← Фикх общий

Фикх общий · id 37547

الجامع لأحكام الصلاة - عادل بن سعد

عادل بن سعد

Полный текст (320 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعن يسيرة -وكانت من المهاجرات- قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "يا نساء المسلمات، عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسؤولات مستنطقات" (١). ويسن رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة؛ لما ورد عن عمرو بن دينار أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس ﵄ أخبره: أن رفع الصوت بالذكر -حين ينصرف الناس من المكتوبة- كان على عهد النبي ﷺ . وعنه قال: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير (٢). والأصل أن كل إنسان يذكر الله تعالى بمفرده، وأما الذكر الجماعي على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة فهذا وصف يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة؛ لأنه وصف يتعلق بعبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الإحداث والاختراع (٣). وبعد الذكر يقرأ آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ ... إلى: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥] لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" (٤)، ثم يقرأ سورة الإخلاص ﴿قُل هُوَ اللهُ أحدٌ﴾ (٥) والمعوذتين ﴿قُل أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، لما ورد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوّذات دبر كل صلاة (٦). الحكم السادس عشر في الفصل بين الفريضة والنافلة دلت نصوص الشريعة على أنه ينبغي لمن صلى الفريضة أن يتحول عن مكانه لصلاة النفل إذا كانت النافلة في المسجد، فإن حصل بينهما بكلام كفى، والمراد به: التحدث مع الآخرين؛ لأنه أبلغ في الفصل، وأبعد عن جنس الصلاة. والحال الأول أكمل، وذلك ليحصل تمييز بين الفريضة والنافلة، وهذا مقاصد الشريعة في مشروعية هذا الحكم. ولا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم، ولا بين الرجل والمرأة، لعموم الأدلة. وقد دل على ذلك ما ورد عن عمر بن عطاء أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب ابن أخت نمر يسأل عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت من

стр. 107

مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إليّ، فقال: لا تعد لما فعلت؛ إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك؛ أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج (١). قال النووي: (فيه دليل لما قاله أصحابنا: إن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها من موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره، ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة، وقوله: "حتى نتكلم" دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام -أيضًا- ولكن بالانتقال أفضل؛ لما ذكرناه، والله أعلم) (٢). وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فقام رجل يصلي، فرآه عمر فقال له: اجلس، فإنما هلك الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله ﷺ : "أحسن ابن الخطاب" (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: من صلى المكتوبة ثم بدا له أن يتطوع فليتكلم، أو فليمش، وليصلّ أمام ذلك. قال: وقال ابن عباس: إني لأقول للجارية: انظري كم ذهب الليل؟ ما بي إلا أن أفصل بينهما (٤). فهذه الأدلة بينت مسألتين: الأولى: أن الفصل بين الفريضة والنافلة قد يكون بالزمان، وقد يكون بالتحول من مكان إلى مكان، وقد يكون بالكلام، ففي الحديث الأول الفصل بالتقدم من موضع إلى موضع، وفي الثاني الفصل بالزمان، فإن الظاهر أن عمر ﵁ لم يرد بالفصل فصلًا بالتقدم؛ لأنه قال له: اجلس، ولم يقل: تقدم أو تأخر (٥)، وفي حديث ابن عباس ﵄ الفصل بالكلام كما في حديث معاوية -أيضًا- وظاهره أنه لا يحصل الفصل بالذكر بعد الصلاة، وإلا لما احتاج ابن عباس على مخاطبة الجارية (٦). ويمكن أن يحمل هذا على الأكمل، والله أعلم. وأكمل أنواع الفصل أن يتحول الإنسان إلى بيته فيصلي فيه النافلة؛ لما ورد عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٧). وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا" (٨). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى أحدكم في الصلاة في مسجده، فيجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا" (٩). قال القرطبي: (والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنقل فيه هو: عمارته بذكر الله، وبطاعته،

стр. 108

بالملائكة، وبدعائهم واستغفارهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة) (١) اهـ. قلت: ومن الخير الموعود به تربية أهل البيت من الصغار والنساء على محبة الصلاة والعناية بها، والقيام بها على أكمل الوجوه. المسألة الثانية: مما دلت عليه أحاديث هذا الحكم: أن فيها إشارة إلى الحكمة من الأمر بالتحول من مكان الفريضة أو الكلام بعدها، وهي الفصل بين الفريضة والنافلة والتمييز بينهما (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه ﷺ نهى أن توصل صلاة بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام، فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس؛ يصل السلام بركعتي السنة، فإن هذا ركوب لنهي النبي ﷺ . وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة. ولهذا استحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين. فهذا كله للفصل بين المأمور به من رمضان وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها، وهكذا تمييز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها. وأيضًا فإن كثيرًا من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة، بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا وما سلموا، فيصلون ظهرًا، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإن حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة) (٣). وما ذكره الشيخ ﵀ موجودًا الآن لا سيما في الحرمين الشريفين، حيث ترى العدد الكثير من المصلين بمجرد السلام ينهضون لأداء السنة البعدية، ولا ريب أن هذا ارتكاب للنهي، وقد يكون فيهم من أهل البدع، كما ذكر ﵀. وقد ذكر العلماء حكمة أخرى وهي تكثير مواضع العبادة، نسب ذلك الشوكاني إلى البخاري والبغوي (٤)؛ لأن مواضع العبادة، تشهد للعابد أخذًا من عموم قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ [الدخان: ٢٩] أي: أن الأرض تبكي على صاحب الطاعة (٥)، وكذا قوله تعالى: ﴿يَؤمَئذٍ تُحَدِّثُ أخبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] أي: تشهد على العاملين بما عملوا على ظهرها، من خير وشر، فإن الأرض من جملة الشهود الذين يشهدون على العباد بأعمالهم (٦). والله أعلم. الحكم السابع عشر من دخل المسجد وقد فاتته الصلاة فوجد من يصلي صلّى معه من دخل المسجد وقد فاتته الجماعة فإما أن يجد من يصلي، أو لا، فإن وجد جماعة يصلون صلى معهم، وإن وجد منفردًا يصلي تلك الصلاة بأمارة دخل معه، وصار الأول إمامًا للثاني، فتصح نية الإمامة في أثناء

стр. 109

الصلاة؛ بدليل حديث ابن عباس ﵄ عندما بات عند خالته ميمونة، فقام الرسول ﷺ يصلي من الليل، فقام معه عن يساره، فجعله عن يمينه (١). ففيه إشارة إلى أنه ﷺ نوى الإمامة في أثناء الصلاة (٢). قال ابن عبد البر: (فيه رد على من لم يجز للمصلي أن يوم أحدًا إلا أن ينوي الإمامة مع الإحرام؛ لأن النبي ﷺ لم ينو إمامة ابن عباس، وقد قام إلى جنبه فأتم به، وسلك رسول الله ﷺ سنة الإمامة؛ إذ نقله عن شماله إلى يمينه) (٣). وهناك أدلة أخرى تفيد اقتداء الصحابة ﵃ بالنبي ﷺ ، ولم ينو الإمامة من أول الصلاة، فأتم بهم، ولم ينكر عليهم، فدل على أن نية الإمامة ليست شرطًا. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (ولا فرق بين الفريضة والنافلة؛ لأن الأصل التسوية بينهما في الأحكام، إلا ما خصه الدليل ولا مخصص هنا فيما أعلم، والله أعلم) (٤). فإن لم يجد أحدًا يصلي طلب من الحاضرين أن يصلي أحدهم معه؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه"؟ فقام رجل فصلى معه (٥). وعموم الحديث يفيد أن المصلي مع الجماعة يصلي مع هذا المتأخر ولو كانت المغرب أو العصر، وسأذكر ذلك، إن شاء الله (٦) أو يخرج إلى مسجد آخر فيصلي فيه إذا كان يطمع في إدراك جماعته، وقد ورد في صحيح البخاري أن الأسود بن يزيد النخعي -أحد كبار التابعين- كان إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر. وقد أورد البخاري ﵀ هذا الأثر في باب "فضل صلاة الجماعة"، وبين الحافظ ابن حجر أن البخاري قصد بإيراده في هذا الباب أن الفضل الوارد في صلاة الجماعة مقصور على من جمّع في المسجد، دون من جمّع في بيته -مثلًا-؛ لأن التجميع لو لم يكن مختصًا بالمسجد لجمّع الأسود في مكانه، ولم ينتقل إلى مسجد آخر؛ لطلب الجماعة (٧). فينبغي لمن فاتته الجماعة في مسجده أن يحرص على تحصيل ثوابها ولو في مسجد آخر؛ لا سيما إذا كان قريبًا من منزله لا يشق عليه، وفي وقتنا هذا كثرت المساجد في الأحياء، وقد يكون هناك فارق في وقت الإقامة بين مسجد ومسجد، مما يكون سببًا في إدراك الصلاة في مسجد آخر. الحكم الثامن عشر إقامة جماعة غير معتادة لمن فاتتهم الصلاة إذا دخل المصلي المسجد فوجد الإمام قد فرغ من الصلاة، أو في التشهد -كما مضى- فإن له أن يقيم جماعة ثانية هو ومن معه، ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، لكن لا ينبغي للجماعة الثانية أن يصلوا إذا وجدوا الإمام في التشهد إلا بعد أن تنتهي الجماعة الأولى التي مع الإمام الراتب؛ لئلا تجتمع

стр. 110

جماعتان في مسجد، سواء كانت الجماعة الثانية مع الأولى في مكان واحد من المسجد، أو لا؛ لئلا يكون ذلك افتياتًا (١) على الإمام. واعلم أن من تأمل مصادر الشريعة ومواردها وما اشتملت عليه من المصالح والرغبة في الاجتماع والائتلاف، وعدم التفريق والاختلاف؛ علم أن إقامة جماعة ثانية غير معتادة أولى من تفرقهم وصلاة كل واحد منهم منفردًا. وقد دلت نصوص الشريعة على هذا، وسأذكر -بعون الله- بعض هذه الأدلة، وشيئًا من كلام أهل العلم في هذه المسألة المهمة: فعن أُبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ... وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله " (٢). فدل الحديث بعمومه على أن من صلى مع رجل فهو أزكى من صلاته منفردًا، فيدخل في ذلك إقامة جماعة ثانية لمن فاتتهم الجماعة مع الإمام الراتب. وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ فقام رجل فصلى معه" (٣). وقد بوب ابن خزيمة على هذا الحديث فقال: "باب الرخصة في الصلاة جماعة في المسجد الذي قد جمّع فيه ضدّ قول من زعم أنهم يصلون فرادى إذا صلى في المسجد جماعة مرة" (٤). قال البغوي: (ففيه دليل على أنه يجوز لمن صلى في جماعة أن يصليها ثانيًا مع جماعة آخرين، وأنه يجوز إقامة الجماعة في مسجد مرتين، وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين) (٥). وقول المانعين: إنها صلاة متنفل وراء مفترض فيجوز تكرارها، وأما بمفترض فلا يجوز. فهذا فيه نظر قوي؛ فإنها إذا جازت بمفترض ومتنفل فما الذي ينفي جوازها بمفترضين؟ ومن ادعى الفرق فعليه الدليل (٦). وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (٧). فهذا الحديث نص صريح في فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يرد تقييد ذلك بألا تكون جماعة ثانية، بل جاء مطلقًا في كل صلاة الجماعة، والرجل مع الرجل جماعة؛ لأن الرسول ﷺ جعل التضعيف لغير الفذ، فعلم أن ما زاد على الفذ فهو جماعة، فإذا أقام رجلان جماعة ثانية حصل لهما التضعيف -إن شاء الله- لهذا الحديث، والله أعلم.

