← Акыда

Акыда · id 37535

التوصل إلى حقيقة التوسل

محمد نسيب الرفاعي

Полный текст (335 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نقول هذا من حيث تقريره كمبدأ لا أنها حادثة واقعة فجوازها شيء ووقوعها شيء آخر. ٥ - أما الرجل من هو .. ؟ فهذا ما لا يثبته إلا النقل الصحيح فالنقل الصحيح لم يثبت أن الرجل هو بلال بن الحرث إنما نقلوه أنه رجل أي رجل ما فصار الرجل مجهولاً - كما سترى ذلك بعد قليل عند البحث في سند الحديث - ٦ - وعلى فرض أنه بلال بن الحرث فيكون ماذا؟ نحن لا ننظر إلى الأشخاص بعين العصمة حتى ولو كان صحابياً فالعصمة ليست إلا لنبي فالصحابي ليس معصوماً فقد يخطئ فإن أخطأ بمعنى أنه عمل عملاً ليس عليه أمر الدين فهو رد بلا شك ولا ريب وإن كان صادراً عن صحابي فالصحابي إن انفرد باجتهاد عن بقية الصحابة لا يكون حجة قط والمعلوم أن الاجتهاد لا يكون في مورد النص فكيف إذا كان هناك نص .. ؟ فانفراد الصحابي به هو خطأ من باب أولى أما إذا أجمع الصحابة على أمر كان حجة لإجماعهم عليه ولأن الإجماع أصل من أصول الدين الأربعة. ٧ - أما إذا كان طالب الاستسقاء رجلاً مجهولاً فلا يحتج به من باب أولى لأن الصحابي - كما قلنا - - إذا انفرد باجتهاد دون سائر الصحابة ... ليس حجة فكيف إذا كان رجلاً مجهولاً! إذ قد لا يكون صحابياً فيكون عمله خطاً من باب أولى. ٨ - أما ما يتعلق بسند الحديث فإليك البيان: ١ - قال الحافظ ابن حجر في / الفتح / (إنه جاء رجل إلى قبر الرسول ﷺ فقال كذا وكذا ... الحديث. وذلك من رواية ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي السمان عن مالك الدار وكان خازن عمر ﵁ فاللفظ: (جاء رجل) ولم يأت اللفظ أن هذا الرجل هو أحد الصحابة. قلت: تبين أن الرجل الذي طلب السقيا من رسول الله ﷺ ليس هو بلال بن الحرث ﵁ إنما هو مجهول فقد يكون أعرابياً أو غير ذلك إن العمل الذي نسب إلى بلال بن الحرث على فرض وقوعه منه ليس ذلك حجة ولا يقوم

стр. 247

دليلاً على شرعية عمله فكيف إذا أعرابياً قد لا يعرف من أمور الدين شيئاً فكيف تقوم الحجة بعمله .. ؟!! ٢ - وقد روى سيف في / الفتوح / أن الذي رأى المنام هو بلال بن الحرث والحديث الصحيح ليس فيه سوى - جاء رجل - وعن سيف أن هذا الرجل هو بلال بن الحارث المزني من الصحابة. بينما - سيف - هذا هو: سيف بن عمر الضبي الأسدي ويقال: التميمي البرجمي ويقال: السعدي الكوفي. وقد ذكر هذا الرجل في (مصنف الفتوح والردة) من المجهولين وقال عباس ابن يحيى: ضعيف وقال داود: ليس بشيء وقال أبو حاتم: متروك وقال ابن حبان: متهم بالزندقة. هذا هو سند الحديث وقد رأيت يا أخي علله متناً وسنداً فهل تقوم حجة ... ؟ والجواب: أن حديثاً فيه من هو متهم بالزندقة وبالضعف وبالجهالة والترك وليس بشيء إنما هو حديث ساقطه والاحتجاج به ساقط أيضاً ودعوى القوم ساقطة أيضاً لأنهم إلى الآن لم يستطيعوا أن يأتوا بحديث القوم به الحجة.

стр. 248

١٠ - حديث الاستسقاء بالعباس ﵁ - روى البخاري في صحيحه من رواية أنس بن مالك ﵁: [أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب ﵁ وقال: اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون] مما لا شك فيه ولا ريب أن هذا الحديث صحيح وما ظنك بصحه حديث يريه الإمام البخاري؟ وقد سبق شرحه والكلام عليه بأنه من أقسام التوسل المشروع وهو من نوع المؤمن إلى الله بدعاء أخيه المؤمن له (١) عند استشهادنا به على مشروعية التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن على أن (القوم ... ) أتوا به حجة لهم على جواز توسل المؤمن بذوات المخلوقين .. !! إذاً فاعادة البحث فيه هو من أجل التدقيق عن صحة هذا الجواز المدعى!! فإن صح هذا الجواز شرعاً فنحن من أسبق الناس إلى الأخذ به والعمل بمقتضاه وما لنا ألا نعمل به إذا كانت الشريعة الغراء تجيز ذلك .. ؟ ولكن البحث والتحقيق سيقضيان في إثبات هذا الجواز أو عدمه ف يحق لنا إذا ثبت الجواز أن نرفض الأخذ به كما لا يحق لهم إذا ثبت المنع أن يأخذوا بالمنع ويفعلوه وهم يعملون أنه ممنوع. هذا ما نحاول مخلصين جاهدين بكل طاقتنا في إثبات الجواز أو المنع والله من وراء القصد وبه المستعان وعليه الاتكال. إن الحديث هذا يجبرنا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان كلف العباس أن يستسقي للمسلمين ويدعو الله تعالى أن يسقيهم الغيث وبين الأسباب الموجبة لتكليف العباس فقال: [اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ... ] إن هذا الطلب وهذا الدعاء من عمر يلفت أنظارنا إلى أمرين هامين وهما: ١ - يبين عدوله عن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته إلى غيره.

стр. 249

٢ - اختياره للعباس بن عبد المطلب ﵁ للتوسل إلى الله تعالى بالسقيا. أجل هذان أمران هامان يوحيان غلينا بالتساؤل والبحث عن سبب عدوله عن التوسل بالنبي ﷺ إلى عمه العباس ﵁ ... أليس الرسول ﷺ أفضل وأعظم عند الله من العباس ... ؟ ثم لماذا اختار العباس من دون الصحابة مع أن فيهم من هو أفضل من العباس كعمر وعثمان وعلي والمبشرين بالجنة وغيرهم ... ؟ الجواب: ١ - قبل أن نجيب عن السبب الأول يجب أن نمهد لذلك بسؤال: كيف كانت صفة توسل المسلمين بالنبي ﷺ وماذا كان يعمل رسول الله في مثل هذه المناسبة .. ؟ الجواب عن السؤال التمهيدي: عن صفة توسل المسلمين بالنبي ﷺ في الاستسقاء معلومة ومعروفة من السنة وهنا نترك المجال لأم المؤمنين عائشة ﵂ تروي لنا صفة استسقاء الصحابة بالنبي الكريم ﵊: قالت ﵂: [شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم)) ثم قال: ((الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد. اللهم لا إله إلا أنت. أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت قوة وبلاغاً إلى حين)) ثم رفع يديه فلم يزل يدعو حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى سالت السيول فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله))] رواه الحاكم وصححه أبو داود وقال: هذا حديث غريب وإسناده جيد.

стр. 250

ثم يحدثنا أنس ﵁ فيقول: [إن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فرفع رسول الله يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا)) قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين (سلع) من بيت ولا دار. فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً ثم دخل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)) فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس] رواه البخاري ومسلم. أتيت لك يا أخي بحديثين يرويان لك صفة استسقاء المسلمين برسول الله ﷺ فعلمت منهما أن توسل المسلمين بالنبي ﵊ في الاستسقاء هو طلب المسلمين منه ﷺ أن يدعو لم الله أن يسقيهم الغيث ثم استجابة الرسول لذلك فدعا الله أن يغيثهم بالمطر فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ من فضله ومن وكرمه. إذاً فعملية الاستسقاء مؤلفة من عنصرين طلب الدعاء والدعاء بعد أن اطلعت يا أخي على صفة توسل المؤمنين بنبيهم في الاستسقاء أشرع بالإجابة عن السؤال الأول وهو: لماذا عدل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بغيره ... ؟ الجواب: إنك يا أخي علمت قبل قليل أن عملية الاستسقاء مؤلفة من عنصرين: صلب الدعاء والدعاء فلما توفي النبي ﷺ فقد عنصر الدعاء الذي بدونه لا تتم عميلة الاستسقاء بسبب وفاته فداه أبي وأمي فكان لا بد من اختيار شخص حي يدعو للمسلمين بدلاً من دعاء رسول الله ﷺ الذي التحق بالرفيق الأعلى.

стр. 251

أما الجواب على السؤال الثاني: لماذا وقع اختيار عمر بن الخطاب على العباس ﵄ مع أن في الصحابة من يفوق العباس فعلاً وسابقه وصلاحاً؟ الجواب: كان اختيار عمر للعباس ﵄ من أحل أن العباس أقرب الصحابة نسباً إلى رسول الله ﷺ وهو عمه كما هو معلوم ثم قال عمر للعباس: ((أدع يا عباس)) فرفع العباس يديه وقال: [اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث] فأرجت كالجبال. فتبين من دعاء العباس ما هي الأسباب الموجبة لاختياره للدعاء مندون الصحابة وهو قوله: [لمكاني من نبيك] أي لقرابته منه ﷺ . فيا أخي المسلم: بعد أن اطلعت على كل ما تقدم ... من مواصفة عملية الاستسقاء واختيار العباس للدعاء ... نسألك هل كان قصد عمر ﵁ من قوله [اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ... ] نعم هل كان قصده التوسل بذات المخلوق أم بدعائه؟ الجواب: بل كان قصده دعاءه لا ذاته أي لا ذات العباس إذ لو كان قصده ذات العباس لكان النبي ﷺ أفضل وأعظم وأقرب إلى الله من ذات العباس ولا ريب فثبت أن القصد كان الدعاء ولم يكن ذات الرسول مقصوداً عندما كان حياً ويستسقون به بل كان دعاؤه هو المقصود وإن قول عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا. كان قصده من ذلك [دعاء نبينا] ولو كان قصده الذات لما عدل به ذات العباس بل ولقال: اللهم نتوسل إليك بنبينا ... ولم يذكر العباس البتة فقوله: وإنا نتوسل بعمه العباس دليل على قصده بدعاء عمه العباس ولو كان قصد عمر ذات العباس لكان ذات النبي ﷺ أقرب إلى الإجابة من ذات العباس إذاً: ثبت ثبوتاً قطعياً أن مراد عمر كان منصرفاً إلى دعاء العباس لا ذات العباس هذا ما لا شك فيه ولا ريب ولا اعتقد

