قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" (١).
والمراد يوم الجمعة: ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فكل ذلك ظرف لقراءة هذه السورة، وليس ذلك خاصًا بوقت صلاة الجمعة، كما قد يفهمه بعض الناس، فلو قرأها صباحًا أو بعد العصر حصل المقصود إن شاء الله، والله أعلم (٢).
وإذا كان لا يحسن القراءة فعليه أن يشتغل بذكر الله تعالى ودعائه، فإن كل ما يقال من الأذكار في غير يوم الجمعة يقال فيه ويزداد استحباب كثرة الذكر فيه على غيره؛ لشرف الوقت.
ويستحب الإكثار من الدعاء في جميع يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رجاء مصادفة ساعة الأجوبة. فقد اختلف فيها على أقوال كثيرة. وفي هذه الساعة ورد حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه" وأشار بيده يقللها (٣).
كما يستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة، وحاضر الصلاة الذي لا يشتغل بالقراءة يحرص على ذلك. وقد ورد عن أوس بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة؛ فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يقولون: قد بليت- قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٤).
ومن الناس من إذا صلى ما كتب له استدعى النعاس حتى والإمام يخطب، وهذا قد حرم نفسه خيرًا كثيرًا، وفوت فضائل عديدة، فليحرص المسلم على دفع النعاس إما براحة قبل مجيئه للجمعة، أو بالقيام من مجلسه. فقد ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره" (٥). والحكمة في الأمر بالتحول أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه، والله أعلم (٦).
الحكم الخامس الإنصات والاستماع للخطبة
إذا شرع الإمام في الخطبة أقبل عليه بوجهه ولا يستدبره أو يستقبل غير جهته؛ لفعل الصحابة ﵃؛ لأن استقباله تهيؤ لسماع كلامه وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه، كان أدعى لفهم موعظته، وموافقته فيما شرع له القيام
стр. 142
لأجله (١). قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ يستحبون استقبال الإمام إذا خطب) (٢).
قال ابن القيم: (وكان ﷺ إذا خطب قائمًا في الجمعة استدار أصحابه إليه بوجوههم، وكان وجهه ﷺ قبلهم في وقت الخطبة) (٣) ومن هنا يتبين أن ما يفعله بعض الناس من الاعتماد على جدار أو عمود مستدبرين القبلة ووجه الخطيب أن هذا خلاف المطلوب، وانظر كيف أذن الشرع للخطيب أن يستدبر القبلة ليواجه المصلين فكيف ينصرف بعض الناس ويستدبر القبلة والخطيب؟! فإذا أقبل على الخطيب أنصت له مستمعًا مستفيدًا. قال ابن القيم: (الإنصات للخطبة إذا سمعها واجب في أصح القولين) (٤).
وقد تقدم في حديث سلمان: "ثم ينصت إذا تكلم الإمام" وهو يفيد أن الإنصات من الصفات التي رتبت عليها مغفرة ما بينه وبين الجمعة الأخرى. والمراد: السكوت مطلقًا عن القراءة والذكر والحديث مع غيره، ولا يلزم من تجويز تحية المسجد حال الخطبة -كما تقدم- تجويز الذكر مطلقًا؛ لأن ذلك ثبت بدليل خاص (٥).
إن المقصود من خطبة الجمعة وعظ الناس وتذكيرهم، ولا يتم ذلك وغيره من المقاصد إلا بالإنصات للخطيب والإصغاء إليه، والبعد عن العبث بيد أو لحية أو ساعة أو سبحة أو سواك ونحو ذلك مما يمنع الإقبال، ويشعر بالإعراض وعدم الاهتمام.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" (٦).
وعنه أيضًا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسّ الحصا فقد لغا" (٧).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "من اغتسل يوم الجمعة ومسّ من طيب امرأته -إن كان لها- ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة؛ كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا" (٨). ومعنى (لم يلغ): لم يتكلم ولم يشتغل بغير ما ندب إليه.
قال النووي: (قوله: "من مس الحصا فقد لغا": فيه النهي عن مسّ الحصا وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو هنا: الباطل المذموم والمردود) (٩).
وقال ابن الأثير: (جعل المسّ كاللغو؛ لأنه يشغله عن سماع الخطبة، كما يشغله الكلام) (١٠).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب
стр. 143
فقد لغوت" (١).
فإذا كان يفوت على نفسه فضيلة الجمعة بقوله لصاحبه: أنصت. وهو أمر بالمعروف فما دون ذلك من باب أولى (٢).
ولهذا فالمختار أن المستمع للخطبة لا يرد السلام، ولا يشمت العاطس؛ لأن الاستماع واجب بسنة رسول الله ﷺ ، قال النووي في "شرح المهذب" في ذكر الأوجه عند الشافعية في هذه المسألة: (الصحيح المنصوص عليه تحريم تشميت العاطس كرد السلام). ومثله في "روضة الطالبين" (٣). وفي "بدائع الفوائد" لابن القيم: في "مسائل الكوسج لأحمد": قلت: إذا عطس الرجل يوم الجمعة؛ قال: لا تشمته. اهـ (٤). وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود: قال: قلت لأحمد: يرد السلام والإمام يخطب؟ قال: إذا كان ليس يسمع الخطبة. يقول الله : ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فإذا كان يسمع فلا، قيل لأحمد وأنا أسمع: رجل يسمع نغمة الإمام بالخطبة ولا يدري ما يقول يرد السلام؟ قال: لا، إذا سمع شيئًا ... قال أبو داود: سمعت رجلًا قال لأحمد: أرى الرجل يتكلم والإمام يخطب؟ قال: أشر إليه أو أوح إليه (٥). وإذا دخل المسجد والإمام يخطب فإنه لا يسلم على الحاضرين؛ لانشغالهم عن الرد عليه باستماع الخطبة (٦). ويستثنى من النهي عن الكلام والإمام يخطب ما إذا كلم الإمام لمصلحة تتعلق بالخطبة، أو لحاجة تعني المسلمين، أو كلمه الإمام، كأن ينبّه الخطيب على خطأ في آية، أو يعرض عليه الاستسقاء في الخطبة، ونحو ذلك. ومن الأدلة حديث أنس ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا، فمطرنا، فما كدنا أن نصل على منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة، قال: فقام ذلك الرجل -أو غيره- فقال: يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا .. الحديث (٧).
قال في فتح الباري: (فيه جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة) (٨)، ومن الأدلة -أيضًا- حديث جابر ﵁ قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: "أصليت يا فلان؟ " قال: لا، قال: "قم فاركع" (٩).
الحكم السادس لا يرفع يديه عند الدعاء في الخطبة
اعلم أنه لا يشرع رفع اليدين حال دعاء الإمام في خطبة الجمعة، لا للخطيب ولا للسامعين. وقد ورد عن عمارة بن رؤبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه. فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا. وأشار بإصبعه المسبحة، وفى رواية: يوم جمعة (١٠).
стр. 144
قال النووي: (هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليدين في الخطبة، وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبي ﷺ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى. وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض) (١).
وقال الشوكاني: (والحديث يدل على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء وأنه بدعة) (٢).
وقال أبو شامة في ذكر بدع الجمعة: (وأما رفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قديمة) وتبعه على ذلك السيوطي في كتابه: (الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع) (٣).
وجاء في الاختبارات لابن تيمية: (ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وهو أصح الوجهين لأصحابنا؛ لأن النبي ﷺ إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا، وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استسقى على المنبر) (٤).
الحكم السابع في تحية المسجد والإمام يخطب
إذا دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب فإنه يصلي تحية المسجد ركعتين خفيفتين ولا يزيد عليهما؛ ليفرغ لسماع الخطبة.
وذلك لما ورد عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ خطب فقال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين" وفي رواية: "فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما" (٥).
فهذا دليل صريح على أن الداخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد، وهو حجة على من قال بعدم مشروعيتها حال الخطبة، وما أجابوا به عن هذا الحديث وأمثاله فهو غير ناهض، وما أحسن قول الإمام النووي ﵀ عن هذا الحديث.
(وهذا نص صريح لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحًا فيخالفه) (٦). كما أن حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" يتناول بعمومه وقت أداء التحية حال الخطبة.
وليست الركعتان سنة قبلية للجمعة، فإنه لا سنة للجمعة قبلها -كما تقدم- بل يصلي الداخل قبل صعود الإمام نفلًا مطلقًا غير مقيد بعدد. وإنما هما تحية المسجد (٧). لكن لو دخل المسجد والمؤذن يؤذن، فهل يصلي التحية حال الأذان؛ ليفرغ لاستماع الخطبة، أو يجيبه ثم يصلي بعد فراغه؟ الظاهر أنه يصلي تحية المسجد ولا يتابع المؤذن في هْذه الحال؛ لأن استماع الخطبة آكد. فإن إجابة المؤذن مستحبة عند الجمهور، كما ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ في "فتح الباري" (٨).
стр. 145
وقد حكى الطحاوي ﵀ في "شرح معاني الآثار" (١) عن قوم من السلف القول بالوجوب، وهو ظاهر من صيغة الأمر في قوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن" (٢).
وقد ذكر العلماء أن هذا الأمر صُرِفَ عن الوجوب ما ورد عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع مؤذنًا أمسك وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله ﷺ "على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "خرجت من النار" فإذا هو راعي معزى (٣).
لكن يحتمل أن الرسول ﷺ أجاب المؤذن فقال مثل ما قال، إذ ليس في الحديث ما ينفي ذلك، ثم إن هذا فعل، والأمر السابق قول، والفعل منه ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة (٤). والأظهر أن الصارف عن الوجوب قول ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه: "إذا حضرت الصلاة فؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" (٥)، ووجه الدلالة: أن المقام مقام تعليم، والحاجة داعية إلى بيان كل ما يحتاجه هؤلاء الذين وفدوا على النبي ﷺ ، وقد لبثوا عنده عشرين يومًا، وقد لا يكون عندهم علم ما قال النبي ﷺ في متابعة الأذان، فلما ترك النبي ﷺ بيان ذلك مع دعاء الحاجة إليه علم أن المتابعة غير واجبة (٦).
وقد ورد في الموطأ عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي: أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن "قال ثعلبة" جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد (٧). قال النووى في شرح المهذب على هذا الأثر: وفيه جواز الكلام حال الأذان (٨). اهـ. وعلى ما تقدم فإن صح كون الأمر بإجابة المؤذن للاستحباب لصلاحية ما تقدم لصرف الأمر عن الوجوب.
فالحكم واضح بالنسبة لمسألتنا وهي أنه يقدم تحية المسجد حال الأذان؛ ليفرغ لأمر واجب، وهو استماع الخطبة.
وإن قلنا: إن الأمر للوجوب فالظاهر أن استماع الخطبة آكد، بدليل تحريم الكلام حال الخطبة ووجوب الإنصات، ولا يحرم الكلام حال الأذان، ومما يؤيد ذلك أن الداخل مأمور بأن يتفرغ لسماع الخطبة ما أمكنه ذلك ولو بتخفيف تحية المسجد؛ لقوله ﷺ : "فليركع ركعين وليتجوز فيهما". قال في نيل الأوطار: (فيه مشروعية التخفيف لتلك الصلاة؛ ليتفرغ لسماع الخطبة). اهـ (٩).
وقد رأيت في المغني لابن قدامة: (وإن دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره ليفرغ، ويقول مثل ما يقول جمعًا بين الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة فلا بأس، نص عليه أحمد) (١٠).
стр. 146
والظاهر أن هذا في غير الجمعة، وأما في الجمعة فينبغي أن يصلي التحية لأجل استماع الخطبة، والله أعلم.
الحكم الثامن بم تدرك الجمعة ؟
لا تدرك الجمعة إلا بإدراك ركعة تامة وإن لم يدرك من الخطبة شيئًا، فمن دخل مع الإمام قبل أن يركع الركعة الثانية أو أدرك معه الركوع فقد أدرك صلاة الجمعة، فيأتي بركعة أخرى وتتم صلاته، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وهو الراجح في المسألة، ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١).
وهذا نص عام يشمل جميع الصلوات، ومنها: صلاة الجمعة.
وقد بوب الترمذي ﵀ على هذا الحديث في جامعه بقوله: (باب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة). ثم قال: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، قالوا: من أدرك ركعة من الجمعة صلى إليها أخرى، ومن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا، وبه يقول: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد وإسحاق) (٢).
أما من أدرك مع الإمام أقلّ من ركعة كأن يدركه بعد أن رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية أو في السجود أو في التشهد فقد فاتته الجمعة، لمفهوم الحديث المتقدم، فإن مفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لم يكن مدركًا للصلاة.
