← Акыда

Акыда · id 37535

التوصل إلى حقيقة التوسل

محمد نسيب الرفاعي

Полный текст (335 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لم يأمر به الله ولا بلغه رسوله ﷺ على أن التوسل بذات الشخص بدون متابعة للعمل الذي كان يعمله فبلغ به المنزلة الطيبة عند الله إنما هو عمل قد ذمه الله تعالى لما وصف توسل المشركين فقال حاكياً عنهم: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) /٣/ الزمر. فالتوسل بالعبد الصالح من غير متابعة له في الأعمال الصالحة لا يجوز أن يكون وسيلة فهذا التزلف بذوات الأشخاص رده الله سبحانه ولم يقبله. وإنه تعالى قد عاب عليهم في هذه الآية أمرين اثنين: عاب عليهم عبادة الأولياء من دونه وعاب عليهم محاولتهم القربى والزلفى إليه تعالى بالأشخاص والعباد المخلوقين فكلا الأمرين في الآية عيب وذنب. وكلاهما باطل وكذب وضلال وقال تعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) /٣٧/ سبأ. أي إن الذين يقربون عند الله درجاتٍ ومنازل عظيمة والذين تضاعف لهم حسناتهم إنما تضاعف بأعمالهم لا بالجاهات ولا بالوساطات. قول ابن تيمية: ﵀ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل بغير ذلك: فأجاب ﵀: الحمد لله رب العالمين: إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة يبلغنا أمر الله فهذا حق. فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى عباده فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون وهم عن ربهم ضالون محجوبون.

стр. 177

ثم قال: وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم ويسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه فهو أعظم من الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء شفعاء يجتلبون المنافع ويدفعون بهم المضار. اهـ. قول أبي حنيفة ﵀: قال في الدر المختار: وفي التتار خانية معزياً للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها /١٨٠/) الأعراف. قول ابن عربي: وقال الشيخ ابن عربي شيخ الصوفية في الفتوحات المكية ج٤ ص٢٢٦ بولاق: (إن الله تعالى لم يترك لعبده حجة عليه بل لله الحجة البالغة فلا يتوسل إليه بغيره إنما هو طلب القرب وقد أخبرنا أنه قريب وخبره صدق). الوجه الثاني: التوسل إلى الله تعالى: بجاه فلان أو حقه أو حرمته وما أشبه. أما التوسل إلى الله تعالى: بجاه أو بحرمة المتوسل به ... فهذا عمل لم يشرعه الله ولم يبلغه رسوله ﷺ ولا أمر به ولا حض عليه ولم يصل إلينا عن أحد من أصحابه ﵃. وإننا نوجه سؤالاً للذين يستحلون هذا النوع من التوسل فنقول: إن هذا الذي تسألون الله بجاهه أو بحرمته عنده كيف يكون له هذا الجاه والحرمة وتلك المنزلة الطيبة عنده سبحانه؟ أليس هذا كله من طاعته لربه وتنفيذه لأوامره وتركه لنواهيه وفعله الخيرات وجهاده في سبيل الله ونشره الدعوة بين الناس وصبره على الأذى في سبيلها .. ؟ أليس كذلك ... ؟ ولولا أن يفعل هذا ... ما كان له في ذلك الجاه ولا الحرمة ولا تلك المنزلة العالية. فإذا كان الأمر كذلك ... فهل لكم من أعماله تلك أي سهم أو نصيب ... ؟ ستقولون: لا إن عمله له وليس لأحد أي نصيب منه، فأقول: هذا القول

стр. 178

الحق بارك الله فيكم فما دمتم تعلمون أن كل هذه المكانة والحرمة متأتية له من سعيه ومتأكدون أن سعيه له وليس لكم فيه من حق ... فكيف إذاً تتوسلون إلى الله بجاهٍ لا تملكونه وحرمة ليس لكم فيها أية علاقة ومكانة اختصه الله بها وليس لكم منها مثقال ذرة ... ؟ والله قرر في كتابه العزيز: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى /٤١/) النجم. إذاً فالذي ليس من سعيكم ليس لكم فيه من نصيب ... فتوسلكم بجاهه أو بحرمته أو منزلته مخالف لما قال سبحانه في الآية المتقدمة وليس لكم أن تفعلوا ذلك. وبناء على ما تقدم فإن كل توسل إلى الله ربما لم يشرع ... غير مقبول ومردود ... لأنه ليس مطابقاً لما أمر وشرع هذا عدا عن أن مخالفة أمر الله يترتب عليها عقاب لأن مخالفة أمر الله ذنب ولكل ذنب عقاب. فما رأيكم بعمل تعملونه ... وتظنون أنه قربى إلى الله وفي الواقع ليس هو قربى ... بل ذنب يستحق أن تتوبوا منه أو تعاقبوا عليه ... فلا أنتم منه تتوبون أو تستغفرون ولا أنتم عنه راجعون فتكررون الذنب ولا تستغفرون ويتراكم ولا تشعرون وتحسبون أنكم بعملكم هذا تحسنون صنعاً .. !!! وهكذا ... فإن الشيطان زين لكم عملكم وحسنه في نظركم فظننتموه. سناً فأطعتم الشيطان ... ! وعصيتم الرحمن!!! ولكن بعد أن وضح الحق ... هل أنتم منتهون؟ وإذا كان هناك رجال صالحون قبضهم الله إليه ومضوا إلى ما عملو من خير وصلاح ... فهم - إن شاء الله - في بحبوحة من رحمة الله ومغفرته ورحاب فسيحة من رضاه وعفوه وكرمه، فليس لأحد أن يتوسل إلى الله بصلاحهم ... لأن صلاحهم من سعيهم لا من سعي المتوسلين بهم. قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀: (ليس لأحد أن يدل على الله بصلاح سلفه فإنه ليس صلاحهم من عمله

стр. 179

الذي يستحق به الجزاء كأهل الغار الثلاثة، فإنهم لم يتوسلوا إلى الله بصلاح سلفهم وإنما توسلوا إلى الله بأعمالهم (١) اهـ. ولماذا لا تعملون صالحاً كما عملوا .. وتتوسلون بأعمالكم الصالحة كما توسلوا ... فتكتب لكم في صحائفكم وتتقربون بها إلى الله وتتوسلون كما فعل السلف الصالح ممن سبقكم ... أمات سمعتم الشاعر يقول: لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الآباء نتكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثلما فعلوا و قال شارح العقيدة الطحاوية: ﵀ . (ولا مناسبة بين ذلك - أي صلاح المتوسل به - وبين استجابة الدعاء فكأن المتوسل يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعاي! وأي مناسبة في هذا ... وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء وقد قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية أنه لا يحب المعتدين) /٥٥/الأعراف. وهذا ... ونحوه من الأدعية المبتدعة ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الأئمة ﵃ وإنما يوجد مثل هذا ... في الحروز والهياكل - أي التمائم - التي يكتب بها الجهال والطرقية والدعاء من أفضل العبادات والعبادات مبناها على السنة والاتباع لا على الهوى والابتداع). الوجه الثالث - الإقسام على الله جل وعلا بالمتوسل به الأصل في القسم أو الحلف أن يكون بالله تعالى لأنه عبادة ومعلوم أن العبادة لا يجوز أن تصرف إلا لله ولذا فإنه لا يجوز القسم أو الحلف بغيره سبحانه وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: [من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت] وفي لفظ: [من حلف بغير الله فقد أشرك] رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححوه. فإذا فهم هذا ... فيتعين أن لا يجوز الحلف بمخلوق على مخلوق فكيف يجوز الحلف بالمخلوق على الخالق ... !؟ كأن يقول

