← Акыда

Акыда · id 37535

التوصل إلى حقيقة التوسل

محمد نسيب الرفاعي

Полный текст (335 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال ﷺ : [تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي] هذا هو منهجنا ومسلكنا في كل أمر إذا وقفنا منه على مفترق الطرق ... ونحن الآن ... قد تنازعنا مع القوم ... في تعيين نوع الوسيلة التي توسل بها آدم ﵊ حتى غفر الله له خطيئته فالقوم ... يقولون إنه توسل إلى الله بمحمد ﷺ كما جاء في هذا الحديث الذي رمزنا إليه بـ (الحديث الثاني) والذي اتخذوه دليلاً على جواز التوسل بالمخلوقين ونحن نقول بأن الله غفر له بكلمات تلقاها من ربه فتاب عليه ... ولم تكن المغفرة بسبب توسله بمحمد ﷺ مع العلم بأن محمداً هو أشرف الخلق إطلاقاً وعلى هذا الأساس نود أن نعمين الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه. فنقول مستعينين بالله: روى مجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد معدان وعطاء الخياساني أن هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هي قوله تعالى: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) /٢٣/الأعراف. قال سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع: أخبر من سمع عن مجاهد عن عبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفر لي. قال: فذلك قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وعن ابن عباس: قال آدم ﵇: ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى ونفخت في من روحك؟ قيل له: بلى. وكتبت علي أن أعمل هذا ... قيل له بلى: قال أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. وكذا رواه العوفي وسعيد بن جبير وسعيد بن معبد. ورواه الحاكم في مستدركه

стр. 212

إلى ابن عباس. وروى ابن أبي حاتم حديثاً مرفوعاً شبيهاً بهذا عن مجاهد. قال: الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين. اللهم لا إله لا أنت سبحانك وبحمدك ربي إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم). قلت كل ما تقدم يؤيده قوله تعالى: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين) ومعنى هذا ... أن آدم وحواء اعترافا بذنبيهما وجعلا هذا الاعتراف الذي هو مضمون ما علمها الله سبحانه من التوسل وهو: (الاعتراف بالذنب) ثم طلبا المغفرة متوسلين إليه تعالى بتوبتيهما إليه أن يغفر لهما ذنبيهما فتاب عليهما إنه هو التواب الرحيم. ولا عبرة لما خالف ذلك ... لأن الحجة عما ثبت عن الصحابة وعن سلف الأمة والأئمة ولا يجوز تفسير القرآن بأقوال شاذة أو موضوعة لا تثبت عند أهل العلم والحديث وأئمة التصحيح والترجيح. هذا هو اعتقادنا بأن تعالى غفر لآدم وحواه بالكلمات التي تلقاها آدم من ربه وهي: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ... ) ودليلنا واضح جلي قرآنياً كان أو حديثياً كما تقدم ... أما احتجاجهم بالحديث المتقدم الذي رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب ... فإنه ضعيف جداً وقيل موضوع وإليك البيان: الكلام على متن هذا الحديث: إن متن هذا الحديث أي لفظه مخالف للكتاب والسنة وذلك من وجوه. ١ - سبق أن بينا إن الإقسام على الله بمخلوقاته أمر خطير يقرب من الشرك إن لم يكن هو ذاته فالإقسام على الله بمحمد ﷺ وهو مخلوق بل وأشرف المخلوقين لا يجوز لأن الحلف بمخلوق على مخلوق حرام وإنه شرك لأنه حلف بغير الله فالحلف على الله بمخلوقاته من باب أولى أي جعلنا المخلوق بمرتبة الخالق والخالق بمرتبة المخلوق لأن المحلوف به أعظم من المحلوف عليه ولذلك كان الحلف

стр. 213

بالشيء دليلاً على عظمته وأنه أعظم شيء عند المحلوف عليه به ومن هنا كان الحلف بالمخلوق على الله شركاً بالله لأننا خصصنا هذه المكانة العليا بالمخلوق مع أنها هي بالخالق أولى ... ثم إن آدم ﵊ نبي رسول ومعصوم من أن يشرك إن كان ذلك قبل النبوة أو بعدها فكيف يحلف آدم على الله بحق محمد ﷺ أفيتقرب إلى الله بخطيئة أعظم من الخطيئة التي يود غفرانها أو هل يمحو الخطأ بخطأ أعظم منه ... ؟ فهذا لا يجوز لأنه معصوم منه. ٢ - يقول في الحديث: [يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال؟ يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)) فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق]. إن هذا الكلام مردود من وجهين اثنين: أ - هذا الحوار المزعوم بين الله وبين آدم ... كان بعد اقتراف الخطيئة ولكنه قبل أن يخطئ علمه الله الأسماء كلها ومن جملة الأسماء اسم محمد ﷺ وعلم أنه نبي ورسول وأنه خير الخلق أجمعين فكان أحرى أن يقول آدم: ربي إنك أعلمتني به أنه كذلك ... لما علمتني الأسماء كلها ... ب- لم يرد أن قوائم العرش مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا في هذا الحديث الموضوع فكيف يثبت شيء غيبي بحديث موضوع. ٣ - قول الحديث: [فقال الله تعالى صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي وإذا سألتني بحقه غفرت لك] سبق أن قلنا آنفاً أن القسم بغير الله شرك لقوله ﷺ [من حلف بغير الله فقد أشرك] فكيف يعلم الله عبده آدم الشرك ويقبله منه وسيلة ويرضى عنها ليغفر له ... !!؟ وهو الذي يقول وهو أصدق القائلين: (إن تكرفوا فإن غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر /٧/الزمر. فإذا كان لا يرضى الكفر لعباده فهل يرضى أن يعلمهم الكفر .. !!!؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

стр. 214

٤ - قول الحديث أن الله تعالى قال له: [ولولا محمد ما خلقتك]. هذا قول ننزه الله تعالى عنه وحاشاه سبحانه أن يقوله بدليل: ١ - قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). ٢ - قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله أحاط بكل شيء علماً) /١٢/الطلاق (١). إن من يمعن النظر في معنى هاتين الآيتين الكريمتين يفهم منهما: أن علة الخلق وأسباب الوجود إنما من أجل عبادة الله وحده لا شريك له لا من أجل أحد من خلقه ... لا نبي مرسل ولا ملك مفضل ومن أجل أن يعلم العباد أن الله على كل شيء قدير ولا يخفى على علمه شيء في الأرض ولا في السماء. فأين ما جاء في هاتين الآيتين مما جاء في كلامهم (ولولا محمد ما خلقتك)؟ وكل كلام يخالف ما جاء في الكتاب والسنة فإنه كلام ساقط وهذا ما لا خلاف فيه إذا اتضح هذا ... علم أن من قال: هذا الحديث إنما يكذب على الله وعلى رسوله وعلى آدم. وإن من يحتج بالكذب ... ! وهل في الكذب حجة ... ؟!!! اللهم عامل الكذابين بما يستحقون. ومما يزيد الطين بلة .. !!! أنهم يريدون - رغم ذلك - أن نصدق أحاديثهم الكاذبة الباطلة ... ! أو نتخذها أساساً في عقائدنا ونترك القول ربنا!!!؟ وإذا لم نفعل .. فما أسرع ما يتهموننا بأننا لا نحب رسول الله ... .!!!؟ وكما يقول المثل (رمتني بدائها وانسلت) نحن الذين نلقى ما الله به عليم في سبيل إرجاع هذا الدين الكريم إلى منبعيه الأصليين الكتاب والسنة ونتمسك بكل ما جاء بهما يرموننا بأننا لا نحب رسول الله إذا أبينا ترهاتهم وأحاديثهم الكاذبة وهم يخالفون الكتاب وسنة من يدعون حبه ... ولا يعلمون بهما ويخترعون من الأحاديث ما يعلم كذبه من أول وهلة متناً وسنداً ... ثم يدعون أنهم يحبون الله ورسوله. نحن لا نجيبهم إلا بقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون

стр. 215

الله فاتبعوني يحببكم الله) وفي هذا بلاغ. هذا من ناحية متن الحديث والبحث في لفظه فقد أثبتنا أنه باطل مكذوب لأنه يتضارب مع أحكام الكتاب والسنة وها نحن ذا نبحث في هذا الحديث من ناحية سنده وما قال علماء الحديث فيه. البحث في سند الحديث هذا الحديث في سنده (عبد الرحمن بن زيد بن أسلم) هو ضعيف وتصحيح الحاكم له خطاً لأنه هو الذي طعن بن زيد بن أسلم في كتابه ((الضعفاء)) قال ابن تيمية ﵀: ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه فإن نفسه قد قال في كتابه (المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم): (عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه). وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً. ضعفه أحمد ابن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم وقال أبو حاتم بن حبان كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حق كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك. انفراد الحاكم بالتصحيح لا عبرة له قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أهل العلم والمعرفة بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل العلم والمعرفة بالحديث كما صحح حديث زريب بن برثملي الذي فيه ذكر (وصي المسيح) وهو كذب باتفاق أهل المعرفة كما بين ذلك البيهقي وابن الجوزي وغيرهما. وكذلك أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها وهي عند أهل العلم بالحديث