وعليه أن يصليها ظهرًا أربع ركعات ولو كان قد دخل مع الإمام بنية الجمعة، فإذا سلم الإمام نوى الظهر ثم صلاها، وهذا هو القول الراجح -إن شاء الله- ولا يسع الناس العمل بغيره؛ لأن الظهر فرع عن الجمعة، فإذا انتقل من الجمعة إلى الظهر فقد انتقل من أصل إلى بدل. وكلاهما فرض الوقت (٣).
ويستثنى من ذلك ما إذا صليت الجمعة قبل الزوال وأدرك مع الإمام أقل من ركعة فإنه لا يتمها جمعة؛ لأنه لم يدرك منها ركعة، ولا يصليها ظهرًا؛ لأنه لم يدخل وقت الظهر، فيتمها نفلًا فإذا دخل وقت الظهر بالزوال صلى الظهر. والله أعلم (٤).
الحكم التاسع الصلاة بعد الجمعة
إذا صلى الجمعة صلى بعدها ركعتين أو أربعًا، نقله ابن قدامة عن الإمام أحمد، وفي رواية عنه: أو ستًا (٥).
وقد دل على ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا" (٦)، وفي رواية بيان الصارف للأمر، وأنه ليس للوجوب بل للاستحباب؛ لقوله: "من كان منكم مصليًا" (٧).
стр. 147
وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته (١).
وعنه -أيضًا- قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدّث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٢).
قال أبو شامة: أراد بقوله: (أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك): أنه كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته، ولا يصليهما في المسجد، وذلك هو المستحب (٣).
وقال في عون المعبود: والحاصل أن النبي ﷺ أمر الأمة أمرًا مختصًا بهم بصلاة أربع ركعات بعد الجمعة، وأطلق ذلك ولم يقيده بكونها في البيت، واقتصاره ﷺ على ركعتين كما في حديث ابن عمر لا ينافي مشروعية الأربع لعدم المعارضة بينهما (٤). وأما الست ركعات فهي مروية عن طائفة من الصحابة منهم علي وابن عمر وأبو موسى ﵃ أجمعين؛ جمعًا بين هذا وهذا.
وصلاة هذه السنة في المنزل أفضل، ولو صلاها في المسجد جاز، لا فرق في ذلك بين الركعتين أو الأربع (٥)، ومما يدل على أفضلية الصلاة في المنزل قوله ﷺ : "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (٦).
الحكم العاشر إذا اجتمع العيد والجمعة
إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد سقط وجوب الجمعة وحضورها عمن صلى العيد، على الأظهر من أقوال أهل العلم، ويصلي مكانها صلاة الظهر. ودليل ذلك حديث زيد بن أرقم ﵁ أن معاوية بن أبي سفيان سأله: هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: "من شاء أن يصلي فليصلّ" (٧).
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء، أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون" (٨).
وعن عثمان ﵁: أنه خطب في يوم عيد وجمعة، فقال: من أحبّ من أهل العوالي أن ينتظر الجمعة فلينتظر، ومن أحبّ أن يرجع فقد أذنت له (٩).
فهذه أدلة صحيحة تفيد التخيير في حضور إحداهما، وأن صلاة العيد تجزئ عن صلاة الجمعة، فلا يجب حضورها. وتكون هذه الأدلة مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
стр. 148
وينبغي للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يحضر العيد، وإن صلى الإنسان العيد والجمعة فهو أكمل، لينال الأجر، ويحظى بالفضيلة، والله أعلم.
أحكام حضور المرأة المسجد
أولًا: حكم حضور المرأة المسجد:
لقد أذن الإسلام للمرأة أن تخرج إلى المسجد وتصلي مع الناس. ومع هذا فقد حثها على أن تصلي في بيتها؛ لأنه أستر لها، ولئلا تفتن غيرها. فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن" (١).
وعن أم حميد الساعدية ﵂: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله: إني أحب الصلاة معك، فقال: "قد علمت، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة" (٢).
قال في فتح الباري: (ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل: تحقّق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود مما أحدث النساء من التبرج والزينة) (٣).
وإذا كان ابن حجر ﵀ قد قال هذا في زمانه في القرن التاسع فكيف لو رأى هو وغيره من أهل العلم ما عليه النساء في زماننا من خروجهن متبرجات متطيبات كاسيات عاريات، حتى في أفضل بقعة على وجه الأرض: في بيت الله الحرام. لا ريب أن مثل هولاء يحرم خروجهن إلى المساجد وغير المساجد، ويجب على وليهن منعهن وعدم الإذن لهن، ولكن أين الغيرة الإسلامية من أولياء أمورهن؟ إن أكثرهم لا يرفع طرفًا ولا يحرك لسانًا، فإلى الله تعالى المشتكى!! وقال في بلوغ الأماني: (يستفاد من هذا الحديث مشروعية تستر المرأة في كل شيء حتى في صلاتها وعبادة ربها، وكلما كانت في مكان أستر كان ثوابها أعظم وأوفر؛ لهذا أرشدها النبي ﷺ إلى أخفى مكان في بيتها وأبعده عن الناس، وهو ﷺ لا يرشد إلا إلى كل خير، فبادرت بالعمل بإرشاده، وأمرت ببناء مسجد لها في أبعد ناحية لها في بيتها وأظلمها، ولا زالت تعبد الله حتى ماتت -رحمها الله-) (٤).
وعن عائشة ﵂ قالت: أعتم رسول الله ﷺ بالعتمة حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان، فخرج النبي ﷺ فقال: "ما ينتظرها أحد غيركم من أهل الأرض" ولا يصلي يومئذ إلا في المدينة، وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (٥).
فهذا الحديث دل على وجود النساء في المسجد وحضورهن الجماعة. وليس هذا بواجب عليهن.
قال أبو محمد بن حزم: (وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضًا، وقد صح في الآثار كون نساء النبي ﷺ في حجرهن لا يخرجن إلى المساجد) (٦).
стр. 149
وإذا استأذنت المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد ملتزمة بالشروط المعتبرة فإنه يأذن لها؛ لأن الرسول ﷺ أمر الأزواج بذلك؛ فعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن" (١).
وعنه -أيضًا-﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (٢).
ثانيًا: شروط حضور المرأة المسجد:
ليس للمرأة أن تخرج إلى المسجد ولا يحل لزوجها أن يأذن لها إلا بشروط ذكرها العلماء. بعضها دل عليه النص، وبعضها ملحق بالمنصوص؛ لمشاركته له في علته (٣)، والشروط هي:
١ - ألا تكون متطيبة. لما ورد عن زينب الثقفية ﵂ قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسّ طيبًا" (٤)، أي: إذا أرادت حضور المسجد فلا تتطيب؛ لأن الطيب من أسباب الفتنة وتحريك شهوة الرجال. ويلحق به الزينة كالثياب الفاخرة والحلي وصوت الخلخال، ونحو هذا، فلا بد أن تكون المرأة عند خروجها إلى المسجد على درجة تامة من التستر والبعد عن كل ما يثير الرجال.
٢ - أن تغض بصرها كما أمرها ربها، فلا تنظر إلى الرجل الأجنبي. قال الله تعالى: ﴿وَقُل للمُؤمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِن أبصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
قال ابن كثير ﵀: (أي: عما حرم عليهن من النظر إلى غير أزواجهن، ولهذا ذهب كثير من العلماء على أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا ... ) (٥).
وقال النووي ﵀: (الصحيح الذي عليه الجمهور من العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الرجل الأجنبي، كما يحرم عليه النظر إليها) (٦).
ولا ريب أن الفتنة مشتركة، فكما أن نظر الرجل إلى المرأة سبب الافتتان بها، كذلك نظرها إليه سبب للافتتان به.
٣ - ألا يكون في الطريق إلى المسجد ما يخاف منه مفسدة. فإن كان الطريق غير آمن ويخشى عليها من الفساق حرم خروجها؛ لمظنة الفتنة وتحقق الفساد.
٤ - أن تكون متحجبة الحجاب الشرعي بستر جميع بدنها بما في ذلك الوجه والكفان والقدمان، ولا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج إلى المسجد كاشفة عن وجهها وكفيها، تذهب لأداء عبادة هي في بيتها أفضل، ولكنها تبوء بإثم عظيم ما جنت على نفسها وعلى غيرها من الفتنة وتحريك دواعي الشهوة.
٥ - ألا تختلط بالرجال لا في الطريق ولا في المسجد، ولا تتقدم إلى صفوف الرجال ولا إلى أماكن الرجال، بل تصلي خلفهم بعيدة عنهم.
وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها،
стр. 150
وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (١).
٦ - ألا ترفع صوتها في الصلاة لا في القراءة ولا في التأمين ولا في تنبيه الإمام إذا سها، بل تكتفي في الأخير بالتصفيق؛ لقوله ﷺ : "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" (٢).
٧ - أن تنصرف قبل الرجال لئلا تحصل لهن مزاحمة من الرجال في الطرقات أو على أبواب المساجد. وقد ورد عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا.
قال ابن شهاب: فنرى -والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن الرجال (٣).
قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث: مراعاة الإمام أحوال المأمومين، والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور، وفيه اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت ... وفيه أن النساء كن يحضرن في المسجد ... ) (٤).
وقصارى القول أن المرأة مأمورة بالستر والبعد عن كل ما يثير الرجال حال خروجها من منزلها عمومًا وإلى المسجد خصوصًا.
وعلى المرأة المسلمة أن تكون وقّافة عند حدود الله تعالى، ولتعلم يقينًا أن الذي أمرها بالصلاة وأباح لها أن تخرج إلى المسجد هو الذي أمرها بالحجاب والحشمة والعفة والحياء، فكيف تطيعه في الأول وتعصيه في الثاني؟؟ كيف تكون مأجورة بفعل ما نهى عنه الشارع؟ كيف تؤدي مباحًا وسيلته محرمة؟ إنه لا يبعد أن تكون صلاتها ناقصة؛ لأن المعاصي إذا لم تبطل الأعمال فإنها تنقصها.
وإن الأسى ليحرق القلب عندما ترى كثيرًا من النساء في أفضل البقاع -بيت الله الحرام- وما هن عليه من التبرج وكشف الوجه وإظهار المحاسن ذاهبات لأداء عبادة عظيمة في أقدس بقعة على وجه الأرض، ثم مزاحمتهن للرجال في المطاف أو عند الأبواب دخولًا وخروجًا، أضف إلى ذلك تقدم بعض النساء للصلاة في ساحة المطاف قريبًا من الكعبة. تظن أن ذلك أفضل، وأين الأفضلية والرجال يمرون حولها والرسول ﷺ يقول في الحديث المتقدم: "وشر صفوف النساء أولها"، أي: لقربها من الرجال. فكيف إذا ذهبت تزاحم الرجال وتصلي في أماكنهم؟! فالله المستعان!!
وعلى المرأة أن تحذر من مزاحمة الرجال في الأبواب ولا سيما في الخروج، فإما أن تنتظر حتى تذهب حطمة الناس، وإما أن تبادر بالخروج بعد سلام الإمام قبل أن يدركها الرجال، وإلا فمن المعلوم أن المستحب للرجال أن يثبتوا بقدر ما يرون أن النساء قد انصرفن. ولكن أكثرهم لا يفقهون.
والأولى تخصيص أبواب للنساء، بل هذا متعين؛ تأسيًا بما حصل في القرن الأول، لما فيه من المصالح العظمية.
أهم الأحكام التي تنفرد بها المرأة عن الرجل في الصلاة
اعلم أن الأصل في الأحكام الشرعية -ومنها الصلاة- أن المرأة تشارك الرجل فيها، فما ثبت في
стр. 151
حق الرجل ثبت في حق المرأة إلا ما دل الدليل على استثنائه. وقد جاء في أحكام الصلاة مسائل تنفرد بها المرأة، لوجود أدلة تفيد ذلك، وأهم هذه الأحكام ما يلي:
موقف المرأة خلف الإمام:
لا خلاف بين أهل العلم أن السنة أن تقف المرأة خلف الرجل، فإذا صلى رجل ومعه امرأة وقفت خلفه، وإن كان معه رجل آخر وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفهما. وإن حضر رجال ونساء وقف الرجال خلف الإمام صفًا واحدًا أو صفوفًا، ثم تقف النساء بعد الرجال صفًا واحدًا أو صفوفًا (١).
وقد دل على ذلك حديث أنس ﵁ قال: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي -أم سليم- خلفنا (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (٣).