стр. 111

ولقد كان السلف الصالح من هذه الأمة أفهم منا لمدارك النصوص وأعلم بمقاصد الشرع، فجاء عن عدد منهم إقامة جماعة ثانية في مسجد قد صلى فيه، حين فاتتهم الجماعة الأولى. فقد ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه دخل المسجد وقد صلوا فجمّع بعلقمة ومسروق والأسود (١). وجاء أنس ﵁ إلى مسجد قد صُلّي فيه فأذن وأقام، وصلى جماعة (٢). وعن ابن جريج: قلت لعطاء: نفر دخلوا مسجد مكة خلاف الصلاة -أي: بعد الصلاة- ليلًا أو نهارًا أو يؤمهم أحدهم؟ قال: نعم، وما بأس ذلك؟ (٣). وهناك آثار وأقوال أخرى تفيد جواز ذلك (٤)، وفيما ذكر كفاية إن شاء الله. وأما ما ورد عن السلف من كراهية جماعة ثانية وأنهم يصلون فرادى فلعله محمول على ما إذا اعتاد أناس إقامة جماعة دائمة في مسجد لا إمام راتب، يصلون وحدهم، ويخرجون وحدهم، فهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الكلمة، والقضاء على وحدة المسلمين واجتماعهم، كما أنه سبب لاختلاف القلوب، والتهاون بالصلاة مع الإمام، ولئلا يرغب رجال عن إمامة رجل فيجدون غيره إمامًا، فيؤدي ذلك على تقليل الجماعة مع الإمام الراتب وهذا ممنوع (٥). ولا ريب أن إقامة جماعة ثانية بصفة دائمة لم يكن في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك فيما بعد، فيكون من البدع، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦). ومن الملاحظ أن إقامة جماعة ثانية لا يكون في الغالب من قوم كثر، بل يصلي واحد بمثله أو باثنين أو ثلاثة، ولا أظن أن أحدًا منهم يجري على باله تفريق الكلمة، أو التأخر عن الجماعة مع الإمام الراتب، ثم إن مثل هذه الجماعة إن وجدت في مساجدنا فهي في الغالب من عابري سبيل ليسوا من جماعة هذا المسجد الذي صلوا فيه، فالقول بجواز الجماعة الثانية على الصفة المذكورة وجيه، لما ذكر. والله أعلم. أما ما يقع في المساجد التي على ظهر الطريق مما ليس فيه مؤذن راتب، ولا إمام معلوم، فيصلي فيه المارة جماعة جماعة فهذا لا محذور فيه؛ لأنه ليس فيه المعنى الذي تقدم من تفرق الكلمة، وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيجدون غيره إمامًا. قال النووي: (إذا لم يكن للمسجد إمام راتب فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة بالإجماع) (٧). وقد استدل المانعون من إقامة جماعة ثانية في المسجد بحديث أبي بكرة ﵁: أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله فصلى بهم (٨).

стр. 112

ووجه الدلالة على المنع: أن الجماعة الثانية لو كانت مشروعة بلا كراهة لصلى النبي ﷺ في المسجد، ولما اختار بيته على جماعة المسجد. والجواب عن ذلك من وجهين: الأول: أن أحاديث فضل صلاة الجماعة أكثر وأقوى سندًا من هذا الحديث، فإنه مختلف في صحته، وللعلماء فيه كلام. وقد ذكره الهيثمي ثم قال: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات). وهذا لا يعني صحة الحديث، ولا أنه حسن، على أن في سنده أبا مطيع معاوية بن يحيى، وهو متكلم فيه، بل إن الحافظ الذهبي في الميزان لما ترجمه ذكر له أحاديث مناكير، ومنها هذا (١). الثاني: على فرض صحة الحديث فليس فيه دلالة على المنع، وذلك من ثلاثة أوجه: الأول: أن الحديث ليس بنص على أنه ﷺ جمع أهله فصلى بهم في المنزل، بل يحتمل أن يكون صلى بهم في المسجد، ويكون ميله إلى منزله لجمع أهله لا للصلاة فيه. الثاني: سلمنا أنه صلى بهم في المنزل، فلا يثبت منه كراهة جماعة ثانية في المسجد، بل غاية ما يفيد أنه لو جاء رجل إلى مسجد قد صلي فيه فله أن لا يصلي فيه، بل يذهب إلى بيته ويصلي بأهله، وأما أنه لا يجوز له أن يصلي في ذلك المسجد بالجماعة، أو يكره له ذلك فلا دلالة للحديث عليه. الثالث: لو ثبت من هذا الحديث كراهة تكرار الجماعة؛ لأجل أنه ﷺ لم يصل في المسجد، فلآخر أن يستدل به على كراهة الصلاة فرادى؛ لأنه ﷺ لم يصل في المسجد لا منفردًا ولا بالجماعة، وعليه فالرسول ﷺ ترك فضل المسجد النبوي ولم يصل فيه منفردًا، وهم يقولون: لو كانت الجماعة الثانية مشروعة بلا كراهة لما ترك فضل المسجد النبوي (٢). وإذا كان الحديث بهذه الاحتمالات فكيف يؤخذ به ويترك ما هو أوضح دلالة وأقوى سندًا؟ على أن المنع من إقامة جماعة ثانية قوي فيمن اعتاد التخلف عن الجماعة، وصار ديدنه إقامة جماعة ثانية. والله أعلم. الحكم التاسع عشر من صلى ثم دخل مسجدًا صلى معهم من آداب دخول المساجد أن من دخل مسجدًا فوجدهم يصلون وهو قد صلّى، فإنه يشرع له أن يصلي معهم، إدراكًا لفضل الجماعة، سواء كان الوقت وقت نهي أم لا، وتكون له نافلة؛ لقوله ﷺ : "صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم فصلّ، ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي" (٣). قال النووى: (وفي هذا الحديث: أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب كباقي الصلوات؛ لأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، ولنا وجه أنه لا يعيد الصبح والعصر؛ لأن الثانية نفل، ولا تنفل بعدهما، ووجه أنه لا يعيد المغرب؛ لئلا تصير شفعًا،

стр. 113

وهو ضعيف) (١) وقال في بداية المجتهد: (والتمسك بالعموم أقوى) (٢). وعن يزيد بن الأسود العامري قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته إذ هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، قال: "عليّ بهما"، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ "، قالا: يا رسول الله! إنا قد صلينا في رحالنا؛ قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم؛ فإنهما لكما نافلة" (٣). قال الترمذي (وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: إذا صلى الرجل وحده ثم أدرك الجماعة فإنه يعيد الصلوات كلها في الجماعة، وإذا صلى المغرب وحده ثم أدرك الجماعة قالوا: فإنه يصليها معهم ويشفع بركعة، والتي صلى وحده هي المكتوبة عندهم) (٤). قال السندي: (وقوله: "فصليا معهم": هذا تصريح في عموم الحكم في أوقات الكراهة أيضًا، ورافع عن تخصيص الحكم بغير أوقات الكراهة؛ لاتفاقهم على أنه لا يصح استثناء المورد من العموم، والمورد صلاة الفجر). اهـ (٥). وقال في عون المعبود: (وظاهر الحديث حجة على من منع عن شيء من الصلوات كلها، ألا تراه ﵊ يقول: "إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصلّ فيصل معه"؟ ولم يستثن صلاة دون صلاة) (٦). وقد أفتى بمقتضى ذلك إمام السنة أحمد بن حنبل ﵀ قال أبو داود: سمعت أحمد قال له رجل: إذا دخلت المسجد وقد صليت العصر وأقيمت الصلاة؟ قال: صلّ معهم، قيل: والظهر؟ قال: والصلوات كلها، قال أبو داود لأحمد: والمغرب إذا صليتها أضيف إليها ركعة؟ قال: نعم ... (٧). وهذه الإعادة سببها حضور الجماعة، ولا فرق بين أن يصلي الأولى وحده أو يصلي مع جماعة، ولا فرق -أيضًا- في إعادتها مع الجماعة بين ما إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد، أو دخل المسجد وهم يصلون؛ لعموم الأدلة، ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به، والوقوع في عرضه وأنه ليس من المصلين. وظاهر قوله ﷺ في حديث يزيد: "إذا أتيتما مسجد جماعة" أن ذلك مختص بالجماعة التي تقام في المسجد، لا التي قد تقام في غيره، فمن حضر جماعة يصلون في منزل لعذر وكان هو قد صلّى لم يصلّ معهم، فيحمل المطلق الوارد في بعض روايات الحديث على هذا المقيد، والله أعلم (٨). قال في المغني: (إذا أعاد المغرب شفعها برابعة، نص عليه أحمد؛ لأن هذه الصلاة نافلة، ولا يشرع

стр. 114

التنفل بوتر غير الوتر، فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها؛ لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته). اهـ (١). وفي هذه المفارقة مخالفة لقوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٢)، قال ابن أبي شيبة في مصنفه: (باب من قال: إذا أعدت المغرب فاشفع بركعة)، وذكر آثارًا عن السلف، منها: عن علي ﵁ قال: يشفع بركعة. يعني: إذا أعاد المغرب (٣). ولو قال قائل إنه يصلي معهم المغرب، ولا يلزم أن يزيد عليها ركعة؛ لعموم الأدلة في هذه المسألة؛ لما كان ذلك بعيدًا، لكنه مبني على صحة التطوع بوتر، والله أعلم. الحكم العشرون اختلاف نية الإمام والمأموم من أحكام دخول المسجد التي ينبغي العلم بها أنه لا يشترط اتحاد نية الإمام والمأموم، وأن اختلاف نية الإمام عن المأموم لا يمنع صحة الاقتداء، فالمفترض يأتم بالمتنفل، والمتنفل يأتم بالمفترض، والمفترض يقتدي بمفترض آخر، فهذه ثلاث حالات: فالأولى: كما لو دخل إنسان المسجد، والإمام يصلي التراويح، فله أن يصلي العشاء خلفه ركعتين، ثم يقوم فيتم ركعتين، وهذا قول الإمام الشافعي وأصحابه، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، رحم الله الجميع (٤)، وذلك لما ورد عن جابر ﵁: أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة (٥). كما يدل على ذلك -أيضًا- أن الرسول ﷺ صلّى بالطائفة الثانية صلاة الخوف، وهي له نافلة، فإنه صلى بطائفة وسلم، ثم صلى بطائفة أخرى وسلم (٦). وأما حديث "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٧)، فلا دليل فيه على عدم الجواز؛ لأنه محمول على الاختلاف في الأفعال الظاهرة؛ لأن الرسول ﷺ فسّره بذلك، كما في تمام الحديث، وعلى تقدير أنه عام في اختلاف النيات والأفعال الظاهرة، فهو مخصوص بمثل حديث جابر المذكور، ولا تعارض بين العام والخاص. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والذين منعوا ذلك ليس لهم حجة مستقيمة، فإنهم احتجوا بلفظ لا يدل على محل النزاع، كقوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه"، وبأن "الإمام ضامن"، فلا كون صلاته أنقص من صلاة المأموم، وليس في هذين الحديثين ما يدفع تلك الحجج، والاختلاف المراد به الاختلاف في الأفعال كما جاء مفسرًا ... ). وقال -أيضًا-: (فقد ثبت صلاة المتنفل خلف المفترض في عدة أحاديث، وثبت أيضًا بالعكس،

стр. 115

فعلم أن موافقة الإمام في نية الفرض أو التنفل ليست بواجبة، والإمام ضامن وإن كان متنفلًا) (١). وقال السندي على حديث صلاة الخوف المتقدم: (ولا يخفى أنه يلزم فيه اقتداء المفترض بالمتنفل قطعًا، ولم أر لهم جوابًا شافيًا) (٢). وأما الصورة الثانية: وهي متنفل يقتدي بمفترض، فكما لو دخل إنسان المسجد فوجدهم يصلون، وقد كان صلى تلك الصلاة، فإنه يصلي معهم وتكون له نافلة. وتقدم بحث هذه المسألة (٣). وأما الصورة الثالثة: وهي مفترض يقتدي بمفترض آخر، فكما لو دخل إنسان لم يصل الظهر والإمام يصلي العصر، فإنه يصلي وراء إمامه بنية الظهر، ثم بعد فراغه يصلي العصر، لوجوب الترتيب، ولا يسقط خشية فوات الجماعة (٤). وكذا يجوز أن يصلي الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء خلف من يصلي الفجر، وشرط ذلك: ألا تكون إحدى الصلاتين تخالف الأخرى في الأفعال الظاهرة؛ لحديث "فلا تختلفوا عليه"، فلا يصلي الظهر خلف من يصلي الكسوف -مثلًا- (٥). وهذا قول الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لقصة معاذ ﵁ حيث دل الحديث على أن اختلاف النية بين الإمام والمأموم لا يؤثر، فكذلك هنا، اختلاف نية الفريضة من فريضة إلى أخرى لا يؤثر، ومن منع ذلك استدل ما تقدم، والجواب كما سلف، والله أعلم. الحكم الحادي والعشرون إذا صلى المسافر خلف المقيم أتم إذا دخل المسجد رجل مسافر، والناس يصلون صلى معهم، ولزمه الإتمام ومتابعة الإمام؛ وذلك لما ورد عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا، وإذا رجعنا على رحالنا صلينا ركعتين، قال: تلك سنة أبي القاسم (٦). وعنه -أيضًا- قال: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم ﷺ (٧). وعن الشعبي: أن ابن عمر ﵄ كان إذا صلى بمكة يصلي ركعتين، إلا أن يجمعه إمام فيصلي بصلاته (٨). وعن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعًا، فإذا صلّى لنفسه صلّى ركعتين (٩). فهذه النصوص تفيد أن المسافر إذا صلى خلف مقيم لزمه الإتمام؛ لوجوب متابعة الإمام وترك