стр. 180

مثلاً: اللهم إني أقسمت عليك بفلان أو أسألك بحق فلان أن تقضي حاجتي ... قد يتأثر المخلوق إذا أقسمت عليه بعظيم أو مكرم لديه ... فيتحول عن عزمه الذي كان عازماً على فعله ... إلى مرادك الذي أقسمت عليه بأن يلتزم به ... أما الله سبحانه فلا أحد يستطيع أن يحول مراده أو يؤثر عليه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (وهو يجير ولا يجار عليه) /٨٨/ المؤمنون. أي هو السيد العظيم الذي لا أعظم منه أحد الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه الذي لا يمانع ولا يخالف وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فمن كان هذا شأنه كيف تقسم عليه بمخلوق؟ ألا إن شاء الله أعظم من ذلك وإن الله تعالى جده وتقدست أسماؤه وجلت صفاته هو الذي يقسم به على مخلوقاته لا أن يقسم عليه بمخلوقاته. ألا ترى معي يا أخي المسلم أن الإقسام على الله بمخلوقاته ليس شركاً فحسب .. بل هو تقرب إلى الله بالشرك به ... !!! والمفروض بالتقرب ... أن يكون بشيء يرضي المتقرب منه ... ولا يفكر عاقل بأن يتقرب إلى أحد بما يكره وإن هؤلاء الذين يقسمون على الله بمخلوقات يتقربون إلى ربهم بذلك ... والله سبحانه لا يرضيه أن يشرك به عباده ... فضلاً عن أن يتقربوا إليه بهذا الشرك وما أدري إذا كان هؤلاء يدرون ما يفعلون أو لا يدرون ... !!!؟ (فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة * وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم) ثم نسأل: إذا كان الحلف عبادة ... هل المحلوف به أعظم أم المحلوف عليه أعظم ... ؟ سيقولون بل المحلوف به أعظم ... فإذا كان المحلوف به أعظم فعندما نحلف على الله بأحد خلقه من يكون هنا المحلوف عليه ... ؟!!! سيقولون: المحلوق والمحلوف عليه هو الله الخالق. فنقول: أرأيتم كيف جعلتم المخلوق أعظم عندكم من الخالق ... ؟!!! نعوذ بالله من الشرك والكفر وسوء المنقلب في الدنيا والآخرة. أرأيت يا أخي المسلم كيف يستولي الشيطان على هؤلاء فيريهم الحق باطلاً والباطل حقاً ... ؟ أرأيت يا أخي إلى أية هاوية يريد الشيطان أن يرديهم فيها.؟

стр. 181

تُرى هل شعروا بهمز الشيطان ونفخه ونفثه يسري في كيانهم كما يسري السم في الجسد ... ؟ وهل سيظلون هكذا طائعين منقادين كالأنعام إلى جهنم وبئس المصير ... أسيظلون هكذا ... أم يفلتون من حبال عدوهم ويهربون إلى ربهم تائبين منيبين إليه، يذرفون دموع الندم ويرجون من الله رحمة ومغفرة ... والله إن فعلوا ... لوجدوا الله تواباً رحيماً فبادروا يا رعاكم الله إلى كنف التواب الرحيم تلقوا عفوه وكرمه ورضوانه رغم ما أسلفتم من الذنوب والآثام (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) /٥٣/الزمر. وإن الكريم سبحانه لا يغفر ذنوبكم فحسب بل يبدلها حسنات وهذا جزاء التائبين المستغفرين المؤمنين العاملين اسمعوا قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً) /٧٠/الفرقان. وقد ألحى العلماء باللائمة على من يقسم بالمخلوق وأقاموا النكير عليه وحذروا منه أشد التحذير لما فيه من المساس بالألوهية والعياذ بالله تعالى. قال شارح العقيدة الطحاوية: (وإن الإقسام على الله بحق فلان فذلك محذور لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز فكيف على الخالق؟! وقد قال ﷺ : [من حلف بغير الله فقد أشرك] ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك حق كره أبو حنيفة ومحمد ﵄ أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك ولم يكرهه أبو يوسف ﵀ لما بلغه الأثر (١) كما أن القول: بجاه فلان عندك أو نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك ومراده أن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا. وهذا أيضاً محذور فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته. وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه يطلبون

стр. 182

منه أن يدعو لهم وهم يؤمنون على دعائه كما في الاستسقاء وغيره فلما مات رسول الله ﷺ قال عمر ﵁ لما خرجوا يستسقون -: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه: بدعائه الله لنا وشفاعته عنده وليس المراد أنا نقسم عليك/به/أو نسألك بجاهه عندك إذ لو كان ذلك مراداً لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس). اهـ ويروي ... أن داود ﵇ قال: [اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك فأوحى إليه: وما حق آبائك علي؟] (٢). وقال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي: (قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: ((لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول: أسألك بمعاقد العز من عرشك. وأن يقول: بحق فلان وأنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام)) قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله فمنكره لأنه لا حق لغير الله عليه وإنما الحق له على خلقه) وفي قول له: (المسألة بخلقه لا تجوز: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز يعني: وفاقاً).وقال ابن بلدجي في شرح المختار: (ويكره أن يدعو الله إلا به. ولا يقول: أسألك بملائكتك أو أنبيائك أو نحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق على خالقه). وقال نعمان خير الدين الحنفي في ((جلا العينين)) وذكر العلائي في شرح التنوير عن التتار خانية: أن أبا حنيفة قال: ((لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به)) وجميع متون الحنفية أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت الحرام مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار اهـ. (٢) قيل أنه ضعيف وقد رويناه بصيغة التمريض للدلالة على ضعفه وذكرناه استئناساً للمناسبة مع بيان ضعفه. وننتهي هنا من إيراد أدلتنا في إثبات عدم شرعية التوسل إلى بذوات المخلوقين الذي أطلقناه عليه: ((التوسل الممنوع)) فقد فندنا كل وجه من أوجهه

стр. 183

الثلاثة المتقدمة ... وأثبتنا بطلانها جميعاً وفسادها جملة وتفصيلاً لعدم مطابقتها لأحكام الكتاب والسنة ومخالفتها لهما ومجانبتها الحق وانحرافها عن الصواب. فلله وحده الحمد والشكر والثناء الحسن كما يحب ربنا ويرضى على ما ألهمنا فيه من الحجج والأدلة القرآنية والسنية الصحيحة. وإننا إذ نضع ما كتبناه بين أيدي المخالفين الذين تحجبهم (بعض الشبه!!!) عن تقريرهم النهائي فيما يرون من الأدلة الشرعية التي سقناها ... نهيب بهم أن يدلوا بأدلتهم المعاكسة التي تثبت عكس ما قلناه ... فإن كانت حججهم وأدلتهم مطابقة للقرآن والسنة الصحيحة نصاً وفهماً وتخريجاً فإننا نعدهم وعداً قاطعاً أننا نعود للحق الذي بان لنا من أدلتهم ... كما نرجو منهم إما وجدوا ذلك عندنا ... واستبان لهم الحق مما وضح من أدلتنا أن يعدونا أيضاً وعداً قاطعاً. بأن يعودوا إلى ذلك الحق ويتوبوا إلى الله تعالى ويستغفروه فلا يكون إلا الحق منصوراً ولا بد أن يكون الباطل إلا مخذولاً ومقهوراً. والحكمان العدلان الأزهران النيران ... كتاب الله وسنة رسوله بانتظار الحكم بالحق لصاحب الحق من بيننا ويعترف كل منا بهذا الحق ونعود جميعاً جبهة واحدة وصفاً متراصاً ونكون - إن شاء الله - حملة التركة المحمدية ... التي أورثناها رسول الله ﷺ : [تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي] فنعيد ذلك العهد الأزهر والزمن الأنور. خير القرون إلى قيام الساعة. ولئن فاتنا نحن أبناء هذا الجيل ... صحبة نفس رسول الله ﷺ فلا نحرم من صحبة أنفاسه الطاهرة التي ما تزال تفوح من بين أسطرها ... عبقاً زكياً وعرفاً شذياً وتزهر منها أضواء الحق وأنوار الخير ودفقات سنا الهدى. (أهل الحديث همو أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه، أنفاسه صحبوا) وهنا نتخلى عن مقام الكلام والكتابة تاركين المجال لإخواننا الذين نؤمل

стр. 184

بهم الرجوع إلى الحق فليدلوا بأدلتهم فقد ادعوا: أن لهم أدلة قرآنية وسنية يستندون إليها ... باتخاذهم هذا النوع من التوسل الذي دعوناه (ممنوعاً ... ) واعتباره مشروعاً ... بالنسبة لما يحفظون من الأدلة ... فلا بأس ... فلعلهم يكونون على حق فليدلوا بها (وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) /٣٤/ سبأ. الصحابة لم يقسموا على الله بالنبي ... ولم يسألوه به .. !! قال ابن تيمية ﵀: ((التوسل بمعنى الإقسام على الله بذاته ﷺ أو السؤال به ... فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته لا عند قبره ولا غير قبره ولا نعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عمن ليس قوله حجة)).