فدل الحديث على أن خير الصفوف للرجال أولها، والنساء بالعكس، وهذا يفيد أن النساء تكون خلف الرجال (٤).
وعلى المرأة إذا حضرت المسجد أن تتأخر وتبتعد عن الرجال وعن صفوفهم، لئلا يحصل الاختلاط إذ كثرت الصفوف، أو تسمع النساء كلام الرجال وترى حركاتهم، فيتعلق القلب بهم، وتحصل الفتنة.
وقد ذكر العلماء أن المراد بالحديث السابق -حديث أبي هريرة ﵁: النساء اللاتي يصلين مع الرجال في مكان واحد، وأما إذا صلين في مكان خاص بهن -كما يوجد في بعض المساجد- فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها وشرها آخرها (٥).
وقد أفاد هذا الحديث أن النساء يقفن في الصلاة صفوفًا لا منفردات، وعليهن أن يسوين صفوفهن، لعموم الأدلة في الأمر بتسوية الصفوف، وسدّ الفرج، وتكميل الصف الأول فالأول.
فإن وقفت المرأة منفردة خلف صف النساء بدون عذر لم تصح صلاتها على الراجح من قولي أهل العلم، فيكون حكمها حكم الرجل المنفرد خلف صف الرجال؛ لأن أحكام النساء مساوية لأحكام الرجال إلا ما استثناه الدليل، وليس هنا دليل على استثناء وقوف المرأة خلف صف النساء، وإنما الدليل على استثناء وقوف المرأة المنفردة خلف صف الرجال - كما تقدم (٦).
وإذ صف الرجل أو الرجال خلف صف النساء -كما قد يوجد في المسجد الحرام أيام الحج أو في رمضان إذ كثر الناس- صحت الصلاة لوجود الضرورة في مثل ذلك، على الراجح من قولي أهل العلم (٧).
وينبغي للرجل ألا يقف بجانب امرأة في الصلاة، بل ينتقل إلى مكان آخر؛ خشية الافتتان بها، ولا تبطل صلاة المرأة ولا صلاة الرجل إذا وقفت المرأة في صف الرجال -على الراجح من قولي أهل
стр. 152
العلم-، وإذا أرادت امرأة أن تقف بجانبه طردها، أو أمرها أن تبتعد عنه (١).
موقف إمامة النساء:
لو دخلت نساء المسجد وقد انقضت الصلاة، أو كنّ في مجمع خاص -كبيت أو مدرسة- جاز لهن أن يصلين جماعة، وكذا لو كانت الصلاة نافلة، إذا لم يتخذ ذلك عادة (٢).
والسنة أن تقف إمامة النساء في وسط الصف ولا تبرز أمامهن؛ لأن ذلك أستر، والمرأة مطلوب منها الستر (٣).
وقد ورد عن أم ورقة بنت نوفل: أن النبي ﷺ كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها (٤).
والمراد بـ (أهل دارها): النساء. وأما إمامة المرأة للرجل فإنها لا تجوز على الصحيح من أقوال أهل العلم، لما في ذلك من المفاسد العظيمة والله أعلم.
مرور المرأة بين يدي المصلي:
تقدم أنه يحرم المرور بين يدي المصلي وسترته، أو بين يديه قريبًا منه إذا لم يكن له سترة، وهو آثم بالإجماع، ولا خلاف في أن مرور الرجل لا يقطع صلاة المصلي (٥).
وأما المرأة إذا مرت بين يدي المصلي فعامة أهل العلم يقولون أنها لا تقطع الصلاة لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أنام بين يدى رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (٦).
والقول الثاني: أنها تقطع الصلاة. وهو قول الحسن البصري، وابن حزم ورواية عن الإمام أحمد، اختارها عدد من أصحابه. لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود" قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان" (٧).
وهذا دليل صحيح لا مطعن فيه، ونص صريح لا لبس في دلالته على أن مرور المرأة أمام المصلي يقطع صلاته.
وأما حمل هذا الحديث على أن المراد بالقطع: القطع عن الخشوع والذكر لشغل القلب بها والالتفات إليها؛ لأنها تفسد الصلاة فهو ضعيف؛ لأن شغل القلب لا يختص بالثلاثة المذكورة (٨).
ثم إنه ورد حديث أبي ذر عند ابن خزيمة وابن حبان بلفظ: "تعاد الصلاة من ممر الحمار والمرأة
стр. 153
والكلب الأسود" (١).
وأما ما ورد من أن الرسول ﷺ كان يصلي وأم المؤمنين عائشة ﵂ نائمة بين يديه فلا دلالة فيه على عدم القطع؛ لأن فساد الصلاة مقرون بمرور المرأة أمام المصلي لا بالصلاة إلى النائم أو المضطجع أو الجالس (٢).
والمراد بالمرأة التي تقطع الصلاة: البالغة. أما الصغيرة التي لم تبلغ فلا تقطع الصلاة (٣) لما ورد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة الكلب والمرأة الحائض" (٤).
وهذه المسألة وإن كانت نادرة الوقوع في المساجد، لكنها قد توجد في المسجد الحرام. فعلى المسلم أن يمنع من مرور الإنسان بين يديه، ولا سيما المرأة فإنها تقطع الصلاة. وقد أجاز بعض العلماء المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام؛ لأن الناس يكثرون بمكة، لأجل قضاء نسكهم ويزدحمون فيها. وهذا وإن كان تعليلًا قويًا من حيث النظر، ولكنه معارض بعموم أدلة القطع، ولا مخصص لها (٥) -كما تقدم- لكن للضرورة أحكام. والله أعلم.
باب: صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم (٦)
استقبال الكعبة
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة استقبل الكعبة في الفرض والنفل، وأمر ﷺ بذلك فقال لـ (المسيء صلاته):
(إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر). (البخاري ومسلم).
و (كان ﷺ في السفر يصلي النوافل على راحلته، ويوتر عليه حيث توجهت به [شرقًا وغربًا]). (مسلم).
وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة ١١٥]. (مسلم).
و (كان -أحيانًا- إذا أراد أن يتطوع على ناقته استقبل بها القبلة فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه). (أبو داود وابن حبان).
و (كان يركع ويسجد على راحلته إيماء برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع). (أحمد والترمذي وصححه).
و (كان إذا أراد أن يصلي الفريضة نزل فاستقبل القبلة). (البخاري وأحمد).
وأما في صلاة الخوف الشديد؛ فقد سن ﷺ لأمته أن يصلوا (رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها). (البخاري ومسلم).
стр. 154
وقال، ﷺ : (إذا اختلطوا؛ فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس). (البيهقي بسند صحيح).
وكان ﷺ يقول: (ما بين المشرق والمغرب قبلة). (الترمذي والحاكم).
وقال جابر ﵁: (كنا مع رسول الله ﷺ في مسيرة أو سرية، فأصابنا غيم فتحرينا واختلفنا في القبلة، فصلى كل رجل منا على حدة، فجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فلما أصبحنا نظرناه؛ فإذا نحن صلينا على غير القبلة، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، [فلم يأمرنا بالإعادة]، وقال: (قد أجزأت صلاتكم). (الدارقطني، والحاكم والبيهقي).
وكان ﷺ يصلي نحو بيت المقدس -[والكعبة بين يديه]- قبل أن تنزل هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فلما نزلت استقبل الكعبة، فبينما الناس بقباء في صلاة الصبح؛ إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، [ألا] فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا، [واستدار إمامهم حتى استقبل بهم القبلة]). (البخاري ومسلم وأحمد).
القيام
وكان ﷺ يقف فيها قائما في الفرض والتطوع؛ ائتمارًا بقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وأما في السفر؛ فكان يصلي على راحلته النافلة.
وسن لأمته أن يصلوا في الخوف الشديد على أقدامهم، أو ركبانا كما تقدم، وذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩].
و (صلى ﷺ في مرض موته جالسًا). (الترمذي وصححه وأحمد).
وصلاها كذلك مرة أخرى قبل هذه حين (اشتكى وصلى الناس وراءه قيامًا؛ فأشار إليهم أن اجلسوا، فجلسوا، فلما انصرف قال: (إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم
قعود، فلا تفعلوا، إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا [أجمعون]). (البخاري ومسلم).
صلاة المريض جالسًا
وقال عمران بن حصين ﵁: (كانت بي بواسير فسألت رسول الله ﷺ فقال: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب). (البخاري وأبو داود وأحمد).
وقال أيضًا: (سألته ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد؟ فقال: (من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا (وفي رواية: مضطجعًا) فله نصف أجر القاعد). (البخاري وأبو داود وأحمد).
والمراد به المريض فقد قال أنس ﵁: (خرج رسول الله ﷺ على ناس وهم يصلون قعودًا من مرض، فقال: (إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم). (أحمد وابن ماجه بسند صحيح).
و (عاد ﷺ مريضًا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه، فأخذه فرمى به، وقال: (صل على الأرض إن استطعت وإلا فأوم إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك).
стр. 155
(الطبراني والبزار وابن السماك والبيهقي وسنده صحيح).
الصلاة في السفينة
وسئل ﷺ عن الصلاة في السفينة فقال: (صل فيها قائمًا؛ إلا أن تخاف الغرق). (البزار والدراقطني وصححه الحاكم).
ولما أسن ﷺ وكبر اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه. (أبو داود والحاكم وصححه هو والذهبي).
القيام والقعود في صلاة الليل
و (كان ﷺ يصلي ليلًا طويلا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا). (مسلم وأبو داود).
و (كان أحيانًا يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية؛ قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع وسجد، ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك). (البخاري ومسلم).
وإنما (صلى السبحة قاعدًا في آخر حياته لما أسن وذلك قبل وفاته بعام). (مسلم وأحمد).
و (كان يجلس متربعًا). (النسائي وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
الصلاة في النعال والأمر بها
و (كان يقف حافيًا أحيانًا، ومنتعلًا أحيانًا). (أبو داود وابن ماجه).
وأباح ذلك لأمته فقال: (إذا صلى أحدكم فليلبس نعليه أو ليخلعهما بين رجليه، ولا يؤذي بهما غيره). (أبو داود والبزار وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
وأكد عليهم الصلاة فيهما أحيانًا فقال: (خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم). (أبو داود والبزار وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
وكان ربما نزعهما من قدميه وهو في الصلاة، ثم استمر في صلاته؛ كما قال أبو سعيد الخدري:
(صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم؛ فلما كان في بعض صلاته؛ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم فلما قضى صلاته قال: (ما بالكم ألقيتم نعالكم؟) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال: (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذرًا -أو قال: أذى- (وفي رواية: خبثًا)، فألقيتهما، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر في نعليه فإن رأى فيهما قذرًا -أو قال:- أذى (وفي الرواية الأخرى: خبثًا)؛ فليمسحهما، وليصل فيهما). (أبو داود وابن خزيمة).
و (كان إذا نزعهما وضعهما عن يساره) وكان يقول: (أبو داود والنسائي وابن خزيمة)، (إذا صلى أحدكم؛ فلا يضع نعليه عن يمينه، ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره؛ إلا أن لا يكون عن يساره أحد وليضعهما بين رجليه). (أبو داود وابن خزيمة).
الصلاة على المنبر
و (صلى ﷺ -مرة- على المنبر (وفي رواية: أنه ذو ثلاث درجات) فـ[قام عليه، فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر] [ثم ركع وهو عليه] ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد، [فصنع كما صنع في الركعة الأولى] حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال: (أيها الناس! إني صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي). (البخاري ومسلم).
стр. 156
السترة ووجوبها
و (كان ﷺ يقف قريبًا من السترة، فكان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع). (البخاري وأحمد).
و (بين موضع سجوده والجدار ممر شاة). (البخاري ومسلم).
وكان يقول: (لا تصل إلا إلى سترة ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله؛ فإن معه القرين). (ابن خزيمة).
ويقول: (إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته). (أبو داود والبزار وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
و (كان -أحيانًا- يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي في مسجده).
و (كان إذا صلى [في فضاء ليس فيه شيء يستتر به]؛ غرز بين يديه حربة، فصلى إليها والناس وراءه)، وأحيانًا (كان يعرض راحلته فيصلي إليها)، وهذا خلاف الصلاة في أعطان الإبل؛ فإنه (نهى عنها)، وأحيانًا (كان يأخذ الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته). (البخاري ومسلم).
وكان يقول: (إذا وضع أحكم بين يديه مثل موخرة الرحل؛ - فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك). (مسلم وأبو داود).
و (صلى -مرة- إلى شجرة). (النسائي وأحمد بسند صحيح).
