← Акыда

Акыда · id 37537

الحجج الباهرة في إفحام الطائفة الكافرة الفاجرة

جلال الدين الدواني

Полный текст (331 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

نفس الكلام الدال عليه الأصوات والحروف كان كفرا. (أن المعاصي واقعة بإرادة إبليس والعبد لا بإرادة الله) ومنها أن المعاصي واقعة بإرادة إبليس والعبد، لا بإرادة الله تعالى وقدره. محتجين بحجتين: الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ والجواب من وجوه: الأول: أن ليس معنى الآية ما قصدوه من أن الحسنة من الله والسيئة منك، فإن المراد بالحسنة الأشياء المرضية في الدنيا من الغنيمة والظفر

стр. 177

ونحوه، والمراد بالسيئة الأشياء الكريهة من القتل والجرح ونحوه، لأنه تعالى قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ ولو أراد ذلك قال: "ما أصبت". الثاني: إن كان هذا الذي فسروه الرافضة هو الذي قصده القائلون قبلُ بقولهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ فقد رد الله عليهم بقوله عقبه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. الثالث: أن الله تعالى وبخ قائل القول الأول وجعلهم على قولهم هذا كالبهائم بقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وإذا جعل القول الآخر على ما فسروه فهو الأول بعينه فقد صدقهم الله تعالى، ويلزم من ذلك تناقض القرآن، وهو منزه عن التناقض، فامتنع قصدهم.

стр. 178

الرابع: أن الكلام من أوله إلى آخره خطاب للنبي ﷺ وعلى قوله الرافضة يثبت تجويز السيئة عليه ﷺ وهو معصوم، فتنافيا. الخامس: أن معنى القول الآخر وهو ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ منع دعوى القول الأول وهو: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ وبيان الحديث الموبخ عليه وهو قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا .. ﴾ أي فمال هؤلاء القوم لا يفهمون هذا الحديث، أي هو الذي ما أصابك إلى آخره وهو كله من عند الله، ويؤيده ذلك قوله تعالى بعد: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي إنما أرسلناك رسولا لهم لتبشر وتنذر لا لتكون بيدك الحسنة والسيئة من خير وشر، فهو كقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وأمثال. السادس: أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أن الأشياء من خير وشر واقعة بإرادته، كقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ ﴿ومن يضلل الله فلا

стр. 179

هادي له﴾ ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾ وأمثال ذلك فوق مائة آية، بل حصره مشق من كثرته. فكيف أهملوه الرافضة وتمسكوا بشبهة لفظ واحد في آية واحدة وفسروه على قدر هواهم، وقد بينا فساده. وهلا تمسكوا بالكثير المقطوع الدلالة وأولوا هذه الشبهة القليلة المظنونة الدلالة. وما هذا إلا انتقام من الله تعالى لهم، أضلهم عن الهدى حيث نسبوا إليه شركية البشر في الإرادة وشركية الشيطان كما سيأتي. الحجة الثانية: قولهم إن الله تعالى يعذب على المعصية، فلو كانت بإرادته كان التعذيب عليها ظلما. والجواب من وجوه: الأول: أن الله تعالى عالم بوقوع المعصية وقادر على منع إبليس عن حمل العاصي على المعصية وعن وقوع المعصية من العاصي اتفاقا، فإذا لم يمنعها دل على إرادته. الثاني: أن الظلم عبارة عن تصرف في ملك الغير بغير إذنه، والله تعالى لا يجد لغيره ملكا، فهو متصرف في ملك غير معارض في ملكه.