стр. 185

التوسل الممنوع أدلة أنصاره وحججهم أهي أدلة أم شبه

стр. 186

قالوا: أخطأتم جداً ... لما أطلقتم على التوسل بذوات المخلوقين أو بجاههم وحرمتهم أو بالقسم بحقهم أو بهم اسم (التوسل الممنوع) فبأي دليل منعتموه ... ؟ نحن لا نخالفكم بالتوسل المشروع فكل ما أوردتموه من حجج وأدلة نوافقكم عليه وهو صحيح إنما لا نوافقكم على منعكم وتحريمكم التوسل بذوات المخلوقين فكما أن لديكم حججاً وأدلة على التوسل المشروع فكذلك نحن لدينا حجج من القرآن والسنة على صحة ما نذهب إليه من حل ذلك التوسل وإننا مستعدون أن نورد الآيات والأحاديث التي تدعم ادعاءنا هذا ... وإليكم البيان: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) /٣٥/المائدة. وقال تعالى: ١ - (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً /٥٦/ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً) /٥٧/ الإسراء.

стр. 187

٢ - وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله فاستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) /٦٤/النساء. وكذلك أيضاً ... لدينا من الأحاديث العديدة ما يفيد صحة توسلنا بذوات المخلوقين. وإليكم البيان. ١ - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: ((اللهم إني أسألك بحق السائلين وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته))]. رواه ابن ماجه. ٢ - روى البيهقي في كتابه المسمى دلائل النبوة عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : [لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي فقال الله تعالى كيف عرفت يا محمداً ولم أخلقه قال: يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله تعالى: صدقت يا آدم أنه لأحب الخلق إلي وإذا سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك] رواه الحاكم وصححه. ٣ - قصة مالك مع أبي جعفر المنصور وفيها أنه سأل مالكاً فقال: يا أيا عبد الله أأستقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله ﷺ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به. ٤ - حديث فاطمة بنت أسد: [الله الذي يحيى ويميت وهي حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين].

стр. 188

٥ - حديث الأعمى: عن عثمان بن حنيف ﵁[أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: أدع الله أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير قال: فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي اللهم شفعه في)) فعاد وقد أبصر - وفي رواية - قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر]. ٦ - حديث الرجل الذي كانت له حاجة عند عثمان بن عفان. روى الطبراني والبيهقي: [كان يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ رجل في زمن خلافته في حاجة ... فكان لا يلتفت ولا ينظر إليه في حاجته. فشكا ذلك لعثمان بن حنيف فقال له: إئت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي وتذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ذلك ثم أتى باب عثمان ﵁ فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان ﵁ فأجلسه معه وقال له اذكر حاجتك فذكر حاجته فقضاها ثم قال: ما كان لك من حاجة فاذكرها ثم خرج من عنده فلقي ابن حنيف فقال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر لحاجتي حتى كلمته لي فقال ابن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره] إلى أخر الحديث المتقدم أي (حديث الأعمى). ٧ - حديث [إذا سألتم الله فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم] ٨ - خبر [إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور] ٩ - حديث استسقاء بلال بن الحرث بعد وفاة الرسول ﷺ . روى البيهقي وابن أبي شيبة: أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر ﵁ فجاء بلال بن الحرث ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ إلى قبر النبي ﷺ وقال يا رسول الله: استسق لأمتك فإنهم هلكوا فأتاه رسول

стр. 189

الله ﷺ في المنام وأخبره أنهم سيسقون. حديث الاستسقاء بالعباس: ١٠ - روى البخاري في صحيحه من رواية أنس بن مالك ﵁: [أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب ﵁ وقال: اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وأنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون]. ١١ - حديث عام الفتق: روى الدارمي في مسنده عن أبي الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة ﵂: فقال انظروا إلى قبر رسول الله ﷺ فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق. ١٢ - حديث توسل الأعرابي بالرسول ﷺ بعد وفاته بثلاثة أيام وحديث العتبي روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن علي حدثنا محمد بن الهيثم الطائي حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: [قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام فرمى نفسه على قبر النبي ﷺ وحثى على رأسه من ترابه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله ما وعينا عنك وكان فيما أنزل الله ﵎ عليك (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباُ رحيماً /٦٤/) النساء. وقد ظلمت نفسي وجئتك لتستغفر لي فنودي من القبر أنه غفر لك]. ١٣ - حديث العتق: روى في الجوهر المنظم أن أعرابياً وقف على القبر الشريف وقال: اللهم إن هذا حبيبك وأنا عبدك والشيطان عدوك فإن غفرت لي سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك وإن لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي عدوك وهلك

стр. 190

عبدك وأنت يا رب أكرم من أن تغضب حبيبك وترضي عدوك وتهلك عبدك. اللهم إن العرب إذا مات فيهم سيد اعتقوا على قبره وإن هذا سيد العالمين فاعتقني على قبره يا أرحم الراحمين. فقال له بعض الحاضرين: يا أخا العرب إن الله قد غفر لك بحسن هذا السؤال. ١٤ - أبيات الأعرابي: روى البيهقي عن أنس ﵁ أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ يستسقي به وأنشد أبياتاً أولها: أتيناك والعذراء يدمي لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل إلى أن قال: وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأنى فرار الخلق إلا إلى الرسل فلم ينكر عليه ﷺ هذا البيت بل قال أنس: لما أنشد الأعرابي قام ﷺ يجر رداءه حتى رقى المنبر فخطب ودعا لهم فلم ينزل يدعو حتى أمطرت السماء. ١٥ - وفي صحيح البخاري: أنه لما جاء الأعرابي وشكا للنبي ﷺ القحط فدعا الله فانجابت السماء بالمطر ﷺ : لو كان أبو طالب حياً لقرت عيناه. من ينشدنا قوله؟ فقال علي ﵁: يا رسول الله: كأنك أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل فتهلل وجه الرسول ﷺ ولم ينكر إنشاد البيت ولا قوله يستسقى الغمام بوجهه ولو كان ذلك حراماً أو شركاً لأنكره ولم يطلب إنشاده. ١٦ - حديث سواد بن قارب: روى الطبراني في الكبير أن سواد بن قارب ﵁ أنشد الرسول ﷺ قصيدته التي فيها التوسل، (يقول الدحلان): ولم ينكر الرسول عليه ومنها قوله: وأشهد أن الله لا رب غيره وأنك أدنى المرسلين وسيلة فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... وإنك مأمون على كل غائب إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب وإن كان فيما فيه شيب الذوائب بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب

стр. 191

١٧ - روى النووي في الأذكار [أن النبي ﷺ أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر ثلاثاً: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد ﷺ أجرني من النار]. ١٨ - لولا عباد ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صباً. ١٩ - حديث السؤال بمحمد والأنبياء. يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده [أن أبا بكر الصديق أتى النبي ﷺ فقال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني فقال له رسول الله ﷺ : قل اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وبموسى نبيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد بكل وحي أوحيته وقضاء قضيته. ٢٠ - حديث دعاء حفظ القرآن. ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس مرفوعاً أنه قال: سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه ويدعو به في أداء صلواته: اللهم إني أسألك بأنك مسؤول لم يسأل مثلك ولا يسأل وأسألك بحق محمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى روحك وكلمتك ووجيهك ... وذكر تمام الدعاء. ٢١ - حديث استفتاح اليهود على المشركين بمحمد ﷺ . يروي عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان فلما بعث النبي ﷺ كفروا به فأنزل الله تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ... )

стр. 192

٢٢ - روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال [سألت ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة فقال: ((أنا فاعل))]. ٢٣ - مرثية صفية بنت عبد المطلب: يقول الشيخ دحلان: وكذا من أدلة التوسل مرثية صفية ﵂ عمة رسول الله ﷺ فإنها رثته وفاته ﷺ بأبيات فيها قوله: ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا ... وكنت بنا براً ولم تك جافياً ففيها النداء بعد وفاته مع قولها (وأنت رجاؤنا) وسمع تلك المرثية الصحابة ﵃ فلم ينكر عليها أحد قولها: يا رسول الله أنت رجاؤنا. ٢٤ - رؤيا الترمذي: ذكر طاهر بن هاشم با علوي في كتابه المسمى ((مجمع الأحباب)) في ترجمة الإمام أبي عيسى الترمذي صاحب السنن أنه رأى في المنام رب العزة فسأله عما يحفظ عليه الإيمان حتى يتوفاه عليه قال: فقال لي: قل: إلهي بحرمة الحسن وأخيه وجده وبنيه وأمه وأبيه نجني من الغم الذي أنا فيه يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك يا الله يا الله يا أرحم الراحمين. ٢٥ - توسل الشافعي بآل البيت: ذكر ابن حجر المكي في كتابه المسمى: بالصواعق المحرقة لإخوان الضلال والزندقة أن الإمام الشافعي ﵁ توسل بأهل البيت النبوي حيث قال: آل النبي ذريعتي أرجو بهم أعطي غداً ... وهم إليه وسيلتي بيدي اليمين صحيفتي ٢٦ - توسل الشافعي بأبي حنيفة عند ضريحه: قال ابن حجر المكي في كتابه المسمى (بالخيرات الحسان) في مناقب أبي حنيفة النعمان في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة ﵁ يجيء إلى ضريحه يزور فيسلم عليه ثم يتوسل إلى الله به في قضاء حاجاته.