و (كان -أحيانًا- يصلي إلى السرير وعائشة ﵁ مضطجعة عليه [تحت قطيفتها]). (البخاري ومسلم وأبو يعلى).
وكان ﷺ لا يدع شيئا يمر بينه وبين السترة، فقد (كان يصلي؛ إذ جاءت شاة تسعى بين يديه، فساعاها حتى ألزق بطنه بالحائط [ومرت من ورائه]). (ابن خزيمة في صحيحه والطبراني).
و (صلى صلاة مكتوبة فضم يده فلما صلى قالوا: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال:
(لا؛ إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إليه أخي سليمان؛ لارتُبط إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة، [فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل]). (أحمد والدارقطني والطبراني بسند صحيح).
وكان يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره [وليدرأ ما استطاع] (وفي رواية: فليمنعه مرتين) فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان). (البخاري ومسلم).
وكان يقول: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه). (البخاري ومسلم).
ما يقطع الصلاة
وكان يقول: (يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل: المرأة [الحائض]، والحمار، والكلب الأسود) قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله! ما بال الأسود من الأحمر؟ فقال: (الكلب الأسود شيطان). (مسلم وأبو داود وابن خزيمة).
الصلاة تجاه القبر
وكان ينهى عن الصلاة تجاه القبر فيقول: (لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها). (مسلم وأبو
стр. 157
داود وابن خزيمة).
النية
وكان ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى). (البخاري ومسلم وغيرهما).
التكبير
ثم كان ﷺ يستفتح الصلاة بقول: (الله أكبر) وأمر بذلك (المسيء صلاته) كما تقدم. (مسلم وابن ماجه).
وقال له: (إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر). (الطبراني بإسناد صحيح).
وكان يقول: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم). (أبو داود والترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
و (كان يرفع صوته بالتكبير حتى يُسمِعَ من خلفه). (أحمد والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي).
و (كان إذا مرض؛ رفع أبو بكر صوته يبلغ الناس تكبيره ﷺ . (مسلم والنسائي).
وكان يقول: (إذا قال الإمام: الله أكبر؛ فقولوا: الله أكبر). (أحمد والبيهقي بسند صحيح).
رفعُ اليدين
و (كان يرفع يديه تارة مع التكبير، وتارة بعد التكبير، وتارة قبله). (البخاري وأبو داود وابن خزيمة).
كان يرفعهما ممدودة الأصابع، [لا يفرج بينها ولا يضمها]). (أبو داود وابن خزيمة).
و (كان يجعلهما حذو منكبيه وربما كان يرفعهما حتى يحاذي بهما [فروع] أذنيه). (البخاري وأبو داود).
وضع اليمنى على اليسرى والأمر به
و (كان ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى). (مسلم وأبو داود).
(وكان يقول: (إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة). (ابن حبان والضياء بسند صحيح).
و (مر برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى؛ فانتزعها، ووضع اليمنى على اليسرى). (أحمد وأبو داود بسند صحيح).
وضعهما على الصدر
و (كان يضع اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد). (أبو داود والنسائي وابن خزيمة بسند صحيح).
(وأمر بذلك أصحابه). (مالك والبخاري).
و (كان -أحيانًا- يقبض باليمنى على اليسرى). (النسائي والدارقطني بسند صحيح).
و (كان يضعهما على الصدر). (أبو داود وابن خزيمة في صحيحه).
و (كان ينهى عن الاختصار في الصلاة) (البخاري ومسلم)، وهو الصلب الذي كان ينهى عنه. أبو داود والنسائي.
النظر إلى موضع السجود والخشوع
و (كان ﷺ إذا صلى طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض). (البيهقي والحاكم).
стр. 158
و (لما دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها). (البيهقي والحاكم وصححه).
وقال ﷺ : (لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي). (أبو داود وأحمد بسند صحيح).
و (كان ينهى عن رفع البصر إلى السماء) (البخاري وأبو داود).
ويؤكد في النهي حتى قال: (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة؛ أو لا ترجع إليهم (وفي رواية: أو لتخطفن أبصارهم). (البخاري ومسلم).
وفي حديث آخر: (فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت). (الترمذي والحاكم وصححاه).
وقال أيضًا عن التلفت: (اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد). (البخاري وأبو داود).
وقال ﷺ : (لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته؛ ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف عنه). (رواه أبو داود وغيره وصححه ابن خزيمة وابن حبان).
و (نهى عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب). (أحمد وأبو يعلى).
وكان ﷺ يقول: (صل صلاة مودع كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك). (ابن ماجه وأحمد وصححه الهيتمي الفقيه).
ويقول: (ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب؛ ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله). (مسلم).
وقد (صلى ﷺ في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي (وفي رواية: (فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتني). (البخاري ومسلم ومالك).
و (كان لعائشة ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة فكان النبي ﷺ يصلي إليه فقال:
(أخريه عني؛ [فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي]) (البخاري ومسلم).
وكان يقول: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان). (البخاري ومسلم).
أدعية الاستفتاح
ثم كان ﷺ يستفتح القراءة بأدعية كثيرة متنوعة، يحمد الله تعالى فيها، ويمجده ويثني عليه، وقد أمر بذلك (المسيء صلاته) فقال له: (لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يكبر، ويحمد الله جل وعز ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن ... ). (أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
وكان يقرأ تارة بهذا وتارة بهذا فكان يقول:
١ - (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) وكان يقوله في الفرض. (البخاري ومسلم).
٢ - (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا [مسلمًا] وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم!
стр. 159
أنت الملك، لا إله إلا أنت، [سبحانك وبحمدك]، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنبي جميعًا؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك [والمهدي من هديت] أنا بك وإليك، [لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك]، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك). (مسلم وأبو عوانة وغيرهم).
وكان يقوله في الفرض والنفل.
٣ - مثله دون قوله: (أنت ربي وأنا عبدك) إلخ، ويزيد: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك). (النسائي بسند صحيح).
٤ - مثله أيضًا إلى قوله: (وأنا أول المسلمين) ويزيد: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق وأحسن الأعمال؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأخلاق والأعمال؛ لا يقي سيئها إلا أنت). (النسائي والدارقطني بسند صحيح).
٥ - (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك). (أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي)
وقال ﷺ : (إن أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد: سبحانك اللهم ... ). (ابن منده بسند صحيح والنسائي موقوفًا ومرفوعًا).
٦ - (مثله ويزيد في صلاة الليل: (لا إله إلا الله (ثلاثًا) الله أكبر كبيرًا (ثلاثًا). (أبو داود والطحاوي بسند حسن).
٧ - (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا) استفتح به رجل من الصحابة فقال ﷺ : (عجبت لها فتحت لها أبواب السماء). (مسلم وأبو عوانة).
٨ - (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه) استفتح به رجل آخر فقال ﷺ : (لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها). (مسلم وأبو عوانة).
٩ - (اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات الأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، [ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن]، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، [أنت ربنا وإليك المصير، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت]، [وما أنت أعلم به مني]، أنت المقدم وأنت المؤخر، [أنت إلهي]، لا إله إلا أنت، [ولا حول ولا قوة إلا بك]). (البخاري ومسلم).
وكان يقوله ﷺ في صلاة الليل كالأنواع الآتية:
١٠ - (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم). (مسلم وأبو عوانة).
стр. 160
١١ - كان يكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا، ويهلل عشرًا، ويستغفر عشرًا، ويقول:
(اللهم اغفر لي واهدني وارزقني [وعافني]) عشرًا، ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب عشرًا). (أحمد وابن أبي شيبة).
١٢ - (الله أكبر [ثلاثًا] ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة). (الطيالسي وأبو داود بسند صحيح).
القراءة
ثم كان ﷺ يستعيذ بالله تعالى فيقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه). (أبو داود وابن ماجه والدارقطني).
وكان أحيانًا يزيد فيه فيقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ... ). (أبو داود والترمذي بسند حسن).
ثم يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ولا يجهر بها. (البخاري ومسلم).
القراءةُ آيةً آيةً
ثم يقرأ الفاتحة ويقطعها آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم، [ثم يقف، ثم يقول:] الحمد لله رب العالمين، [ثم يقف، ثم يقول:] الرحمن الرحيم، [ثم يقف، ثم يقول:] مالك يوم الدين، وهكذا إلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته كلها، يقف على رؤوس الآي ولا يصلها بما بعدها. (أبو داود والسهمي).
وكان تارة يقرؤها: ملك يوم الدين. (تمام الرازي وابن أبي داود في المصاحف).
ركنية (الفاتحة) وفضائلها:
وكان يعظم من شأن هذه السورة، فكان يقول: (لا صلاة لمن لا يقرأ [فيها] بفاتحة الكتاب [فصاعدًا]). (البخاري ومسلم).
وفي لفظ: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب) (الدارقطني وصححه وابن حبان).
وتارة يقول: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب؛ فهي خداج، هي خداج، هي خداج؛ غير تمام). (مسلم وأبو عوانة).
ويقول: (قال الله ﵎: قسمت الصلاة -يعني الفاتحة- بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل) (مسلم وأبو عوانة ومالك).
وقال رسول الله ﷺ : (اقرؤوا: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: مالك يوم الدين، يقول الله تعالى: مجدني عبدي، يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، [قال]: فهذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، [قال]: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل).
وكان يقول: (ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني
стр. 161
[والقرآن العظيم الذي أوتيته]). (النسائي والحاكم).
وأمر ﷺ (المسيء صلاته) أن يقرأ بها في صلاته، (أبو داود وابن خزيمة والحاكم وغيرهم) وقال لمن لم يستطع حفظها: (قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله). (البخاري).
وقال للمسيء صلاته: (فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله). (أبو داود والترمذي وحسنه).
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
وكان قد أجاز للمؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإمام في الصلاة الجهرية، حيث كان (في صلاة الفجر فقرأ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: (لعلكم تقرؤون خلف إمامكم) قلنا نعم هذا يا رسول الله قال: (لا تفعلوا؛ إلا [أن يقرأ أحدكم] بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها). (البخاري).
ثم نهاهم عن القراءة كلها في الجهرية وذلك حينما (انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة (وفي رواية: أنها صلاة الصبح) فقال: (هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟!) فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله فقال: إني أقول: (ما لي أنازع؟!). [قال أبو هريرة:] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ -فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة- حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، [وقرؤوا في أنفسهم سرًا فيما لا يجهر فيه الإمام]). (مالك والحميدي والبخاري في جزئه).
وجعل الإنصات لقراءة الإمام من تمام الائتمام به فقال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا). (مسلم وأبو عوانة).
كما جعل الاستماع له مغنيًا عن القراءة وراءه فقال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) هذا في الجهرية. (ابن أبي شيبة والدارقطني).
وجوب القراءة في السرية
وأما في السرية فقد أقرهم على القراءة فيها فقال جابر: (كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الآخريين بفاتحة الكتاب). (ابن ماجة بسند صحيح).
وإنما أنكر التشويش عليه بها، وذلك حين (صلى الظهر بأصحابه فقال: (أيكم قرأ سبح اسم ربك الأعلى)؟ فقال رجل: أنا [ولم أرد بها إلا الخير]. فقال: (قد عرفت أن رجلًا خالجنيها). (مسلم وأبو عوانة).
وفي حديث آخر: (كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ [فيجهرون به]، فقال: (خلطتم عليّ القرآن). (البخاري).
وقال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن). (البخاري في (أفعال العباد) بسند صحيح).
وكان يقول: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف ولكن (ألف) حرف، و (لام) حرف، و (ميم) حرف). (الترمذي والحاكم بسند صحيح).
стр. 162
التأمين وجهر الإمام به
ثم (كان ﷺ إذا انتهى من قراءة الفاتحة قال: (آمين)، يجهر ويمد بها صوته). (البخاري في جزء القراءة).
وكان يأمر المقتدين بالتأمين بُعيد تأمين الإمام فيقول: (إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، [فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين] (وفي لفظ: إذا أمن الإمام فأمنوا)، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة (وفي لفظ آخر: إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافق إحداهما الآخر) غفر له ما تقدم من ذنبه). (البخاري ومسلم).
وفي حديث آخر: (فقولوا: آمين يجبك الله). (مسلم وأبو عوانة).
(وكان يقول: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين [خلف الإمام]). (البخاري في الأدب المفرد).