стр. 116

الخلاف له وإن اعتقد المأموم أن القصر أفضل، لأن فضيلة الجماعة آكد، يؤيد ذلك عموم قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" (١). لكن إذا دخل المسافر المسجد وقد صلّى الإمام ركعتين من الظهر -مثلًا- فهل تجزئه الركعتان الباقيتان باعتبار أنها صلاته لو كان منفردًا أم يلزمه الإتمام؟ الجواب: يلزمه الإتمام؛ لما ورد عن أبي مِجْلَز -واسمه: لاحق بن حميد- قال: قلت لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم -يعني: المقيمين- أتجزئه الركعتان أو يصلي بصلاتهم؟ قال: فضحك، وقال: يصلي بصلاتهم (٢). وعلى هذا فإذا أدرك المسافر مع المقيم ركعة فأكثر أتم الصلاة؛ لأنه أدرك الجماعة، واقتدى بمقيم في جزء من صلاته، فلزمه الإتمام. أما لو صلى مسافر خلف إمام يصلي التراويح فهل تجزئه الركعتان؟ هذا مبين على مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل. والأظهر الجواز، لدخوله في عموم "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليم"، وهذا صلى ركعتين كإمامه، فلم يختلف عليه، وأما الاختلاف المنهي عنه فهو الاختلاف في الأفعال الظاهرة، بدليل تفسيره ﷺ بعد ذلك بالأفعال الظاهرة، كما في بقية الحديث، والله أعلم (٣). لكن إذا أدرك المسافر أقل من ركعة كأن يدرك إمامه في التشهد فهل يتم أو يقصر؟ هذا مبني على الخلاف فيما تدرك به الجماعة؛ فمن قال: تدرك بركعة، قال: له أن يقصر؛ لأن الجماعة فاتته، فهو كمن صلى منفردًا. نص على ذلك الإمام أحمد ﵀، وبه قال مالك وجماعة من السلف: أن من أدرك أقل من ركعة فإنه يقصر، ومن قال: تدرك الجماعة بإدراك التشهد قال: يتم هذا المسافر صلاته؛ لأنه أدرك الجماعة (٤). والقول بأن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة هو المختار في هذه المسألة، -كما تقدم- وذلك لأن المأموم لم يدرك مع الإمام شيئًا يحتسب له به؛ لأن ما دون الركعة لا يعتد به في الصلاة، لكونه يستقبل جميع صلاته منفردًا، والله أعلم (٥). الحكم الثاني والعشرون لا يحجز مكانًا في المسجد اعتاد بعض الناس حجز مكان في بعض المساجد، خلف الإمام، إما بفرش سجادة معينة، أو وضع عصا، ونحو ذلك، وصاحب المكان إما في منزله أو عمله، وهذه الظاهرة تكثر في المسجد الحرام ولا سيما في رمضان، حيث اعتاد أناس فرش سجاجيد في المسجد الحرام، ولا سيما عند الأعمدة يلازمون الصلاة فيها، ولا يكتفون بأماكن أنفسهم، بل يحجزون لأولادهم وأقربائهم وأصدقائهم، ويبذلون دريهمات لفئة من الناس يقومون بفرشها قبل مجيئهم، وطرد الناس عنها. وهذا العمل مخالف لنصوص

стр. 117

الشريعة وما عليه سلف هذه الأمة من وجوه: الأول: أن المصلي مأمور بالتقدم إلى المسجد والقرب من الإمام بنفسه، لا بعصاه ولا بسجادته، وغالب من يصنع ذلك حريص على الصف الأول، لكن هذا الحرص أدى إلى مخالفة السنة. الثاني: أن فيه مخالفة لأمر الرسول ﷺ بإتمام الصف الأول -كما تقدم- وإتمامه مطلوب حتى قبل الإقامة، بدليل قوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (١). ومن فهم أنه يدرك فضل الصف الأول وفضيلة التقدم بتقديم عصاه، وأنه يحصل على ذلك ولو جاء متأخرًا فقد أخطأ في الفهم، وأساء التصرف، فإن الفضل لا يحصل بتقدم السجادة، ولا العصا، بل الإنسان نفسه، ولا يبعد أن هذا الشخص يفوته من الأجر ويحصل له من الإثم بقدر تأخره؛ لأنه منع غيره، وخالف أمر الشرع، وكيف يكون مأجورًا بفعل ما نهى عنه الشرع؟ ولا يبعد أن تكون صلاة المتحجر ناقصة؛ لأن المعاصي إذا لم تبطل الأعمال فإنها تنقصها. الثالث: أن الناس في بيوت الله سواء، لا أحقية إلا للمتقدم، والسبق إلى المساجد يكون بالبدن لا بالعصا، فمن وضع عصاه أو نحوها وتأخر فقد غصب طائفة من المسجد، ومنع السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيها، وأن يتموا الصف الأول فالأول، ولا ريب أن السابق يستحق هذا المكان بسبقه، ولكن هذا المتحجر ظلمه حقه فهو عاص بذلك. ومن تقدم ووجد الصف الأول قد تحجره أحد فصلى في الصفوف المتأخرة كان أفضل وأعظم أجرًا؛ لأنه ما تقدم بنفسه إلا وهو يريد فضيلة السبق وأجر الصف الأول، فمنع ذلك بغير حق، فحصل على الفضل بنيته وقصده، وفات المتحجر الأجر بسبب فعله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئًا، لا سجادة يفرشها قبل حضوره، ولا بساطًا، ولا غير ذلك، وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه، لكن يرفعها ويصلي مكانها في أصح قولي العلماء، والله أعلم). وقال أيضًا: (ليس لأحد أن يتقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو، وما فرش له لم يكن له حرمة، بل يزال ويصلي مكانه على الصحيح) (٢). الرابع: أن الرسول ﷺ نهى أن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير (٣)، قال ابن الأثير: (معناه أن يألف الرجل مكانًا معلومًا من المسجد مخصوصًا به، يصلي فيه، كالبعير لا يأوي من عطن إلا

стр. 118

إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخًا) (١). قال في كشاف القناع: (ويكره اتخاذ غير الإمام مكانًا بالمسجد لا يصلي فرضه إلا فيه؛ لنهيه ﷺ عن إبطال المكان كإبطال البعير، ولا بأس باتخاذ مكان لا يصلي إلا فيه في النفل؛ للجمع بين الأخبار) (٢). إن ملازمة الإنسان لمكان خاص في المسجد قد يفقده لذة العبادة؛ لكثرة إلفه له وحرصه عليه، كما أنه قد يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة، وفيه الحرمان من تكثير مواضع العبادة التي تشهد له يوم القيامة (٣). وبعض الملازمين لمكان خاص يحقد على غيره إذا رآه في مكانه، وربما دعاه ذلك إلى إزاحة من سبقه إليه، أو التضجر منه. ورحم الله إمام السنة أبا عبد الله أحمد بن حنبل الذي قال عنه المروزي: (كان أبو عبد الله يقوم خلف الإمام، فجاء يومًا وقد تجافى الناس أن يصلي أحد في ذلك الموضع، فاعتزل وقام في طرف الصف، وقال: نهي أن يتخذ الرجل مصلاه مثل مربض البعير) (٤). الخامس: أن تقديم المفارش أو العصي يجعل صاحبها يتأخر عن الحضور اتكالًا على ذلك، وهذا مشاهد، فإذا حضر تخطى رقاب الناس وآذاهم فجمع بين التخطي والتأخر. السادس: أن في التحجير ترفعًا على الآخرين، وإحساسًا بالفارق الذي قد يفضي بصاحبه إلى الغرور والكبر، دون أن يشعر به صاحبه، وإنك لترى شيئًا من ذلك باديًا على وجوه كثير من المتحجرين في المسجد الحرام، وكيف يتخطون رقاب الناس على أماكنهم بلا مبالاة، ويمرون بينهم وبين سترتهم وهم يتنفلون، وهذا من الشهرة والرياء. السابع: أن هذا التحجر يحدث النزاع ويسبب العداوة والشحناء في أفضل البقاع، وهي المساجد التي لم تبن إلا لذكر الله تعالى وعبادته، وكم رأينا وسمعنا نزاعًا يقع في بيت الله الحرام حول هذه الأماكن المحجوزة، ولا سيما مع من يقومون بذود الناس عنها! الثامن: أن هولاء المتحجرين -ولا سيما في المسجد الحرام- إذا كان في الصف الذي أمامهم فرجة محاذية لأحدهم لم يتقدم لسدها خوفًا على مكانه، بل منهم من لا يرص الصف، بل يطلب من غيره أن يقترب؛ لئلا يزول عن مكانه. وهذا مخالف لنصوص الشريعة القاضية بسد الفرج والتراص في الصفوف. أما من كان في المسجد ووضع عصاه أو سجادته في مقدم الصف وصلى أو قرأ في مكان آخر؛ ليستند إلى عمود، أو ليراجع حفظه، ونحو هذا فلا حرج عليه، بشرط ألا يتخطى رقاب الناس، ولا يؤذيهم إذا جاء إلى مكانه، وإن كان الأولى عدم مثل ذلك متى وجد عنه مندوحة (٥). ومن تقدم إلى المسجد وفي نيته انتظار الصلاة ثم عرض له عارض من وضوء ونحوه فقام لا حرج

стр. 119

عليه في وضع عصا ونحوه حتى يرجع، وإذا رجع فهو أحق بمكانه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به" (١). قال النووي: (قال أصحابنا: هذا في حق من جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلًا، ثم فارقه ليعود إليه، كإرادة الوضوء، أو لشغل يسير ثم يعود، لا يبطل اختصاصه به، وله أن يقيم من خالفه وقعد فيه، وعلى القاعد أن يطيعه، واختلف: هل يجب عليه؟ على وجهين: أصحهما الوجوب)، قال: (ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا. والله أعلم) (٢). ومن سبق إلى مكان في المسجد فهو أحق به، فلا يجوز إقامته من موضعه الذي سبق له سواء كان شريفًا أو وضيعًا، صغيرًا أو كبيرًا، إلا إذا حصل منه أذى، كآكل الثوم وشارب الدخان، فإنه يخرج من المسجد، كما تقدم أول الكتاب. وقد ورد عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا (٣). وهذا الحديث عام في كل المجالس، ولكنه خاص بالمجالس المباحة وفي مقدمتها المساجد، قال ابن أبي جمرة: (والناس في المباح كلهم سواء، فمن سبق إلى شيء استحقه، ومن استحق شيئًا فأخذه منه بغير حق فهو غصب، والغصب حرام) (٤). وينبغي للجالسين في المسجد وغيره أن يتوسعوا وينضم بعضهم إلى بعض حتى يفضل من الجمع فجوة تسع الداخل، ولا سيما في مثل المسجد الحرام والجوامع الكبيرة، حيث يكون حصول فجوات بواسطة انضمام بعض الجالسين إلى بعض، شريطة ألا يحصل مضايقة وعدم ارتياح في العبادة من صلاة أو غيرها؛ لأن هؤلاء المتقدمين أولى من هذا المتأخر. واعلم أن ما ذكرنا في الأمر الرابع من النهي عن اتخاذ مكان في المسجد لا يصلي الرجل إلا فيه لا يشمل المنزل؛ بدليل حديث عتبان بن مالك الأنصاري ﵁ وفيه: أنه قال للرسول ﷺ : فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانًا، اتخذه مصلى. فقال رسول الله ﷺ : "سأفعل" ... الحديث (٥). قال الحافظ في فوائد الحديث: (وفيه أن النهي عن استيطان الرجل مكانًا إنما هو في المسجد العام) (٦). فإن قيل: ما الجواب عما ورد في حديث يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم، أراك تتحرى عند هذه الأسطوانة، قال: فإني رأيت رسول الله ﷺ يتحرى الصلاة عندها (٧)؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن هذا محمول على النفل، وليس في الفرض، فيكون هذا الحديث مخصصًا لعموم النهي، جمعًا

стр. 120

بين الأدلة -كما تقدم في النفل عن كشاف القناع- ولهذا كان سلمة ﷺ يصلي عندها النفل، كما في رواية مسلم: (أنه -أي سلمة- كان يتحرى موضع المصحف يسبح فيه)، قال النووي: (المراد بالتسبيح: صلاة النافلة) (١). الثاني: أن الصلاة عند الأسطوانة معناها: أنه اتخذها سترة، ولهذا بوّب البخاري على هذا الحديث وقال: (باب الصلاة على الأسطوانة) (٢). الثالث: أنه لم يحجز المكان الذي عندها، وإنما إذا رآه خاليًا صلى عندها، وأما فعل سلمة فلعله أراد الاقتداء بالرسول ﷺ ؛ لأنه يرى أن هذا من الأماكن الفاضلة؛ لكون الرسول ﷺ صلى فيه (٣)، والله أعلم. الحكم الثالث والعشرون لا يهجر المسجد الذي يليه تقدم أول الكتاب أن من حكم مشروعية صلاة الجماعة حصول الألفة بين الجيران وأهل المحلة الواحدة، فيتعرف بعضهم على أحوال بعض، فيقومون بإغاثة الملهوف وعيادة المريض، وتفقد أحوال العاجز، كما يظهر في صلاة الجماعة الاجتماع والبعد عن التفرق والاختلاف، ثم التعاون على الطاعة، وهذا وغيره إنما يتم إذا صلى أهل المحلة الواحدة في مسجد واحد، ومن هنا رغب الإسلام المسلم في أن يؤدي صلاة الجماعة في المسجد الذي يليه، ولا يتخطاه إلى غيره، إلا لغرض شرعي مطلوب. وقد ورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليصل أحدكم في مسجده، ولا يتتبع المساجد" (٤). إن تخطي الإنسان المسجد الذي بجواره إلى مسجد آخر يترتب عليه أمران محذوران في نظر الإسلام (٥): الأول: هجر المسجد الذي يليه، فإذا ذهب هذا، وذهب هذا أدى ذلك إلى خلو المسجد عن جماعته، لا سيما مع قلتهم، ولا ريب أن عمارة المسجد، والتعاون على الطاعة، وتنشيط المتكاسل كل ذلك من المطالب العظيمة التي يتحقق بها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى اَلبِرِّ وَاَلتَّقوَى﴾ [المائدة: ٢]. الثاني: إيحاش صدر الإمام، وإساءة الظن به، والوقوع في عرضه وذلك بالخوض في الأسباب التي جعلت هذا الإنسان يتخطى مسجده إلى مسجد آخر، وقد يفتعل أسبابًا يبرر بها تصرفه، والإمام منها بريء، وهذا أمر ملاحظ، فإن الغالب أن من يتخطى مسجده إلى مسجد آخر بصفة دائمة إنما هو لسبب بينه وبين الإمام، لا لغرض شرعي. قال في المغني: (وإن كان في قصد غيره -أي غير مسجده- كسر قلب إمامه أو جماعته فجبر قلوبهم أولى، وإن لم يكن كذلك فهل الأفضل قصد الأبعد أو الأقرب؟ فيه روايتان: إحداهما قصد الأبعد، لتكثر خطاه في طلب الثواب، فتكون حسناته أكثر.