стр. 216

موضوعة ومنها ما يكون موقوفاً يرفعه ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح. لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة التي يكثر غلطه وإن كان الصواب اغلب عليه وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه بخلاف أبي حاتم ابن حبان البستي فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل وأقدر وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن منده وأمثالهم فيمن يصحح الحديث فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم. اهـ. فائدة ... اتفق العلماء على أن الحاكم إذا انفرد في التصحيح لا قيمة لتصحيحه إلا إذا وافقه الذهبي فللذهبي على (المستدرك للحاكم) ملاحظات هامة في إعلال أحاديثه وتصحيحها. وهكذا ... فإن هذا الحديث سقط متناً وسنداً ولم يعد يصلح لإقامة الحجة به ولا يجوز أن يروي إلا للتنبيه على ما فيه من طامات. على أن الذين أوردوه حجة لهم على صحة دعواهم بجواز التوسل بذوات المخلوقين لا أدري إذا كانوا يعلمون ما فيه من طامات أو لا يعلمون فإن كانوا يعلموا ... !!! ألا إنه الضلال على علم العياذ بالله تعالى ... وان كانوا يجهلون ما فيه فكان عليهم أن يسألوا ... فلا يضلون ولا يُضلون. أما الإمعان في الضلال وهم يعلمون ... أو يجهلون ... فهذا ما أخبرنا الله به في كتابه وما أعد لأهله من العذاب الأليم. وإن هذا الحديث وما كان على مثله روايته إلا بقصد التنبيه على ما فيه من محاذير فضلاً عن روايته للاتباع والعمل وإننا نهيب بمن يحتجون به أن يطلعوا على حقيقته ويتوبوا إلى الله من روايته للاستشهاد به والعمل على أساسه لأنه أساس واه وواهن ولا يحق لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتمد على أحاديث من نوعه فضلاً عن الاحتجاج

стр. 217

بها ولا ينسوا أن حجتهم سقطت لما تبين حال هذا الحديث وما فيه من طامات وعقائد فاسدة دسها بعض الذين لا يخافون الله حتى يصدوا الناس عن الصراط المستقيم. ٣ - قصة مالك مع أبي جعفر المنصور وينسب إلى مالك بن أنس ﵁ مع أبي جعفر المنصور العباسي قصة لتأييد الحديث السابق وللاحتجاج بها على جواز التوسل بذوات المخلوقين. وفيها: [أنه - أي أبو جعفر - سأل مالكاً فقال: يا أبا عبد الله أأستقبل القبلة وأدعو ... أم استقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به]. الكلام على متن هذه القصة إن من يتأمل متن هذه القصة يحكم عليها بالوضع والكذب على الإمام مالك ابن أنس رضي الله وعلى أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي وذلك لما يلي: ١ - قول أبي جعفر المنصور: يا أبا عبد الله أأستقبل القبلة وأدعو ... أم استقبل رسول الله ﷺ هذا السؤال يحتمل أسباباً ثلاثة: أ - إما أن يكون المنصور جاهلاً فيستفسر. ب- أو فاحصاً لمالك بن أنس ليسبر غور علمه. ج- أو عالماً به فلا حاجة له بالسؤال. أما أن يكون أبو جعفر المنصور جاهلاً فسأل ... فهذا مردود قطعاً لأن أبا جعفر المنصور كان من أعلم علماء عصره يدلنا على ذلك ما يروي الثقات عن أبي جعفر المنصور أنه كان من أملأ أوعية العلم ... فهما ورواية ودراية حتى إنهن لما حج واجتمع بمالك ﵁ قال له - بمعنى -: لعلي وإياك أعلم رجال العصر وإنني قد شغلتني سياسة الناس فوطئ

стр. 218

للناس موطئاً تجنب فيه رخص ابن عباس وتشديدات ابن عمر). ولذا سمي كتاب مالك في الحديث (الموطأ) فأبو جعفر المنصور الذي كان على الشواهق من قمم العلم لا يمكن أن يسأل مالكاً عن سؤال هو إياه على مستوى واحد من العلم به إلا إذا كان يريد أن يسبر غور علم مالك!!!؟ وهذا أيضاً مردود لأن علم مالك معروف عند أبي جعفر المنصور وهو الذي قال له: (لعلني وإياك أعلم رجال العصر ... ) فكيف يسأله مختبراً علمه وهو على كل وقوف تام منه ... لا سيما في هذه المسألة التي يعرفها الصبيان فضلاً عن العلماء فثبت لدينا أن المنصور ما كان جاهلاً ... ولا فاحصاً لعلم مالك ... بل ثبت أنه عالم ومن كان عالماً فلا حاجة له بالسؤال. ٢ - إن الثابت من مذهب مالك الذي رواه عنه الثقات من أصحابه في أفضل كتبهم أن الذي يدعو الله في مسجد النبي ﷺ يستقبل القبلة ولا يستقبل القبر فهذه قصة مخالفة لمذهب مالك فكيف يجيب مالك جواباً لأبي جعفر بخلاف ما هو مشهور من مذهبه ... !!؟ ٣ - أما قول مالك ﵀: (ولم تصرف وجهك عنه وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به). أما أن رسول الله ﷺ الوسيلة بوم القيامة أي هو الشفيع يؤمنذ فهذا لا خلاف فيه أنه شفيع للخلائق ولكن الخلاف القائم بيننا ليس على الشفاعة يوم القيامة بل على جواز التوسل إلى الله بذوات المخلوقين في الدنيا ... فأين الارتباط بين الموضوعين ... ؟ وأما الاستشفاع به ﷺ بعد وفاته فمعلوم أنه لا يصح لأن الشفاعة لا تطلب من رسول الله ﷺ وذلك من وجوه. أ - لأن رسول الله ﷺ لا يسمح بعد وفاته من يطلب منه الشفاعة. ب- ولو سمعها لا يستطيع أن يشفع الآن لأن الله يقول: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) وإذنه لا يصدر الكلام إلا يوم القيامة فيحد له حداً ويقول له اشفع بهؤلاء كما في حديث الشفاعة ولكن المشروع أن يقول المؤمن: اللهم شفع بي

стр. 219

رسول الله ﷺ أي يجعله في جملة الحد الذي يحده لرسول الله ﷺ ليشفع بهم. ج- هذا معلوم عند مالك ﵁ فلا يعقل أن يقول لأبي جعفر المنصور: (بل استقبله واستشفع به). الكلام على سند القصة إن في سند هذه القصة ((محمد بن حميد)) وهو كثير المناكير ولم يسمع من مالك شيئاً بل روايته عنه منقطعة ومحمد بن حميد الرازي هذا ... تكلم فيه غير واحد من الأئمة ونسبه بعضهم إلى الكذب فقال يعقوب بن شيبة السدوسي محمد بن حميد الرازي كثير المناكير وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي ليس بثقة. وقال الجوزجاني: رديء المذهب عير ثقة وقال فضلك الرازي: عندي عنه خمسون ألف حديث لا أحدث عنه بحرف وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري: سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله إنهما كذابان وتكلم فيه غير هؤلاء من الحفاظ وقال صالح بن محمد الحافظ: كل شيء كان يحدثنا به ابن حميد نتهمه فيه. وإن ما روي عن مالك ﵀ ينافي قوله هذا المتقدم - أي في القصة - فقد قال ﵀ في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إليه أن يقف على قبر النبي ﷺ ويدعو له ولأبي بكر وعمر فقيل له: فإن أناساً من أهل المدينة ... لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا .. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. وأما من جهة الانقطاع فيقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: قلت: وهذه الحكاية منقطعة فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ١٥٨ وتوفي

стр. 220

مالك سنة ١٧٩ وتوفي محمد ين حميد الرازي سنة ٢٤٨ ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه وهو مع ذلك ضعيف عند أكثر أهل الحديث كذبه أبو زرعة وابن وارة. وقال صالح بن محمد الأسدي. ما رأيت أحداً أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو صعب وتوفي سنة ٢٤٢ وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي توفي سنة ٢٥٩. وفي الإسناد من لا تعرف حاله لا سيما وأن مذهب مالك يناقض هذه الحكاية فالمعروف من مذهب مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف: أن الداعي إذا سلم على النبي ﷺ استقبل القبر ودعا له أما إذا دعا لنفسه فيستقبل القبلة ويدعو. اهـ. وهكذا فإنه يستفاد من البحث المتقدم أن الوسيلة التي علمها الله لآدم هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهي: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وكل ما سوى ذلك فموضوع ومكذوب.