стр. 193

٢٧ - أرأيتم ... لو كان لأحدكم حاجة عند كبير من المخلوقين أما كنتم توسطون له فيها أحداً من خواصه الذين لهم دالة عليه، فيدخل عليه ويكلمه بشأنها فتقضى هذه الحاجة لديه؟ ستقولون نعم ... فنقول: وهكذا نحن نوسط إلى الله تعالى أنبياءه وأولياءه وأصفياءه لتقضى حوائجنا عنده ... فما بالكم أقمتم الدنيا وأقعدتموها ... ؟ وبعد: فها نحن قد سردنا لكم ما نعتمده من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة والحجج المنطقية في جواز التوسل بذوات المخلوقين عسى أن تقتنعوا بها ... وينتهي هذا الخلاف بيننا. والحمد الله رب العالمين. ثم قالوا: ولعلكم إذا أنعمتم النظر في أدلتنا العديدة التي أوردناها عليكم ... ترجعون عما يجول في خواطركم من تسفيه التوسل بالصالحين وتسفيه القائلين به ... بل وتكفيرهم أحياناً!! متجاهلين التدهور في الدين والأخلاق ولإقبال على المنكرات التي تقترف علناً في الشوارع والطرقات ... كأن الأمر لا يهمكم ولا يوجد منكر في نظركم إلا بحث التوسل الممنوع فأقمتم النكير عليه وعلى أهله!!؟ بينما أعداء الأمة يفرحون بهذا النزاع المستمر ويستغلونه إلى أبعد حدود الاستغلال ... أيجوز أن نفتح في صفوفنا ثغرات تمكن عدونا أن يخلص إلينا منها ... ؟ يجب أن تنتبهوا إلى هذه الأخطار وتكفوا عن طرح هذه المواضيع ... وهذا على افتراض أنكم محقون فيما تذهبون إليه فكيف بكم وأنتم لستم كذلك ... !!؟ وخاصة بعد ما اطلعتم على حججنا وبراهيننا الناطقة بثبوت صحة التوسل الذي منعتموه ... وفي هذا القدر من الكلام حول هذا الموضوع كفاية ونأمل أن تسلموا للحق الذي أطلعتم عليه وتوقنوا به. علنا نعود - إن شاء الله صفاً واحداً ونعود كما وصفنا الله في كتابه العزيز:

стр. 194

(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران. هذا ... ما قاله ((القوم!!!؟)) ولكن لن نرد عليهم بأكثر من أن نرفع الأعصبة عن أعينهم ونريهم أن الذي ظنوه حججاً وأدلة ... وأدلوا بها ليثبتوا صحة مدعاهم من جواز التوسل الممنوع ليست حججاً ولا براهين ولا أدلة إنما هي الشبه لبست عليهم وسولت لهم وحسنت في أنظارهم ... فظنوها مستندات شرعية ... وسيزدادون أمام الناس هبوطاً لأنهم - مع الأسف - لم ينتقوا من الأدلة إلا التي هي عليهم وظنوها بجهلهم أنها لهم وإن سائر أدلتهم ... موضوعة ومكذوبة وأعلاها مرتبة ما هو شديد الضعف الذي لا يعذر أحد بالجهل به، ولكن هكذا يفعل التقليد بأصحابه فيرديهم الهلاك وهم لا يشعرون. وما داموا قد شاءوا لأنفسهم هذه النتيجة ... فلن نكون أرحم بهم من أنفسهم هذا من جهة بيان أخطائهم ولكن موقفنا منهم أي من حيث تعرية أدلتهم وإظهار حقيقتها إنما هو رحمة بهم حتى يعلموا أن هذه الأدلة التي زعموها أدلة!!! ليست إلا أصابع تشير إلى جهلهم لينظر الناس إليهم على حالهم المكشوفة ... فيعدلوا من أوضاعهم. وليس عيباً على المرء أن يخطئ ... إنما العيب كل العيب أن تعرف نفسك أنك مخطئاً وتستمر في خطئك ولا شك أن كل ابن آدم خطاء ولكن خير الخطائين التوابون. ولنا الثقة بالله تعالى أن يهديهم إلى الحق ... فيتخذوه مسلكاً قويماً ومنهجاً سليماً وصراطاً مستقيماً. هذا ولنبدأ بإزاحة الأسترة عن الشبه والكشف عنها وإننا لسوف نريهم في أعينهم كيف تتهافت حججهم وتتلاشى أدلتهم ... !! بل وتضمحل شبههم وتذوب نهائياً كما يذوب الملح في الماء. (بل ونقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) /٨١/الأنبياء. وسيبقى الحق دائماً حجة قائمة لله على عباده إلى أن يقوم الناس لرب العالمين والحمد لله أولاً وآخراً كما يحب ربنا ويرضى.

стр. 195

كشف الشبهات تحقيق في صحة أدلة الخصوم لقد أورد ((القوم ... )) ثلاث آيات قرآنية وسبعة وعشرين حديثاً وقولاً كأدلة على صحة وشرعية التوسل بذوات المخلوقين - زعموا - ليس المهم إيراد الآيات والأحاديث لإثبات شرعية أمر ما ... إنما المهم أن تكون هذه الآيات والأحاديث واردة في محالها وفي مناسباتها وخاصة منها الأحاديث فمن المعلوم عند أهل العلم أنه ليس كل ما يرد من الأحاديث صحيحاً ففيها الصحيح والضعيف وشديد الضعف والموضوع والمكذوب والباطل الذي لا أصل له ... وليس كل من يورد حديثاً ما ... يعلم صحته أو درجته فقد يورد أحاديث وتكون صحيحة مثلاً ولكن لا تؤيد الوجهة المستشهد بها وقد تؤيد وجهة نظره ولكنها ضعيفة أو موضوعة ... أي لا تقوم بها حجة ولا ينهض بها دليل. إذاً ... فمجرد إيراد الأحاديث لا يقدم في الموضوع ولا يؤخر فيه شيئاً ... إلا إذا كانت صحيحة في ذاتها ... وفي الاستشهاد بها عندها تصلح دليلاً وتثبت بها الحجة ... وعلى هذا الأساس سيكون النظر في الأدلة الواردة من ((القوم ... )) هذا النظر المبني على القواعد العلمية المعترف بها وعلى الأسس التي اتفق عليها أهل العلم فإن كانت مطابقة لهذه القواعد والأسس حمدنا للقوم ... صنيعهم وأضفنا معلوماتهم إلى معلوماتنا أو صححنا معلوماتنا على أساس ما صح عندهم من الأحاديث وندعو لهم بالخير لأنهم دلونا على علم جديد وخير جديد أما إذا كانت غير ذلك ... فنحن في حل منها ... ومن الاستشهاد بها. ولنبدأ أولاً بالآيات الكريمة التي أوردها. فإنه لاشك في الآيات فهي كلام الله تعالى ... ولكن هل كان استشهادهم بها صحيحاً ... وتصل أن تكون حجة لهم في الموضوع المختلفين فيه .. ؟ وها نحن أولاء نورد الآية الأولى التي استشهدوا بها على صحة التوسل بذوات المخلوقين.