قراءته ﷺ بعد الفاتحة
ثم كان ﷺ يقرأ بعد الفاتحة سورة غيرها، وكان يطيلها أحيانًا، ويقصرها أحيانًا لعارض سفر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبي؛ كما قال أنس بن مالك ﵁: (جوّز ﷺ ذات يوم في الفجر)
(وفي حديث آخر: صلى الصبح فقرأ بأقصر سورتين في القرآن) فقيل: يا رسول الله لم جوزت؟ قال:
(سمعت بكاء صبي، فظننت أن أمه معنا تصلي، فأردت أن أفرغ له أمه). (أحمد بسند صحيح).
وكان يقول: (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه). (البخاري ومسلم).
وكان يبتدئ من أول السورة ويكملها في أغلب أحواله.
ويقول: (أعطوا كل سورة حظّها من الركوع والسجود). (ابن أبي شيبة وأحمد).
(وفي لفظ: (لكل سورة ركعة). (ابن نصر والطحاوي بسند صحيح).
وكان تارة يقسمها في ركعتين وتارة يعيدها كلها في الركعة الثانية. (أحمد وأبو يعلى).
وكان أحيانًا يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر.
(وقد كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد (قباء)، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ قل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: (يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟). فقال: إني أحبها. فقال: (حبك إياها أدخلك الجنة). (البخاري تعليقًا والترمذي موصولًا وصححه).
جمعه ﷺ بين النظائر وغيرها في الركعة
و (كان يقرن بين النظائر من المفصل، فكان يقرأ سورة: الرحمن (٥٥: ٧٨) والنجم
стр. 163
(٥٣: ٦٢) في ركعة واقتربت (٥٤: ٥٥) والحاقة (٦٩: ٥٢) في ركعة، والطور (٥٢: ٤٩) والذاريات (٥١: ٦٠) في ركعة، وإذا وقعت (٥٦: ٦٩)، ون (٦٨: ٥٢) في ركعة، وسأل سائل (٧٠: ٤٤) والنازعات (٧٩: ٤٦) في ركعة، وويل للمطففين (٨٣: ٣٦) وعبس (٨٠: ٤٢) في ركعة، والمدثر (٧٤: ٥٦) والمزمل (٧٣: ٢٠) في ركعة، وهل أتى (٧٦: ٣١) ولا أقسم بيوم القيامة (٧٥: ٤٠) في ركعة، وعم يتساءلون (٧٨: ٤٠) والمرسلات (٧٧: ٥٠) في ركعة، والدخان (٤٤: ٥٩) وإذا الشمس كورت (٨١: ٢٩) في ركعة). (البخاري ومسلم).
وكان أحيانًا يجمع بين السور من السبع الطوال؛ كـ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة من صلاة الليل كما سيأتي وكان يقول: (أفضل الصلاة طول القيام). (مسلم والطحاوي).
و (كان إذا قرأ: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى قال: سبحانك فبلى، وإذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال: (سبحان ربي الأعلى). (أبو داود والبيهقي بسند صحيح).
جواز الاقتصار على الفاتحة
و (كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء [الآخرة] ثم يرجع فيصلي بأصحابه فرجع ذات ليلة فصلى بهم، وصلى فتى من قومه [من بني سلمة يقال له: سليم]، فلما طال على الفتى؛ [انصرف فـ] صلى [في ناحية المسجد]، وخرج وأخذ بخطام بعيره وانطلق، فلما صلى معاذ، ذكر ذلك له، فقال إن هذا به لنفاق لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع، وقال الفتى: وأنا لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع. فغدوا على رسول الله ﷺ ، فأخبره معاذ بالذي صنع الفتى، فقال الفتى: يا رسول الله يطيل المكث عندك ثم يرجع فيطيل علينا، فقال رسول الله ﷺ : (أفتان أنت يا معاذ؟!) وقال للفتى: (كيف تصنع أنت يا ابن أخي إذا صليت؟). قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ فقال رسول الله ﷺ : (إني ومعاذ حول هاتين، أو نحو ذا) قال: فقال الفتى: ولكن سيعلم معاذ إذا قَدِم القوم وقد خبروا أن العدو قد أتوا. قال: فقدموا فاستشهد الفتى، فقال: رسول الله ﷺ بعد ذلك لمعاذ: (ما فعل خصمي وخصمك؟). قال: يا رسول الله صدق الله وكذبتُ؛ استشهد). (ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي بسند جيد).
الجهر والإسرار في الصلوات الخمس وغيرها
وكان ﷺ يجهر بالقراءة في صلاة الصبح وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء ويسر بها في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء.
وكانوا يعرفون قراءته فيما يسر به باضطراب لحيته. (البخاري وأبو داود)
وبإسماعه إياهم الآية أحيانًا. (البخاري ومسلم).
وكان يجهر بها أيضًا في صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء. (البخاري وأبو داود)، والكسوف. (البخاري ومسلم).
стр. 164
الجهر والإسرار في القراءة في صلاة الليل
وأما في صلاة الليل فكان تارة يسر وتارة يجهر. (البخاري ومسلم).
و (كان إذا قرأ وهو في البيت يسمع قراءته من في الحجرة). (أبو داود والترمذي).
و (كان ربما رفع صوته أكثر من ذلك حتى يسمعه من كان على عريشه). (أي خارج الحجرة). (النسائي والترمذي).
وبذلك أمر أبا بكر وعمر ﵄، وذلك حينما (خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر ﵁ يصلي يخفض من صوته ومر بعمر بن الخطاب ﵁ وهو يصلي رافعًا صوته، فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال: (يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض من صوتك؟). قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله وقال لعمر: (مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك؟). فقال: يا رسول الله أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان، فقال النبي ﷺ : (يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا)، وقال لعمر: (اخفض من صوتك شيئًا). (أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وكان يقول: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة). (أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
ما كان يقرؤه ﷺ في الصلوات
وأما ما كان يقرؤه ﷺ في الصلوات من السور والآيات فإن ذلك يختلف باختلاف الصلوات الخمس وغيرها وهاك تفصيل ذلك مبتدئين بالصلاة الأولى من الخمس:
١ - صلاة الفجر:
كان ﷺ يقرأ فيها بطوال المفصل، فـ (كان -أحيانًا- يقرأ: الواقعة (٥٦: ٩٦) ونحوها من السور في الركعتين). (النسائي وأحمد بسند صحيح).
وقرأ من سورة الطور (٥٢: ٤٩) وذلك في حجة الوداع. (البخاري ومسلم).
و (كان -أحيانًا- يقرأ: ق والقرآن المجيد (٥٠: ٤٥) ونحوها في [الركعة الأولى]). (مسلم والترمذي).
و (كان -أحيانًا- يقرأ بقصار المفصل كـ إذا الشمس كورت (٨١: ١٥). (مسلم وأبو داود).
و (قرأ مرة: إذا زلزلت (٩٩: ٨) في الركعتين كلتيهما؛ حتى قال الراوي: فلا أدري؛ أنسي رسول الله أم قرأ ذلك عمدًا؟). (أبو داود والبيهقي بسند صحيح).
و (قرأ -مرة- في السفر قل أعوذ برب الفلق (١١٣: ٥) وقل أعوذ برب الناس (١١٤: ٦). (أبو داود وابن خزيمة).
وقال لعقبة بن عامر ﵁: (اقرأ في صلاتك المعوذتين، [فما تعوذ متعوذ بمثلهما]). (أبو داود وأحمد بسند صحيح).
وكان أحيانًا يقرأ بأكثر من ذلك، فـ (كان يقرأ ستين آية فأكثر)، قال في بعض رواته: لا أدري في إحدى الركعتين أو في كلتيهما؟. (البخاري ومسلم).
و (كان يقرأ بسورة الروم (٣٠: ٦٠). (النسائي وأحمد والبزار بسند جيد).
стр. 165
وأحيانًا- بسورة يس (٣٦: ٨٣). (أحمد بسند صحيح).
ومرة (صلى الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين (٢٣: ١١٨) حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى. -شك بعض الرواة- أخذته سعلة فركع). (البخاري ومسلم).
و (كان -أحيانًا- يؤمهم فيها بـ الصافات (٧٧: ١٢٨). (أحمد وأبو يعلى).
و (كان يصليها يوم الجمعة بـ ألم تنزيل السجدة (٣٢: ٣٠) [في الركعة الأولى، وفي الثانية] بـ هل أتى على الإنسان (٧٦: ٣١). (البخاري ومسلم).
و (كان يطول في الركعة الأولى ويقصر في الثانية). (البخاري ومسلم).
القراءة في سنة الفجر
وأما قراءته في ركعتي سنة الفجر فكانت خفيفة جدًا. (أحمد بسند صحيح).
حتى إن عائشة ﵁ كانت تقول: (هل قرأ فيها بأم الكتاب؟). (البخاري ومسلم).
و (كان -أحيانًا- يقرأ بعد الفاتحة في الأولى منهما آية (٢: ١٣٦): قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا إلى آخر الآية وفي الأخرى (٣: ٦٤): قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلى آخرها). (مسلم وابن خزيمة والحاكم).
و (ربما قرأ بدلها (٢٣: ٥٢): فلما أحس عيسى منهم الكفر إلى آخر الآية). (مسلم وأبو داود).
(وأحيانًا يقرأ: قل يا أيها الكافرون (١٠٩: ٦) في الأولى وقل هو الله أحد (١١٢: ٤) في الأخرى. (مسلم وأبو داود).
وكان يقول: (نعم السورتان هما). (ابن ماجه وابن خزيمة).
و (سمع رجلًا يقرأ السورة الأولى في الركعة الأولى فقال: [(هذا عبد آمن بربه) ثم قرأ السورة الثانية الأخرى فقال: (هذا عبد عرف ربه)]). (ابن حبان في صحيحه).
٢ - صلاة الظهر:
و (كان ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين بـ فاتحة الكتاب وسورتين، ويطول في الأولى ما لا يطول في الثانية). (البخاري ومسلم).
وكان أحيانًا يطيلها حتى أنه (كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضى حاجته، [ثم يأتي منزله]، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها). (مسلم، والبخاري في جزء القراءة).
و (كانوا يظنون أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى). (أبو داود بسند صحيح).
و (كان يقرأ في كل من الركعتين قدر ثلاثين آية؛ قدر قراءة ألم تنزيل السجدة (٢٢: ٣٠) وفيها الفاتحة. (أحمد ومسلم).
وأحيانًا (كان يقرأ بـ السماء والطارق، والسماء ذات البروج، والليل إذا يغشى، ونحوها من السور). (أبو داود والترمذي وصححه).
стр. 166
وربما (قرأ: إذا السماء انشقت ونحوها). (ابن خزيمة في صحيحه).
و (كانوا يعرفون قراءته في الظهر والعصر باضطراب لحيته). (البخاري وأبو داود).
قراءته ﷺ آيات بعدَ الفاتحة في الأخيرتين
و (كان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدر النصف؛ قدر خمس عشرة آية). (أحمد ومسلم).
(وربما اقتصر فيها على الفاتحة). (البخاري ومسلم).
وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة
وقد أمر (المسيء صلاته) بقراءة الفاتحة في كل ركعة (أبو داود وأحمد بسند قوي) حيث قال له بعد أن أمره بقراءتها في الركعة الأولى: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). (البخاري ومسلم).
(وفي رواية: (في كل ركعة). (أحمد بسند جيد).
و (كان يسمعهم الآية أحيانًا). (البخاري ومسلم).
و (كانوا يسمعون منه النغمة بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية (٢٦: ٨٨). (ابن خزيمة في صحيحه).
و (كان أحيانًا يقرأ بـ (والسماء ذات البروج) (٨٥: ٢٢) وبـ والسماء والطارق (٨٦: ١٧) ونحوهما من السور). (البخاري والترمذي وصححه).
و (أحيانًا يقرأ بـ والليل إذا يغشى (٩٢: ٢١) ونحوها). (مسلم والطيالسي).
٣ - صلاة العصر:
و (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الأوليين بـ فاتحة الكتاب وسورتين، ويطول في الأولى ما لا يطول في الثانية). (البخاري ومسلم).
و (كانوا يظنون أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة). (أبو داود بسند صحيح).
و (كان يقرأ في كل منهما قدر خمس عشرة آية؛ قدر نصف ما يقرأ في كل من الركعتين الأوليين في الظهر).
و (كان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين؛ قدر نصفهما). (أحمد ومسلم).
و (كان يقرأ فيهما بـ فاتحة الكتاب). (البخاري ومسلم).
و (كان يسمعهم الآية أحيانًا). (البخاري ومسلم).
