنظار إخواني المؤمنين جميعاً إلى العمل به لا لذاته فحسب ... بل لأنه مشروع مأمور به في مواضع لا تحصى وأمكنة لا تستقصى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وعندما أبين التوسل المشروع في تلألئ حججه وسطوع براهينه وتلقيه عن الله تعالى من يوم أن تلقى آدم كلمات عليه إلى عهد محمد صلوات الله عليه وعلى الأنبياء وسلامه ... وإلى يوم القيامة أعتقد بأن لهذا البيان أثراً كبيراً في أعماق النفوس من إخواني المسلمين جميعاً فأما الذين يحلون التوسل الممنوع عندما يرون الحجج والبراهين ساطعة متألقة في جانب التوسل المشروع يعيدون النظر في حلهم للتوسل الممنوع ... لا سيما عندما يرون ((حجج القوم ... )) تنهار كوخاً فكوخاً وأعشاشاً بعد أعشاش
стр. 172
أمام قوة الحجج السنية المصطفوية والأدلة الهادية المحمدية فلا تلبث أن تنهار صور تلك الأكواخ والأعشاش ويمحى رسمها من مخيلاتهم ... وإذا هم أمام الحق الأزهر والهدى الأنور والنور الأبهر فيسلكون طريق الحق على سنا هذه المعالم النبوية ... تدفع بهم إلى رضوان الله تعالى وإلى رحابه الفسيحة الباهرة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وأما الذين يحرمون التوسل الممنوع ... فيزدادون إيماناً على إيمانهم وينشطون للدعوة إلى الحق في تثبيت وتمكن مما يطلعون عليه من البراهين والحجج القرآنية والبيانات والأدلة السنية ... بالإضافة إلى ما هم عليه من الفطر السليمة في الأساس فيزدادون تثبيتاً وتثبيتاً وتمكناً وتمكناً ... وقوة ورسوخاً ... ثم يهرعون إلى إخوانهم الجدد الذين تنورت قلوبهم بالحق الذي بان لهم واطمأنت أفئدتهم إليه ويسرع بعضهم كل يلتزم أخاه يعانقه ويقبله ويحمدون الله جميعاً على ما هداهم وفتح قلوبهم إليه وشرح صدورهم له.
(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) /٩٢/الأنبياء.
هذا ... ما أؤمل أن يكون بإذن الله ... ومن أجل هذا ... كتبت هذا الكتاب ليعود الصف واحداً ويرتئب صدع جانبين من هذه الأمة الواحدة اللذين كاناً متجافيين وكاد أن ينهار بهما الصرح الذي سلمه بانيه شامخاً باذخاً في أعاليه أضواء سنته الكشافة الباهرة ﷺ .
وفي إغفاءه غفاها أهلوها بعده أمتدت إليها الأيدي السوداء ... !؟ الجانية المجرمة والأصابع الملوثة الخائنة ... ؟ فأطفأت الأنوار ... لتحجب الأعين عما تفعل تلك الأيدي والأصابع العدوة في أساس ذلك الصرح المشيد إلى أن نالت منه بعض ما تتمناه ... فانشق الصرح من فوقه تبعاً له وصار شقين ... منذرين بأن يميدا بأهلهما ... ولكن الله الذي قال في محكم كتابه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) حفظ الله هذه الأمة بحفظ قرآنها وبتيسير معرفة الصحيح من سنة نبيها حفظها من مزالق الزلل ومواطن
стр. 173
الانهيار فلا ينحرف أحد من المؤمنين إلا ويهتف القرآن والسنة في أعماقه: إلي إليّ ... فمن شاء الله له الهداية بسماع صوت الحق عاد إلى الحضيرة ومن شاء له الضلال فلن تجد له ولياً مرشداً (فأما من أعطى واتقى /٥/ وصدق بالحسنى /٦/ فسنيسره لليسرى /٧/ وأما من بخل واستغنى /٨/ وكذب بالحسنى /٩/ فسنيسره للعسرى) /١٠/الليل.