стр. 196

أدلتهم القرآنية الدليل الأول قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (٣٥) المائدة يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه وهي إن قرنت بطاعته كان المراد بها الإنكفاف عن المحارم وترك المنهيات (وابتغوا إليه الوسيلة) قال ابن عباس: الوسيلة هي القربة وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه على أن الله يعلمنا ويوجهنا في تعيين نوعية الوسيلة والقربة إليه وهي: الإيمان به وتقواه وطاعته والجهاد في سبيله وهذا هو طريق الفلاح الموصل إليه تعالى والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم في فراديس جنته التي أعدها الله للمتقين فأين هنا حجة القوم في التوسل بذوات المخلوقين ... !!؟ لو أن الخلاف بيننا قائم على إثبات التوسل أو إنكاره إطلاقاً بمعنى أنهم مثلاً أصل التوسل ولكن لسنا مختلفين على هذا ... إنما اختلافنا على شرعية التوسل بذوات المخلوقين أو عدم شرعيته فهم يقولون بشرعيته ونحن نقول بعدم ذلك ... فهل هذه الآية الكريمة أثبتت شرعية التوسل بذوات المخلوقين أم أنها أثبتت شرعية التوسل بالأعمال الصالحة من الإيمان والتقوى والجهاد في سبيل الله!؟ الجواب واضح ويقوله كل من قرأ هذه الآية الكريمة ويثبت أن الله تعالى أمر

стр. 197

بالتوسل إليه والتقرب منه بالإيمان والتقوى والجهاد في سبيله وليس فيها للتوسل بذوات المخلوقين أي تلميح فضلاً عن التصريح ... وفي الحقيقة ... أن هذه الآية حجة لنا ... لا لهم. وقد سبق أن استشهدنا بها على شرعية التوسل بالأعمال الصالحة في أول الكتاب. ومع ذلك نكون لهم من الشاكرين إذا تفضلوا ووضعوا إصبعهم مشيرين إلى موضع الشاهد منها الذي يؤيد مدعاهم ولمننا نجزم بأنهم لا يستطيعون لأنها خالية مما يدعون ولكن لماذا احتجوا بها؟ هذا ما لا أستطيع الإجابة عليه لأنني لست مسؤولاً عنه. ولما كانت هذه الآية لا تؤيد شرعية التوسل بذوات المخلوقين ولا تمت بأية صلة إلى الموضوع لذا فقط سقط الاحتجاج بها لما سقط بها الاستشهاد يضاف إلى ذلك أن الآية تصلح حجة لخصومهم عليهم. لا حجة لهم.

стр. 198

الدليل الثاني قوله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً (٥٦) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً (٥٧). إن هاتين الآيتين نزلتا في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن ... ! فأسلم الجنيون أما الإنس الذين كانوا يعبدونهم لم يعلموا بإسلامهم فأنزل الله على عبده ورسوله محمد ﷺ مخبراً بذلك فقال عز من قائل (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) أي اعبدوهم ما شئتم (فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً) أي أن الشيء الذي تبغونه منهم من كشف الضر أو النفع فإنهم لا يملكونه ... بل هو من خصائص الله تعالى لا سيما وإن (أولئك الذين يدعون) أي أن الذين يعبدونهم قد أسلموا ... وإنهم يتنافسون فيما بينهم ويتسابقون في فعل الطاعات لله أيهم يكون اقرب من أخيه إلى الله بفعله هذه الطاعات ليفوز من الله بالرضى (يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً) أي أنهم يتقلبون بعبادتهم لله تعالى بين رجاء رحمته وخشية عذابه الذي يجب على الجميع أن يحذر منه أي: أيها الذين تعبدون أولئك الجن ... انظروا كيف أنهم آمنوا بالله تعالى وأنقذوا أنفسهم من الشرك ويتسابقون في مرضاته تعالى بالعمل الصالح ويتوسلون به إليه سبحانه أفلا يدفعكم حالهم التي هم عليها إلى الفهم بأن هؤلاء ليسوا آلهة تعبد ولو كانوا كما تظنون لما عبدوا غيرهم أفلا تعبدون ما يعبدون .. ؟

стр. 199

استعملوا عقولكم فلعلها تدلكم على الحق لأن الإله الذي كنتم تعبدونه ... أصبح يعبد غيره أفيكون هذا الذي يعبد غيره عابداً أم معبوداً ... ؟ لا بل هو عابد وليس معبوداً ... فكيف تعبدونه؟ لا سيما وإنه يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه ويحاذر أن يقع فيه هذا هو معنى الآية فأي استشهاد لكم فيها على دعواكم؟ وأي احتجاج بها على ما تذهبون إليه من القول بجواز التوسل بذوات المخلوقين ... ؟ يا ناس إن الآية واردة في موضوع الحض على أفراد الله العبادة لله وتوحيده وأنتم في موضوع التوسل بذوات المخلوقين فأين موضوع الآية من موضوعكم .. ؟ إذاً فالآية تبحث في موضوع مستقل عن موضوعكم فكيف تشهدون بها في بحث لا يمت لبحث الآية بصلة ... ؟ لعل وجود لفظة ((الوسيلة)) دفعكم إلى الظن بأن الآية لها علاقة ببحثكم ... ؟ المجرد وجود لفظة ((الوسيلة)) يفهم أن البحثين لهما صلة ببعض أما قرأتم الآية وتفسيرها ... ؟ أما أنعمتم النظر والفهم بمعانيها ... ؟ أهكذا تستشهدون ... ؟ كان أولى بكم مراجعة الموضوع ودرسه ثم افتراض ورود بعض الإشكالات بالدلالة الشرعية. وإن رأيتم أن هذا الاحتجاج لا ينهض دليلاً لإثبات وجهة نظركم فيمكن الاستغناء عنه وهذا خير من إيراده بلا مراجعة أو درس فتكونون قد فتحتم للخصم باباً للرد عليكم وخسرتم دعواكم. وعلى كل فإن استشهادكم هذا جاء في غير محله ولا علاقة له بالموضوع الذي ترغبون إثباته فسقط استدلالكم ولم تعد هذه الآية صالحة لأن تكون مستنداً لكم على صحة دعواكم فلا أدري إذا كنتم تريدون أن تفتشوا عن دليل آخر تثبتون دعواكم من جديد ... فلا بأس وإننا لمنتظرون.

стр. 200

الدليل الثالث قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً (٦٤) النساء يقول تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) أي فرضت طاعته على من أرسلته إليهم ولا يطيعه إلا من وفقته لذلك وقوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ... ) الآية ... يرشد تعالى العصاة والمذنبين والكفار والمنافقين ويحضهم أن يأتوا مجلس رسول الله ﷺ ويستغفروا الله عنده ويسألوا الرسول أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفرلهم ولهذا قال تعالى ( ... لوجدوا الله تواباً رحيماً) هذا هو معنى الآية الكريمة ولا يخفى على القارئ المسلم الكريم أن هذا خاص في حياته ﷺ . وهذه الملاحظة يدركها من قوله تعالى: (واستغفر لهم الرسول) وبدهي أن لا يكون الاستغفار منه ﷺ إلا في حال حياته ... لأن الاستغفار وكل عمل للإنسان ينقطع بعد الموت لقوله ﷺ : [إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له]. ولا شك أن رسول الله ﷺ يشمله هذا الحديث لأنه ولا ريب من بني آدم وقد قضى الله عليه الموت والتحق بالرفيق الأعلى ففهم من هذا ... أن ما جاء في هذه الآية من مجيء المذنبين إلى مجلسه واستغفارهم فيه ثم سؤالهم رسول الله أن يستغفر لهم كل هذا خاص في حال حياته ولا علاقة في هذا الحكم لأحد بعد مماته ﷺ -

стр. 201

لأن كل عمل من دعاء واستغفار وكلام وسمع وبصر وما يتعلق من صفات الأحياء ينقطع بالموت. وقد جد للصحابة أمور مختلفة بعده كان من الضروري أن يأتوه ويستغفروا الله عنده ثم يسألوه أن يستغفر لهم ... ولكن شيئاً من مثل هذا ... لم يحصل ألبتة لعلمهم أنه توفي ... ولم يعد باستطاعته أن يعمل شيئاً مما كان يستطيعه قبل الوفاة هذا معروف وبدهي عند كل إنسان ناهيك عن المسلمين الذين يقرأون في كتاب الله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) وقوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) وما من أحد من المسلمين يشك في أن رسول الله ﷺ قد توفي وإلا فمن هذا الذي نزور مسجده بالمدينة ثم نزور قبره ونسلم عليه؟ اللهم أجز عنا نبينا محمداً ﷺ ما هو أهله الأصل في إيراد الدليل والحجة في أي أمر ما هو إثبات صحة ذلك الأمر وإن الذين يقولون بالتوسل إلى الله بذوات المخلوقين أتوا بهذه الآية من جملة حججهم على شرعية التوسل الذين يقولون به. على أننا إذا أنعمنا النظر في معنى الآية الكريمة لا نرى فيها لا تلميحاً ولا تصريحاُ لما ذهبوا إليه. لأن قصدهم منصرف إلى إثبات شرعية التوسل بذوات المخلوقين والآية تبحث بشأن آخر وهو: إن الله يصف فيها واقع حال المنافقين في زمن رسول الله ﷺ فقد كانوا يصدون عن متابعة رسول الله ﷺ وإذا احتاجوا إليه في أمر من الأمور يأتون إليه معتذرين ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا مداراة ومصانعة لا اعتقاداً منا بصحة احتكامنا إلى الطاغوت وقد أمر الله نبيه ﷺ ألا يعنفهم ويكتفي بما ادعوا من ظاهر حالهم ... ثم ينصحهم سراً بقول وكلام بليغ ... هؤلاء هم الذين نزلت في حقهم هذه الآية فقال عز من قائل: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) أي ظلموها بنفاقهم وعدم متابعتك (جاءوك) أي جاءوك تائبين من نفاقهم (واستغفروا الله) أي دللوا على توبتهم من نفاقهم بأن جاءوك واستغفروا الله في مجلسك وأمامك (واستغفر لهم الرسول) أي سألوك أن