стр. 121

والثانية: الأقرب؛ لأن له جوارًا، فكان أحقّ بصلاته، كما أن الجار أحقّ بهدية جاره ومعروفه من البعيد .. ) (١). وظاهرة تخطي المسجد الذي يليه تكثر في شهر رمضان المبارك عندما يتتبع الناس المساجد طلبًا لحسن الصوت في صلاة التراويح، أو صلاة التهجد، وأدى ذلك إلى هجر مساجد أخرى وخلوها من المصلين، وفي ذلك تفريق الجماعة وإضعاف نشاطهم ورغبتهم، ثم إنه انصراف من شاء الله من عباده عن الخشوع في الصلاة وحضور القلب إلى التعلق بمتابعة الصوت الحسن لذات الصوت، فأدى ذلك إلى تكرّه النفوس للصلاة خلف إمام لا يستحسن صوته (٢)، ومن الناس من لا يستقر على إمام معين فيظل ينتقل من مسجد إلى آخر طوال الشهر، وربما خرج من بعض المساجد قبل انصراف الإمام ونهاية التراويح؛ لأنه لم يعجبه صوته، فالله المستعان. وقد ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد عن محمد بن بحر قال: رأيت أبا عبد الله في شهر رمضان، وقد جاء فضل بن زياد القطان بأبي عبد الله التراويح، وكان حسن القراءة، فاجتمع المشايخ وبعض الجيران حتى امتلأ المسجد، فخرج أبو عبد الله، فصعد درجة المسجد، فنظر على الجمع، فقال: ما هذا؟ تدعون مساجدكم وتجيئون إلى غيرها، فصلى بهم ليالي، ثم صرفه كراهية لما فيه -يعني من إخلاء المساجد-، وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده (٣). أما إذا وجد غرض صحيح لتخطي الإنسان مسجده إلى مسجد آخر، مثل أن يكون إمام مسجده لا يتم الصلاة (٤)، أو يرتكب بعض المخالفات، أو ضعيفًا في القراءة ونحو ذلك فلا بأس إن شاء الله، أو كان يفعل ذلك في بعض الأوقات لحضور درس أو محاضرة في المسجد الأبعد، أو لكون الأبعد يبادر في الصلاة والمأموم محتاج إلى ذلك فأرجو أن لا حرج، والله أعلم. الحكم الرابع والعشرون في إيذاء المصلين والتشويش عليهم المصلي يناجي ربه ويلهج بذكره ودعائه ويستحضر عظمته وهيبته وجلاله، ولا يليق بمسلم أن يقطع هذه المناجاة على أخيه بالأذية أو التشويش، وقد قال النبي ﷺ : "ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا .. " ويأتي بتمامه إن شاء الله، وقد شدد الإسلام في موضوع الأذية، واعتبرها من موجبات اللعن، فقال النبي ﷺ : "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" (٥). ولا ريب أن الأذية في المساجد والتشويش على المصلين والذاكرين أعظم من الأذية في الطرق، وذلك منكر عظيم، ينبئ عن تساهل في احترام المساجد، ومراعاة المتعبدين، والمطلوب من المسلم الذي قصد بيتًا من بيوت الله أن يكون متحليًا بمكارم الأخلاق من السماحة والهدوء والمرحمة، ولا يليق به أن يهدم من جانب ويبني من جانب آخر.

стр. 122

وأنا أذكر بعض ما وقع فيه كثير من الناس مما يتعلق بالتشويش على المصلين، لعل في ذكره وبيان حكمه علاجًا إن شاء الله، فإن من صفات المومن أنه إذا ذكّر تذكر، ومن ذلك: (١) تخطي الرقاب: من التشويش على المصلين وأذيتهم قبل إقامة الصلاة: تخطي رقابهم ورفع الأرجل فوق رؤوسهم، مع استكمال الصفوف وخلوها من الفرج، ولا سيما في يوم الجمعة، أو في المساجد التي يكثر فيها المصلون في غير الجمعة. وقد نهى النبي ﷺ عن تخطي الرقاب، فقال للذى رآه يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة: "اجلس فقد آذيت" (١). وهذا الحديث من أقوى ما ورد في الزجر عن التخطي، كما قاله الحافظ في الفتح (٢). وقد وقع التصريح في حبوط ثواب الجمعة للمتخطي في حديث ابن عمرو ﵄ مرفوعًا: "من لغا أو تخطى كانت له ظهرًا" (٣). قال ابن وهب -أحد رواته-: معناه: أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة (٤). والحديث المذكور فيه تقييد النهي عن التخطي بيوم الجمعة، وظاهر ذلك أن النهي مختص به. ويحتمل أن يكون التقييد بيوم الجمعة خرج مخرج الغالب؛ لاختصاص يوم الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات، وعليه فلا يختص النهي عن التخطي بيوم الجمعة، بل يكون عامًا لجميع الصلوات، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "فقد آذيت" فعلّل أمره بالجلوس بالأذية، وهي لا تختص بيوم الجمعة. قال النووي: (ينهي الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيره عن تخطي رقاب الناس من غير ضرورة) (٥). وجاء في الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى) (٦). وهل تخطي الرقاب يوم الجمعة محرم أو مكروه؟ من أهل العلم من قال بالكراهة، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة. ومنهم من قال: بالتحريم. قال النووى: إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة. اهـ (٧)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، قال في الإنصاف: (والظاهر أن الذم إنما يتوجه إلى فعل محرم) اهـ (٩). وقال في بلوغ الأماني: (وهو الذي أميل إليه وأختاره) (١٠). وإذا ترك المتقدمون إلى الصفوف الأول فرجًا أو صفّوا في آخر المسجد وتركوا بين أيديهم صفوفًا

стр. 123

خالية فلا حرمة لهم؛ لتقصيرهم. ولا بد من تخطيهم لتكميل الصف الأول، أو لسد فرجة في الصفوف الأول، ولا يعد ذلك من الأذى؛ لأنهم أسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم، وهذا هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وقيده الشافعية بتخطي رجل أو رجلين، وهو رواية عن الإمام أحمد، وخصّ المالكية ذلك بما قبل جلوس الإمام على المنبر، وأما بعده فلا؛ لأن تأخره عن وقت السعي قد أبطل حقه في التخطي إلى الفرجة. ودليل ذلك حديث عبد الله بن بسر المتقدم: "فقد آذيت وآنيت" أي: تأخرت، وهذا قريب من مذهب الحنفية (١)، والله أعلم. (٢) مضايقة المصلين: ومن الأذية: مضايقة المصلين المتقدمين ومزاحمتهم في أماكنهم بحيث يفقدون الراحة في صلاتهم وقراءتهم، وهذا يكثر فيمن يأتون يوم الجمعة متأخرين، فيجمعون بين التخطي والمضايقة والتأخر. وتكثر المضايقة في الحرمين الشريفين، كما في الجمعة، والعيد، وشهر رمضان المبارك، حتى أن بعض الداخلين المتأخرين يجلس أمامك ويمنع بدنك راحته، ومنهم من يدخل الصف قسرًا، بحيث لا يستطيع المصلي وضع يديه على صدره، ولا أداء صلاته براحة، وهذا من الجفاء، وعدم احترام المصلين المتقدمين، وهو من قلة الفقه في الدين. إن المطلوب من المتقدمين أن يتفسحوا ويتوسعوا للداخل إن أمكن ذلك؛ امتثالًا لقوله ﷺ : "ولكن توسعوا" وتقدم بتمامه. وهذا دليل التواضع المقتضي للمحبة، والنفوس جلبت على حب من أحسن إليها. وليس من خلق المسلم أن يكون جشعًا فيأخذ من الأمكنة ما يزيد عن حاجته، ويأنف أن يفسح لغيره، ويجمع بين سوء القول وقبح الفعل. والمطلوب من المتأخرين أن يحبوا لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم. وليفرض كل واحد منهم أن يكون هو المتقدم وزاحمه غيره. إن الإسلام لا يريد المضايقة حيث لا يمكن التفسح، ومن تعاليم هذا الدين الحنيف لأبنائه أن يجلسوا حيث ينتهي بهم المجلس، وذلك فيما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال: كنا إذا أتينا رسول الله ﷺ جلسنا حيث ننتهي (٢). (٣) رفع الصوت بالقراءة: ومن التشويش على المصلين قبل الإقامة: رفع الصوت بقراءة القرآن بحيث يتأذى بجهره القارئ والمصلي، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قبة له، فكشف الستر، وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفعن بعضكم على بعض بالقراءة" أو قال: "في الصلاة" (٣). وعن البياضي (فروة بن عمرو) ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض

стр. 124

بالقرآن" (١). فهذان الحديثان فيهما نهي القارئ والمصلي عن رفع الصوت بالقراءة، لما في ذلك من أذية الآخرين من قارئ أو مصلّ أو ذاكر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ليس لأحد أن يجهر بالقراءة لا في الصلاة ولا في غير الصلاة إذا كان في المسجد وهو يؤذيهم بجهره) (٢). وقال في جواب له: (ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع من ذلك، والله أعلم) (٣). أما إذا كان القارئ لا يتأذى بجهره أحد فقد جاءت الأحاديث بجواز الجهر؛ لا سيما إذا كان القارئ يأمن على نفسه من الرياء وطلب الشهرة، ويتأكد الجهر إذا كان على سبيل التعليم. ولا ريب أن الجهر أحيانًا فيه إيقاظ القلب وتجديد النشاط وانصراف السمع إلى القراءة وتعدي نفعها إلى السامعين (٤). ويجوز رفع الصوت بالقرآن في الليل، بل ذلك مستحسن إذا لم يؤذ أحدًا، وأمن من الرياء، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : سمع رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: "يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا" (٥). (٤) المرور بين يدي المصلي: إن المرور بين يدي المصلي وسترته حرام؛ لأنه تشويش عليه وإشغال لباله وهو يناجي ربه، وقد عبّر بعض العلماء بالكراهة، والمراد التحريم (٦)، فإنه قد ثبت فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد؛ فقال النبي ﷺ : "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه"، قال أبو النّضر: لا أدري أقال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة؟ (٧). والمراد بما بين يدي المصلي: أن المصلي إن كان له سترة فما بينه وبين سترته محرم، لا يحل لأحد أن يمر منه، وإن لم يكن له سترة؛ فإن كان للمصلي سجادة يصلي عليها فإن هذه السجادة محترمة لا يحل لأحد أن يمر بين يدي المصلي فيها، وإن لم يكن له مصلى فإن المحرم ما بين قدمه وموضع سجوده فلا يمر بينه وبين هذا الموضع (٨). ويكثر المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام حتى ولو كان المار له مندوحة عن المرور بين يدي أخيه، ومن الناس من يتساهل في المرور بين يدي المصلين الذين يقومون لقضاء ما فاتهم. ويشرع للمصلي رد المار بين يديه سواء صلى إلى سترة أم لا، على الأظهر من قولي أهل العلم؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من