стр. 221

٤ - حديث فاطمة بنت أسد [الله الذي يحيي ويميت وهي حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين]. الكلام على متن هذا الحديث لو عدنا قليلاً إلى الأبحاث التي خلت (١) نرى أننا أثبتنا فيها حرمة التوسل بالمخلوقين وبخاصة الإقسام على الله بهم أو بحقهم وقلنا إن كل ذلك لا يجوز قطعاً وقد أثبتنا ذلك بالأدلة الشرعية. ومعنى الأدلة الشرعية هي أحكام الكتاب والسنة ... وهل يعتقد مسلم أن رسول الله ﷺ الذي منع هذه التوسلات غير المشروعة يكون هو أول من يخالفها ... ؟ الجواب: لا ... لا يمكن هذا أن يكون ... فرسل الله لا يتضارب في كلامه فهو نبي معصوم عن الخطأ وخاصة مثل هذه الأخطاء التي نهى هو عنها (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).

стр. 222

ولا شك أن هذا التقرير لا يخالفه أحد من المسلمين أي من حيث أنه لا يتضارب في أقواله البتة فإذا اتفقنا على هذا ... فكيف يمكن أن يتوسل هو بنفسه أو بحقه على الله وبحق أنبيائه وهو الذي علمنا أنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا يمكن أن ينهانا عن شيء ثم يأتيه هو فيقول: [ ... اغفر لأمي فاطمة بنت أسد .. بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ... ] فهذا ما لا يتصور وقوعه من الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ومما يدل على أن هذا الحديث غير صحيح كما قد يكون مكذوباً وموضوعاً. ومما يؤكد ما ذهبنا غليه هو سند هذا الحديث الذي يشير إشارة واضحة إلى ذلك. الكلام على سند هذا الحديث إن هذا الحديث غير صحيح لأن سنده رجلاً هو (روح بن صلاح) وقد ضعفه الجمهور. وقد روى أحاديث منكرة كما صرح بذلك ابن يونس وابن عدي. إذاً ... فإن هذا الحديث ساقط الحجة متناً وسنداً وحديث هذه حاله لا تقوم به حجة على الدعوى التي يدعيها القوم بجواز التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين وإذا سقطت الحجة سقطت الدعوى وعلت حجة خصمها عليها واعتبرت هي الحجة القائمة. وبناءً على ذلك فإن دعوى القوم بالاحتجاج بهذا الحديث قد سقطت وضم هذا الحديث إلى ما ورد قبله من أحاديث واهية مثل. فالشيء كما يقولون منجذب إلى مثله وهكذا تتكردس أحاديث القوم التي جاءوا بها على صحة دعواهم وكلها - وإلى الآن -واهية، واهنة لا تقوى على الوقوف بنفسها حتى تكون أهلاً لسند غيرها وتقويته وكما يقولون: (هالك لا يحمل هالكاً ... ). ندعو لهم بالهداية والصواب والرجوع إلى مشكاة النبوة المضيئة الهادية المهدية وإلى الاقتباس بقبسها الذي لا يضل عنه إلا هالك وفقنا الله وإياهم للرجوع دائماً إلى الحق فإن الرجوع إليه فضيلة ما بعدها من فضيلة ... والخجل من الرجوع إلى الحق ... أو اعتبار ذلك من الخذلان ... فهذا ليس صحيحاً ... بل إن الإمعان في الباطل هو الخذلان أعاذنا الله منه.

стр. 223

٥ - حديث الأعمى عن عثمان بن حنيف ﵁[أن رجلاً ضريراً أتي النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير)) قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي اللهم شفعه في)) وفي رواية قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر]. قال الشيخ بشير السهسواني الهندي مؤلف كتاب ((صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان)) (في سند هذا الحديث ((أبو جعفر)) فإن كان هو عيسى ابن عيسى ماهان أبو جعفر الرازي التميمي كما ظنه الحافظ ابن حجر في التقريب فالأكثرون على ضعفه قال عنه الذهبي: صالح. ووثقه ابن معين. وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي وقال ابن المديني: ثقة كان يخلط وقال مرة: كان يخطئ وقال الفلاس: سيئ الحفظ. وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير. وقال أبو زرعة: يهم كثيراً. وقال الحافظ في التقريب: صدوق سيئ الحفظ. وإن كان أبو جعفر المديني فهو مجهول وإذا كان رجلاً آخر فلا بد من تعيينه) اهـ. قلت ولكن شيخ الإسلام الإمام أحمد بن تيمية ﵀ جزم بأنه هو: أبو جعفر الخطمي وهو ثقة.

стр. 224

فعلى هذا يكون الحديث ولا شك صحيحاً على أن صحته ليس فيها مستمسك لمن يحتج به على جواز التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين بل هو حجة عليهم وهو من الأحاديث التي تؤيد التوسل إلى الله بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن ... وهذا - كما علمنا من الأبحاث الفائتة (١) - أنه من أنواع التوسل المشروع. على أننا إذا أمعنا النظر في هذا الحديث ... تبين لنا أن الأعمى ما كان يقصد التوسل بذات الرسول ﷺ بل بدعائه المستجاب ولولا أمل الأعمى بالشفاء بدعاء رسول الله ﷺ لم يأت وذلك للأدلة المستخلصة من نص الحديث نفسه فمن يمعن النظر فيه يستخلص منه الأدلة الآتية: ١ - قول الأعمى لرسول الله ﷺ [ادع الله أن يعافيني]. ٢ - جواب الرسول ﷺ له: ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير)). ٣ - إصرار الأعمى على طلب الدعاء منه ﷺ بقوله: [فادعه]. ٤ - قول الأعمى في آخر دعائه الذي علمه إياه رسول الله: ((اللهم شفعه في)) ٥ - وروى الترمذي في سننه والحاكم في مستدركه زيادة في الدعاء وهي قوله: ((وشفعني فيه)). ٦ - وهناك دليل مستنبط من الحديث نفسه أو من واقع الأعمى ومجيئه لرسول الله ﷺ . وإننا نود أن نعالج كل دليل ونشرحه ليتضح الحق جلياً بالحجة والبرهان فنقول وبالله المستعان: ١ - إن قول الأعمى [ادع الله أن يعافيني] فيه بيان واضح جلي لقصد الأعمى من المجيء وهو أنه ما جاء إلا من أجل أن يدعو له رسول الله ﷺ بالشفاء من ضره.

стр. 225

٢ - وأن قوله ﷺ مجيباً للأعمى: ((إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير)) لدليل آخر على أن الأعمى ما جاء من أجل الدعاء وفيه تخيير من رسول الله ﷺ له بالدعاء أو الصبر حتى إذا شاء الأعمى الدعاء دعا له ... وفي تخييره هذا وعد بالدعاء إن شاءه. ٣ - وأن إصرار الأعمى على الدعاء بقوله: [فادعه] لدليل ثالث على أن مجيئه لم يكن إلا من أجل الدعاء ومن إصراره يفهم أن رسول الله دعا له لأنه وعده بذلك إذا شاء الدعاء وقد شاء بقوله [فادعه]. على أن رسول الله ﷺ أحب أن يكون للأعمى كذلك مشاركة في الدعاء ... ولكنه لم يترك الأعمى أن يدعو ربه بما شاء ... بل علمه دعاء خاصاً وأمره أن يدعو الله به بالإضافة إلى دعائه ﷺ . ٤ - أن قول الأعمى في آخر الدعاء الذي علمه إياه رسول الله ﷺ ((اللهم شفعه في)) لدليل رابع على الدعاء والشفاعة من رسول الله ﷺ لا تسمى شفاعة ولا تكون إلا بدعاء الشافع للمشفوع له فدعاء الأعمى أن يقبل الله شفاعة رسوله فيه يدل على أن رسول الله ﷺ قد دعا له فعلاً والأعمى يطلب من الله قبول دعاء رسوله ﷺ . ٥ - وان رواية الترمذي في سننه ورواية الحاكم في مستدركه زيادة جملة ((وشفعني فيه)) لدليل خامس على وقوع الدعاء من رسول الله ﷺ للأعمى ليعافيه الله تعالى ويرد إليه بصره. ومعنى ((وشفعني فيه)) ... أي أقبل دعائي في قبول دعائه من أجل أن ترد إلي بصري إذاً ثبت أيضاً أن لرسول الله دعاء من أجل أن يرد بصر الأعمى. ٦ - وأن هناك دليلاً سادساً مستنبطاً من واقع هذا الأعمى إذ لو كان قصده التوسل بشخص الرسول أو بحقه أو بجاهه. وما إلى ذلك .. لكان يكفيه أن يبقى في بيته ويدعو الله قائلاً مثلاً اللهم رد بصري بجاه نبيك فكان يكفيه هذا دون أن يحضر ويتجشم عناء المشي وليس له من قائد يقوده