стр. 252

قط .. أن منصفاً يقول غير ذلك لأن الأمر واضح وضوح الشمس. فإذا كان الأمر كذلك فما بال (القوم ... ) يوردون هذا الحديث حجة لهم على جواز التوسل بذوات المخلوقين مع أن الحجة قائمة لنا في هذا الحديث وليست لهم ولو كان مراد عمر من قوله [وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا] هو ذات العباس لما كان من حاجة إلى قوله: ادع يا عباس فكان يكتفي من قوله بما قال ولما دعا العباس إذ ما من حاجة إلى دعائه إذا كان المراد ذات العباس فالعباس وجميع الصحابة فهموا من قول عمر [وإنا نتوسل بعم نبينا] أي بدعاء عم نبينا ولهذا رفع العباس يديه ثم دعا ... وإن كل ما تقدم من بحث لا يبقى في النفس أي شك أو ريب في أن مراد عمر منحصر في التوسل بدعاء العباس لا التوسل بذاته وإلا - كما قلنا آنفاً - لكان التوسل بذات النبي ﷺ أولى بالتوسل من ذات العباس. وهكذا فقد ثبت أن عمل عمر في الحديث الوارد في الحديث هو من أقسام التوسل المشروع لأنه توسل بدعاء العباس وهو نوع توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن وهو من حججنا التي أوردناها قبل صفحات في مشروعية توسل المؤمن لأخيه المؤمن بدعائه له وكما هو واضح وضوح الشمس أنه لا حجة لنا لا علينا أما إيراده من قبل المخالفين على أنه حجة لهم فإن كل دعوى تحتاج إلى دليل لاثباتها. أما أن تبقى مجردة عن الدليل والبرهان بأن يكون الدليل وارداً في غير محله فهذا لا ينفعهم في شيء وتبقى دعواهم مجردة .. !!!؟ ومجرد الدعوى لا يحق حقاً ولا يبطل باطلاً. وفي هذا بلاغ لقوم يعقلون. ولو أنصفوا هداهم الله لاقتنعوا بما نورد من حجج وإننا نذكرهم بأنفسهم نعم إنهم أنفسهم لما يستسقون يخرجون إلى ظاهر المدينة ويتقدم بل ويقدمون أصلحهم ويكلفونه بالدعاء لهم أن يسقيهم الله الغيث ... فيدعو لهم فهل كانوا يقصدون التوسل بذاته أو بدعائه.؟ لا شك أنهم يقصدون التوسل بدعائه لصلاحه وتقواه وإلا لما كلفوه بالدعاء ولاكتفوا أن يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بذات فلان أن تسقينا ولكن لم يقولوا

стр. 253

ذلك ولم يفعلوا غلا التوسل بدعائه فلماذا لا تنكرون على أنفسكم ما تفعلون .. ؟!! ولماذا لا تتوسلون بذات ذلك الصالح كما تحبون أن تفهموا من الحديث الذي أوردتموه .. ؟ فإن كان الذين تدعونه من جواز التوسل بذوات المخلوقين عملاً صالحاً وباراً في نظركم فلم لا تفعلونه في استسقائكم؟ (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟!!) إن على من يأمر الناس بالبر أن يفعله والسلام على من اتبع الهدى.

стр. 254

١١ - حديث عام الفتق!! روى الدارمي في صحيحه عن أبي الجوزاء قال: [قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة ﵂ فقالت: انظروا إلى قبر رسول الله ﷺ فاجعلوه منه كرة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق]. الكلام على متن هذا الحديث إن من يتأمل متن هذا الحديث ير الصنعة بادية عليه دونما خفاء رغم ما حاول صانعوه من إفاضة برود الصحة عليه!!! على أن الله تعالى الذي حفظ دينه يمكر بهم حتى يظنوا أنهم قد أغلقوا منافذ كل احتمال بانكشاف أمر وضع هذا الحديث وأنهم قد أحكموا مغالقة ولكن الحقيقة أنهم صاغوه بشكل جعلوه واضح الصنعة بل وكأنهم هم أنفسهم يشيرون إلى نوافذه المفتوحة التي ظنوا أنهم قد أحكموا مغالقها ... (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) نعم أقول إنهم هم الذين يشيرون إلى مواقع الضعف والوضع في هذا الحديث .. !!!؟ ولو أمعنا النظر لتبين ذلك: ١ - يتقولون على عائشة أنها قالت: [انظروا إلى قبر رسول الله ﷺ فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف]. وما من مسلم إلا ويعلم أن رسول الله ﷺ لما توفي دفن في بيت عائشة وعائشة بقيت ساكنة فيه فكيف تقول لهم ما قالت أليس معنى هذا أنها تكلفهم

стр. 255

أن يهدموا سقف البيت التي تسكنه؟ فهل هذا القول تقوله عائشة فتبقى ساكنة في بيت لا سقف له .. ؟ ٢ - إنها تقول فيما يزعمون: أن يجعلوا كوة من القبر إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا وعلى فرض أن السقف قد أنزلوه فيبقى حاجباً جسده الشريف ﷺ وإن الكوة حسب قول عائشة يجب أن تفتح من القبر لقولها: [انظروا إلى رسول الله ﷺ فاجعلوا منه كوة إلى السماء] فهل نبشوا القبر حتى جعلوا منه كوة إلى السماء ... ؟ يقول الحديث: [ ... ففعلوا ... ] قولوا لي بربكم: متى كان هذا؟ من الذي تجرأ على نبش قبر رسول الله ﷺ حتى يجعلوا منه كوة إلى السماء متى فعلوا؟ في أي زمن وفعل ... .مثل هذا!!!! أيبقى مكتوباً فلا تذكره كتب التاريخ والسير؟!!! دلونا في أي كتاب من كتب التاريخ ذكر هذا الخبر ... ٣ - إذا كان كشف قبر الرسول ﷺ مجلبة لنزول المطر فإن رسول الله ﷺ لما كان حياً كان دائماً معرضاً جسمه إلى السماء ككل الناس في غدواته وروحاته وقد قحطوا في عهده ﷺ فلم ينزل الغيث بمجرد كون جسم رسول الله معروضاً للسماء بطبيعة الحال بل بقي القحط مستمراً حتى خرج ﷺ بالمسلمين إلى ظاهرة المدينة فاستسقى لهم أي دعا الله لهم فسقوا فلماذا لم يغثهم الله إلا بالدعاء ... ؟ ٤ - ولماذا سكتت عائشة عن هذه النصيحة فلعلهم يقولون قالتها في أول القحط ولم تسكت عنها فنقول لماذا لم يعمل عمر بن الخطاب ﵁ لما رأى أول الأمر أن الناس كشفوا القبر فسقوا ولماذا لم يفعل هو ذلك أيضاً بل خرج بالناس إلى خارج المدينة وقال للعباس ادع فدعا واستجاب الله دعاءه فسقوا الغيث. ٥ - بعد أن فتحوا كوة من قبر رسول الله ﷺ ومطروا أما امتلأت الغرفة بالماء فأين سكنت عائشة ... ؟!!

стр. 256

٦ - لما دخل رجل أعرابي إلى المسجد والرسول قائم على المنبر يخطب الجمعة فشكا الأعرابي القحط فدعا الرسول له وهو على المنبر ثم لما عاد في الجمعة القابلة ودخل المسجد والرسول قائم يخطب على المنبر فطلب الأعرابي أن يدعو الرسول صلى لإمساك المطر عنهم بعد أن تقطعت السبل فدعا الله واستجاب الله دعوته كل ذلك وكان رسول الله ﷺ محجوب الجسد بسقف المسجد ومع ذلك فقد أغاثهم ولم لم يخرج الرسول ويعرض نفسه للسماء إذ بمجرد ذلك كان يجب أن ترخي السماء بغيث مغيث. ولكن لم يفعل رسول الله ذلك أكان يجهل أن جسده مجلبة للغيث ... ؟ ٧ - ثم لماذا لم يجعلوا القبر مكشوفاً أبداً ليكون الغيث مواصلاً عند اللزوم فلو كان فتح الكوة من القبر يوجب استدرار الغيث لما حجبوها بالقبة الخضراء إلى يومنا هذا ولجعلوا القبر مكشوفاً إلى يوم القيامة لاسيما وأن الحجاز تغلب على مناخه طبيعة الجفاف وهو أكثر الأقاليم حاجة إلى المطر. ٨ - لو كان هذا الخبر صحيحاً كما يزعمون لكانت بلاد الحجاز أو المدينة على الأقل مروجاً وجنات وأنهار من كثرة الأمطار التي تنزل بسبب فتح الكوة من قبر رسول الله ﷺ . ٩ - يقول الحديث: [فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق] إن الناس في حينه كانوا يملكون الإبل والغنم والبقر والخيل فلماذا تفتقت الإبل ولم تتفتق أيضاً الغنم والبقر والخيل؟ ولعله اكتفى بذكر الجزء ليعبر عن الكل وهذا جائز فمعنى ذلك أن الإبل والغنم والبقر والخيل قد تفتقت من الشحم أيضاً فإذا صح هذا فإن هذا الفتق العام يكون مأساة وكارثة لأن هذا الفتق يؤدي إلى الموت فيكون هذا الغيث غيث عذاب لا غيث رحمة فمتى كان ذلك .. ؟ وإنني لواثق تمام الوثوق أن كل ما جاء في هذا الحديث لا أساس له من الصحة وأنه لموضوع المتن ومصنوع صناعة غر لم يستطع أن يصيغه بصيغة مقبولة فمتنه يشير غليه قبل سنده بأنه واه ساقط المعنى ولما ركب