ويقرأ بالسور التي ذكرناها في (صلاة الظهر).
٤ - صلاة المغرب:
و (كان ﷺ يقرأ فيها -أحيانًا- بقصار المفصل). (البخاري ومسلم).
حتى إنهم (كانوا إذا صلوا معه، وسلم بهم؛ انصرف أحدهم وإنه ليبصر مواقع نبله). (النسائي وأحمد بسند صحيح).
و (قرأ في سفر بـ والتين والزيتون (٩٥: ٨) في الركعة الثانية). (الطيالسي وأحمد بسند
стр. 167
صحيح).
وكان أحيانًا يقرأ بطوال المفصل وأوساطه فـ (كان تارة يقرأ بـ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله (٤٧: ٣٨). (صحيح).
وتارة بـ والطور (٥٢: ٤٩). (البخاري ومسلم).
وتارة بـ والمرسلات (٧٧: ٥٠) قرأ بها في آخر صلاة صلاها ﷺ . (البخاري ومسلم).
و (كان أحيانًا يقرأ بطولى الطوليين: [الأعراف (٧: ٢٠٦)] [في الركعتين]). (البخاري).
القراءة في سنة المغرب
وأما سنة المغرب البعدية فـ (كان يقرأ فيها: قل يا أيها الكافرون (٦: ١٠٩) وقل هو الله أحد (١١٢: ٤). (أحمد والنسائي والمقدسي).
٥ - صلاة العشاء:
(كان ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من وسط المفصل). (صحيح)
فـ (كان تارة يقرأ بـ والشمس وضحاها (٩١: ١٥) وأشباهها من السور). (أحمد والترمذي وحسنه).
و (تارة بـ إذا السماء انشقت (٨٤: ٢٥) وكان يسجد بها). (البخاري ومسلم).
و (قرأ -مرة- في سفر بـ التين والزيتون (٩٥: ٨) [في الركعة الأولى]). (البخاري ومسلم).
ونهى عن إطالة القراءة فيها، وذلك حين (صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء فطول عليهم، فانصرف رجل من الأنصار فصلى، فأخبر معاذ عنه فقال: إنه منافق. ولما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله ﷺ فأخبره ما قال معاذ، فقال له النبي ﷺ : (أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ؟ إذا أممت الناس؛ فأقرأ بـ والشمس وضحاها (٩١: ١٥) وسبح اسم ربك الأعلى (٧٧: ١٩) واقرأ باسم ربك (٩٦: ١٩) ووالليل إذا يغشى (٩٢: ٢١) [فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة]). (البخاري ومسلم والنسائي).
٦ - صلاة الليل:
(وكان ﷺ ربما جهر بالقراءة فيها، وربما أسر؛ يقصر القراءة فيها تارة, ويطيلها أحيانًا, ويبالغ في إطالتها أحيانًا أخرى (صحيح)، حتى قال عبد الله بن مسعود ﵁:
(صليت مع النبي ﷺ ليلة؛ فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء ,قيل: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي ﷺ . (مسلم والنسائي).
وقال حذيفة بن اليمان: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في [ركعتين] فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع ... ) الحديث. (البخاري ومسلم).
و (قرأ ليلة وهو وجع السبع الطوال). (صححه الحاكم ووافقه الذهبي).
و (كان -أحيانًا- يقرأ في كل ركعة بسورة منها). (صحيح).
و (ما علم أنه قرأ القرآن كله في ليلة [قط]) (مسلم وأبو داود)، بل إنه لم يرض ذلك لعبد الله بن عمرو ﵁ حين قال له: (اقرأ القرآن في كل شهر)، قال: قلت: إني أجد قوة. قال: (فاقرأه في عشرين ليلة)، قال: قلت: إني أجد قوة. قال: (فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك). (البخاري ومسلم).
стр. 168
ثم (رخص له أن يقرأه في خمس). (النسائي الترمذي وصححه).
ثم (رخص له أن يقرأه في ثلاث). (البخاري وأحمد).
ونهاه أن يقرأه في أقل من ذلك، وعلل ذلك في قوله له: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه). (أحمد بسند صحيح).
وفي لفظ: (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) (الدارمي والترمذي).
ثم في قوله له: (فإن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة، فإما إلى سنة؛ وإما إلى بدعة، فمن كانت إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك). (أحمد وابن حبان في صحيحه).
ولذلك (كان ﷺ لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث). (ابن سعد وأبو الشيخ في أخلاق النبي).
وكان يقول: (من صلى في ليلة بمائتي آية؛ فإنه يكتب من القانتين المخلصين). (الدارمي والحاكم وصححه).
و (كان يقرأ في كل ليلة بـ ـ بني إسرائيل (١٧: ١١١) والزمر (٣٩: ٧٥). (أحمد وأبو داود بسند صحيح).
وكان يقول: (من صلى في ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين). (الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
و (كان -أحيانًا- يقرأ في كل ركعة قدر خمسين آية أو أكثر). (البخاري وأبو داود).
وتارة (يقرأ قدر يا أيها المزمل (٧٣: ٢٠). (أحمد وأبو داود بسند صحيح).
و (ما كان ﷺ يصلي الليل كله). إلا نادرًا. (مسلم وأبو داود).
فقد (راقب عبد الله ابن خباب بن الأرت -وكان قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ ، رسول الله ﵌ الليلة كلها (وفي لفظ: في ليلة صلاها كلها) حتى كان مع الفجر، فلما سلم من صلاته قال له خباب: يا رسول الله بأبي أنت وأمي؛ لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها؟ فقال:
(أجل؛ إنها صلاة رغب ورهب، [وإني] سألت ربي ثلاث خصال؛ فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا (وفي لفظ: أن لا يهلك أمتي بسنة)؛ فأعطانيها وسألت ربي أن لا يظهر علينا عدوًا من غيرنا؛ فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يُلبسنا شيعًا؛ فمنعنيها). (النسائي وأحمد وصححه الترمذي).
و (قام ليلة بآية يرددها حتى أصبح وهي: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (٥: ١١٨) [بها يركع، وبها يسجد، وبها يدعو] [فلما أصبح قال له أبو ذر ﵁: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها، وتسجد بها]، [وتدعو بها]، [وقد علمك الله القرآن كله]، [لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه؟] [قال: (إني سألت ربي الشفاعة لأمتي؛ فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا)]. (النسائي وابن خزيمة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
و (قال له رجل: يا رسول الله إن لي جارًا يقوم الليل ولا يقرأ إلا قل هو الله أحد (١١٢: ٤) [يرددها] [لا يزيد عليها]-كأنه يقللها- فقال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده؛ إنها لتعدل ثلث القرآن). (أحمد والبخاري).
стр. 169
٧ - صلاة الوتر:
(كان ﷺ يقرأ في الركعة الأولى سبح اسم ربك الأعلى (٨٧: ١٩)، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون (١٠٩: ٦)، وفي الثالثة قل هو الله أحد (١١٢: ٤). (النسائي والحاكم وصححه).
وكان يضيف إليها أحيانًا: قل أعوذ برب الفلق (١١٣: ٥) وقل أعوذ برب الناس (١١٤: ٦). (الترمذي وأبو العباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
ومرة: (قرأ في ركعة الوتر بمائة آية من النساء (٤: ١٧٦). (النسائي وأحمد بسند صحيح).
وأما الركعتان بعد الوتر فكان يقرأ فيهما إذا زلزلت الأرض (٩٩: ٨) وقل يا أيها الكافرون. (أحمد وابن نصر وابن حبان بسند حسن صحيح).
٨ - صلاة الجمعة:
(كان ﷺ يقرأ -أحيانًا- في الركعة الأولى بسورة الجمعة (٦٢: ١١) وفي الأخرى: إذا جاءك المنافقون (٦٣: ١١) وتارة يقرأ -بدلها-: هل أتاك حديث الغاشية (٨٨: ٢٦). (مسلم وأبو داود).
وأحيانًا (يقرأ في الأولى: سبح اسم ربك الأعلى (٨٧: ١٩) وفي الثانية: هل أتاك). (مسلم وأبو داود).
٩ - صلاة العيدين:
(كان ﷺ يقرأ -أحيانًا- في الأولى سبح اسم ربك الأعلى، وفي الأخرى: هل أتاك). (مسلم وأبو داود).
وأحيانًا- (يقرأ فيهما بـ ق والقرآن المجيد (٥٠: ٤٥) واقتربت الساعة (٥٤: ٥٥). (مسلم وأبو داود).
١٠ - صلاة الجنازة:
(السنة أن يقرأ فيها بـ فاتحة الكتاب [وسورة]) (البخاري وأبو داود والنسائي).
و (يخافت فيها مخافتة بعد التكبيرة الأولى). (النسائي والطحاوي بسند صحيح).
ترتيل القرآءة وتحسين الصوت بها
وكان ﷺ -كما أمره الله تعالى- يرتل القرآن ترتيلًا، لا هذا ولا عجلة، بل قراءة (مفسرة حرفًا حرفًا). (أبو داود وأحمد بسند صحيح).
حتى (كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها). (مسلم ومالك).
وكان يقول: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها). (أبو داود والترمذي وصححه).
و (كان يمد قراءته (عند حروف المد) فيمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم)، ونضيد (البخاري) وأمثالها.
وكان يقف على رؤوس الآي كما سبق بيانه. (البخاري).
وكان -أحيانًا- يرجع صوته كما فعل يوم فتح مكة وهو على ناقته يقرأ سورة الفتح
стр. 170
(٤٨: ٢٩) [قراءة لينة]، وقد حكى عبد الله ابن مغفل ترجيعه هكذا (آآ آ). (البخاري ومسلم).
وكان يأمر بتحسين الصوت بالقرآن فيقول:
(زينوا القرآن بأصواتكم؛ [فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا]). (البخاري تعليقًا).
ويقول: (إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن؛ الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله). (صحيح).
وكان يأمر بالتغني بالقرآن فيقول:
(تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه، واقتنوه، وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده؛ لهو أشد من المخاض في العقل). (الدارمي وأحمد بسند صحيح).
ويقول: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن). (أبو داود وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
ويقول: (ما أذن الله لشيء ما أذن (وفي لفظ: كأذنه) لنبي [حسن الصوت (وفي لفظ: حسن الترنم)] يتغنى بالقرآن [يجهر به]). (البخاري ومسلم).
وقال لأبي موسى الأشعري ﵁: (لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود) [فقال أبو موسى: لو علمت مكانك؛ لحبرت لك -يريد تحسين الصوت- تحبيرًا]. (البخاري ومسلم).
الفتح على الإمام
وسن ﷺ الفتح على الإمام إذا لُبست عليه القراءة؛ فقد (صلى صلاة، فقرأ فيها، فلُبس عليه فلما انصرف قال لأبي: (أصليت معنا؟) قال: نعم، قال: (فما منعك [أن تفتح عليّ]؟). (أبو داود وابن حبان والطبراني).
الاستعاذة والتفلُ في الصلاة لدفع الوسوسة
وقال له عثمان بن أبي العاص ﵁: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي؛ يلبسها عليَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : (ذاك شيطان يقال له: خنزب؛ فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا) قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. (مسلم وأحمد).
الركوع
ثم كان ﷺ إذا فرغ من القراءة سكت سكتة، ثم رفع يديه على الوجوه المتقدمة في (تكبيرة الافتتاح) وكبر وركع. (صحيح).
وأمر بهما (المسيء صلاته) فقال له: (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ... ثم يكبر الله ويحمده ويمجده، ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له فيه، ثم يكبر ويركع، [ويضع يديه على ركبتيه] حتى تطمئن مفاصله وتسترخي .. ). الحديث. (أبو داود والنسائي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
صفة الركوع
و (كان ﷺ يضع كفيه على ركبتيه) البخاري وأبو داود و (كان يأمرهم بذلك). وأمر به أيضًا (المسيء صلاته) كما مر آنفًا. (صحيح).
و (كان يمكن يديه من ركبتيه [كأنه قابض عليهما]). (البخاري وأبو داود).
стр. 171
و (كان يُفرج بين أصابعه)، وأمر به (المسيء صلاته) فقال: (إذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، ثم فرج بين أصابعك، ثم امكث حتى يأخذ كل عضو مأخذه). (ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما).
و (كان يجافي وينجي مرفقيه عن جنبيه). (الترمذي وصححه ابن خزيمة).
و (كان إذا ركع بسط ظهره وسواه) (البيهقي بسند صحيح والبخاري)؛ حتى لو صب عليه الماء لاستقر) (الطبراني، وعبد بن أحمد في زوائد المسند وابن ماجة).