стр. 226

إلى رسول الله ﷺ ولما كان هذا ليس من مراده إنما يريد الدعاء منه ﷺ فإن هذا ... يستلزم حضوره وإخبار الرسول بما حصل معه من العمى ثم سؤاله أن يدعو له ليعافيه الله لاعتقاده أن دعاء الرسول ﷺ مستجاب فيحصل من الدعاء على مراده من الشفاء. وهكذا فقد حضر الأعمى إلى رسول الله ﷺ وطلب منه الدعاء فدعا له فاستجاب الله الدعاء من رسوله فعاد بصيراً كأنه لم يكن فيه من ضر. فإذا استجمعنا هذه الأدلة الستة .. على ثبوت دعاء رسول الله للأعمى ... توحي لنا أمراً هاماً يدور عليه مآل الحديث ونستكشف معناه بشكل واضح وهو: أن معنى: ((اللهم إني أسألك بنبيك)) أي بدعاء نبيك ولا يفهم منه التوسل بذاته ﷺ ولا كان هذا مراد الأعمى من مجيئه إلى الرسول ﷺ حتى وإن معنى التوسل المتبادر إلى أذهان الصحابة ﵃ في ذلك الوقت كان محصوراً فقط في طلب الدعاء من المتوسل به وليس له المعنى المتعارف عليه عند البعض في زمننا الحاضر أي التوسل بذات المتوسل به فقط كان مثل هذا التوسل ينفر منه الصحابة رضوان الله عليهم لأنه من مفاهيم الجاهلية التي من أجل وجودها بعث الله رسوله ﷺ إلى الناس كافة. لا سيما وإن لفظ الحديث ومآله ومفاهيم اللغة العربية وقواعدها كل ذلك يشهد للحديث أن معناه هو التوسل بدعاء النبي ﷺ وعلى هذا يتبين سقوط استدلال المجوزين للتوسل بذوات المخلوقين بهذا الحديث ويثبت عدم شرعية هذا الاستدلال لأن هذا الحديث لا يعطي المعنى الذي يريدونه ألبتة ... لما بيناه من مراد الأعمى من الحضور إليه ﷺ . إن الشبه والظنون التي يتمسك بها القوم ... في سبيل دعم دعواهم لا تغني عن الحق شيئاً ... وإن مجرد إيراد الحديث دون التأكد من صلاحه للاحتجاج هو الذي يعطي من يحتج به هذه النتيجة المعكوسة وليس المهم أن تقدم حديثاً صحيحاً فقط ... إنما يجب أن يكون هذا الحديث الصحيح له متعلق بالبحث الذي تريد أن تثبته ولكن مجرد إيرادك إياه فقط ظناً منك أن

стр. 227

له علاقة بما نحن مختلفون فيه ... فالظن لا يغني عن اليقين بديلاً. هذه بدهيات كنا نتمنى أن لا نلفت أنظار (القوم ... ) إليها لأنها بدهيات لا تحتاج إلى الفات نظر ... ولكننا اضطررنا لأنهم هم الذين ألجأونا إليه لما أوردوا حديثاً ليس له علاقة فيما نختلف فيه. ولو علموا أن هذا الحديث هو حجة لنا عليهم لا حجة لهم علينا لما استدلوا به على صحة دعواهم ولفتشوا عن حديث غيره ... !! ولا أدري إذا كانوا يوفقون إلى ذلك أو لا يوفقون وفقنا الله وإياهم للصواب إنه على كل شيء قدير لا إله غيره ولا رب سواه.

стр. 228

٦ - حديث الرجل الذي كانت له حاجة عند عثمان بن عفان ((﵁)) روى الطبراني والبيهقي: [كان رجل يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في زمن خلافته فكان لا يلتفت ولا ينظر إليه في حاجته فشكى ذلك لعثمان بن حنيف فقال له: إئت الميضأة فتوضأ ثم إئت المسجد فصل ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ... لتقضي حاجتي)) وتذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ذلك ... ثم أتى باب عثمان بن عفان ﵁ فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان ﵁ فأجلسه معه وقال له: أذكر حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ثم قال: مالك من حاجة فاذكرها. ثم خرج من عنده فلقي ابن حنيف قال: جزاك الله خيراً ... ما كان ينظر لحاجتي حتى كلمته لي ... فقال ابن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فشكى غليه ذهاب بصره ... ] إلى آخر حديث الأعمى المتقدم ...

стр. 229

((الكلام على متن هذا الحديث)) ١ - إن هذا الحديث تتجلى فيه الصنعة في تركيب وترتيب الأفكار الواردة فيه ... فمثلاً قوله: ((كان رجل يختلف إلى عثمان بن عفان ﵁ في زمن خلافته فكان لا يلتفت ولا ينظر إليه في حاجته)) فجعل قوله: ((فكان لا يلتفت ولا ينظر إليه ((تكأة ليقفز منها إلى ما سيبني على ذلك التوسل الذي كان يخفى على عثمان بن عفان هنا بمظهر غير المبالي بحاجات المؤمنين حتى يكون عليه مؤثر فوق إرادته يجبره على قضاء حاجة الرجل ... !؟ بينما نرى من سيرة عثمان بن عفان أمير المؤمنين ﵁ قبل المسؤولية وبعدها ذلك الرجل البار بالناس العاطف عليهم المهتم بأمورهم وكان مشهوراً برقة القلب ولين الجانب وما كان من خلقه قط أن يتساهل في مسؤليته إلى حد الإفراط كما يصفه هذا الحديث بشكل أنه لا يلتفت للرجل ولا يأبه له حتى ولا ينظر إليه ... !!!؟ ليس هذا من خلق عثمان ذي النورين ولا يعقل وقوعه منه فكيف يدخل هذا الرجل مراراً وتكراراً ويراه في مجلسه بل وأذن له مرات للدخول عليه وقد دخل مرات كذلك ... ! ويراه أمامه دون أن يسأله عن سبب دخوله عليه وعن حاجته ... وهو الذي يجلس جلساته هذه ... من أجل قضاء وحوائج الناس؟ على أن صانع هذا الحديث .. تراه يجهل خلق عثمان وما فطره الله عليه من الرقة واللين والعطف والسهر على مصالح المسلمين ولكننا نحمد الله تعالى على أمثال هؤلاء الصناع يظنون أنهم قد أحكموا وأغلقوا جميع منافذ أي انتقاد قد يرد على أحاديثهم المصنوعة ... وفي الحقيقة أنهم تركوا منافذ لا منفذاً واحداً إن الله ليمكر بهم حتى يسهل على المسلمين أن يعرفوا الحق من الباطل ويطلعوا على آثار الصنعة فيعلموا منها منافذ الضعف ويحكموا على

стр. 230

الحديث بالوضع أو الضعف ويجنبوا المسلمين شرور أولئك الصناع فيعرفون ضعفه من متنه فضلاً عن معرفتهم ذلك الضعف أيضاً من سنده الذي يوافق ضعف متنه أو يزيد. ٢ - قلنا قبل قليل أن معنى التوسل عند الصحابة هو دعاء الشخص المتوسل به إلى الله تعالى بقضاء حاجة المتوسل من أجله لا كما يعرفه (القوم ... ) في زماننا هذا من التوسل بذات المتوسل به. فالصحابي الجليل عثمان بن حنيف كان يجهل هذا يا ترى .. ؟ الجواب: لا وألف لا ... ما كان يجهل أبداً بل إنه يعلم من رسول الله ﷺ ذلك بلا شك ولا ريب بل كان يعلم أيضاً أن التوسل بذوات الأشخاص أحياءً أم أمواتاً كان من شعارات الجاهلية التي ما أتى الإسلام إلا من أجل إبطالها فصحابي جليل كعثمان بن حنيف هل يعقل أنه علم الرجل هذا الدعاء وهو يعلم جيداً أن هذا الدعاء خاص في حياة الرسول ﷺ لأن الدعاء خاص في حياة الرسول ﷺ لأن الدعاء الذي حظي به الأعمى إنما كان حال حياته ولم يعد لأحد بعده ﷺ أن يحظى به بسبب وفاته - فداه أبي وأمي - فكيف يقول للرجل ادع بهذا الدعاء وهو يعلم أن العنصر الهام في الحصول على الاستجابة مفقود وهو دعاء رسول الله ﷺ ؟ ومن أين يأتي بدعاء رسول الله ورسول الله قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ... ؟ هذا ما يدلنا على براءة عثمان بن حنيف ﵁ من توصية الرجل ودلالته على دعاء الأعمى بل براءته من القصة بأجمعها. وكيف يوصي بذلك أو يدل عليه وقد طهر الله قلبه وقلوب المسلمين من شعارات الجاهلية وأنقذهم الله منها إن هذا لا يتصور من مسلم عادي يعلم أمر دينه فضلاً عن صحابي جليل كعثمان بن حنيف ﵁ وهذا ما يجعلنا أن نجزم بعدم وقوعه منه أو صدوره عنه. ٣ - لو أن دعاء الأعمى الذي علمه إياه رسول الله ﷺ دعاء ينفع لكل زمان ومكان لما رأينا أعمى على وجه البسيطة إذاً لهرع كل أعمى إلى الدعاء به لكي يرتد بصيراً حتى ولو لم يكن مسلماً لدعا به أيضاً ليرتد بصيراً ويصبح