стр. 180

الثالث: أن السيد الخالق كما إذا أشقى أحد عبديه في الخدمة من احتطاب واحتراف وخشن العيش وأنعم على الآخر منهما لا يكون ظلما، كان ذلك في الخالق أولى. الرابع: أن السلطان إذا نادى في مملكته وبين رعيته: من قتل قتلته، ثم قال لواحد منهم: أريد منك قتل فلان، فقتله، كان له قتله به ولم يكن ذلك ظلما بالاتفاق. فكيف يكون ظلما بالنسبة إلى السلطان المالك. الخامس: قوله تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ وفي ذلك كفاية عن كل دليل. السادس: أن [نقول] في المخلوق إن السلطان إذا فعل ما ينكره الخلق لا يمكن أحد يعارضه لقوته، وهو غير حكيم؛ كيف يعارض الخالق الذي كل أفعاله واقعة على وفق الحكمة، وهذا أقوى الأقوياء. السابع: أن الأغلب في الكون اليوم وقوع المعاصي على الطاعات. فإذا كان إبليس متصرفا في الأغلب منه كان متصرفا في الأكثر من العالم وكان للبارئ الجزء الأقل منه، وهذا لو كان لرئيس قرية مثله لم يرض بذلك واستنكف منه، فكيف بملك الممالك والملوك ومالكها. الثامن: أن المعاصي إذا كانت واقعة بإرادة الشيطان وجب كفر المعتقد ذلك لإثبات الربوبية لغير الله تعالى. ونضرب لذلك مثلا في قتل الحسين ﵁، وكل معصية مثله، فنقول: إن الله تعالى أراد حياة الحسين ﵁ وأراد الشيطان قتله، فتنازعت إرادة الله وإرادة الشيطان فيه،

стр. 181

وقد قتل وكمل مراد الشيطان دون مراد الله تعالى. وحينئذ فيلزم إثبات الربوبية للشيطان دونه تعالى، لأنه على هذا التقدير الأقوى فيستحق الربوبية دون العاجز. فتعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا. التاسع: لا خلاف أن الله تعالى خلق إبليس مريدا لخلقه غير مكره عليه وهو عالم بما يصدر منه. وإبليس من أكبر العصاة. فلا دليل أظهر منه على أن المعاصي واقعة بقدر الله تعالى وإرادته. العاشر: أن الطاعة والمعصية تتعلق بموافقة الأمر ومخالفته لا بموافقة الإرادة ومخالفتها، كما قال الله تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾ ولم يقل: "أفعصيت إرادتي"، وقال تعالى: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ ولم يقل: "يعصون ما أراد منهم ويفعلون ما يراد منهم". فإذا خالف الإنسان الأمر ووافق الإرادة في المعصية استحق العذاب لمخالفة الأمر، ولا لوم على المعاقب لموافقة العاصي إرادته. فانتفى الظلم لما عرفت من معنى القرآن في الآيتين المذكورتين. قالوا: كيف يؤمر بما لا يراد، وهو عبث. قلنا: بحسب عقولكم الفاسدة، لأن مثل ذلك واقع من الله تعالى

стр. 182

وأفعاله صادرة بالحكمة، كما أمر الخليل بذبح ولده إسماعيل ﵉. الحادي عشر: أن الله تعالى نهى عن أذى العباد. ومن الأذى ما هو واقع من الله تعالى وحده في العالم الخالي من المعصية كالأطفال والأولياء، وفي المعاصي وليس للمخلوق فيه علم ولا إرادة قطعا كالأمراض من السقم والعمى والصمم والخرس والعرج ونقيضه الخلق في الأجسام ونحوها، وكالحوادث الواقعة من الحرق والغرق والسقوط من علو والهدم المزهق ونحو ذلك، ومن ذلك الموت الذي لا أذى أعظم منه. وبالإجماع العام ما على الله تعالى في شيء من ذلك لوم لا ينسب إليه به ظلم، فكيف ينسب إليه ظلم فيما يريده وهو مكتسب لغيره. (أن أفعال العباد مخلوقة لهم وليست مخلوقة لله) ومنها أن أفعال العباد مخلوقة لهم وليست مخلوقة لله، فإذا فعل المخلوق من قيام أو قعود أو غيرهما كان بإرادته وحده.

стр. 183

ورُد من وجوه: الأول: أن من المخلوقات ما يصدر من حركته لطيف الصنائع ولا إرادة له، كدود الإبريسم ونحل العسل، فانتقض قولهم وثبت أن خالق أفعال المخلوق هو الله تعالى. الثاني: أن من العباد من يقع الفعل منه وهو يريد عدمه، كحركة المرتعش، أو لا اختيار له بوقوعه أو بعدمه، كحركة النفس؛ فالخالق هنا هو الله اتفاقا، فأطرد في الباقي قياسا. وحكي أن بعضهم قال لرافضي: إن كانت أفعالك بإرادتك ارفع رجلك اليمنى، فرفع، فقال: ارفع اليسرى ولا تضع اليمنى، فلم يستطع وانقطع. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أي سواء عليكم أجهرتم أو أسررتم ألا يعلم أفعالكم من خلقها.