стр. 257

صانعه له السند ما كان في سنده أحكم من صناعة متنه فركب له سنداً من أوهي الأسناد وهو يظن أنه أحكم الصنعة وسد المنافذ!!؟ بهذا الحديث وأمثاله يوفق هو وغيره إلى تحويل عقائد المسلمين وإلى ضلالات ولكن خيب الله فألهم وأطاش سهامهم فأوجد في المسلمين رجالاً ينخلون الأحاديث نخلاً وهذا من فضله على هذه الأمة المحمدية بحفظه دينه الذي ارتضى لعباده. أما هذا الحديث فقد كشف متنه كما تقدم ... أما سنده فإليك ما قال علماء علم الحديث فيه: الكلام على سند هذا الحديث ذكر هذا الحديث الشيخ دحلان في كتابه: ((الدرر السنية في الرد على الوهابية)) مستشهداً به على صحة التوسل بذوات المخلوقين وخاصة بذات النبي الكريم صلوات وسلامه عليه. ويعزي الدحلان في كتابه ما ذكره في كتابه المشار إليه إلى ما نقله عن السمهودي فقال: ((ذكر العلامة السمهودي في خلاصة الوفا: ((إن من الأدلة على صحة التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته ما رواه الدارمي في صحيحه عن أبي الجوزاء ثم ذكر الحديث)). وقد رد عليه الشيخ بشير السهسواني الهندي رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته في كتابه المسمى صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان)) بما يلي: ١ - إطلاق الصحيح على مسند الدرامي ليس صحيحاً قال المغلطاني: (أن جماعة أطلقوا على مسند الدارمي بكونه صحيحاً فتعقبهم ابن حجر بقوله: ((إني لم أر ذلك في كلام أحد ممن يعتمد عليه كيف ولو أطلق ذلك من لا يعتد به لكان الواقع بخلافه)) ٢ - قال العراقي: المرسل والمعضل والمنقطع والمقطوع فيه كثير.

стр. 258

٣ - أن في سنده محمد بن الفضل السدوسي أبو النعمان البصري قال الحافظ في التقريب: لقبه ((عارم)) ثقة ثبت تغير في آخر عمره وقال في الخلاصة: اختلط ((عارم)) وقال أبو حاتم: من سمع منه قبل سنة /٢٢٠/ فسماعه جيد. وقال البخاري: تغير عارم آخر عمره. وقال أبو داود: أن ((عارماً)) أنكر سنة /٢١٣/ ثم استحكم به الاختلاط سنة /٢١٦/ ولم يسمع منه أبو داود لتغيره. ٤ - إن في سنده: سعيد بن زيد. قال الذهبي: ليس بالقوي وقال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام. وقال في الخلاصة، قال ابن معين وقال أحمد: ليس به بأس وقال النسائي ليس بالقوي. قال الذهبي في الميزان: ضعيف. وقال السعدي: ليس بحجة يضعفون حديثه. قال أحمد ليس به بأس. وكان يحيى بن سعيد لا يستريبه. ٥ - أن في سنده: عمر بن مالك المنكري قال الحافظ في التقريب صدوق له أوهام. ٦ - أن في سنده أبا الجوزاء أوس بن عبد الله. قال في التقريب أوس ابن عبد الله الربعي البصري وثقوه وقال يحيى بن سعيد: قتل في الجماجم في إسناده نظر ويختلفون فيه وقال أيضاً في الكنى: أبو الجوزاء الربعي أوس تابعي مشهور قال البخاري: في إسناده نظر فقد ثبت أن الحديث ضعيف منقطع. ٧ - أن الحديث موقوف فلا يصح حجة عند المحققين. ٨ - يعارضه حديث عمر ﵁. (ذكر محمد بن إسحاق في مغازيه عن خالد بن دنيا عن أبي العالية قال: لما فتحنا ((تستر)) وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فحملنا المصحف إلى عمر ﵁ فدعا كعباً فنسخه بالعربية فأنا أول رجل قرأته مثل ما أقرأ القرآن فقلت لأبي العالية ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد ...

стр. 259

قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه عن الناس فلا ينبشونه قلت وما يرجون منه! قال: كانت السماء إذا حسبت عنهم أبرزوا السرير فيمطرون فقلت من كنتم تظنون الرجل ... ؟ قال: دانيال قلت منذكم وجدتموه مات؟ قال منذ /٣٠٠/سنة (١) قلت: ما كان قد تغير منه شيء ... ؟ قال: إلا شعيرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع). فانظر ما في هذه القصة من صنع أصحاب الرسول ﷺ وتعمية قبر هذا الرجل لئلا يفتتن به الناس كذا في (تبعيد الشيطان بتقريب إغاثة اللهفان) انتهى رد الشيخ بشير السهسواني. قلت: لقد رأيت يا أخي هذا الحديث وما فيه من علل سنداً ومتناً فهل ترى أن يصلح أن تنهض به الحجة لأولئك الذين يزعمون جواز التوسل بذوات المخلوقين؟ لا ... إن مثل هذا الحديث لا يستطيع أن ينهض بنفسه فضلاً عن أن تنهض به الحجة وهكذا فقد ظلت دعوى القوم ساقطة إلى الآن ولم يستطيعوا لها إثباتاً ... !!! رغم ما أتوا به من حجج على ما يزعمون لأن حججهم التي يتذرعون بها كلها واهية ضعيفة أو موضوعة والصحيح منها: هو حجة عليهم لا لهم فكيف يمكن أن تنتصر دعواهم ويبلغوا فيها مقاصدهم ... ؟!!! هيهات .. هيهات ...

стр. 260

١٢ - حديث توسل الأعمى روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن علي ثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي ثنا أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام فرمى نفسه على قبر النبي ﷺ وحثا على رأسه من ترابه وقال: يا رسول الله: قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله ما وعينا عنك وكان فيما أنزل الله ﵎ عليك: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) وقد ظلمت نفسي وجيتك لتستغفر لي فنودي من القبر: إنه غفر لك. الكلام على متن هذا الحديث إن هذا الحديث ألغامه موجودة في متنه فضلاً عن سنده وفيه الطامات ما لا يشك فيه مسلم أنه موضوع مكذوب وذلك من وجوه: ١ - نحن نعلم أن رسول الله ﷺ لما توفي دفن في بيت عائشة أم المؤمنين فإذا كان أعرابي فعل ما فعل على الشكل الذي يرويه الحديث فلا بد أنه دخل بيت عائشة وكيف يدخل عليها دونما استئذان؟ لأن الحديث خلو من ذكر الاستئذان وهب أنه استأذن فكيف تمكنه عائشة ﵂ من أن يفعل ما فعل من الإتماء على القبر وحثو التراب منه على رأسه.

стр. 261

٢ - ثم إن الحديث مروي عن علي ﵁ وهو الذي يروي يعن الأعرابي ما فعل على قبر رسول الله ﷺ فلا بد أن يكون قد رآه فلو أنه سمع دون أن يراه فمعنى ذلك أنه سمع من شخص آخر رواية عنه ولكن لم يذكر هذا الشخص الذي سمع منه ما فعل الأعرابي فعدم ذكر الشخص الذي سمع منه يدل على أن علياً رأى بنفسه ما فعل لا سماعاً من غيره إذاً ثبت أن علياً رآى ما فعله الأعرابي وما يفعل على القبر فكيف لم ينهه عن ذلك؟ لأن الرواية لا تشير إلى أن علياً نهاه فعدم النهي عن فعل يفيد الإقرار فكيف يسكت علي ﵁ عن فعل الأعرابي ولا ينهاه وهو يعلم عمِل عمَل الجاهلية فهذا لا يعقل صدوره عن علي ﵁ ألبته لا سيما وإن أبا صادق الذي يروي الحديث عن علي لم يثبت سماعه من علي ﵁. ٣ - ثم إن الحديث يروي عن الأعرابي أنه قال: يا رسول الله: قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله ما وعينا عنك فيعلم من هذا أنه سمع من رسول الله ﷺ ومن يسمع من شخص لا بد أنه رآه واجمتع به ثم إن السماع مع الوعي عنه ﷺ يفيد أنه سمع فوعى وهذه صفات فاهم بصير مما يدل على أن الأعرابي صحابي فذه صفته وهذا شأنه أيعقل أنه يرتمي على قبر الرسول ويحثو من التراب على رأسه وهو يعلم أن هذا من عمل الجاهلية الذي نهى عنه رسول الله ﷺ . ٤ - يقول الأعرابي: ووعيت من الله ما وعينا عنك ولكن العكس هو الصحيح فإن رسول الله ﷺ لم يع من الله ما وعاه منه صحابته بل وعى منه صحابته ما وعي منه هو عن الله. ولا شك أن الفاروق ظاهر بين العبارتين ... لأن عبارة الأعرابي أن الصحابة وعوا من رسول الله ما وعوه منه قبل أن يعي رسول الله ما وعاه عن ربه وشتان بين قول الأعرابي الخاطئ وما بين القول الذي كان يجب أن يقوله عربي فصيح فضلاً عن أعرابي من أهل البادية بصرف النظر عن كونه يعرف جيداً أنه ما وعاه رسول الله عن ربه كان قبل أن يتلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ فقول الأعرابي

стр. 262

يدل على أن القرآن تلقاه الصحابة عن رسول الله قبل أن يتلقاه رسول الله عن ربه. وهذا لا يقوله مسلم فاضلاً عن صحابي عربي فصيح فاهم بصير ولعله من الدسائس التي يراد منها: أن القرآن من كلام محمد ﷺ والعياذ بالله. ٥ - ثم قال الأعرابي - فيما يرويه الحديث ... وكان فيما أنزل الله ﵎ عليك (ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) وقد ظلمت نفسي وجئتك لتستغفر لي إن هذه الآية الكريمة تتعلق فيمن يأتيه ﵊ حال حياته لا بعد وفاته ﷺ نعم حال حياته ليحصل للمستغفر استغفار رسول الله له ولا شك أن استغفاره ﷺ مستجاب فتحصل للمستغفر المغفرة من الله تعالى استغفار رسول الله له أما المجيء إلى قبره ﷺ والسؤال منه أن يستغفر للسائل فهذا محال لأن الرسول ﷺ قد انقطع عمله بوفاته فلم يعد يتحرك أبداً فضلاً عن أن يحرك لسانه بالاستغفار أو غيره فهو على ضجعته من يوم أن دفن إلى يومنا هذا وإلي يوم القيامة. أما أن يسمع أو يتكلم أو يصدر عنه أي عمل فلا وقد انقطع عمله نهائياً كما قال هو عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات: [إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به وولد صالح يدعو له] ولا شك أن رسول الله ﷺ يشمله هذا الحديث لأنه من بني آدم وقد قضى الله عليه بالموت والتحق بالرفيق الأعلى. أما الحياة البرزخية فهي حياة لا يعلمها إلا الله تعالى وليس لها أية علاقة في الحياة الدنيا وليس لها بها أية صلة فهي مستقلة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها وإن ما بين الأحياء والأموات حاجز يمنع الاتصال فيما بينهم قطعياً وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم لا ذاتاً ولا صفات والله سبحانه يقول: (ومن ورائهم برزج إلى يوم يبعثون) (١) والبرزخ معناه: الحاجز الذي يحول دون اتصال هؤلاء بهؤلاء لا سيما وأن الله تعالى يقول: (إنك لا تسمع الموتى) (٢) ويقول