تعريف التوسل الممنوع
هو تقرب العبد إلى الله تعالى بعمل مخالف لكتابه مخانف لسنة نبيه ﷺ مثاله:
كالتوسل إلى الله بذوات مخلوقات في السموات أوالأرض من الملائكة والنبيين غير متابعة لهم في أعمالهم الصالحة ومن الأمكنة الفاضلة كالكعبة والمشعر الحرام والأزمنة الفاضلة كشهر رمضان والقدر وأشهر الحج والأشهر الحرم من غير إعطائها ما شرع الله فيها من العمل وما قضى فيها من الحرمة.
حكم التوسل الممنوع
حكم التوسل الممنوع حرام وتتراوح حرمته بحسب نوعيته وأوجهه.
والحرام: أعلاه الكفر وأدناه أي عمل فيه مخالفة شرعية ويمنع فاعله. ويتراوح المنع من الاستتابة أو القتل إلى قصاص رادع للحد الذي يراه إمام المسلمين أنه مانع من مقارفة الذنب مع تعاهده بالنصح والإرشاد والإقناع بالحجة والبرهان ويكون الترهيب والترغيب فرسي رهان من المنع.
فمقارفة الذنب عمداً أو خطأ سهواً أو نسياناً علماً أو جهلاً لا تغير من صفة الوقوع فيه ولا من حرمته وان اختلفت درجة عقوبته فيأخذ الذنب حقيقة صفته والمذنب نصيبه من الحكم ... إنما كل بحسبه.
فسأله تعالى أن يسلكنا الصراط المستقيم الموصل إلى رحمته وجنته وثوابه ويجنبنا السبل التي تفرق بنا عن سبيله ... وأن يجعلنا جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن يجعلنا من المهتدين أولي الألباب.
стр. 174
أوجه التوسل الممنوع
إن للتوسل الممنوع عند من يستحلونه أوجهاً ثلاثة:
الوجه الأول: التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل به.
كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك بفلان ... .
- ولا يعني إلا ذاته وشخصه - أن تقضي حاجتي ...
الوجه الثاني: التوسل إلى الله تعالى بجاه أو حقه أو حرمته أو بركته كأن يقول المتوسل:
اللهم إني أتوسل إليك بجاه فلان عندك أو بحقه عليك ... أو بحرمته ... أو
بركته أن تقضي حاجتي.
الوجه الثالث: الإقسام على الله بالمتوسل به كأن يقول:
اللهم أقسم عليك بفلان أن تقضي لي حاجتي ...
وقد أجاز المستحلون للتوسل الممنوع كل هذه الأوجه الثلاثة ... والحقيقة أنها جميعاً باطلة وفاسدة ومخالفة لأصول الدين ونصوصه.
وإليك البيان
أخي القارئ الكريم: لا يستطيع المستحلون للتوسل بهذه الأوجه الثلاثة أن ينكروا بأنهم يستحلونها ويدعون الناس إلى التوسل بها بل ويقولون: إنها من القربات التي يتقبل الله بها الدعاء ويستجيبه.
بينما نقول نحن: بأنها باطلة ومنعها الشرع ولم يأذن بها ... إذن فإنه توسل ممنوع. فلا يجوز لأحد أن يعمل به!!!؟ لا شك أننا قد تنازعنا في هذا الأمر واختلفنا فيه ولسنا أول من اختلف فقد اختلف من قبلنا فليس بدعاً أن نختلف وليس غريباً أن نتنازع ... فما دامت المفاهيم مختلفة لا بد أن يقع الاختلاف فهذا مما قدره الله بين عباده ... فكما أنه ﷻ قدر وقوع الخلاف ... فكذلك قد قدر سبحانه الوفاق وأوصانا إن اختلفنا أن نحتكم إلى الله ورسوله أي إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فقد قال عز من قائل:
стр. 175
(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً /٥٩/) النساء.
فأكرم وأنعم وأعظم بهذا الحكم العدل والطرفان المتنازعان راضيان بحكمه وإطاعته وتنفيذه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً /٦٥/) النساء.