стр. 231

هذا الدعاء الدواء الشافي من العمى بل ولقضاء كل حاجة لأن الرجل الذي أوصاه عثمان بن حنيف - على زعم الرواية - بأن يدعو به لم يكن أعمى بل كان ذا حاجة غير العمى فتوسل به فقضيت حاجته وعلى هذا فإن هذا الدعاء - إذا أردنا أن نأخذ بصحة الحديث - هو قضاء لكل حاجة ... ولكن هل هو كذلك ... ؟ الجواب: لا ... فإنه لا يزال العمي كثيراً ولا يزال ذوو الحاجات محتاجين إلى قضاء حوائجهم ... دعونا يا ناس ننظر الأمور على أوجهها الصحيحة دعونا من التغالي الفارغ الذي لا يؤذي الرسول ﷺ في أمته ... قبل أي شخص آخر لأنه عمل ليس عليه أمر الرسول الذي جاء به عند ربه وهو ﷺ يقول: [من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد] ويقول: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] وإن المراد الذي يسعى (القوم ... ) لتحقيقه من وراء إيراد هذا الحديث غير الصحيح مراد ليس عليه أمر الإسلام وهو محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة أجل إن ما تقدم من الملاحظات على هذا الحديث ... يشير بوضوح إلى أن متن الحديث ترك صانعه منافذ عديدة فيه ... إلى كشف ما فيه من مآخذ تدل على أنه من المستحيل أن يكون صحيحاً أو ينهض دليلاً أو حجة على ما أراد (القوم ... ) إثباته منه بل على العكس تماماً فهو حجة لنا عليهم وليس هو حجة لهم علينا هذا من ناحية متن الحديث فضلاً عن سنده الضعيف الواهي فهو إذاً واهن واه من متنه وسنده. لقد أثبتنا لك يا أخي وهنه من حيث متنه وهاك وهنه من حيث سنده.

стр. 232

لا يمكن أن ترى وهناً في متن حديث ما ... إلا ويدلك هذا الوهن في المتن على أنه لا بد أن يكون سنده أيضاً وهناً فوهن المتن دلالة في الغالب على وهن السند وهذا الحديث هو كما قلنا: واهي المتن والسند معاً وإليك البيان: قال أئمة الجرح والتعديل: إن في سند هذا الحديث رجلاً اسمه شبيب بن سعيد الحبطي البصري (١) قال عنه الذهبي في / ميزان الاعتدال /: ((صدوق يغرب ونقل عن ابن عدي أنه قال: شبيب: لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه وأرجو أن لا يتعمد)) وذكر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ في كتابه / قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة /: ((أن ابن عدي استنكر حديثين له عن ابن وهب عن شبيب هذا عن روح بن الفرج)) ومما ذكره ابن تيمية ﵀ حول هذه الرواية قوله: ((فيها عدة علل: ١ - انفراد هذا .. - أي شبيب - عمن هو أكبر منه وأحفظ ٢ - إعراض أهل السنن عنها. ٣ - اضطراب لفظها ٤ - وإن راويها - أي شبيب - عرف له عن روح بن الفرج أحاديث منكرة ومثل هذا يقضي حصول الريب والشك في كونها ثابتة ولا حجة فيها)). وهكذا فقد رأيت يا أخي المسلم انهيار هذا الحديث متناً وسنداً ولا أدري إذا كان (القوم ... ) قد اقتنعوا بذلك ... وإن كانت قناعتهم أو عدمها لا ترفع أو تخفض من قيمة الحديث إذ ليس الأمر موكولاً إلى قناعتهم فهناك أئمة الجرح والتعديل هم الذين يحكمون على صحة الحديث أو ضعفه أو وضعه ولا مهمة للقوم ... في هذا الأمر سوى التسليم بالحكم شاءوا أم أبوا ... والخلاصة: هذا هو الدليل السادس من أدلتهم ينهار كما انهار قبله من أدلة لهم وكما ستنهار الأدلة الباقية التي قدموها والله وحده ولي التوفيق.

стр. 233

٧ - حديث توسلوا بجاهي ... [إذا سألتم الله فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم] ما أعلم أحداً من الناس أحفظ لهذا الحديث من أولئك (القوم ... ) الذين يجيزون التوسل إلى الله بذوات المخلوقين ويتخذونه حجة في دعواهم ... !! في كل مناسبة أو غير مناسبة .. !!!؟ ويظنون أن ترداده على ألسنتهم شعار من شعارات العلم والفهم والدارية ... !!!؟ ويظنون أنه حديث صحيح لا شك عندهم في ذلك ولا ريب ... وهو الواقع حديث باطل لا أصل له!! وانظر - عندما تخبرهم أنه حديث باطل - كيف يهيجون ويموجون وتكثر جلبتهم ويعلو ضجيجهم صاخبين لماذا؟ لأنك قلت الحق لأنك تريد نصحهم لأنك أردت الخير بهم أضف إلى ضجيجهم وضوضائهم وهرجهم ومرجهم أنهم يرمونك بأنك تكره الرسول ﷺ أو أنك تنكر جاهه عليه أفضل الصلاة والسلام ولو بنسبة واحد من آلاف المليارات ... فإنك تكفر حتى ولا تنفعك لا إله إلا الله لأن كراهيتك ولو بهذه

стр. 234

النسبة الضئيلة تحبط عملك لأن محبة الرسول الكاملة من محبة الله وكراهيتك له هي كراهية لله والعياذ بالله من الكفر والخذلان وسوء المنقلب ولذلك كانت كراهيته ولو بشيء قليل جداً تخرج من الملة. هذه عقيدتنا في محبة رسول الله ﷺ محبة أكثر من المال والأهل والولد حتى أكثر من الروح والنفس فإذا لم تحب رسول الله أكثر من محبتك لروحك ونفسك فإنك بعد لم تؤمن الإيمان الكامل فكيف إذا كرهته!!!؟ هكذا نحن بالنسبة لمحبة رسول الله ﷺ على أن دليل المحبة هو الطاعة لأوامره وتنفيذها بدقة كما أمر وكذلك الطاعة له فيما نهى ﷺ فإذا أطعته باتباع أوامره واجتناب نواهيه تكون قد أحببته فعلاً عندها يحبك الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) إذاً فمحبة الله لك يا أخي لن تكون لك إلا باتباعك نبيه ﷺ فيما يبلغه عن ربه تعالى. فإذا فهم هذا نسأل: هل الاعتقاد بالأحاديث الباطلة والمكذوبة والموضوعة والعمل بها وإذاعتها بين الناس من محبة الرسول ﷺ في شيء .. ؟!! أم أن الذب عن سنته الزهراء والدفاع عنها وتنقيتها من الكذب والوضع والضعف من محبته ﷺ .. ؟!!. لا شك في أن الدفاع عن السنة الصحيحة وتنقيتها من الدخيل عليها هو العمل الطيب الذي تتجلى فيه صدق المحبة والاتباع ... يقول المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التحيات: [((بدأ الدين غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء)) قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي))] أجل طوبى لمن يصلح ما أفسد الناس من سنة رسول الله ﷺ . تعالوا أيا القوم .. ولنكن يداً واحدة نصلح ما أفسد الناس من السنة ونرجع إلى النهج السوي ونتحرى السنة الصحيحة ونعزف عن الأحاديث المكذوبة لأن رواية الأحاديث الباطلة والمكذوبة والموضوعة إنما هو

стр. 235

الكذب على النبي ﷺ وهو الذي يقول: [من كذب علي يلج النار]. فتعالوا أيها القوم: هل هذا الحديث الذي أوردتموه من الأحاديث الصحيحة أم من الأحاديث الباطلة عليه ﷺ ؟ لا شك أنه من الأحاديث الباطلة المكذوبة! وهل الباطل والكذب من الإصلاح أم من الإفساد؟ تعالوا نحن جميعاً من المصلحين لا من المفسدين لتكون لنا ((طوبى)) وهي شجرة في الجنة يسير الراكب السريع في ظلها مائة سنة. ألا ترون معنا أن لنا في الأحاديث الصحيحة غنى عن الأحاديث الباطلة والمكذوبة؟ أجل عن الله سبحانه من على هذه الأمة المحمدية بأن هيأ لها رجالاً منها ينخلون رسول الله نخلاً بما من الله عليهم من العلم والفهم فعزلوا الصحيح الذي قاله رسول الله ﷺ من غير الصحيح الذي افتراه عليه البعض الذين لا خلاق لهم ... فعزف الصحيح من الضعيف والمكذوب وهذا ما خص الله به الأمة دون غيرهما من الأمم. وإذا نحن قلنا عن هذا الحديث أنه مكذوب .. لا يعني أننا لا نؤمن بجاه رسول الله ﷺ فإننا نؤمن ونعتقد ونجزم عن يقين بأن له ﷺ جاهاً يفوق كل ذي جاه من المخلوقات في السماء أو في الأرض فإذا لم يكن لرسول الله جاه عند ربه إذاً فأي مخلوق له جاه من دون رسول الله ﷺ ؟ وليس على وجه البسيطة مسلم ينكر جاه رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ولكن هل أمرنا رسول الله أن نتوسل إلى الله بجاهه .. ؟ نعم إن جاهه عظيم لكن لم يأمرنا أن نتوسل به إلى الله تعالى لأن جاهه الذي هو له ﷺ هو نتيجة لعمله العظيم من دعوة إلى الله تعالى وصبر عليها وجهاد في سبيلها وأعمال صالحة وعبادات تفوق العدو الحصر من صلاة وصوم وحج وزكاة وفعل للخيرات إلى ما هنالك من الأعمال العظيمة التي