стр. 263

عز وجل: (وما أنت بمسمع من في القبور (١)) والرسول ﷺ بعد أن توفاه الله هو من الموتى ومن أهل القبور فثبت أنه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا وإن كان هو والأنبياء لا يبلون لن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما جاء في الصحيح ولكنهم أجساد بلا أرواح وهم أموات ولا شك فإن الموت شيء وعدم البلى شيء آخر فمن كان ميتاً لا يمكن أن يسمع أحداً من أهل الدنيا فإذا ثبت عدم السماع يثبت عدم الإجابة لأن السمع هو همزة الوصل لحصول الجواب وإذا لم يسمع طلب الاستغفار؟ ثم إذا فهم هذا فأي معنى يبقى من طلب الاستغفار؟ الجواب: لا معنى لطلب الاستغفار أبداً. وما يضير هذا المستغفر إذا توجه إلى الله وتاب من ذنوبه وطلب من الله المغفرة؟ أو اختار أحد الصالحين وكلفه أن يدعو له فلا مانع من ذلك كما طلب عمر من العباس ﵄ أن يستسقي للمسلمين بعد وفاة رسول الله ﷺ ولم يطلب عمر ﵁ من رسول الله بعد وفاته أن يستسقي للمسلمين. ولو كان هذا جائز لفعله عمر ﵁ ولكن لم يفعل ذلك لأنه يعلم أن رسول الله التحق بالرفيق الأعلى ولم يعد يستطيع الدعاء وما أشبه ذلك. ثم ما قولك يا أخي المسلم الكريم أن هذه الآية لم تنزل لهذا الغرض مطلقاً ولا علاقة به ألبتة إنما الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يصدون الناس من متابعة الرسول ﷺ ويتحاكمون إلى الطاغوت وإذا احتاجوا إليه في أمر من الأمور أتوا إليه معتذرين ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا مداراة ومصانعة لا اعتقاداً منا بصحة احتكامنا إلى الطاغوت فهؤلاء إذا جاءوا النبي واستغفروا الله من نفاقهم في مجلسه وسألوه أن يعقب على استغفارهم لأنفسهم بأن يستغفر الرسول لهم عندما يجدون الله تواباً رحيماً ولكن لم يجيئوا ولم يستغفروا ولم يستغفر لهم الرسول فيما علاقة هذا ... بواقع الأعرابي الذي جاء رسول الله بعد وفاته وطلب منه وهو ميت أن يستغفر له ... ؟! نعم لا علاقة بين الموضوعين بل ولا قياس بين الواقعين وتفارقها لاختلافهما وتفارقهما على أن واضعي هذا الحديث ما كان قصدهم إلا التغرير والإفساد والتضليل

стр. 264

فلا يهمهم التوافق بين الواقعين حتى يستقيم القياس بينهما إنما المهم عندهم تشكيك المسلمين بأي ثمن كان ولكن رد الله كيدهم في نحورهم وأخسرهم وقد بحثنا هذا الموضوع قبل صفحات فليرجع إليه من يشاء. ٦ - قوله في الحديث ... [فنودي من القبر إنه غفر لك ... ؟؟!!] إن من وطن نفسه على الكذب لا يهمه إن كذب على الله وعلى رسوله وعلى الناس فالكل عنده على حد سواء لاسيما إن كان مراده التضليل والتشكيك فيستحل كل حرام في سبيل الوصول إلى ما يبتغي ويريد وليس للقيم عنده أقل اعتبار ما دام أنه يسعى لتحقيق ما خططه أو ما خطط له!!؟ وعند هؤلاء قاعدة يعتمدون عليها في كل ما يفعلون ألا وهي: ((الغاية تبرر الوسيلة)) فكل وسيلة مهما كانت فهي في نظرهم مشروعة!!! إذا كانت تحقق لهم أغراضهم وتوصلهم إلى أهدافهم ومراميهم. فالزنادقة الذين امتلأت قلوبهم بصديد الحقد على الإسلام والخنق على المسلمين ما كان باستطاعتهم صدهم عن دينهم بالقوة إذ لم يكن ذلك متيسراً لهم فلجأوا إلى الدس والتغالي وبث الأباطيل والترهات بوضع الأحاديث والكذب على النبي ﷺ إيهاماً وتضليلاً وتشكيكاً بدينهم الحق ولعل هذا الحديث من جملة تلك الأحاديث الموضوعة المصنوعة ففي متنه عن سنده من الطامات كشفنا ما قدرنا الله على كشفه آنفاً على أن هذه الفقرة الأخيرة منه من أخطر ما جاء فيه وهي: فنودي من القبر: إنه غفر لك!! أي أن النبي ﷺ ناداه من قبره إنه غفر لك وذلك تحريضاً لكل من يقرأ هذا الحديث الموضوع من أهل الغفلة أن يصدقه ويفعل ما فعله الأعرابي لينال البشرى بمغفرة الذنب كما نالها الأعرابي فتتفشى بين أغرار المسلمين هذه الأكاذيب وعلى توالي الأيام يحتج به كحقائق لا ينازع فيها وهذا ما حصل بالفعل فقد جاء بهذا الحديث وأمثاله لا أغرار المسلمين فحسب بل وعقلائهم وخاصة أهل العلم فيهم مع الأسف الشديد اللهم إلا من رحم ربك الذين يجددون للناس في أمر دينهم ويعصهم الله

стр. 265

من الزلل فينصر بهم دينه ويحفظ بهم ما أنزل الله من البينات فيردون الأباطيل ويكشفون الخفايا والأعصبة والأبصار والبصائر ولا يخلو أي عصر منهم والحمد لله. إن هذه الخاتمة من هذا الحديث أراد بها واضعوه أن يدخلوا في روع المسلمين: ١ - أن رسول الله حي في قبره ويسمع كلام من يكلمه ويجيبهم بكلام مسموع من القبر. ٢ - تكذيب ما جاء في القرآن الذي يثبت أن الأموات لا يسمعون ولا يجيبون. ٣ - التألي على الله بأنه غفر ذنبه مع أن هذا من المغيبات التي لا يعلمها إلا الله. على أن هذه الأمور غير خافية المقاصد بل هي ظاهرة بينة ولا تنطلي إلا على الذين سلموا قيادهم للباطل وإننا نرد عليهم بما يلي: ١ - إن الله تعالى أخبرنا أن (كل نفس ذائقة الموت) وقد قال : (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) وقال عز من قائل: (إنك ميت وإنهم ميتون) كل هذا يدلنا على أن رسول الله ﷺ مات كما مات من قبله ومن بعده والذي ينقطع عن الناس بسبب الموت ينقطع عمله لأنه بشر مثلهم لا يتكلم ولا يسمع وليس من بعد وفاته فداه أبي وأمي ونفسي أي اتصال بالدنيا ولو كان من الممكن الاتصال به لكان خليفته الصديق والأئمة من بعده أولى الناس بذلك فقد حدث من الأمور الجسام ما كان يقتضي الاتصال به واستشارته إذا كان ذلك ممكناً ولكن لم يتصلوا به لعلمهم الأكيد أنه لا يمكن الاتصال به إلى يوم القيامة فكيف ينادي الأعرابي من قبره وهو ميت منقطع العمل والحواس إلى يوم يبعثون؟ ٢ - لقد قرر القرآن أن الأموات لا يسمعون ولا يتكلمون وإنهم في عالم آخر ليس له أي علاقة بعالمنا هذا: (ومن ورائهم برزج إلى يوم يبعثون).

стр. 266

٣ - ما دام رسول الله لا يسمع ولا يتكلم ولا يجيب فكيف يجيب الأعرابي من القبر والقبر والبرزخ من عالم الغيب الذي يجب أن نؤمن به دون أن نراه فإن سمع منه صوت أو كلام أو بشارة صار عالم شهادة وهذا لن يكون وسيظل من عالم الغي إلى يوم القيامة فإذا انتفى هذا انتفت بالشارة بالمغفرة فلو كان في المنام لكان فيه نظر فكيف باليقظة؟!! فإنه من أكذب الكذب على رسول الله ﷺ وقد قال ﷺ [من كذب علي يلج النار] ولكن أين الخوف من الله تعالى حتى لا يكذب عليه ولا على رسوله ﷺ اللهم نعوذ بك من الخذلان وسوء المنقلب. وهكذا ... فقد اتضح لك يا أخي المسلم ما في متن هذا الحديث من الطامات والأباطيل والترهات الكذب والافتراء مما يدلك دلالة واضحة على أن هذا الحديث موضوع ومكذوب ومصنوع هذا من جهة المتن!!! فكيف هذا الحديث موضوع ومكذوب ومصنوع هذا من جهة المتن فكيف إذا أثبت لك أيضاً أن سنده موضوع فلا شك أنك ستزداد يقيناً بعدم صلاحه للاحتجاج به وهذا ما سأحاول إثباته لك وإليك البيان: الكلام على سند هذا الحديث ١ - قال في الصارم المنكي: إن هذا خبر منكر موضوع وأثر مختلق مصنوع لا يصلح الاعتماد عليه ولا يحسن المصير إليه وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض. ٢ - الهيثم: جد أحمد بن محمد الهيثم أظنه ابن عدي الطائي فإن يكنه فهو متروك كذاب وإلا فهو مجهول وقد ولد الهيثم بن عدي بالكوفة ونشأ بها وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل ثم انتقل إلى بغداد فسكنها. قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب وقال العجلي وأبو داود: كذاب وقال أبو حاتم الرازي والنسائي والدولاب والأزدي: متروك الحديث وقال السعدي: ساقط