стр. 125

الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فيدفعه، فإن أبى فيقاتله، فإنما هو شيطان" (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين" (٢)، ففي حديث أبي سعيد تقييد دفع المار فلم يقيد بوضع السترة، وفي حديث ابن عمر أطلق دفع المار فلم يقيد بوضع المصلي سترة وكذا ورد في حديث أبي سعيد عند البخاري في رواية له (٣)، لأن التقييد بوضع السترة قيد أغلبي، ولا تعارض بين المطلق والمقيد، فالمقيد يبقى على تقييده، فيدفع إن اتخذ سترة، ويبقى المطلق على إطلاقه، فيرد ولو لم يتخذ سترة، لأن المصلي مأمور بالصلاة إلى سترة، ومأمور بدفع المار سواء امتثل فوضع سترة أم لا (٤). والمراد بالمقاتلة: الدفع بعنف وقهر، لا جواز القتل؛ لأن هذا اللفظ خرج مخرج التغليظ، والمبالغة في كراهة المرور (٥). (٥) رفع الصوت بالكلام: ومن التشويش بعد الإقامة ما يقوم به بعض الناس، ولا سيما الشباب، في بعض المساجد من تبادل الأحاديث ورفع الصوت بذلك، فتفوتهم تكبيرة الإحرام مع الإمام، وكذلك قراءة الفاتحة فإذا ركع الإمام أسرعوا وآذوا المصلين بأصواتهم وحركاتهم، وهذا التصرف ينبئ عن تساهل بالصلاة من جانب، وعدم رعاية المصلين من جانب آخر، وإذا كان من يصلي نافلة مأمورًا بقطعها -على أحد الأقوال كما تقدم- لأجل أن يدرك الفريضة من أولها، مع أنه في عبادة، فكيف حال من يتأخر عن أول الفريضة من أولها، مع أنه في عبادة، فكيف حال من يتأخر عن أول الفريضة وشغله القيل والقال بل وأذية الآخرين؟! ثم لا أدري ما حكم هذه الركعة التي ترك فيها هذا المتساهل قراءة الفاتحة مع إمكانه؟ تقدم الخلاف في هذه المسألة، لكني أخشى بطلان هذه الركعة التي لم يقرأ فيها هذا المصلي الفاتحة تساهلًا وتشاغلًا لأن الخلاف ينبغي أن يكون فيمن دخل المسجد فوجد الإمام في الركوع فركع معه، فهذا معذور بفوات محل القراءة وهو القيام، أما هذا فلم يمتثل قول الرسول ﷺ "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا" فهو لم يكبر مع إمامه، ولم يقرأ دعاء الاستفتاح، ولم يقرأ الفاتحة مع إمكانه، فأي ركعة هذه؟ بل وأي صلاة هذه؟ ومن المأمومين من اعتاد رفع الصوت في أثناء الصلاة بالقراءة أو الذكر أو الدعاء فيشوش على من بجانبه ويخلّط عليه، وإذا كان هذا بصفة دائمة فهو خلاف السنة، فإن السنة المخافتة باتفاق المسلمين، لا سيما إذا كان الجهر فيه أذية. لكن لو جهر المأموم أحيانًا بشيء من الذكر فلا بأس، فقد ثبت أن من الصحابة المأمومين من جهر بدعاء حين افتتاح الصلاة، وعند رفع رأسه من الركوع ولم ينكر عليه النبي ﷺ ، فقد ورد عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده" قال

стр. 126

رجل وراءه ربنا ولك الحمد، حمدًا طيبًا مباركًا فيه فلما انصرف قال: "من المتكلم"؟ قال: أنا، قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" (١). قال في فتح الباري: (استدل به على جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه) (٢) اهـ. وهذا إذا لم يكن بصفة دائمة وإلا حصل التشويش قطعًا (٣). ومن التشويش أن يكبر المسبوق بصوت مرتفع إذا أراد الدخول في الصلاة، وقد يكون المصلون مع الإمام في السجود، فإذا سمعوا تكبير المسبوق ظنوه تكبير الإمام فرفعوا رؤوسهم قبل أن يرفع الإمام من السجود (٤). ومن التشويش على المصلين -أيضًا- عدم إغلاق الوسائل الحديثة للاتصال كجهاز الهاتف النقال، والنداء، فينبغي للمصلي إغلاقها قبل دخوله المسجد، لئلا يشوش على نفسه وعلى غيره من إخوانه المصلين. وما تقدم من النهي عن الكلام في المسجد لا يعنى أن الكلام يحرم فيه بل هو مباح -على الراجع من قولي أهل العلم- إذا خلا من المحاذير السابقة، وهي التشويش على المصلين أو الإعراض عن الصلاة والتشاغل عنها، لكن لا بد من ملاحظة أن المساجد لم تبن إلا لذكر الله تعالى والصلاة، وما يتبع ذلك من تدريس العلم، وموعظة الناس، وقد ورد عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، كثيرًا كان لا يقوم من مصلاه، الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويبتسم (٥). قال القرطبي: (هذا الفعل منه ﷺ يدل على استحباب لزوم موضع صلاة الصبح، للذكر والدعاء إلى طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت وقت لا يصلّى فيه، وهو بعد صلاة مشهودة، وأشغال اليوم بعد لم تأت، فيقع الذكر والدعاء على فراغ قلب وحضور فهم، فيرتجى فيه قبول الدعاء، وسماع الأذكار .. ). ثم نقل عن بعض العلماء كراهة الحديث في هذا الوقت، وأن قوله "وكانوا يتحدثون .. " فصل آخر من سيرة أخرى في وقت آخر .. ثم قال: (وهذا فيه نظر، بل يمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلمون؛ لأن الكلام فيه جائز غير ممنوع، اذ لم يرد في ذلك منع، وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر الله تعالى أفضل وأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوب الترك في ذلك الوقت. والله تعالى أعلم) (٦). الحكم الخامس والعشرون في المسألة في المسجد المساجد بيوت الله تعالى، بنيت لذكره ودعائه وعبادته، لا للتكسب وجمع حطام الدنيا، ولذا منع البيع والشراء، ونشد الضالة، وسائر الصناعات في المساجد؛ لهذا المعنى. وبناء على ذلك فالمساجد لا تصلح مكانًا للسؤال، وجمع المال، مع ما في ذلك من إيذاء المصلين

стр. 127

والذاكرين والتشويش عليهم. وقد وردت النصوص بجواز إعطاء الفقير من غير مسألة، وذلك بأن يعرف فقره وحاجته، فيعطى زكاة أو صدقة ونحو ذلك، أو تقسم أموال في المسجد، فيعطى مع الناس، فله أن يأخذ ما يأتيه. ويدل لذلك ما ورد عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ أتي بمال من البحرين، فقال: "أنثروه في المسجد" وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله، أعطي، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا، فقال له رسول الله ﷺ : "خذ"، فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، اؤمر بعضهم يرفعه إليّ، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: "لا" فنثر منه ثم احتمله، فألقاه على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبًا من حرصه فما قام رسول الله ﷺ وثمّ منها درهم (١). وقد بوب البخاري ﵀ على هذا الحديث بقوله: (باب القسمة وتعليق القنو في المسجد). قال الحافظ ابن رجب ﵀: (المقصود بهذا الباب: أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء وخمس الغنيمة وأموال الصدقة ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها) وقال: (وفى الحديث جواز قسمة مال الفيء في المسجد ووضعه فيه، وهو مقصود البخاري بتخريج هذا الحديث فيه) (٢). أما إذا سأل الفقير في المسجد فإن من أهل العلم من منع السؤال والإعطاء مطلقًا، ولعل القائلين بذلك نظروا على العمومات الدالة على صيانة المسجد من كل ما سوى العبادات، وأقرب شيء تقاس المسألة عليه قياسًا جليًا نشد الضالة، والجامع بينهما: البحث والمطالبة بأمر مادي دنيوي، والعلة في المقيس أظهر؛ لأن ناشد الضالة يبحث عن ماله دون شبهة، ومع ذلك أمر الشارع بالدعاء عليه بألا ترد عليه، أما السائل فهو لا يطلب ماله، بل يطلب أموال الناس. ومن أهل العلم من رخّص إذا كان السائل مضطرًا، ولم يحصل بسؤاله في المسجد ضرر، من إيذاء المصلين والتشويش عليهم، أو المرور بين أيديهم ونحو ذلك (٣). واستدلوا على ذلك بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ : "هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينًا"؟!! فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز بيد عبد الرحمن فأخذتها منه، فدفعتها إليه (٤). قالوا: فهذا دليل على أن الصدقة على الفقير في المسجد ليست مكروهة، وأن السؤال في المسجد جائز؛ لأنه ﷺ أقرّ أبا بكر ﵁ عليها، ولو كانت حرامًا لم يقرّ عليها، بل كان يمنع السائل من العود إلى

стр. 128

السؤال في المسجد (١). ولكن هذا الحديث ضعيف، وعلى هذا فالقول بالمنع وجيه جدًا؛ تأكيدًا لحرمة المسجد، وردعًا لذوي النفوس الضعيفة عن اتخاذهم المسجد مكانًا للتكسب، ولا سيما في زماننا هذا؛ فإن الكذب في هذا الزمان كثير، والحيل متعددة. فإن جلس السائل في زاوية المسجد، أو عند بابه فلا بأس بإعطائه، أما من يشوش على المصلين، ويقطع عليهم تلاوتهم وذكرهم، أو يمر بين أيديهم وهم يصلون، ويلح عليهم بإعطائه فالقول بمنعه وزجره وجيه جدًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد، ولم يؤذ أحدًا بتخطيه رقاب الناس ولا غير تخطيه، ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله، ولم يجهر جهرًا يضر بالناس، مثل أن يسأل والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علمًا يشغلهم به ونحو ذلك جاز، والله أعلم) (٢). الحكم السادس والعشرون في الأكل في المسجد يباح الأكل والشرب في المسجد، إلا ما كان له رائحة كريهة كالثوم والبصل والكراث والفجل؛ لأن آكل هذه البقول منهي عن إتيان المسجد كما تقدم في أول الكتاب. والأكل في المسجد إما أن يكون معتكفًا أو غير معتكف ... فإن كان معتكفًا فإنه يأكل ويشرب في المسجد، وليس له أن يخرج من أجل الأكل؛ لأن خروجه ينافي الاعتكاف، قال الإمام مالك ﵀: (أكره للمعتكف أن يخرج من المسجد فيأكل بين يدي الباب، ولكن ليأكل في المسجد، فإن ذلك له واسع)، وقال: إلا يأكل المعتكف ولا يشرب إلا في المسجد، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان لغائط أو بول) (٣). وأما غير المعتكف فكذلك يجوز له الأكل في المسجد، ولا داعي لتقييد ذلك بالغريب دون غيره، فإن الأدلة عامة، ومن ذلك: ما ورد عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي - قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد، فأقيمت الصلاة، فأدخلنا أيدينا في الحصى، ثم قمنا نصلي، ولم نتوضأ (٤). وعنه -أيضًا-﵁ قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم (٥). ويشهد لذلك أن أهل الصفة كانوا يسكنون في المسجد، وهذا يدل ضمنًا على أن الأكل فيه جائز. وكذا قصة

стр. 129

ربط ثمامة بن أثال ﵁ في المسجد (١) وكذا قصة سعد بن معاذ ﵁ عندما وضع له النبي ﷺ خيمة في المسجد يعوده من قريب بعد ما أصيب في غزوة الخندق (٢). فهذا كله يدل على جواز الأكل في المسجد، إذ لم يشتهر عند الصحابة ﵃ منع الأكل في المسجد، والأصل أنه مباح، فكيف إذا تأيد هذا الأصل بأدلة قوية؟! (٣). وينبغي للآكل في المسجد أن يضع سفرة ونحوها تقع عليها فضلات الأكل، لئلا تلوث المسجد، أو يتناثر شيء من الطعام فتتجمع عليه الهوام (٤). والله أعلم. أحكام حضور الجمعة فضل يوم الجمعة، والتحذير من التهاون بالصلاة يوم الجمعة من أفضل الأيام عند الله تعالى، ادخره الله لهذه الأمة؛ لشرفها وكرمها على الله تعالى، وفيه من الفضائل وله من الخصائص ما جعل النبي ﷺ يعظمه ويخصه بعبادات ليست لغيره. وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون ونحن السابقون يوم الجمعة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتياه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد" (٥). وعنه -أيضًا ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (٦). وإذا كان الله تعالى فضلنا على سائر الأمم بهذا اليوم الفضيل، فعلينا أن نشكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة التي منّ بها علينا زيادة في ثوابنا ورفعة لدرجاتنا، ومن شكره أن نهتم بهذا اليوم، وأن نستشعر هذه النعمة، وذلك بأن نخص هذا اليوم بمزيد عناية، وأن نجاهد أنفسنا بالطاعة، وأن نتأدب بالآداب الواردة في نصوص الشريعة والتي جاء تقييد الثواب والمغفرة بالتحلي بها. وإن من فضل الله على عباده كثرة طرق الخيرات وتنوع سبل الطاعات؛ ليدوم نشاط المسلم، ويبقى ملازمًا لخدمة مولاه. يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في ذكر خصائص يوم الجمعة: (الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يستحب أن يتفرّغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل كل ملة يومًا يتفرغون فيه للعبادة ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان، ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم سلمت له سائر جمعته، ومن صح له رمضان وسلم سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له صح له سائر عمره. فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق) (٧).