стр. 202

تستغفر لهم بالإضافة إلى استغفارهم إن فعلوا ذلك عن إيمان وإخلاص (لوجدوا الله تواباً رحيماً) أي وجدوه قابلاً لتوبتهم غافراً لذنوبهم رحيماً بهم فأي علاقة لمعنى هذه الآية بما استشهدوا واحتجوا بها على صحة وجواز التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين ... ؟! أجل لا علاقة لما جاء في الآية بما أرادوا من الاحتجاج به ولذا يسقط الاحتجاج بالآية لأنهم احتجوا في غير موضع الاحتجاج وبما لا علاقة له به. فإن قالوا: وكيف لا علاقة باحتجاجنا بالآية والذي نقول به هو واقع الآية تماماً فهم استغفروا الله عنده ونحن نستغفر الله عنده هو سألوه أن يستغفر لهم ونحن نسأله أن يستغفر لنا فأي فارق بين الواقعين. فنقول وبالله المستعان أن الفاروق ظاهر وكبير جداً ولا قياس بين الواقعين وإليكم البيان: ١ - فقوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) فـ/لو/ كما يقول النحويون: حرف امتناع لامتناع أي امتنع المجيء والاستغفار فامتنعت التوبة والرحمة وأننا نسأل: هل جاءوا؟ هل استغفروا الله في مجلس رسول الله ... ؟ هل سألوا رسول الله ﷺ أن يستغفر الله لهم؟ ثم هل استغفر لهم بالفعل ... ؟ كل هذه الأسئلة لم تحدثنا الآية بأجوبة عنها بل قالت: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) فـ/لو/ هنا لا تفيد أنهم جاءوا ... وإذا لم يجيئوا إلى رسول فكيف يستغفرون الله في مجلسه؟ فقد امتنع المجيء فامتنع الاستغفار في مجلسه ﷺ وإذا لم يستغفروا الله في مجلسه وامتنع بعدم مجيئهم فكيف يسألون الرسول أن يستغفر لهم وإذا لم يحضروا ويستغفروا الله في مجلسه ويسألوه أن يستغفر الله لهم فكيف يستغفر الرسول لهم ... ؟ إذاً ... كل هذا قد امتنع فامتنعت التوبة من الله عليهم والرحمة منه تعالى بهم فكيف تقيسون واقعاً تفعلونه أنتم ... على شيء تتخيلون وقوعه وفي الحقيقة: إنه لم يقع بدليل الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً فإن الله تعالى ينفي

стр. 203

عنهم الإيمان حتى يحكموا رسول الله ﷺ ولم يثبت أنهم حكموا رسول الله ... بل ثبت أنهم حكموا الطاغوت ومن يحكم الطاغوت ليس مؤمناً فقد ثبت عدم إيمانهم فكيف يأتون رسول الله ويستغفرون الله عنده إلى آخره إذا ثبت عدم مجيئهم إلى الرسول من ثبوت عدم إيمانهم .. وهكذا ثبت أنهم لم يجيئوا فكيف تقيسون مجيئكم إليه ﷺ على عدم مجيء فبهذا تقيسون واقعاً على عدم واقع. وبرغم ما تقدم من تحليل صحيح فإننا نقول أن هذه الآية أي قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك تفيد أنهم لو جاءوه واستغفروا الله وسألوه رسول الله أن يستغفر لهم الله لغفر الله لهم ولرحمهم ما في ذلك شك إذاً تفيد الآية أن من فعل ذلك كان له تلك التوبة والرحمة ولكن متى ... ؟ يحصلون على ذلك ولكن إن فعلوا ذلك حال حياته فهل هو الآن حي حتى تذهبوا إليه وتكلموه أن يستغفر لكم الجواب: لا ... لأنه ميت لا يتكلم ولا يستغفر وقد انقطع عمله بموته كما أخبرنا هو ﷺ ... إذاً كيف تقيسون حالة موته على حال حياته ... ؟ هل يستقيم قياس بينهما ... ؟ وإننا علمنا أن ذلك خاص في حياته من قوله تعالى: (واستغفر لهم الرسول) ولا يستغفر إلا إذا كان حياً ففهم أن الأمر خاص به حال حياته فما أظن أحداً يفهم من الآية ما فهمنا ولم يقل بقولكم من أحد من الصحابة ولا التابعين ولا القرون الخيرة ولا أي من العلماء الذي يسيرون على نهج النبوة. وعلى افتراض أنه بالإمكان استغفار الرسول ﷺ بعد وفاته فليس في الآية ما يدل على دعواكم بجواز التوسل إلى الله بذوات المخلوقين فالآية تدل على التوسل بدعاء الرسول واستغفاره لهم لا على التوسل بذاته وشخصه ﷺ مع العلم أن نزاعنا قائم على جواز التوسل بذوات المخلوقين أو عدم الجواز لا على استغفار الرسول لهم وجوازه أو عدم جوازه إذاً فليس في الآية حجة على شرعية التوسل بذوات المخلوقين وعلى هذا: يسقط أيضاً احتجاجكم بالآية وتبقى دعواكم بلا دليل وكل دعوى بلا دليل ساقطة ولا قيمة لها وهذا الافتراض الذي افترضناه انقطع بوفاته ﷺ ولم يعد حكمه قائماً لانتفاء حياة الرسول

стр. 204

وإذا انتفت حياته انتفى دعاؤه. وما أظن هذا إلا من البدهيات التي لا يختلف فيها اثنان ومن المسلمات التي لا تحتاج إلى نقاش ولا إلى أخذ ورد. فما بالكم تتخذون من هذه الآية حجة لكم على جواز التوسل بذوات المخلوقين؟ فإن كنتم لا تزالون تقيسون مماته على حياته ... !!! فهذا كما قلنا آنفاً قياس مع الفارق للتباين الحاصل بين واقعي الحياة والموت على أن إصراركم على اعتبار مماته وحياته سيان .. !! لا يقدم ولا يؤخر من الواقع شيئاً فلا عبرة ولا قيمة لإصراركم التافة. وكل ما تقدم من بحث ... يثبت أن احتجاجكم بالآية المتقدمة لا ينهض دليلاً على ادعائكم بجواز التوسل بذوات المخلوقين بل لا علاقة به البتة ولم يثبت ادعاؤكم بل سقط لأنه لا أساس له ولا مستند له فانهار لأنه ادعاء غير شرعي بل هو ابتداع ما أنزل الله به من سلطان. ونأمل أن تتوبوا إلى الله منه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 205

استشهادهم في الآيات كان في غير محله تلك آيات ثلاث ... استشهدوا بها على شرعية دعواهم بجواز التوسل بذوات المخلوقين ولكنهم خسروا دعواهم لأن استشهادهم كان في غير محله أي استشهدوا بآيات لا تمت مواضيعها ومضامينها بأية صلة من قريب أو بعيد إلى موضوع جواز التوسل بذوات المخلوقين فحري بمن يستشهد بمثل هذا الاستشهاد أن تسقط دعواه ويخسرها لأنه لم يستطع أن يثبتها. على أنهم قدموا بالإضافة إلى الثلاث آيات المشار إليها اثنين وعشرين حديثاً وبيتاً واحداً من مرثية صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ورؤيا للإمام الترمذي وخبرين عن الشافعي ﵁. وأن كل ما تقدم من أحاديث وأقوال أخرى قدموها استشهاداً واحتجاجاً بها على شرعية التوسل بذوات المخلوقين الذي سميناه بالتوسل الممنوع. على أن هذه الأحاديث التي قدموها سوف نتحقق من صحتها أو عدم ذلك على القواعد العلمية الحديثية ونرى ماذا قال فيها أهل العلم تعديلاً وتجريحاً فما كان صحيحاً أخذناه أو غير صحيح أبيناه وبينا علله ونرجو الله تعالى أن لا نبتغي إلا وجهه الحق ولو كان على أنفسنا ولا يمنعنا عن نصرة الحق أي اعتبار ومهما كان خصمنا عظيماً في نظره أو في الناس، سنواجه بالحق الذي لا يعلو ولا يعلي عليه فما من عظيم إلا والحق أعظم منه فلو كان الحق ينادي