стр. 267

قد كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال البخاري: سكتوا عنه أي تركوه. وقال ابن عدي: ما أقل ماله من السند وإنما هو صاحب أخبار وأسماء ونسب وأشعار قال ابن حبان: كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب إلا أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعات يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها وقال أبو عبد الله الحاكم: الهيثم بن عدي الطائي حدث عن جماعة من الثقات أحاديث منكرة وقال العباس بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول: قال: جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب .. ! اهـ. ٣ - أحمد بن محمد بن الهيثم عن أبيه - لا ذكر لهما في ((التقريب)) ولا ((التهذيب)) ولا ((اللسان)) فمن أحتج بهما - أي بأحمد وأبيه محمد - فعليه توثيقهما عن إمام من أئمة التوثيق. ٤ - وقال محمد رشيد رضا: أبو صادق، لم يسمع من على ﵁ أرأيت يا أخي القارئ المسلم الكريم، سند هذا الحديث ... .. ؟ وكيف تحفه الظلمات والجهالات ... والكذب والانقطاع، وما شابه!؟. إن حديثاً له هذا المتن ... .. وذاك السند البالي المهلهل ... .. لا تقوم به حجة أو دليل على صحة المدعى ... . وإنك لترى يا أخي، أن الأحاديث التى أوردها ... .. إما أنها مستشهد بها في غير ما مناسبة ... .!! أو أنها معلومة بعلل شتى ... . أقوى ما فيها ... .. الشديد الضعف! ناهيك عن المكذوب والموضوع والمدلس والمنقطع، وما لا أصل له. فيا سبحان الله ... !!! ما بال القوم .. يتمسكون بكل ذي علة من الأحاديث والآثار والأخبار ... .. ؟ ألا يعلمون أن ما يقدمونه من أدلة وبراهين على زعمهم ... .. لا يصح أن يقال أنها كذلك ... .. مادامت - كما رأيت يا أخي - من الضعف والهلهلة ... .. والعلة الكاسحة ما يوجب أن يخجل منها مقدمها، ولا يسمح لنفسه أن يرددها على شفتيه ... خشية أن تنبئ عن جهله ... . أو عن سوء نيته أو عن كليهما معاً ... .. !! وعلى كل حال .. فإن الاحتجاج بهذا الحديث ساقط ... .. لما يحوى من العلل ... .

стр. 268

وبقيت دعواهم دعوى مجردة ... . وكلما أتوا بما بقربها على زعمهم ... . زادوها علة وسقوطاً. وهكذا .. فإن بتكرار انهزامهم الذريع أمام حجج الحق، يزداد هذا الحق قوة وغلبة عليهم ... فإنهم إلى الآن لم يستطيعوا أن يقفوا على أرجلهم ... . حق ولو على أرجل مرتجفة متخاذلة ... بل ما يزالون قاعدين!!! بل مقعدين لا حول لهم ولا قوة على النهوض. وهذا هو حال من يتقوى بالباطل، فلا يزيده إلا ضعفاً وتخاذلاً وانهزاماً. اللهم زدنا بك قوة وثبتنا على صراطك المستقيم. وتعدد روايات هذا الحديث: لقد ورد (حديث توسل الأعرابي هذا ... ) في روايات عدة: بعضها بلا إسناد والبعض الآخر بأسانيد مظلمة!!! كما أن ألفاظها، جاءت مختلفة ومضطربة ... مع زيادة ونقصان في جميع ألفاظ متون، وفي جميع رواياته وأسانيده. مما يدل دلالة واضحة صريحة، على أن هذا الحديث في جميع رواياته مختلق موضوع، وخبر مكذوب مصنوع. وأن صنعه الكذب والوضع ظاهرة عليه وإنها بينة جلية واضحة فيه، وضوح الشمس. وها إنك يا أخي القارئ، اطلعت على الحديث في روايته الأولى لفظاً وسنداً وتعليقاً وتحقيقاً. ولا أخالك إلا مقتنعاً بالنتائج التى تترتب علي وضع مثل هذا الحديث ... ولعلك تتوق إلى تفصيل الروايات الأخرى التى ورد فيها ... على نحو ما تم تفصيله في الرواية الأولى ... .. فأهلا بك يا أخي على صعيد التحقيق والتدقيق ... .. ثم بعد ذلك، نترك لك الحكم على هذه الروايات المتعددة ... فيما إذا كانت تصلح للاحتجاج بها، في خلافنا القائم مع (القوم ... ) هدانا الله وإياهم سواء السبيل. الرواية الأولى: وهي الرواية الأولى المتقدمة عن أبى الحسن الكرخي بسنده إلى على بن أبي طالب ﵁، وحاشاه من نسبه هذه الرواية إليه بعد أن تأكدت يا أخي من كذب نسبتها إليه ﵁ وأرضاه.

стр. 269

الرواية الثانية: أما الرواية الثانية في المشهورة (بحديث العتبي) ويحسن بي يا أخي أن أثبت لك نص هذه الرواية كما وردت في كتاب (الشامل) لأبي منصور الصباغ بلا إسناد ... .!!. نص رواية حديث العتبي [كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك، فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) وقد جئتك مستغفراً لذنبي، مستشفعاً إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت في القاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم] الكلام على متن هذه الرواية إن في متن هذه الرواية (حديث العتبي) عللا مشتركة مع الرواية الأولى - رواية أبي الحسن الكرخي، وعللا أخرى مختلفة عنها ... فما توافق منها أحلناك يا أخي على إجابتنا على مثلها فيما سبق من تحقيق الرواية الأولى فأرجع إليها إن أعوزك ذلك. وأما ما أختلف عنها وأضطرب، عالجناه وناقشناه على ضوء الشريعة المطهرة. ١ - تقول الرواية الأولى: [قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، فرمى نفسه فوق القبر وحثا على رأسه من ترابه]. بينما تقول (رواية العتبي): [كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله ... .] فالعتبي هذا. قال عنه المؤرخون أنه توفى سنة / ٢٢٨ / هجرية فهل يمكن أن يحضر حادثة وقعت بعدما دفن الرسول بثلاثة أيام ... .. ؟!! فهب أنه عاش مائة سنة، فيبقى بينه وبين الحادثة انقطاع مائة وعشرين سنة فهل يمكن أن يحضر

стр. 270

واقعة حدثت قبل أن يخلقه الله بمائة وعشر سنين ... ؟!!. وهل تصح روايته الواقعة عنه ... .؟ وعلى كل سوف تأتى عند البحث في سند هذا الحديث، على تفصيل تام لترجمة العتبي. ٢ - إن الرواية الأولى ورواية العتبي تتفقان في إيراد لفظ تلاوة الأعرابي للآية الكريمة: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لو جدوا الله تواباً رحيماً). ولقد أجبنا على استدلالهم بهذه الآية الكريمة على جواز التوسل بذوات المخلوقين من أنه في غير محله، وأنه لا قياس بين حياة الرسول وموته، فما يمكن أيفعله في حياته، قد أنقطع بسبب وفاته. فأرجع يا أخي إلى معالجة ذلك فيما ذكرناه وعالجناه في الرواية الأولى، مع العلم أن هذه الآية الكريمة نزلت في بعض المنافقين، لا من أجل التوسل بذات الرسول ﷺ . ٣ - أن رواية العتبي ليس فيها أن الأعرابي رمي نفسه فوق القبر، وحثا على رأسه من ترابه كما في الرواية الأولى. فهذا اختلاف في اللفظ واضطراب في وصف الحادثة، فلو كان العتبي حاضراً فيها لوصفها كما وصفت في الرواية الأولى فوقوع هذا الاختلاف، والاضطراب بين الروايتين علة طاعنة ومانعة من صحة الحديث والاحتجاج به. ٤ - قول الأعرابي في الرواية الأولى: [وقد ظلمت نفسي وجئتك مستغفراً] وقول العتبي أن الأعرابي قال: [وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي] ولم يقل: [وقد ظلمت نفسي]. وفي الرواية الأولى يقول الأعرابي] وجئتك مستغفراً] وفي رواية العتبي [وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي]. إنهما قد ترافقا تقريباً بين العبارتين المتعلقتين بالمجئ من أجل الاستغفار. وجاءت زيادة في رواية العتبي [مستشفعاً بك إلى ربي]. وهنا يجب الوقوف عند قول الروايتين: [وجئتك مستغفراً] وفي الرواية

стр. 271

الأولى [وجئتك مستغفراً لذنبي] في رواية العتبي النظر عن الاختلاف والاضطراب في لفظ الروايتين .. إن خطر كبيراً يهون بجانبه خطر التوسل بذوات المخلوقين، قد ذر قرنه من قوله [وجئتك مستغفراً] أو [قد جئتك مستغفراً لذنبي] أن هذا الكلام الوارد في كلا الروايتين يوهم - إن لم نقل يؤكد - أن الأعرابي إنما جاء القبر ليستغفر الرسول من ذنبه ... ! بينما الآية التى يستشهدون بها تقول: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله) لا فاستغفروك!!! لأن استغفار الله عبادة له تعالى، فلا يجوز استغفار أحد من المخلوقين ... حتى ولو كان رسول الله ﷺ فاستغفار رسول الله عبادة له والعبادة لا تليق إلا لله تعالى وحده لا شريك له , إذا فاستغفار الرسول شرك بالله تعالى. أما مراد الآية: فهو المجيء إلى مجلس الرسول ﷺ ، واشهاده على استغفارهم الله من الذنب، ثم الطلب منه ﷺ أن يستغفر الله لهم، وليس فيها قطعاً ذكر المجيء إليه ﷺ من أجل أن يستغفروه هو من الذنب. ٥ - إن الزيادة الواردة في قول العتبي [مستشفعاً بك إلى ربك]، هذا طلب لا يجوز توجيهه إلى رسول الله ﷺ بعد وفاته. إذ كيف يشفع وهو منقطع العمل بسبب وفاته ... ؟ ثم كيف يشفع ولم يصدر الإذن بالشفاعة من الله تعالى ولن يصدر الإذن إلا يوم القيامة لمن يشاء الله ويرضى .. وهذه ولا شك عقائد ومعلومات بدهية لا يعذر المسلم في الجهل بها ... فضلاً عن وقوع ذلك في زمن الصحابة الذين هم خير أمة أخرجت للناس وخاصة أمام علم شامخ من أعلامهم وهو على ابن أبي طالب ﵁ وأرضاه. ٦ - قول الرواية الأولى: [فنودى من القبر ((انه قد غفر لك))] بينما يقول العتيبي في الرواية الثانية: [ثم أنصرف الأعرابي فغلبتنى عيني ... فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: ((يا عتيبى إلحق بالأعرابي فبشره أن الله قد غفر له))]. لا شك يا أخي أنك قد أدركت الفارق بين اللفظين رواية تقول: أن الرسول قد ناداه من القبر ((انه قد غفر لك)) ورواية تقول: أن الرسول أتى العتيبي في