فما دام الخصمان راضيين بالحكم ونازلين على ما سيقرره ويحكم به ويطيعان الحكم وينفذانه فليتقدم إذن الطرفان المتنازعان أمام الحكم العدل وليدل كل منهما بحجته وبرهانه.
أما نحن فقد سبق أن بينا في شرح التوسل المشروع ما ذكرناه ودللناه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأعمال السلف الصالح من الصحابة والقرون الخيرة على مشروعية ذلك التوسل وحض الشارع الحكيم عليه وعلى العمل به والتقرب إلى الله تعالى على أساسه ... لم نجد بين طيات الوحيين الأزهرين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ذكراً للتوسل الممنوع الذي يدعي الخصم حله وعده مشروعاً أيضاً ... فلو كان مشروعاً حقيقة لذكره الشارع في زمرة ما ذكره وحض كذلك الناس عليه وليس معقولاً أن يهمله الله تعالى ولا يبلغه رسوله ﷺ ولا يعمل به الصحابة والقرون الخيرة أًيًضلّ عنه صحابة رسول الله، ويهتدون هم إليه ... ؟ إذن فعدم وجوده لا في كتاب ولا سنة دليل على عدم مشروعيته. وإذا لم تثبت مشروعيته فهو إذن ليس مشروعاً ... وبدهيّ إذا لم يكن مشروعاً ... أن يكون ممنوعاً وحراماً.
هذا دليل عام يشمل الأوجه الثلاثة للتوسل الممنوع على عدم مشروعيتها ولكننا نحب أن نضيف إلى ذلك .. أدلة على عدم مشروعية كل وجه من وجوه التوسل الممنوع ... والذي ادعوا حله ... !!! فنقول وبالله المستعان:
الوجه الأول: التوسل إليه تعالى بذات وشخص المتوسل به.
إن التوسل بذات وشخص المتوسل به إلى الله تعالى عمل غير شرعي لأنه
стр. 176
لم يأمر به الله ولا بلغه رسوله ﷺ على أن التوسل بذات الشخص بدون متابعة للعمل الذي كان يعمله فبلغ به المنزلة الطيبة عند الله إنما هو عمل قد ذمه الله تعالى لما وصف توسل المشركين فقال حاكياً عنهم: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) /٣/ الزمر.
فالتوسل بالعبد الصالح من غير متابعة له في الأعمال الصالحة لا يجوز أن يكون وسيلة فهذا التزلف بذوات الأشخاص رده الله سبحانه ولم يقبله. وإنه تعالى قد عاب عليهم في هذه الآية أمرين اثنين: عاب عليهم عبادة الأولياء من دونه وعاب عليهم محاولتهم القربى والزلفى إليه تعالى بالأشخاص والعباد المخلوقين فكلا الأمرين في الآية عيب وذنب. وكلاهما باطل وكذب وضلال وقال تعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) /٣٧/ سبأ.
أي إن الذين يقربون عند الله درجاتٍ ومنازل عظيمة والذين تضاعف لهم حسناتهم إنما تضاعف بأعمالهم لا بالجاهات ولا بالوساطات.
قول ابن تيمية: ﵀
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل بغير ذلك: فأجاب ﵀:
الحمد لله رب العالمين: إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة يبلغنا أمر الله فهذا حق. فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى عباده فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون وهم عن ربهم ضالون محجوبون.
стр. 177
ثم قال: وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم ويسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه فهو أعظم من الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء شفعاء يجتلبون المنافع ويدفعون بهم المضار. اهـ.
قول أبي حنيفة ﵀:
قال في الدر المختار: وفي التتار خانية معزياً للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها /١٨٠/) الأعراف.
قول ابن عربي:
وقال الشيخ ابن عربي شيخ الصوفية في الفتوحات المكية ج٤ ص٢٢٦ بولاق: (إن الله تعالى لم يترك لعبده حجة عليه بل لله الحجة البالغة فلا يتوسل إليه بغيره إنما هو طلب القرب وقد أخبرنا أنه قريب وخبره صدق).