стр. 184

الرابع: قوله تعالى: ﴿قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون﴾ أي خلقكم وخلق أعمالكم. قالت المعتزلة: ليست "ما" هاهنا مصدرية وإنما هي موصولة، أي خلقكم وخلق الذي تعملونه يعني الأصنام استحقارا بها وتوبيخا لمن يعبدها، وهذا هو الغرض. قلنا: كونها مصدرية لا تنقض شيئا من هذا الغرض، بل هو أبلغ في المعنى، لأنه إذا كانت أفعال العباد مخلوقة لله تعالى والأصنام مخلوقة الأفعال كانت الأصنام مخلوقة لمخلوق الله، ولا شك أن ذلك أبلغ في تحقير الأصنام كونها مخلوقة المخلوق وفي توبيخ من يعبدها كونهم يعبدون مخلوق المخلوق.

стр. 185

الفصل الرابع فيما خالفوا فيه من مسائل الفروع وسنذكر ما هو ظاهر التداول. (المسح على الرجلين في الوضوء) فمنها المسح على الرجلين في الوضوء، محتجين بقراءة الجر. ويرد بأن يقال ليس في الآية ما يدل على المسح صريحا، لأن عامل المسح هاهنا لفظا بيان الفعل وهو لفظ ﴿امسحوا﴾ والحرف الباء التي ﴿برؤسكم﴾ ولم يتكرر واحد منهما بعد واو العطف التي مع ﴿أرجلكم﴾، فاحتمل العطف الغسل والمسح، ولذلك قرئت الأرجل بالنصب عطفا على اليدين المغسولتين وبالجر عطفا على الرأس الممسوح. لكن يترجح الغسل من وجوه:

стр. 186

الأول: أن يقال: الفرض في الأرجل الغسل، وإنما قرئت بالجر مناسبة، إذ فصل الرأس الذي فرضه المسح بين الأرجل وبين الأيدي اللواتي فرضهن الغسل، فقرئت بالجر لمجاورتها الرأس الذي هو مجرور، [و] الإعراب بالمجاورة واقع في كلام العرب، كقولهم جُحرُ ضبٍ خربٍ، بجر الخرب وهو صفة الجحر، وكقوله: ﴿عذاب يوم أليم﴾ على وجه، وهو صفة العذاب المرفوع. الثاني: أن يقال الآية أوجبت المسح السنة أوجبت قدرا زائدا عليه وهو الغسل.

стр. 187

ويؤيد ذلك إجماع الأمة عليه في حياة رسول الله ﷺ . ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه بعده المسح. حتى أن أعرابيا ترك في وضوءه من رجله لمعة أمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار». الثالث: الواجب الغسل، وإنما جاء بلفظ المسح لما بينه وبين المسح من معنى البلل. ومثله واقع في كلام العرب، كما جاء التبن الذي يعلف والماء الذي يسقى بلفظ العلف لما بينهما من معنى الطعم في قوله:

стр. 188

علفتها تبنا وماء باردا والسيف الذي يتقلد والرمح الذي يعتقل بلفظ التقلد لما بينهما من معنى الحمل في: رأيت زوجك في الوغا ... ء مقلدا سيفا ورمحا الرابع: أن الغسل أعم من المسح، والعام داخل تحت الخاص وحاصل منه من غير عكس، فيقال: كل غسل مسح، ولا ينعكس، كما يقال: كل ثمرة حلاوة، ولا ينعكس. فإذا عرفت ذلك كان الصواب لازما لنا قطعا، ولزم الرافضة الخطأ من وجه لأنه إن كان الواجب الغسل كنا على الصواب وكان الرافضة على الخطإ لأن المسح لا يجزئ عنه، وإن كان الواجب المسح كنا على الصواب أيضا لأن الغسل يجزئ عنه. الخامس: أن فرض الرأس المسح اتفاقا، وفرض الرجلين المسح في قول الرافضة، والغسل فيهما يكفي عنه في الحدث الأكبر، ويندرج الأصغر تحته