стр. 272

المنام وأهره أن يلحق بالأعرابي ويبشره بان الله قد غفر له. فإذا كان الرسول قد بلغه شفهياً بأن الله قد غفر له فما حاجته بتكليف العتبي أن يبشره بأنه قد غفر له ... .؟ فإما أن يكون الأعرابي سمع قول الرسول وبشارته مباشرة منه ﷺ وأما أن يبلغها من العتبي، أما من الطرفين فيكون من التكرار الذي لا طائل تحته. وإذا كان من الممكن نداء الرسول للأعرابي وتبليغه مباشرة فلماذا يستعين بالعتبي ويأتيه بالمنام ويستلحقه بالأعرابي ليبشره ... ؟! أرأيت يا أخي هذا الاضطراب العظيم بين الروايتين مما يؤكد ولا شك أن الروايتين غير صحيحتين بالنسبة لعلل كل منهما. على أن واضع الحديث في الرواية الأولى يريد أن يوهم المسلمين إمكانية اتصال النبي ﷺ بعد وفاته بأحد من أمته، بينما هذا مستحيل وقوعه ولو أمكن لكان من الأحرى والأجدى أن يتصل بأمته ﷺ في حوادث هامة .. لم يعرف فيها الحق أين هو .. ومع من هو ... ؟ وكم كانت تلك الوقائع المؤلمة سبباً لقتل آلاف من الصحابة. فيا سبحان الله يكلم رسول الله بعد وفاته الأعرابي .. ولا يكلم المسلمين فيما شجر بينهم من المشاكل ... ؟!!! إن مثل هذه العلل في متن الروايتين كافية للحكم على هذا الحديث بالوضع والسقوط. الكلام على سند الحديث ليس لرواية / حديث العتبي / أى سند يستأنس به للحكم بصحة الرواية أو اعتلالها .. ولكن رأينا بصيصاً من الضوء على ذلك، وهو: إنه وإن كان العقد منفرطاً إلى العتبي .. وغير معروف من رواه عنه، إنما نكتفي بالاستدلال على كذب الحديث .. أو على الأقل على علة الانقطاع فيه أن العتبي الذي يروى هذه الرواية عن الأعرابي كشاهد عيان!!! أن بينه وبين الأعرابي انقطاعاً يربو على مائتي سنة تقريباً وإليك البيان:

стр. 273

١ - قال زين الدين أبو بكر بن الحسين بن عمر أبى الفخر المراغي المتوفي سنة / ٨١٦ / هجرية: تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة ص ١١١ / في / ترجمة العتبي / قال: (أسمه محمد بن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عمر بن عتبة أبن أبي سفيان صخر بن حرب توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين). ٢ - وقال ابن الأثير في كتابه: اللباب في تهذيب الأنساب / ج ١ ص ١١٩: (((والعتبي وهي أيضاً نسبة إلى عتبة بن أبى سفيان صخر ابن أمية بن عبد شمس أخي معاوية بن أبي سفيان. وينسب إليه جماعة، منهم محمد بن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عتبة بن أبي سفيان العتبي البصري يكنى أبا عبد الرحمن صاحب أخبار وآداب، حدث عن أبيه وابن عيينة وروى عنه أبو حاتم السجستانى). ٣ - وقال أبن خلكان في / وفيات الأعيان / ج ١ ص ٥٢٢ - ٥٢٣ (أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عمر بن عتبة بن أبي سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس القريشى الأموي المعروف بالعتبي للشاعر البصروى المشهور كان أديباً فاضلاً، وشاعراً مجيداً وكان يروى الأخبار وأيام العرب ... . إلى أن قال: روى عن أبيه وعن سفيان بن عيينة، ولوط بن مخنف وروى عنه أبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشى وإسحاق بن محمد النعنعي وغيرهم وقدم بغداد وحدث بها وأخذ عنه أهلها ... . إلى أن قال: وتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين رحمة الله تعالى. ٤ - ولعل أحداً من (القوم ... ) يقول: وما يدريك أن هذا هو العتبي، المعنى بالرواية عن الأعرابي فأقول: وإنني أؤكد أنه هو نفسه الذي تزعمون أنه رأى الأعرابي صاحب القصة ودليلنا على ذلك ما حكى عنه المؤرخون وخاصة اعتراف رجل منكم ممن يجوزون التوسل بذوات المخلوقين وهو: الشيخ السبكي مؤلف كتاب / شفاء السقام / (الذي رد عليه ابن عبد الهادي في / كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي / قال في الصفحة / ٢٣٦ / منه:

стр. 274

(قال السبكي في كتابه / شفاء السقام في زيارة خير الأنام / العتبي، وأسمه محمد ابن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عمر بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب كان من افصح الناس رواية للأداب وحدث عن أبيه، وسفيان بن عيينة توفى سنة ثمان وعشرين ومائتين يكنى أبا عبد الرحمن) أهـ. كلام السبكي). وذلك طبعاً يعد أن ذكر حكاية العتبي وروايته عن الأعرابي مستدلاً بها في كتابه على جواز التوسل بذوات المخلوقين. إذا ... فالعتبي الذي تزعمون أنه صاحب الرواية عن الأعرابي .. هو نفسه المترجم في الكتب المذكورة بشهادة شيخكم السبكي في كتابه: / شفاء السقام في زيارة خير الأنام /، (وشهد شاهد من أهلها) بينما في الحقيقة أن العتبي هذا ... تأخر عن العتبي الذي يريدون إقحامه في الرواية عن الأعرابي .. بما يردي على المائتي سنة تقريباً ... فتأمل. قال ابن عبد الهادي في كتابه: / الصارم المنكي في الرد على السبكي. (وأما حكاية العتبي التى أشار إليها - أى السبكي - حكاية ذكرها بعض الفقهاء والمحدثين، وليست بصحيحه ولا ثابتة إلى العتبي ... .!! وقد رويت عن غيره بإسناد مظلم ... وهي في الجملة حكاية لا يثبت بها حكم شرعي، ولا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً، لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم وبالله التوفيق) أهـ. الرواية الثالثة: وقد رويت هذه القصة ... . لا عن العتبي ... إنما رويت أيضاً عن محمد بن حرب الهلالي عن الأعرابي وتارة عن محمد بن حرب الهلالي عن أبي محمد الحسن الزعفراني عن الأعرابي. والزعفراني هذا من أجلة أصحاب الشافعي وأعيانهم توفي سنة / ٢٤٩ / ﵀ فكيف يمكنه الرواية عن الأعرابي الذي تقدمه كل هذا الزمن ... !!؟ وإنك يا أخي لترى هذا الاضطراب البالغ فتارة يروون هذه القصة عن على ... . وتارة عن العتبي الذي كلفه الرسول ﷺ في المنام أن يلحق بالأعرابي ويبشره

стр. 275

بالمغفرة وتارة أخرى يقولون أن محمد بن حرب الهلالي هو الذي رأى الأعرابي وهو الذي رأى الرسول في المنام وكلفه أن يبشر الأعرابي بالمغفرة. وطوراً يقولون بل الحسن الزعفراني هو الذي رأى الأعرابي ورأى المنام ... ثم اضطراب في اسم محمد بن حرب الهلالي فتارة يقولون هو محمد بن حرب الهلالي وتارة يذكره الزبيدى في كتابه شرح أحياء علوم الدين انه محمد بن كعب الهلالي. ثم إن الهلالي تأخر والله أعلم في الوفاة عن شيخه الزعفراني الذي توفى سنة ٢٤٩ فكيف يمكنه الرواية عن الأعرابي الذي يعزون زمن قصته إلى ثلاثة أيام خلت بعد دفن رسول الله ﷺ ... !!!؟؟. قال ابن عبد الهادي ﵀: (هذه الحكاية التى ذكرها السبكي، بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد!!! وبعضهم يرويها عن محمد حرب الهلالي عن الأعرابي، ,بعضهم يرويها عن محمد ابن حرب عن الحسن الزعفراني عن الأعرابي. وقد ذكرها البيهقي في كتاب / شعب الإيمان / بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي - ويرويها بنحو ما تقدم ... . - وقد وضع لها بعض الذابين إسناداً إلى على بن أبي طالب ﵁ ... وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي ... مما تقوم به حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم وبالله التوفيق) أهـ. قلت: ولا ندرى من هو هذا الأعرابي الذي أقاموا الدنيا وأقعدوها بقصته إنهم لا يسمونه ولا في رواية من جميع رواياتهم فيمون الأعرابي أخيراً مجهولاً غير معروف. وعلى فرض صحة الروايات ... وأنها قصة واقعة فأي احتجاج ينهض من عمل هذا الأعرابي المجهول؟ ومتى كان الأعرابي يؤخذ عنهم العلم؟ اللهم إلا إذ كان الأعرابي صحابياً، فعلى الرأس فالأعرابي الصحابي نأخذ عنه ولو كان مجهول الاسم فهذا لا يضر الصحابي في شئ ... وأروني صحابياً واحداً ثبت أنه فعل