الوجه الثاني: التوسل إلى الله تعالى: بجاه فلان أو حقه أو حرمته وما أشبه.
أما التوسل إلى الله تعالى: بجاه أو بحرمة المتوسل به ... فهذا عمل لم يشرعه الله ولم يبلغه رسوله ﷺ ولا أمر به ولا حض عليه ولم يصل إلينا عن أحد من أصحابه ﵃.
وإننا نوجه سؤالاً للذين يستحلون هذا النوع من التوسل فنقول:
إن هذا الذي تسألون الله بجاهه أو بحرمته عنده كيف يكون له هذا الجاه والحرمة وتلك المنزلة الطيبة عنده سبحانه؟ أليس هذا كله من طاعته لربه وتنفيذه لأوامره وتركه لنواهيه وفعله الخيرات وجهاده في سبيل الله ونشره الدعوة بين الناس وصبره على الأذى في سبيلها .. ؟ أليس كذلك ... ؟ ولولا أن يفعل هذا ... ما كان له في ذلك الجاه ولا الحرمة ولا تلك المنزلة العالية. فإذا كان الأمر كذلك ... فهل لكم من أعماله تلك أي سهم أو نصيب ... ؟ ستقولون: لا إن عمله له وليس لأحد أي نصيب منه، فأقول: هذا القول
стр. 178
الحق بارك الله فيكم فما دمتم تعلمون أن كل هذه المكانة والحرمة متأتية له من سعيه ومتأكدون أن سعيه له وليس لكم فيه من حق ... فكيف إذاً تتوسلون إلى الله بجاهٍ لا تملكونه وحرمة ليس لكم فيها أية علاقة ومكانة اختصه الله بها وليس لكم منها مثقال ذرة ... ؟ والله قرر في كتابه العزيز: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى /٤١/) النجم.
إذاً فالذي ليس من سعيكم ليس لكم فيه من نصيب ... فتوسلكم بجاهه أو بحرمته أو منزلته مخالف لما قال سبحانه في الآية المتقدمة وليس لكم أن تفعلوا ذلك.
وبناء على ما تقدم فإن كل توسل إلى الله ربما لم يشرع ... غير مقبول ومردود ... لأنه ليس مطابقاً لما أمر وشرع هذا عدا عن أن مخالفة أمر الله يترتب عليها عقاب لأن مخالفة أمر الله ذنب ولكل ذنب عقاب.
فما رأيكم بعمل تعملونه ... وتظنون أنه قربى إلى الله وفي الواقع ليس هو قربى ... بل ذنب يستحق أن تتوبوا منه أو تعاقبوا عليه ... فلا أنتم منه تتوبون أو تستغفرون ولا أنتم عنه راجعون فتكررون الذنب ولا تستغفرون ويتراكم ولا تشعرون وتحسبون أنكم بعملكم هذا تحسنون صنعاً .. !!!
وهكذا ... فإن الشيطان زين لكم عملكم وحسنه في نظركم فظننتموه. سناً فأطعتم الشيطان ... ! وعصيتم الرحمن!!! ولكن بعد أن وضح الحق ... هل أنتم منتهون؟
وإذا كان هناك رجال صالحون قبضهم الله إليه ومضوا إلى ما عملو من خير وصلاح ... فهم - إن شاء الله - في بحبوحة من رحمة الله ومغفرته ورحاب فسيحة من رضاه وعفوه وكرمه، فليس لأحد أن يتوسل إلى الله بصلاحهم ... لأن صلاحهم من سعيهم لا من سعي المتوسلين بهم.
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀:
(ليس لأحد أن يدل على الله بصلاح سلفه فإنه ليس صلاحهم من عمله
стр. 179
الذي يستحق به الجزاء كأهل الغار الثلاثة، فإنهم لم يتوسلوا إلى الله بصلاح سلفهم وإنما توسلوا إلى الله بأعمالهم (١) اهـ.