стр. 206

به طفل لأيدناه ونصرناه ولو نادى بالباطل عظيم لحاربناه وخذلناه فالحق أحق أن يتبع ويؤيد وينصر. نسأل الله تعالى أن يسدد خطانا ويهبنا رشدنا وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويحببنا فيه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ويكرهنا فيه إنه سميع قريب مجيب الدعاء. أدلتهم الحديثية وها نحن أولاً نجري البحث على الأحاديث التي احتجوا بها على شرعية التوسل إلى الله بذوات المخلوقين! وننظر فيها بناء على ما قرره الثقاة الأعلام والأئمة الإثبات من جهابذة علم الحديث ... فإن أقروا صحتها نأخذ بها ونضف إلى علمنا علماً جديداً ونشكر للذين احتجوا بها حسن صنيعهم وندع الله لهم أن يجزيهم عنا كل خير ويجزل لهم الثواب بما يستحقون وفوق ما يستحقون. وإن نفى أهل العلم صحتها بما لديهم من الأدلة على ذلك ... فإنا نضيف إلى من زعموا صحتها علماً جديداً إلى علمهم بأنها غير صحيحة ولا يحتج بها ولا يستشهد فيعلمون هذا ويدعون لنا بالخير وبأن يثيبنا الله على ذلك بما نستحق وفوق ما نستحق ... وبفضله ومنه وكرمه. ونكون في نفس الوقت أذعنا على المؤمنين علماً بالأمر حتى يكونوا على بينة منه فنجنبهم بذلك أوزاراً قد يحملونها ... وأوزاراً من الناس الذين أخذوا بها اعتقاداً وعملاً قد يحملونها فوق أوزارهم لأنهم كانوا سبباً لذلك ... وهكذا ... فإن العلم الصحيح نور يستضاء به في ظلمات الجهل بل يبدد ظلماته فلا يبقى مع النور ظلمة ولامع العلم جهل ولا مع اليقين شك نسأله تعالى العون والسداد والتوفيق والرشاد إنه على كل شيء قدير.

стр. 207

الحديث الأول اللهم بحق السائلين عليك عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: ((اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي ... فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته]. رواه ابن ماجه الكلام على هذا الحديث إن هذا الحديث ضعيف وقد تكلم فيه أهل العلم بالحديث وحكموا عليه بالضعف لأن في سنده عطية بن سعيد العوفي. قال الذهبي: ضعيف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ضعيفاً. وقال سالم المرادي: كان عطية يتشيع وقال ابن معين: صالح. وقال أحمد: ضعيف الحديث وبلغني أن عطية كان يأتي (الكلبي) فيأخذ عنه التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد!!!؟ فيقول: قال أبو سعيد ... !!! يوهم أنه أبو سعيد الخدري ... ! قال النسائي: ضعيف. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيراً شيعي مدلس من الثالثة مات سنة ١١١. هذا هو واقع هذا الحديث وحاله ... وإن عطية هذا ... كما رأيته يا أخي شيعي مدلس ضعيف!!! وأن مثله لا يحتج بحديثه للعلل التي تأكدها فيه أهل الحديث فحديث في سنده: عطية بن سعيد العوفي هو حديث محكوم عليه بالضعف ولا يصلح أن يكون حجة وكل دعوى بصحته ... تظل دعوى مجردة عارية عن الدليل ولا يثبت به أي حكم.

стр. 208

وروى هذا الحديث أبو بكر السني في كتابه ((عمل اليوم والليلة)) وقال: حدثنا ابن منيع حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا علي بن ثابت الجريري عن الوازع ابن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ قال: [كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الصلاة قال: ((بسم الله آمنت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله اللهم بحق السائلين عليك وبحق مخرجي هذا ... فإني لم أخرج أشراً ولا رياء ولا سمعة خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك أسألك أن تعيذني من النار وتدخلني الجنة))]. هكذا رواه ((ابن السني)) عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ قال النووي في الأذكار: حديث ضعيف فإن أحد رواته ((الوازع بن نافع)) وهو متفق على ضعفه وإنه منكر الحديث وقال الحافظ في شرح الأذكار بعد تخريجه من طريق ابن السني بهذا اللفظ: هذا الحديث واه. وقال الدارقطني: تفرد به الوازع وهو متفق على ضعفه وإنه منكر الحديث. قال الحافظ: والقول فيه أشد من ذلك وقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: متروك وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة! وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة وقال البخاري: منكر هذا الحديث وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وهو ضعيف. وقال أيضاً وهو متروك ومجمع على ضعفه. وهكذا تبين أن الحديث من كلا الطرفين ضعيف بل شديد الضعف مما لا يحتج به لما فيه من العلل المذكورة وكان كل مراد المحتجين به أن يثبتوا فيه صحة التوسل بذوات المخلوقين من قوله: ((اللهم بحق السائلين عليك)) قال بعض أهل العلم: ((على فرض صحة الحديث فإنه لا يؤيد مدعاهم لأنه حق السائلين على الله أن يجيبهم لقوله تعالى ((ادعوني استجب لكم)) فكأنهم توسلوا إلى الله تعالى بصفة الإجابة التي هي صفة من صفات الله وهذا من أعلى درجات التوسل المشروع فإن قيل فأي فرق بين قول الداعي: بحق السائلين عليك وبين قوله: بحق نبيك أو نحو ذلك؟ فالجواب:

стр. 209

إن معنى قوله بحق السائلين عليك بالإجابة وأنا من جملة السائلين فأجب دعائي بخلاف قوله بحق فلان - فإن فلاناً وإن كان له حق على الله بوعده الصادق - فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة هذا السائل فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعاي! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء وقد قال تعالى: (ادعو ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين) /٥٥/ الأعراف. وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة إذا لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أحد من الأئمة ﵃. والدعاء من أفضل العبادات والعبادات مبناها على السنة والاتباع لا على الهوى والابتداع)).اهـ إن هذا القول على وجاهته ما لنا فيه من حاجة طالما الحديث غير صحيح ... فلماذا .. نفترض صحته ... ثم نجري هذه المناقشة ... فما دام الله قد عافانا منها فلماذا نحشر أنفسنا فيها فالحديث غير صحيح ولا يحتج به وقد سقطت دعوى القوم فيه وكفى الله المؤمنين القتال. وعلى هذا فإن الحديث شديد الضعف ولا تنهض به للقوم حجة وبقيت دعواهم تحتاج إلى دليل لإثباتها فليفتشوا عن دليل آخر فإن وجدوا فعلى الرأس وإن لم يجدوا فإن الله قد فتح أبواب التوبة على مصاريعها فليلجها من يشاء. والله هو التواب الرحيم.

стр. 210

الحديث الثاني توسل آدم بمحمد عليهما الصلاة والسلام روى البيهقي في كتابه المسمى ((دلائل النبوة)) عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ [لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي فقال الله تعالى: يا آدم كيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)) فعلمت إنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله تعالى صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ وإذا سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك] رواه الحاكم وصححه. الكلام على هذا الحديث لا شك في أن آدم ﵇ قد اقترف الخطيئة ولا شك أن الله غفر له خطيئته إنما علينا أن نعلم الأسباب التي قام بها حتى غفر الله له. هذا هو البحث الذي نود أن نعالجه ونقف على حقيقته ... حتى تبين إذا تبينا فكرة ما ... تبنيناها صحيحاً له حجته وبرهانه ودليله. فمن أجل أن نحصل على نتيجة صحيحة مقطوع بها يجب أن نتبع طرقاً صحيحة للحصول على نتائج صحيحة ولما كنا نحن السلفيين نتبع منهجاً معيناً في البحث هو المنهج الذي سلكناه إياه رب العالمين وبلغنا إياه رسوله الأمين ﷺ فسيكون نقاشاً لهذا الحديث ... على أساس ذلك المنهج القويم والصراط المستقيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً /٥٩/) النساء.