стр. 276

فعل ذلك الأعرابي المزعوم ثم وعلى فرض أن الحادثة واقعية ... أى حجة (للقوم ... ) على جواز ما يزعمون من التوسل بذوات المخلوقين ... إن عمل الأعرابي من أوله إلى آخره صحيحاً كان أو موضوعاً ليس فيه أى دليل على جواز التوسل بالمخلوقين وإن عمله لم يكن قط توسلاً بالرسول ﷺ . وكل ما في الآمر أنه أتى تأولا للآية (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ... ) ظاناً أنه يمكن أن يستغفر له الرسول بعد وفاته ... وأن يشفع له ... في الوقت الذي لما يحن بعد زمن الشفاعة، وما وقتها وزمنها إلا بعد يوم القيامة وبعد الإذن منه تعالى لمن يشاء ويرضى. وحق أن في بعض الروايات عن الأعرابي زيادة بيت على البيتين اللذين أنشدهما أمام قبر الرسول ﷺ . ففي هذه الرواية ينشد الأعرابي ثلاثة أبيات: يا خير من دفنت في القاع أعظمه نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه أنت النبي الذي ترجي شفاعته ... * ... فطاب من طيبهن القاع والأكم فيه العفاف وفيه الجود والكرم عند الصراط إذا ما زلت القدم * ... * وهكذا ترى يا أخي أن الأعرابي هذا يروون عنه أنه أنشد الأبيات الثلاثة وفي آخرها كما ترى: أنت النبي الذي ترجي شفاعته عند الصراط إذا ما زلت القدم فإن الأعرابي يقر بان الشفاعة لا ترجي من الرسول إلا عند الصراط وذلك يوم القيامة فكيف يطلبها في الدنيا ... .؟ هذا تناقض واضح، واضطراب في الروايات بالغ، يدل كما قلنا على عدم صحة الرواية عن الأعرابي. والحقيقة ... إنه ليس هناك أعرابي ولا غيره ولا وقعت تلك الحادثة أصلاً إنما حي موجودة في مخيلات من اخترعوها ووضعوها وكذبوا بها على الله وعلى رسوله وعلى الناس أجمعين، فإن كانوا قد تابوا إلى الله مما فعلوا .. وإلا فندعوا الله تعالى أن يعاملهم بما يستحقون من عدله جزاء ما أقترفوا من الآثام فضلوا وأضلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 277

١٣ - خبر العتق روى في الدر المنظم أن أعرابيا ... وقف على القبر الشريف وقال: اللهم إن هذا حبيبك، وأنا عبدك، والشيطان عدوك فإن غفرت لي ... سر حبيبك، وفاز عبدك، وغضب عدوك. وإن لم تغفر لي ... غضب حبيبك، ورضي عدوك، وهلك عبدك. وأنت يا رب ... أكرم من أن تغضب حبيبك وترضي عدوك، وتهلك عبدك. اللهم: إن العرب إذا مات فيهم سيد اعتقوا على قبره، وإن هذا سيد العالمين فاعتقني على قبره، يا أرحم الراحمين. فقال بعض الحاضرين: يا أخا العرب، إن الله قد غفر لك، بحسن هذا السؤال. لعلك يا أخي ... لا تحتاج إلى كبير عناء ... . لاكتشاف ما أنطوى عليه هذا الخبر من الدس اللئيم، والمكر الخبيث، الكامن في متن هذه لرواية الموضوعة المصنوعة ... إنما مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى ما خفى بين طياتها من الدس والمكر والخبث واللؤم. فتتعرى مكشوفة الأستار ... ويتضح لكل ذي عينين ما كان كامناً خلف تلك السجف المهتزئة ... .! التى كان يظن أصحابها أنها الحجب المتينة التى لم تنم ولا تشف. هذا الخبر ... تكاد كل جملة فيه ... تصرخ أنه مكذوب موضوع. برغم ما حرص واضعوه على تغطية بعبارات مننقة، ومذوقة مصنعة، بزخرف القول ... لإخراجه بأثواب ظنوا أنها كاسية صفيقة ... تخفى ما تحتها من الطامات والبلاوى .. فإذا لم تظهر ما وراءها من النفوس الحاقدة على الإسلام وأهله. ويرمون من وراء صنعه الكلام وزخرفته الكتابية ... إدخال هذه الطامات والأباطيل، إلى القلوب الغافلة .. فتعالج فتحها بأناة وصبر، ورويداً رويداً حتى يجدوا فيها منفذاً ينفثون فيه سمومهم من العقائد والزندقة الخبيثة الماكرة.

стр. 278

ولكن خاب فالهم، وأرتد كيدهم إلى نحورهم، وإن الله تعالى الذي تولى حفظ دينه سينصر كلمته، ويجعلها هي العليا .. ويجعل كلمة الذين كفروا السفلى. وإننا نرجو من إخواننا الذين أغتروا بها وتخدروا ردحها من الزمن بسمومها ... أن يصحوا الآن على ترياق الحق، ويعلموا أن ما كان يؤثر عليهم ... إنما هو كيد عدو ماكر كافر، ودس ذنديق خبيث فاجر. فيعودوا - إن شاء الله - إلى الصف المحمدي إخوة أحباء، وأشقاء كرماء، ويتأكدون أن ما كان فيهم هو من أثر كيد كائد حانق حاقد. ولنبدأ بكشف الأقنعة عن هذا الخبر ... . ليتضح لك يا أخي ... أنه لا يصلح حجة، ولا دليلاً على صحة (دعوى القوم ... ) وإليك البيان: ١ - هذا الخبر في أى زمن كان ... ؟ وهذا الأعرابي من هو ... ؟ أصحابي أم تابعي أم من هو، وما هي هويته ... .. ؟ وهؤلاء الذين استحسن أحدهم سؤال الأعرابي ... من هم ومن هذا الذي أستحسن وبشر الأعرابي بمغفرة ذنبه وتالى على الله واكتشف الغيوب ... ؟ ٢ - هل في كلام الأعرابي ... أو كلام من أستحسن كلامه، وبشره بالمغفرة ما يؤيده الكتاب والسنة ... حتى تقوم الحجة ويستقيم الدليل ... ؟ هذان سؤالان ... يردان على الخاطر قبل الشروع بمناقشة أجزاء هذا الخبر ... .ولعلهما يكونان المفتاح الذي نفتح له باب الأجوبة عن كل سؤال يرد أثناء النقاش حتى تنتهك الأسترة ستراً ستراً، ويظهر من ورائها الوضاعون والكذابون. إن هذا الخبر ... والقصة الواردة فيه وأشخاصها: العرابي ومن كان معه بما فيهم ذلك الذي بشره بالمغفرة ... !!؟ مجموعة مجاهيل، وليس لهم وجود إلا في أدمغة من أخترعوا هذا الخبر ولفقوه وصنعوه. لا يهمنا معرفة أشخاص القصة، بقدر ما يهمنا ما نسجوا فيها من أفكار وما ضمنوها من العقائد الفاسدة والزندقات الماكرة، والعقائد الكافرة بكلمات منمقة وعبارات مزخرفة باسم محبة الرسول ... والتوسل بذاته، وإيهام العامة

стр. 279

أن تلك الكلمات المنقمة المؤلف منها دعاء الأعرابي ... كانت سبباً في المغفرة له ... !!!؟ ويحسن بنا أن ندرس ما أصطنع الكذابون على لسان الأعرابي ... من الداعئ ولنوضح ما جاء به ونكشف الأقنعة عنه ليظهر على حقيقته عارياً من كل حجاب ويتأكد الجميع ما حواه من العقائد الزائغة الكافرة. ١ - جاء في دعاء الأعرابي المصطنع: [وإن لم تغفر لي غضب حبيبك.] أى غضب رسول الله ﷺ !!! ولكن ممن يغضب ... .؟ أليس ممن لم يغفر للأعرابي ... ؟ ومن هو الذي لم يغفر للأعرابي ... ؟ أليس هو الله ... ؟ نعوذ بالله من الكفر ... وهل يغضب رسول الله ﷺ من حكم ربه ... .؟ وما حكم الغضب من الله وعدم الرضى بما حكم وقدر ... ؟ أليس كفرا ... فكيف ينسب يا ناس هذا الكلام لرسول الله ﷺ ... !!!؟ نعوذ بالله تعالى من الخذلان وسوء الخاتمة. أرأيتم كيف يريد واضعو هذا الخبر أن يصفوا رسول الله ﷺ ... ؟ وهل هذا من صفاته وأخلاقه مع ربه الذي وصفه في القرآن الكريم: (وإنك لعلى خلق عظيم)؟ أرأيتم يا مسلمون كيف يريد هؤلاء أن يكذبوا ما جاء في القرآن من وصف الرسول الأعظم ... ؟ هذا تكذيب لله وطعن في رسوله ﷺ والعياذ بالله تعالى. ٢ - إذا كان الله مقدراً عدم المغفرة للأعرابي ... فهل إذا قال الأعرابي: [وإذا لم تغفر لي غضب حبيبك] يتفادى الله غضب حبيبه ... فيتحول فوراً من عدم المغفرة، إلى المغفرة ... !!!؟؟ تجنباً لغضب حبيبه ... !!؟ وهل يؤثر على الله أحد (والله غالب على أمره) (وهو يجير ولا يجار عليه). ٣ - علم رسول الله من ربه أن أبويه في النار لأنهما ماتا مشركين، فهل غضب من حكم ربه تعالى على أبويه ... أم تبرأ منهما كما تبرأ إبراهيم من أبيه ... ؟ أجل تبرا منهما ورضي بحكم الله فيهما ... لأن الله تعالى هو الحكم العدل الذي لا يجوز. فيا سبحان الله! يرضى رسول الله بحكم الله في أبويه ... ويغضب من ربه