стр. 189

ويحصل به الوضوء اتفاقا، وهذا دليل ظاهر على أن المسح يحصل بالغسل. فانتفى الخطأ عنها على كلا التقديرين. السادس: أن الرخصة أضعف من العزيمة، وثبت عن النبي ﷺ ترخص جواز المسح على الخف، وفي ترخص المسح على الخفين دليل على أن الغسل في الرجلين عزيمة إذ المسح أضعف من الغسل، ولو كانت العزيمة في الرجلين المسح لم يكف للخف لتساوي الرخصة والعزيمة فيهما، ومثله ممنوع. السابع: الفرض في الرجلين وقع محدودا مع عدم تعين جهة المسح في القدم لقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ بلا تعين لا على القدمين أو أسفله أو جوانبه، والتحديد من خواص الغسل في المسح مع إطلاق الجهة في الوضوء من خواص المسح العام، وإذا عم المسح صار غسلا بلا خلاف،

стр. 190

فتعين الغسل على الوجه في قراءة الجر أيضا. وإنما جاء الغسل هاهنا بلفظ المسح مع التعميم تنبيها على قلة النصب لترك السرف المعتاد في غسل الرجلين لكونهما قريبتين من الأرض التي هي محل النجاسة. (حل المتعة) ومنها حل المتعة. محتجين بدليلين: أحدهما: كانت زمن النبي ﷺ . ورُد بأنها كانت من أحكام الجاهلية كالخمر

стр. 191

ونكاح الأختين وزوجة الأب ونحو ذلك، وطن الإسلام عليها فاستمرت إلى حين نزول الناسخ كما في غيرها من الأحكام كالخمر ونحوه. والناسخ في القرآن موضعان: الأول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ لم يبح الله

стр. 192

تعالى في الآية المذكورة غير الزوجة وملك اليمين. قالوا: المستمتع بها زوجة. قلنا: الزوجة يلحقها الطلاق، ولها نصف المهر المسمى قبل الدخول، وجميعه بالدخول، ويحرمها الطلاق ثلاث مرات، وتحتاج بالعود إلى الأول إلى محلل، ويحتاج بالفرقة إلى ذوي عدل عند

стр. 193

الرافضة، ويحتاج بالبائن إلى الإذن، وبالرجعى دون الإذن، وغير ذلك من الأحكام. والمستمتع بها ليست كذلك. فانتفى أن تكون زوجة. الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وأمثال ذلك في القرآن. وهذا صريح في تحريم التمتع. فإن قيل: هذا ليس في هذا المعنى خاصة. قلنا: داخل في عمومه. الدليل الآخر: قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾

стр. 194

ورُد من وجوه: الأول: أن الآية فيها سين الاستفعال الدال على استيفاء المتعة، فيكون معناه: ما دخلتم به من النساء وحصل التمتع فآتوها أجرها وما لم تدخلوا ولم يحصل بها تمتع فآتوها نصف أجرها. وإلا لو كان مقصود الآية ما ذكرتم كان يقول تعالى: فما تمتعتم به منهم، لأن اسمها متعة، ما اسمها استمتاع. الثاني: أن الله تعالى ذكر المال بقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وإذا ذكر المال وجب أداؤه سواء كان النكاح مؤبدا أو مؤقتا، فما فائدة تخصيص المؤقت بإيتاء الأجر دون المؤبد، ولو كان كذلك لخرج من مفهومه المؤبد عن إيتاء الأجر، وهو باطل. فتعين أن يكون المؤبد الحاصل به الاستمتاع بالدخول كونه لا خلاف في جوازه كما ذكر في الوجه قبله، [ولا يستقيم للرافضة في هذه الآية دليل على المؤقت لأنه نوى بالاستمتاع الدخول] ويجعل ذلك للمؤبد والمؤقت، ويعود الخلاف في المؤقت، وهو لا يجد دليلا غير الآية، فينقطع النزاع. الثالث: لو سلمنا أن الآية في المتعة، فالفاء إن جعلت تفريعا من قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾، خرج الإحصان المؤبد، وخروجه ممتنع كما عرفت في الوجه قبله. وإن جعلت استئنافا كان مدلول الآية في المستمتع بها إيتاء الأجر فقط من غير دلالة على حلها، وإيتاء الأجر للشبهة والحرمة تعليم من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ ومن تنصيص كثير من العلماء عليها.