ولماذا لا تعملون صالحاً كما عملوا .. وتتوسلون بأعمالكم الصالحة كما توسلوا ... فتكتب لكم في صحائفكم وتتقربون بها إلى الله وتتوسلون كما فعل السلف الصالح ممن سبقكم ... أمات سمعتم الشاعر يقول:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الآباء نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثلما فعلوا
و قال شارح العقيدة الطحاوية: ﵀ .
(ولا مناسبة بين ذلك - أي صلاح المتوسل به - وبين استجابة الدعاء فكأن المتوسل يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعاي! وأي مناسبة في هذا ... وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء وقد قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية أنه لا يحب المعتدين) /٥٥/الأعراف.
وهذا ... ونحوه من الأدعية المبتدعة ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الأئمة ﵃ وإنما يوجد مثل هذا ... في الحروز والهياكل - أي التمائم - التي يكتب بها الجهال والطرقية والدعاء من أفضل العبادات والعبادات مبناها على السنة والاتباع لا على الهوى والابتداع).
الوجه الثالث - الإقسام على الله جل وعلا بالمتوسل به
الأصل في القسم أو الحلف أن يكون بالله تعالى لأنه عبادة ومعلوم أن العبادة لا يجوز أن تصرف إلا لله ولذا فإنه لا يجوز القسم أو الحلف بغيره سبحانه وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: [من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت] وفي لفظ: [من حلف بغير الله فقد أشرك] رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححوه. فإذا فهم هذا ... فيتعين أن لا يجوز الحلف بمخلوق على مخلوق فكيف يجوز الحلف بالمخلوق على الخالق ... !؟ كأن يقول
стр. 180
مثلاً: اللهم إني أقسمت عليك بفلان أو أسألك بحق فلان أن تقضي حاجتي ...
قد يتأثر المخلوق إذا أقسمت عليه بعظيم أو مكرم لديه ... فيتحول عن عزمه الذي كان عازماً على فعله ... إلى مرادك الذي أقسمت عليه بأن يلتزم به ... أما الله سبحانه فلا أحد يستطيع
أن يحول مراده أو يؤثر عليه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (وهو يجير ولا يجار عليه) /٨٨/ المؤمنون. أي هو السيد العظيم الذي لا أعظم منه أحد الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه الذي لا يمانع ولا يخالف وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فمن كان هذا شأنه كيف تقسم عليه بمخلوق؟ ألا إن شاء الله أعظم من ذلك وإن الله تعالى جده وتقدست أسماؤه وجلت صفاته هو الذي يقسم به على مخلوقاته لا أن يقسم عليه بمخلوقاته.
ألا ترى معي يا أخي المسلم أن الإقسام على الله بمخلوقاته ليس شركاً فحسب .. بل هو تقرب إلى الله بالشرك به ... !!! والمفروض بالتقرب ... أن يكون بشيء يرضي المتقرب منه ... ولا يفكر عاقل بأن يتقرب إلى أحد بما يكره وإن هؤلاء الذين يقسمون على الله بمخلوقات يتقربون إلى ربهم بذلك ... والله سبحانه لا يرضيه أن يشرك به عباده ... فضلاً عن أن يتقربوا إليه بهذا الشرك وما أدري إذا كان هؤلاء يدرون ما يفعلون أو لا يدرون ... !!!؟
(فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة * وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم)
ثم نسأل: إذا كان الحلف عبادة ... هل المحلوف به أعظم أم المحلوف عليه أعظم ... ؟ سيقولون بل المحلوف به أعظم ... فإذا كان المحلوف به أعظم فعندما نحلف على الله بأحد خلقه من يكون هنا المحلوف عليه ... ؟!!! سيقولون: المحلوق والمحلوف عليه هو الله الخالق. فنقول: أرأيتم كيف جعلتم المخلوق أعظم عندكم من الخالق ... ؟!!! نعوذ بالله من الشرك والكفر وسوء المنقلب في الدنيا والآخرة.
أرأيت يا أخي المسلم كيف يستولي الشيطان على هؤلاء فيريهم الحق باطلاً والباطل حقاً ... ؟ أرأيت يا أخي إلى أية هاوية يريد الشيطان أن يرديهم فيها.؟