стр. 280

من أجل الأعرابي إذا لم يغفر الله له ... !!!؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. ٤ - ثم يقول الأعرابي في دعائه: [وأنت يا رب أكرم من أن تغضب حبيبك] فجعله محابياً ... !! لأن عدم المغفرة لا يكون إلا بسبب ... وذلك لفعل فعله الأعرابي وذنب قد أرتكبه ... فكان عدم المغفرة جزاء وفاقاً ... فإن تحول الله سبحانه من عدم المغفرة ... إلى المغفرة صار محاباة لرسوله يتقى بها غضبه ... وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ألا إن المحاباة خلق ذميم ... وأن أى إنسان إذا قلت له: يا محابي ... غضب منك ولو كان يعلم من نفسه فعلاً أنه محاب، لأن صفة المحاباة صفة ذم ... فكيف ينسبونها لرب العالمين ويصفونه بها ... سبحان الله الملك القدوس له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولا يفاضل بين أحد من عباده إلا بالتقوى ... لا من أجل نبي ولا ملك ولا أحد من خلقه. ٥ - يقول الأعرابي: [إن العرب إذا مات فيهم سيد، أعتقوا على قبره. وإن هذا سيد العالمين، فأعتقني على قبره يا أرحم الراحمين] يريد واضعو هذا الخبر ... أن يدسوا على المسلمين هذا الدعاء .. فيدعوا به أملاً منهم أن يسقطوهم في هوة سحيقة من عدم معرفة حق الله عليهم وإليك البيان: إذا قال أحد الناس لشخص آخر: اقتد بفلان ... فمعنى ذلك أن فلاناً في مكانة محترمة ويكلفه أن يقتدى بأعماله التي سودته، وجعلته في تلك المكانة ... فمعنى ذلك أن المكلف بالاقتداء به دون مكانة وإلا لما حرضه على الاقتداء به ... إذن فهم أن المقتدى به أعظم وأفضل من المقتدى. وهذا مسلم به ولا شك. فتعال يا أخي ... ولنمعن في قول الأعرابي ... نر أنه يطلب من الله أن يفعل ما يفعله العرب. إذا مات فيهم سيدهم من العتق على قبره بمعنى أن يقتدى بفعل العرب ويعتق الأعرابي على قبر رسول الله ﷺ . فتعال يا أخي وأنظر ... من هو المقتدى ... ومن المقتدى به في هذا الدعاء ... ؟ أليس المقتدى هو الله ... والمقتدى بهم هم العرب ... ؟ لا أستطيع أن أزيد على هذا البيان ولا كلمة واحدة إلا أن أقول: نعوذ

стр. 281

باله من الكفر وسوء الخاتمة، ونعوذ به تعالى من الزندقة المبرقعة في أثواب التقى الكاذب الخداع. ٦ - كما إن العرب يعتقون العبيد على قبر سيدهم تقرباً إلى الله ... فكذلك يطلب الأعرابي من ربه أن يعتقه على قبر الرسول ﷺ ولكن تقرباً لمن ... ؟ ألا إن شاء الله أعظم من أن يتقرب إلى أحد وهو الغني عن العالمين. ٧ - إن المعروف من قواعد التأدب مع العظماء إذا كنت في حضرتهم لا يجوز أن تذكر أحداً بسيادة أو تعظيم من عبيدهم دونهم ... ولا شك أن محمداً ﷺ سيدنا ... ولكن لا ينبغي عندما نناجي السيد الأعظم وهو الله تعالى أن نذكر أحداً بسيادة أثناء دعائه ... ولذلك جاءت الصلوات الإبراهيمية خلوة من التسييد لأنها دعاء لله تعالى في الصلاة على عبده ورسوله محمد. فالسيادة في موقف الدعاء ... كلها لله تعالى فهو السيد الأعظم ﵎ وتقدس. وليس من التأدب مع الله دعائه أن نذكر عبده محمداً بأنه سيد العالمين وإن كان هو كذلك. ٨ - الأعرابي كما تبين تكلم بكلمات طامات وأباطيل وتشكيكات ظهرت لك يا أخي بينة واضحة، وهو كما علمت مجهول الهوية بل هو شخصية موهومة أخترعها واضعوا هذا الخبر .. فلو فرضنا أن ليس في أقوال شئ يؤاخذ به عليه، وأنه معروف الهوية مثلاً ... فليس هو حجة حتى تتبع أقواله ... وليس في أقواله آية حجة على المطلوب فكيف إذا كانت أقواله من الكفر والزندقة على شئ عظيم .. ؟ ٩ - لقد أثبتنا أن أقوال الأعرابي على جانب عظيم من الانحراف عن أساس ما جاء به القرآن الكريم، فلو عرضناهم بنداً بنداً وجملة جملة، وكلمة كلمة ... على القرآن والسنة ... لوجدنا فيها تجافياً كبيراً عما جاء فيهما من الحق. فإذا كان الأمر كذلك .. فأى حجة في هذا الخبر على المطلوب من أنه يجوز التوسل بذوات المخلوقين ... وهل من دليل أقوى إثباتاً وحجة على بطلان (دعوى القوم ... ) من هذا الخبر ... وأى حجة قامت به على صحة دعواهم ... . اللهم

стр. 282

إلا ما أنفضح من طوايا واضعية وما أنكشف من مخبآت زندقاتهم الفاجرة الكافرة. ١٠ - إن واضعي هذا الخبر الباطل ... لم يكتفوا بما دسوا فيه من بلايا على لسان الأعرابي المزعوم ... بل اخترعوا له شواهد زور!!؟ يشهد لدعائه بان دعاء حسن .. وكان سبباً في مغفرة الله للأعرابي! وشهود وزر آخرين ... أقروا بسكوتهم شهادة الذي تألى على الله وقال: [يا أخا العرب ... إن الله قد غفر لك بحسن هذا السؤال ... .!]. وإننا نناقش شهادة شاهد الزور في مسألتين: الأولى: من أين علم أن الله قد غفر للأعرابي ... ؟!! أَأُوحي إليه!!؟ أم أنه يتألى على الله؟ إن مغفرة الله لعبده من أمور الغيب ولا يمكن القطع بها لأحد قط إنما ترجى له من الله رجاءً ودعاء فالقطع والجزم بها على الشكل الوارد في الخبر إنما هو كذب وجرأة على الله أو ادعاء منه بأنه يعلم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول الله ... ) الثانية: أي حسن في سؤال الأعرابي ودعائه من أوله إلى آخره ... ؟ وإنه لمليء بالكفر والزندقة كما ثبت ذلك آنفاً؟ ثم إن سكوت الحاضرين على شهادة شاهد الزور إقرار لشهادته الكاذبة الكافرة إذا كان هناك واقع لكل ما ذكر أما الحقيقة فليس هناك أعرابي ولا دعاء ولا سؤال ولا حاضرون ولا غائبون إنما هو خبر ملفق من أساسه موضوع مكذوب مصنوع مختلق وضعه الزنادقة الكفرة الفجرة وتلقفه (القوم ... ) دونما تمحيص أو تدقيق ... وذلك على عادتهم في كل ما أوردوه إلى الآن من أحاديث وآثار وأخبار بلا روية ولا فهم هدانا الله وإياهم. ١١ - وعلى فرض أن الخبر واقع فليس فيه حجة على دعوى القوم ولا علاقة ولا ذكر ولا بيان لجواز صحة التوسل بذوات المخلوقين وليس له أي ذكر أو مناسبة وكل ما يدل على الخبر أن الأعرابي طلب المغفرة من الله ..

стр. 283

وهدد إن لم يحصل عليها بغضب رسول الله والعياذ بالله فأين الدليل في هذا الخبر إن كان ملفقاً أو واقعياً على صحة ما أدعاه (القوم ... ) من جواز التوسل بذوات المخلوقين ... ؟ إنهم تبنوا هذا الخبر وحملوا وزره أملاً أن يكون لهم حجة على صحة دعواهم فلم يفلحوا بالحصول على الحجة وباءوا بحملة وتبنيه وعادوا بخفي حنين متحملين أعباء الخبر الذي لم يكن إلا عبارة عن طامات وجهالات وظلمات فوق بعض فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الكلام على سند هذا الخبر لا كلام على سند هذا الخبر لنه لا سند له ولا زمام ولا خطام وليس له ذكر في أي من كتب الحديث فما دام هذا الخبر في هذا الدرك الأسفل من عدم وجود سند له يدل على صحته فضلاً عن متنه المكذوب والملفق وما حوى من المشاكل والأباطيل فهو حديث باطل لا وجود له إلا في أدمغة من اخترعوه ووضعوه وصنعوه ... و (صدقوه!!!؟) فكيف يصلح للاحتجاج به على ما يزعم (القوم ... ) ولكن ما العمل وهذا شأنهم وهذا سبيلهم وهذا منهجهم يتكرر دائماً وأبداً في كل حديث أو خبر يحتجون به ألا إن هذا الخبر أقل ما يقال في واضعيه أنهم زنادقة كفرة وأقل ما يقال في مصدقيه والمحتجين به أنهم سخفاء أغبياء أغرار جاهلون بله مغفلون ... وأخيراً ... أرأيت يا أخي كيف ينسخ الوضاعون بضاعتهم الكاذبة المفتراة؟ أرأيت كيف يحاولون حبكها!!! أملاً أن يغتر بها البسطاء والمغفلون ولكن الله ﷻ وله الحمد أظهر ما كانوا يبطنون وكشف ما كانوا يضمرون من المقاصد الهدامة فسفه أحلامهم وفضح أسرارهم وأفصح عن نواياهم الخبيثة الماكرة حتى أصبحت عريانة أمام الجميع لا تخفى منها خافية عن كل ذي بصر وبصيرة.

стр. 284

والحمد له تعالى على ما وفقنا إليه من العمل بما أوهن كيدهم ودحض أباطيلهم فأحق الحق وأزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً والحمد لله رب العالمين.

стр. 285

١٤ - أبيات الأعرابي ... روى البيهقي عن أنس ﵁[أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ يستسقي به ,انشد أبياتاً أولها: أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل إلى أن قال: وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأنى فرار الخلق إلا إلى الرسل فلم ينكر ﷺ هذا البيت بل قال أنس: لما انشد الأعرابي قام ﷺ يجر رداءه حتى رقى المنبر فخطب ودعا لهم فلم يزل يدعو حتى أمطرت السماء]. الكلام على متن هذا الحديث إن القوم هداهم الله من كثرة تعلقهم بهذه القصة أي بالتوسل بذات المخلوقين فإن هوساً أصابهم في التفتيش عن حجة يتعلقون بها ويتمسكون بأهدابها لعلهم يجدون فيها دليلاً ينصرهم في دعواهم لدرجة أصبحوا يؤولون مفاهيم اللغة ولا يرون بأساً في تحميلها من المعاني ملا تحتمله حتى وقعوا بمشاكل كانوا متعاقين منها فجروا على أنفسهم متاعبها ويا ليتهم في الأخير نجحوا فيما يؤملون بل على العكس زادوا خصومهم قوة على قوة لأنهم هداهم الله لا يرعوون من خيبتهم في المرة الأولى من تشبثاتهم تلك بل أعادوا الكرة ثانية وثالثة ورابعة وكان نصيبهم من الخيبة والخذلان يتكرر في كل مرة
следующие страницы →