стр. 130

إن الاهتمام بالطاعة في هذا اليوم شأن الصالحين من سلف هذه الأمة، وأعني به الاهتمام الذي يتحول إلى واقع عملي يرضى عنه المسلم. وأكثر الناس اليوم يرون أن يوم الجمعة يوم نوم وكسل، ومن آثاره التأخر عن الحضور على الجمعة؛ لأنه مسبوق بليلة سهر على ما حرم الله عند غالب الناس. والله المستعان! ولقد استقر في أذهان الناس عمومًا أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، لكنهم لا يعملون بمقتضى علمهم. إن علينا أن نتأسى بالنبي ﷺ الذي كان من هديه -كما يقول ابن القيم- تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره (١)، ومن تعظيم هذا اليوم أن نعمل ما شرع لنا من أحكام، وأن نتأدب ما سنّ لنا من آداب. وقد ورد النهي الأكيد، والوعيد الشديد في التخلف عن صلاة الجمعة والتهاون بحضورها. فعن أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين" (٢). وعن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا، يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم" (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره (٤). والأحاديث في هذا كثيرة (٥)، وفيها دلالة واضحة على عظيم شأن صلاة الجمعة، وأن من تركها أو تساهل بها فهو على خطر عظيم؛ إنه متوعّد بالختم على قلبه، فلا تغشاه رحمة الله تعالى، ولا ألطافه، فلا يزكيه ولا يطهره، بل ييقى دنسًا، تغشاه ظلمات الذنوب والمعاصي. فعلى من كان متساهلًا بهذه الفريضة العظيمة إما كسلًا أو خروجًا في نزهة أو صيد أو حضور مباراة أو نحو ذلك من الموانع التي ظهرت في هذا الزمان - أن يبادر بالتوبة النصوح، فيقلع ويندم ويعزم على أن لا يعود، عسى الله أن يتوب عليه. أحكام الاستعداد للجمعة الحكم الأول غسل الجمعة: يتأكد في حق من أراد حضور الجمعة أن يغتسل سواء كان به رائحة يحتاج إلى إزالتها أو لا، وعليه أن يقصد بذلك الغسل غسل الجمعة لا يقصد به النظافة أو التبرد فحسب، لأجل أن يؤجر على نيته. وقد تعددت النصوص على بيان أهمية غسل الجمعة ومنزلته في نظر الإسلام، بل أكدت النصوص أهمية الغسل في كل أسبوع مرة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغسل فيه رأسه وجسده" (٦).

стр. 131

وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء الجمعة فليغتسل ... " الحديث (٣). فهذه النصوص تدل على أن المسلم مطالب بالغسل مرة على الأقل في كل سبعة أيام؛ ليبقى نظيفًا نشيطًا، ولم يترك الإسلام تنظيف الرأس وتنقيته للأهواء والظروف ولا لانتظار الجنابة التي قد يطول أمرها ولا سيما من ليس له زوج، بل أكد ذلك على المسلم وحثه على الإكثار منه، وهذا غسل راتب مسنون للنظافة في كل أسبوع وإن لم يشهد الجمعة (٤). ولا خلاف في استحباب الغسل يوم الجمعة، كما أنه لا خلاف في أن الصلاة جائزة بدونه، وإنما الخلاف في وجوبه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ويستحب الغسل في ذلك اليوم، وعن جماعة يجب، ودليل وجوبه أقوى من دليل وجوب الوتر، ومن الوضوء من مس النساء ومن القهقهة ومن الرعاف ومن الحجامة ومن القيء، ومن دليل وجوب الصلاة على النبي ﷺ ) (٥). وعند تأمل النصوص الواردة في غسل الجمعة يلوح لك رجحان القول بالوجوب، وهو قول الظاهرية وجماعة من الصحابة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وحكى عن مالك (٦)، فقد ورد في بعض الأحاديث التصريح بالوجوب، وفي بعضها الأمر به وفي بعضها أنه حق على كل مسلم، والوجوب يثبت بأقل من هنا (٧). وأما تأويل لفظ: (واجب وحق) الواردة في بعض النصوص السابقة بتأكيد المشروعية، وحمل الأمر على الندب، جمعًا بين الأحاديث فهو مسلك لا تطمئن إليه النفس، ولا يطلب الجمع بمثل هذا. والأحاديث القاضية بالغسل فيها حكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه فلا تعارض بينهما، والواجب الأخذ بما تضمن الزيادة (٨). وأوضح دليل القائلين بالاستحباب -وهم الجمهور- حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا" (٩). قال الحافظ في التلخيص: (إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة) (١٠).

стр. 132

قال في فتح الباري: (وأجيب عنه: بأنه ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ "من اغتسل" فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب فاحتاج إلى إعادة الوضوء) (١). ومنها حديث سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٢). وهذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه خلاف بين أهل العلم، فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة القاضية بالوجوب. قال ابن حزم بعد أن ساق هذا الحديث وما في معناه: لو صحت لم يكن فيه نص ولا دليل على أن غسل الجمعة ليس بواجب، وإنما فيها أن الوضوء نعم العمل وأن الغسل أفضل، وهذا لا شك فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠]. فهل دل هذا اللفظ على أن الإيمان والتقوى ليس فرضًا؟! -حاشا لله من هذا- ثم لو كان في جميع هذه الأحاديث نص على أن غسل الجمعة ليس فرضًا لما كان في ذلك حجة؛ لأن ذلك كان يكون موافقًا لما كان عليه الأمر قبل قوله ﵊: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" و"على كل مسلم". وهذا القول منه ﵊ حكم زائد ناسخ للحالة الأولى بيقين لا شك فيه، ولا يحل ترك الناسخ بيقين والأخذ بالمنسوخ) (٣). وعلى ما تقدم فالظاهر -إن شاء الله- أن غسل الجمعة واجب، فمن تركه فقد قصّر فيما وجب عليه، وصلاته صحيحة إذا كان طاهرًا، فإن الأصل في الأمر أنه للوجوب، ولا يصرف عنه على الندب إلا بدليل، وقد ورد الأمر بالغسل صريحًا، ثم تأيد في معنى الوجوب بورود النص الصريح الصحيح بأن غسل الجمعة واجب. ومثل هذا الذي هو قطعي الدلالة والذى لا يحتمل التأويل لا يجوز أن يؤول لأدلة أخرى، بل تؤول الأدلة الأخرى إن كان في ظاهرها المعارضة له، والله أعلم (٤). وقد ورد في بعض النصوص أن الفضل المرتب على التبكير للجمعة لا يحصل إلا لمن اغتسل، وذلك كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم

стр. 133

راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ... " الحديث. ويأتي قريبًا بتمامه إن شاء الله. وعليه يحمل ما أطلق في باقي الروايات من ترتب الفضل على التبكير من غير تقييد بالغسل (١). وقوله: "غسل الجنابة" أي: غسلًا كغسل الجنابة في الكيفية لا في الحكم على أحد القولين (٢). وقد حكى ابن القيم ﵀ في المسألة قولًا ثالثًا، وهو التفصيل بين من له رائحة يحتاج إلى إزالتها، فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه، فيستحب له، ثم ذكر الأقوال الثلاثة لأصحاب أحمد. وقد أشار الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" على هذا القول، ونسبه صاحب "الإنصاف" إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحم الله الجميع- (٣). والأفضل أن يغتسل للجمعة عند مضيه إليها؛ لأنه أبلغ في المقصود، ولا سيما إذا خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما يزيل تنظيفه (٤). إن الحرص على الغسل يوم الجمعة أكبر دليل على تعظيم هذا اليوم والاهتمام بهذه العبادة العظيمة؛ وهذا الجمع الكثير، ومن الناس من لا يقيم وزنًا لذلك، فتراه يحضر المسجد بهيئة رثة، أو بثياب مهنته، ويجمع إلى ذلك رائحة كريهة تنبعث من جسده يؤذي بها الحاضرين. فالله المستعان! وليحذر المسلم من أمر محرم وقع فيه الكثيرون -ولا سيما الشباب- في هذا اليوم المبارك؛ ألا وهو حلق اللحية الذي صار يوم الجمعة ميعادًا له، يعتبرون ذلك من تمام الغسل وتمام الزينة، ولا ريب أن حلق اللحية معصية، لأن الرسول ﷺ أمر بإعفائها، ونهى عن حلقها. وحلقها في هذا اليوم أعظم من حلقها في غيره؛ لشرف الوقت، فيكون في حلقها يوم الجمعة محذوران: الأول: الحلق نفسه فإنه محرم شرعًا في الجمعة وغيرها؛ لأن هذا من أحكام الشرع لا من العادات. الثاني: التزين للجمعة بمعصية الله تعالى. فعلى كل مسلم أن يراقب الله تعالى، وأن يكون زيّه ولباسه موافقًا لآداب الشريعة وأحكامها، وأن يحذر كل الحذر من التشبه بمن نهينا عن التشبه بهم؛ لأن المتشبه بأعداء الله تعالى على خطر عظيم. والله الموفق. الحكم الثاني حسن اللباس على قاصد الجمعة أن يهتم بلباسه ويتخير أحسن ما يجد، وتحسين الهيئة في فلصلاة عمومًا مطلوب -كما تقدم أول الكتاب- لكن اختص يوم الجمعة بمزيد عناية وردت عن الشارع. فعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومسّ من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد، ثم يركع ما بدا له، ولم يؤذ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت له كفارة لما بينهما" (٥).

стр. 134

وعن عبد الله بن سلام ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر يوم الجمعة: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته" (١). إن حسن اللباس يوم الجمعة ظاهرة بادية على كثير من الناس -ولله الحمد-. وهذا دليل إحساس بقيمة الزينة في هذا اليوم، لكن لا يزال أناس مقصرين في هذا الجانب، وأكثرهم ممن تقدمت بهم السن، فهم يحضرون إلى المسجد بثيابهم المعتادة وقد يظهر منها روائح كريهة، فلعلهم يهتمون بلباسهم في هذا اليوم العظيم، فقد كان السلف الصالح من هذه الأمة يتجملون يوم الجمعة (٢). وعلى المسلم أن يحذر الإسبال، الذي وقع فيه كثيرون -ولا سيما الشباب- فإنه محرم، وفيه وعيد عظيم، وقد ثبت ذلك بنصوص كثيرة، بلغت مبلغ التواتر، ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (٣)، وعنه -أيضًا-﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بطرًا" (٤). وعن ابن جريّ -جابر بن سليم- أن النبي ﷺ قال له: "وإياك والإسبال، فإنه من المخيلة" (٥). ومن هذه الأدلة وغيرها يؤخذ ما يلي: أولًا: أن الإسبال منهي عنه مطلقًا، وأما ما ورد من التقييد بالخيلاء فلا يفيد أن النهي مختصّ به لأمرين: الأول: أن الحكم مختلف؛ فإن الوعيد في حال الخيلاء يختلف عن الوعيد في غير الخيلاء، وعليه فلا يحمل المطلق على المقيد، فإن الإسبال للخيلاء كبيرة، وإن كان لغير الخيلاء فهو محرّم، ويخشى أن يكون من الكبائر. الثاني: أن الإسبال ذاته خيلاء؛ لقوله ﷺ : "وإياك والإسبال، فإنه من المخيلة". ثانيًا: في الإسبال مفاسد ومخالفات عديدة؛ ففيه مخالفة السنة في اللباس، وارتكاب النهي، والخيلاء والإعجاب بالنفس، وفيه التشبه بالنساء، وفيه الإسراف بتعريض الملبوس للنجاسة والقذر ومسح مواطئ الأقدام، وقبل هذا كله التعرض للوعيد الشديد في الدنيا والآخرة (٦). الحكم الثالث السواك للجمعة من تمام الزينة يوم الجمعة أن يهتم المصلي بالسواك، وهو مطلوب من المصلي عند كل صلاة، وإذا ثبت السواك في غير الجمعة، فهو في الجمعة مع الأمر باغتسال لها وإحسان الهيئة أولى (٧). وقد ورد في سواك الجمعة نص خاص؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "غسل