وقال لـ (المسيء صلاته): (فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك، ومكن لركوعك). (أحمد وأبو داود بسند صحيح).
و (كان لا يصب رأسه، ولا يقنع) ولكن بين ذلك. (صحيح).
وجوب الطمأنينة في الركوع
و (كان يطمئن في ركوعه)، وأمر به (المسيء صلاته) كما سلف أول الفصل السابق.
وكان يقول: (أتموا الركوع والسجود؛ فوالذي نفسي بيده؛ إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم، وما سجدتم).
و (رأى رجلًا لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي، فقال: (لو مات هذا على حاله هذه، مات على غير ملة محمد؛ [ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم]، مثل الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده؛ مثل الجائع الذي يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئًا). (أبو يعلى في مسنده والبيهقي والطبراني وصححه ابن خزيمة).
وقال أبو هريرة ﵁: (نهاني خليلي ﷺ أن أنقر في صلاتي نقر الديك، وأن ألتفت التفات الثعلب، وأن أقعي كإقعاء القرود). (حديث حسن).
وكان يقول: (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته). قالوا: يا رسول الله وكيف يسرق من صلاته؟ قال: (لا يتم ركوعها وسجودها). (ابن أبي شيبة والطبراني وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
و (كان يصلي؛ فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال:
(يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود). (ابن أبي شيبة وابن ماجة وأحمد بسند صحيح).
أذكار الركوع
وكان يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية تارة بهذا وتارة بهذا:
١ - (سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات). (أحمد وأبو داود وابن ماجة والدارقطني).
وكان -أحيانًا- يكررها أكثر من ذلك.
وبالغ مرة في تكرارها في صلاة الليل؛ حتى كان ركوعة قريبًا من قيامه وكان يقرأ فيه ثلاث سورة من الطوال: البقرة والنساء وآل عمران يتخللها دعاء واستغفار؛ كما سبق في (صلاة الليل).
٢ - (سبحان ربي العظيم وبحمده (ثلاثًا). (صحيح).
٣ - (سبوح قدوح رب الملائكة والروح). (مسلم وأبو عوانة).
٤ - (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي. وكان يكثر -منه- في ركوعه وسجوده؛ يتأول
стр. 172
القرآن). (البخاري ومسلم).
٥ - اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، [أنت ربي]، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي (وفي رواية وعظامي) وعصبي، [وما استقلت به قدمي لله رب العالمين]). (النسائي بسند صحيح).
٦ - (اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت أنت ربي خشع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين). (مسلم وأبو عوانة والطحاوي والدارقطني).
٧ - (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة) وهذا قاله في صلاة الليل. (أبو داود والنسائي بسند صحيح).
إطالة الركوع
و (كان ﷺ يجعل ركوعه، وقيامه بعد الركوع، وسجوده، وجلسته بين السجدتين قريبًا من السواء). (البخاري ومسلم).
النهي عن قراءة القرآن في الركوع
و (كان ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود). (مسلم وأبو عوانة).
وكان يقول: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم). (مسلم وأبو عوانة).
الاعتدال من الركوع وما يقول فيه
ثم (كان ﷺ يرفع صلبه من الركوع قائلًا: (سمع الله لمن حمده). (البخاري ومسلم).
وأمر بذلك (المسيء صلاته)، فقال له: (لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى ... يكبر ... ثم يركع ... ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا). (أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وكان إذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه. (البخاري وأبو داود).
ثم (كان يقول وهو قائم: (ربنا [و] لك الحمد). (البخاري وأبو داود).
وأمر بذلك كل مصل مؤتمًا أو غيره فقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وكان يقول: (إنما جعل الإمام ليؤتم به .. وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ([اللهم] ربنا ولك الحمد)؛ يسمع الله لكم فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه ﷺ : سمع الله لمن حمده). (مسلم وأبو عوانة وأحمد وأبو داود).
وعلل الأمر بذلك في حديث آخر بقوله: (فإنه من وافق قوله قول الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه). (البخاري ومسلم وصححه الترمذي).
وكان يرفع يديه عند هذا الاعتدال على الوجوه المتقدمة في تكبيرة الإحرام، ويقول -وهو قائم- كما مر آنفًا:
١ - (ربنا ولك الحمد). (البخاري ومسلم).
وتارة يقول:
٢ - (ربنا لك الحمد). (البخاري ومسلم).
وتارة يضيف إلى هذين اللفظين قوله:
٣ - و٤ - (اللهم). (البخاري وأحمد).
وكان يأمر بذلك فيقول: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه). (البخاري ومسلم).
وكان تارة يزيد على ذلك إما:
стр. 173
٥ - (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد). (مسلم وأبو عوانة).
وإما:
٦ - (ملء السماوات و [ملء] الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد). (مسلم وأبو عوانة).
وتارة يضيف إلى ذلك قوله:
٧ - (أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد). (مسلم وأبو عوانة).
وتارة تكون الإضافة:
٨ - (ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، [اللهم] لا مانع لما أعطيت، [ولا معطي لما منعت]، ولا ينفع ذا الجد منك الجد). (مسلم وأبو عوانة).
وتارة يقول في صلاة الليل:
٩ - (لربي الحمد، لربي الحمد) يكرر ذلك؛ حتى كان قيامه نحوًا من ركوعه الذي كان قريبًا من قيامه الأول وكان قرأ فيه سورة البقرة). (أبو داود والنسائي بسند صحيح).
١٠ - (ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، [مباركًا عليه؛ كما يحب ربنا ويرضى]).
قاله رجل كان يصلي وراءه ﷺ بعد ما رفع ﷺ رأسه من الركعة وقال: (سمع الله لمن حمده) فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: (من المتكلم آنفًا؟) فقال الرجل: أنا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : (لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولًا). (مالك والبخاري وأبو داود).
إطالة هذا القيام، ووجوب الاطمئنان فيه
وكان ﷺ يجعل قيامه هذا قريبًا من ركوعه كما تقدم، بل (كان يقوم أحيانًا حتى يقول القائل: (قد نسي [من طول ما يقوم]). (البخاري ومسلم).
وكان يأمر بالاطمئنان فيه فقال لـ (المسيء صلاته):
(ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا؛ [فيأخذ كل عظم مأخذه] (وفي رواية: (وإذا رفعت فأقم صلبك، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها). وذكر له: (أنه لا تتم صلاة لأحد من الناس إذا لم يفعل ذلك). (البخاري ومسلم).
وكان يقول: (لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعها وسجودها). (أحمد والطبراني في (الكبير) بسند صحيح).
السجود
ثم (كان ﷺ يكبر ويهوي ساجدًا) (صحيح).
وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال له: (لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى ... يقول: سمع الله لمن حمده؛ حتى يستوي قائمًا ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله). (أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
و (كان إذا أراد أن يسجد كبر، [ويجافي يديه عن جنبيه]، ثم يسجد). (رواه أبو يعلى بسند جيد وابن خزيمة بسند آخر صحيح).
стр. 174
الخرور إلى السجود على اليدين
و (كان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه). (ابن خزيمة والدارقطني).
وكان يأمر بذلك فيقول: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه). (أبو داود).
وكان يقول: (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه؛ فليضع يديه، وإذا رفع؛ فليرفعهما). (ابن خزيمة وأحمد والسراج وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
و (كان يعتمد على كفيه [ويبسطهما]). ويضم أصابعهما. ويوجهها قبل القبلة. (البيهقي بسند صحيح).
و (كان يجعلهما حذو منكبيه) أبو داود والترمذي. وأحيانًا (حذو أذنيه). (أبو داود والنسائي بسند صحيح).
و (كان يمكن أنفه وجبهته من الأرض). (أبو داود والترمذي، وصححه هو وابن الملقن).
وقال لـ (المسيء صلاته): (إذا سجدت فمكن لسجودك). (أبو داود وأحمد بسند صحيح).
وفي رواية (إذا أنت سجدت؛ فأمكنت وجهك ويديك؛ حتى يطمئن كل عظم منك إلى موضعه). (ابن خزيمة بسند حسن).
وكان يقول: (لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين). (الدارقطني والطبراني).
و (كان يمكن أيضًا ركبتيه وأطراف قدميه). و (يستقبل [بصدور قدميه و] بأطراف أصابعهما القبلة)، و (يرص عقبيه). و (ينصب رجليه)، و (أمر به)، وكان يفتح أصابعهما. (صحيح).
فهذه سبعة أعضاء كان ﷺ يسجد عليها: الكفان والركبتان والقدمان والجبهة والأنف.
وقد جعل ﷺ العضوين الأخيرين كعضو واحد في السجود حيث قال: (أمرت أن أسجد (وفي رواية: أمرنا أن نسجد) على سبع أعظم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين (وفي لفظ: الكفين) والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر). (البخاري ومسلم).
وكان يقول: (إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه وقدماه). (مسلم وأبو عوانة وابن حبان).
وقال في رجل صلى ورأسه معقوص من ورائه: (إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف). (مسلم وأبو عوانة)
وقال أيضًا: (ذلك كفل الشيطان). يعني: مقعد الشيطان. يعني مغرز ضفره. (أبو داود والترمذي وحسنه).
و (كان لا يفترش ذراعيه)؛ بل (كان يرفعهما عن الأرض ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطيه من ورائه)، و (حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر تحت يديه؛ مرت). (صحيح).
وكان يبالغ في ذلك حتى قال بعض أصحابه: (إنا كنا لنأوي "نرق" لرسول الله ﷺ ؛ مما يجافي بيديه عن جنبيه إذا سجد). (أبو داود وابن ماجه بسند حسن).
وكان يأمر بذلك فيقول: (إذا سجدت؛ فضع كفيك وارفع مرفقيك). (مسلم وأبو عوانة).
ويقول: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط (وفي لفظ: كما يبسط) الكلب).
стр. 175
(البخاري ومسلم).
وفي لفظ آخر وحديث آخر: (ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب). (أحمد والترمذي وصححه).
وكان يقول: (لا تبسط ذراعيك [بسط السبع] وادعم على راحتيك وتجاف عن ضبعيك؛ فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك معك). (ابن خزيمة والمقدسي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وجوب الطمأنينة في السجود
وكان ﷺ يأمر بإتمام الركوع والسجود، ويضرب لمن لا يفعل ذلك مثل الجائع؛ يأكل التمرة والتمرتين لا تغنيان عنه شيئًا وكان يقول فيه: (إنه من أسوء الناس سرقة).
وكان يحكم ببطلان صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود؛ كما سبق تفصيله في (الركوع) وأمر (المسيء صلاته) بالاطمئنان في السجود، كما تقدم في أول الباب.
أذكار السجود
وكان ﷺ يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية تارة هذا وتارة هذا:
١ - (سبحان ربي الأعلى (ثلاث مرات). (أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني).
و (كان -أحيانًا- يكررها أكثر من ذلك).
وبالغ في تكرارها مرة في صلاة الليل حتى كان سجوده قريبًا من قيامه، وكان قرأ فيه ثلاثة سور من الطوال: البقرة والنساء وآل عمران، يتخللها دعاء واستغفار كما سبق في (صلاة الليل).
٢ - (سبحان ربي الأعلى وبحمده (ثلاثًا). (صحيح).
٣ - (سبوح قدوس رب الملائكة والروح). (مسلم وأبو عوانة).
٤ - (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) وكان - يكثر منه في ركوعه وسجوده، يتأول القرآن
. (البخاري ومسلم).
٥ - (اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت [وأنت ربي] سجد وجهي للذي خلقه وصوره [فأحسن صوره] وشق سمعه وبصره [ف] تبارك الله أحسن الخالقين). (مسلم وأبو عوانة).
٦ - (اللهم اغفر لي ذنبي كله، ودقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره). (مسلم وأبو عوانة).
٧ - (سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك عليّ، هذي يدي وما جنيتُ على نفسي). (ابن نصر والبزار والحاكم وصححه ورده الذهبي، لكن له شواهد مذكورة في الأصل).
٨ - (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة). وهذا وما بعده كان يقوله في صلاة الليل.
(أبو داود والنسائي بسند صحيح).
٩ - (سبحانك [اللهم] وبحمدك، لا إله إلا أنت). (مسلم وأبو عوانة).
١٠ - (اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت). (ابن شيبة والنسائي، وصححه الحاكم).
١١ - (اللهم اجعل في قلبي نورًا [وفي لساني نورًا] واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من تحتي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، واجعل أمامي نورًا، واجعل خلفي نورًا [واجعل في نفسي نورًا]، وأعظم لي نورًا). (مسلم وأبو عوانة).