стр. 236

يعجز عنا أي إنسان كل ذلك كون له جاهاً عظيماً عند الله أي جعل منزلة تفوق منزلة أي مخلوق فإذا فهم أن الجاه نتيجة العمل والسعي علم أن سعيك هو لك أنت وسعي أخيك هو له وليس لك أوله أي نصيب من سعي الغير ومصداق هذا قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى) وبمجرد أن أخاك له سعي حسن هل يحق لك أن تدل على الله بسعي أخيك من غير متابعة لعمله الصالح؟ لا .. لا يجوز أن يكون وسيلة وذلك كمن يقول يدعو: اللهم أدخلني الجنة لأن أخي أو فلاناً من الصالحين فما علاقة دخولك الجنة بصلاح أخيك؟ اعمل كما عمل أخوك ثم توسل بما عملت من الصالحات أن يدخلك الله بها الجنة فهذا معقول وإلا فما ملازمة طلبك بعمل أخيك وأنت لا عمل لك ... ؟ إذاً فإن جاه رسول الله ﷺ مسطر له في صفحاته عند الله وليس لك نصيب منه وليس لك أن تدعو به متوسلاً إلى الله القضاء حوائجك بل تابع رسول الله ﷺ بما أمرك وأطعه في ذلك يكن لك جاه تستطيع أن تتوسل به إلى الله تعالى بما شئت من الدعاء المشروع. وإذا كنت تعني بجاهه شفاعته يوم القيامة فهذا حق ولكن متى؟ إن ذلك يوم القيامة وحتى يأذن الله له بالشفاعة أماً الآن فلا إلا أن تدعو الله وتقول: اللهم شفع بي رسول الله ﷺ فلا بأس إنما يا أخي أنا لا أفهم من قولك مثلاً: اللهم بجاه رسول الله ﷺ اقض حاجتي ... إنك تطلب شفاعة رسول الله يوم القيامة إنما يفهم منك أنك تحب استعجال نوالك حاجتك في الدنيا فتتوسل بجاهه لتنال حاجتك إذاً فلا مطابقة بين الدعوتين. وعلى كل من يجب أن تعلم أن جاه رسول الله الذي بلغه بواسطة عمله وليس لك أن تدل على الله به لأنه ليس من سعيك ولا عملك. فإذا علمت كل ما تقدم من الشرح. فعليك أن تجزم أن رسول الله - صلى الله عليه

стр. 237

وسلم - لا يقول: [إذا سألتم الله فسلوه بجاهي إن جاهي عظيم]؟ من هنا نفهم أن رسول الله ﷺ بريء من هذا الحديث وهو خلاف هدي القرآن وخلاف هديه ﷺ ولا يمكن بل من المستحيل أن يتفوه بمثل هذا الكلام الذي هو أول من نهى عنه ولا يمكن أن يأمر أمراً ثم يخالفه لا سيما مثل هذا التوسل الممنوع الذي بعث من أجل أن يمنعه ويحول بينه وبين الناس الذين كانوا يعملون به في الجاهلية. الكلام على هذا الحديث من ناحية سنده يتبين لك يا أخي المسلم أن هذا الحديث مخالف في متنه لهدي القرآن والسنة وأدركت براءة رسول الله من القول به. وها أناذا أثبت لك كذب هذا الحديث من السند فهو حديث باطل لا أصل له ولا سند له البتة. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: هو حديث كذب موضوع من الأحاديث المشينات التي ليس لها زمام ولا خطام وقال غيره من العلماء: حديث باطل لم يروه أحد من العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث فمن أين إذاً جاء هذا الحديث الباطل الموضوع المكذوب؟ أجل إنه جاء كغيره من الأحاديث التي وضعها الزنادقة ليصد الناس عن الحق وليحولوا بينهم وبين هدي الكتاب والسنة حتى يبلغوا من هذا الدين ما تهوى أحقادهم عليه ويصلوا إلى ما يريدون من هدمه في نفوس أهله ومعتنقيه ولكن خاب فألهم فإن الله هو الذي تولى حفظ هذا الدين الكريم ولن يمكن أعداءه منه إنما يفضح موآمراتهم ويكشف عن مخبآت نفسهم الخبيثة ويلهم علماء هذه الأمة العاملين أن يقفوا دونهم ودون مؤامراتهم وعداواتهم ويبينوا ما

стр. 238

انطوت عليه أكبادهم من الحقد وقلوبهم من الضغينة فيكشفوا زيف أقوالهم ويحبطوا دسائسهم وتبقى الآية خالدة الصدى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

стр. 239

٨ - خبر إذا أعيتكم الأمور ... [إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور ... !!!؟] عندما تصل الأمة إلى الدرك الأسفل من الجهل والجاهلية! وتنقطع عن العلم والإيمان يصبح العلماء فيها جهالاً والجهلة العامة سوائم تنقاد طيعة لكل من يقودها كالجزار الذي يقود القطيع من الغنم أو البقر ... إلى المجزرة!!! الأعصبة على أبصارهم ولا أعصبة!!!؟ والران على بصائرهم وأفئدتهم فلا يهتدون سبيلاً يمعنون في الطرق الملتوية ويهجرون الصراط المستقيم والله أمرهم أن يهجروا السبل ويسلكوا الطريق الأقوم (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) /١٥٣/الأنعام. أجل إذا وصلت الأمة إلى هذا الحد وإلى الدرك الأسفل من المستوى الفكري والعقلي ... فإنها تنقلب مفاهيمها للأشياء وتنعكس أبصارهم فترى الليل نهاراً والنور ظلمة والحق باطلاً والباطل حقاً. وإذا دعوتها إلى ما ينشلها من وهدتها ومهاويها السحيقة المهلكة سخروا منك وأمثلهم طريقة من يبتسم ابتسامة المشفق عليك ويأتيك ناصحاً بالعدول عن طريقك القديم إلى طريق القائدة إلى السعير ويحسب المسكين أنه يحسن إليك وأنه على الحق الذي ما بعده إلا الضلال. (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) /١٠٤/ الكهف. وأن أمة شأنها ... لا عجب إذا عبدت من دفنته وهجرت من خلقها وسواها وجعلها تمشي على اثنتين كما يمشي البشر الذين وصفهم الله (لقد خلقنا

стр. 240

الإنسان في أحسن تقويم /٤/) التين ولكن هذا الإنسان الكفور الذي أحسن الله إليه بنعمتي الإنسانية والعقل فقد أزرى بنفسه وأهمل عقله وأنزل نفسه منزلة الخلائق التي تمشي على ... !!! وإن كان الظاهر يمشي على اثنتين!!! كما يمشي البشر فلا غرو بعد ذلك أن يجاريه ويعاقبه على تنكره للنعمة بأن يرده إلى جهنم وبئس المصير فقال عز من قائل: (ثم رددناه أسفل سافلين /٥/) التين جزاء وفاقاً لأنه لم يشكر النعمة بأن أفرده بالعبادة وحده وأطاع رسله نعم ... إنه لم يشكر النعمة بل كفرها بل وكفر بربه الذي سواه فعدله في أي صورة ما شاء ركبه فطفق يلجأ بدافع من كفران النعمة إلى أهل القبور!!!؟ أهل القبور الذي شاهدهم حين ماتوا وهو الذي غسلهم وهو الذي كفنهم وهو الذي قبرهم بيده وهو يعلم أنهم ماتوا ولولا ذلك ما قبرهم ولا دفنهم ولا أهال عليهم التراب ثم شرع يخاطبهم كما يخاطب الأحياء!!!؟ ويستغيث بهم!! ويتوسل بهم إلى الله تعالى لقضاء الحوائج وغير ذلك هكذا يزين الشيطان لمن يتبعه سوء عمله ويوسوس لهم بأن هؤلاء الذين قبروهم بأيديهم بالأمس أنهم اليوم أشد شعوراً وأقوى إجابة وأسرع نجدة وأجدى وسيلة!!!؟ فيستجيبون له في كل ما يوسوس لهم ويطيعونه ويشفقون على الذين آمنوا لم لا يكفرون!!!؟ أجل هكذا يوسوس لهم إبليس وقال لهم: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور بعد أن رآهم أطوع إليه من جنوده وبعد أن سلبهم عقولهم وإرادتهم وإنسانيتهم حتى غدوا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً ... يدعون أهل القبور أو يتوسلون بهم إليه تعالى عن دعائهم غافلون وما يدرون أيان يبعثون يدعون الميت ويتركون الحي الذي لا يموت يوسطونهم إلى الله وهم لا يسمعون ويتركون السميع العليم الذي لا يغرب عن علمه شيء في المساء ولا في الأرض وهو معهم بصفاته العلي أينما كانوا يعطونهم من الصفات ما لا يليق إلا برب العالمين الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وهم يعلمون أنهم ميتون لا يسمعون