стр. 195

الرابع: أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء العجز عن طول الحرة، وأجر المتعة في الحرة أقل من مهر الأمة في المؤبد، لأنه قد يحصل بأقل ما يكون من الدراهم من نحو درهمين أو ثلاثة لقصر المدة وضرورة الحرة المحتاجة، ولا لعجز أحد عن مثلها. فلو كان نكاح المتعة جائزا لم يبح نكاح الأمة قطعا، لأن طول الأمة لمالكها وصحة نكاحها موقوف على إذنه، ولا يملك الإماء إلا أولو الثروة، وصاحب الثروة لا يرضى بالدرهمين والثلاثة. الخامس: أن الله تعالى منّ علينا بالتخفيف في نكاح الإماء لضعفنا بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ولا شك أن طول الأمة في النكاح المؤبد أثقل من أجر الحرة في المؤقت. فلو كان المؤقت جائزا لكانت المنة به أخف. السادس: أن المتعة يستقبحها كل أحد من أولياء المرأة رافضيا كان أو سينا، ولا يسمح الرافضي نفسه -من الغيرة والنخوة والغضب- لو قال أحد: متعني ببنتك. ولم يجعل تعالى القبح والغضب في أمر أحله لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قال الشارع ﷺ : "رغم الشرع

стр. 196

أنف الغيرة"، فتبين فسادها. فإن قيل: ابن عباس نقل عنه إباحتها. قلنا: معارض من وجهين: أحدهما أنه نقل عنه رجوعه أيضا. الآخر تحريم أمير المؤمنين عمر ﵁ لها، وهو أعظم من ابن عباس أمرا ونهيا من غير منازع له في ذلك من الصحابة.

стр. 197

فإن قيل: مالك يبيحها أيضا. (١) قلنا: فهذه الأدلة رد على الرافضة وعليه أيضا. (حل وطء الدبر) ومنها حل وطء الدبر. محتجين بقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يعني أي موضع شئتم من القبل أو من الدبر.

стр. 198

وبقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ أي مثل ما للذكران، يعني الدبر. قلنا: لو عقلت الرافضة ما جعلت ذلك دليلا لهم وهو دليل عليهم. أما الآية الأولى فإن الله تعالى جعل النساء حرثا على وجه الاستعارة وأمر بإتيان الحرث موضعا يراد الحرث، ولا يراد الحرث إلا في منبت الزرع، والزرع هاهنا الولد، ولا يحصل الولد إلا من القبل، فتعين. وإنما قدرنا مفعول ﴿شئتم﴾ بالحرث لأن قاعدة فعل المشيئة في علم المعاني أن يقدر مفعول بما ذكر معه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي لو شاء هدايتكم، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي ولو شئنا هداية كل نفسه، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي ولو شاء ربك إيمان من في الأرض. وأمثال ذلك في القرآن كثيرة. ولو ذهب الرافضي يقدر مفعول ﴿أنى شئتم﴾ غير المذكور معه أو لم يجعل له مفعولا ذهب إلى الخطإ في البلاغة، وعلى قول من يزعم أن ﴿أنى﴾ هاهنا بمعنى كيف، وأكثر ما جاءت ﴿أنى﴾ في القرآن هو بمعنى كيف. فلا دليل للرافضي في الآية. وأما الآية الثانية: فإن الله تعالى وبخ الواطئ في الدبر من بني آدم وأخرج سائر الحيوانات التي لا تعقل من التوبيح وجعلها أهدى منه بقوله:

стр. 199

﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ وبقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ فإن سائر الحيوانات من البهائم لا يأتي في الدبر. أما من الذكران فظاهر. وأما من الإناث فإنه إذا نزع الذكر منها الأنثى لا يهتدي إلا إلى قبلها دون الدبر. فقبح الله الفقيه الرافضي كيف كانت البهائم أهدى منه، ولا يعي ولا ينزجر من توبيخ الله تعالى. ولو أراد الله تعالى بقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ دبر الزوجة تشبيها بدبر الذكر لقال: وتذرون ما خلق ربكم من أزوجكم مثله، كما قال في الفلك الكبار: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ يعني الزوارق. (عدم وقوع الطلاق إذا لم يشهد) ومنها عدم وقوع الطلاق إذا لم يشهد. محتجين بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾

стр. 200

ورد بأن يقال: الإشهاد هاهنا يتعلق بالنكاح، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ دون ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ ويؤيد ذلك وجوه: الأول: أن المفارقة هاهنا ليست طلاقا، وإنما هي إطلاق أي عدم الإمساك، وإن الطلاق تقدم ذكره بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ والعدة انقضت بقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ لأن معنى الآية إذا بلغت المطلقة العدة وهي في مسكن الفراق: فإن أحدث الله أمر إعادتها في نفسك فأمسكها بمعنى أعد نكاحها وأشهد عليه ذوي عدل، وإن لم يحدث الله أمرا في إعادتها ففارقها، يعني ارفع الحجر الذي كان عليها من ملازمة مسكن الفراق. ولو لم تكن المفارقة هاهنا إطلاقا لكانت أمرا بطلاق [ثان] بعد الطلاق الأول وأن الإشهاد هو للإمساك لا للمفارقة. فإن قيل: المراد بالأجل هاهنا الطهر لا العدة، يعني إذا بلغن الطهر فأمسكوهن. قلنا: ذلك مردود من وجهين: أحدهما أن يقال ذلك سبق في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ولا فائدة لإعادته قريبا. الآخر: أن كلما جاء بلوغ الأجل في القرآن الغرض منه العدة، كقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله

стр. 201

تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. الوجه الثاني: أن النكاح يحتاج إلى الإشهاد دون الطلاق، لأن النكاح عقد تريد به تملك ما ليس لك في ملك الغير، فتحتاج به إلى ما يثبت الانتقال؛ والطلاق حل معناه تخلية ما هو لك، فلا يحتاج فيه إلا إلى النية فقط، فالإشهاد فيه وعدمه واحد. الوجه الثالث: أن الإشهاد المذكور معطوف على المفارقة لا يلزم أن يكون شرطا في صحة وقوع الطلاق، لأن مثله في القرآن كثير وليس بشرط، كقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ وأكد ذلك بتكرير الأمر بالكتابة. ثانيا بقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ وثالثا بقوله: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ورابعا بقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ وبالغ بقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ وبقوله: ﴿وَلَمْ

стр. 202

تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وكذلك أمر بالإشهاد على الدين بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وبالغ بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ﴾ وكذلك أمر بالإشهاد على البيع بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وكل ذلك ليس بشرط في لزوم الدين ولزوم البيع، فكيف صار مثله شرطا في لزوم الطلاق وهل ذلك إلا تحكم ومكابرة لشرع الله تعالى وأحكامه. (نجاسة الكافر) ومنها نجاسة الكافر. محتجين بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ والجواب من وجهين: أحدهما أن الله تعالى أباح لنا طعام أهل الكتاب ومناكحتهم، وهذا نص في طهارة الكافر، لكن جاء النجس للكافر؛ فاحتجنا إلى التوفيق بين الآيتين، وإلا توجه التناقض. والتوفيق إما بوجود الناسخ من أحدهما.

стр. 203

ونجاسة عين الكافر فيها خلاف بين العلماء. وحل طعام أهل الكتاب ومناكحتهم لا خلاف فيها.

стр. 204

وأيضا نص المفسرون على أن سورة المائدة لم يدخلها ناسخ، وهي من آخر ما أنزل، فتعين النسخ للأول. وإما بوجود التأويل، ونجاسة الكافر تحتمل التأويل: قيل إنه نجس باطنا وظاهرا كالجنب، ولهذا منع من الحرم ومن اقتناء المصحف ومن قراءة القرآن. وقيل شبه بالنجس استعارة لا على الحقيقة في عينه. وقيل للمبالغة في ذمه، والجامع بينه وبين النجاسة ملابسته لها أو عدم احترازه منها، مثل أكل الميتة والدم والخنزير وشرب الخمر وغير ذلك. وحل طعام أهل الكتاب ومناكحتهم لا تحتمل التأويل، فتعين أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ليس على الحقيقة.