стр. 211

وقال ﷺ : [تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي] هذا هو منهجنا ومسلكنا في كل أمر إذا وقفنا منه على مفترق الطرق ... ونحن الآن ... قد تنازعنا مع القوم ... في تعيين نوع الوسيلة التي توسل بها آدم ﵊ حتى غفر الله له خطيئته فالقوم ... يقولون إنه توسل إلى الله بمحمد ﷺ كما جاء في هذا الحديث الذي رمزنا إليه بـ (الحديث الثاني) والذي اتخذوه دليلاً على جواز التوسل بالمخلوقين ونحن نقول بأن الله غفر له بكلمات تلقاها من ربه فتاب عليه ... ولم تكن المغفرة بسبب توسله بمحمد ﷺ مع العلم بأن محمداً هو أشرف الخلق إطلاقاً وعلى هذا الأساس نود أن نعمين الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه. فنقول مستعينين بالله: روى مجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد معدان وعطاء الخياساني أن هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هي قوله تعالى: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) /٢٣/الأعراف. قال سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع: أخبر من سمع عن مجاهد عن عبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفر لي. قال: فذلك قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وعن ابن عباس: قال آدم ﵇: ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى ونفخت في من روحك؟ قيل له: بلى. وكتبت علي أن أعمل هذا ... قيل له بلى: قال أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. وكذا رواه العوفي وسعيد بن جبير وسعيد بن معبد. ورواه الحاكم في مستدركه

стр. 212

إلى ابن عباس. وروى ابن أبي حاتم حديثاً مرفوعاً شبيهاً بهذا عن مجاهد. قال: الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين. اللهم لا إله لا أنت سبحانك وبحمدك ربي إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم). قلت كل ما تقدم يؤيده قوله تعالى: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين) ومعنى هذا ... أن آدم وحواء اعترافا بذنبيهما وجعلا هذا الاعتراف الذي هو مضمون ما علمها الله سبحانه من التوسل وهو: (الاعتراف بالذنب) ثم طلبا المغفرة متوسلين إليه تعالى بتوبتيهما إليه أن يغفر لهما ذنبيهما فتاب عليهما إنه هو التواب الرحيم. ولا عبرة لما خالف ذلك ... لأن الحجة عما ثبت عن الصحابة وعن سلف الأمة والأئمة ولا يجوز تفسير القرآن بأقوال شاذة أو موضوعة لا تثبت عند أهل العلم والحديث وأئمة التصحيح والترجيح. هذا هو اعتقادنا بأن تعالى غفر لآدم وحواه بالكلمات التي تلقاها آدم من ربه وهي: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ... ) ودليلنا واضح جلي قرآنياً كان أو حديثياً كما تقدم ... أما احتجاجهم بالحديث المتقدم الذي رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب ... فإنه ضعيف جداً وقيل موضوع وإليك البيان: الكلام على متن هذا الحديث: إن متن هذا الحديث أي لفظه مخالف للكتاب والسنة وذلك من وجوه. ١ - سبق أن بينا إن الإقسام على الله بمخلوقاته أمر خطير يقرب من الشرك إن لم يكن هو ذاته فالإقسام على الله بمحمد ﷺ وهو مخلوق بل وأشرف المخلوقين لا يجوز لأن الحلف بمخلوق على مخلوق حرام وإنه شرك لأنه حلف بغير الله فالحلف على الله بمخلوقاته من باب أولى أي جعلنا المخلوق بمرتبة الخالق والخالق بمرتبة المخلوق لأن المحلوف به أعظم من المحلوف عليه ولذلك كان الحلف

стр. 213

بالشيء دليلاً على عظمته وأنه أعظم شيء عند المحلوف عليه به ومن هنا كان الحلف بالمخلوق على الله شركاً بالله لأننا خصصنا هذه المكانة العليا بالمخلوق مع أنها هي بالخالق أولى ... ثم إن آدم ﵊ نبي رسول ومعصوم من أن يشرك إن كان ذلك قبل النبوة أو بعدها فكيف يحلف آدم على الله بحق محمد ﷺ أفيتقرب إلى الله بخطيئة أعظم من الخطيئة التي يود غفرانها أو هل يمحو الخطأ بخطأ أعظم منه ... ؟ فهذا لا يجوز لأنه معصوم منه. ٢ - يقول في الحديث: [يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال؟ يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)) فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق]. إن هذا الكلام مردود من وجهين اثنين: أ - هذا الحوار المزعوم بين الله وبين آدم ... كان بعد اقتراف الخطيئة ولكنه قبل أن يخطئ علمه الله الأسماء كلها ومن جملة الأسماء اسم محمد ﷺ وعلم أنه نبي ورسول وأنه خير الخلق أجمعين فكان أحرى أن يقول آدم: ربي إنك أعلمتني به أنه كذلك ... لما علمتني الأسماء كلها ... ب- لم يرد أن قوائم العرش مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا في هذا الحديث الموضوع فكيف يثبت شيء غيبي بحديث موضوع. ٣ - قول الحديث: [فقال الله تعالى صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي وإذا سألتني بحقه غفرت لك] سبق أن قلنا آنفاً أن القسم بغير الله شرك لقوله ﷺ [من حلف بغير الله فقد أشرك] فكيف يعلم الله عبده آدم الشرك ويقبله منه وسيلة ويرضى عنها ليغفر له ... !!؟ وهو الذي يقول وهو أصدق القائلين: (إن تكرفوا فإن غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر /٧/الزمر. فإذا كان لا يرضى الكفر لعباده فهل يرضى أن يعلمهم الكفر .. !!!؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

стр. 214

٤ - قول الحديث أن الله تعالى قال له: [ولولا محمد ما خلقتك]. هذا قول ننزه الله تعالى عنه وحاشاه سبحانه أن يقوله بدليل: ١ - قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). ٢ - قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله أحاط بكل شيء علماً) /١٢/الطلاق (١). إن من يمعن النظر في معنى هاتين الآيتين الكريمتين يفهم منهما: أن علة الخلق وأسباب الوجود إنما من أجل عبادة الله وحده لا شريك له لا من أجل أحد من خلقه ... لا نبي مرسل ولا ملك مفضل ومن أجل أن يعلم العباد أن الله على كل شيء قدير ولا يخفى على علمه شيء في الأرض ولا في السماء. فأين ما جاء في هاتين الآيتين مما جاء في كلامهم (ولولا محمد ما خلقتك)؟ وكل كلام يخالف ما جاء في الكتاب والسنة فإنه كلام ساقط وهذا ما لا خلاف فيه إذا اتضح هذا ... علم أن من قال: هذا الحديث إنما يكذب على الله وعلى رسوله وعلى آدم. وإن من يحتج بالكذب ... ! وهل في الكذب حجة ... ؟!!! اللهم عامل الكذابين بما يستحقون. ومما يزيد الطين بلة .. !!! أنهم يريدون - رغم ذلك - أن نصدق أحاديثهم الكاذبة الباطلة ... ! أو نتخذها أساساً في عقائدنا ونترك القول ربنا!!!؟ وإذا لم نفعل .. فما أسرع ما يتهموننا بأننا لا نحب رسول الله ... .!!!؟ وكما يقول المثل (رمتني بدائها وانسلت) نحن الذين نلقى ما الله به عليم في سبيل إرجاع هذا الدين الكريم إلى منبعيه الأصليين الكتاب والسنة ونتمسك بكل ما جاء بهما يرموننا بأننا لا نحب رسول الله إذا أبينا ترهاتهم وأحاديثهم الكاذبة وهم يخالفون الكتاب وسنة من يدعون حبه ... ولا يعلمون بهما ويخترعون من الأحاديث ما يعلم كذبه من أول وهلة متناً وسنداً ... ثم يدعون أنهم يحبون الله ورسوله. نحن لا نجيبهم إلا بقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون

стр. 215

الله فاتبعوني يحببكم الله) وفي هذا بلاغ. هذا من ناحية متن الحديث والبحث في لفظه فقد أثبتنا أنه باطل مكذوب لأنه يتضارب مع أحكام الكتاب والسنة وها نحن ذا نبحث في هذا الحديث من ناحية سنده وما قال علماء الحديث فيه. البحث في سند الحديث هذا الحديث في سنده (عبد الرحمن بن زيد بن أسلم) هو ضعيف وتصحيح الحاكم له خطاً لأنه هو الذي طعن بن زيد بن أسلم في كتابه ((الضعفاء)) قال ابن تيمية ﵀: ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فإن نفسه قد قال في كتابه (المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم): (عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه). وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً. ضعفه أحمد ابن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم وقال أبو حاتم بن حبان كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حق كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك. انفراد الحاكم بالتصحيح لا عبرة له قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أهل العلم والمعرفة بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل العلم والمعرفة بالحديث كما صحح حديث زريب بن برثملي الذي فيه ذكر (وصي المسيح) وهو كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقي وابن الجوزي وغيرهما. وكذلك أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها وهي عند أهل العلم بالحديث
следующие страницы →