стр. 241

ولا يبصرون ولا يعلمون!!!؟ (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينئبك مثل خبير /١٣/) فاطر. ورغم ذلك يدعونهم بأن يتوسلوا لهم عند الله!!!؟ ولماذا كل هذه العناية بوساطتهم!!!؟ رغم كلام الله تعالى وإخبارهم بأنهم لا يسمعون وما إلى ذلك نعم ولماذا كل هذا؟ الجواب: لأن إبليس قد وسوس لهم قائلاً: إذا أعيتكم الأمور! فعليكم بأصحاب القبور!!!؟ يعزفون عن ذكر الرحمن ويهرعون إلى صوت الشيطان الذي استحوذ على قلوبهم وملك عليهم مشاعرهم فاستجابوا له في كل ما يدعوهم إليه عن طريق وسوسته أو عن طريق جنده الذين يبثهم في صفوف الجهلة من شياطين الأنس والجن. وهكذا وقعوا في حبائله وشباكه وهم يحسبون أنهم على الحق فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً. فما بالك يا أخي بقوم ... عزفوا عن كلام الله تعالى الذي خلقهم وسواهم إلى كلام زعموا أنه حديث عن رسول الله ﷺ وهو حديث مفترى بإجماع العارفين بالحديث ولم يروه أحد من العلماء ولا يوجد في شيء من كتب الحديث. ولكن هل تستطيع أن تقنع القوم بأن رسول الله ﷺ يجل عن أن يقول مثل هذا الكلام المخالف لهدي القرآن الذي نزل عليه ولسنته الزهراء التي كان يشرح بها القرآن كل هذا لم ينفع أولئك القوم وظلوا على ما هم عليه إلا من شاء الله هدايتهم واستجابوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم. (وقليل ما هم /٢٤/) ص. (وقليل من عبادي الشكور /١١/) سبأ. أفلا تكونون يا أيها (القوم ... ) من ذلك بقليل؟ فترجعون إلى ربكم وإلى ما أنزل من البينات والكتاب المنير؟ وتتبعون نبيكم ورسولكم محمداً ﷺ فيما أمر ونهى وتجعلون سيرته الهادية المهدية نوراً لكم تستهدون به طريق الحق وتعودون إلى تعاليم النبوة فإنها المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ

стр. 242

عنها إلا هالك. لا تكونوا يا إخواننا من الهالكين بل كونوا من الناجين الفالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه هدانا الله وإياكم سواء السبيل وسلكنا وإياكم الصراط المستقيم.

стр. 243

٩ - حديث استسقاء بلال بن الحرث بعد وفاة الرسول روى البيهقي وابن أبي شيبة: [الناس أصابهم قحط في خلافة عمر ﵁ فجاء بلال بن الحرث ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ إلى قبر النبي ﷺ وقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله ﷺ في المنام وأخبره: أنهم سيسقون]. الكلام على هذا الحديث من ناحية متنه من أجل أن نفهم متن هذا الحديث يجب أن نتغلغل بين سطوره ونبحث بدقة وإيجابية عما حوى هذا الحديث من المعاني والمآلات ثم نزعها بميزان الشرع الذي لا يضل ولا يخل ثم نستطيع بعد ذلك ... أن نعطي فكرة صحيحة عنه فإن وافق ميزان الشرع وكان سنده صحيحاً اعتمدنا ما فيه وإلا سنستغني عنه وإن الله تعالى لم يتعبدنا إلا بما وافق كتابه وسنة نبيه ﷺ وعلى هذا الأساس نشرع في تنفيذ ما رسم الشارع الحكيم في التحقيق من الأخبار فمن أجل الوصول إلى ما ينبغي يجب أن نتحقق من الأمور التالية: ١ - تعريف الاستسقاء وكيف كان يستسقي رسول الله ﷺ . ٢ - هل يجيز الشرع مخاطبة الأموات وسؤالهم قضاء حاجات الأحياء .. ؟ ٣ - هل باستطاعة الميت أن يسمع الخطاب ويجيب الداعي بما يطلبه منه؟ ٤ - هل المنامات من أصول الدين وتقوم بها حجة؟ ٥ - هل الرجل الذي طلب من النبي ﷺ بعد وفاته أن يستسقي لأمته هو بلال بن الحرث ﵁ .. ؟

стр. 244

٦ - إذا خالف الصحابي أمر الشريعة أفيتابع على مخالفته أم تتبع الشريعة .. ؟ ٧ - إذا كان طالب الاستسقاء ليس بلال بن الحرث بل هو مجهول فما قيمة عمله شرعاً .. ؟ ٨ - التأكد من ثبوت وقوع الحادثة من ناحية السند على الشكل المروي في المتن. أجل لا نستطيع أن نحكم على متن هذا الحديث إلا بالإجابة على هذه الأسئلة فإذا تأكدنا من مطابقة ما جاء فيه على الأحكام الشريعة حكمنا بأن المتن لا يخالف الشريعة وأن عدم المخالفة لا يعني صحة الخبر بل يجب أن ينظر في سند الحديث فإن وجد سالماً من العلل التي تخل بصحته حكمنا على الحديث بأنه صحيح متناً وسنداً وإلا رددنا متناً وسنداً ولنشرع في ذلك مستعينين بالله وحده. ١ - الاستسقاء: هو الطلب من رجل صالح حي أن يدعو الله تعالى بأن ينزل الغيث ويسقي به البلاد والعباد فيرجع الرجل الصالح يديه ويدعو الله تعالى والناس يؤمنون على دعائه أما استسقاء رسول الله ﷺ لأمته إذا أجدبت فإننا قد أشرنا غليه في البحث الذي شرحنا فيه التوسل المشروع بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن (١) وكذلك استسقاء أمته من بعده في زمن الصحابة (٢) فليرجع إلى ذلك من يشاء لتعلقه بالبحث. هذا هو معنى الاستسقاء وذلك صفة استسقاء رسول الله ﷺ وإن هذا الحديث لا ينطبق على تعريف الاستسقاء ... فلا هذا الرجل - وإن كان بدلالاً أو غيره - طلب من رجل حي إنما طلب ذلك من رسول الله ﷺ بعد وفاته وذلك في خلافة عمر - حسب ما جاء في الحديث - ولا أدري كيف يطلب ذلك ممن توفاه الله ثم هل هذا الذي طلب إليه أن يستسقي لأمته أجاب. وطلب ودعا الله الجواب: لا لم يكن ذلك لأنه ﵊ ككل ميت قد انقطع عمله فلا يمكن لأن يدعو عملية الدعاء عمل والعمل قد انقطع

стр. 245

بوفاته إذاً فإنه لم يدع أي أن عملية الاستسقاء لم تتم ولم تقع لأنه نقص منها العنصر الفعال في موضوع عملية الاستسقاء وهو الدعاء فإذا أحد طلب من أحد أن يدعو له والمطلوب منه الدعاء لم يدع لسبب ما فهل يمكن أن نقول: تمت عملية الدعاء؟ ٢ - إن الشرع الإسلامي الكريم لا يجيز مخاطبة الأموات والسؤال منهم قضاء الحاجات كالدعاء وغيره لأنه انقطع عملهم بوفاتهم لقوله ﷺ : [إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له. وكيف يسألون الأموات قضاء الحاجات والحي القيوم بديع السموات والأرض لا يسألونه؟ وهو حي باق لا يموت ... ؟ ٣ - إن همزة الوصل بين السائل والمجيب هي حاسة السمع التي تصل بين سؤال السائل وإجابة المجيب فإذا سأل والمسؤول لم يسمع فكيف تتم الإجابة؟ وهكذا فإن رسول الله ﷺ انقطع سمعه بالوفاة ... فالذي يناديه لا يسمع نداءه حتى يجيبه وذلك بدليل: (إنك لا تسمع الموتى) و (وما أنت بمسمع من في القبور). ٤ - أما المنامات فليست من أصول الدين حتى تقوم بها الحجة ولكن إذا رؤى الرسول ﷺ في المنام على صورته الشريفة التي خلقه الله عليها فإن ذلك المنام حق لأن الشيطان لا يتمثل بصورته فإذا كان هذا الرجل هو بلال بن الحرث الصحابي فلا شك أنه يعرف صورة رسول الله ﷺ فإذا رآه في المنام على صورته المعروفة فرؤيته حق وإذا قال له رسول الله في المنام ستسقون فإنهم سيسقون فكلام رسول الله ﷺ حق في اليقظة والمنام فيما وافق الشرع الذي بلغه وقد يقول له: ستسقون دون أن يستسقى به أي يطلب منه السقيا أو بالاستسقاء به - على جواز وقوعه - فإنهم سيسقون ويكن قوله هذا بشارة بالسقيا وستقع حتماً