стр. 205

ولو ذهب الرافضي إلى نجاسة الكافر ذهب إلى تناقض القرآن، وهو كفر. الآخر: أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي﴾ ولم يفرق بين كافر ومسلم، وقضية التكريم لا تقتضي نجاسة العين. (الصوم في السفر) ومنها عدم جواز الصوم في السفر ووجوب قضاء الفرض الذي يصام فيه. ورُد من وجهين: الأول: إن الصوم عزيمة في الإقامة، والفطر رخصة في السفر ومتى صحت العزيمة كانت مقدمة على الرخصة وأولى منها، كالماء والتراب في الوضوء، الماء عزيمة والتراب رخصة، فمتى حضر الماء كان مقدما. الثاني: أن الممهد في أصول الفقه أنه متى ارتفع الوجوب بقي الجواز،

стр. 206

كآية النجوى، فإن تقديم الصدقة بين يدي النجوى للنبي ﷺ بعد ما نسخت لم يكن ممنوعا. (فساد الصوم في الجنابة) ومنها فساد الصوم في الجنابة قياسا على الصلاة. ورُد من وجهين: أولها: معنى الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب ونحوه، وليس هو عمل كالصلاة، فما معنى الطهارة والحدث فيه. ثانيها: أن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع حتى يطلع الفحر بقوله تعالى: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ أي الفجر، وإذا أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر فلا شك أن الجزء الذي يقع فيه الاغتسال وطلب الاغتسال من الجنابة يقع في جزء من النهار بالضرورة. وهذا رد واضح. ثالثها: أن الوطء إذا أبيح إلى طلوع الفجر، كان الجزء منه وهو النزوع واقعا في الجزء من النهار قطعا. وهذا أبلغ من الدليل قبله. رابعها: إذا جاز الوطء إلى الفجر ووقوع جزء منه وهو النزوع في الفجر كان جواز الصوم حتما بالطريق الأولى. وذلك من باب القياس الجلي.

стр. 207

الفصل الخامس فيما ذكروه من مثالب الخلفاء الثلاثة (ما ذكروه عن الصديق) أما ما ذكروه عن الصديق ﵁: (قصة الغار) فمنها قوله تعالى في قصة الغار حكاية عن قول النبي ﷺ لأبي بكر ﵁: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾. وقد سبق الجواب عند ذكر نوم علي في الفراش.

стр. 208

(صلاة أبي بكر بالناس) ومنها صلاة أبي بكر بالناس، قالوا ذلك بقول ابنته عائشة ﵂، لا بقول النبي ﷺ . قلنا: ذلك مردود من وجهين: أحدهما أنه وقع في كتب الأئمة المحدثين الثقات أنها بإذن النبي ﷺ وذلك قوله: «مروا بلالا فليؤذن ومروا أبا بكر فليصلي بالناس»، وما نص الأئمة العدول على صحته وجاء من وجوه شتى وطرق متعددة لا يقف قباله خصم ثبت حدوثه بمئات سنين وفسقه بالسب لصدر الأمة وخيارها مشاهدين نوزل الوحي مصاحبين النبي ﷺ حضرا وسفرا. الآخر: هذه لم تكن صلاة واحدة يمكن فيها النصب والتلبيس، وإنما هي سبع عشرة صلاة اقتدى بها مجموع من كان من الآل والصحب، وقيل

стр. 209

تسعة أيام وحضر النبي ﵊ صلاة منها، وهو الأصح.

стр. 210

لو كانت لأدنى من في الصحابة لترجح بها على الجميع كائنا من كان، فكيف وهي للصديق الذي هو بدونها أعظم. (أن الإجماع لم يكن من كل الأمة) ومنها الإجماع، قالوا لم يكن من كل الأمة. ورُد من وجوه: الأول: لو يتأخر أحد عن بيعته فإما أن يكون قليلا كافرا أرذل الناس، فلا عبرة به، وإما أن يكون كثيرا، وحينئذ فكان له حزب واشتهار وانفراد عن الجماعة بتقديم مطاع منهم ينقادون له ويقتدون به. ولم يُعهد ولم تطق الرافضة تثبت أحدا كان بعد بيعة الصديق كذلك إلا أهل الردة ومانع الزكاة، وهم رعايا ورعاع تبعوا مسيلمة وقتلهم الصديق بإجماع الآل والصحب على قتلهم. واستقر الحق على الصديق واستمر عليه من غير منازع بعد حتى كأن لم يكونوا. فتبين كذب الرافضة.