стр. 135

يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه" (١). وفي حديث ابن عباس المتقدم في غسل الجمعة: "فمن جاء الجمعة ليغتسل، وإن كان طيب فيمس منه، وعليكم بالسواك". الحكم الرابع الطيب يوم الجمعة إن الطيب من حسن الهيئة وجمال المظهر، وطيب الرائحة أمر مرغوب فيه، وقد تقدم من الأحاديث ما يفيد تأكيد استعمال الطيب يوم الجمعة مهما كان قليلًا، وقد ورد -أيضًا- في بعض الأحاديث: "وأن يمس طيبًا إن وجد" (٢). فعلى المسلم أن يستعد بالطيب ليوم الجمعة، ليرتاح الناس بجواره، ويظهر المسجد بالمظهر الطيب، ولا يتم ذلك إلا بامتثال جميع الناس، قال القرطبي: (وآداب الجمعة ثلاث: الطب، والسواك، واللباس الحسن. ولا خلاف فيه لورود الآثار بذلك) (٣). قال القاضي عياض: (قوله: "ويمس من الطيب مما قدر عليه": يحتمل لتكثيره، ويحتمل لتأكيده مما وجده من طيب، وبدليل قوله: "ولو من طيب المرأة" يريد المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، فأباحه هنا؛ لعدم غيره، وللضرورة إليه، وهذا يدل على تأكيده) (٤). الحكم الخامس المبادرة إلى حضور المسجد: وعلى المصلي أن يبادر إلى الحضور؛ للثواب العظيم المرتب على ذلك في جميع الصلوات، وفي الجمعة فضائل خاصة حسب الأول فالأول. وقد دلّ على ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر"، وفي رواية لمسلم: "فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر" (٥). واعلم أن المراد بالساعة في هذا الحديث: الزمن، لا الساعة المعروفة، وفي هذا الحديث خمس ساعات ما بين طلوع الشمس وخروج الإمام، فيقسم الزمن صيفًا أو شتاء على خمس ساعات، ويعرف مقدار كل ساعة من هذه الساعات الخمس (٦). والمراد بطي الصحف: طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة على الجمعة، دون غيرها من سماع

стр. 136

الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك فإنه يكتبه الحافظان قطعًا (١). إن التأخر في الحضور لصلاة الجمعة ظاهرة بينة في كثير من المساجد. ولا أدري كيف يرضى المسلم أن يفوت على نفسه هذا الفضل العظيم والثواب الجزيل بالكسل والقعود في بيته حتى يدخل الخطيب أو يفوته بعض الصلاة؟ إن من الناس من لا يستيقظ يوم الجمعة إلا متأخرًا، ومنهم من يشتغل بأمور دنياه من بيع وشراء، فيتأخر في المجيء إلى منزله. وقد كان التبكير إلى الجمعة من هدي السلف الصالح؛ بقول أنس بن مالك ﵁: (كنا نبكر إلى الجمعة ثم نقيل) (٢). وقد كان الواحد من السلف يغتم إذا تأخر ولم يتقدم؛ فهذا علقمة يقول: رحت مع عبد الله بن مسعود يوم الجمعة ووجد ثلاثة قد سبقوه. فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة من الله ببعيد؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات، الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع"، ثم قال: "رابع أربعة: وما رابع أربعة من الله ببعيد" (٣). وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها" (٤). الحكم السادس المشي إلى الجمعة يستحب أن يكون ذهابه إلى المسجد ماشيًا إن أمكن؛ لأن المشي إلى الصلاة أفضل من الركوب، كما تقدم أول الكتاب، وفي الجمعة أدلة خاصة؛ فقد بوب البخاري ﵀ في صحيحه فقال: "باب المشي إلى الجمعة" ثم ساق بسنده إلى عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار". وأخرجه النسائي ولفظه: حدثني يزيد بن أبي مريم - قال: لحقني عباية بن رافع وأنا ماش إلى الجمعة. فقال: أبشر! فإن خطاك هذه في سبيل الله. سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله ﷺ : "من اغبرت قدماه في سبيل الله فهو حرام على النار" (٥). فالبخاري ﵀ أورد هذا الحديث في باب (المشي إلى الجمعة) لعموم "في سبيل الله"، فدخلت فيه الجمعة، ولكون راوي الحديث استدل به على ذلك. هذا هو الظاهر، والله أعلم (٦). قال الإمام أحمد ﵀: (استحب أن يذهبوا رجّاله إلى العيدين والجمعة) (٧). وعلى الساعي إلى الجمعة السكينة والوقار راجلًا كان أو راكبًا؛ لعموم الأدلة في هذا الحكم؛ ولقوله

стр. 137

- ﷺ في حديث أبي أيوب المتقدم: "ثم خرج وعليه السكينة". الحكم السابع في السفر يوم الجمعة اعلم أن السفر يوم الجمعة قبل الصلاة له حالتان: الأولى: أن يكون قبل الزوال. الثانية: أن يكون بعد الزوال وقبل الصلاة. فأما السفر قبل الزوال صباحًا أو ضحى فإنه يجوز -على الصحيح من قولي أهل العلم- وقد ورد عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه أبصر رجلًا عليه هيئة السفر، فسمعه يقول: لولا أن اليوم الجمعة لخرجت، فقال: اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر. وفي لفظ: فاخرج ما لم يحن الرواح (١). وعن صالح بن كيسان قال: إن أبا عبيدة خرج يوم الجمعة في بعض أسفاره ولم ينتظر الجمع (٢). وعن الحسن أنه قال: (لا بأس بالسفر يوم الجمعة ما لم يحضر وقت الصلاة) (٣). فهذه الآثار وغيرها تدل بمجموعها على جواز السفر يوم الجمعة ما لم يدخل وقت الصلاة، ولأن الإنسان لم يؤمر بحضور الجمعة قبل النداء فلم يتعلق به طلب. وقد ورد عن السلف آثار تدل على منع السفر يوم الجمعة بعد الفجر حتى يصلي الجمعة، وبها أخذ جمع من أهل العلم (٤). أما السفر بعد الزوال فيحرم على من تلزمه الجمعة قبل أن يصليها، على قول الجمهور من أهل العلم؛ لأنه بعد الزوال يكون قد دخل الوقت بالاتفاق، والغالب أن الإمام يحضر بعد الزوال، فيكون بسفره قد تعمد ترك الواجب، ويستدل على ذلك -أيضًا- بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالسعي إلى الجمعة وترك البيع؛ لأنه ذريعة على التشاغل عنها وعدم حضورها، فكذلك ينهى عن السفر إذا نودي للصلاة، لأنه مانع من حضورها، وتعليق الحكم بالنداء أولى من تعليقه بالزوال (٥). واعلم أنه لم يثبت عن النبي ﷺ في السفر يوم الجمعة شيء (٦)، وما ورد من ذلك فهو ضعيف، فلا يعول عليه، ومن ذلك ما ورد من دعاء الملائكة على من سافر يوم الجمعة بأن لا يصحب في سفره، ولا تقضى له حاجة، كما في حديث أبي هريرة ﵁، وبمعناه حديث ابن عمر ﵄ (٧). قال الشوكاني، بعد ذكر الأقوال في حكم السفر يوم الجمعة: (والظاهر جواز السفر قبل دخول وقت

стр. 138

الجمعة، وبعد دخوله، لعدم المانع من ذلك، وحديث أبي هريرة، وكذلك حديث ابن عمر لا يصلحان للاحتجاج بهما على المنع، لما عرفت من ضعفهما ومعارضة ما هو أنهض منهما، ومخالفتهما لما هو الأصل فلا ينتقل عنه إلا بناقل صحيح، ولم يوجد. وأما وقت صلاة الجمعة فالظاهر عدم الجواز لمن وجب عليه الحضور، إلا أن يخشى حصول مضرة من تخلفه للجمعة، كالانقطاع عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معهم، وما شابه ذلك من الأعذار، وقد أجاز الشارع التخلف عن الجمعة لعذر المطر، فجوازه لما كان أدخل في المشقة منه أولى) (١). وعلى ما تقدم فينهى عن السفر وقت صلاة الجمعة، إلا إن خاف فوت رفقته، أو خاف إقلاع الطائرة، ونحو ذلك مما يصلح عذرًا مسقطًا للجمعة، وكذا لو أمكنه أن يصليها في طريقه، كما هو متحقق الآن أكثر من زمن مضى. والله أعلم. أحكام حضور مسجد الجمعة الحكم الأول الحذر من تخطي الرقاب وأذية الآخرين: عند تأمل النصوص الواردة في فضل الجمعة نرى فيها تعليق غفران ما بين الجمعتين من الذنوب على خصال متعددة. منها: عدم أذية الآخرين. ففي حديث أبي أيوب المتقدم: "ولم يؤذ أحدًا" وفي حديث سلمان الفارسي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى" (٢). قال الشوكاني: (وظاهر الحديث أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما ذكر في الحديث من الغسل والتنظيف والتطيب أو الدهن وترك التفرقة والتخطي والأذية والتنقل والإنصات، وكذلك لبس أحسن الثياب، كما وقع في بعض الروايات، والمشي بالسكينة كما وقع في أخرى، وترك الكبائر كما في رواية أيضًا) (٣). وعليه فيتعين في حق المصلي يوم الجمعة أن يكف أذاه عن الآخرين، والأذية تكون بأمور منها: (١) التفرقة بين اثنين: وذلك بالقعود بينهما، أو إخراج أحدهما والقعود في مكانه (٤)، بل عليه أن يطلب التوسعة من الحاضرين. وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن -يقول-: افسحوا" (٥). قال النووي: (وهذا النهي للتحريم، فمن سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره، يوم الجمعة أو

стр. 139

غيرها، لصلاة أو غيرها، فهو أحق به، ويحرم على غيره إقامته لهذا الحديث) (١). (٢) تخطي رقاب المصلين: فعلى الداخل للمسجد يوم الجمعة أن يحذر كل الحذر من تخطي رقاب الناس، ومضايقة الجالسين المتقدمين، فيجمع بين التأخر والتخطي والمضايقة. ويكثر ذلك في أفضل البقاع: في المسجد الحرام يوم الجمعة، وهذا من أذية المصلين وقله الفقه في الدين، وقد وقع التصريح في حبوط ثواب الجمعة للمتخطي فيما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: "من لغا أو تخطى كانت له ظهرًا". قال ابن وهب -أحد رواته-: معناه: أجزأت عنه الصلاة وحرم فضيلة الجمعة (٢). هذا وقد مضى الكلام على تخطي الرقاب بأوسع من هذا، وإنما أفردت الجمعة بالذكر؛ لكثرة التخطي فيها، ولورود نص خاص في النهي عن أذية المصلين يوم الجمعة، وبالله التوفيق. (٣) الإيذاء بالقول كالشتم أو الغيبة أو الاستهزاء (٣) ونحو ذلك. فليحفظ المصلي لسانه. ويلزم الصمت إذا سابّه أحد أو تكلم عليه، ولا سيما عند مكان الجلوس، فيحاول أن يفسح له، ولا يرد عليه، وقد رأينا من الداخلين للمساجد -ومنها: المسجد الحرام- من يطلق لسانه ويبسطه بالسوء إلى المتقدمين، وخيرهم من حفظ لسانه، واشتغل بعبادة ربه، فأقبل على صلاته وتلاوته. الحكم الثاني القرب من الإمام إذ بكر الإنسان للمسجد يوم الجمعة فينبغي له أن يدنو من الإمام، ولا يتأخر كما يفعله جمع من الناس، يحرمون أنفسهم فضيلة الدنو من الإمام والصف الأول، إما جهلًا منهم أو رغبة عن الثواب؛ فتراهم يجلسون وسط المسجد، أو في مؤخرته مع خلو الصفوف الأول. وقد تقدم الكلام على فضل الصف الأول والقرب من الإمام، وتقدم -أيضًا- حديث سمرة ﵁ "احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال الرجل يتباعد حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها" (٤). قال الطيبي: "أي: لا يزال الرجل يتباعد عن استماع الخطبة، وعن الصف الأول الذي هو مقام المقربين حتى يؤخر إلى آخر صف المتسفلين، وفيه توهين أمر المتأخرين، وتسفيه رأيهم حيث وضعوا أنفسهم من أعالي الأمور إلى سفاسفها ... " (٥). الحكم الثالث التنفل قبل دخول الإمام إذا وصل إلى مكانه في الصف صلى ما كتب له نفلًا غير مقيد بعدد، دل على ذلك حديث سلمان المتقدم قريبًا: "ثم يصلي ما كتب له"، وفي حديث أبي أيوب الذي سبق ذكره في الكلام على اللباس: "ثم