стр. 246

نقول هذا من حيث تقريره كمبدأ لا أنها حادثة واقعة فجوازها شيء ووقوعها شيء آخر. ٥ - أما الرجل من هو .. ؟ فهذا ما لا يثبته إلا النقل الصحيح فالنقل الصحيح لم يثبت أن الرجل هو بلال بن الحرث إنما نقلوه أنه رجل أي رجل ما فصار الرجل مجهولاً - كما سترى ذلك بعد قليل عند البحث في سند الحديث - ٦ - وعلى فرض أنه بلال بن الحرث فيكون ماذا؟ نحن لا ننظر إلى الأشخاص بعين العصمة حتى ولو كان صحابياً فالعصمة ليست إلا لنبي فالصحابي ليس معصوماً فقد يخطئ فإن أخطأ بمعنى أنه عمل عملاً ليس عليه أمر الدين فهو رد بلا شك ولا ريب وإن كان صادراً عن صحابي فالصحابي إن انفرد باجتهاد عن بقية الصحابة لا يكون حجة قط والمعلوم أن الاجتهاد لا يكون في مورد النص فكيف إذا كان هناك نص .. ؟ فانفراد الصحابي به هو خطأ من باب أولى أما إذا أجمع الصحابة على أمر كان حجة لإجماعهم عليه ولأن الإجماع أصل من أصول الدين الأربعة. ٧ - أما إذا كان طالب الاستسقاء رجلاً مجهولاً فلا يحتج به من باب أولى لأن الصحابي - كما قلنا - - إذا انفرد باجتهاد دون سائر الصحابة ... ليس حجة فكيف إذا كان رجلاً مجهولاً! إذ قد لا يكون صحابياً فيكون عمله خطاً من باب أولى. ٨ - أما ما يتعلق بسند الحديث فإليك البيان: ١ - قال الحافظ ابن حجر في / الفتح / (إنه جاء رجل إلى قبر الرسول ﷺ فقال كذا وكذا ... الحديث. وذلك من رواية ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي السمان عن مالك الدار وكان خازن عمر ﵁ فاللفظ: (جاء رجل) ولم يأت اللفظ أن هذا الرجل هو أحد الصحابة. قلت: تبين أن الرجل الذي طلب السقيا من رسول الله ﷺ ليس هو بلال بن الحرث ﵁ إنما هو مجهول فقد يكون أعرابياً أو غير ذلك إن العمل الذي نسب إلى بلال بن الحرث على فرض وقوعه منه ليس ذلك حجة ولا يقوم

стр. 247

دليلاً على شرعية عمله فكيف إذا أعرابياً قد لا يعرف من أمور الدين شيئاً فكيف تقوم الحجة بعمله .. ؟!! ٢ - وقد روى سيف في / الفتوح / أن الذي رأى المنام هو بلال بن الحرث والحديث الصحيح ليس فيه سوى - جاء رجل - وعن سيف أن هذا الرجل هو بلال بن الحارث المزني من الصحابة. بينما - سيف - هذا هو: سيف بن عمر الضبي الأسدي ويقال: التميمي البرجمي ويقال: السعدي الكوفي. وقد ذكر هذا الرجل في (مصنف الفتوح والردة) من المجهولين وقال عباس ابن يحيى: ضعيف وقال داود: ليس بشيء وقال أبو حاتم: متروك وقال ابن حبان: متهم بالزندقة. هذا هو سند الحديث وقد رأيت يا أخي علله متناً وسنداً فهل تقوم حجة ... ؟ والجواب: أن حديثاً فيه من هو متهم بالزندقة وبالضعف وبالجهالة والترك وليس بشيء إنما هو حديث ساقطه والاحتجاج به ساقط أيضاً ودعوى القوم ساقطة أيضاً لأنهم إلى الآن لم يستطيعوا أن يأتوا بحديث القوم به الحجة.

стр. 248

١٠ - حديث الاستسقاء بالعباس ﵁ - روى البخاري في صحيحه من رواية أنس بن مالك ﵁: [أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب ﵁ وقال: اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون] مما لا شك فيه ولا ريب أن هذا الحديث صحيح وما ظنك بصحه حديث يريه الإمام البخاري؟ وقد سبق شرحه والكلام عليه بأنه من أقسام التوسل المشروع وهو من نوع المؤمن إلى الله بدعاء أخيه المؤمن له (١) عند استشهادنا به على مشروعية التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن على أن (القوم ... ) أتوا به حجة لهم على جواز توسل المؤمن بذوات المخلوقين .. !! إذاً فاعادة البحث فيه هو من أجل التدقيق عن صحة هذا الجواز المدعى!! فإن صح هذا الجواز شرعاً فنحن من أسبق الناس إلى الأخذ به والعمل بمقتضاه وما لنا ألا نعمل به إذا كانت الشريعة الغراء تجيز ذلك .. ؟ ولكن البحث والتحقيق سيقضيان في إثبات هذا الجواز أو عدمه ف يحق لنا إذا ثبت الجواز أن نرفض الأخذ به كما لا يحق لهم إذا ثبت المنع أن يأخذوا بالمنع ويفعلوه وهم يعملون أنه ممنوع. هذا ما نحاول مخلصين جاهدين بكل طاقتنا في إثبات الجواز أو المنع والله من وراء القصد وبه المستعان وعليه الاتكال. إن الحديث هذا يجبرنا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان كلف العباس أن يستسقي للمسلمين ويدعو الله تعالى أن يسقيهم الغيث وبين الأسباب الموجبة لتكليف العباس فقال: [اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ... ] إن هذا الطلب وهذا الدعاء من عمر يلفت أنظارنا إلى أمرين هامين وهما: ١ - يبين عدوله عن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته إلى غيره.

стр. 249

٢ - اختياره للعباس بن عبد المطلب ﵁ للتوسل إلى الله تعالى بالسقيا. أجل هذان أمران هامان يوحيان غلينا بالتساؤل والبحث عن سبب عدوله عن التوسل بالنبي ﷺ إلى عمه العباس ﵁ ... أليس الرسول ﷺ أفضل وأعظم عند الله من العباس ... ؟ ثم لماذا اختار العباس من دون الصحابة مع أن فيهم من هو أفضل من العباس كعمر وعثمان وعلي والمبشرين بالجنة وغيرهم ... ؟ الجواب: ١ - قبل أن نجيب عن السبب الأول يجب أن نمهد لذلك بسؤال: كيف كانت صفة توسل المسلمين بالنبي ﷺ وماذا كان يعمل رسول الله في مثل هذه المناسبة .. ؟ الجواب عن السؤال التمهيدي: عن صفة توسل المسلمين بالنبي ﷺ في الاستسقاء معلومة ومعروفة من السنة وهنا نترك المجال لأم المؤمنين عائشة ﵂ تروي لنا صفة استسقاء الصحابة بالنبي الكريم ﵊: قالت ﵂: [شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم)) ثم قال: ((الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد. اللهم لا إله إلا أنت. أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت قوة وبلاغاً إلى حين)) ثم رفع يديه فلم يزل يدعو حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله))] رواه الحاكم وصححه أبو داود وقال: هذا حديث غريب وإسناده جيد.

стр. 250

ثم يحدثنا أنس ﵁ فيقول: [إن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فرفع رسول الله يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا)) قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين (سلع) من بيت ولا دار. فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً ثم دخل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)) فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس] رواه البخاري ومسلم. أتيت لك يا أخي بحديثين يرويان لك صفة استسقاء المسلمين برسول الله ﷺ فعلمت منهما أن توسل المسلمين بالنبي ﵊ في الاستسقاء هو طلب المسلمين منه ﷺ أن يدعو لم الله أن يسقيهم الغيث ثم استجابة الرسول لذلك فدعا الله أن يغيثهم بالمطر فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ من فضله ومن وكرمه. إذاً فعملية الاستسقاء مؤلفة من عنصرين طلب الدعاء والدعاء بعد أن اطلعت يا أخي على صفة توسل المؤمنين بنبيهم في الاستسقاء أشرع بالإجابة عن السؤال الأول وهو: لماذا عدل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بغيره ... ؟ الجواب: إنك يا أخي علمت قبل قليل أن عملية الاستسقاء مؤلفة من عنصرين: صلب الدعاء والدعاء فلما توفي النبي ﷺ فقد عنصر الدعاء الذي بدونه لا تتم عميلة الاستسقاء بسبب وفاته فداه أبي وأمي فكان لا بد من اختيار شخص حي يدعو للمسلمين بدلاً من دعاء رسول الله ﷺ الذي التحق بالرفيق الأعلى.
следующие страницы →