стр. 176
١٢ - ([اللهم] [إني] أعوذ برضاك من سخطك، و [أعوذ] بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). (مسلم وأبو عوانة).
النهي عن قراءة القرآن في السجود
وكان ﷺ ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، ويأمر بالاجتهاد والإكثار من الدعاء في هذا الركن؛ كما مضى في (الركوع).
وكان يقول: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء [فيه]). (مسلم وأبو عوانة والبيهقي).
إطالة السجود
وكان ﷺ يجعل سجوده قريبًا من الركوع في الطول، وربما بالغ في الإطالة لأمر عارض؛ كما قال بعض الصحابة:
(خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي -[الظهر أو العصر]- وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم النبي ﷺ فوضعه [عند قدمه اليمنى]، ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال: فرفعت رأسي [من بين الناس]؛ فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك [هذه] سجدة أطلتها؛ حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك قال: (كل ذلك لم يكن؛ ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته). (النسائي وابن عساكر والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وفي حديث آخر: (كان ﷺ يصلي؛ فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا منعوهما؛ أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره وقال: (من أحبني فليحب هذين). (ابن خزيمة في صحيحه).
فضل السجود
وكان ﷺ يقول: (ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة)، قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؟ قال: (أرأيت لو دخلت صبرة فيها خيل دهم بهم، وفيها فرسٌ أغر محجل؛ أما كنت تعرفه منها؟) قال: بلى. قال: (فإن أمتي يومئذٍ غر من السجود محجلون من الوضوء). (أحمد بسند صحيح).
ويقول: (إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار؛ أمر الله الملائكة أن يخرجوا من يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود). (البخاري ومسلم).
السجود على الأرض والحصير
وكان يسجد على الأرض كثيرًا.
و (كان أصحابه يصلون معه في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته من الأرض؛ بسط ثوبه فسجد عليه). (مسلم وأبو عوانة).
وكان يقول: ( ... وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا فأينما أدركت رجلًا من أمتي
стр. 177
الصلاة؛ فعنده مسجده وعنده طهوره [وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم]). (أحمد والسراج والبيهقي بسند صحيح).
وكان ربما سجد في طين وماء وقد وقع له ذلك في صبح ليلة إحدى وعشرين من رمضان؛ حين أمطرت السماء، وسال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، فسجد ﷺ في الماء والطين، قال أبو سعيد الخدري: (فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء الطين). (البخاري ومسلم).
و (كان يصلي على الخمرة) أحيانًا و (على الحصير) أحيانًا، و (صلى عليه -مرة- وقد سود من طول ما لبس). (البخاري ومسلم).
الرفع من السجود
ثم (كان ﷺ يرفع رأسه من السجود مكبرًا) وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال: (لا يتم صلاة لأحد من الناس حتى ... يسجد، حتى تطمئن مفاصله ثم يقول: (الله أكبر) ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا) و (كان يرفع يديه مع هذا التكبير) أحيانًا. (أحمد وأبو داود بسند صحيح).
ثم (يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها [مطمئنًا]). (البخاري).
وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال له: (إذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى). (أحمد وأبو داود بسند جيد).
و (كان ينصب رجله اليمنى). (البخاري والبيهقي).
و (يستقبل بأصابعها القبلة). (النسائي بسند صحيح).
الإقعاء بين السجدتين
و (كان -أحيانًا- يقعي [ينتصب على عقبيه وصدور قدميه]). (مسلم وأبو عوانة).
وجوب الاطمئنان بين السجدتين
و (كان ﷺ يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه). (أبو داود والبيهقي بسند صحيح).
أمر بذلك (المسيء صلاته)، وقال له: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك). (أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
و (كان يطيلها حتى تكون قريبًا من سجدته)، وأحيانًا (يمكث حتى يقول القائل: قد نسي). (البخاري ومسلم).
الأذكار بين السجدتين
وكان ﷺ يقول في هذه الجلسة:
١ - (اللهم (وفي لفظ: رب) اغفر لي، وارحمني، [واجبرني]، [وارفعني]، واهدني، [وعافني]، وارزقني). (أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
وتارة يقول:
٢ - (رب اغفر لي اغفر لي).
وكان يقولهما في (صلاة الليل). (ابن ماجه بسند جيد).
ثم (كان يكبر ويسجد السجدة الثانية) (البخاري ومسلم)، وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال له بعد أن أمره بالاطمئنان بين السجدتين كما سبق:
стр. 178
(ثم تقول: (الله أكبر، ثم تسجد حتى تطمئن مفاصلك، [ثم افعل ذلك في صلاتك كلها]). (أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. والزيادة للبخاري ومسلم).
و (كان ﷺ يرفع يديه مع هذا التكبير) أحيانًا. (أبو عوانة وأبو داود بسندين صحيحين).
وكان يصنع في هذه السجدة مثل ما صنع في الأولى، ثم (يرفع رأسه مكبرًا). (البخاري ومسلم).
وأمر بذلك (المسيء صلاته)، فقال له بعد أن أمره بالسجدة الثانية كما مر: (ثم يرفع رأسه فيكبر). (أبو داود وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي)، وقال له:
([ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة]، فإذا فعلت ذلك؛ فقد تمت صلاتك، وإن أنقصت منه شيئًا؛ أنقصت من صلاتك). (أحمد والترمذي وصححه).
و (كان يرفع يديه) أحيانًا. (أبو عوانة وأبو داود بسندين صحيحين).
جلسة الاستراحة
ثم (يستوي قاعدًا [على رجله اليسرى معتدلًا؛ حتى يرجع كل عظم إلى موضعه]). (البخاري وأبو داود).
الاعتماد على اليدين في النهوض إلى الركعة
ثم (كان ﷺ ينهض معتمدًا على الأرض إلى الركعة الثانية). (الشافعي والبخاري).
و (كان يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إذا قام). (أبو إسحاق).
و (كان ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية استفتح بـ الحمد لله ولم يسكت). (مسلم وأبو عوانة).
وكان يصنع في هذه الركعة مثل ما يصنع في الأولى؛ إلا أنه كان يجعلها أقصر من الأولى كما سبق.
وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة
وقد أمر (المسيء صلاته) بقراءة الفاتحة في كل ركعة؛ حيث قال له بعد أن أمره بقراءتها في الركعة الأولى:
(ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (أبو داود وأحمد بسند قوي) (وفي رواية: (في كل ركعة)
وقال: (في كل ركعة قراءة). (ابن ماجة وابن حبان في صحيحه).
التشهد الأول
جلسة التشهد
ثم كان ﷺ يجلس للتشهد بعد الفراغ من الركعة الثانية، فإذا كانت الصلاة ركعتين كالصبح؛ (جلس مفترشًا). (النسائي بسند صحيح).
(كما كان يجلس بين السجدتين وكذلك (يجلس في التشهد الأول) من الثلاثية أو الرباعية. (البخاري وأبو داود).
وأمر بذلك (المسيء صلاته) فقال له: (فإذا جلست في وسط الصلاة؛ فاطمئن وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد). (أبو داود والبيهقي بسند جيد).
وقال أبو هريرة ﵁: (ونهاني خليلي ﷺ عن إقعاء كإقعاء الكلب). (الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة).
стр. 179
وفي حديث آخر: (كان ينهى عن عقبة الشيطان). (مسلم وأبو عوانة).
و (كان إذا قعد في التشهد؛ وضع كفه اليمنى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليمنى، ووضع كفه اليسرى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليسرى؛ [باسطها عليها]). (مسلم وأبو عوانة).
و (كان ﷺ يضع حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى). (أبو داود والنسائي بسند صحيح).
و (نهى رجلًا وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة فقال: (إنها صلاة اليهود). (البيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وفي لفظ: (لا تجلس هكذا؛ إنما هذه جلسة الذين يعذبون). (أحمد وأبو داود بسند جيد).
وفي حديث آخر: (هي قعدة المغضوب عليهم). (عبد الرزاق، وصححه عبد الحق في أحكامه).
تحريك الإصبع في التشهد
و (كان ﷺ يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى ويقبض أصابع كفه اليمنى كلها ويشير بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة ويرمي ببصره إليها). (مسلم وأبو عوانة).
و (كان إذا أشار بإصبعه وضع إبهامه على إصبعه الوسطى). (مسلم وأبو عوانة).
وتارة (كان يحلق بهما حلقة). (أبو داود والنسائي وابن الجارود وابن حبان في صحيحه).
و (كان رفع إصبعه يحركها يدعو بها) (أبو داود وابن حبان في صحيحه). ويقول: (لهي أشد على الشيطان من الحديد. يعني: السبابة). (أحمد والبزار وأبو جعفر).
و (كان أصحاب النبي ﷺ يأخذ بعضهم على بعض. يعني: الإشارة بالإصبع في الدعاء). (ابن أبي شيبة بسند حسن).
و (كان ﷺ يفعل ذلك في التشهدين جميعًا). (النسائي والبيهقي بسند صحيح).
و (رأى رجلًا يدعو بإصبعيه فقال: (أحد [أحد]) [وأشار بالسبابة]). (ابن أبي شيبة والنسائي وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي).
وجوب التشهد الأول ومشروعية الدعاء فيه
ثم (كان ﷺ يقرأ في كل ركعتين (التحية). (مسلم وأبو عوانة).
و (كان أول ما يتكلم به عند القعدة: (التحيات لله). (البيهقي بإسناد جيد).
و (كان إذا نسيها في الركعتين؛ الأوليين يسجد للسهو). (البخاري ومسلم).
وكان يأمر بها فيقول: (إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات إلخ ... وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه، إليه فليدع الله [به]) (النسائي وأحمد والطبراني بسند صحيح)، وفي لفظ: (قولوا في كل جلسة: التحيات). وأمر به (المسيء صلاته) أيضًا؛ كما تقدم آنفًا.
و (كان ﷺ يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن). (البخاري ومسلم)، و (السنة إخفاؤه). (أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
صيغ التشهد
وعلمهم ﷺ أنواعًا من صيغ التشهد:
١ - (تشهد ابن مسعود: قال: (علمني رسول الله ﷺ التشهد -[و] كفي بين كفيه - كما يعلمني السورة من القرآن:
стр. 180
(التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، [فإنه إذا قال ذلك؛ أصاب كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض]، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) [وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام على النبي]. (البخاري ومسلم).
٢ - تشهد ابن عباس: قال:
كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا [السورة من] القرآن فكان يقول:
(التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، [ال] سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، [ال] سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله و [أشهد] أن محمدًا رسول الله. وفي رواية: عبده ورسوله). (مسلم وأبو عوانة والشافعي).
٣ - تشهد ابن عمر: عن رسول الله ﷺ أنه قال في التشهد: (التحيات لله، [و] الصلوات [و] الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله -قال ابن عمر: زدت فيها: وبركاته- السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله -قال ابن عمر: وزدت فيها: وحده لا شريك له- وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله). (أبو داود والدارقطني وصححه).
٤ - تشهد أبي موسى الأشعري: قال: قال رسول الله ﷺ : ( ... وإذا كان عند القعدة؛ فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله [سبع كلمات عن تحية الصلاة]. (مسلم وأبو عوانة).
٥ - تشهد عمر بن الخطاب؛ كان ﵁ يعلم الناس التشهد وهو على المنبر يقول: قولوا:
(التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات [لله]، السلام عليك ... ) إلخ؛ مثل تشهد ابن مسعود. (مالك والبيهقي بسند صحيح).
٦ - (ابن أبي شيبة والسراج والبيهقي) تشهد عائشة: قال القاسم بن محمد كانت عائشة تعلمنا التشهد وتشير بيدها تقول:
(التحيات، الطيبات، الصلوات، الزاكيات لله، السلام على النبي ... ) إلخ تشهد ابن مسعود.
الصلاة على النبي ﷺ ، وموضعها، وصيغها
وكان ﷺ يصلي على نفسه في التشهد الأول وغيره. (أبو عوانة في صحيحه).
وسنّ ذلك لأمته؛ حيث أمرهم بالصلاة عليه بعد السلام عليه، وعلمهم أنواعا من صيغ الصلاة عليه ﷺ :
١ - (اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل بيته، وعلى أزواجه وذريته؛ كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد). (أحمد والطحاوي بسند صحيح).
وهذا كان يدعو به هو نفسه ﷺ .
٢ - (اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على [إبراهيم وعلى] آل إبراهيم،