стр. 140

يركع ما بدا له". فدل ذلك على مسألتين: الأولى: أن المستحب لمن دخل المسجد يوم الجمعة أن يصلي قبل أن يجلس ما شاء حتى يخرج الإمام، وهنا نفل مطق، وليس بسنة للجمعة؛ لأن الجمعة ليس لها سنة قبلية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد؛ لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي ﷺ أو فعله، وهو لم يسن في ذلك شيئًا لا بقوله ولا بفعله، وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في مذهب أحمد .. ) (١). وما يفعله بعض الناس -ولا سيما في المسجد الحرام- من صلاته ركعتين أو أربع بعد الأذان الأول يوم الجمعة مباشرة؛ معتقدين أن ذلك سنة للجمعة قبلها كما يصلون قبل الظهر، فهذا لا أصل له، كما تقدم، ولا دليل لهم في حديث: بين كل أذانين صلاة (٢)؛ لأن المراد بالحديث: الأذان والإقامة. وعلى فرض أن المراد بذلك الأذانان فلا يصح الإستدلال به أيضًا؛ لأنه لم يكن في عهد النبي ﷺ يوم الجمعة سوى الأذان الأول والإقامة فيتعذر فعل السنة؛ لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة فلا صلاة بينهما (٣). يقول ابن الحاج ﵀ في كتابه "المدخل": (وينهى الناس عما أحدثوه من الركوع بعد الأذان الأول للجمعة؛ لأنه مخالف لما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ لأنهم كانوا على قسمين: فمنهم من كان يركع حين دخوله المسجد، ولا يزال كذلك حتى يصعد الإمام المنبر، فإذا جلس عليه قطعوا تنفلهم، ومنهم من كان يركع ويجلس حتى يصلي الجمعة، ولم يحدثوا ركوعًا بعد الأذان الأول ولا غيره. فلا المتنفل يعيب على الجالس ولا الجالس يعيب على المتنفل. وهذا بخلاف ما هم اليوم يفعلونه، فإنهم يجلسون حتى إذا أذن المؤذن قاموا للركوع ... ) (٤). المسألة الثانية: أنه يصلي في أي وقت كان؛ لأنه ﷺ قال: "ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام". وظاهر هذا جواز الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال، وهذا من خصوصيات هذا اليوم أنه مستثنى من وقت النهي الذي هو قيام الشمس حتى تزول، كما بين ذلك العلامة المحقق ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" واحتج لذلك بحديث سلمان المذكور، وقال عقبه: (فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام. ولهذا قال غير واحد من السلف منهم عمر بن الخطاب ﵁ وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: خروج الإمام يمنع الصلاة، وخطبته لقنع الكلام، فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار ... ) (٥). الحكم الرابع الاشتغال بالذكر وتلاوة القرآن فإذا صلى ما كتب له شرع في تلاوة كتاب الله تعالى إن كان يحسن ذلك، وقد ورد الترغيب في

стр. 141

قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" (١). والمراد يوم الجمعة: ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فكل ذلك ظرف لقراءة هذه السورة، وليس ذلك خاصًا بوقت صلاة الجمعة، كما قد يفهمه بعض الناس، فلو قرأها صباحًا أو بعد العصر حصل المقصود إن شاء الله، والله أعلم (٢). وإذا كان لا يحسن القراءة فعليه أن يشتغل بذكر الله تعالى ودعائه، فإن كل ما يقال من الأذكار في غير يوم الجمعة يقال فيه ويزداد استحباب كثرة الذكر فيه على غيره؛ لشرف الوقت. ويستحب الإكثار من الدعاء في جميع يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رجاء مصادفة ساعة الأجوبة. فقد اختلف فيها على أقوال كثيرة. وفي هذه الساعة ورد حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه" وأشار بيده يقللها (٣). كما يستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة، وحاضر الصلاة الذي لا يشتغل بالقراءة يحرص على ذلك. وقد ورد عن أوس بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة؛ فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يقولون: قد بليت- قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٤). ومن الناس من إذا صلى ما كتب له استدعى النعاس حتى والإمام يخطب، وهذا قد حرم نفسه خيرًا كثيرًا، وفوت فضائل عديدة، فليحرص المسلم على دفع النعاس إما براحة قبل مجيئه للجمعة، أو بالقيام من مجلسه. فقد ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره" (٥). والحكمة في الأمر بالتحول أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه، والله أعلم (٦). الحكم الخامس الإنصات والاستماع للخطبة إذا شرع الإمام في الخطبة أقبل عليه بوجهه ولا يستدبره أو يستقبل غير جهته؛ لفعل الصحابة ﵃؛ لأن استقباله تهيؤ لسماع كلامه وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه، كان أدعى لفهم موعظته، وموافقته فيما شرع له القيام

стр. 142

لأجله (١). قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ يستحبون استقبال الإمام إذا خطب) (٢). قال ابن القيم: (وكان ﷺ إذا خطب قائمًا في الجمعة استدار أصحابه إليه بوجوههم، وكان وجهه ﷺ قبلهم في وقت الخطبة) (٣) ومن هنا يتبين أن ما يفعله بعض الناس من الاعتماد على جدار أو عمود مستدبرين القبلة ووجه الخطيب أن هذا خلاف المطلوب، وانظر كيف أذن الشرع للخطيب أن يستدبر القبلة ليواجه المصلين فكيف ينصرف بعض الناس ويستدبر القبلة والخطيب؟! فإذا أقبل على الخطيب أنصت له مستمعًا مستفيدًا. قال ابن القيم: (الإنصات للخطبة إذا سمعها واجب في أصح القولين) (٤). وقد تقدم في حديث سلمان: "ثم ينصت إذا تكلم الإمام" وهو يفيد أن الإنصات من الصفات التي رتبت عليها مغفرة ما بينه وبين الجمعة الأخرى. والمراد: السكوت مطلقًا عن القراءة والذكر والحديث مع غيره، ولا يلزم من تجويز تحية المسجد حال الخطبة -كما تقدم- تجويز الذكر مطلقًا؛ لأن ذلك ثبت بدليل خاص (٥). إن المقصود من خطبة الجمعة وعظ الناس وتذكيرهم، ولا يتم ذلك وغيره من المقاصد إلا بالإنصات للخطيب والإصغاء إليه، والبعد عن العبث بيد أو لحية أو ساعة أو سبحة أو سواك ونحو ذلك مما يمنع الإقبال، ويشعر بالإعراض وعدم الاهتمام. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" (٦). وعنه أيضًا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسّ الحصا فقد لغا" (٧). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "من اغتسل يوم الجمعة ومسّ من طيب امرأته -إن كان لها- ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة؛ كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا" (٨). ومعنى (لم يلغ): لم يتكلم ولم يشتغل بغير ما ندب إليه. قال النووي: (قوله: "من مس الحصا فقد لغا": فيه النهي عن مسّ الحصا وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو هنا: الباطل المذموم والمردود) (٩). وقال ابن الأثير: (جعل المسّ كاللغو؛ لأنه يشغله عن سماع الخطبة، كما يشغله الكلام) (١٠). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب

стр. 143

فقد لغوت" (١). فإذا كان يفوت على نفسه فضيلة الجمعة بقوله لصاحبه: أنصت. وهو أمر بالمعروف فما دون ذلك من باب أولى (٢). ولهذا فالمختار أن المستمع للخطبة لا يرد السلام، ولا يشمت العاطس؛ لأن الاستماع واجب بسنة رسول الله ﷺ ، قال النووي في "شرح المهذب" في ذكر الأوجه عند الشافعية في هذه المسألة: (الصحيح المنصوص عليه تحريم تشميت العاطس كرد السلام). ومثله في "روضة الطالبين" (٣). وفي "بدائع الفوائد" لابن القيم: في "مسائل الكوسج لأحمد": قلت: إذا عطس الرجل يوم الجمعة؛ قال: لا تشمته. اهـ (٤). وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود: قال: قلت لأحمد: يرد السلام والإمام يخطب؟ قال: إذا كان ليس يسمع الخطبة. يقول الله : ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فإذا كان يسمع فلا، قيل لأحمد وأنا أسمع: رجل يسمع نغمة الإمام بالخطبة ولا يدري ما يقول يرد السلام؟ قال: لا، إذا سمع شيئًا ... قال أبو داود: سمعت رجلًا قال لأحمد: أرى الرجل يتكلم والإمام يخطب؟ قال: أشر إليه أو أوح إليه (٥). وإذا دخل المسجد والإمام يخطب فإنه لا يسلم على الحاضرين؛ لانشغالهم عن الرد عليه باستماع الخطبة (٦). ويستثنى من النهي عن الكلام والإمام يخطب ما إذا كلم الإمام لمصلحة تتعلق بالخطبة، أو لحاجة تعني المسلمين، أو كلمه الإمام، كأن ينبّه الخطيب على خطأ في آية، أو يعرض عليه الاستسقاء في الخطبة، ونحو ذلك. ومن الأدلة حديث أنس ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا، فمطرنا، فما كدنا أن نصل على منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة، قال: فقام ذلك الرجل -أو غيره- فقال: يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا .. الحديث (٧). قال في فتح الباري: (فيه جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة) (٨)، ومن الأدلة -أيضًا- حديث جابر ﵁ قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: "أصليت يا فلان؟ " قال: لا، قال: "قم فاركع" (٩). الحكم السادس لا يرفع يديه عند الدعاء في الخطبة اعلم أنه لا يشرع رفع اليدين حال دعاء الإمام في خطبة الجمعة، لا للخطيب ولا للسامعين. وقد ورد عن عمارة بن رؤبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه. فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا. وأشار بإصبعه المسبحة، وفى رواية: يوم جمعة (١٠).

стр. 144

قال النووي: (هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليدين في الخطبة، وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبي ﷺ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى. وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض) (١). وقال الشوكاني: (والحديث يدل على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء وأنه بدعة) (٢). وقال أبو شامة في ذكر بدع الجمعة: (وأما رفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قديمة) وتبعه على ذلك السيوطي في كتابه: (الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع) (٣). وجاء في الاختبارات لابن تيمية: (ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وهو أصح الوجهين لأصحابنا؛ لأن النبي ﷺ إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا، وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استسقى على المنبر) (٤). الحكم السابع في تحية المسجد والإمام يخطب إذا دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب فإنه يصلي تحية المسجد ركعتين خفيفتين ولا يزيد عليهما؛ ليفرغ لسماع الخطبة. وذلك لما ورد عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ خطب فقال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين" وفي رواية: "فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما" (٥). فهذا دليل صريح على أن الداخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد، وهو حجة على من قال بعدم مشروعيتها حال الخطبة، وما أجابوا به عن هذا الحديث وأمثاله فهو غير ناهض، وما أحسن قول الإمام النووي ﵀ عن هذا الحديث. (وهذا نص صريح لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحًا فيخالفه) (٦). كما أن حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" يتناول بعمومه وقت أداء التحية حال الخطبة. وليست الركعتان سنة قبلية للجمعة، فإنه لا سنة للجمعة قبلها -كما تقدم- بل يصلي الداخل قبل صعود الإمام نفلًا مطلقًا غير مقيد بعدد. وإنما هما تحية المسجد (٧). لكن لو دخل المسجد والمؤذن يؤذن، فهل يصلي التحية حال الأذان؛ ليفرغ لاستماع الخطبة، أو يجيبه ثم يصلي بعد فراغه؟ الظاهر أنه يصلي تحية المسجد ولا يتابع المؤذن في هْذه الحال؛ لأن استماع الخطبة آكد. فإن إجابة المؤذن مستحبة عند الجمهور، كما ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري" (٨).

стр. 145

وقد حكى الطحاوي ﵀ في "شرح معاني الآثار" (١) عن قوم من السلف القول بالوجوب، وهو ظاهر من صيغة الأمر في قوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن" (٢). وقد ذكر العلماء أن هذا الأمر صُرِفَ عن الوجوب ما ورد عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع مؤذنًا أمسك وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله ﷺ "على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "خرجت من النار" فإذا هو راعي معزى (٣). لكن يحتمل أن الرسول ﷺ أجاب المؤذن فقال مثل ما قال، إذ ليس في الحديث ما ينفي ذلك، ثم إن هذا فعل، والأمر السابق قول، والفعل منه ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة (٤). والأظهر أن الصارف عن الوجوب قول ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه: "إذا حضرت الصلاة فؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" (٥)، ووجه الدلالة: أن المقام مقام تعليم، والحاجة داعية إلى بيان كل ما يحتاجه هؤلاء الذين وفدوا على النبي ﷺ ، وقد لبثوا عنده عشرين يومًا، وقد لا يكون عندهم علم ما قال النبي ﷺ في متابعة الأذان، فلما ترك النبي ﷺ بيان ذلك مع دعاء الحاجة إليه علم أن المتابعة غير واجبة (٦). وقد ورد في الموطأ عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي: أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن "قال ثعلبة" جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد (٧). قال النووى في شرح المهذب على هذا الأثر: وفيه جواز الكلام حال الأذان (٨). اهـ. وعلى ما تقدم فإن صح كون الأمر بإجابة المؤذن للاستحباب لصلاحية ما تقدم لصرف الأمر عن الوجوب. فالحكم واضح بالنسبة لمسألتنا وهي أنه يقدم تحية المسجد حال الأذان؛ ليفرغ لأمر واجب، وهو استماع الخطبة. وإن قلنا: إن الأمر للوجوب فالظاهر أن استماع الخطبة آكد، بدليل تحريم الكلام حال الخطبة ووجوب الإنصات، ولا يحرم الكلام حال الأذان، ومما يؤيد ذلك أن الداخل مأمور بأن يتفرغ لسماع الخطبة ما أمكنه ذلك ولو بتخفيف تحية المسجد؛ لقوله ﷺ : "فليركع ركعين وليتجوز فيهما". قال في نيل الأوطار: (فيه مشروعية التخفيف لتلك الصلاة؛ ليتفرغ لسماع الخطبة). اهـ (٩). وقد رأيت في المغني لابن قدامة: (وإن دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره ليفرغ، ويقول مثل ما يقول جمعًا بين الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة فلا بأس، نص عليه أحمد) (١٠).
следующие страницы →