стр. 211

الثاني: الحزب الذي تأخر عن بيعة الصديق يحتاج إلى إمام يدّعون له استحقاق ذلك ويكون قائدا لهم منفردين به عن الجماعة بذلك الحزب بينهم وبين أبي بكر وحزبه. فإن ادعت الرافضة أنه علي ﵁ كان كذبا أظهر من رؤية الشمس نهارا ليس دونها سحاب، إذ لك يكن لأبي بكر منازع اتفاقا. وإن ادعت أنه غير علي كان دعواهم حجة عليهم لعكس مقصودهم. الثالث: نسلم لهم تأخر أحد عن بيعته جدلا على سبب التقدير، فقد انقاد لعمر وعثمان وتبين كونه كان على باطل إذ لم يعهد لهما منازع، وهما منصوبان للصديق وإمامتهما فرع إمامته. فسحقا وبعدا للرافضة ما أشهدهم بالزور وأكثر خيالاتهم وبهتهم.

стр. 212

(الدفن) ومنها الدفن. قالوا هو بقول ابنته عائشة، وهو خطأ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ والجواب من وجوه: الأول أن المراد ببيوت النبي بيوت نساء النبي. والدليل على أن البيوت للنساء قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وقوله عن مطلق النساء: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾. والغرض من ذلك احترام نسائه كونهن لسن كأحد من النساء. وهذا النهي إنما كان حال حياته تعظيما له ﷺ ، فلم يكن الأمر بعد موته كذلك وليس في البيوت أحد من نسائه. وهذا لا

стр. 213

يخفى على عاقل، إلا أن يكون الله أضله عن الهدى وله هوى يتبعه. الثاني أن الله نهى عن الدخول إلا بإذن ممن له الإذن. وقد عرفت أن البيوت لنسائه ﷺ ، وهذا بيت عائشة ﵂، وقد أذنت بدفن أبيها فيه وأذنت لعمر ﵁ بعده. الثالث أن البيت إنما يسمى بيتا حال كونه مسكونا للأحياء أو يصلح لسكناهم، وإذا صار مدفنا عاد يسمى قبرا. ولم ينه الله تعالى عن دخول القبر، واستحال الإذن من الميت، فاستحال قصد الرافضي الأعمى. الرابع أن العراق فتوح عمر ﵁ وملكته اشتراه من الغانمين وأوقف بعضه على المسلمين.

стр. 214

وعلي والحسين دفنا فيه بلا خلاف في ذلك. فإذا قال السني للرافضي: أنت شرطت الإذن في جواز الدفن وأعبت دفن أبي بكر وعمر عند النبي ﷺ ، فإذا كان الأمر كذلك فأي إذن صدر في دفن علي والحسين ﵄ في ملك عمر ﵁ وقد مات واستحال الإذن؟ فينقطع الرافضي. وإن كان الأمر ليس كما قلت فقد دفنا في صدقة عمر ﵁، فيعظم الأمر على الرافضي وتقوم القيامة عليه ولا جواب له في ذلك. ولو كان الأمر بالعكس - أي يكونا أبو بكر وعمر ﵄ مدفونين في العراق وعلي ﵁ مع النبي ﷺ : جعل ذلك الرافضي تفاحة لم تزل في أيديهم يلعبون بها ولم يكن لسني معهم قرار وكان يكون الحق في أيديهم إذ لا فضيلة أعظم من ذلك. وحيث منح الله أبا بكر وعمر بها عادوا يتحيلون بها بحيلة ليجعلوه رذيله ويقمشون من هاهنا ومن هاهنا، والمصنوع لا يخفى. قاتلهم الله أنى يؤفكون.

стр. 215

(قتاله مانعي الزكاة) ومنها قتاله من منع دفع الزكاة إليه من مانعي الزكاة. والجواب أن المسلمين أجمعوا على قتل مانعي الزكاة، وقتلوهم وتبين فساد تأويلهم وبطلان منعهم إياها. وقد قيل للصديق حين عزم على قتالهم: كيف نقاتلهم والنبي ﷺ يقول: «من قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ودمه إلا بحق الإسلام وحسابه على الله تعالى» قال الصديق ﵁: الزكاة من حق الإسلام، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. ثم أجمع المسلمون بعد ذلك على رأيه وقتلوهم من غير منازع. (فدك) ومنها رده دعوى فاطمة ﵁ من فدك والعوالي قريتين من قرى خيبر.
следующие страницы →